Полный текст (177 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مُقَدّمَة الْمُحَقق
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الِاجْتِهَاد إِن الْحَمد لله نحمده ونستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا من يهده الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ آل (عمرَان ١٠٢) ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَخلق مِنْهَا زَوجهَا وَبث مِنْهُمَا رجَالًا كثيرا وَنسَاء وَاتَّقوا الله الَّذِي تساءلون بِهِ والأرحام إِن الله كَانَ عَلَيْكُم رقيبا﴾ النِّسَاء ١ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَقُولُوا قولا سديدا يصلح لكم أَعمالكُم وَيغْفر لكم ذنوبكم وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد فَازَ فوزا عَظِيما﴾ الْأَحْزَاب ٧٠ ٧١ أما بعد فَإِن خير الحَدِيث كتاب الله وَخير الْهَدْي هدي مُحَمَّد ﷺ وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة وكل ضَلَالَة فِي النَّار لقد قدر الله لشريعة الْإِسْلَام خلودها وكفاءتها وصلاحيتها
стр. 2
لكل زمَان وَمَكَان فَأوحى إِلَى عَبده وَرَسُوله مُحَمَّد بن عبد الله النَّبِي الْأُمِّي ﷺ الْقُرْآن الْمجِيد ذَلِك الدستور الْكَامِل الخالد للبشرية جَمْعَاء قَائِلا ﴿وَإنَّهُ لكتاب عَزِيز لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ فصلت ٤١ ٤٢ وَأمر رَسُوله ببيانه وَشَرحه حَيْثُ قَالَ ﴿وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم ولعلهم يتفكرون﴾ النَّحْل ٤٤ وَأوجب طَاعَة رَسُوله على الْأمة فِي كل مَا يَأْمر وَينْهى قَائِلا ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ الْحَشْر ٧ فَجعل الله كِتَابه الْكَرِيم مَعَ سنة نبيه ﷺ الْمصدر الأساسي لِلْإِسْلَامِ فِي العقائد وَالْأَحْكَام والعبادات والمعاملات وَجَمِيع أُمُور المعاش والمعاد مَعَ هَذَا لم يهمل الله عقول هَذِه الْأمة الَّتِي أخرجت للنَّاس تَأمر بِالْمَعْرُوفِ وتنهى عَن الْمُنكر وتؤمن بِاللَّه وَلم يعطل مداركها وَلم يجمد أفكارها فَتكون متحيرة مشدوهة أَمَام الْمسَائِل الْجُزْئِيَّة الَّتِي تستجد مَعَ تغير الْعَصْر بل دَفعهَا إِلَى التفكير الدَّائِم فِي الْإِنْسَان والكون والحياة وحثها على الْعَمَل الدؤب لصالح الْأمة وَحملهَا على الِاجْتِهَاد المنشود لاستنباط الجزئيات المستحدثة من الكليات المقررة وَالْأُصُول الثَّابِتَة من الْكتاب وَالسّنة ﴿وَإِذا جَاءَهُم أَمر من الْأَمْن أَو الْخَوْف أذاعوا بِهِ وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته لاتبعتم الشَّيْطَان إِلَّا قَلِيلا﴾ النِّسَاء ٨٣ لما كَانَ إِعْمَال الْفِكر فِي نُصُوص الْكتاب وَالسّنة وَسِيلَة التعرف على الْأَحْكَام
стр. 3
غير الْمَنْصُوص عَلَيْهَا وَكَانَ الِاجْتِهَاد طَرِيقا حتميا للوقوف على مرامي الشَّرِيعَة وسبيل الْحفاظ على خلودها وصلاحيتها ومرونتها فتح الْإِسْلَام بَاب الِاجْتِهَاد على مصراعيه إِلَى مَا شَاءَ الله أَمَام عُلَمَاء الْأمة الْأَكفاء البررة العاملين بِالْكتاب وَالسّنة وَذَلِكَ لتغطية حاجات النَّاس حسب تجدّد الْمصَالح وَتغَير الْأَعْرَاف وَتقدم الزَّمن فأحببنا أَن نقدم بَين يَدي كتاب إرشاد النقاد إِلَى تيسير الِاجْتِهَاد بحثا يتَعَلَّق بِهَذَا الْمَوْضُوع الْهَام وَهَذَا الْبَحْث يحتوي على بَابَيْنِ الأول حكم الإجتهاد فِي الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة بعد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَالثَّانِي حكم الإجتهاد فِي الحكم على الحَدِيث فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة
стр. 4
- ﷺ َ - الْبَاب الأول حكم الإجتهاد فِي الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة ﷺ َ -
الإجتهاد فِي اللُّغَة
الإجتهاد فِي اللُّغَة مَأْخُوذ من الْجهد بِفَتْح الْجِيم وَضمّهَا وَهُوَ الْمَشَقَّة والإجتهاد والتجاهد بذل الوسع والمجهود والتجاهد بذل الوسع كالإجتهاد وعَلى هَذَا يُقَال اجْتهد فِي الْأَمر أَي بذل وَسعه وطاقته فِي طلبه ليبلغ إِلَى نهايته سَوَاء كَانَ هَذَا الْأَمر من الْأُمُور الحسية كالمشي وَالْعَمَل أَو الْأُمُور المعنوية كاستخراج حكم أَو نظرية عقلية أَو شَرْعِيَّة أَو لغوية فَيُقَال بذل طاقته ووسعه فِي تَحْقِيق أَمر من الْأُمُور الَّتِي تَسْتَلْزِم كلفة أَو مشقة فَقَط وَلَا يُقَال اجْتهد فِي حمل قلم أَو كِتَابَة سطر أَو سطور عَمَّا لَيْسَ فِيهِ مشقة
الإجتهاد فِي اصْطِلَاح الْأُصُولِيِّينَ
قد عرفه عُلَمَاء الْأُصُول بتعريفات تخْتَلف عباراتها وتتحد مَعَانِيهَا فِي
стр. 5
الْجُمْلَة ومغزاها فِيمَا يَلِي الإجتهاد هُوَ استفراغ الوسع وبذل المجهود فِي طلب الحكم الشَّرْعِيّ عقليا كَانَ أَو نقليا قَطْعِيا كَانَ أَو ظنيا على وَجه يحس من النَّفس الْعَجز عَن الْمَزِيد عَلَيْهِ
شُرُوط الإجتهاد
إِن شُرُوط الإجتهاد الَّتِي قررها الأصوليون فِيهَا بعض الِاخْتِلَاف من حَيْثُ الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَيُمكن لنا أَن نقسم هَذِه الشُّرُوط قسمَيْنِ حَتَّى يحتويا كل مَا ذكر فِيهَا بالإيجاز الْقسم الأول الشُّرُوط الْعَامَّة شُرُوط التَّكْلِيف وَهِي ١ الْإِسْلَام ٢ الْبلُوغ ٣ الْعقل
стр. 6
الْقسم الثَّانِي الشُّرُوط التأهيلية وَهِي تتنوع إِلَى نَوْعَيْنِ الأول الشُّرُوط الأساسية وَهِي ١ معرفَة الْكتاب ٢ معرفَة السّنة ٣ معرفَة اللُّغَة ٤ معرفَة أصُول الْفِقْه ٥ معرفَة مَوَاضِع الْإِجْمَاع الثَّانِي الشُّرُوط التكميلية وَهِي ١ معرفَة الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة ٢ معرفَة مَقَاصِد الشَّرِيعَة
стр. 7
٣ - معرفَة الْقَوَاعِد الْكُلية ٤ معرفَة مَوَاضِع الْخلاف ٥ الْعلم بِالْعرْفِ الْجَارِي فِي الْبَلَد ٦ معرفَة الْمنطق ٧ عَدَالَة الْمُجْتَهد وصلاحه ٨ حسن الطَّرِيقَة وسلامة المسلك ٩ الْوَرع والعفة ١٠ رصانة الْفِكر وجودة الملاحظة ١١ الإفتقار إِلَى الله تَعَالَى والتوجه إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ ١٢ ثقته بِنَفسِهِ وَشَهَادَة النَّاس لَهُ بالأهلية ١٣ مُوَافقَة عمله مُقْتَضى قَوْله
стр. 8
أهمية الإجتهاد
إِن الإجتهاد فِي الْإِسْلَام أقوى دَلِيل على أَن ديننَا الحنيف هُوَ الدّين الشَّامِل الخالد الوحيد الَّذِي يُسَايِر ركب الحضارة الإنسانية عبر العصور والأجيال ويرحب بِكُل التغيرات الطارئة والمشاكل الناجمة من تجدّد الظروف والمصالح على اخْتِلَاف المجتمعات الإنسانية فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا ويعرض لَهَا حلولا مُنَاسبَة فِي ضوء الْأَحْكَام الْكُلية وَالْأُصُول الثَّابِتَة من الْكتاب وَالسّنة
الإجتهاد منحة إلهية مستمرة
إِن مسَائِل الْعَصْر تتجد ووقائع الْوُجُود لَا تَنْحَصِر ونصوص الْكتاب وَالسّنة محصورة محدودة فَكَانَ الإجتهاد فِي الْأُمُور المستحدثة حَاجَة إسلامية ملحة لمسايرة ركب الْحَيَاة الإنسانية تَلْبِيَة لهَذِهِ الْحَاجة قد قَامَ الصَّحَابَة ﵃ وَمن بعدهمْ من التَّابِعين وأتباعهم وأئمة الْإِسْلَام وفقهاء الْأمة بالإجتهاد فِي الْمسَائِل المستجدة فِي عصورهم وَصَارَ الإجتهاد منحة ربانية مستمرة يتمتع بهَا الْمُسلمُونَ بجهود الْمُجْتَهدين الْأَكفاء فِي كل زمَان وَمَكَان وَلم تكن خَاصَّة بعصر دون عصر وبمصر دون مصر حَتَّى يفهم ونعوذ بِاللَّه تَعَالَى أَن رَحْمَة الله صَارَت عقيمة بعد ذَلِك وانقطعت عَن الْعلمَاء الْمُتَأَخِّرين المتأهلين وَلَا شكّ أَن هَذَا الإعتقاد بإنتهاء الإجتهاد والمجتهدين تحجر رَحْمَة الله الواسعة وَحكم على قدره وقضائه بِدُونِ علم يشبه بصيحة فِي وَاد وَنفخ فِي رماد أَمَام قَول الله ﴿وَآخَرين مِنْهُم لما يلْحقُوا بهم وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم﴾ الْجُمُعَة ٢ ٣
стр. 9
وَعَن أنس بن مَالك ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ مثل أمتِي مثل الْمَطَر لَا يدرى أَوله خير أم آخِره هَذَا وَلَا يسوغ لأحد أَن يَدعِي أَن الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين الْمُتَقَدِّمين استوعبوا كل مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لِأَن اسْتِيعَاب مَا كَانَ وَمَا يكون من صِفَات الله الَّتِي لَا يُشَارِكهُ فِيهَا أحد غَيره ﴿وَعِنْده مفاتح الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ وَيعلم مَا فِي الْبر وَالْبَحْر وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ الْأَنْعَام ٥٩ وَلأَجل هَذَا لم يكن الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ يجتهدون فِي الْمسَائِل الخيالية بل كَانُوا يكْرهُونَ الْكَلَام فِيمَا لم يَقع ويمتنعون من الْإِجَابَة عَن الإفتراضات عَن مَسْرُوق بن الأجدع قَالَ سَأَلت أبي بن كَعْب عَن شَيْء فَقَالَ أَكَانَ بعد قلت لَا قَالَ فاصبر حَتَّى يكون فَإِن كَانَ اجتهدنا لَك رَأينَا وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ إيَّاكُمْ وَهَذِه العضل فَإِنَّهَا إِذا نزلت بعث الله لَهَا من يقيمها ويفسرها
стр. 10
كل هَذَا التوقي من الْكَلَام فِي الإفتراضات كَانَ إِيمَانًا بِأَن الجهود الإنسانية مهما بذلت فِي تدوين الْمسَائِل الخيالية والوقائع الْفَرْضِيَّة لَا تستوعبها وَأما عِنْد وُقُوعهَا فَالله الْقَادِر الْقَدِير عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة يقيض من يحلهَا ويجتهد فِيهَا
مدى حريَّة التفكير والإجتهاد عِنْد الْأَئِمَّة وَاخْتِلَاف أَصْحَابهم مَعَهم
إِن الْأَئِمَّة ﵏ كَانُوا يبذلون أقْصَى جهودهم للوصول إِلَى الْحق فِي الْمسَائِل الإجتهادية وَمَعَ هَذَا لم يَكُونُوا يقطعون بِأَن إجتهادهم هُوَ مسك الختام وَالْأَمر الآخر الَّذِي لَا يجوز خِلَافه قطعا بل كَانُوا يحتاطون احْتِيَاطًا لَازِما عِنْد إبداء آرائهم فِي الْمسَائِل وَيَخَافُونَ فِي ذَلِك مُخَالفَة النُّصُوص الصَّرِيحَة من الْكتاب وَالسّنة وَلأَجل هَذَا نصوا على الرُّجُوع إِلَى السّنة عِنْد ظُهُور مخالفتهم إِيَّاهَا وأوصوا تلاميذهم وأصحابهم بترك أَقْوَالهم الْمُخَالفَة لَهَا وَهِي مستفيضة فِي مَكَانهَا
стр. 11
وَكَذَلِكَ لَا يتَصَوَّر أَن إِمَامًا من الْأَئِمَّة الْأَعْلَام مهما بلغ من الْعلم وَالْحِفْظ والضبط والإتقان وَالْفضل والوجاهة يسْتَقلّ بالحكم على الشَّيْء ويستبد بِرَأْيهِ ويفرضه على الآخرين فرضا قَالَ الله ﴿نرفع دَرَجَات من نشَاء وَفَوق كل ذِي علم عليم﴾ يُوسُف ٧٦ ﴿وَقَالَ﴾ ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾ الْإِسْرَاء ٨٥ وَإِنِّي أعتقد وأدين بِأَن الْأَئِمَّة كَانُوا أبعد من أَن يتصفوا بِهَذِهِ الصّفة الكريهة من الاستبداد بِالرَّأْيِ وفرضه على الآخرين وَكَانُوا يدورون حَيْثُ دَار الْحق بِكُل أَمَانَة وإخلاص فَالْحق لَيْسَ محصورا فِي رَأْي أحد قطعا إِلَّا النَّبِي الْمَعْصُوم ﷺ وَمَا أحسن مَا ورد عَن الإِمَام أبي حنيفَة من قَوْله عِنْد الْإِفْتَاء هَذَا رَأْي النُّعْمَان بن ثَابت يَعْنِي نَفسه وَهُوَ أحسن مَا قدرت عَلَيْهِ فَمن جَاءَ بِأَحْسَن مِنْهُ فَهُوَ أولى بِالصَّوَابِ وَنقل عَن الإِمَام الشَّافِعِي أَنه قَالَ مَا ناظرت أحدا إِلَّا قلت اللَّهُمَّ أجر الْحق على قلبه وَلسَانه فَإِن كَانَ الْحق معي اتبعني وَإِن كَانَ الْحق مَعَه اتبعته انطلاقا من هَذَا المبدأ الْعَادِل من حريَّة التفكير وَتَقْدِير رَأْي الآخرين اخْتلفت الْأَئِمَّة فِيمَا بَينهم فِي الْأُصُول وَاخْتلف أَصْحَابهم مَعَهم أَيْضا فِي الْأُصُول كَمَا اخْتلفُوا مَعَهم فِي الْفُرُوع
стр. 12
فقد اخْتلف أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ مَعَ شيخهما الإِمَام أبي حنيفَة حَتَّى فِي الْأُصُول قَالَ السُّبْكِيّ فَإِنَّهُمَا يخالفان أصُول صَاحبهمَا وَقَالَ ابْن خلكان فِي تَرْجَمَة أبي يُوسُف كَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ مَذْهَب أبي حنيفَة وَخَالفهُ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيّ استنكف مُحَمَّد بن الْحسن وَأَبُو يُوسُف عَن مُتَابَعَته فِي ثُلثي مذْهبه ووافقا الشَّافِعِي ﵏ فِي أَكثر الْمسَائِل وَقَالَ السُّيُوطِيّ وَكَذَلِكَ ابْن وهب وَابْن الْمَاجشون والمغيرة بن أبي حَازِم ومطرف بن كنَانَة لم يقلدوا شيخهم مَالِكًا فِي كل مَا قَالَ بل خالفوه فِي مَوَاضِع واختاروا غير قَوْله وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْمُزنِيّ وَأبي عبيد بن حربويه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن سُرَيج فَإِن كلا مِنْهُم خَالف إِمَامه فِي أَشْيَاء وَاخْتَارَ مِنْهَا غير قَوْله يَتَّضِح من هَذَا أَن اجْتِهَاد الْمُجْتَهد ورأيه لَا يُمكن أَن يكون بِمَثَابَة حكم الله وَلَو كَانَ كَذَلِك لما سَاغَ لأَصْحَاب الْأَئِمَّة أَن يخالفوا آراء شيوخهم
стр. 13
وَهَكَذَا كَانَ الْفِقْه الإسلامي فِي الْقُرُون الْمَشْهُود لَهَا بِالْخَيرِ فِي ازدهار مُسْتَمر ونمو متواصل وَتقدم دَائِم وَكَانَت اجتهادات الْأَئِمَّة بَين الْأَخْذ وَالعطَاء وَالرَّدّ وَالْقَبُول حَتَّى فِي أوساط أَصْحَابهم إِلَى أَن فَشَا التَّقْلِيد فِي نصف الْقرن الرَّابِع وَبَدَأَ التعصب المذهبي يبيض ويفرخ ويصور الْحَكِيم ولي الله الدهلوي مَا حدث فِي النَّاس بعد الْمِائَة الرَّابِعَة قَائِلا وَلم يَأْتِ قرن بعد ذَلِك إِلَّا وَهُوَ أَكثر فتْنَة وأوفر تقليدا وَأَشد انتزاعا للأمانة من صُدُور الرِّجَال حَتَّى اطمأنوا بترك الْخَوْض فِي أَمر الدّين وَبِأَن يَقُولُوا ﴿إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مقتدون﴾ الزخرف ٢٢ وَإِلَى الله المشتكى وَهُوَ الْمُسْتَعَان وَبِه الثِّقَة وَعَلِيهِ التكلان
بَاب محزن من تأريخ الْمذَاهب الْفِقْهِيَّة
نظرة على كتب الْمذَاهب الْفِقْهِيَّة وسير الْأَئِمَّة المتبوعين وكتابات عُلَمَاء الْمذَاهب لتقويم مذاهبهم وترجيحها على الْمذَاهب الْأُخْرَى تكشف مَا بَينهَا من أحقاد متأصلة واتهامات متبادلة وحروب متطاولة وهجمات عنيفة حَتَّى على الْأَئِمَّة وَحط أقدارهم وتسفيه آرائهم مَا يَجْعَل الْإِنْسَان الْمُسلم الْمنصف الْعَادِل يتَيَقَّن أَن قَول مقلدة الْمذَاهب الشَّائِع بَينهم إِن الْمذَاهب كلهَا حق وعَلى الصَّوَاب من الدعاوي الْمُجَرَّدَة الَّتِي لَا دَلِيل عَلَيْهَا وَالْوَاقِع التأريخي يصدق ذَلِك مُنْذُ نشوء التعصب الْأَعْمَى للمذاهب حَتَّى يَوْمنَا هَذَا وإليكم بعض الْأَدِلَّة على مَا قُلْنَاهُ على سَبِيل الْمِثَال لَا الْحصْر
١ - كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ
كل من مقلدة الْمذَاهب يَدعِي أَن الْحق مَا هُوَ عَلَيْهِ وَمَا عَلَيْهِ غَيره فَبَاطِل وجوبا
стр. 14
قَالَ الحصفكي وَهُوَ من أشهر المؤلفين الأحناف فِي الْفِقْه الْحَنَفِيّ وفيهَا أَي فِي الْأَشْبَاه إِذا سئلنا عَن مَذْهَبنَا وَمذهب مخالفنا قُلْنَا وجوبا مَذْهَبنَا صَوَاب يحْتَمل الْخَطَأ وَمذهب مخالفنا خطأ يحْتَمل الصَّوَاب وَإِذا سئلنا عَن معتقدنا ومعتقد خصومنا قُلْنَا وجوبا الْحق مَا نَحن عَلَيْهِ وَالْبَاطِل مَا عَلَيْهِ خصومنا وَأَيْضًا نسب الحصفكي أَبْيَات إِلَى عبد الله بن الْمُبَارك فِي مدح الإِمَام أبي حنيفَة وَمِنْهَا ... فلعنة رَبنَا أعداد رمل ... على من رد قَول أبي حنيفَة ... وَنسب إِلَى أبي الْحسن الْكَرْخِي الْحَنَفِيّ أَنه قَالَ كل آيَة تخَالف مَا عَلَيْهِ أَصْحَابنَا فَهِيَ مؤولة أَو مَنْسُوخَة وَحَدِيث كَذَلِك فَهُوَ مؤول أَو مَنْسُوخ وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيّ الشَّافِعِي نَحن ندعي أَن يجب على كَافَّة العاقلين وَعَامة الْمُسلمين شرقا وغربا بعدا وقربا انتحال مَذْهَب الشَّافِعِي وَيجب على الْعَوام الطغام والجهال الأنذال أَيْضا انتحال مذْهبه بِحَيْثُ لَا يَبْغُونَ عَنهُ حولا وَلَا يُرِيدُونَ بِهِ بَدَلا
стр. 15
وَهَكَذَا كل وَاحِد يعظم إِمَامه ويرجح مذْهبه وَيَدْعُو إِلَى التقيد بِهِ ويسفه مَذَاهِب الآخرين ويبالغ فِي حط أقدارهم وَيرْفَع إِمَامه إِلَى منزلَة لم يبلغ بهَا أحد من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ
إقتداء المقلدين بَعضهم لبَعض فِي الصَّلَاة
وصل الْخلاف المذهبي بَين المقلدين إِلَى أَن كثيرا من فُقَهَاء الأحناف قد أفتوا بِبُطْلَان صَلَاة الْحَنَفِيّ وَرَاء إِمَام شَافِعِيّ قَالَ ابْن الْهمام قَالَ أَبُو الْيُسْر اقْتِدَاء الْحَنَفِيّ بشافعي غير جَائِز لما روى مَكْحُول النَّسَفِيّ فِي كتاب لَهُ سَمَّاهُ الشعاع أَن رفع الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة عِنْد الرُّكُوع وَالرَّفْع مِنْهُ مُفسد بِنَاء على أَنه عمل كثير وَمِنْهُم من قيد جَوَاز الِاقْتِدَاء بِهِ كقاضيخان بِأَن لَا يكون متعصبا وَلَا شاكا فِي إيمَانه ويحتاط فِي مَوْضُوع الْخلاف وَقد رد الشَّافِعِيَّة على هَذِه التهجمات الْحَنَفِيَّة بِأَن ألفوا كتبا ينتقصون فِيهَا مَذْهَب الْحَنَفِيَّة وَمن أشهرها كتاب مغيث الْخلق فِي تَرْجِيح القَوْل الْحق لأبي الْمَعَالِي عبد الملك الْجُوَيْنِيّ الشهير بِإِمَام الْحَرَمَيْنِ ت ٤٧٨ هـ فقد عَابَ فِيهِ مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة فِي الصَّلَاة وَقَالَ وَهُوَ يصور الصَّلَاة الَّتِي جوزها الْحَنَفِيَّة فَإِن من انغمس فِي مستنقع نَبِيذ وَلبس جلد كلب غير مدبوغ وَأحرم بِالصَّلَاةِ مبدلا بِصِيغَة التَّكْبِير تَرْجَمته تركيا أَو هنديا ويقتصر فِي الْقُرْآن على تَرْجَمَة قَوْله ﴿مدهامتان﴾ ثمَّ يتْرك الرُّكُوع وينقر النقرتين لَا قعُود بَينهمَا وَلَا يقْرَأ التَّشَهُّد ثمَّ يحدث عمدا فِي آخر صلَاته بدل التَّسْلِيم وَلَو انفلت مِنْهُ بِأَن سبقه
стр. 16
الْحَدث يُعِيد الْوضُوء فِي أثْنَاء صلَاته وَيحدث بعده فَإِن لم يكن قَاصِدا فِي حَدثهُ الأول تحلل عَن صلَاته على الصِّحَّة ثمَّ قَالَ وَالَّذِي يَنْبَغِي أَن يقطع بِهِ كل ذِي دين أَن مثل هَذِه الصَّلَاة لَا يبْعَث الله بهَا نَبيا وَمَا بعث مُحَمَّد بن عبد الله صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ لدعاء النَّاس إِلَيْهَا وَهِي قطب الْإِسْلَام وعماد الدّين وَقد زعم أَن هَذَا الْقدر أقل الْوَاجِب فَهِيَ الصَّلَاة الَّتِي بعث بهَا النَّبِي ﷺ وَمَا عَداهَا آدَاب وَسنَن فَإِذن تدقيق الشَّافِعِي ﵁ يلائم الأَصْل وَيُوَافِقهُ فَكَانَ أولى من تدقيق أبي حنيفَة ﵁ لِأَنَّهُ يُخَالف الأَصْل
المحاريب الْأَرْبَعَة
من أَسْوَأ آثَار التَّقْلِيد على الْأمة مَا وَقع من تَقْسِيم الْقَضَاء والإفتاء والتدريس على عُلَمَاء الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَتَخْصِيص قَاض لَك مَذْهَب من الْمذَاهب يصور المقريزي هَذِه الظَّاهِرَة تصويرا محزنا فَيَقُول فَلَمَّا كَانَت سلطنة الْملك الظَّاهِر بيبرس البند قداري ولي بِمصْر والقاهرة أَرْبَعَة قُضَاة وهم شَافِعِيّ ومالكي وحنفي وحنبلي فاستمر ذَلِك من سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة حَتَّى لم يبْق فِي مَجْمُوع أَمْصَار الْإِسْلَام مَذْهَب يعرف من مَذَاهِب أهل الْإِسْلَام سوى هَذِه الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وعقيدة الْأَشْعَرِيّ وعملت لأَهْلهَا الْمدَارِس والخوانك والزوايا والربط فِي سَائِر ممالك الْإِسْلَام وعودي من تمذهب بغَيْرهَا وَأنكر عَلَيْهِ وَلم يول قَاض وَلَا قبلت شَهَادَة أحد وَلَا قدم للخطابة
стр. 17
والإمامة والتدريس أحد مَا لم يكن مُقَلدًا لأحد هَذِه الْمذَاهب وَأفْتى فُقَهَاء هَذِه الْأَمْصَار بطول هَذِه الْمدَّة بِوُجُوب اتِّبَاع هَذِه الْمذَاهب وَتَحْرِيم مَا عَداهَا وَلم ينْتَه الْأَمر بِوُجُوب تَقْلِيد الْمذَاهب الْأَرْبَعَة بل صَار كل مَذْهَب مِنْهَا كَدين مُسْتَقل ونصوا على بطلَان الصَّلَاة خلف مُخَالف الْمَذْهَب كَمَا مضى وبالتالي كَانَ إنْشَاء المقامات للمذاهب الْأَرْبَعَة فِي الْحرم الْمَكِّيّ أمرا حتميا قَامَ بِهِ أشر مُلُوك الجراكسة فرج بن برقوق فِي أَوَائِل الْمِائَة التَّاسِعَة وَكَانَ الْأَمر على ذَلِك حَتَّى جمعهم الْملك الإِمَام عبد العزيز آل السُّعُود خلف إِمَام وَاحِد وَهدم ابْنه الْملك سعود بن عبد العزيز هَذِه المقامات الْأَرْبَعَة عِنْد الْبناء الْجَدِيد لبيت الله الْحَرَام فجزاهما الله خيرا وللأسف الشَّديد حَتَّى الْآن تُوجد الْمَسَاجِد الْخَاصَّة بأصحاب الْمذَاهب فِي بعض الْبلدَانِ وخاصة فِي شبه القارة الْهِنْدِيَّة
الزواج بَين المقلدين
لقد وصل الْخلاف إِلَى أَن منع بعض الْفُقَهَاء الأحناف تزوج الْحَنَفِيّ من الْمَرْأَة الشَّافِعِيَّة ثمَّ صدرت فَتْوَى من فَقِيه آخر ملقب بمفتي الثقلَيْن فَأجَاز تزوج الْحَنَفِيّ بالشافعية وَعلل ذَلِك بقوله تَنْزِيلا لَهَا منزلَة أهل الْكتاب وَقَالَ الْعَلامَة رشيد رضَا وَقد بلغ من إِيذَاء بعض المتعصبين لبَعض فِي
стр. 18
طرابلس الشَّام فِي آخر الْقرن الْمَاضِي أَن ذهب بعض شُيُوخ الشَّافِعِيَّة إِلَى الْمُفْتِي وَهُوَ رَئِيس الْعلمَاء وَقَالَ لَهُ اقْسمْ الْمَسَاجِد بَيْننَا وَبَين الْحَنَفِيَّة فَإنَّا فلَانا من فقهائهم يعدنا كَأَهل الذِّمَّة بِمَا أذاع فِي هَذِه الْأَيَّام من خلافهم فِي تزوج الرجل الْحَنَفِيّ بِالْمَرْأَةِ الشَّافِعِيَّة وَقَول بَعضهم لَا يَصح لِأَنَّهَا تشك فِي إيمَانهَا يَعْنِي أَن الشَّافِعِيَّة وَغَيرهم يجوزون أَن يَقُول الْمُسلم أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله وَقَول آخَرين بل يَصح نِكَاحهَا قِيَاسا على الذِّمِّيَّة
التناحر بَين الْمذَاهب
قد حصل التناحر العجيب بن الْمذَاهب بِحَيْثُ لم يكن يحب صَاحب مَذْهَب أَن تبقى الْمذَاهب الْأُخْرَى وَذَلِكَ تَحت رِعَايَة الدولة يَقُول المقريزي وَكَانَت الأفريقية الْغَالِب عَلَيْهَا السّنَن والْآثَار إِلَى أَن قدم عبد الله بن فروج أَبُو مُحَمَّد الْفَارِسِي بِمذهب أبي حنيفَة ثمَّ غلب أَسد بن الْفُرَات بن سِنَان قَاضِي أفريقية بِمذهب أبي حنيفَة ثمَّ أَن الْمعز بن باديس حمل جَمِيع أهل إفريقية على التَّمَسُّك بِمذهب مَالك وَترك مَا عَداهَا من الْمذَاهب فَرجع أهل إفريقية وَأهل الأندلس كلهم إِلَى مَذْهَب مَالك إِلَى الْيَوْم رَغْبَة فِيمَا عِنْد السُّلْطَان وحرصا على طلب الدُّنْيَا فَكَانَ الْقَضَاء والإفتاء فِي جَمِيع تِلْكَ المدن وَسَائِر الْقرى لَا يكون إِلَّا لمن تسمى بالفقه على مَذْهَب مَالك فاضطرت الْعَامَّة إِلَى أحكامهم وفتاواهم فَفَشَا هَذَا الْمَذْهَب هُنَاكَ فشوا طبق تِلْكَ الأقطار كَمَا فَشَا مَذْهَب أبي حنيفَة بِبِلَاد الْمشرق وَذكر الْحَافِظ أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن كثير الدِّمَشْقِي أَن الْملك الْأَفْضَل ابْن
стр. 19
صَلَاح الدّين ت ٥٩٥ هـ كَانَ قد عزم فِي السّنة الَّتِي توفّي فِيهَا على إِخْرَاج الْحَنَابِلَة من بَلَده وَأَن يكْتب إِلَى بَقِيَّة إخْوَته بإخراجهم من الْبِلَاد وَذكر أَيْضا أَن عبد الغني الْمَقْدِسِي تعرض إِلَى مَسْأَلَة صِفَات الله فِي دمشق فَغَضب عَلَيْهِ أَتبَاع الْمذَاهب الْأُخْرَى فَأمر الْأَمِير صارم الدّين برغش بنفيه من الْبَلَد وَأرْسل الْأُسَارَى من القلعة فكسروا مِنْبَر الْحَنَابِلَة وتعطلت يَوْمئِذٍ صَلَاة الظّهْر فِي محراب الْحَنَابِلَة
مدى انتشار الحروب وخراب الْبِلَاد بَين المتمذهبين
لم تكن الخلافات والنزاعات بَين المقلدين مقتصرة على الآراء الْفِقْهِيَّة فَقَط بل بلغ بهم التعصب إِلَى الحروب الطاحنة فِيمَا بَينهم يرْوى لنا التأريخ الشي الْكثير من ذَلِك قَالَ ياقوت الْحَمَوِيّ وَهُوَ بصدد ذكر مَدِينَة أَصْبَهَان وَقد فَشَا الخراب فِي هَذَا الْوَقْت وَقَبله فِي نَوَاحِيهَا لِكَثْرَة الْفِتَن والتعصب بَين الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة والحروب الْمُتَّصِلَة بَين الحزبين فَكلما ظَهرت طَائِفَة نهبت محلّة الْأُخْرَى وأحرقتها وخربتها لَا يَأْخُذهُمْ فِي ذَلِك إل وَلَا ذمَّة وَمَعَ ذَلِك فقد قل أَن تدوم بهَا دولة سُلْطَان أَو يُقيم بهَا فيصلح فاسدها وَكَذَلِكَ الْأَمر فِي رساتيقها وقراها الَّتِي كل وَاحِدَة مِنْهَا كالمدينة وَهَذَا غيض من فيض مِمَّا وَقع بَين أَتبَاع الْمذَاهب الَّذِي يندى لَهُ جبين التعصب أعاذنا الله جَمِيعًا من هَذَا الدَّاء العضال الَّذِي أصَاب الْأمة الإسلامية
стр. 20
المتلاحمة ففرقها ولنختم هَذَا الْمَوْضُوع بِمَا أوردهُ اللكنوي فِي كتاب الْفَوَائِد البهية فِي تَرْجَمَة عِيسَى بن سيف الدّين أبي بكر بن أَيُّوب فقد قَالَ فِيهِ كَانَ متغاليا فِي التعصب لمَذْهَب أبي حنيفَة قَالَ لَهُ وَالِده يَوْمًا كَيفَ اخْتَرْت مَذْهَب أبي حنيفَة وَأهْلك كلهم شافعية فَقَالَ أترغبون عَن أَن يكون فِيكُم رجل وَاحِد مُسلم
رمتني بدائها وانسلت
بعد هَذَا الاستعراض لتأريخ التناحرات المذهبية المقيتة آمل أَن تتبلور حَقِيقَة دَعْوَى أَن الْمذَاهب كلهَا حق وعَلى الصَّوَاب وتنكشف نوايا المقلدة الخبيثة ضد الْأَئِمَّة الآخرين وحربهم الشعواء على الْمذَاهب الْأُخْرَى مُؤمنين إِيمَانًا جَازِمًا بِأَن الْمَذْهَب الَّذِي هم عَلَيْهِ هُوَ الْحجَّة الشَّرْعِيَّة الوحيدة على كل فَرد من أَفْرَاد الْأمة وَلَا يجوز لأحد أَن يخرج عَنهُ من المؤسف المحزن المخزي أَن الجذوة التقليدية الجائرة لم تخمد حَتَّى الْآن فِي أوساط أَتبَاع الْمذَاهب فِي كثير من الْبلدَانِ وَلَو كَانَ الْأَمر بِأَيْدِيهِم لأخذوا الْجِزْيَة من أَتبَاع الْمذَاهب الْأُخْرَى كَمَا قَالَ مُحَمَّد بن مُوسَى البلاساغوني المبتدع قَاضِي دمشق الْمُتَوفَّى ٥٠٦ هـ لَو كَانَ لي أَمر لأخذت الْجِزْيَة من الشَّافِعِيَّة يتقطع الْقلب حزنا وأسى على رضاهم عَن تِلْكَ الداهية الدهياء والمصيبة الصماء الَّتِي شتت شَمل الْأمة أَسْوَأ تشتيت فِي الْمَاضِي وتمزقها فِي الْمُسْتَقْبل شَرّ ممزق
стр. 21
إِذا لم ينتبهوا لخطرها المحدق وشرها المستطير إِن تعجب فَعجب من هَؤُلَاءِ الَّذين يفترون على الدعاة المحايدين عَن التَّقْلِيد الْأَعْمَى والتعصب المذهبي الَّذين يتألمون من وَاقع الْمُسلمين المرير وَوضع الْأمة المتدهور وينادون بوحدة الْأمة بِالرُّجُوعِ إِلَى الْكتاب وَالسّنة والتحاكم إِلَيْهِمَا فِي الْمسَائِل الْمُخْتَلف فِيهَا مَعَ الاحترام وَالتَّقْدِير وَالِاعْتِبَار باجتهادات الْأَئِمَّة ورواد هَذِه الْأمة ويرمونهم بالشذوذ والتقوقع والرجعية والتقهقر وَالِاجْتِهَاد واللامذهبية وعمالة الاستعمار وَالْحَرب على الْمذَاهب والعداوة للأئمة ﵏ وَذَلِكَ كُله بأقلام من الدكاترة والمشايخ والمحدثين أَيهَا القارىء الْكَرِيم قلي لي بِاللَّه من هُوَ أَحَق بِأَن يَتَّصِف بِتِلْكَ الصِّفَات فِي ضوء مَا مضى ذكره من النزاعات والخلافات بَين المتمذهبين هَكَذَا صَار الْمَعْرُوف مُنْكرا وَالْمُنكر مَعْرُوفا وانعكست المفاهيم واختلت الموازين واحتجبت الْحَقَائِق وَلَكِنِّي أعتقد بِأَنَّهَا لَا تغيب عَن الْمُسلم الْمنصف الْعَادِل مهما حاول المغرضون ... فَلَو لبس الْحمار ثِيَاب خَز ... لقَالَ النَّاس يالك من حمَار ... وَلَقَد أدْرك مدى هَذِه الخلافيات المذهبية بعض المغرضين الَّذين يقدمُونَ أعذارا بَارِدَة لعدم تطبيق الشَّرِيعَة الإسلامية كَمَا نقرأها فِي المجلات والصحف اليومية وَيَقُولُونَ أَن الْمذَاهب مُخْتَلفَة فَلَو طبقت الشَّرِيعَة فعلى أَي مَذْهَب تطبق وَلَا شكّ هَذَا موطن ضعف لَا يُمكن علاجه إِلَّا بِالرُّجُوعِ إِلَى الْكتاب وَالسّنة مَعَ الاستنارة من آراء الْمُجْتَهدين فِي القضايا وترجيحها على الْأُخْرَى حسب قُوَّة الْأَدِلَّة لَا كَثْرَة العاملين المتعصبين لمَذْهَب فِي ميدان تصنيف الْفِقْه الإسلامي
стр. 22
وَإِلَّا يكون عبارَة عَن تجميع آراء الْمذَاهب بأدلتها الْخَاصَّة الَّذِي لَا يخْتَلف عَن الْكتب الْقَدِيمَة للمذاهب شَيْئا كم نتمنى أَن تعد موسوعة فقهية على هَذَا الْمنْهَج السَّلِيم المحايد كي تكون مرجعا موحدا لتلقي الْأَحْكَام فِي الْقَضَاء ودستورا شَرْعِيًّا أقرب مَا يُمكن إِلَى الصَّوَاب وقانونا رسميا يجْتَمع عَلَيْهِ الشّعب كُله وكل هَذَا مُمكن بِأَدْنَى تَوْجِيه من المسئولين القائمين على هَذِه الْأَمَانَة الإسلامية ﴿وَمَا ذَلِك على الله بعزيز﴾ إِبْرَاهِيم ٢٠
بَاب الإجتهاد وأسبابه
لما تغلغل الْمَذْهَب فِي سويداء قُلُوبهم وغرز التَّقْلِيد الجامد براثنه فِي جسم الْأمة وفرطوا فِي الْقيام بالإجتهاد وَفِي الْمسَائِل واعتمدوا على الإحتكام إِلَى مَذْهَب من الْمذَاهب مهما كَانَ دَلِيله قُوَّة وضعفا نادوا بسد بَاب الإجتهاد فِي منتصف الْقرن الرَّابِع بِدُونِ دَلِيل وَبِدُون حق لأسباب تتلخص فِي النقاط التالية ضعف السُّلْطَان السياسي للخلفاء العباسيين مِمَّا أثر فِي حَيَاة الْفِقْه وَالْفُقَهَاء فَلم يَجدوا التشجيع الَّذِي كَانَ يحفزهم على الإنتاج الفقهي تدوين الْمذَاهب وترتيب مسائلها وتبويبها مِمَّا جعل الْفُقَهَاء يركنون إِلَى هَذِه الثروة الْفِقْهِيَّة ويستغنون بهَا عَن الْبَحْث والاستنباط ضعف الثِّقَة بِالنَّفسِ والتهيب من الِاجْتِهَاد مِمَّا جعل الْفُقَهَاء يؤثرون التَّقْلِيد على الْخَوْض فِي ميدان الإجتهاد الْمُطلق إدعاء الإجتهاد مِمَّن لَيْسُوا أَهلا لَهُ فأفتوا بسد بَاب الإجتهاد دفعا لهَذَا
стр. 23
الْفساد وحفظا لدين الله شيوع التحاسد بَين الْعلمَاء مِمَّا جعل الْكثير مِنْهُم يحجم عَن الِاجْتِهَاد خوفًا من أَن يكيد لَهُ أعداؤه ويرموه بالإبتداع فوقفوا عِنْد أَقْوَال الْمُتَقَدِّمين تعْيين الْقُضَاة والمفتين على الْمذَاهب مِمَّا كسر همم الْفُقَهَاء فِي الْخَوْض فِي الْمسَائِل عدم إعتداد الْعَامَّة بإجتهادات الْعلمَاء المعاصرين وثقتهم بالعلماء الْمُتَقَدِّمين خوف الْحُكَّام من اسْتِمْرَار الإجتهاد لما كَانَت تسببه إجتهادات بعض الْمُجْتَهدين لَهُم من تشويش وإحراج وقلق يَتَّضِح جليا بعد إمعان النّظر فِي هَذِه الْأَسْبَاب بِأَن مخاوف الْعلمَاء فِي اسْتِمْرَار الإجتهاد الْتَقت مَعَ رَغْبَة الْحُكَّام والساسة على إغلاق الِاجْتِهَاد وَإِن اخْتلفت الْمَقَاصِد والأهداف وَكَذَلِكَ لَيْسَ من بَين هَذِه العوامل أَي عَامل ديني فِي منع الِاجْتِهَاد
مَتى انسد بَاب الإجتهاد
اخْتلف الْعلمَاء الْقَائِلُونَ بسد بَاب الإجتهاد فِي تعْيين وَقت بَدْء إغلاق بَاب الِاجْتِهَاد قَالَ صَاحب فواتح الرحموت ثمَّ إِن من النَّاس من حكم بِوُجُوب الْخُلُو من بعد الْعَلامَة النَّسَفِيّ واختتم الإجتهاد بِهِ وعنوا الإجتهاد فِي الْمَذْهَب وَأما الإجتهاد الْمُطلق فَقَالُوا
стр. 24
اختتم بالأئمة الْأَرْبَعَة حَتَّى أوجبوا تَقْلِيد وَاحِد من هَؤُلَاءِ على الْأمة وَهَذَا كُله هوس من هوساتهم لم يَأْتُوا بِدَلِيل وَلَا يعبأ بكلامهم وَإِنَّمَا هم من الَّذين حكم الحَدِيث أَنهم أفتوا بِغَيْر علم فضلوا وأضلوا وَلم يفهموا أَن هَذَا إِخْبَار بِالْغَيْبِ فِي خمس لَا يعلمهُنَّ إِلَّا الله تَعَالَى وَذكر ابْن حزم وَابْن قيم الجوزية قَول طَائِفَة قَالَت لَيْسَ لأحد أَن يخْتَار بعد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَزفر بن الْهُذيْل وَمُحَمّد بن الْحسن وَالْحسن بن زِيَاد اللؤْلُؤِي وَهَذَا قَول كثير من الْحَنَفِيَّة وَقَالَ بكر بن الْعَلَاء الْقشيرِي الْمَالِكِي لَيْسَ لأحد أَن يخْتَار بعد الْمِائَتَيْنِ من الْهِجْرَة وَقَالَ آخَرُونَ لَيْسَ لأحد أَن يخْتَار بعد الْأَوْزَاعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ ووكيع بن الْجراح وعبد الله بن الْمُبَارك وَقَالَت طَائِفَة لَيْسَ لأحد أَن يخْتَار بعد الشَّافِعِي وَاخْتلفُوا مَتى انسد بَاب الإجتهاد على أَقْوَال كَثِيرَة مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان وَمِمَّا يَتَرَتَّب على فَتْوَى سد بَاب الإجتهاد أَنه يجوز خلو الْعَصْر من الْمُجْتَهد وَذهب إِلَيْهِ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب والكمال بن الْهمام وَابْن السُّبْكِيّ والبهاري وَغَيرهم
стр. 25
وَقَالَ الرَّافِعِيّ الْخلق كالمتفقين على أَنه لَا مُجْتَهد الْيَوْم وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ وَلَعَلَّه أَخذه من كَلَام الرَّازِيّ أَو من قَول الْغَزالِيّ فِي الْوَسِيط حَيْثُ صرح قَائِلا قد خلا الْعَصْر عَن الْمُجْتَهد المستقل ثمَّ عقب على ذَلِك وَقَالَ وَنقل الِاتِّفَاق عَجِيب وَالْمَسْأَلَة خلافية بَيْننَا وَبَين الْحَنَابِلَة وساعدهم بعض أَئِمَّتنَا وَقَالَ الْحَنَابِلَة بِعَدَمِ جَوَاز خلو الْعَصْر عَن الْمُجْتَهد وَقَالَ ابْن بدران ذهب أَصْحَابنَا إِلَى أَنه لَا يجوز خلو الْعَصْر عَن مُجْتَهد وَإِلَى ذَلِك ذهب طوائف وَلم يذكر ابْن عقيل خلاف هَذَا إِلَّا عَن بعض الْمُحدثين
ردود الْعلمَاء على سد بَاب الإجتهاد
إِن سد بَاب الإجتهاد على الْعلمَاء الْأَكفاء من جنايات التَّقْلِيد على الْأمة قَالَ الشَّوْكَانِيّ فَإِن هَذِه الْمقَالة بخصوصها أَعنِي انسداد بَاب الإجتهاد لَو لم يحدث من مفاسد التَّقْلِيد إِلَّا هِيَ لَكَانَ فِيهَا كِفَايَة وَنِهَايَة فَإِنَّهَا حَادِثَة رفعت الشَّرِيعَة بأسرها استلزمت نسخ كَلَام الله وَرَسُوله وَتَقْدِيم غَيرهمَا واستبدال غَيرهمَا بهما ... يَا ناعي الْإِسْلَام قُم وانعه ... قد زَالَ عرف وبدا مُنكر ...
стр. 26
وَقد رد الْعلمَاء على هَذِه الْمقَالة فِي كل عصر وإليكم بَيَان وجهات نظرهم حول سد بَاب الإجتهاد بِاخْتِصَار نصا أَو إِشَارَة قَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن عمر الْمَعْرُوف بِابْن الْقصار الْمَالِكِي الْبَغْدَادِيّ ت ٣٩٧ هـ فِي كِتَابه الْمُقدمَة فِي أصُول الْفِقْه الْبَاب التَّاسِع عشر فِي الإجتهاد وَفِيه تِسْعَة فُصُول ثمَّ قَالَ الثَّالِث فِيمَن يتَعَيَّن عَلَيْهِ الإجتهاد أفتى أَصْحَابنَا ﵃ بِأَن الْعلم على قسمَيْنِ فرض عين وَفرض كِفَايَة فَفرض الْعين الْوَاجِب على كل أحد هُوَ علمه بحالته الَّتِي هُوَ فِيهَا وَأما فرض الْكِفَايَة الْعلم الَّذِي لَا يتَعَلَّق بِحَالَة الْإِنْسَان فَيجب على الْأمة أَن تكون مِنْهُم طَائِفَة يتفقهون فِي الدّين ليكونوا قدوة للْمُسلمين حفظا للشَّرْع من الضّيَاع وَالَّذِي يتَعَيَّن لهَذَا من النَّاس من جاد حفظه وَحسن إِدْرَاكه وَطَابَتْ سجيته وَمن لَا فَلَا وَقَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَاوَرْدِيّ ت ٤٠٥ هـ التَّقْلِيد مُخْتَلف باخْتلَاف أَحْوَال النَّاس بِمَا فيهم من آلَة الِاجْتِهَاد الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ أَو عَدمه لِأَن طلب الْعلم من فروض الْكِفَايَة وَلَو منع جَمِيع النَّاس من التَّقْلِيد وكلفوا الِاجْتِهَاد لتعين فرض الْعلم على الكافة وَفِي هَذَا اختلال نظام وَفَسَاد فَلَو كَانَ يجمعهُمْ التَّقْلِيد لبطل الِاجْتِهَاد وَسقط فرض الْعلم وَفِي هَذَا تَعْطِيل الشَّرِيعَة وَذَهَاب الْعلم فَلذَلِك وَجب الِاجْتِهَاد على من تقع بِهِ الْكِفَايَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد عَليّ بن حزم الأندلسي الظَّاهِرِيّ ت ٤٥٦ هـ بعد نقل قَوْلهم
стр. 27
لَيْسَ لأحد أَن يخْتَار فأقوال فِي غَايَة الْفساد وَكيد للدّين لإخفاء بِهِ وضلال مغلق وَكذب على الله تَعَالَى إِذْ نسبوا ذَلِك إِلَيْهِ أَو دين جَدِيد أتونا بِهِ من عِنْد أنفسهم لَيْسَ من دين مُحَمَّد ﷺ فِي شَيْء وَهِي كَمَا نرى متدافعة متفاسدة ودعاوي متفاضحة متكاذبة لَيْسَ بَعْضهَا بِأولى من بعض وَلَا بَعْضهَا أَدخل فِي الضَّلَالَة والحمق من بعض وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْمروزِي ت ٤٦٢ هـ نقلا عَن الزبير فِي المسكت لن تَخْلُو الأَرْض من قَائِم لله بِالْحجَّةِ فِي كل وَقت وعهد وزمان وَذَلِكَ قَلِيل فِي كثير فَأَما أَن يكون غير مَوْجُود كَمَا قَالَ الْخصم فَلَيْسَ بصواب لِأَنَّهُ لَو عدم المجتهدون لم تقم الفراض كلهَا وَلَو بطلت الفراض كلهَا لحلت النقمَة بذلك فِي الْخلق وَقَالَ ابْن عقيل الْحَنْبَلِيّ ت ٥١٤ هـ لم يذكر خلاف هَذَا أَي خلاف عدم جَوَاز خلو الْعَصْر عَن مُجْتَهد فِي أَصْحَابنَا إِلَّا عَن بعض الْمُحدثين وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْن بن مَسْعُود اللّغَوِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الْفراء ت ٥١٦ هـ
стр. 28
الْعلم يَنْقَسِم إِلَى فرض عين وَفرض كِفَايَة وَذكر فرض الْعين ثمَّ قَالَ وَفرض الْكِفَايَة هُوَ أَن يتَعَلَّم مَا يبلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد وَمحل الْفَتْوَى وَالْقَضَاء وَيخرج من عداد المقلدين فعلى كَافَّة النَّاس الْقيام بتعلمه غير أَنه إِذا قَامَ من كل نَاحيَة وَاحِد أَو اثْنَان سقط الْفَرْض عَن البَاقِينَ فَإِذا قعد الْكل عَن تعلمه عصوا جَمِيعًا لما فِيهَا من تَعْطِيل أَحْكَام الشَّرْع قَالَ الله تَعَالَى ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين﴾ التَّوْبَة ١٢٢ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أَحْمد بن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن برهَان ت ٥٢٠ هـ الْبَارِي قَادر على التَّنْصِيص على حكم الْحَوَادِث والوقائع وَلم يفعل وَلَكِن نَص على أصُول ورد معرفَة الحكم فِي الْفُرُوع إِلَى النّظر وَالِاجْتِهَاد قَالَ أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن عبد الكريم الشهرستاني ت ٥٤٨ هـ ثمَّ الِاجْتِهَاد من فروض الكفايات لَا من فروض الْأَعْيَان حَتَّى إِذا اشْتغل بتحصيله وَاحِد سقط الْفَرْض عَن الْجَمِيع وَإِن قصر فِيهِ أهل عصر عصوا بِتَرْكِهِ وأشرفوا على خطر عَظِيم فَإِن الْأَحْكَام الاجتهادية إِذا كَانَت مرتبَة على الِاجْتِهَاد وترتيب الْمُسَبّب على السَّبَب وَلم يُوجد السَّبَب كَانَت الْأَحْكَام عاطلة فَلَا بُد إِذن من مُجْتَهد قَالَ السُّيُوطِيّ فَانْظُر كَيفَ حكم بعصيان أهل الْعَصْر بأسرهم إِذا قصروا فِي الْقيام بِهَذَا الْفَرْض وَأقَام على فرضيته دَلِيلا عقليا قَطْعِيا لَا شُبْهَة فِيهِ
стр. 29
وَقَالَ الْعِزّ بن عبد السلام ت ٦٦٠ هـ شرحا لقَوْل ابْن الْحَاجِب إِنَّه لَا يجوز تَوْلِيَة الْمُقَلّد الْبَتَّةَ وَيرى هَذَا الْقَائِل أَن رُتْبَة الإجتهاد مَقْدُور على تَحْصِيلهَا وَهِي شَرط فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاء وَهِي مَوْجُودَة إِلَى الزَّمَان الَّذِي أخبر ﷺ عَنهُ بِانْقِطَاع الْعلم وَلم نصل إِلَيْهِ إِلَى الْآن وَإِلَّا كَانَت الْأمة مجتمعة على الْخَطَأ وَذَلِكَ بَاطِل وَقَالَ السُّيُوطِيّ مُعَلّقا عَلَيْهِ فَانْظُر كَيفَ صرح بِأَن رُتْبَة الِاجْتِهَاد غير متعذرة وَإِنَّهَا بَاقِيَة إِلَى زَمَانه وَبِأَنَّهُ يلْزم من فقدها اجْتِمَاع الْأمة على الْبَاطِل وَهُوَ محَال وَقَالَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ الْمَعْرُوف بِابْن سراقَة الشَّافِعِي ت ٦٦٢ هـ وَلَو كَانَ جَمِيع الْعلم جليا لَا يحْتَاج إِلَى بحث واجتهاد وَلَا إِلَى نظر واستنباط لَكَانَ علم التَّوْحِيد كَذَلِك فَكَانَ الْعلم بِاللَّه سُبْحَانَهُ ضَرُورَة وَكَانَ فِي ذَلِك سُقُوط المثوبة وَإِبْطَال الشَّرِيعَة وَاسْتغْنى عَن الْعَمَل لطلب الثَّوَاب وَخَوف الْعقَاب وَهَذِه صفة الْآخِرَة وَحكم بَقَاء الْخلق فِي الْجنَّة قَالَ السُّيُوطِيّ مُعَلّقا عَلَيْهِ فَانْظُر كَيفَ جعل ترك الإجتهاد مُؤديا إِلَى إبِْطَال الشَّرِيعَة وَهُوَ نَظِير مَا نَص عَلَيْهِ غَيره قَالَ يحيى بن شرف النَّوَوِيّ ت ٦٧٦ هـ الْمُجْتَهد الْمُطلق هُوَ الَّذِي يتَأَدَّى بِهِ فرض الْكِفَايَة
стр. 30
وَقَالَ أَيْضا بعد ذكر آدَاب المتعلم فبذلك تظهر لَهُ الْحَقَائِق وتنكشف المشكلات ويطع على الغوامض وَحل المعضلات وَيعرف مَذَاهِب الْعلمَاء وَالرَّاجِح من الْمَرْجُوح ويرتفع عَن الجمود على مَحْض التَّقْلِيد ويلتحق بالأئمة الْمُجْتَهدين أَو يقاربهم إِن وفْق لذَلِك وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد ت ٧٠٢ هـ وَالْأَرْض مَا تَخْلُو من قَائِم لله بِالْحجَّةِ وَالْأمة الشَّرِيفَة لَا بُد فِيهَا من سالك إِلَى الْحق على وَاضح المحجة إِلَى أَن يَأْتِي أَمر الله فِي أَشْرَاط السَّاعَة الْكُبْرَى ويتتابع بعده مَا لَا يبْقى مَعَه إِلَّا قدوم الْأُخْرَى وَقَالَ أَحْمد بن عبد الحليم بن تَيْمِية ت ٧٢٨ هـ بعد ذكر من يَقُول بِوُجُوب التَّقْلِيد بعد عصر أبي حنيفَة وَمَالك مُطلقًا وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الْأمة أَن الِاجْتِهَاد جَائِز فِي الْجُمْلَة والتقليد جَائِز فِي الْجُمْلَة لَا يوجبون الِاجْتِهَاد على كل أحد ويحرمون التَّقْلِيد وَلَا يوجبون التَّقْلِيد على كل أحد ويحرمون الِاجْتِهَاد وَأَن الِاجْتِهَاد جَائِز للقادر على الِاجْتِهَاد والتقليد جَائِز للعاجز عَن الِاجْتِهَاد وَقَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الذَّهَبِيّ ت ٧٤٨ هـ يَا مقلد وَيَا من زعم أَن الإجتهاد قد انْقَطع وَمَا بَقِي مُجْتَهد لَا حَاجَة لَك فِي الِاشْتِغَال بأصول الْفِقْه وَلَا فَائِدَة فِي أصُول الْفِقْه إِلَّا لمن يصير مُجْتَهدا بِهِ فَإِذا عرفه وَلم يفك تَقْلِيد إِمَامه لم يصنع شَيْئا بل أتعب نَفسه وَركب على نَفسه الْحجَّة فِي
стр. 31
مسَائِل وَإِن كَانَ يَقْرَؤُهُ لتَحْصِيل الوضائف وليتعال فَهَذَا من الوبال وَقَالَ شمس الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر الْمَعْرُوف بِابْن الْقيم ت ٧٥١ هـ بصدد الرَّد على التَّقْلِيد وَهَذِه بِدعَة قبيحة حدثت فِي الْأمة لم يقل بهَا أحد من أَئِمَّة الْإِسْلَام وهم أَعلَى مرتبَة وَأجل قدرا وَأعلم بِاللَّه وَرَسُوله من أَن يلزموا النَّاس بذلك وَأبْعد مِنْهُ قَول من قَالَ يلْزمه أَن يتمذهب بِمذهب عَالم من الْعلمَاء وَأبْعد مِنْهُ من قَالَ يلْزمه أَن يتمذهب بِأحد الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فيا لله الْعجب مَاتَت مَذَاهِب أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ومذاهب التَّابِعين وتابعيهم وَسَائِر أَئِمَّة الْإِسْلَام وَبَطلَت جملَة إِلَّا مَذَاهِب أَرْبَعَة أنفس فَقَط من بَين سَائِر الْأَئِمَّة وَالْفُقَهَاء هَل قَالَ ذَلِك أحد من الْأَئِمَّة أَو دَعَا إِلَيْهِ أَو دلّت عَلَيْهِ لَفْظَة وَاحِدَة من كَلَامه عَلَيْهِ وَالَّذِي أوجبه الله تَعَالَى وَرَسُوله على الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم هُوَ الَّذِي أوجبه عَليّ من بعدهمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا يخْتَلف الْوَاجِب وَلَا يتبدل وَإِن اخْتلفت كيفيته أَو قدره باخْتلَاف الْقُدْرَة وَالْعجز وَالزَّمَان وَالْمَكَان وَالْحَال فَهَذَا أَيْضا تَابع لما أوجبه الله وَرَسُوله وَقَالَ أَيْضا إِن المقلدين حكمُوا على الله قدرا وَشرعا بالحكم الْبَاطِل جهارا الْمُخَالف لما أخبر بِهِ رَسُوله فأخلوا الأَرْض من القائمين لله بحججه وَقَالُوا لم يبْق فِي الأَرْض عَالم مُنْذُ الاعصار الْمُتَقَدّمَة فَقَالَت طَائِفَة لَيْسَ لأحد أَن يخْتَار بعد أبي حنيفَة وَقَالَ تَاج الدّين بن السُّبْكِيّ ت ٧٧١ هـ فِي الترشيح
стр. 32
قَالَ لي الشَّيْخ شهَاب الدّين بن النَّقِيب جَلَست بِمَكَّة بَين طَائِفَة من الْعلمَاء وقعدنا نقُول لَو قدر الله تَعَالَى بعد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فِي هَذَا الزَّمَان مُجْتَهدا عَارِفًا بمذاهبهم أَجْمَعِينَ ويركب لنَفسِهِ مذهبا من الْأَرْبَعَة بعد اعْتِبَار هَذِه الْمذَاهب الْمُخْتَلفَة كلهَا لازدان الزَّمَان بِهِ وانقاد النَّاس لَهُ فاتفق رَأينَا أَن هَذِه الرُّتْبَة لَا تعدو الشَّيْخ تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ وَلَا يَنْتَهِي لَهَا سواهُ وَقَالَ بهاء الدّين مُحَمَّد بن عبد البر السُّبْكِيّ ت ٧٧٧ هـ وشتان بَين أجر من يَأْتِي بِالْعبَادَة لفتوى لَهُ إِنَّهَا وَاجِبَة أَو سنة وَمن يَأْتِي بهَا وَقد ثلج صَدره عَن الله وَرَسُوله ﷺ بِأَن ذَلِك كَذَلِك وَهَذَا لَا يَصح إِلَّا بالإجتهاد وَالنَّاس فِي حضيض عَن ذَلِك إِلَّا من تغلغل بأصول الْفِقْه وكرع من مناهله الصافية وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الشاطبي ت ٧٩٠ هـ إِن الوقائع فِي الْوُجُود لَا تَنْحَصِر فَلَا يَصح دُخُولهَا تَحت الْأَدِلَّة المنحصرة وَلذَلِك احْتِيجَ إِلَى فتح بَاب الِاجْتِهَاد من الْقيَاس وَغَيره فَلَا بُد من حُدُوث وقائع لَا تكون مَنْصُوص على حكمهَا وَلَا يُوجد للأولين فِيهِ اجْتِهَاد وَعند ذَلِك فإمَّا أَن يتْرك النَّاس مَعَ أهوائهم أَو ينظر فِيهَا بِغَيْر اجْتِهَاد شَرْعِي وَهُوَ أَيْضا اتِّبَاع للهوى وَذَلِكَ كُله فَسَاد فَلَا يكون بُد من التَّوَقُّف لَا إِلَى غَايَة وَهُوَ معنى تَعْطِيل التَّكْلِيف لُزُوما وَهُوَ مؤد إِلَى تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق فَإِذا لَا بُد من الإجتهاد فِي كل زمَان لِأَن الوقائع الْمَفْرُوضَة لَا تخْتَص بِزَمَان دون زمَان
стр. 33
وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ ت ٧٩٤ هـ لما لم يكن بُد مِمَّن يعرف حكم الله فِي الوقائع وتعرف ذَلِك بِالنّظرِ غير وَاجِب على التَّعْيِين فَلَا بُد أَن يكون وجود الْمُجْتَهد من فروض الْكِفَايَة وَلَا بُد أَن يكون فِي كل قطر من تقوم بِهِ الْكِفَايَة وَلِهَذَا قَالُوا إِن الإجتهاد من فروض الكفايات وَقَالَ أَيْضا لَا يشْتَرط فِي الْمُجْتَهد أَن يكون مَشْهُورا فِي الْقَبَائِل لِأَن الْعبْرَة بِمَا فِيهِ من الصِّفَات لَا بشهرته وَلَا يشْتَرط أَن يكون صَاحب مَذْهَب بل قَوْله مهما علم أَنه مُجْتَهد مَقْبُول وَقَالَ أَحْمد بن مُحَمَّد الدمنهوري ت ٨٠٦ هـ لَا ينْتَفع إِلَّا من رفع الله عَن قلبه حجاب التَّقْلِيد فَإِنَّهُ سَبَب لحرمان كل خير وسائق لَك عواقة بل أَكثر مَا وَقع الْخلق فِي الْكفْر والنفاق مِنْهُ كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَنْهُم ﴿بل قَالُوا إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مهتدون﴾ الزخرف ٢٢ ﴿وَإِنَّا على آثَارهم مقتدون﴾ الزخرف ٢٣ ﴿قَالَت لَهُم رسلهم﴾ ﴿أولو جِئتُكُمْ بأهدى مِمَّا وجدْتُم عَلَيْهِ آبَاءَكُم قَالُوا إِنَّا بِمَا أرسلتم بِهِ كافرون﴾ الزخرف ٢٤ وَذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ من ربط الْجَهْل على قُلُوبهم وربط التَّقْلِيد على أفهامهم حَتَّى يدبروا مَا يُقَال لَهُم ويستنكفوا عَمَّن يرشدهم لظنهم الْفَاسِد أَنه لَا يُمكن أَن يكون الْمُتَأَخر أفضل من الْمُتَقَدّم ويعتقدون أَن ذَلِك من قبيل المستحيل وَلم يعلمُوا أَن مواهب الله تَعَالَى لَا تَنْقَطِع
стр. 34
وفيض جوده لَا ينْفد وَإِنَّمَا حرم ذَلِك من حرمه وَقَالَ عز الدّين بن جمَاعَة ت ٨١٩ هـ إِحَالَة أهل زَمَاننَا وجود الْمُجْتَهد يصدر عَن جبن مَا وَإِلَّا فكثيرا مَا يكون الْقَائِلُونَ لذَلِك من الْمُجْتَهدين وَمَا الْمَانِع من فضل الله واختصاص بعض الْفَيْض والوهب وَالعطَاء بِبَعْض أهل الصفوة وَقَالَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بالوزير الْيَمَانِيّ ت ٨٤٠ هـ فَإِذا تقرر أَن الْمَوَاهِب الربانية لَا تَنْتَهِي إِلَى حد والعطايا اللدنية لَا تقف على مِقْدَار لم يحسن من الْعَاقِل أَن يقطع على الْخلق بتعسير مَا الله قَادر على تيسيره فيقنط بِكَلَامِهِ طامعا ويتحجر من فضل الله وَاسِعًا بل يخلي بَين النَّاس وَبَين هممهم وطمعهم فِي فضل الله عَلَيْهِم حَتَّى يصل كل أحد إِلَى مَا قسمه الله تَعَالَى من الْحَظ فِي الْفَهم وَالْعلم وَسَائِر أَفعَال الْخَيْر وَهَذَا مِمَّا لَا يفْتَقر إِلَى حجاج لَوْلَا أهل المراء واللجاج وَقَالَ جلال الدّين عبد الرحمن بن أبي بكر السُّيُوطِيّ ت ٩١١ هـ فِي مُقَدّمَة كِتَابه الرَّد على من أخلد إِلَى الأَرْض وَبعد فَإِن النَّاس قد غلب عَلَيْهِم الْجَهْل وعمهم وَأَعْمَاهُمْ حب العناد وأصمهم فاستعظموا دَعْوَى الإجتهاد وعدوه مُنْكرا بَين الْعباد وَلم يشْعر هَؤُلَاءِ الجهلة إِن الِاجْتِهَاد فرض من فروض الكفايات فِي كل عصر وواجب على أهل كل زمَان أَن يقوم بِهِ طَائِفَة فِي كل قطر وَهَذَا كتاب فِي تَحْقِيق ذَلِك
стр. 35
وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْمَعْرُوف بالأمير الصَّنْعَانِيّ ت ١١٨٢ هـ فَالْحق الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ غُبَار الحكم بسهولة الإجتهاد فِي هَذِه الْأَعْصَار وَإنَّهُ أسهل مِنْهُ فِي الْأَعْصَار الخالية لمن لَهُ فِي الدّين همة عالية ورزقه الله فهما صافيا وفكرا صَحِيحا ونباهة فِي علمي السّنة وَالْكتاب ثمَّ قَالَ تَقول تعذر الِاجْتِهَاد مَا هَذَا وَالله إِلَّا من كفران النِّعْمَة وجحودها والإخلاد إِلَى ضعف الهمة وركودها إِلَّا أَنه لَا بُد مَعَ ذَلِك أَولا من غسل فكرته عَن أدران العصبية وَقطع مَادَّة الوساوس المذهبية وسؤال لِلْفَتْحِ من الفتاح الْعَلِيم وَتعرض لفضل الله فَإِن الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم فالعجب كل الْعجب بِمن يَقُول يتَعَذَّر الإجتهاد فِي هَذِه الْأَعْصَار وَإنَّهُ محَال مَا هَذَا إِلَّا منع لما بَسطه الله من فَضله لفحول الرِّجَال واستبعاد لما خرج من يَدَيْهِ واستصعاب لما لم يكن لَدَيْهِ وَكم للأئمة الْمُتَأَخِّرين من استنباطات رائقة واستدلالات صَادِقَة مَا حام حولهَا الْأَولونَ وَلَا عرفهَا مِنْهُم الناظرون وَلَا دارت فِي بصائر المستبصرين وَلَا جالت فِي أفكار المفكرين وَقَالَ مُحَمَّد بن عَليّ الشَّوْكَانِيّ ت ١٢٥٠ هـ ٢ بعد مَا نقل قَول الرَّافِعِيّ فِي الِاتِّفَاق على انه لَا مُجْتَهد الْيَوْم وَإِذا أمعنت النّظر وجدت هَؤُلَاءِ المنكرين إِنَّمَا أَتَوا من قبل أنفسهم فَإِنَّهُم لما عكفوا على التَّقْلِيد وَاشْتَغلُوا بِغَيْر علم الْكتاب وَالسّنة وحكموا على غَيرهم بِمَا وَقَعُوا فِيهِ واستصعبنا مَا سهله الله عَليّ من رزقه الْعلم والفهم وأفاض على قلبه أَنْوَاع عُلُوم الْكتاب وَالسّنة وَلما كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذين صَرَّحُوا بِعَدَمِ وجود الْمُجْتَهدين شافعية فها نَحن نصرح لَك من وجد من الشَّافِعِيَّة بعد عصرهم مِمَّن لَا يُخَالف
стр. 36
مُخَالف فِي أَنه جمع أَضْعَاف عُلُوم الإجتهاد فَمنهمْ ابْن عبد السلام وتلميذه ابْن دَقِيق الْعِيد ثمَّ تِلْمِيذه ابْن سيد النَّاس ثمَّ تِلْمِيذه زين الدّين الْعِرَاقِيّ ثمَّ تِلْمِيذه ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي ثمَّ تِلْمِيذه السُّيُوطِيّ فَهَؤُلَاءِ سِتَّة أَعْلَام كل وَاحِد مِنْهُم تلميذ من قبله قد بلغُوا من المعارف العلمية مَا يعرفهُ من يعرف مصنفاتهم حق مَعْرفَتهَا وكل وَاحِد مِنْهُم إِمَام كَبِير فِي الْكتاب وَالسّنة مُحِيط بعلوم الإجتهاد إحاطة متضاعفة عَالم بعلوم خَارِجَة عَنْهَا ثمَّ فِي المعاصرين لهَؤُلَاء كثير من المماثلين لَهُم وَجَاء بعدهمْ من لَا يقصر عَن بُلُوغ مَرَاتِبهمْ والتعداد لبعهضم فضلا عَن كلهم يحْتَاج إِلَى بسط طَوِيل وَقد قَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي الْبَحْر مَا لَفظه وَلم يخْتَلف اثْنَان فِي أَن ابْن عبد السلام بلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد وَكَذَلِكَ ابْن دَقِيق الْعِيد انْتهى وَهَذَا الْإِجْمَاع من هَذَا الشَّافِعِي يَكْفِي فِي مُقَابلَة حِكَايَة الِاتِّفَاق من ذَلِك الشَّافِعِي الرَّافِعِيّ ثمَّ قَالَ وَمَا هَذِه بِأول فاقرة جَاءَ بهَا المقلدون وَلَا هِيَ أول مقَالَة بَاطِلَة قَالَهَا المقصرون وَمن حصر فضل الله على بعض خلقه وَقصر فهم هَذِه الشَّرِيعَة المطهرة على من تقدم عصره فقد تجرأ على الله ثمَّ على شَرِيعَته الْمَوْضُوعَة لكل عبَادَة ثمَّ على عباده الَّذين تعبدهم الله بِالْكتاب وَالسّنة ويالله الْعجب من مقالات هِيَ جهالات وضلالات فَإِن هَذِه الْمقَالة تَسْتَلْزِم رفع التَّعَبُّد بِالْكتاب وَالسّنة وَأَنه لم يبْق إِلَّا تَقْلِيد الرِّجَال الَّذين هم متعبدون بِالْكتاب وَالسّنة كتعبد من جَاءَ بعدهمْ على حد سَوَاء فَإِن كَانَ التَّعَبُّد بِالْكتاب وَالسّنة مُخْتَصًّا بِمن كَانُوا فِي العصور السَّابِقَة وَلم يبْق لهَؤُلَاء إِلَى التَّقْلِيد لمن تقدمهم وَلَا يتمكنون من معرفَة أَحْكَام الله من كتاب الله وَسنة رَسُوله فَمَا
стр. 37
الدَّلِيل على هَذِه التَّفْرِقَة الْبَاطِلَة والمقالة الزائفة وَهل النّسخ إِلَّا هَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم وَقَالَ عبد القادر بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن بدران الدِّمَشْقِي قد أَطَالَ الْعلمَاء النَّفس فِي هَذَا الْمَوْضُوع وَأورد كل من الْفَرِيقَيْنِ حجَجًا وأدلة وَكَأن الْقَائِلين بِجَوَاز خلو عصر عَن مُجْتَهد قاسوا جَمِيع عُلَمَاء الْأمة على أنفسهم وخيلوا لَهَا أَنه لَا أحد يبلغ أَكثر من مبلغهم من الْعلم ثمَّ رازوا انفسهم فوجدوها سَاقِطَة فِي الدَّرك الْأَسْفَل من التَّقْلِيد فمنعوا فضل الله تَعَالَى وَقَالُوا لَا يُمكن وجود مُجْتَهد فِي عصرنا الْبَتَّةَ بل غلا أَكْثَرهم فَقَالَ لَا مُجْتَهد بعد الأربعمائة من الْهِجْرَة وينحل كَلَامهم هَذَا أَن فضل الله كَانَ مدرارا على أهل العصور الْأَرْبَعَة ثمَّ أَنه نضب فَلم يبْق مِنْهُ قَطْرَة تنزل على الْمُتَأَخِّرين مَعَ أَن فضل الله لَا ينضب وعطاؤه ومدده لَا يقفان عِنْد الْحَد الَّذِي حدده أُولَئِكَ وَقَالَ أَحْمد مُحَمَّد شَاكر القَوْل بِمَنْع الِاجْتِهَاد قَول بَاطِل لَا برهَان عَلَيْهِ من كتاب وَلَا سنة وَلَا تَجِد لَهُ شبه دَلِيل وَقَالَ مُحَمَّد مصطفى المراغي شيخ الْجَامِع الْأَزْهَر الأسبق فِي بَحثه عَن الإجتهاد فِي الْإِسْلَام وَإِنِّي مَعَ احترامي لرأي الْقَائِلين باستحالة الإجتهاد أخالفهم فِي رَأْيهمْ وَأَقُول إِن فِي عُلَمَاء الْمعَاهد الدِّينِيَّة فِي مصر من توافرت فيهم شُرُوط الإجتهاد وَيحرم عَلَيْهِم التَّقْلِيد
стр. 38
وَقَالَ الدكتور وَهبة الزحيلي وَقد أحسن بعض الْعلمَاء كَابْن تَيْمِية والحركات السلفية الحديثة إِذْ قرروا بَقَاء بَاب الإجتهاد مَفْتُوحًا لمن كَانَ أَهلا لَهُ وَنقل أَيْضا عَن مُحَمَّد سعيد الْبَانِي لَا دَلِيل أصلا على سد بَاب الإجتهاد وَإِنَّمَا هِيَ دَعْوَى فارغة وَحجَّة واهنة أوهن من بَيت العنكبوت لِأَنَّهَا غير مستندة إِلَى دَلِيل شَرْعِي أَو عَقْلِي سوري المتوارث وَقَالَ أَيْضا وَالِاجْتِهَاد مُمكن كل الْإِمْكَان الْيَوْم وَلَا صعوبة فِيهِ بِشَرْط أَن ندفن تِلْكَ الأوهام والخيالات ونمزق ذَلِك الران الَّذِي خيم على عقولنا وقلوبنا من رواسب الْمَاضِي وآفات الخمول وَالظَّن الآثم بِعَدَمِ إِمْكَان الْوُصُول إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ الْأَولونَ حَتَّى عد ذَلِك كَأَنَّهُ ضرب من المستحيل هَل هُنَاكَ مُسْتَحِيل بعد غَزْو الفضاء واختراع أَنْوَاع الْآلَات الحديثة العجيبة الصنع وَقَالَ الدكتور حسن أَحْمد مرعي أعتقد أَن كل عَاقل يُوجب الِاجْتِهَاد على الْكِفَايَة ليعرف النَّاس مِنْهُ أَحْكَام مَا يقومُونَ بِهِ من أَعمال فِي هَذِه الْحَيَاة حَتَّى تكون حياتنا سائرة فِي ركاب الدّين وَإِذا كُنَّا نؤمن بخلو الزَّمَان عَن الْمُجْتَهد فَلم هَذِه الاجتماعات لفقهاء الْعَالم الإسلامي مرّة فِي الْقَاهِرَة وَأُخْرَى فِي لاهور وثالثة فِي مَكَّة ورابعة فِي الرياض وَغَيرهَا وَغَيرهَا
стр. 39
كَانَ يكفينا مَا بَين أَيْدِينَا من كتب وتراث وَلَكِن الْحَيَاة متجددة والأعراف مُخْتَلفَة والعقول مُتَفَاوِتَة فاجتماعتنا هَذِه دَلِيل حَتَّى على أَنه لَا زَالَ ركب الْمُجْتَهدين يتتابع وسيظل هَذَا إِن شَاءَ الله حَتَّى يَأْذَن الله بِفنَاء هَذَا الْعَالم وَقَالَ مُحَمَّد أَبُو زهرَة إِن قَضِيَّة فتح بَاب الإجتهاد فِي الْمَذْهَب الْحَنْبَلِيّ قَضِيَّة تضافرت عَلَيْهَا أَقْوَال الْمُتَأَخِّرين وأقوال الْمُتَقَدِّمين حَتَّى لقد قَالَ ابْن عقيل من مُتَقَدِّمي الْفُقَهَاء فِي ذَلِك الْمَذْهَب الْجَلِيل إِنَّه لَا يعرف خلافًا فِيهِ بَين الْمُتَقَدِّمين ثمَّ قَالَ وَإِذا كَانَ الإجتهاد مَفْتُوحًا وَإِذا كَانَ الْعلية من أَصْحَاب أَحْمد وَأَتْبَاعه قد استنكروا أَن يَخْلُو زمن من الْمُجْتَهدين المستقلين فَإِن ذَلِك الْمَذْهَب يكون ظلا ظليلا لأحرار الْفِكر من الْفُقَهَاء وَلذَلِك كثر فِيهِ الْعلمَاء الفطاحل فِي كل العصور ثمَّ قَالَ قد أَتَى علينا بعد هَذَا الْعرض أَن نقرر أَن ذَلِك الْمَذْهَب الأثري مَذْهَب فِي عناصر أُصُوله كل الْأَسْبَاب الَّتِي تنميه وَقد وجد رجال علوا بِهِ وَسَارُوا بِهِ إِلَى الطَّرِيق الأمثل فأوجدوا فِيهِ حَيَاة تتسع لأحكام الْحَوَادِث فِي كل الْأَزْمِنَة والأمكنة بعد هَذَا الْعرض السَّرِيع لاحتجاجات بعض الْعلمَاء القدامى والمعاصرين على القَوْل بسد بَاب الإجتهاد أعتقد أَن تبطل دَعْوَى الإتفاق وَالْإِجْمَاع عَلَيْهِ وتزول فكرة الْخَوْف والذعر من أَنه لَيْسَ الشَّجَرَة الملعونة فِي الْقُرْآن كَمَا فهمه الْقَائِلُونَ بذلك بل الإجتهاد واستكمال شَرَائِطه لَيْسَ عسيرا بعد تدوين الْعُلُوم الْمُخْتَلفَة وتعدد المصنفات فِيهَا وتصفية كل دخيل عَلَيْهَا لأجل هَذَا قَالَ الإِمَام الشَّوْكَانِيّ
стр. 40
لَا يخفي على من لَهُ أدنى فهم أَن الإجتهاد قد يسره الله للمتأخرين تيسيرا لم يكن للسابقين لِأَن التفاسير للْكتاب الْعَزِيز قد دونت وَصَارَت فِي الْكَثْرَة إِلَى حد لَا يُمكن حصره وَالسّنة المطهرة قد دونت وَتكلم الْأمة على التَّفْسِير وَالتَّجْرِيح والتصحيح وَالتَّرْجِيح بِمَا هُوَ زِيَادَة على مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمُجْتَهد وَقد كَانَ السّلف الصَّالح وَمن قبل هَؤُلَاءِ المنكرين يرحل للْحَدِيث الْوَاحِد من قطر إِلَى قطر فالإجتهاد على الْمُتَأَخِّرين أيسر وأسهل من الإجتهاد على الْمُتَقَدِّمين وَلَا يُخَالف فِي هَذَا من لَهُ فهم صَحِيح وعقل سوي
توضيح بعض الْأُمُور المهمة
أُرِيد أَن أوضح بعض الْأُمُور حَتَّى لَا تنشأ الأفكار الْخَاطِئَة لَدَى القاءى الْكَرِيم أَولا إِن الْعلمَاء الَّذين ردوا على القَوْل بإغلاق بَاب الإجتهاد بعد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة لم يدعوا لأَنْفُسِهِمْ الإجتهاد بل حاولوا الدفاع عَن الْمَوَاهِب الإلهية الَّتِي حظى بهَا الْعلمَاء الفطاحل القادرين على الإجتهاد وَإِخْرَاج الْفِقْه الإسلامي من دَائِرَة محدودة إِلَى ميدان وَاسع فسيح وَذَلِكَ من الاستمداد من فقه الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأتباعهم وَفقه الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَغَيرهَا من فقه أَئِمَّة الإجتهاد الآخرين ثَانِيًا لَا يَعْنِي الإجتهاد الْآن إِحْدَاث آراء جَدِيدَة لوقائع مستحدثة فَقَط وَإِنَّمَا مجاله أَيْضا النّظر فِي دلَالَة أَدِلَّة الْمذَاهب الْفِقْهِيَّة من حَيْثُ الْقُوَّة والضعف وترجيحها على الْأُخْرَى بِدُونِ تقيد بِمذهب معِين ليجد الباحث عَن الْحق بغيته بِدُونِ أَي تخبط
следующие страницы →