Полный текст (177 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
مُخَالف فِي أَنه جمع أَضْعَاف عُلُوم الإجتهاد فَمنهمْ ابْن عبد السلام وتلميذه ابْن دَقِيق الْعِيد ثمَّ تِلْمِيذه ابْن سيد النَّاس ثمَّ تِلْمِيذه زين الدّين الْعِرَاقِيّ ثمَّ تِلْمِيذه ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي ثمَّ تِلْمِيذه السُّيُوطِيّ فَهَؤُلَاءِ سِتَّة أَعْلَام كل وَاحِد مِنْهُم تلميذ من قبله قد بلغُوا من المعارف العلمية مَا يعرفهُ من يعرف مصنفاتهم حق مَعْرفَتهَا وكل وَاحِد مِنْهُم إِمَام كَبِير فِي الْكتاب وَالسّنة مُحِيط بعلوم الإجتهاد إحاطة متضاعفة عَالم بعلوم خَارِجَة عَنْهَا ثمَّ فِي المعاصرين لهَؤُلَاء كثير من المماثلين لَهُم وَجَاء بعدهمْ من لَا يقصر عَن بُلُوغ مَرَاتِبهمْ والتعداد لبعهضم فضلا عَن كلهم يحْتَاج إِلَى بسط طَوِيل وَقد قَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي الْبَحْر مَا لَفظه وَلم يخْتَلف اثْنَان فِي أَن ابْن عبد السلام بلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد وَكَذَلِكَ ابْن دَقِيق الْعِيد انْتهى وَهَذَا الْإِجْمَاع من هَذَا الشَّافِعِي يَكْفِي فِي مُقَابلَة حِكَايَة الِاتِّفَاق من ذَلِك الشَّافِعِي الرَّافِعِيّ ثمَّ قَالَ وَمَا هَذِه بِأول فاقرة جَاءَ بهَا المقلدون وَلَا هِيَ أول مقَالَة بَاطِلَة قَالَهَا المقصرون وَمن حصر فضل الله على بعض خلقه وَقصر فهم هَذِه الشَّرِيعَة المطهرة على من تقدم عصره فقد تجرأ على الله ثمَّ على شَرِيعَته الْمَوْضُوعَة لكل عبَادَة ثمَّ على عباده الَّذين تعبدهم الله بِالْكتاب وَالسّنة ويالله الْعجب من مقالات هِيَ جهالات وضلالات فَإِن هَذِه الْمقَالة تَسْتَلْزِم رفع التَّعَبُّد بِالْكتاب وَالسّنة وَأَنه لم يبْق إِلَّا تَقْلِيد الرِّجَال الَّذين هم متعبدون بِالْكتاب وَالسّنة كتعبد من جَاءَ بعدهمْ على حد سَوَاء فَإِن كَانَ التَّعَبُّد بِالْكتاب وَالسّنة مُخْتَصًّا بِمن كَانُوا فِي العصور السَّابِقَة وَلم يبْق لهَؤُلَاء إِلَى التَّقْلِيد لمن تقدمهم وَلَا يتمكنون من معرفَة أَحْكَام الله من كتاب الله وَسنة رَسُوله فَمَا
стр. 37
الدَّلِيل على هَذِه التَّفْرِقَة الْبَاطِلَة والمقالة الزائفة وَهل النّسخ إِلَّا هَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم وَقَالَ عبد القادر بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن بدران الدِّمَشْقِي قد أَطَالَ الْعلمَاء النَّفس فِي هَذَا الْمَوْضُوع وَأورد كل من الْفَرِيقَيْنِ حجَجًا وأدلة وَكَأن الْقَائِلين بِجَوَاز خلو عصر عَن مُجْتَهد قاسوا جَمِيع عُلَمَاء الْأمة على أنفسهم وخيلوا لَهَا أَنه لَا أحد يبلغ أَكثر من مبلغهم من الْعلم ثمَّ رازوا انفسهم فوجدوها سَاقِطَة فِي الدَّرك الْأَسْفَل من التَّقْلِيد فمنعوا فضل الله تَعَالَى وَقَالُوا لَا يُمكن وجود مُجْتَهد فِي عصرنا الْبَتَّةَ بل غلا أَكْثَرهم فَقَالَ لَا مُجْتَهد بعد الأربعمائة من الْهِجْرَة وينحل كَلَامهم هَذَا أَن فضل الله كَانَ مدرارا على أهل العصور الْأَرْبَعَة ثمَّ أَنه نضب فَلم يبْق مِنْهُ قَطْرَة تنزل على الْمُتَأَخِّرين مَعَ أَن فضل الله لَا ينضب وعطاؤه ومدده لَا يقفان عِنْد الْحَد الَّذِي حدده أُولَئِكَ وَقَالَ أَحْمد مُحَمَّد شَاكر القَوْل بِمَنْع الِاجْتِهَاد قَول بَاطِل لَا برهَان عَلَيْهِ من كتاب وَلَا سنة وَلَا تَجِد لَهُ شبه دَلِيل وَقَالَ مُحَمَّد مصطفى المراغي شيخ الْجَامِع الْأَزْهَر الأسبق فِي بَحثه عَن الإجتهاد فِي الْإِسْلَام وَإِنِّي مَعَ احترامي لرأي الْقَائِلين باستحالة الإجتهاد أخالفهم فِي رَأْيهمْ وَأَقُول إِن فِي عُلَمَاء الْمعَاهد الدِّينِيَّة فِي مصر من توافرت فيهم شُرُوط الإجتهاد وَيحرم عَلَيْهِم التَّقْلِيد
стр. 38
وَقَالَ الدكتور وَهبة الزحيلي وَقد أحسن بعض الْعلمَاء كَابْن تَيْمِية والحركات السلفية الحديثة إِذْ قرروا بَقَاء بَاب الإجتهاد مَفْتُوحًا لمن كَانَ أَهلا لَهُ وَنقل أَيْضا عَن مُحَمَّد سعيد الْبَانِي لَا دَلِيل أصلا على سد بَاب الإجتهاد وَإِنَّمَا هِيَ دَعْوَى فارغة وَحجَّة واهنة أوهن من بَيت العنكبوت لِأَنَّهَا غير مستندة إِلَى دَلِيل شَرْعِي أَو عَقْلِي سوري المتوارث وَقَالَ أَيْضا وَالِاجْتِهَاد مُمكن كل الْإِمْكَان الْيَوْم وَلَا صعوبة فِيهِ بِشَرْط أَن ندفن تِلْكَ الأوهام والخيالات ونمزق ذَلِك الران الَّذِي خيم على عقولنا وقلوبنا من رواسب الْمَاضِي وآفات الخمول وَالظَّن الآثم بِعَدَمِ إِمْكَان الْوُصُول إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ الْأَولونَ حَتَّى عد ذَلِك كَأَنَّهُ ضرب من المستحيل هَل هُنَاكَ مُسْتَحِيل بعد غَزْو الفضاء واختراع أَنْوَاع الْآلَات الحديثة العجيبة الصنع وَقَالَ الدكتور حسن أَحْمد مرعي أعتقد أَن كل عَاقل يُوجب الِاجْتِهَاد على الْكِفَايَة ليعرف النَّاس مِنْهُ أَحْكَام مَا يقومُونَ بِهِ من أَعمال فِي هَذِه الْحَيَاة حَتَّى تكون حياتنا سائرة فِي ركاب الدّين وَإِذا كُنَّا نؤمن بخلو الزَّمَان عَن الْمُجْتَهد فَلم هَذِه الاجتماعات لفقهاء الْعَالم الإسلامي مرّة فِي الْقَاهِرَة وَأُخْرَى فِي لاهور وثالثة فِي مَكَّة ورابعة فِي الرياض وَغَيرهَا وَغَيرهَا
стр. 39
كَانَ يكفينا مَا بَين أَيْدِينَا من كتب وتراث وَلَكِن الْحَيَاة متجددة والأعراف مُخْتَلفَة والعقول مُتَفَاوِتَة فاجتماعتنا هَذِه دَلِيل حَتَّى على أَنه لَا زَالَ ركب الْمُجْتَهدين يتتابع وسيظل هَذَا إِن شَاءَ الله حَتَّى يَأْذَن الله بِفنَاء هَذَا الْعَالم وَقَالَ مُحَمَّد أَبُو زهرَة إِن قَضِيَّة فتح بَاب الإجتهاد فِي الْمَذْهَب الْحَنْبَلِيّ قَضِيَّة تضافرت عَلَيْهَا أَقْوَال الْمُتَأَخِّرين وأقوال الْمُتَقَدِّمين حَتَّى لقد قَالَ ابْن عقيل من مُتَقَدِّمي الْفُقَهَاء فِي ذَلِك الْمَذْهَب الْجَلِيل إِنَّه لَا يعرف خلافًا فِيهِ بَين الْمُتَقَدِّمين ثمَّ قَالَ وَإِذا كَانَ الإجتهاد مَفْتُوحًا وَإِذا كَانَ الْعلية من أَصْحَاب أَحْمد وَأَتْبَاعه قد استنكروا أَن يَخْلُو زمن من الْمُجْتَهدين المستقلين فَإِن ذَلِك الْمَذْهَب يكون ظلا ظليلا لأحرار الْفِكر من الْفُقَهَاء وَلذَلِك كثر فِيهِ الْعلمَاء الفطاحل فِي كل العصور ثمَّ قَالَ قد أَتَى علينا بعد هَذَا الْعرض أَن نقرر أَن ذَلِك الْمَذْهَب الأثري مَذْهَب فِي عناصر أُصُوله كل الْأَسْبَاب الَّتِي تنميه وَقد وجد رجال علوا بِهِ وَسَارُوا بِهِ إِلَى الطَّرِيق الأمثل فأوجدوا فِيهِ حَيَاة تتسع لأحكام الْحَوَادِث فِي كل الْأَزْمِنَة والأمكنة بعد هَذَا الْعرض السَّرِيع لاحتجاجات بعض الْعلمَاء القدامى والمعاصرين على القَوْل بسد بَاب الإجتهاد أعتقد أَن تبطل دَعْوَى الإتفاق وَالْإِجْمَاع عَلَيْهِ وتزول فكرة الْخَوْف والذعر من أَنه لَيْسَ الشَّجَرَة الملعونة فِي الْقُرْآن كَمَا فهمه الْقَائِلُونَ بذلك بل الإجتهاد واستكمال شَرَائِطه لَيْسَ عسيرا بعد تدوين الْعُلُوم الْمُخْتَلفَة وتعدد المصنفات فِيهَا وتصفية كل دخيل عَلَيْهَا لأجل هَذَا قَالَ الإِمَام الشَّوْكَانِيّ
стр. 40
لَا يخفي على من لَهُ أدنى فهم أَن الإجتهاد قد يسره الله للمتأخرين تيسيرا لم يكن للسابقين لِأَن التفاسير للْكتاب الْعَزِيز قد دونت وَصَارَت فِي الْكَثْرَة إِلَى حد لَا يُمكن حصره وَالسّنة المطهرة قد دونت وَتكلم الْأمة على التَّفْسِير وَالتَّجْرِيح والتصحيح وَالتَّرْجِيح بِمَا هُوَ زِيَادَة على مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمُجْتَهد وَقد كَانَ السّلف الصَّالح وَمن قبل هَؤُلَاءِ المنكرين يرحل للْحَدِيث الْوَاحِد من قطر إِلَى قطر فالإجتهاد على الْمُتَأَخِّرين أيسر وأسهل من الإجتهاد على الْمُتَقَدِّمين وَلَا يُخَالف فِي هَذَا من لَهُ فهم صَحِيح وعقل سوي
توضيح بعض الْأُمُور المهمة
أُرِيد أَن أوضح بعض الْأُمُور حَتَّى لَا تنشأ الأفكار الْخَاطِئَة لَدَى القاءى الْكَرِيم أَولا إِن الْعلمَاء الَّذين ردوا على القَوْل بإغلاق بَاب الإجتهاد بعد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة لم يدعوا لأَنْفُسِهِمْ الإجتهاد بل حاولوا الدفاع عَن الْمَوَاهِب الإلهية الَّتِي حظى بهَا الْعلمَاء الفطاحل القادرين على الإجتهاد وَإِخْرَاج الْفِقْه الإسلامي من دَائِرَة محدودة إِلَى ميدان وَاسع فسيح وَذَلِكَ من الاستمداد من فقه الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأتباعهم وَفقه الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَغَيرهَا من فقه أَئِمَّة الإجتهاد الآخرين ثَانِيًا لَا يَعْنِي الإجتهاد الْآن إِحْدَاث آراء جَدِيدَة لوقائع مستحدثة فَقَط وَإِنَّمَا مجاله أَيْضا النّظر فِي دلَالَة أَدِلَّة الْمذَاهب الْفِقْهِيَّة من حَيْثُ الْقُوَّة والضعف وترجيحها على الْأُخْرَى بِدُونِ تقيد بِمذهب معِين ليجد الباحث عَن الْحق بغيته بِدُونِ أَي تخبط
стр. 41
وَيَا ليتها دونت موسوعة فقهية على هَذَا النهج السديد خلت من رواسب التَّقْلِيد الجامد ورجحت الْمسَائِل فِيهَا قُوَّة على الْأَدِلَّة لَا على أَدِلَّة الْمَذْهَب ضَعِيفَة كَانَت أَو قَوِيَّة حَتَّى لَا تكون نُسْخَة ثَانِيَة من كتب الْفِقْه الْقَدِيمَة وَيكون الباحث عَن الْمَسْأَلَة فِيهَا مشدوها حائرا فِيمَا يتْرك وَفِيمَا يخْتَار وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى إِلَّا باستخدام الْعلمَاء الَّذين لَهُم اطلَاع وَاسع على السّنة النَّبَوِيَّة المطهرة وفقهها مَعَ الْعلم بالفقه الْعَام وأصوله ليميز عِنْد الِاسْتِدْلَال على الْمسَائِل بالأحاديث بَين الصَّحِيحَة والضعيفة والموضوعة ثَالِثا لَيْسَ الْمَقْصُود بِهَذَا الْعرض أَن يسمح لكل من هَب ودب أَن يتلاعب بالشريعة باسم الإجتهاد بل الْمَقْصُود أَن لَا يشنع على من زينه الله بِعلم الشَّرِيعَة وفقهها وَلَا يمْنَع بفضله سُبْحَانَهُ على من عِنْده كفاءة للخوض فِي الْمسَائِل وَلَا يتهم بِالْخرُوجِ على الْأَئِمَّة لأجل الِاجْتِهَاد وَلَا يَرْمِي بالشذوذ إِذا خَالف آراء الآخرين بالأدلة لِأَن أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة لَا تكون شَاذَّة بل هِيَ مُسْتَقلَّة بذاتها لَا تحْتَاج إِلَى دَلِيل آخر فالعالم الجهبذ الَّذِي رزقه الله فقه الشَّرِيعَة وَالْعلم بأحكامها ترحب أَقْوَاله وآراؤه مهما علم أَنه مُجْتَهد فِي الْمسَائِل وَلَا يشْتَرط لَهُ أَن يكون صَاحب مَذْهَب ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم﴾ الْجُمُعَة ٣ قَالَ مُحَمَّد أَبُو زهرَة وَلَقَد كَانَ ابْن تَيْمِية ينْهَى من عِنْده أدوات الِاجْتِهَاد عَن التَّقْلِيد ويوصي الدارس الفاحص أَن لَا يتبع إِلَّا مَا يوصله إِلَيْهِ الدَّلِيل غير مُعْتَمد على سواهُ وَلَا يتبع غير سَبيله وَأَنه يفتح بَاب الإجتهاد على مصراعيه للقادر عَلَيْهِ وَإِن كَانَ يَسْتَطِيع أَن يجْتَهد فِي بعض أَبْوَاب الْفِقْه دون الْبَعْض الآخر وَسعه أَن يُقَلّد فِيمَا لَا يَسْتَطِيع أَن يجْتَهد فِيهِ وَلَا يَسعهُ التَّقْلِيد فِيمَا يَسْتَطِيع الإجتهاد فِيهِ
стр. 42
- ﷺ َ - الْبَاب الثَّانِي حكم تَصْحِيح الْأَحَادِيث وتضعيفها فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة ﷺ َ - لقد ثَبت أَن الإجتهاد من الْفُرُوض الدِّينِيَّة والشعائر الإسلامية وَيسْتَمر إِلَى مَا شَاءَ الله حسب الوقائع والأحداث وَلَا يَنْتَهِي بِتَغَيُّر الظروف وَالْأَحْوَال وَلَا يبْلى بمرور الزَّمَان وَلَا يخْتَص بعصر دون عصر بل هُوَ منحة ربانية عَامَّة فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيجب الْقطع بِأَنَّهُ غير مُتَعَذر فِي أَي مجَال من المجالات لِأَن المتعذر غير مطاق والإجتهاد فِي الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة وَطلب الحَدِيث النَّبَوِيّ وتمييزه من حَيْثُ الصِّحَّة وَالْحسن والضعف والوضع مَطْلُوب شرعا وواجب على الْعلمَاء الْأَكفاء فَلَو أوجبه الله تَعَالَى وَهُوَ مُتَعَذر لَكَانَ الله سُبْحَانَهُ قد كلف الْإِنْسَان مَا لَا يطيقه وَهَذَا يسْتَلْزم القَوْل بتكليف مَا لَا يُطَاق وَهُوَ يَقُول ﴿وَلَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا ولدينا كتاب ينْطق بِالْحَقِّ وهم لَا يظْلمُونَ﴾ الْمُؤْمِنُونَ ٦٢
فكرة تعذر التَّصْحِيح والتضعيف فِي مصطلح الحَدِيث
عرفنَا مِمَّا مضى فِي الْبَاب الأول من جِنَايَة التَّقْلِيد على الإجتهاد فِي الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة فَكَانَ من الطبيعي أَن يتأثر الِاجْتِهَاد فِي تَصْحِيح الحَدِيث وتضعيفه بِشَيْء من جفوة التَّقْلِيد الجامد وتلحقه بعض رواسب القَوْل بسد بَاب الإجتهاد
стр. 43
صَاحب هَذِه الفكرة
مَعْلُوم أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَبَا عَمْرو عُثْمَان بن عبد الرحمن الشهرزوري الْمَعْرُوف بِابْن الصّلاح ٥٧٧ - ٦٤٣ هـ الَّذِي هُوَ أحد رواد مصطلح الحَدِيث كَانَ مِمَّن يرى وجوب تَقْلِيد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وسد بَاب الِاجْتِهَاد فِي الْفِقْه بعدهمْ فَأدْخل فكرة منع الإجتهاد فِي التَّصْحِيح والتضعيف أَيْضا فِي كِتَابه عُلُوم الحَدِيث الْمَعْرُوف بمقدمة ابْن الصّلاح الَّذِي هُوَ من أشهر الْكتب فِي مصطلح الحَدِيث فقد قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فِي تَعْرِيف كِتَابه وَهُوَ يبين التأريخ العلمي لعلوم الحَدِيث إِلَى أَن جَاءَ الْحَافِظ الْفَقِيه تَقِيّ الدّين أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن الصّلاح عبد الرحمن الشهرزوري نزيل دمشق فَجمع لما ولى تدريس الحَدِيث بِالْمَدْرَسَةِ الأشرفية كِتَابه الْمَشْهُور فهذب فنونه وأملاه شَيْئا بعد شَيْء فَلهَذَا لم يحصل ترتيبه على الْوَضع المتناسب واعتنى بتصانيف الْخَطِيب المتفرقة فَجمع شتات مقاصدها وَضم إِلَيْهَا من غَيرهَا نخب فوائدها فَاجْتمع فِي كِتَابه مَا تفرق فِي غَيره فَلهَذَا عكف النَّاس عَلَيْهِ وَسَارُوا بسيره فَلَا يحصي كم ناظم لَهُ ومختصر ومستدرك عَلَيْهِ ومقتصر ومعارض لَهُ ومنتصر حَقًا هُوَ كَذَلِك كل من كتب بعده فِي عُلُوم الحَدِيث عَال على كِتَابه وَعَكَفَ عَلَيْهِ وَسَار بسيره وَوَافَقَ على مَا أثبت وقلما يُخَالف فِيمَا دون إِلَّا فِي مَسْأَلَة تعذر التَّصْحِيح فِي الْأَعْصَار المتأخره حَيْثُ قَالَ فِي مقدمته
стр. 44
إِذا وجدنَا فِيمَا يرْوى من أَجزَاء الحَدِيث وَغَيرهَا حَدِيثا صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم نجده فِي أحد الصَّحِيحَيْنِ وَلَا مَنْصُوصا على صِحَّته فِي شَيْء من مصنفات أَئِمَّة الحَدِيث الْمُعْتَمدَة الْمَشْهُورَة فَإنَّا لَا نتجاسر على جزم الحكم بِصِحَّتِهِ فقد تعذر فِي هَذِه الْأَعْصَار الِاسْتِقْلَال بِإِدْرَاك الصَّحِيح بِمُجَرَّد اعْتِبَار الْأَسَانِيد لِأَنَّهُ مَا من إِسْنَاد من ذَلِك إِلَّا وتجد فِي رِجَاله من اعْتمد فِي رِوَايَته على مَا فِي كِتَابه عريا عَمَّا يشْتَرط فِي الصَّحِيح من الْحِفْظ والضبط والإتقان فآل الْأَمر إِذا فِي معرفَة الصَّحِيح وَالْحسن إِلَى الِاعْتِمَاد على مَا نَص عَلَيْهِ أَئِمَّة الحَدِيث فِي تصانيفهم الْمُعْتَمدَة الْمَشْهُورَة الَّتِي يُؤمن فِيهَا لشهرتها من التَّغْيِير والتحريف وَصَارَ مُعظم الْمَقْصُود بِمَا يتداول من الْإِسْنَاد خَارِجا عَن ذَلِك إبْقَاء سلسلة الْإِسْنَاد الَّتِي خصت بهَا هَذِه الْأمة زَادهَا الله تَعَالَى شرفا آمين فقد خُولِفَ ابْن الصّلاح فِي هَذِه الْمقَالة من قبل كل من جَاءَ بعده من رواد عُلُوم الحَدِيث ومشاهير عُلَمَاء المصطلح كَمَا نَص عَلَيْهِ ابْن حجر قَائِلا قد اعْترض على ابْن الصّلاح كل من اختصر كَلَامه
مشاهير عُلَمَاء المصطلح يردون على ابْن الصّلاح
جزى الله تَعَالَى عُلَمَاء الْأمة خير الْجَزَاء على أَنهم لَا يخَافُونَ فِي الْحق لومة لائم وَلَا يداهنون فِي الرَّد على مَا يُخَالف الْوَاقِع وَلَا يسكتون على مَا يظْهر بُطْلَانه وأيا كَانَ قَائِله حَتَّى ينْكَشف زيفه وَيرد الْحق إِلَى نصابه انطلاقا من هَذَا المبدأ الْأَصِيل أَفَاضَ مشاهير عُلَمَاء مصطلح الحَدِيث فِي الرَّد على ابْن الصّلاح أَيْضا فِي قَوْله يتَعَذَّر التَّصْحِيح فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة كَمَا أَفَاضَ
стр. 45
الْعلمَاء الرواد فِي الْفِقْه فِي الرَّد على القَوْل بسد بَاب الِاجْتِهَاد فِي الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة وإليكم الْآن مآخذ رواد عُلَمَاء المصطلح فِي عصورهم على مقَالَة ابْن الصّلاح ليَكُون الدارس الفاحص على هدى وبصيرة من الْأَمر قَالَ محيي الدّين يحيى بن شرف النَّوَوِيّ ت ٦٧٦ هـ مُعَلّقا على كَلَام ابْن الصّلاح وَالْأَظْهَر عِنْدِي جَوَازه أَي التَّصْحِيح لمن تمكن وقويت مَعْرفَته وَقَالَ أَحْمد بن عبد الحليم بن تَيْمِية ت ٧٢٨ هـ وَهُوَ بصدد ذكر الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة عِنْد البُخَارِيّ الَّتِي نازعه فِيهَا الْعلمَاء وَالْمَقْصُود هُنَا التَّمْثِيل بِالْحَدِيثِ الَّذِي يروي فِي الصَّحِيح وينازع فِيهِ بعض الْعلمَاء وَأَنه قد يكون الرَّاجِح تَارَة وَتارَة الْمَرْجُوح وَمثل هَذَا من موارد الِاجْتِهَاد فِي تَصْحِيح الحَدِيث كموارد الإجتهاد فِي الْأَحْكَام وَهَذَا لَا يكون إِلَّا صدقا وَجُمْهُور متون الصَّحِيح من هَذَا الضَّرْب نصر الإِمَام ابْن تَيْمِية على أَن الإجتهاد فِي تَصْحِيح الحَدِيث كالاجتهاد فِي الْأَحْكَام وَقَالَ بدر الدّين بن جمَاعَة ت ٧٣٣ هـ وَأما مَا صَحَّ سَنَده فِي كتاب أَو جُزْء وَلم يُصَحِّحهُ إِمَام مُعْتَمد فَلَا يحكم بِصِحَّتِهِ لِأَن مُجَرّد الْإِسْنَاد لَا يَكْفِي فِيهِ والاستقلال بِهِ مُتَعَذر فِي هَذِه الْأَعْصَار قلت مَعَ غَلَبَة الظَّن أَنه لَو صَحَّ لما أهمله أَئِمَّة الْأَعْصَار الْمُتَقَدّمَة لشدَّة فحصهم واجتهادهم فَإِن بلغ أحد فِي هَذِه الْأَعْصَار أَهْلِيَّة ذَلِك والتمكن من
стр. 46
مَعْرفَته احْتمل استقلاله وَقَالَ أَيْضا بَعْدَمَا ذكر قَول ابْن الصّلاح فِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم بِأَن فِيهِ تساهلا وَمَا انْفَرد بِتَصْحِيحِهِ لَا يجْزم بِهِ بل يَجْعَل حسنا إِلَّا أَن يظْهر ضعفه لعِلَّة أَو غَيرهَا قلت فِي قَوْله يَجْعَل حسنا نظر بل يَنْبَغِي أَن يتتبع فِي أَصله وَسَنَده وسلامته ثمَّ يحكم عَلَيْهِ لحاله وَقَالَ أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن كثير الدِّمَشْقِي ت ٧٧٤ هـ كَذَلِك يُوجد فِي معجمي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير والأوسط ومسندي أبي يعلى وَالْبَزَّار وَغير ذَلِك من المسانيد والمعاجم والفؤاد والأجزاء مَا يتَمَكَّن المتبحر فِي هَذَا الشَّأْن من الحكم بِصِحَّة كثير مِنْهُ بعد النّظر فِي حَال رِجَاله وسلامته من التَّعْلِيل الْفَاسِد وَقَالَ زين الدّين عبد الرحيم بن الْحُسَيْن الْعِرَاقِيّ ت ٨٠٢ هـ لما تقدم أَن البُخَارِيّ وَمُسلمًا لم يستوعبا إِخْرَاج الصَّحِيح فَكَأَنَّهُ قيل فَمن أَيْن يعرف الصَّحِيح الزَّائِد على مَا فيهمَا فَقَالَ أَي ابْن الصّلاح خُذْهُ إِذْ تنص صِحَّته أَي حَيْثُ ينص على صِحَّته إِمَام مُعْتَمد كَأبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ والخطابي وَالْبَيْهَقِيّ فِي مصنفاتهم الْمُعْتَمدَة كَذَا قَيده ابْن الصّلاح فِي مصنفاتهم وَلم أقيد بهَا بل إِذا صَحَّ الطَّرِيق إِلَيْهِم صححوه وَلَو فِي غير مصنفاتهم أَو صَححهُ من لم يشْتَهر لَهُ تصنيف من الْأَئِمَّة كيحيى بن سعيد الْقطَّان وَابْن معِين وَنَحْوهمَا فَالْحكم كَذَلِك على الصَّوَاب
стр. 47
وَإِنَّمَا قَيده ابْن الصّلاح بالمصنفات لِأَنَّهُ ذهب إِلَى أَنه لَيْسَ لأحد فِي هَذِه الْأَعْصَار أَن يصحح الْأَحَادِيث فَلهَذَا لم يعْتَمد على صِحَة السَّنَد إِلَى من صَححهُ فِي غير تصنيف مَشْهُور وَقَالَ أَيْضا وَهُوَ بصدد الرَّد على قَول ابْن الصّلاح فِي تساهل الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك حَيْثُ حكم على مَا فِيهِ مَا لم يكن من قبيل الصَّحِيح فَهُوَ من قبيل الْحسن يحْتَج بِهِ وَيعْمل بِهِ إِلَّا أَن تظهر فِيهِ عِلّة توجب ضعفه إِن الحكم عَلَيْهِ بالْحسنِ فَقَط تحكم فَالْحق أَن مَا انْفَرد بِتَصْحِيحِهِ يتتبع بالكشف عَنهُ وَيحكم عَلَيْهِ بِمَا يَلِيهِ بِحَالهِ من الصِّحَّة وَالْحسن والضعف وَلَكِن ابْن الصّلاح رَأْيه أَنه لَيْسَ لأحد أَن يصحح فِي هَذِه الْأَعْصَار فَلهَذَا قطع النّظر عَن الْكَشْف عَلَيْهِ وَقَالَ أَيْضا مَا رَجحه النَّوَوِيّ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عمل أهل الحَدِيث فقد صحّح جمَاعَة من الْمُتَأَخِّرين أَحَادِيث لم نجد لمن تقدمهم فِيهَا تَصْحِيحا فَمن المعاصرين لِابْنِ الصّلاح ت ٦٤٣ هـ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الملك بن الْقطَّان ت ٦٢٨ هـ صَاحب كتاب بَيَان الْوَهم وَالْإِيهَام الواقعين فِي كتاب الْأَحْكَام وَقد صحّح فِي كِتَابه الْمَذْكُور عدَّة أَحَادِيث ثمَّ ذكر الْأَمْثِلَة وَمِمَّنْ صحّح أَيْضا من المعاصرين لَهُ الْحَافِظ ضِيَاء الدّين مُحَمَّد بن عبد الواحد الْمَقْدِسِي ت ٦٤٣ هـ جمع كتابا سَمَّاهُ المختارة الْتزم فِيهِ الصِّحَّة
стр. 48
وَذكر فِيهِ أَحَادِيث لم يسْبق إِلَى تصحيحها فِيمَا أعلم وَتُوفِّي الضياء الْمَقْدِسِي فِي السّنة الَّتِي مَاتَ فِيهَا ابْن الصّلاح ت ٦٤٣ هـ وَصحح الْحَافِظ زكي الدّين عبد العظيم بن عبد القوي الْمُنْذِرِيّ ت ٦٥٦ هـ حَدِيث غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر فِي جُزْء جمع فِيهِ مَا ورد فِي ذَلِك وَتُوفِّي الزكي الْمُنْذِرِيّ سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة ثمَّ صحّح الطَّبَقَة الَّتِي تلِي هَذِه أَيْضا فصحح الْحَافِظ شرف الدّين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي ت ٧٠٥ هـ وَذكر مِثَال ذَلِك ثمَّ صحّح الطَّبَقَة الَّتِي تلِي هَذِه وهم شُيُوخنَا فصحح الشَّيْخ تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ ت ٧٥٦ هـ ثمَّ ذكر مِثَال ذَلِك وَلم يزل ذَلِك دأب من بلغ أَهْلِيَّة ذَلِك مِنْهُم إِلَّا أَن فيهم من لَا يقبل ذَلِك مِنْهُم وَكَذَا كَانَ المتقدمون رُبمَا صحّح بَعضهم شَيْئا فَأنْكر عَلَيْهِ تَصْحِيحه وَالله أعلم وَقَالَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْوَزير الْيَمَانِيّ ت ٨٤٠ هـ
стр. 49
الضَّرْب الثَّانِي من ضربي التَّصْحِيح أَن لَا ينص على صِحَة الحَدِيث أحد من الْمُتَقَدِّمين وَلَكِن تبين لنا رجال إِسْنَاده وعرفناهم من كتب الْجرْح وَالتَّعْدِيل الصَّحِيحَة بِنَقْل الثِّقَات سَمَاعا أَو غَيره من طرق النَّقْل كالإجازة والوجادة فَهَذَا وَقع فِيهِ خلاف لِابْنِ الصّلاح فَإِنَّهُ ذكر أَنا لَا نجزم بِصِحَّة ذَلِك لعدم خلو الْإِسْنَاد فِي هَذِه الْأَعْصَار مِمَّن يعْتَمد على كِتَابه من غير تَمْيِيز لما فِيهِ وَخَالفهُ فِي دَعْوَاهُ النَّوَوِيّ فَقَالَ الْأَظْهر عِنْدِي جَوَازه لمن تمكن وقويت مَعْرفَته وَقَالَ زين الدّين هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عمل أهل الحَدِيث وَقد ناقش شيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ ابْن حجر ت ٨٥٢ هـ رَأْي الشَّيْخ ابْن الصّلاح ورأي الْمُخَالفين لَهُ مناقشة علمية دقيقة مفصلا كَمَا نَقله السُّيُوطِيّ فَقَالَ قَالَ شيخ الْإِسْلَام قد اعْترض على ابْن الصّلاح كل من اختصر كَلَامه وَكلهمْ دفع فِي صدر كَلَامه من غير إِقَامَة دَلِيل وَلَا بَيَان تَحْلِيل وَمِنْه من احْتج بمخالفة أهل عصره وَمن بعده لَهُ فِي ذَلِك كَابْن الْقطَّان ت ٦٢٨ هـ والضياء الْمَقْدِسِي ت ٦٤٣ هـ والزكي الْمُنْذِرِيّ ت ٦٥٦ هـ وَمن بعدهمْ كَابْن الْمواق ت ٧٢١ هـ والدمياطي ت ٧٥٠ هـ والمزي ت ٧٤٢ هـ وَنَحْوهم وَلَيْسَ بوارد لِأَنَّهُ لَا حجَّة على ابْن الصّلاح بِعَمَل غَيره وَإِنَّمَا يحْتَج عَلَيْهِ بِإِبْطَال دَلِيل أَو معارضته بِمَا هُوَ أقوى مِنْهُ وَمِنْهُم من قَالَ لَا سلف لَهُ فِي ذَلِك وَلَعَلَّه بناه على جَوَاز خلو الْعَصْر من الْمُجْتَهد وَهَذَا إِذا انْضَمَّ إِلَى مَا قبله من أَنه لَا سلف لَهُ فِيمَا ادَّعَاهُ وَعمل أهل عصره
стр. 50
وَمن بعدهمْ على خلاف مَا قَالَ انتهض دَلِيلا للرَّدّ عَلَيْهِ قَالَ ثمَّ إِن فِي عباراته مناقشات مِنْهَا قَوْله فَإنَّا لَا نتجاسر ظَاهره أَن الأولى ترك التَّعَرُّض لَهُ لما فِيهِ من التَّعَب وَالْمَشَقَّة وَإِن لم ينْهض إِلَى دَرَجَة التَّعَذُّر فَلَا يحسن قَوْله بعد تعذر وَمِنْهَا أَنه ذكر مَعَ الضَّبْط الْحِفْظ والإتقان وَلَيْسَت مُتَغَايِرَة وَمِنْهَا أَنه قَابل بِعَدَمِ الْحِفْظ وجود الْكتاب فأفهم أَنه يعيب من حدث من كِتَابه ويصوب من حدث عَن ظهر قلبه وَالْمَعْرُوف من أَئِمَّة الحَدِيث خلاف ذَلِك وَحِينَئِذٍ فَإِذا كَانَ الرَّاوِي عدلا وَلَكِن لَا يحفظ مَا يسمعهُ عَن ظهر قلب وَاعْتمد مَا فِي كِتَابه فَحدث مِنْهُ فقد فعل اللَّازِم لَهُ فَحَدِيثه على هَذِه الصُّورَة صَحِيح قَالَ وَفِي الْجُمْلَة مَا اسْتدلَّ بِهِ ابْن الصّلاح من كَون الْأَسَانِيد مَا مِنْهَا إِلَّا وَفِيه من لم يبلغ دَرَجَة الضَّبْط المشترطة فِي الصَّحِيح إِن أَرَادَ أَن جَمِيع الْإِسْنَاد كَذَلِك فَهُوَ مَمْنُوع لِأَن من جملَته من يكون من رجال الصَّحِيح وَقل أَن يَخْلُو إِسْنَاد عَن ذَلِك وَإِن أَرَادَ بعض الْإِسْنَاد كَذَلِك فَمُسلم وَلَكِن لَا ينْهض دَلِيلا على التَّعَذُّر إِلَّا فِي جُزْء ينْفَرد بروايته من وصف بذلك أما الْكتاب الْمَشْهُور الْغَنِيّ بشهرته عَن اعْتِبَار الْإِسْنَاد منا إِلَى مُصَنفه كالمسانيد وَالسّنَن مِمَّا لَا يحْتَاج فِي صِحَة نسبتها إِلَى مؤلفها إِلَى اعْتِبَار إِسْنَاد معِين فَإِن المُصَنّف مِنْهُم إِذا روى حَدِيثا وَوجدت الشَّرَائِط فِيهِ مَجْمُوعَة وَلم يطلع الْمُحدث المتقن المطلع فِيهِ على عِلّة لم يمْتَنع الحكم بِصِحَّتِهِ وَلَو لم ينص عَلَيْهَا أحد من الْمُتَقَدِّمين
стр. 51
قَالَ ثمَّ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامه من قبُول التَّصْحِيح من الْمُتَقَدِّمين ورده من الْمُتَأَخِّرين قد يسْتَلْزم رد مَا هُوَ صَحِيح وَقبُول مَا لَيْسَ بِصَحِيح فكم من حَدِيث حكم بِصِحَّتِهِ إِمَام مُتَقَدم اطلع الْمُتَأَخر فِيهِ على عِلّة قادحة تمنع من الحكم بِصِحَّتِهِ وَلَا سِيمَا إِن كَانَ ذَلِك الْمُتَقَدّم مِمَّن لَا يرى التَّفْرِقَة بَين الصَّحِيح وَالْحسن كَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان قَالَ وَالْعجب مِنْهُ أَي من ابْن الصّلاح كَيفَ يَدعِي تَعْمِيم الْخلَل فِي جَمِيع الْأَسَانِيد الْمُتَأَخِّرَة ثمَّ يقبل تَصْحِيح الْمُتَقَدّم وَذَلِكَ التَّصْحِيح إِنَّمَا يتَّصل للمتأخر بِالْإِسْنَادِ الَّذِي يَدعِي فِيهِ الْخلَل فَإِن كَانَ ذَلِك الْخلَل مَانِعا من الحكم بِصِحَّة الْإِسْنَاد فَهُوَ مَانع من الحكم بِقبُول ذَلِك التَّصْحِيح وَإِن كَانَ لَا يُؤثر فِي الْإِسْنَاد فِي مثل ذَلِك لشهرة الْكتاب كَمَا يرشد إِلَيْهِ كَلَامه فَكَذَلِك لَا يُؤثر فِي الْإِسْنَاد الْمعِين الَّذِي يتَّصل بِهِ رِوَايَة ذَلِك الْكتاب إِلَى مُؤَلفه وينحصر النّظر فِي مثل أَسَانِيد ذَلِك المُصَنّف مِنْهُ فَصَاعِدا وَلَكِن قد يقوى مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن الصّلاح بِوَجْه آخر وَهُوَ ضعف نظر الْمُتَأَخِّرين بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَقَدِّمين وَقيل إِن الْحَامِل لِابْنِ الصّلاح على ذَلِك أَن الْمُسْتَدْرك للْحَاكِم كتاب كَبِير جدا يصفو لَهُ مِنْهُ صَحِيح كثير وَهُوَ مَعَ حرصه على جمع الصَّحِيح غزير الْحِفْظ كثير الِاطِّلَاع وَاسع الرِّوَايَة فيبعد كل الْبعد أَن يُوجد حَدِيث بشرائط الصِّحَّة لم يُخرجهُ وَهَذَا قد يقبل لكنه لَا ينْهض دَلِيلا على التَّعَذُّر قلت والأحوط فِي مثل ذَلِك أَن يعبر عَنهُ بِصَحِيح الْإِسْنَاد وَلَا يُطلق التَّصْحِيح لاحْتِمَال عِلّة للْحَدِيث خفيت عَلَيْهِ وَقد رَأَيْت من يعبر خشيَة من ذَلِك
стр. 52
بقوله صَحِيح إِن شَاءَ الله وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الرحمن السخاوي ت ٩٠٢ هـ بعد ذكر قَول ابْن الصّلاح فِي الْمُسْتَدْرك للْحَاكِم وَأَنه جعل مَا لم يكن مردودا من أَحَادِيثه دائرا بَين الصِّحَّة وَالْحسن احْتِيَاطًا وَحِينَئِذٍ فَلم يتحكم بِغَيْر دَلِيل نعم جر سَده بَاب التَّصْحِيح إِلَى عدم تَمْيِيز أَحدهمَا من الآخر لاشْتِرَاكهمَا كَمَا صرح بِهِ فِي الحجية وَالْحق كَمَا أرشد إِلَيْهِ الْبَدْر بن جمَاعَة أَن يتتبع الْكتاب ويكشف عَن أَحَادِيثه وَيحكم بِمَا يَلِيق بِهِ من الصِّحَّة أَو الْحسن أَو الضعْف وَقد تنبه السُّيُوطِيّ إِلَى نُكْتَة جَدِيدَة فِي هَذَا المبحث حَيْثُ قَالَ لم يتَعَرَّض المُصَنّف أَي النَّوَوِيّ وَمن بعده كَابْن جمَاعَة وَغَيره مِمَّن اختصر ابْن الصّلاح والعراقي فِي الألفية والبلقيني وَأَصْحَاب النكت إِلَّا للتصحيح فَقَط وسكتوا عَن التحسين وَقد ظهر لي أَن يُقَال فِيهِ إِن من جوز التَّصْحِيح فالتحسين أولى وَمنع منع فَيحْتَمل أَن يجوزه وَقد حسن الْمزي حَدِيث طلب الْعلم فَرِيضَة مَعَ تَصْرِيح الْحفاظ بتضعيفه وَحسن جمَاعَة كَثِيرُونَ أَحَادِيث صرح الْحفاظ بتضعيفها ثمَّ تَأَمَّلت كَلَام ابْن الصّلاح فرأيته سوى بَينه وَبَين التَّصْحِيح حَيْثُ قَالَ فآل الْأَمر إِذا فِي معرفَة الصَّحِيح وَالْحسن إِلَى الِاعْتِمَاد على مَا نَص عَلَيْهِ أَئِمَّة الحَدِيث فِي كتبهمْ إِلَى آخِره
стр. 53
وَقد منع وَوَافَقَ عَلَيْهِ المُصَنّف وَغَيره أَن يجْزم بِتَضْعِيف الحَدِيث اعْتِمَادًا على ضعف إِسْنَاده لاحْتِمَال أَن يكون لَهُ إِسْنَاد صَحِيح غَيره فَالْحَاصِل أَن ابْن الصّلاح سد بَاب التَّصْحِيح والتحسين والتضعيف على أهل هَذَا الزَّمَان لضعف أهليتهم وَإِن لم يُوَافق على الأول وَلَا شكّ أَن الحكم بِالْوَضْعِ أولى بِالْمَنْعِ قطعا إِلَّا حَيْثُ لَا يخفى كالأحاديث الطوَال الرَّكِيكَة الَّتِي وَضعهَا الْقصاص أَو مَا فِيهِ مُخَالفَة لِلْعَقْلِ أَو الْإِجْمَاع وَأما الحكم للْحَدِيث بالتواتر أَو الشُّهْرَة فَلَا يمْتَنع إِذا وجدت الطّرق الْمُعْتَبرَة فِي ذَلِك وَيَنْبَغِي التَّوَقُّف على الحكم بالفردية والغرابة وَعَن الْعِزَّة أَكثر وَقَالَ زين الدّين زَكَرِيَّا بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ السنكي ت ٩٢٥ هـ فَابْن الصّلاح جعل مَا انْفَرد الْحَاكِم بِتَصْحِيحِهِ وَلم يكن مردودا دائرا بَين الصَّحِيح وَالْحسن احْتِيَاطًا لَا حسنا مُطلقًا كَمَا اقْتَضَاهُ النّظم وَإِن جرى عَلَيْهِ النَّوَوِيّ وَغَيره مَعَ أَن فِي ذَلِك تحكما وَيُمكن تَصْحِيح ذَلِك بِأَن يُقَال إِنَّه حسن فِي الحكم من حَيْثُ الحجية وَإِن لم يتَمَيَّز فِيهِ الصَّحِيح من الْحسن اصْطِلَاحا وَالْحق أَن يتتبع كِتَابه بالكشف عَنهُ وَيحكم بِمَا يَلِيق بِهِ من الصِّحَّة وَالْحسن والضعف وَلما كَانَ رَأْي ابْن الصّلاح أَنه لَيْسَ لأحد فِي هَذِه الْأَعْصَار أَن يصحح حَدِيثا قطع النّظر عَن تتبع ذَلِك وَقَالَ جمال الدّين القاسمي ت ١٣٣٢ هـ بعد مَا نقل كَلَام ابْن الصّلاح فِي تعذر التَّصْحِيح
стр. 54
وَقد اقتفى أثر ابْن الصّلاح فِي كل مَا ذكره من جَاءَ بعده إِلَّا فِي تعذر التَّصْحِيح فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة فخالفه فِيهِ جمع مِمَّن لحقه ثمَّ ذكر ردود الْعلمَاء على ابْن الصّلاح فِي هَذَا الْأَمر وَقَالَ أَحْمد مُحَمَّد شَاكر ذهب ابْن الصّلاح إِلَى أَنه قد تعذر فِي هَذِه الْأَعْصَار الِاسْتِقْلَال بِإِدْرَاك الصَّحِيح بِمُجَرَّد اعْتِبَار الْأَسَانِيد وَمنع بِنَاء على هَذَا من الْجَزْم بِصِحَّة حَدِيث لم نجده فِي أحد الصَّحِيحَيْنِ وَلَا مَنْصُوصا على صِحَّته فِي شَيْء من مصنفات أَئِمَّة الحَدِيث الْمُعْتَمدَة الْمَشْهُورَة وَبنى على قَوْله هَذَا أَن مَا صَححهُ الْحَاكِم من الْأَحَادِيث وَلم نجد فِيهِ لغيره من المعتمدين تَصْحِيحا وَلَا تضعيفا حكمنَا بِأَنَّهُ حسن إِلَّا أَن يظْهر فِيهِ عِلّة توجب ضعفه وَقد رد الْعِرَاقِيّ وَغَيره قَول ابْن الصّلاح هَذَا وأجازوا لمن تمكن وقويت مَعْرفَته أَن يحكم بِالصِّحَّةِ أَو بالضعف على الحَدِيث بعد الفحص عَن إِسْنَاده وَعلله وَهُوَ الصَّوَاب وَالَّذِي أَرَادَ أَن ابْن الصّلاح ذهب إِلَى مَا ذهب إِلَيْهِ بِنَاء على القَوْل بِمَنْع الِاجْتِهَاد بعد الْأَئِمَّة فَكَمَا حظروا الِاجْتِهَاد فِي الْفِقْه أَرَادَ ابْن الصّلاح أَن يمْنَع الِاجْتِهَاد فِي الحَدِيث وهيهات فَالْقَوْل بِمَنْع الِاجْتِهَاد قَول بَاطِل لَا برهَان عَلَيْهِ من كتاب وَلَا سنة وَلَا تَجِد لَهُ شبه دَلِيل هَكَذَا أبطل الْعلمَاء الفطاحل دَعْوَى تعذر الِاجْتِهَاد فِي الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة وَفِي
стр. 55
الحكم على الحَدِيث فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة على السوَاء وَقد ألف الْأَمِير الصَّنْعَانِيّ ت ١١٨٢ هـ رِسَالَة مُسْتَقلَّة فِي بطلَان هَذِه الدَّعْوَى أسماها بإرشاد النقاد إِلَى تيسير الِاجْتِهَاد فأجاد وَأفَاد وَقَالَ إِنَّه لَا مانه لمن وجد فِي هَذِه الْأَعْصَار حَدِيثا لم يسْبق عَلَيْهِ كَلَام إِمَام من الْأَئِمَّة بتصحيح وَلَا غَيره فتتبع كَلَام أَئِمَّة الرِّجَال فِي أَحْوَال رُوَاته حَتَّى حصل لَهُ من كَلَامهم ثِقَة رِوَايَته أَو عدمهَا فَجزم بِأَيِّهِمَا على الحَدِيث كَمَا جزم من قبله من أَئِمَّة التَّصْحِيح والتضعيف من مثل البُخَارِيّ وَغَيره ومستنده فِي ذَلِك مُسْتَند من قبله غَايَة الْفرق أَنه كثر الوسائط فِي حَقه لتأخر عصره وَهَذَا مُوجب لمَشَقَّة الْبَحْث عَلَيْهِ لِكَثْرَة الروَاة الَّذين يبْحَث عَن أَحْوَالهم وَلَكِن رُبمَا كَانَ ثوابهم أَكثر لزِيَادَة مشقة الْبَحْث هَذَا إِذا كَانَت طَرِيق الْمُتَأَخر هِيَ الرِّوَايَة وَأَرَادَ معرفَة أَحْوَال شُيُوخه وتحقيقها حَتَّى يبلغ إِلَى مؤلف الْكتاب الَّذِي قَرَأَهُ وَأما إِذا كَانَت طَريقَة الْإِجَازَة أَو الوجادة فَإِنَّهُ لَا كَثْرَة للوسائط أصلا بل هُوَ كالقدماء فِي ذَلِك وَحِينَئِذٍ فَيكون مُجْتَهدا فِيمَا حكم بِصِحَّتِهِ مثلا فَإِنَّهُ كَمَا أَنه لَا محيص عَن القَوْل بِأَن تَصْحِيح الْأَئِمَّة الْأَوَّلين اجْتِهَاد فَإِنَّهُ إِنَّمَا بنوه على مَا بلغ إِلَيْهِم من أَحْوَال الروَاة ففرعوا عَلَيْهِ التَّصْحِيح وجعلوه عبارَة عَن ثِقَة الروَاة وضبطهم كَذَلِك لَا محيص عَن القَوْل بَان مَا صَححهُ من بعدهمْ إِلَى يَوْمنَا هَذَا أَو ضَعَّفُوهُ أَو حسنوه حكمه مَا قَالَه الْأَولونَ من الْأَئِمَّة إِذْ الأَصْل فِي الْكل وَاحِد وَهُوَ قبُول أَخْبَار من سلف عَن أَحْوَال الروَاة وصفاتهم وَإِلَّا كَانَ القَوْل بِخِلَاف هَذَا تحكما لَا يَقُول بِهِ عَالم وَإِذا عرفت هَذَا عرفت ضعف مَا قَالَه ابْن الصّلاح بل بُطْلَانه من أَنه
стр. 56
لَيْسَ لنا الْجَزْم بالتصحيح فِي هَذِه الْأَعْصَار وَقد خَالفه النَّوَوِيّ وَرجح زين الدّين كَلَام النَّوَوِيّ وَهُوَ الْحق إِن كَلَام الْأَمِير هَذَا حَقًا أَمِير الْكَلَام فِي هَذَا الْمَوْضُوع ومسك الختام هُنَا انْتهى مَا أردْت تَقْيِيده وأسأل الله تَعَالَى أَن أكون قد وفقت لإِثْبَات مَا رَأَيْت من الْحق فَإِن أصبت فَمِنْهُ سُبْحَانَهُ وَإِن أَخْطَأت فمني وَمن الشَّيْطَان ونعوذ بِاللَّه من ذَلِك وأدعو الله أَن يرينا الْحق ويرزقنا اتِّبَاعه ويرينا الْبَاطِل بَاطِلا ويرزقنا اجتنابه كي نَكُون مِمَّن قَالَ فيهم ﴿الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه أُولَئِكَ الَّذين هدَاهُم الله وَأُولَئِكَ هم أولُوا الْأَلْبَاب﴾ الزمر ١٨ اللَّهُمَّ اجْعَل عَمَلي هَذَا خَالِصا لوجهك الْكَرِيم يَوْم لَا ينفع مَال وَلَا بنُون إِلَّا من أَتَى الله بقلب سليم الْحَمد لله أَولا وآخرا وَصلى الله على سيدنَا وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا
стр. 57
- ﷺ َ - الْبَاب الثَّالِث نبذة عَن حَيَاة الْمُؤلف مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْأَمِير الصَّنْعَانِيّ ١٠٩٩ - ١١٨٢ هـ ﷺ َ -
نسبه ومولده
هُوَ الإِمَام الْحَافِظ أَبُو إِبْرَاهِيم مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن صَلَاح بن مُحَمَّد بن عَليّ الْمَعْرُوف بالأمير الحسني اليمني الكحلاني الصَّنْعَانِيّ ولد ﵀ فِي مَدِينَة كحلان فِي لَيْلَة الْجُمُعَة منتصف جُمَادَى الْآخِرَة من عَام ١٠٩٩ هـ تِسْعَة وَتِسْعين وَألف من الْهِجْرَة
نشأته وبراعته فِي الْعُلُوم
انْتقل وَالِده وَأَهله من كحلان إِلَى صنعاء فَنَشَأَ بهَا وَأتم حفظ الْقُرْآن عَن ظهر قلب وتعهده أَبوهُ بالتربية والتعليم وَكَانَ من الْفُضَلَاء الراغبين فِي الْعلم الزاهدين فِي الدُّنْيَا ت ١١٤٢ هـ وأسلمه إِلَى النحارير من أهل الْعلم حَتَّى تخرج عَلَيْهِم عَالما فَاضلا وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران وَتفرد برئاسة الْعلم فِي صنعاء وَتظهر بِالِاجْتِهَادِ وَعمل بالأدلة وَنَفر عَن التَّقْلِيد وزيف مَا لَا دَلِيل عَلَيْهِ من الآراء الْفِقْهِيَّة وَجَرت لَهُ مَعَ أهل عصره خطوب ومحن ويذكره الشَّوْكَانِيّ
стр. 58
بِالِاجْتِهَادِ الْمُطلق ويعده من أَئِمَّة المجددين لمعالم الدّين
شُيُوخه
أَخذ عَن وَالِده الْفِقْه والنحو وَالْبَيَان وعلوم الدّين وَمن شُيُوخه المعروفين صَلَاح بن حُسَيْن الكحلاني وَزيد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقَاسِم ولازمه كل يَوْم حَتَّى فرق بَينهمَا موت الشَّيْخ وَالْقَاضِي عَليّ بن مُحَمَّد الْعَنسِي وهَاشِم بن يحيى الشَّامي وعبد الله بن عَليّ الْوَزير الصَّنْعَانِيّ وعبد الخالق بن الزين الزبيدِيّ
تلاميذه
من اجل تلاميذه أَوْلَاده إِبْرَاهِيم وعبد الله وَالقَاسِم وَمِنْه عبد القادر بن أَحْمد وَأحمد بن مُحَمَّد قاطن وَأحمد بن صَالح بن أبي الرِّجَال وَمُحَمّد بن إِسْحَاق وَالْحسن بن إِسْحَاق بن الْمهْدي وَإِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَغَيرهم خلق كثير وَقد كَانَ ﵀ كثير الأتباع من الْخَاصَّة والعامة الَّذين عمِلُوا بِاجْتِهَادِهِ وتظهروا بذلك قرؤا عَلَيْهِ كتب الحَدِيث وَفِيهِمْ جمَاعَة من الأجناد
مناصبه
لما اسْتكْمل أدوات الرِّئَاسَة والتصدر أكب على الإفادة والتدريس واشتهر بنشر علم السّنة النَّبَوِيَّة وَقد ولاه الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الخطابة بِجَامِع صنعاء فاستمر كَذَلِك إِلَى أَيَّام وَلَده الإِمَام الْمهْدي
стр. 59
وولاه الْمهْدي الْعَبَّاس سنة ١١٦١ هـ أوقاف صنعاء وبلادها فباشر أَعمال الْوَقْف بِصدق وَأَمَانَة وعفاف وَاسْتمرّ إِلَى شَوَّال سنة ١١٦٢ هـ ثمَّ اعتذر عَنْهَا وَمن أَعماله فِي هَذِه الحقبة تحريضه الْمهْدي على بِعْت معلمين للصَّلَاة إِلَى جَمِيع الْقرى والمدن المنعزلة فِي الْبَوَادِي وَإِزَالَة مُنكرَات المعتقدات وإرشاد النَّاس إِلَى الطَّاعَات فَأرْسل الْمهْدي جمَاعَة من الصَّالِحين للْعَمَل بذلك
مصنفاته
مرتبَة على حُرُوف الهجاء ١ إِجَابَة السَّائِل شرح بغية الآمل بمنظومة الكافل فِي أصُول الْفِقْه ٢ الْإِحْرَاز لما فِي أساس البلاغة للزمخشري من كِنَايَة ومجاز ٣ الْإِدْرَاك لضعف أَدِلَّة تَحْرِيم التنباك ٤ إسبال المظر شرح نخبة الْفِكر ٥ إرشاد النقاد إِلَى تيسير الِاجْتِهَاد وَهُوَ كتَابنَا هَذَا ٦ إستيفاء الْمقَال فِي حَقِيقَة الْإِرْسَال ٧ الأنفاس الرحمانية على الإفاضية المدنية رِسَالَة تتَعَلَّق بِخلق أَفعَال الْعباد ٨ الْأَنْوَار على كتاب الإيثار ٩ الْإِيضَاح وَالْبَيَان فِي تَحْقِيق عِبَارَات قصَص الْقُرْآن ١٠ إيقاظ الفكرة لمراجعة الْفطْرَة
стр. 60
١١ - بشرى الكئيب بلقاء الحبيب منظومة وَشَرحهَا فِي المعاذ ١٢ التحبير شرح كتاب التَّيْسِير أَي تيسير الْوُصُول إِلَى جَامع الْأُصُول ١٣ تَطْهِير الِاعْتِقَاد عَن درن الْإِلْحَاد ١٤ التَّنْوِير شرح الْجَامِع الصَّغِير ألفة قبل اطِّلَاعه على شرح الْمَنَاوِيّ ١٥ توضيح الأفكار لمعاني تَنْقِيح الأنظار ١٦ ثَمَرَات النّظر فِي علم الْأَثر ١٧ جمع الشتيت شرح أَبْيَات التثبيت للسيوطي فِي عَالم البرزخ والمعاد ١٨ حَاشِيَة على الْبَحْر والزخار من كتاب الطَّهَارَة إِلَى الزَّكَاة ١٩ حَاشِيَة على شرح الرضى على الكافية ٢٠ الدِّرَايَة شرح الْعِنَايَة فِي أصُول الْفِقْه ٢١ ديوَان شعره جمعه ابْنه عبد الله الْأَمِير ورتبه على الْحُرُوف وَهُوَ فِي أَكثر من ٤٠٠ صفحة ٢٢ رِسَالَة فِي الرسَالَة جَوَاب سُؤال هَل التحدي بِالْقُرْآنِ مُسْتَمر أم يرْتَفع إِذا اختلت اللِّسَان ٢٣ رِسَالَة فِي المفاضلة بَين الصِّحَاح والقاموس وَأَبَان أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز ٢٤ رِسَالَة فِي إِزَالَة أصنام لوثني الْهِنْد ألفها للمهدي الْعَبَّاس ٢٥ الرَّوْض النَّضِير فِي الْخطب ٢٦ الرَّوْضَة الندية شرح التُّحْفَة العلوية ٢٧ سبل السَّلَام شرح بُلُوغ المرام ٢٨ السهْم الصائب لِلْقَوْلِ الْكَاذِب رد بهَا على جمَاعَة من الشِّيعَة وَقَالُوا إِن تدريسه تَفْسِير الْقُرْآن بالجامع من الْمُنكر ٢٩ السَّيْف الباتر فِي يَمِين الصابر والشاكر اخْتِصَار عدَّة الصابرين لِابْنِ الْقيم
стр. 61
٣٠ - الْعدة شرح العمدى لِابْنِ دَقِيق الْعِيد ٣١ فتح الْخَالِق شرح ممادح رب الْخَلَائق ٣٢ قصب السكر نظم نخبة الْفِكر فِي علم الْأَثر ٣٣ الْمسَائِل المرضية فِي بَيَان اتِّفَاق أهل السّنة والزيدية ٣٤ منحة الْغفار حَاشِيَة على ضوء النَّهَار شرح الأزهار ٣٥ منسك فِي الْحَج وَمَعَهُ قصيدة لَهُ فِي الْمَنَاسِك عدد أبياتها ٢٨٣ ٣٦ نصْرَة المعبود فِي الرَّد على أهل وحدة الْوُجُود ٣٧ نظم بُلُوغ المرام ٣٨ نِهَايَة التَّحْرِير فِي الرَّد على قَوْلهم لَيْسَ فِي مُخْتَلف فِيهِ نَكِير ٣٩ هِدَايَة السول فِي علم الْأُصُول ٤٠ اليواقيت فِي الْمَوَاقِيت فِي بَيَان أَوْقَات الصَّلَاة بِمَا دلّت عَلَيْهِ الْأَدِلَّة
ابتلاءاته
قد ابتلى بلَاء حسنا لأجل الْعَمَل بِالْحَدِيثِ وَتجمع الْعَوام لقَتله مرّة بعد أُخْرَى وَلَكِن الله حفظه من كيدهم ومكرهم وَكَفاهُ شرهم قَالَ الشَّوْكَانِيّ وَلَيْسَ الذَّنب فِي معاداة من كَانَ كَذَلِك للعامة الَّذين لَا تعلق لَهُم بِشَيْء من المعارف العلمية فَإِنَّهُم أَتبَاع كل ناعق إِذا قَالَ لَهُم من لَهُ هَيْئَة أهل الْعلم إِن هَذَا الْأَمر حق قَالُوا حق وَإِن قَالَ بَاطِل قَالُوا بَاطِل إِنَّمَا الذَّنب لجَماعَة قرؤوا شَيْئا من كتب الْفِقْه وَلم يمعنوا فِيهَا وَلَا عرفُوا غَيرهَا فظنوا لقصورهم أَن الْمُخَالفَة لشَيْء مِنْهَا مُخَالفَة للشريعة صدق ﵀ وَهَذَا هُوَ شَأْن من ينتسب إِلَى الْعلم فِي عصرنا فِي مُخَالفَة الْعلم فِي عصرنا فِي مُخَالفَة الْعَمَل بِالْحَدِيثِ فهداهم الله
стр. 62
وَفَاته
مَاتَ ﵀ بِصَنْعَاء فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف عَن ثَلَاث وَثَمَانِينَ سنة وَدفن بالحوطة الَّتِي فِي الْجنُوب الغربي من مَنَارَة مَسْجِد الْمدرسَة المنسوبة للْإِمَام شرف الدّين بِأَعْلَى صنعاء وَقد رثاه جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء فِي عصره مِنْهُم السَّيِّد مُحَمَّد بن هَاشم الشَّامي الحسني الصَّنْعَانِيّ وَضمن قصيدته تأريخ وَفَاته مُحَمَّد فِي جنَّات الْخلد قد وصلا ١١٨٢ هـ ﵀ رَحْمَة وَاسِعَة ونفع بِعِلْمِهِ وأجزل لَهُ المثوبة على إِقَامَته السّنة النَّبَوِيَّة وَنَصره لَهَا ودفاعه عَنْهَا وَأَعْلَى درجاته فِي الصَّالِحين
كتَابنَا هَذَا هَذَا الْكتاب دراسة علمية جادة فِي إِثْبَات أَن الحكم على الحَدِيث من حَيْثُ الصِّحَّة والضعف فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة مستعينا بأقوال عُلَمَاء الْجرْح وَالتَّعْدِيل لَيْسَ تقليدا لَهُم بل هُوَ اجْتِهَاد لَا يخْتَلف عَن الِاجْتِهَاد فِي الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة وَأَن الِاجْتِهَاد الْآن فِي أَي مجَال من المجالات أيسر بِكَثِير من الِاجْتِهَاد فِي العصور
стр. 63
الْمُتَقَدّمَة وَذَلِكَ لتوفر أدوات الِاجْتِهَاد من مصَادر التَّفْسِير والْحَدِيث ومراجع الْفِقْه الإسلامي فِي كل مَكَان وبأدنى جهد وَأَقل وَقت إِن الْعَلامَة الْمُؤلف قد مكنته مقدرته العلمية من إِثْبَات هَذَا وَذَاكَ بِكُل دقة ومهارة وكفاءة وجدارة وإتماما للفائدة بَين شُرُوط الِاجْتِهَاد بالاختصار وَكَذَا ذكر مَا يدل على تَعْظِيم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من أَئِمَّة الدّين للسّنة النَّبَوِيَّة من أَقْوَالهم فِي التحاكم إِلَيْهَا وَفِي آخر الْكتاب تنَاول بعض شُبُهَات المقلدين بِالرَّدِّ عَلَيْهَا ردا علميا مفحما فجزاه الله خيرا
صِحَة نسبته إِلَى الْمُؤلف
إِن كتاب إرشاد النقاد إِلَى تيسير الِاجْتِهَاد مَعْرُوف النِّسْبَة إِلَى مُؤَلفه الْأَمِير الصَّنْعَانِيّ ويذكره فِي قَائِمَة مصنفاته كل من يترجم لَهُ وأدل دَلِيل على صِحَة نسبته إِلَى مُؤَلفه أَنه بِنَفسِهِ يحِيل إِلَى هَذَا الْكتاب باسمه فِي بعض مؤلفاته حَيْثُ قَالَ فِي سبل السَّلَام ٤٢٣٨ طبعة جامة الإِمَام بالرياض فِي شرح حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ إِذا حكم الْحَاكِم فاجتهد وَقد بَينا بطلَان دَعْوَى تعذر الِاجْتِهَاد فِي رسالتنا الْمُسَمَّاة بإرشاد النقاد إِلَى تيسير الِاجْتِهَاد بِمَا لَا يُمكن دَفعه وَقَالَ فِي كِتَابه توضيح الأفكار ١١١٥ وَهُوَ يبين معنى قَوْلهم هَذَا حَدِيث صَحِيح وَقد بسطنا هَذَا فِي رسالتنا الْمُسَمَّاة بإرشاد النقاد بسطا شافيا
стр. 64
هَذَا وَالْكتاب مطبوع ضمن الرسائل المنيرية ١١ ٤٧ الَّتِي جمعهَا الْأُسْتَاذ مُحَمَّد مُنِير الدِّمَشْقِي ﵀ وأجزل لَهُ المثوبة فِي الْآخِرَة وَله مخطوط يُوجد فِي مكتبة الشَّيْخ عبد الله آل إِبْرَاهِيم السَّلِيم بِمَدِينَة بُرَيْدَة منْطقَة القصيم بالسعودية نسخه مُحَمَّد بن عبد العزيز سنة ١٢٩٦ هـ بِخَط جيد يحتوي على ٤٧ صفحة ٢٧١٨ سم وَفِيه سقط ورقتين فِي الْوسط رَاجع مقَال مخطوطات مكتبات القصيم للأستاذ سُلَيْمَان بن وَائِل التويجري المطبوع فِي مجلة الْبَحْث العلمي والتراث الإسلامي بكلية الشَّرِيعَة بِمَكَّة المكرمة ص ٣٣٩ الْعدَد الثَّانِي عَام ١٣٩٩ هـ
عَمَلي فِي هَذَا الْكتاب
أالمقدمة ١ حكم الِاجْتِهَاد فِي الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة ٢ حكم الِاجْتِهَاد فِي الحكم على الحَدِيث ٣ نبذة عَن حَيَاة الْمُؤلف وَالْكتاب وخطة الْعَمَل فِيهِ ب نَص الْكتاب ١ عزو الْآيَات إِلَى موَاضعهَا من الْقُرْآن الْكَرِيم ٢ تَخْرِيج الْأَحَادِيث والْآثَار ٣ التعليقات لتوضيح نُصُوص الْكتاب ٤ وَمَا بَين المعكوفين هَكَذَا زِيَادَة زدتها للفصول وَغَيرهَا توضيحا للأمور أَو بَيَانا لاخْتِلَاف النَّص
شكر وَتَقْدِير أشكر الله أَولا وآخرا على مَا أتممت من تَحْقِيق هَذَا الْكتاب بفضله
стр. 65
وَمِنْه وَكَرمه وبنعمته تتمّ الصَّالِحَات وَلَا يسعني بِهَذِهِ الْمُنَاسبَة إِلَّا أَن أشكر الاخوة الَّذين ساعدوني فِي إنجاز هَذَا الْعَمَل المتواضع خَاصَّة الْأَخ الْفَاضِل بدر الْبَدْر الَّذِي أَشَارَ عَليّ بتحقيق الْكتاب وأفادني بمراجعته وَالْأَخ الْفَاضِل فلاح بن ثَانِي الَّذِي وضع مكتبته تَحت تصرف أثْنَاء غيابه لمواصلة دراسته الْعليا بالجامعة الإسلامية بِالْمَدِينَةِ الطّيبَة فجزاهم الله خير الْجَزَاء وأدعو الله السَّمِيع الْمُجيب أَن يوفقني لما يحب ويرضى من نصْرَة كِتَابه وَسنة رَسُوله ﷺ وَلكُل مَا فِيهِ الْخَيْر والفلاح فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهُوَ الْمُسْتَعَان وَإِلَيْهِ الثِّقَة والتكلان وَإِلَيْك الْآن نَص الْكتاب
стр. 66
إرشاد النقاد إِلَى تيسير الإجتهاد للْإِمَام مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْمَعْرُوف بالأمير الصَّنْعَانِيّ
стр. 67
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مُقَدّمَة الْمُؤلف
الْحَمد لله الَّذِي ذلل صعاب عُلُوم الِاجْتِهَاد لعلماء الْأمة وحفظها بأساطين الْحفاظ وجهابذة الْأَئِمَّة فتتبعوها من الأفواه والصدور وخلدوها للمتأخرين من الْأمة فِي الأوراق والسطور واستنبطوا من الْقَوَاعِد مَا لَا يَزُول بمرور الدهور واطلعوا من انوار علم الْكتاب وَالسّنة على أنوار البصائر نورا على نور وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله المتكفل بِحِفْظ عُلُوم الدّين وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي يحمل علمه من كل خلف عدوله ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالين وانتحال المبطلين صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله قرناء الْقُرْآن صَلَاة وَسلَامًا يدومان مَا دارت الأفلاك وَاخْتلف الملوان وَبعد فَإِن السَّيِّد قَاسم بن مُحَمَّد الكبسي ﵀ سَأَلَ عَن الْمسَائِل العلمية والأبحاث العملية نزلت علينا نزُول الْغَيْث على الرياض بل الْعَافِيَة على الْأَجْسَام المراض
سُؤال وخلاصة مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ أَنه هَل يكون الْعَمَل من
стр. 68
الْمُتَأَخِّرين بتصحيح الْأَئِمَّة من أهل الحَدِيث للْحَدِيث أَو تُحسنهُ أَو تَضْعِيفه تقليدا لأولئك الْحفاظ من الْأَئِمَّة والأعيان من الْأمة فِيمَا وصفوا بِهِ الحَدِيث من تِلْكَ الصِّفَات وَيكون الْقَائِل لذَلِك وَالْعَامِل بِهِ مُقَلدًا أَو يكون فِيمَا قبله من كَلَامهم فِي ذَلِك وَعمل بِهِ مُجْتَهدا فَإِنَّهُ قَالَ السَّيِّد الإِمَام مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم فِي الرَّوْض الباسم إِن قَول الثِّقَة الْعَارِف الَّذِي لَيْسَ لَهُ قَاعِدَة فِي التَّصْحِيح مَعْلُومَة الْفساد إِن الحَدِيث صَحِيح يجب قبُول قَوْله بالأدلة الْعَقْلِيَّة والسمعية الدَّالَّة على قبُول خبر الْوَاحِد وَلَيْسَ ذَلِك بتقليد بل هُوَ عمل بِمَا أوجبه الله تَعَالَى من قبُول خبر الثِّقَات هَذَا كَلَامه وَلكنه خَالف كَلَام القَاضِي الْعَلامَة الْحُسَيْن بن مُحَمَّد المغربي فِي شرح بُلُوغ المرام فَإِنَّهُ قَالَ
стр. 69
من لم يكن أَهلا للنقد والتصحيح فَلهُ أَن يُقَلّد فِي ذَلِك من صحّح أَو حسن مِمَّن هُوَ أَهله فَإِن لم يكن أحد من الْأَئِمَّة تكلم بذلك على الحَدِيث وَلَيْسَ هُوَ بِأَهْل للنقد لم يجز لَهُ الِاحْتِجَاج بِالْحَدِيثِ إِذْ لَا يَأْمَن من أَن يحْتَج بِمَا لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ قَالَ وَلِهَذَا أحَال جمَاعَة من الْمُتَأَخِّرين الِاجْتِهَاد الْمُطلق لتعسر التَّصْحِيح والتقليد فِي التَّصْحِيح يُخرجهُ عَن الْقَصْد وَهُوَ الإجتهاد قَالَ وَلم يَتَيَسَّر فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة إِلَّا تَرْجِيح لبَعض الْمذَاهب على بعض بِالنّظرِ إِلَى قُوَّة الدّلَالَة أَو إِلَى كَثْرَة من صحّح أَو جلالته وَالْوَاجِب الرُّجُوع إِلَى الظَّن القوى بِحَسب الْإِمْكَان رَأَيْت السَّائِل دَامَت إفادته جنح إِلَى تَرْجِيح كَلَام القَاضِي قَائِلا إِنَّه قد يفرق بَين التَّصْحِيح والتضعيف وَبَين الرِّوَايَة فَإِن تَصْحِيح الحَدِيث وتضعيفه مَسْأَلَة اجتهادية ونظرية قد يخْتَلف الإمامان العظيمان فِي الحَدِيث الْوَاحِد فأحدهما يذهب إِلَى صِحَّته أَو حسنه وَالْآخر إِلَى ضعفه أَو وَضعه بِاعْتِبَار مَا حصل لَهما من الْبَحْث وَالنَّظَر وَلَيْسَ حَال الرِّوَايَة كَذَلِك فَإِن مدارها على الضَّبْط وَالْعَدَالَة ومدار التَّصْحِيح والتحسين وَنَحْوهمَا على قُوَّة الْيَد فِي
стр. 70
معرفَة الرِّجَال والعلل الْمُتَعَلّقَة بِالْأَسَانِيدِ والمتون وَمَعْرِفَة الشواهد والمتابعات وَالْقَاضِي قد جزم بِأَن قَول الْحَافِظ فِي التَّصْحِيح تَقْلِيد وَإِذا نظرتم إِلَى تصرف الْعَلامَة الْحسن بن أَحْمد الْجلَال فِي ضوء النَّهَار لم يجد الْإِنْسَان فِي يَده غير مَا أَشَارَ إِلَيْهِ القَاضِي من التَّرْجِيح بِقُوَّة الدّلَالَة أَو كَثْرَة من صحّح أَو جلالته وَلم يكن مِمَّن يعرف الْأَسَانِيد والعلل مثل الْمُنْذِرِيّ وَابْن حجر وَالنَّوَوِيّ وَمن فِي طبقتهما من الْمُتَأَخِّرين دع عَنْك الْأَئِمَّة الْكِبَار مثل الْحَاكِم وَالدَّارَقُطْنِيّ مَعَ تصريحه فِي غير مَوضِع من كتبه بِالِاجْتِهَادِ الْمُطلق وَكَذَا الْعَلامَة المقبلي سلك هَذَا المسلك وَلم يزل هَذَا السُّؤَال يخْطر بالبال فأفضلوا بِالْجَوَابِ انْتهى
الْجَواب مَا حرر السَّائِل لَا زَالَ مُفِيدا وَلَا برح فِي أنظاره العلمية سديدا وَأَقُول الْجَواب يظْهر إِن شَاءَ الله تَعَالَى بِذكر فُصُول تشْتَمل على إِيضَاح الْمَسْأَلَة بِمَشِيئَة الله تَعَالَى وهدايته
стр. 71
فصل فِي تَعْرِيف الحَدِيث الصَّحِيح
رسم الْحَافِظ ابْن حجر ﵀ فِي كِتَابه نخبة الْفِكر الحَدِيث الصَّحِيح بِأَنَّهُ مَا نَقله عدل تَامّ الضَّبْط مُتَّصِل السَّنَد غير مُعَلل وَلَا شَاذ وَقَالَ وَهُوَ الصَّحِيح لذاته وَقَرِيب مِنْهُ رسم ابْن الصّلاح وزين الدّين بِأَنَّهُ مَا اتَّصل إِسْنَاده بِنَقْل عدل ضَابِط عَن مثله من غير شذوذ وَلَا عِلّة قادحة
стр. 72
إِذا عرفت هَذَا فَهَذِهِ خَمْسَة قيود ثَلَاثَة وجودية وَاثْنَانِ عدميان وَكلهَا إِخْبَار كَأَنَّهُ قَالَ الثِّقَة حِين قَالَ حَدِيث صَحِيح هَذَا الحَدِيث رُوَاته عدُول مأمونوا الضَّبْط مُتَّصِل إسنادهم لم يُخَالف فِيهِ الثِّقَة مَا رَوَاهُ النَّاس وَلَيْسَ فِيهِ أَسبَاب خُفْيَة طرأت عَلَيْهِ تقدح فِي صِحَّته وَحِينَئِذٍ قَول الثِّقَة صَحِيح يتَضَمَّن الْإِخْبَار بِهَذِهِ الْجمل الْخمس وَقد تقرر بالبرهان الصَّحِيح أَن الْوَاجِب أَو الرَّاجِح الْعَمَل بِخَبَر الْعدْل وَالْقَبُول لَهُ وتقرر أَن قبُوله لَيْسَ من التَّقْلِيد لقِيَام الدَّلِيل على قبُول خَبره فالتصحيح مثلا وَالرِّوَايَة للْخَبَر قد اتفقَا أَنَّهُمَا إِخْبَار إِمَّا بِالدّلَالَةِ المطابقية أَو التضمينية أَو الإلزامية أما قبُول خَبره الدَّال بالمطابقة فَلَا كَلَام فِيهِ كَقَوْلِه زيد قَائِم أما قبُول خَبره الدَّال بالتضمن أَو الإلتزام فَيدل على قبُوله أَنهم جعلُوا من طرق التَّعْدِيل حكم مشترط الْعَدَالَة بِالشَّهَادَةِ وَعمل الْعَالم الْمُشْتَرط لَهَا رِوَايَة من
стр. 73
لَا يروي إِلَّا عَن عدل فَإِنَّهُم صَرَّحُوا فِي الْأُصُول وعلوم الحَدِيث أَن هَذِه طرق التَّعْدِيل وَمَعْلُوم أَن دلَالَة هَذِه الصُّورَة على عَدَالَة الرَّاوِي وَالشَّاهِد التزامية فَقَوْل الثِّقَة حَدِيث صَحِيح يتَضَمَّن الْإِخْبَار بالقيود الْخَمْسَة وَالرِّوَايَة لَهَا وَلَا يُقَال إِن إخْبَاره بِأَنَّهُ صَحِيح إِخْبَار على ظَنّه بِحُصُول شَرَائِط الصِّحَّة عِنْد ظَنّه كَمَا يدل لَهُ أَنه صرح زين الدّين وَغَيره بِأَن قَول الْمُحدثين هَذَا حَدِيث صَحِيح فمرادهم فِيمَا ظهر لنا عملا بِظَاهِر الْإِسْنَاد لَا أَنه مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ فِي نفس الْأَمر لأَنا نقُول إِخْبَار الثِّقَة بِأَن زيدا عدل إِخْبَار عَن ظَنّه بِأَنَّهُ آتٍ بالواجبات مجتنب للمقبحات بِحَسب مَا رَآهُ من ذَلِك وَأخْبر مَعَ جَوَاز أَنه فِي نفس الْأَمر غير مُسلم لَكِن هَذِه التجويزات لَا يُخَاطب بهَا الْمُكَلف
من شُرُوط الصَّحِيح السَّلامَة من الشذوذ وَالْعلَّة
فَإِن قلت من شُرُوط الصَّحِيح السَّلامَة من الشذوذ وَالْعلَّة وَلَيْسَ مدرك هذَيْن الْأَمريْنِ الْإِخْبَار بل تتبع الطّرق والأسانيد والمتون كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ السَّائِل قلت أما أَولا فالشذوذ وَالْعلَّة نادران وَالْحكم للْغَالِب لَا للنادر أَلا
стр. 74
ترى أَن الرَّاجِح الْعَمَل بِالنَّصِّ وَإِن جوز أَنه مَنْسُوخ عملا بالأغلب وَهُوَ عدم النّسخ وبرهان ندورهما يعرف من تتبع كَلَام أَئِمَّة الحَدِيث على طرق الْأَحَادِيث من مثل الْبَدْر الْمُنِير وتلخيصه فَإِنَّهُم يَتَكَلَّمُونَ على مَا قيل فِي الحَدِيث فتجد الْقدح بالشذوذ والإعلال نَادرا جدا بل قَالَ السَّيِّد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم فِي التَّنْقِيح ظَاهر الحَدِيث المعل السَّلامَة من الْعلَّة حَتَّى تثبت بطرِيق مَقْبُولَة أما ثَانِيًا فَقَوْل الثِّقَة هَذَا صَحِيح أَي غير شَاذ وَلَا مُعَلل إِخْبَار بِأَنَّهُ لم يَقع فِي رُوَاته راو ثِقَة خَالف النَّاس فِيهِ وَلَا وجدت فِيهِ عِلّة تقدح فِي صِحَّته
стр. 75
وَهَذَا إِخْبَار عَن حَال الرواي بِصفة زَائِدَة على مُجَرّد عَدَالَته وَحفظه أَو حَال الْمَتْن بِأَن أَلْفَاظه مصونة عَن ذَلِك وَلَيْسَ هَذَا خَبرا عَن اجْتِهَاد بل عَن صِفَات الروَاة والمتون فَإِنَّهُ إِخْبَار بِأَنَّهُ تتبع أَحْوَال الروَاة حَتَّى علم من أَحْوَالهم صِفَات زَائِدَة على مُجَرّد الْعَدَالَة وَفِي التَّحْقِيق هَذَا عَائِدَة إِلَى تَمام الضَّبْط وتتبع مروياتهم حَتَّى أحَاط بألفاظها فَالْكل عَائِد إِلَى الْإِخْبَار عَن الْغَيْر لَا عَن الِاجْتِهَاد الْحَاصِل عَن دَلِيل ينقدح لَهُ مِنْهُ رَأْي
تَصْحِيح الْأَئِمَّة وتضعيفهم للأحاديث اجْتِهَاد أم تَقْلِيد
وَأَنت إِذا نظرت إِلَى الْأَئِمَّة النقاد من الْحفاظ كالحاكم أبي عبد الله وَأبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَنَحْوهم كالمنذري وتصحيحهم لأحاديث وتضعيفهم لأحاديث واحتجاجهم على الْأَمريْنِ مُسْتَندا إِلَى كَلَام من تقدمهم كيحيى بن معِين وَأحمد بن حَنْبَل وَأبي عبد الله البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهم من أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن وَأَنه ثَبت لَهُ عَنْهُم أَو عَن أحدهم أَنه قَالَ فلَان حجَّة أَو ثَبت أَو عدل أَو نَحْوهَا من عِبَارَات التَّعْدِيل وَأَنَّهُمْ قَالُوا فِي غَيره إِنَّه ضَعِيف أَو كَذَّاب أَو لَا شَيْء أَو نَحْوهَا ثمَّ فرعوا على هَذِه الرِّوَايَات صِحَة الحَدِيث أَو ضعفه بِاعْتِبَار مَا قَالَه من قبلهم فَإِنَّهُ تجنب ابْن إِسْحَاق من تجنبه من أهل الصِّحَاح بقول مَالك فِيهِ مَعَ أَن ابْن إِسْحَاق إِمَام أهل الْمَغَازِي
следующие страницы →