← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6348

إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد

الصنعاني

Полный текст (177 стр.). Показаны 141–177 · переход к 146.

стр. 141

فصل فِي التَّوَقُّف فِي تَصْدِيق الْمخبر حَتَّى تقوم الْبَيِّنَة وأقدم لَك مُقَدّمَة نافعة قبل سرد الْأَدِلَّة من الْجَانِبَيْنِ وَهُوَ أَن لَا شكّ أَن لنا أصلا مُتَّفقا عَلَيْهِ وَهُوَ أَنه لَا يثبت حكم من الْأَحْكَام إِلَّا بِدَلِيل يُثمر علما أَو أَمارَة تثمر ظنا وَهَذَا أَمر مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْعلمَاء قاطبة بل بَين كَافَّة الْعُقَلَاء من أهل الْإِيمَان وَمن أهل سَائِر الْملَل والأديان وَإِن هَذَا عَام لأحكام الدُّنْيَا وَالدّين شَامِل للموحدين والملحدين فَإِنَّهُ مغروز فِي الْعُقُول أَنه لَا يقدم أحد على فعل من الْأَفْعَال أَو ترك من التروك إِلَّا بعد اعْتِقَاده عَن علم أَو ظن أَن هَذَا الْفِعْل ترك أَو فعل لما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَائِدَة دينية أَو دنيوية من جلب نفع أَو دفع ضَرَر وَهَذَا الإعتقاد ملزوم بِعلم أَو ظن عَن دَلِيل وأمارة وَقَالَ ملا على الْقَارِي رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ وَإِن اشْتهر بَين الْحَنَفِيَّة أَن الْحَنَفِيّ إِذا انْتقل إِلَى مَذْهَب الشَّافِعِي يُعَزّر وَإِذا كَانَ بِالْعَكْسِ فَإِنَّهُ يخلع عَلَيْهِ فَهُوَ قَول مُبْتَدع ومخترع وَقَالَ ملا عَليّ الْقَارِي فِي رسَالَته فِي إِشَارَة المسبحة وَقد أغرب الكيداني حَيْثُ قَالَ الْعَاشِر من الْمُحرمَات الْإِشَارَة بالسبابة كَأَهل الحَدِيث أَي مثل جمَاعَة يجمعهُمْ الْعلم بِحَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 142

فَهَذَا مِنْهُ خطأ عَظِيم وجرم جسين منشأه الْجَهْل بقواعد الْأُصُول ومراتب الْفُرُوع من الْمَنْقُول وَلَوْلَا حسن الظَّن بِهِ وَتَأْويل كَلَامه حِينَئِذٍ لَكَانَ كفره صَرِيحًا وارتداده صَحِيحا فَهَل لمُؤْمِن أَن يحرم مَا ثَبت فعله عَنهُ ﷺ مِمَّا كَاد نَقله أَن يكون متواترا وَيمْنَع جَوَاز مَا عَلَيْهِ عَامَّة الْعلمَاء كَابِرًا عَن كَابر مكابرا وَالْحَال أَن الإِمَام الْأَعْظَم والهمام الأقدم قَالَ لَا يحل لأحد أَن يَأْخُذ بقولنَا مَا لم يعلم مأخذه من الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة وَالْقِيَاس الْجَلِيّ فِي الْمَسْأَلَة فَإِذا عرفت هَذَا فَاعْلَم أَنه لَو لم يكن نَص الإِمَام على المرام لَكَانَ من الْمُتَعَيّن على أَتْبَاعه من الْعلمَاء الْكِرَام أَن يعملوا بِمَا صَحَّ عَنهُ عَلَيْهِ وعَلى آله الصَّلَاة وَالسَّلَام وَكَذَا لَو صَحَّ عَن الإِمَام فرضا نفي الْإِشَارَة وَصَحَّ إِثْبَاتهَا عَن صَاحب الْبشَارَة فَلَا شكّ فِي تَرْجِيح الْمُثبت الْمسند إِلَيْهِ ﷺ كَيفَ وَقد وجد نَقله الصَّرِيح بِمَا ثَبت بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيح فَمن أنصف وَلم يتعسف عرف أَن هَذَا سَبِيل أهل التدين من السّلف وَالْخلف وَمن عدل عَن ذَلِك فَهُوَ هَالك يُوصف بِالْجَهْلِ المعاند المكابر وَلَو كَانَ عِنْد النَّاس من الأكابر انْتهى فَكل عَاقل لَا يقدم على فعل أَو يحجم عَنهُ إِلَّا لاعْتِقَاده نفعا أَو دفعا والاعتقاد لَا يكون إِلَّا عَن علم أَو ظن وَالْعلم لَا يكون إِلَّا عَن دَلِيل وَالظَّن لَا يكون إِلَّا عَن أَمارَة ثمَّ إِن الْعُقُول مجبولة على أَن لَا تقبل قولا من الْأَقْوَال إِلَّا لظن صدقه أَو الْعلم بِهِ وَلَا ترده إِلَّا لظن كذبه أَو الْعلم بكذبه وظنهما صدق القَوْل أَو كذبه أَو

стр. 143

علمهما بهما يتوقفان على الدَّلِيل والأمارة وَإِذا تقرر هَذَا فالعقلاء قاطبة وَأهل الْملَل والنحل الْمُخْتَلفَة متفقون على أَنه لَا يجب تَصْدِيق أحد وَاتِّبَاع قَوْله حَتَّى يَأْتِي ببرهان على مَا قَالَه من دَعْوَاهُ أَو إخْبَاره عَن أَي أَمر أَلا ترى أَن مُوسَى ﵇ لما قَالَ لفرعون ﴿إِنِّي رَسُول من رب الْعَالمين﴾ إِلَى قَوْله ﴿قد جِئتُكُمْ بِبَيِّنَة﴾ إِلَى قَوْله قَالَ فِرْعَوْن ﴿فأت بهَا إِن كنت من الصَّادِقين﴾ الْأَعْرَاف ١٠٤ ١٠٦ وَفِي سِيَاق قصصه فِي الْقُرْآن كلهَا نَحْو هَذَا وَقَالَ صَالح ﴿قد جاءتكم بَيِّنَة من ربكُم هَذِه نَاقَة الله لكم آيَة﴾ الْأَعْرَاف ٧٣ بعد قَوْلهم ﴿فأت بِآيَة إِن كنت من الصَّادِقين﴾ الشُّعَرَاء ١٥٤ وَسَائِر قصَص الْأَنْبِيَاء كَذَلِك وَأما قوم هود ﴿مَا جئتنا بِبَيِّنَة وَمَا نَحن بتاركي آلِهَتنَا عَن قَوْلك﴾ هود ٥٣ فَمن تعنتهم فِي كفرهم وجعلهم الْبَيِّنَة غير الْبَيِّنَة بَيَان أَن على الْمُدَّعِي إِقَامَة الْبَيِّنَة وَإِذا عرفت هَذَا عرفت أَن كل عَاقل لَا يقبل قَول قَائِل مُدعيًا ومخبرا وَلَا

стр. 144

يصدقهُ حَتَّى يُقيم الْبَيِّنَة على مَا قَالَه فَإِن هَذَا فِرْعَوْن مَعَ غلوه فِي كفره وكبريائه طلب من مُوسَى الْبَيِّنَة على دَعْوَاهُ أَنه رَسُول من رب الْعَالمين وَلم يُقَابله بِالرَّدِّ لدعواه بصد وإعراض عَن مَا قَالَه وادعاه وَلم يقل لَهُ صدقت وَلَا كذبت بل طلب مِنْهُ الْبُرْهَان كقوم صَالح وكل أهل مِلَّة من الْملَل الكفرية تطالب رسولها بِالْبَيِّنَةِ على دَعْوَاهُ النُّبُوَّة بل مِنْهُم من يعرف دَعْوَاهُ بِأَن عِنْده الْبُرْهَان عَلَيْهَا قبل أَن يطالبوه بِهِ أَلا ترى أَن مُوسَى ﵇ قَالَ لفرعون فِي بعض محاورته ﴿حقيق على أَن لَا أَقُول على الله إِلَّا الْحق قد جِئتُكُمْ بِبَيِّنَة من ربكُم﴾ الْآيَة الْأَعْرَاف ١٠٥ وَإِذا أَقَامَ النَّبِي ﵇ الْبَيِّنَة على دَعْوَى النُّبُوَّة فَمن قومه من يصدقهُ وينقاد لَهُ كَمَا كَانَ من سحرة فِرْعَوْن فَإِنَّهُم لما شاهدوا تلقف عَصَاهُ لما أَتَوا بِهِ من سحر عَظِيم كَمَا وَصفه الله خروا سجدا ﴿قَالُوا آمنا بِرَبّ الْعَالمين رب مُوسَى وَهَارُون﴾ الْأَعْرَاف ١٢١ ١٢٢ وَتَمَادَى فِرْعَوْن وَمن تبعه على كفرهم وتكذيبهم بعد علمه وَعلم من بَقِي مَعَه على كفره بِصدق مُوسَى كَمَا قَالَ تَعَالَى فيهم ﴿وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ النَّمْل ١٤ فَأخْبر الصَّادِق فِي أخباره المطلع على إِضْمَار الْقلب وإسراره بِأَنَّهُم جَحَدُوا بآياته المبصرة وأنفسهم بهَا متيقنة وَقَالَ مُوسَى ﵇ لفرعون ﴿لقد علمت مَا أنزل هَؤُلَاءِ إِلَّا رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض بصائر﴾ الْإِسْرَاء ١٠٢ وَاعْلَم أَن سر هَذِه الْأَخْبَار مِنْهُ تَعَالَى بِأَنَّهُم جَحَدُوا بهَا عَن يَقِين أَن الله تَعَالَى كَمَا جبل الْعُقُول على أَن لَا تقبل دَعْوَى وَلَا تصدق خَبرا إِلَّا عَن بَيِّنَة تُقَام عَلَيْهَا

стр. 145

كَذَلِك جبلها على قبُولهَا وانقيادها وَإِذ عانها لقبُول القَوْل إِذا أُقِيمَت الْبَيِّنَة عَلَيْهِ والبرهان وتصديقها للدعوى وَالْخَبَر فِي أَي شَأْن كَمَا جعل الشِّبَع عِنْد الْأكل فَإِن لم يقبل بعد إِقَامَته فَلَيْسَ إِلَّا مُكَابَرَة وظلما وعلوا وعدوانا وَلَو بسطنا الِاسْتِدْلَال لطال الْمقَال إِلَّا أَن الْمَسْأَلَة مَعْلُومَة بِالضَّرُورَةِ عِنْد الْعُقَلَاء مبسوطة فِي دواوين الْإِسْلَام فَلَا حَاجَة إِلَى الإطالة وَيدل لذَلِك قَوْله ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ الْإِسْرَاء ١٥ وَقَوله ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ النِّسَاء ١٦٥ وَقَوله ﴿أَن تَقولُوا مَا جَاءَنَا من بشير وَلَا نَذِير فقد جَاءَكُم بشير ونذير﴾ الْمَائِدَة ١٩

стр. 146

فصل فِي أَن مُكَابَرَة المكابرين سَبَب لهلاكهم وَمَعْلُوم أَنه تَعَالَى لم يبْعَث الرُّسُل إِلَّا لتقوم الْحجَّة على الْعباد وَلَا تقوم إِلَّا ببرهان ينقاد إِلَيْهِ عقول من أرسل إِلَيْهِم وَإِلَّا لم يكن ذَلِك برهانا فِي حَقهم والمفروض أَنه برهَان فَمن أنكرهُ وَجحد بِهِ فَلَا يجْحَد بِهِ إِلَّا عنادا وجهلا ومكابرة وَلذَلِك أَنه تَعَالَى بعد إرْسَاله رسله وإنبائهم للأمم بالبراهين على صدقهم وَهِي المعجزات يهْلك من لم يتبعهُم وَيُرْسل عَلَيْهِم المصائب السماوية والأرضية كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَمنهمْ من أرسلنَا عَلَيْهِ حاصبا وَمِنْهُم من أَخَذته الصَّيْحَة وَمِنْهُم من خسفنا بِهِ الأَرْض وَمِنْهُم من أغرقنا وَمَا كَانَ الله ليظلمهم وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾ العنكبوت ٤٠ فَصرحَ بِأَنَّهُ تَعَالَى لم يظلمهم بإهلاكهم بأنواع الْعُقُوبَات لِأَنَّهُ قد أَقَامَ عَلَيْهِم براهين خُفْيَة وَرُسُله علمُوا صدقهم وَلَكنهُمْ عاندوا وجحدوا بآياته وَرُسُله وَقد كَانَت قُرَيْش تعلم صدق رَسُول الله ﷺ لما أَتَى بِهِ من الْبَينَات وَلَكنهُمْ جَحَدُوا بآياته وتعنتوا فِي طلب معجزات اقترحوها بأهوائهم كَقَوْلِهِم ﴿لن نؤمن لَك حَتَّى تفجر لنا من الأَرْض ينبوعا أَو تكون لَك جنَّة من نخيل وعنب فتفجر الْأَنْهَار خلالها تفجيرا أَو تسْقط السَّمَاء كَمَا زعمت علينا كسفا أَو تَأتي بِاللَّه وَالْمَلَائِكَة قبيلا أَو يكون لَك بَيت من زخرف أَو ترقى فِي السَّمَاء وَلنْ نؤمن لرقيك حَتَّى تنزل علينا كتابا نقرؤه﴾ الْإِسْرَاء ٩٠ ٩٣ فَهَذَا تعنت وتشدد فِي الْكفْر مَعَ أَن لَو جَاءَهُم بِكِتَاب من السَّمَاء لزادوا طغيانا كَمَا قَالَ تَعَالَى

стр. 147

﴿وَلَو نزلنَا عَلَيْك كتابا فِي قرطاس فلمسوه بِأَيْدِيهِم لقَالَ الَّذين كفرُوا إِن هَذَا إِلَّا سحر مُبين﴾ الْأَنْعَام ٧ فاقترحوا مَا ترَاهُ من أهوائهم وعنادهم وجهلهم وَلَا يجب على الرُّسُل إِلَّا الْبُرْهَان الدَّال على صدقهم من المعجزات الَّتِي يعجز عَنْهَا قدرهم وقواهم لَا أَنه يجب عَلَيْهِم أَن يَأْتُوا بمعجزة يقترحونها بتعنتهم وَلَو أَتَوا بهَا لتعنتوا ثَانِيَة وثالثة بل لَو أدخلُوا النَّار وردوا لعادوا لما نهو عَنهُ وَلذَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو اتبع الْحق أهواءهم لفسدت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ﴾ الْمُؤْمِنُونَ ٧١ بل حكى الله عَن عنادهم فَقَالَ ﴿وَلَو فتحنا عَلَيْهِم بَابا من السَّمَاء فظلوا فِيهِ يعرجون لقالوا إِنَّمَا سكرت أبصارنا بل نَحن قوم مسحورون﴾ الْحجر ١٤ ١٥ فَلَيْسَ على رسل الله بعد دَعوَاهُم الرسَالَة إِلَّا إِقَامَة الْبُرْهَان على صدقهم كَمَا حكى الله تَعَالَى فِي كِتَابه عَن كل نَبِي مَعَ أمته وَرَسُول مَعَ قومه وَلَو تَأمل الناظرون والمناظرون تأديبات الْقُرْآن وَكَيْفِيَّة إِقَامَة الْبُرْهَان الَّذِي هُوَ فِي غَايَة الْبَيَان لاستغنوا بِهِ عَن تأليف الينونان وَتعلم آدَاب الْبَحْث لفُلَان وَفُلَان وَالْمَقْصُود أَن من اتبع الرَّسُول ﷺ بعد إِقَامَة الْبُرْهَان زادهم هدى وآتاهم تقواهم وَمن عانده وكابره وَجحد مَا أَتَى الله بِهِ عَاقِبَة الله بتقليب فُؤَاده وبصره كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كَمَا لم يُؤمنُوا بِهِ أول مرّة﴾ الْأَنْعَام ١١٠ وكما قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يَأْتِيهم من رَسُول إِلَّا كَانُوا بِهِ يستهزؤون كَذَلِك نسلكه فِي قُلُوب الْمُجْرمين لَا يُؤمنُونَ بِهِ وَقد خلت سنة الْأَوَّلين﴾

стр. 148

الْحجر ١١ ١٣ أَي سلكنا الذّكر أدخلْنَاهُ فِي قُلُوب الْمُجْرمين الَّذين قد أجرموا بتكذيب مَا علموه حَقًا من النُّبُوَّة وَالْكتاب أَي أدخلْنَاهُ مُكَذبا بِهِ مستهزئا بِهِ وَقَوله ﴿لَا يُؤمنُونَ﴾ بَيَان لذَلِك أَو حَال وَهُوَ إِخْبَار أَنه عاقبهم بتكذيبهم الذّكر فجعلهم مجرمين لِأَنَّهُ قَامَت عَلَيْهِم حجَّة الله وَرَسُوله فكذبوها بغيا وحسدا وعدوانا فعاقبهم الله بِأَن لَا يهتدوا للْإيمَان بعد ذَلِك وَلَا تزيدهم آيَاته إِلَّا طغيانا كَبِيرا كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْقُرْآن ﴿قل هُوَ للَّذين آمنُوا هدى وشفاء وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ فِي آذانهم وقر وَهُوَ عَلَيْهِم عمى﴾ فصلت ٤٤ وَمرَاده بالذين لَا يُؤمنُونَ هم من أَنْكَرُوا وجحدوا وكابروا الرَّسُول ﷺ فِيمَا أَتَى بِهِ فِي أول دَعْوَاهُ من برهَان فَالْمَعْنى وَالَّذين لَا يصدقون بِمَا يجب عَلَيْهِم تَصْدِيقه وكما قَالَ تَعَالَى ﴿وننزل من الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين وَلَا يزِيد الظَّالِمين إِلَّا خسارا﴾ الْإِسْرَاء ٨٢ فالظالمون هم الَّذين ردوا آيَات الرُّسُل بعد علمهمْ بصدقها فعوقبوا بِأَن لَا يهتدوا بِكَلَام الله الَّذِي هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة وَلَا يزدادون إِلَّا خسارا بِخِلَاف من قبل بِمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل أول مرّة زادهم الله هدى ﴿وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا﴾ الْأَنْفَال ٢ فَهَؤُلَاءِ لما قابلوا براهين الرَّسُول بِالْقبُولِ والتصديق لَهُم والإذعان زادتهم آيَاته إِيمَانًا وَأُولَئِكَ لما قابلوها بالجحود والتكذيب والمكابرة والعصيان زادتهم آيَات الله خسارا

стр. 149

هَذَا ومقصودنا إِنَّمَا هُوَ بَيَان أَن الأَصْل الْأَصِيل والأساس الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ التأصيل أَنه لَا يقبل كَلَام أحد من دَعْوَى يدعيها أَو قصَّة يَرْوِيهَا إِلَّا بإفاضة الدَّلِيل على دَعْوَاهُ والبرهان على صدق مَا رَوَاهُ فَإِذا قَامَ الْبُرْهَان وَبَينه بِمَا تقبله الْعُقُول والأذهان وَجب قبُول قَوْله وتصديق منقوله التَّقْلِيد هُوَ قبُول قَول الْغَيْر من دون حجَّة وَإِذا عرفت هَذَا الأَصْل الْجَلِيل عرفت أَن الْمُقَلّد قبل قَول من قَلّدهُ من غير أَمارَة وَلَا دَلِيل فَإِن حَقِيقَة التَّقْلِيد قبُول قَول الْغَيْر من دون حجَّة مقاله أَن يَقُول لَك الْعَالم مثلا المنى طَاهِر وَيَقُول لَك عَالم آخر بل هُوَ نجس فَإِن قبلت قَوْله فَهَذَا قَول صدر من الْعَالم وَلم يَأْتِ لَك بِدَلِيل عَلَيْهِ وَمَا قبولك عالمان وَكِلَاهُمَا قَالَ لَك قولا لَازِما مَا لم يتَبَيَّن لَك دَلِيله وَكَون الْقَائِل بِأَنَّهُ طَاهِر من ديار الشَّافِعِيَّة وعلمائهم لَا يصير أحد الْقَوْلَيْنِ أرجح من الآخر عقلا وَشرعا فَإِن الديار والانتساب والاعتزاء إِلَى أَي عَالم من عُلَمَاء الْأمة لَا يصير بِهِ أحد الْقَائِلين محقا وَالْآخر مُبْطلًا ضَرُورَة عقلية وشرعية أَن الأوطان لَا أثر لَهَا فِي تَرْجِيح الْأَدْيَان وَأَن الانتساب والاعتزاء إِلَى أَي عَالم من عُلَمَاء الْأمة لَا يصير كَلَام من انتسب إِلَيْهِ حَقًا وَكَلَام من لم ينْسب إِلَيْهِ بَاطِلا فَإِن قلت الْعَالم إِنَّمَا روى لَهُ معنى الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة فالقائل إِنَّه نجس روى لنا معنى الْأَحَادِيث الْوَارِدَة بِغسْلِهِ وَالْقَائِل بِأَنَّهُ ٢

стр. 150

طَاهِر روى لنا معنى الْأَحَادِيث الدَّالَّة على الِاكْتِفَاء بفركه وَقبُول رِوَايَة الْأَخْبَار النَّبَوِيَّة قد قَامَ الدَّلِيل عَلَيْهِ وَاتفقَ النَّاس عَلَيْهِ وَإِن اخْتلفُوا فِي قدر نِصَاب مَا يجب قبُوله من الْوَاحِد أَو الْإِثْنَيْنِ أَو الْأَرْبَعَة قلت نعم نَحن قَائِلُونَ بِقِيَام الدَّلِيل على قبُول خبر الْآحَاد بِشُرُوطِهِ وَأَنه تجوز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى وَلَكِنَّك واهم فِي جعل قَول الْعَالم رِوَايَة لَك بِالْمَعْنَى فَإِن الْقَائِل لَك إِنَّه نجس إِنَّمَا أخْبرك بِالَّذِي رجح عِنْده وَالْقَائِل إِنَّه طَاهِر إِنَّمَا أخْبرك بِالَّذِي رجح عِنْده إِذْ كل من الْعَالمين قد عرف تعَارض الْأَدِلَّة فِي الْمَسْأَلَة وَرجح عِنْده نظر أحد الْحكمَيْنِ وَالْآخر رجح عِنْده خلَافَة فهما مخبران لَك عَن رأيهما إِذْ التَّرْجِيح رَأْي مَحْض يحصل لكل وَاحِد عِنْد تعَارض الْأَدِلَّة وكل مِنْهُمَا يجب عَلَيْهِ اتِّبَاع مَا رجح لَهُ وَلَا يجب على غَيره أَن يتبعهُ فِي رَأْيه لَا الْمُجْتَهد وَلَا الْمُقَلّد أما الأول فبالإجماع وَأما الثَّانِي فَمحل النزاع مَبْحَث فِي جَوَاز التَّقْلِيد وَعدم جَوَازه فَأَنا الأن فِي الْبَحْث فِي جَوَاز التَّقْلِيد للْعَالم فِي قَوْله من غير ذكره لدليله

стр. 151

فَإِن قلت قد قَامَ الدَّلِيل على جَوَاز التَّقْلِيد قلت لمن قَامَ هَل للمقلد فالفرض أَنه مقلد لَا يعرف الْأَدِلَّة وَكَيْفِيَّة تطبيقها على الْمُدَّعِي وَلَا شَرَائِط الاستنباط إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لما كَانَ مُقَلدًا وَهُوَ خلاف الْمَفْرُوض أَو قَامَ دَلِيل جَوَاز التَّقْلِيد للمجتهد فَلَا ينفع الْمُقَلّد قِيَامه لغيره فَإِن قلت قَامَ للمجتهد وقلده فِيهِ الْمُقَلّد قلت يمْنَع ذَلِك اتِّفَاقهم أَن مَسْأَلَة جَوَاز التَّقْلِيد من مسَائِل الْأُصُول وَلَا يجوز التَّقْلِيد فِيهَا وَذَلِكَ لِأَن الْمَطْلُوب فِيهَا الْعلم وَلَا يحصل إِلَّا بِالدَّلِيلِ وَلَا يعرف الدَّلِيل إِلَّا الْمُجْتَهد فَإِن قلت لَا نسلم أَنه لَا بُد فِي مسَائِل الْأُصُول من أَن يكون عَن علم وَلَا يجوز أَن يكون عَن ظن قلت إِن سلم هَذَا فالظن بالحكم الشَّرْعِيّ لَا يكون إِلَّا عَن أَمارَة شَرْعِيَّة وَلَا يعرفهَا إِلَّا الْمُجْتَهد فَإِن قلت إِذا أمليت أَدِلَّة جَوَاز الِاجْتِهَاد على الْمُقَلّد فيهم المُرَاد مِنْهَا وَعرفهَا واستند إِلَيْهَا وَكَانَ من أملاها رَاوِيا لَهُ قلت فَإنَّك إِذا أمليت عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ النَّحْل ٤٣ فهم مِنْهُ أَنه أَمر مِنْهُ تَعَالَى بسؤال أهل الْعلم عَمَّا لَا يُعلمهُ وَأخذ هَذَا الحكم من الْآيَة فَإِن هَذَا الْقدر يفهمهُ مِنْهَا كل من لَهُ أَهْلِيَّة الْفَهم وَلَا يحْتَاج إِلَى نَحْو وَلَا أصُول وَلَا معَان وَلَا بَيَان وَلَا غَيرهَا وَصَارَ مُجْتَهدا فِي وجوب سُؤال أهل الْعلم عَمَّا لَا يعلم لِأَن الْمَفْهُوم عرفا من الْأَوَامِر هُوَ الْوُجُوب

стр. 152

وَمَعْلُوم عقلا أَن الله تَعَالَى إِذا أَمر بسؤالهم أَنه قد أذن بِقبُول قَوْلهم وَإِلَّا لم يكن لِلْأَمْرِ بِسوء اللَّهُمَّ فَائِدَة قلت إِذا قُلْتُمْ تكلفة هَذَا فِي الِاجْتِهَاد فَمَا أحسن هَذَا المُرَاد وَهَذَا هُوَ مَا أَرَادَهُ من يَقُول بِوُجُوب الِاجْتِهَاد على جَمِيع الْأَفْرَاد مِمَّا لَهُ أَهْلِيَّة فِي فهم مَا يُرَاد وَأحد الْوُجُوه فِي الْآيَة أَن المُرَاد فاسترووهم الْآيَات وَالْأَحَادِيث إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ فالآية أَمر سُؤَالهمْ عَن الْآيَات وَالْأَحَادِيث وَالْآيَة إِلَى هَذَا الْمَعْنى أقرب لِأَنَّهُ تَعَالَى علق عدم علمهمْ بِالْبَيِّنَاتِ والزبر فَالْأَظْهر اسألوهم عَن الْبَينَات والزبر الَّتِي لَا تعلمونها لَا تسألوهم عَن آرائهم وَمَا ترجح لَهُم حَتَّى تكون الْآيَة دَلِيلا على جَوَاز التَّقْلِيد وَإِذا فهم الْمُقَلّد من هَذِه الْآيَة هَذَا الْمَعْنى فَأَي مَانع أَن يفهم من غَيرهَا مَا يعْمل بِهِ فِي غَيرهَا من الْأَحْكَام ويجتهد منع الِاجْتِهَاد كفران لنعمة الله على الْعباد وَاعْلَم أَنه لَيْسَ مَعَ المانعين لذَلِك إِلَّا مُجَرّد الاستبعاد واستعظام من وارته اللحود من الْعلمَاء الأمجاد وَأَنه لَا يكون إِلَّا لَهُم الِاجْتِهَاد وَلَيْسَ للمتأخرين إِلَّا جعل أَقْوَال القدماء لأذهانهم كالأصفاد لَا يخرجُون عَنْهَا وَإِن ناطحت علومهم الأفلاك وجاوزت معارفهم أهل الْكَمَال والإدراك وَمَا أرى هَذَا وَالله إِلَّا من كفران النِّعْمَة وجحود الْمِنَّة فَإِن الله سُبْحَانَهُ

стр. 153

كمل عقول الْعباد ورزقهم فهم كَلَامه وَمَا أَرَادَ وَفهم رَسُول الله ﷺ وَحفظ تَعَالَى كِتَابه وَسنة رَسُوله إِلَى يَوْم التناد بِأَن كثيرا من الْآيَات القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة لَا يحْتَاج فِي مَعْنَاهَا إِلَى علم النَّحْو وَإِلَى علم الْأُصُول بل فِي الأفهام والطباع والعقول مَا سارع بِهِ إِلَى معرفَة المُرَاد مِنْهَا عِنْد قرعها الأسماع من دون نظر إِلَى شَيْء من تِلْكَ الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة وَالْأُصُول النحوية فَإِن من قرع سَمعه قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا تقدمُوا لأنفسكم من خير تَجِدُوهُ عِنْد الله﴾ الْبَقَرَة ١١٠ يفهم مَعْنَاهُ من دون أَن يعرف أَن مَا كلمة شَرط وتقدموا مجزوم بهَا لِأَنَّهُ شَرطهَا وتجدوه مجزوم بهَا لِأَنَّهُ جَزَاؤُهُ وَمثلهَا ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا وَمَا عملت من سوء تود لَو أَن بَينهَا وَبَينه أمدا بَعيدا﴾ آل عمرَان ٣٠ وَمثلهَا ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي﴾ النَّحْل ٩٠ يفهم من الْكل مَا أُرِيد مِنْهَا من غير أَن يعرف أسرار الْعُلُوم الْعَرَبيَّة ودقائق الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة وَلذَا ترى الْعَامَّة يستفتون الْعَالم ويفهمون كَلَامه وَجَوَابه وَهُوَ كَلَام غير مُعرب فِي الْأَغْلَب بل تراهم يسمعُونَ الْقُرْآن فيفهمون مَعْنَاهُ ويبكون لقوارعه وَمَا حواه وَلَا يعْرفُونَ إعرابا وَلَا غَيره مِمَّا سقناه بل رُبمَا كَانَ موقع مَا يسمعُونَ فِي قُلُوبهم أعظم من موقعه فِي قُلُوب من حقق قَوَاعِد الِاجْتِهَاد وَبلغ غَايَة الذكاء والانتقاد وَهَؤُلَاء الْعَامَّة يحْضرُون الْخطب فِي الْجمع والأعياد ويذوقون الْوَعْظ ويفهمونه ويفتت مِنْهُ الأكباد وتدمع مِنْهُ الْعُيُون ويدركون من ذَلِك مَا لَا يُدْرِكهُ الْعلمَاء الْمُحَقِّقُونَ ويسمعون أَحَادِيث التَّرْغِيب والترهيب فيكثر مِنْهُم الْبكاء والنحيب

стр. 154

وَأَنت تراهم يقرؤون كتبا مؤلفة من الْفُرُوع الفهية كالأزهار للهادوية والمنهاج للشَّافِعِيَّة وَالْكَبِير للحنفية ومختصر خَلِيل للمالكية ويفهمون مَا فِيهَا ويعرفون مَعَانِيهَا ويعتمدون عَلَيْهَا ويرجعون فِي الْفَتْوَى والخصومات إِلَيْهَا فليت شعري مَا الَّذِي خص الْكتاب وَالسّنة بِالْمَنْعِ عَن معرفَة مَعَانِيهَا وَفهم تراكيبها ومبانيها والإعراض عَن اسْتِخْرَاج مَا فِيهَا حَتَّى جعلت مَعَانِيهَا كالمقصورات فِي الْخيام قد ضربت دونهَا السجوف وَلم يبْق لنا إِلَيْهَا إِلَّا ترديد ألفاظها والحروف وَإِن استنباط معانهيا قد صَار حجرا مَحْجُورا وحرما محرما محصورا حَدِيث اجْتِهَاد الْحَاكِم وَبَيَان أَن كَلَام الله وَكَلَام رَسُوله أقرب إِلَى الأفهام وَقَالَ بعض الْعلمَاء الْمُتَأَخِّرين فِي شرح بُلُوغ المرام فِي شرح حَدِيث إِن الْحَاكِم إِذا اجْتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِذا اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر مَا لَفظه إِنَّه اسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ على اشْتِرَاط أَن يكون الْحَاكِم مُجْتَهدا قَالَ وَهُوَ المتمكن من أَخذ الاحكام من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة قَالَ وَلكنه يعز وجوده بل كَاد يعْدم بِالْكُلِّيَّةِ

стр. 155

وَمَعَ تعذره فَمن شَرطه أَي الْحَاكِم أَن يكون مُقَلدًا مُجْتَهدا فِي مَذْهَب إِمَامه وَمن شَرطه أَن يُحَقّق أصُول إِمَامه وأدلته وَينزل أَحْكَامه عَلَيْهَا فِيمَا لَا يجده مَنْصُوصا فِي مَذْهَب إِمَامه اه وَقد نَقَلْنَاهُ فِي شرحنا سبل السَّلَام وتعقباه بقولنَا قلت وَلَا يخفى مَا فِي هَذَا الْكَلَام من الْبطلَان وَإِن تتَابع عَلَيْهِ الْأَعْيَان وَمَا أرى هَذِه الدَّعْوَى الَّتِي تطابق عَلَيْهَا الأنظار إِلَّا من كفران نعْمَة الله عَلَيْهِم فَإِنَّهُم أَعنِي المدعين لهَذِهِ الدَّعْوَى والمقررين لَهَا وَهِي دَعْوَى عزة وجود الْمُجْتَهدين فِي الاحكام بِالْكُلِّيَّةِ أَو كيدودة عَدمه مجتهدون يعرف أحدهم من الْقَوَاعِد الَّتِي يُمكنهُ بهَا الاستنباط واستخراج الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من الْأَدِلَّة النَّبَوِيَّة مَا لم يكن قد عرفه عتاب بن أسيد قَاضِي رَسُول الله ﷺ على مَكَّة وَلَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَاضِي رَسُول الله ﷺ فِي الْيمن وَلَا معَاذ بن جبل قاضيه فِيهَا وعامله عَلَيْهَا وَلَا شُرَيْح قَاضِي عمر وَعلي ﵃ فِي الْكُوفَة من هَذِه الشَّرَائِط الَّتِي أفادها قَول ذَلِك الشَّارِح ﵀ إِن من شَرط الْحَاكِم أَن يكون مُجْتَهدا فِي مَذْهَب إِمَامه وَأَن يُحَقّق أُصُوله وأدلته إِلَى آخِره هِيَ شَرَائِط الْمُجْتَهد فِي الْكتاب وَالسّنة فَإِن هَذَا هُوَ الِاجْتِهَاد الَّذِي قَالَ بعزة وجوده أَو كيدودة عَدمه بِالْكُلِّيَّةِ وَسَماهُ متعذرا هلا جعل هَذَا الْمُقَلّد الْمُجْتَهد أَمَامه كتاب الله وَسنة نبيه ﷺ عوضا عَن كَلَام إِمَامه وتتبع نُصُوص الْكتاب وَالسّنة عوضا عَن تتبع نُصُوص إِمَامه

стр. 156

والعبارات كلهَا أَلْفَاظ دَالَّة على مَعَانِيهَا فَهَلا استبدل بِأَلْفَاظ إِمَامه ومعانيها أَلْفَاظ الشَّارِع ومعانيها وَنزل الْأَحْكَام عَلَيْهَا إِذا لم يجده نصا شَرْعِيًّا عوضا عَن تنزيلها على مَذْهَب إِمَامه فِيمَا لم يجده مَنْصُوصا تالله لقد استبدل الَّذِي هُوَ أدنى بِالَّذِي هُوَ خير من معرفَة السّنة وَالْكتاب إِلَى معرفَة كَلَام الشُّيُوخ وَالْأَصْحَاب وتفهم مرامهم والتفتيش عَن كَلَامهم وَمن الْمَعْلُوم يَقِينا أَن كَلَام الله وَكَلَام رَسُوله أقرب إِلَى الأفهام وَأدنى إِلَى إِصَابَة بُلُوغ المرام فَإِنَّهُ أبلغ الْكَلَام بِالْإِجْمَاع وأعذبه فِي الأفواه والأسماع وأقربه إِلَى الْفَهم وَالِانْتِفَاع وَلَا يُنكر هَذَا إِلَّا جلمود الطباع وَمن لَا حَظّ لَهُ فِي النَّفْع وَالِانْتِفَاع والأفهام الَّتِي فهم بهَا الصَّحَابَة الْكَلَام الإلهي وَالْخطاب النَّبَوِيّ هِيَ كأفهامنا وأحلامهم كأحلامنا إِذْ لَو كَانَت الأفهام مُتَفَاوِتَة تَفَاوتا يسْقط مَعَه فهم الْعبارَات الإلهية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة لما كُنَّا مكلفين وَلَا مأمورين وَلَا منهيين لَا اجْتِهَادًا وَلَا تقليدا أما الأول فلاستحالته وَأما الثَّانِي فلأنا لَا نقلد حَتَّى نفهم جَوَازه وأدلته وَلَا يفهم ذَلِك إِلَّا من أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة وَقد تعذر ذَلِك كَمَا قُلْتُمْ وَقد سبق بسط هَذَا

стр. 157

على أَنا لَا نشرط فِي هَذَا مَا سلف من الشَّرَائِط فِي الْمُجْتَهد الَّتِي ذَكرنَاهَا عَن مؤلف العواصم والقواصم إِنَّمَا نقُول إِنَّه يستروي عَن الْعَالم الْآيَة والْحَدِيث فِي الحكم الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ فِي الْحَالة الراهنة ثمَّ يعْمل بِهِ بعد فهمه إِنَّمَا يشْتَرط أَن تُؤْخَذ الرِّوَايَة عَمَّن يوثق بصدقه وَدينه وورعه وشهرته بِالْعلمِ النافع من الْكتاب وَالسّنة وَألا يسْأَله عَن مَذْهَب فلَان وَلَا فلَان وَكَيف وَفِي كتب الْأُصُول نقل الْإِجْمَاع على تَحْرِيم تَقْلِيد الْأَمْوَات تَحْرِيف معنى الْأَحَادِيث ليُوَافق الْمَذْهَب جِنَايَة على أَئِمَّة الْمذَاهب وَلَقَد عظمت جنايات المقلدين على أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ وعَلى أَئِمَّة مذاهبهم الَّذين تبرءوا عَن إِثْبَات مقَال لَهُم يُخَالف نصا نبويا فَإِنَّهَا إِذا وَردت بِخِلَاف مَا قَرَّرَهُ من قلدوه حرفوها عَن موَاضعهَا وَحملُوهَا على غير مَا أَرَادَهُ ﷺ كَمَا قَالَ بعض الْمُعْتَزلَة فِي حَدِيث شَفَاعَتِي لأهل الْكَبَائِر من أمتِي وَقد اعْتقد ذَلِك المعتزلي أَنه لَا شَفَاعَة للعصاة فَقَالَ مُرَاده ﷺ بِأَهْل الْكَبَائِر الْمُؤْمِنُونَ أهل الصَّلَاة لِأَن الصَّلَاة كَبِيرَة قَالَ الله ﴿وَإِنَّهَا لكبيرة إِلَّا على الخاشعين﴾ الْبَقَرَة ٤٥ فَانْظُر أَي تَحْرِيف أعجب من هَذَا الَّذِي قَادَهُ إِلَيْهِ مذْهبه واعتقاده أَن لَا شَفَاعَة لأهل الْكَبَائِر وَكَونه تحريفا لَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل وَمثل قَول بعض من اعْتقد ندب صَوْم يَوْم الشَّك لِأَنَّهُ مَذْهَب إِمَامه فِي حَدِيث عمار بن يَاسر ﵁ من صَامَ يَوْم الشَّك فقد عصى أَبَا الْقَاسِم ﷺ أَنه مُرَاده

стр. 158

بِأبي الْقَاسِم عمار نَفسه قَالَ فقد عَصَانِي وَإِنَّمَا وضع الظَّاهِر مَوضِع الْمُضمر وَلَا يخفى مَا فِي هَذَا الْحمل من تَحْرِيف مَعَ اتِّفَاق النَّاس على كنية عمار أَبُو اليقطان وَمثله قَول ابْن الْقيم فِي الْهدى النَّبَوِيّ إِن مُرَاد عمار بِيَوْم الشَّك آخر يَوْم من شعْبَان وَلَفظه وَالْمَنْقُول عَن عمر وَعلي وعمار وَحُذَيْفَة وَابْن مَسْعُود النَّهْي عَن صَوْم آخر يَوْم من شعْبَان تَطَوّعا وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ عمار من صَامَ الْيَوْم الَّذِي شكّ فقد عصى أَبَا الْقَاسِم ﷺ فَأَما الصَّوْم يَوْم الْغَيْم احْتِيَاطًا على أَنه إِن كَانَ من رَمَضَان فَهُوَ فَرْضه وَإِلَّا فَهُوَ تطوع

стр. 159

قلت هَذَا من التحريف رِعَايَة للْمَذْهَب لِأَن أَحْمد بن حَنْبَل قَائِل بِصَوْم يَوْم الشَّك فَحَمله رِعَايَة الْمَذْهَب على حمل حَدِيث عمار على آخر يَوْم من شعْبَان تَطَوّعا وَهَذَا الْيَوْم لَا شكّ فِيهِ قطعا بل هُوَ يَوْم يَقِين من شعْبَان وكقدح بعض الْحَنَفِيَّة فِي أبي هُرَيْرَة ﵁ كَمَا ذكره الْحَافِظ فِي فتح الْبَارِي لما روى حَدِيث الْمُصراة على خلاف يعتقدونه مذهبا

стр. 160

وَالْحَاصِل أَن من اعْتقد مذهبا من الْمذَاهب فَإِنَّهُ يُؤَدِّي ذَلِك إِلَى المحاماة عَلَيْهِ وَإِلَى إِخْرَاج الْآيَات وَالْأَحَادِيث عَن مَعَانِيهَا الَّتِي أرادها الله وَرَسُوله ﷺ فَإِن من قَالَ بِتَحْرِيم أكل طَعَام أهل الذِّمَّة وَتَحْرِيم ذَبَائِحهم حمل قَوْله

стр. 161

تَعَالَى ﴿وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم وطعامكم حل لَهُم﴾ الْمَائِدَة ٥ على حل أَخذ الْحُبُوب مِنْهُم كالحنطة وَالشعِير فليحذر الْمُؤمن الْمُؤثر للحق على الْخلق عَن هَذِه الاعتقادات ورد الْأَحَادِيث والآيات إِلَى مثل تَأْوِيل الْفرْقَة الباطنية وكل هَذَا من قبائح الاعتقادات المذهبية

стр. 162

وَإِنِّي لأخاف مِمَّن حرف الْآيَات وَالْأَحَادِيث ليُوَافق اعْتِقَاده أَن يقلب فُؤَاده وَقَلبه فَلَا يوفق لمعْرِفَة الْحق عُقُوبَة كَمَا فعله الله فِيمَن رد براهين النُّبُوَّة وَكذب بهَا كَمَا أسلفناه فِي قَوْله ﴿ونقلب أفئدتهم﴾ الْأَنْعَام ١١٠ وَلَو تتبعت مَا وَقع لأهل التَّقْلِيد من التحريف لجاء مِنْهُ مُجَلد وسيع وَلَكِن مرادنا النَّصِيحَة لَا التشنيع وَهِي تحصل بِأَقَلّ مِمَّا سقناه وأيسر مِمَّا رقمناه رد الْأَئِمَّة على أَدِلَّة جَوَاز التَّقْلِيد فَإِن قلت قد ذكر الْعلمَاء أَدِلَّة لجَوَاز التَّقْلِيد وَاسِعَة وطرائق نافعة قلت نعم وَقد ردهَا أَئِمَّة الِاعْتِقَاد وأوضحوا مَا فِيهَا من الْفساد ولنذكر خُلَاصَة كَلَام الْفَرِيقَيْنِ فالدليل الأول قَوْله تَعَالَى ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ النَّحْل ٤٣ قَالَ فَأمر سُبْحَانَهُ من لَا يعلم أَن يسْأَل من هُوَ أعلم مِنْهُ فَالْجَوَاب أَنا نقُول أَولا أَن الْتِزَام مَذْهَب إِمَام معِين فِي جَمِيع أَقْوَاله بِحَيْثُ لَا يحل الْخُرُوج عَنهُ بِحَال بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة فَمَا معنى الِاسْتِدْلَال على الْبِدْعَة أما كَونه بِدعَة فلأنكم يَا أسراء التَّقْلِيد وغيركم لَا يمكنكم أَن تدعوا أَنه كَانَ فِي عصر الصَّحَابَة رجل وَاحِد اتخذ رجلا من الصَّحَابَة يقلده فِي كل أَقْوَاله وَلم يتْرك مِنْهَا شَيْئا وَأسْقط أَقْوَال غَيره الْبَتَّةَ فَلم يَأْخُذ مِنْهَا شَيْئا ويتأول مَا ورد من

стр. 163

الْآيَات وَالْأَحَادِيث ليُوَافق مَذْهَب من قَلّدهُ وَهَذَا مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَنه لم يكن فِي الصَّحَابَة وَلَا فِي تابعيهم وَلَا تَابع التَّابِعين وَهَذِه هِيَ الْقُرُون الثَّلَاثَة الَّتِي خَيرهَا رَسُول الله ﷺ بقوله خير الْقُرُون قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ يفشو الْكَذِب الحَدِيث وَمَا حدثت بِدعَة التَّقْلِيد إِلَّا فِي الْقرن الرَّابِع الَّذِي ذمه رَسُول الله ﷺ أما الْآيَة الَّتِي ذكرْتُمْ فَإِن الله تَعَالَى أَمر فِيهَا من لَا يعلم أَن يسْأَل أهل الذّكر وَالذكر هُوَ الْقُرْآن وَالسّنة كَمَا ذكره الله فِي قَوْله مُخَاطبا لِنسَاء رَسُول الله ﷺ ﴿واذكرن مَا يُتْلَى فِي بيوتكن من آيَات الله وَالْحكمَة﴾ الْأَحْزَاب ٣٤ وآياته الْقُرْآن وَالْحكمَة السّنة وكما قَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي بعث فِي الْأُمِّيين رَسُولا مِنْهُم يَتْلُو عَلَيْهِم آيَاته ويزكيهم وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة﴾ الْجُمُعَة ٢ فَالْأَمْر فِي الْآيَة للجاهل أَن يسْأَل أهل الْقُرْآن والْحَدِيث عَنْهُمَا ليخبروه فَإِذا أَخْبرُوهُ وَجب عَلَيْهِ اتِّبَاع مَا أَخْبرُوهُ بِهِ

стр. 164

وَهَذَا على أظهر الْوُجُوه فِي تَفْسِير الْآيَة لمن لَهُ أدنى إِلْمَام بالتفسير فَكيف يسْتَدلّ على أعظم قَوَاعِد الْأُصُول بِوَجْه مَرْجُوح وَيُؤَيّد هَذَا الْوَجْه الرَّاجِح مَعنا أَن هَذَا كَانَ شَأْن أهل الْعلم فِي الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ يسْأَل الْجَاهِل الْعَالم أَي عَالم عَن الْآيَات وَالسّنة وَلَيْسَ لَهُم مقلد معِين يتبعونه فِي أَقْوَاله فَكَانَ ابْن عَبَّاس ﵄ يسْأَل الصَّحَابَة عَمَّا قَالَه رَسُول الله ﷺ أَو فعله لَا يسْأَله عَن غير ذَلِك وَكَذَلِكَ الصَّحَابَة كَانُوا يسْأَلُون نِسَاءَهُ ﷺ عَمَّا يخفى عَلَيْهِم من سنَنه سِيمَا عَائِشَة ﵂ وَكَذَلِكَ التابعون كَانُوا يسْأَلُون الصَّحَابَة عَن أَقْوَال رَسُول الله ﷺ وأفعاله وسننه وَكَذَلِكَ أَئِمَّة الْفِقْه قَالَ الشَّافِعِي ﵁ لِأَحْمَد بن حَنْبَل يَا أَبَا عبد الله أَنْت أعلم بِالْحَدِيثِ مني فَإِذا صَحَّ الحَدِيث فَأَعْلمنِي حَتَّى أذهب إِلَيْهِ شاميا كَانَ أَو كوفيا أَو بصريا وَلم يكن أحد قطّ من أهل الْعلم يسْأَل الرجل عَن رَأْي رجل بِعَيْنِه فَيَأْخُذ بِهِ ويطرح مَا سواهُ

стр. 165

الثَّانِي من أَدِلَّة جَوَاز التَّقْلِيد أَنه ﷺ قَالَ فِي قصَّة صَاحب الشَّجَّة أَلا تسألوا إِذا لم تعلمُوا إِنَّمَا شِفَاء العي السوال فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى السوال وَالْجَوَاب أَنه ﷺ إِنَّمَا أرشد الْمُفْتِينَ لصَاحب الشيجة إِلَى السُّؤَال عَن حكمه ﷺ وسنته فَقَالَ قَتَلُوهُ قَتلهمْ الله يَدْعُو عَلَيْهِم لما أفتوا بِغَيْر علم وَفِي هَذَا تَحْرِيم الافتاء بالتقليد فَإِن الْإِفْتَاء بِهِ لَيْسَ علما بِاتِّفَاق الْأمة وَمَا دَعَا رَسُول الله ﷺ على فَاعله فَإِنَّهُ حرَام وَهُوَ أحد أَدِلَّة التَّحْرِيم فَالْحَدِيث حجَّة على تَحْرِيم التَّقْلِيد لَا على جَوَازه الثَّالِث من أدلتهم قَالُوا قَالَ أَبُو العسيف الَّذِي زنا بِامْرَأَة مستأجرة وَإِنِّي سَأَلت أهل الْعلم فَأَخْبرُونِي أَنما على ابْني جلد مائَة وتغريب عَام وَأَن على امْرَأَة هَذَا الرَّجْم أخرجه البُخَارِيّ قَالُوا فَلم يُنكر ﷺ تَقْلِيد من هُوَ أعلم مِنْهُ

стр. 166

وَالْجَوَاب أَن هَذَا سَأَلَ أهل الْعلم فأفتوه بِسنة رَسُول الله ﷺ وعنها سَأَلَ فَهُوَ يصلح عاضدا لِلْآيَةِ وَأَن المُرَاد سُؤال أهل الذّكر عَن الْكتاب وَالسّنة لَا عَن رَأْيهمْ الرَّابِع من أدلتهم قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ﴾ التَّوْبَة ١٠٠ ومقلدهم تَابع لَهُم فَهُوَ مِمَّن ﵁ وَالْجَوَاب صدق الْمُقدمَة الأولى وَكذب الثَّانِيَة فَإِن الأولى ضَرُورِيَّة الصدْق وَأما كذب الثَّانِيَة فَإِن تَفْسِير اتباعهم بالتقليد من تَحْرِيف الْكَلم عَن موَاضعه كَيفَ وَهَذَا التَّقْلِيد الَّذِي يريدونه بِدعَة حَادِثَة لَا يُفَسر بهَا كَلَام الله واتباعهم إِنَّمَا هُوَ سلوك طريقهم ومنهاجهم وَقد نهوا عَن التَّقْلِيد فَلم يكن فِي السَّابِقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار يُقَلّد بالِاتِّفَاقِ فَكيف يُقَال من اتباعهم تقليدهم بل التابعون لَهُم بِإِحْسَان هم أهل الْعلم أَئِمَّة الْكتاب وَالسّنة الَّذين لَا يقدمُونَ على كتاب الله رَأيا وَلَا قِيَاسا وَلَا يجْعَلُونَ كَلَام أحد عيارا على الْقُرْآن وَالسّنَن فَالَّذِي اتبعهم هُوَ من اتبع الْحجَّة وانقاد بِالدَّلِيلِ وَلم يتَّخذ رجلا بِعَيْنِه إِمَامًا يَقْتَدِي بأقواله وسننه سوى رَسُول الله ﷺ قَالَ الله تَعَالَى ﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وَلَا تتبعوا من دونه أَوْلِيَاء﴾ الْأَعْرَاف ٣

стр. 167

فَأمر تَعَالَى بِاتِّبَاع الْمنزل خَاصَّة والمنزل هُوَ الْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ الْحَشْر ٧ فالتقليد لَا يكون اتبَاعا فَإِن الِاتِّبَاع سلوك طَريقَة المتبع والإتيان بِمثل مَا أَتَى بِهِ وَقد عقد أَبُو عمر بن عبد البر بَابا فِي الْفرق بَين الِاتِّبَاع والتقليد وَقَالَ قَالَ عبد الله بن خويز منداد الْبَصْرِيّ الْمَالِكِي التَّقْلِيد مَعْنَاهُ فِي الشَّرْع الرُّجُوع إِلَى قَول لَا حجَّة لقائله عَلَيْهِ وَذَلِكَ مَمْنُوع مِنْهُ فِي الشَّرِيعَة والاتباع مَا ثَبت عَلَيْهِ حجَّة الْخَامِس من أَدِلَّة المقلدين الحَدِيث الْمَشْهُور أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ فَبِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ

стр. 168

وَالْجَوَاب أَن الحَدِيث قد رُوِيَ عَن عمر من طرق لَا يَصح مِنْهَا شَيْء وَقَالَ الْبَزَّار وَأما مَا يرْوى عَن النَّبِي ﷺ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ فَهَذَا الْكَلَام لَا يَصح عَن النَّبِي ﷺ وَإِن صَحَّ فالاتباع غير التَّقْلِيد فَإِن الِاقْتِدَاء فعلك مثل فعل الْغَيْر على الْوَجْه الَّذِي فعله بِالدَّلِيلِ الَّذِي

стр. 169

فعله فَلذَلِك قُلْنَا من أَبْيَات وشتان مَا بَين الْمُقَلّد فِي الْهدى وَمن يَقْتَدِي فالضد يعرف بالضد ... فَمن قلد النُّعْمَان أصبح شاربا نبيذا وَفِيه القَوْل للْبَعْض بِالْحَدِّ ... وَمن يَقْتَدِي أضحى إِمَام معارف وَكَانَ أويسا فِي الْعِبَادَة والزهد ... فمقتديا فِي الْحق كن لَا مُقَلدًا وخل أَخا التَّقْلِيد فِي الْأسر بالقد

стр. 170

فالمقلد لأبي حنيفَة وَهُوَ المُرَاد بالنعمان يجوز عِنْده شرب النَّبِيذ وَأَبُو حنيفَة لم يشربه فالاقتداء بِهِ أَن لَا يشربه بل الْمُقْتَدِي بِهِ يكون إِمَامًا فِي الْعلم والزهد كَأبي حنيفَة وَمثله قَول الإِمَام الْكَبِير مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْوَزير مؤلف العواصم والقواصم فِي الذب عَن أبي الْقَاسِم من أَبْيَات هم قلدوهم فاقتديت بهم وَكم بَين الْمُقَلّد فِي الْهدى والمقتدي ... من قلد النُّعْمَان أصبح شاربا لمثلث رِجْس خَبِيث مُزْبِد ... وَلَو اقْتدى بِأبي حنيفَة لم يكن إِلَّا إِمَامًا رَاكِعا فِي الْمَسْجِد وَقَالَ الله تَعَالَى مُخَاطبا لرَسُوله ﷺ بعد أَن عد من الْأَنْبِيَاء ﵈ نَحوا من بعضة عشر نَبيا ﴿فبهداهم اقتده﴾ الْأَنْعَام ٩٠ قَالَ فِي الْكَشَّاف المُرَاد بهداهم طريقتهم فِي الْإِيمَان بِاللَّه وتوحيده وأصول الدّين اه وَمَعْلُوم يَقِينا أَن الله تَعَالَى لم يَأْمر رَسُوله ﷺ بتقليد رسله فِي أديانهم فَعرفت أَن الِاقْتِدَاء والاتباع ليسَا من التَّقْلِيد فِي وُرُود وَلَا صدر

стр. 171

السَّادِس من أَدِلَّة المقلدين قَالُوا حَدِيث عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي أَبُو بكر وَعمر واهتدوا بِهَدي عمار وتمسكوا بِعَهْد ابْن أم معبد الْجَواب أَن الاهتداء بهم اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة وَالْقَبُول لما فيهمَا وَالدُّعَاء إِلَيْهِمَا وَتَحْرِيم التَّقْلِيد إِذْ لم يُؤثر عَنْهُم وَقد صَحَّ عَن ابْن مَسْعُود وَهُوَ ابْن أم معبد النَّهْي عَن التَّقْلِيد وَقَالَ لَا يكون الرجل إمعة لَا بَصِيرَة لَهُ ثمَّ من الْمَعْلُوم أَن أحدا مِنْهُم لم يكن يدع السّنة بقول أَي قَائِل ثمَّ إِن سنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وطريقتهم اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة فالأخذ بسنتهما اتِّبَاع السّنة النَّبَوِيَّة وَالْقُرْآن

стр. 172

ثمَّ يُقَال لكم أَيهَا المقلدون إِنَّكُم لَا تقلدون أَبَا بكر وَعمر وَلَا تَجْعَلُونَ قَوْلهمَا حجَّة بل قلدتم أَئِمَّة من اتِّبَاع الْأَئِمَّة وحرمتم تَقْلِيد غَيرهم فَأَيْنَ أَنْتُم من الْعَمَل بِهَذَا الحَدِيث لَو كَانَ مسوقا للتقليد فَأنْتم أول تَارِك لَهُ السَّابِع من أَدِلَّة التَّقْلِيد أَن فِي كتاب عمر ﵁ إِلَى شُرَيْح أَنه يقْضِي بِمَا قضى بِهِ الصالحون إِن لم يجد فِي كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ مَا يقْضِي بِهِ وَالْجَوَاب إِن كتاب عمر ﵁ فِيهِ دَلِيل على عدم التَّقْلِيد بل أمره بِاتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة والمقلدون لَا يَقُولُونَ بذلك بل لَا ينظرُونَ فِي كتاب الله وَلَا سنة إِنَّمَا ينظرُونَ فِي كتب شيوخهم وأقوالهم ثمَّ إِنَّه قَالَ إِذا لم يجد فِيهَا قضى بِمَا قضى بِهِ الصالحون فأباح لَهُ عِنْد تعذر وجدان الدَّلِيل من الْأَمريْنِ الرُّجُوع إِلَى مَا قضى بِهِ الصالحون الَّذين لَا يقضون إِلَّا عَن دَلِيل من كتاب أَو سنة أَو قِيَاس جلى

стр. 173

فَأجَاز لَهُ هُنَا الْأَخْذ فِي الْقَضَاء بِرَأْي الصَّالِحين فِي الْحَالة الراهنية لَا أَنه يَجْعَل رَأْيه مقدما على الْكتاب وَالسّنة كَمَا جعل المقلدون ثمَّ هَذَا كَلَام عمر ﵁ وَلَيْسَ بِحجَّة الثَّامِن قَالُوا كَانَ الصَّحَابَة يفتون فِي عصره ﷺ باطلاعه وَهَذَا تَقْلِيد لِلْمُتقين الْجَواب أَن فتواهم كَانَ تبليغا عَن الله وَعَن رَسُوله ﷺ وَلم يكن إِفْتَاء بآرائهم وَلذَلِك لما أفتوا صَاحب الشَّجَّة بِخِلَاف سنته قَالَ قَتلهمْ الله كَمَا عرفت التَّاسِع من أدلتهم قَالُوا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم﴾ التَّوْبَة ١١٢ فَأوجب قبُول إِنْذَارهم وَذَلِكَ تَقْلِيد لَهُم وَالْجَوَاب أَن هَذَا جهل للفظ الْإِنْذَار إِنَّمَا يقوم بِالْحجَّةِ فَمن لم تقم عَلَيْهِ الْحجَّة لم يكن قد أنذر كَمَا أَن النذير من أَقَامَ الْحجَّة فَمن لم يَأْتِ بِالْحجَّةِ لم يكن نذيرا وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَاد ﴿ولينذروا قَومهمْ﴾ بإخبارهم إيَّاهُم بالحجج والبراهين على مَا يفقهونهم بِهِ من الْأَحْكَام أَلا ترى أَن خَزَنَة النَّار من الْمَلَائِكَة يَقُولُونَ لمن فِيهَا ﴿ألم يأتكم نَذِير قَالُوا بلَى قد جَاءَنَا نَذِير فكذبنا وَقُلْنَا مَا نزل الله من شَيْء إِن أَنْتُم إِلَّا فِي ضلال كَبِير وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير﴾

стр. 174

الْملك ٨ ١٠ قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَاعْتَرفُوا بذنبهم﴾ الْملك ١١ فَإِنَّهُم أقرُّوا أَنه أَتَاهُم النذير وَلَا يكون إِلَّا لحجة فكذبوا ضلالا وعنادا وَقَالُوا متأسفين ﴿لَو كُنَّا نسْمع﴾ أَي نعمل بِمَا سمعناه ﴿أَو نعقل﴾ أَي نعمل بِمَا عَقَلْنَاهُ وَإِلَّا فَمن الْمَعْلُوم أَنهم سمعُوا وعقلوا وَلَكِن مَا عمِلُوا فكأنهم لَا سمع لَهُم وَلَا عقل فهم الَّذين يَقُولُونَ سمعنَا وعصينا وَلَو أَنهم قَالُوا سمعنَا وأطعنا خيرا لَهُم وأقوم فَعرفت أَنه لَا دَلِيل فِي الْآيَة للمقلدين الْعَاشِر من أدلتهم قَالُوا قد أَمر الله تَعَالَى بِقبُول شَهَادَة الشَّاهِد وَذَلِكَ تَقْلِيد لَهُ الْجَواب أَن هَذَا من أبطل الْأَدِلَّة فَإنَّا مَا قبلنَا قَوْلهم إِلَّا بِنَصّ رَبنَا وَقَول نَبينَا وَإِجْمَاع أمة فَلم يقبل قَول الشَّاهِد بِمُجَرَّد كَونه شهد بِهِ بل قبلناه لِأَن الله أَمر بِقبُول شَهَادَته كَمَا أمرنَا بِاتِّبَاع رَسُوله ﷺ فَإِن سميتم ذَلِك تقليدا فَلَا يضرنا وَأما أَنْتُم قبلتم قَول من قلدتموه وتركتم قَول من عداهُ وَلَو كَانَ آيَة من

стр. 175

الله أَو حَدِيثا نبويا لتأولتموها وأرجعتموها ناكصين على أعقابكم إِلَى قَول إمامكم وَكَذَلِكَ قبولنا إِقْرَار من أقرّ على نَفسه بِشَيْء وَحكما بِهِ عَلَيْهِ لَا يُسمى تقليدا بل اتبَاعا لقَوْل الله تَعَالَى ﴿بل الْإِنْسَان على نَفسه بَصِيرَة﴾ الْقِيَامَة ١٤ وَإِجْمَاع الْأمة وَعَمله ﷺ فِي قبُول إِقْرَار مَاعِز والغامدية ورجمهما بإقرارهما وَلَا يَقُول اُحْدُ إِنَّه ﷺ قلدهما الْحَادِي عشر من أدلتهم قَالُوا قد جعل الله فِي فطر الْعباد تَقْلِيد المتعلمين للْعَالمين والأستاذين فِي الْعُلُوم والصنائع وَلَا تقوم مصَالح الْخلق إِلَّا بِهَذَا وَذَاكَ عَام فِي كل علم وصناعة وَقد فاوت الله بَين الأذهان كَمَا فاوت بَين القوى فِي الْأَبدَان فَلَا يحسن فِي حكمته وعدله وَرَحمته أَن يفْرض على جَمِيع خلقه معرفَة الْحق بدليله وَالْجَوَاب أَن هَذَا حق لَا يُنكر وَلَا يُنكر أَخذ الْعلم عَن الْعلمَاء وينكر أَخذه من الصُّحُف والقراطيس بِغَيْر تعلم وَلَكنَّا نقتدي بالعالم ونهتدي بتعليمه ونستعين بفهمه ونستضيء بأنوار علومه وَفرق بَين تَقْلِيد الْعَالم فِي جَمِيع مَا قَالَه وَبَين الِاسْتِعَانَة بفهمه وَهُوَ الثَّانِي بِمَنْزِلَة الدَّلِيل فِي الطَّرِيق والخريت الماهر لِابْنِ السَّبِيل فَهُوَ دَلِيل إِلَى دَلِيل فَإِذا وصل إِلَيْهِ اسْتغنى بدلالته عَن الِاسْتِدْلَال بِغَيْرِهِ وَنَظِيره من اسْتدلَّ بِالنَّجْمِ على الْقبْلَة فَإِذا شَاهد الْقبْلَة لم يبْق لاستدلاله بِالنَّجْمِ معنى

стр. 176

أما قَوْله إِنَّه تَعَالَى فاوت بَين الأذهان فَهَذَا مُسلم وكلا منا فِيمَن لَهُ أَهْلِيَّة الْخطاب وَفهم أَدِلَّة مَا يَحْتَاجهُ من أَدِلَّة السّنة وَالْكتاب وَهُوَ بِحَمْد الله الْوَاحِد الْوَهَّاب أَمر لَيْسَ بالخفي وَلَا بالألغاز الَّذِي لَا يعرفهُ إِلَّا الذكي بل قدمنَا لَك أَن ألفاظهما أقرب تناولا وأسهل أخذا وأوضح معنى وَلَا بُد للمكلف من تفهم مَعَاني مَا كلف بِهِ إِمَّا من كَلَام شُيُوخه أَو من كَلَام ربه وَرَسُوله ﷺ ضَرُورَة إِنَّه لَا يتم لَهُ التَّكْلِيف إِلَّا بالفهم وَإِلَّا مَعْذُورًا غير مُخَاطب بِشَيْء من الشرعيات فالفهم الَّذِي يصرفهُ فِي حل عِبَارَات شُيُوخه وَبَيَان مَعَانِيهَا يصرفهُ فِي تفهم كَلَام ربه وَرَسُوله ﷺ وَالْقدر الَّذِي كلف الله بِهِ عباده وَقد سهله ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ الْحَج ٧٨ لَا فِي فهم المُرَاد وَلَا فِي الْأَفْعَال الَّتِي خَاطب الْعباد وَقد قدمنَا أَن الْوَاجِب على كل عبد مَا يَخُصُّهُ من الْأَحْكَام وَمَا يَدعُوهُ إِلَيْهِ حَاجَة وَهُوَ أَمر سهل يسير فَإِن أَكثر الْعُلُوم فضول كَمَا قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵁ الْعلم نقطة كثرها الْجُهَّال فَهَذِهِ زبدة أَدِلَّة مجوزي التَّقْلِيد وأجوبتها وَمن لَهُ فهم أَو ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد لَا يخفاه بعد ذَلِك إِذا كَانَ لَهُ مطلبا وإياه يُرِيد وَقد ذكرُوا أَدِلَّة سماعهَا شغل الأسماع بِغَيْر فَائِدَة تعود على سامعها وَلَا انْتِفَاع تركناها لَا نشغل بهَا الاوقات ويستغني بهَا عَمَّا هُوَ أولى بِالنّظرِ بالِاتِّفَاقِ وَالله يَقُول الْحق وَهُوَ يهدي السَّبِيل وَعَلِيهِ فِي كل فعل التعويل وَمِنْه

стр. 177

وَمِنْه نستمد الْهِدَايَة فِي البكرة والأصيل إِلَى مَا يقر بِنَا إِلَى جَانِبه وينزلنا فِي ظلّ رَحمته الظليل وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله خير آل وصحابته خير صِحَاب وقبيل