← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6348

إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد

الصنعاني

Полный текст (177 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فَإِنَّهُ لما قَالَ ابْن إِسْحَاق اعرضوا عَليّ علم مَالك فَأَنا بيطاره فَبلغ مَالِكًا فَقَالَ تِلْكَ الْكَلِمَة الجافية الَّتِي لَوْلَا جلالة من قَالَهَا وَمَا نرجوه من عَفْو الله من فلتات اللِّسَان عِنْد الْغَضَب لَكَانَ الْقدح بهَا فِيمَن قَالَهَا أقرب إِلَى الْقدح فِيمَن قيلت فِيهِ فَلَمَّا وَجَدْنَاهُ خرج مخرج الْغَضَب لم نره قادحا فِي ابْن إِسْحَاق فَإِنَّهُ خرج مخرد جَزَاء السَّيئَة بِالسَّيِّئَةِ على أَن ابْن إِسْحَاق لم يقْدَح فِي مَالك وَلَا فِي علمه غَايَة مَا أَفَادَ كَلَامه أَنه أعلم من مَالك وَأَنه بيطار علومه وَلَيْسَ فِي ذَلِك قدح على مَالك ونظرنا كَلَام شُعْبَة فِي ابْن إِسْحَاق فقدمنا قَوْله لِأَنَّهُ خرج مخرج النصح للْمُسلمين لَيْسَ لَهُ حَامِل عَلَيْهِ إِلَّا ذَلِك وَأما الجامد فِي ذهنه الأبله فِي نظره فَإِنَّهُ يَقُول قد تعَارض هُنَا الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَيقدم الْجرْح لِأَن الْجَارِح أولى وَإِن كثر المعدلون وَهَذِه الْقَاعِدَة لَو أخذت كُلية لم يبْق لنا عدل إِلَّا الرُّسُل فَإِنَّهُ مَا

стр. 107

سلم فَاضل من طَاعن من ذَلِك لَا من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَلَا أحد من أَئِمَّة الدّين كَمَا قيل ... فَمَا سلم صديق من رافض ... وَلَا نجا من ناصبي عَليّ ...

стр. 108

.. مَا سلم الله من بريته ... وَلَا نَبِي الْهَدْي فَكيف أَنا ... الْقَاعِدَة ظاهرية يعْمل بهَا فِيمَا تعَارض فِيهِ الْجرْح وَالتَّعْدِيل من المجاهيل على أَنه لَك أَن تَقول كَلَام مَالك لَيْسَ بقادح فِي ابْن إِسْحَاق لما علمت أَنه خرج مخرج الْغَضَب لَا مخرج النصح للْمُسلمين فَلم يُعَارض فِي ابْن إِسْحَاق جرح وَاعْلَم أَن ذكرنَا لِابْنِ إِسْحَاق وَالْكَلَام فِيهِ مِثَال وَطَرِيق يسْلك مِنْهُ إِلَى نَظَائِره وَإِذا عرفت هَذَا فَهُوَ التَّرْجِيح لايخرج مَا ذَكرْنَاهُ عَن كَونه من بَاب قبُول أَخْبَار الْعُدُول بل هُوَ مِنْهُ إِنَّمَا لما تعَارض الخبران عندنَا فِي حَال هَذَا الرَّاوِي تتبعنا حقائق الْخَبَرَيْنِ وَمحل صدورهما والباعث على التَّكَلُّم بهما فَظهر الِاعْتِمَاد على أَحدهمَا دون الآخر فَهُوَ من بَاب قبُول الْأَخْبَار فَهَكَذَا يلْزم النَّاظر الْبَحْث عَن حقائق الْأَحْوَال وَعَن الْبَاعِث عَن صدورها من أَفْوَاه الرِّجَال فَإِنَّهُ يكون كَلَامه بعد ذَلِك أقوم قيلا وَأحسن دَلِيلا وأوفق نظرا وَأجل قدرا فَمن عمل بِرِوَايَة التَّعْدِيل والتزكية وَمن عمل بِرِوَايَة الْقدح وَالتَّجْرِيح وَإِن

стр. 109

كَانَ الْكل قابلين لأخبار الْعُدُول عاملين بِمَا يجب عَلَيْهِم من قبُول خبر الْمَنْقُول فَالْكل مجتهدون وَلَكِن تخالفت الْآثَار وتفاوتت الأنظار وَمن هُنَا نَحوه وَقع اخْتِلَاف الْمُجْتَهدين فِي عدَّة مسَائِل من أُمَّهَات الدّين وَالْكل مأجورون بِالنَّصِّ الثَّابِت مِنْهُم من لَهُ أجر وَمِنْهُم من لَهُ أَجْرَانِ وَمن هُنَا علمت أَن اخْتِلَاف الْأَئِمَّة فِي تَصْحِيح خبر من إِمَام وتضعيفه من إِمَام آخر ناشىء عَمَّا تلقوهُ من أَخْبَار الْعُدُول عَن الروَاة فَهَذَا لإِمَام لم يبلغهُ عَن الروَاة هَذَا الْخَبَر الَّذِي حكم بِصِحَّتِهِ إِلَّا الْعَدَالَة والضبط فصحح أخبارهم وَلِهَذَا تَجِد من يتعقب بعض الْأَحَادِيث الَّتِي صححها إِمَام بقوله كَيفَ تَصْحِيحه وَفِيه فلَان كَذَّاب وَنَحْو هَذَا وَمَعْلُوم أَن من صحّح هَذَا الحَدِيث لم يبلغهُ أَن فِي رِجَاله كذابا وَهَذَا لإِمَام بلغه من أَحْوَال رُوَاة ذَلِك الْخَبَر أَو بَعضهم عدم الْعَدَالَة وَسُوء الْحِفْظ أَو انْقِطَاع الْخَبَر أَو شذوذه حكم عَلَيْهِ بِعَدَمِ الصِّحَّة وَهَذَا مَعْرُوف من جبلة الْعباد وطبائعهم فَمن النَّاس من يغلب عَلَيْهِ حسن الظَّن فِي النَّاس وتلقي أَقْوَالهم بِالصّدقِ وَمن النَّاس من لَهُ نباهة وفطنة وَطول خبْرَة لأحوال النَّاس فَلَا يَكْتَفِي بِالظَّاهِرِ بل يفتش عَن الْحَقَائِق فَيَقَع على الْحق وَالصَّوَاب وَلذَا أطبق النقاد أَن مَا صَححهُ الشَّيْخَانِ مقدم على مَا صَححهُ غَيرهمَا فِي غير مَا انتقد عَلَيْهِمَا كَمَا يَأْتِي عِنْد التَّعَارُض ثمَّ مَا انْفَرد البُخَارِيّ بِتَصْحِيحِهِ مقدم على مَا انْفَرد بِهِ مُسلم وَمَا ذَاك إِلَّا لحذاقة البُخَارِيّ ونقادته ومعرفته بأحوال الروَاة وَغَيره مِمَّن صحّح يقبلُونَ

стр. 110

تَصْحِيحه ويجعلونه فِي رُتْبَة أَعلَى من رُتْبَة مَا لم يُصَحِّحهُ البُخَارِيّ فَهَذَا التَّفَاضُل نَشأ من زِيَادَة الإتقان لأحوال المخبرين أَلا ترى أَن الشَّافِعِي ﵁ مَعَ إِمَامَته يرْوى عَن ابْن أبي يحيى ويعبر عَنهُ بالثقة وَغَيره يقدحون فِيهِ ويتجنبونه فِي الصِّحَاح

стр. 111

وَذَلِكَ من الِاخْتِلَاف فِي أَخْبَار المخبرين عَنهُ فالشافعي ﵁ ثَبت لَهُ عَدَالَته وَضَبطه وَيَأْتِي فِيهِ مَا أسلفناه من أَنه لَو عمل بِرِوَايَة أحد الراويين لترجيح قوي عِنْده عضد مَا يعرفهُ من حَال الرَّاوِي جَازَ ذَلِك فوثقه وَغَيره ثَبت لَهُ غير ذَلِك فتجنبوه وَالْكل عَائِد إِلَى اخْتِلَاف المخبرين

стр. 112

فصل فِي التفطن لأحوال المخبرين عَن الروَاة وَإِذا تقرر لَك مَا حققناه من أَن المصححين والمحسنين والمضعفين رُوَاة أَحْوَال رجال الْإِسْنَاد يعبرون عَن ثقتهم وضبطهم واتصال مَا رَوَوْهُ وسلامته من الشذوذ وَالْعلَّة بقَوْلهمْ صَحِيح وَعَن خِلَافه بضعيف وَعَما بَين الْأَمريْنِ بِحسن كَمَا عرف ذَلِك بِعلم أصُول الحَدِيث فهم رُوَاة مخبرون عَن أَحْوَال الروَاة للْحَدِيث فَلَا بُد حِينَئِذٍ من معرفَة أَحْوَالهم كمعرفة أَحْوَال رجال الْمَتْن وَقد اخْتلفُوا فِيمَا يَرْوُونَهُ كاختلاف رُوَاة الْمُتُون فَمنهمْ من يصحح الحَدِيث فَيَأْتِي من يتتبع رجال ذَلِك الحَدِيث فيجد فِي رِجَاله من لَيْسَ بِصفة رِوَايَة الصَّحِيح وَلذَا ترى النقاد من ائمة هَذَا الشَّأْن يَقُولُونَ فِي الِاعْتِرَاض على بعض المصححين كَيفَ يجْزم بِصِحَّتِهِ وَفِي رُوَاته فلَان كَذَّاب وَكَذَا وَكَذَا من الَّتِي لَا يَصح مَعهَا تَصْحِيح رِوَايَته وَهَذَا كثير جدا فِيمَا يُصَحِّحهُ الْحَاكِم وَيُوجد قَلِيلا فِيمَا يُصَحِّحهُ التِّرْمِذِيّ وَحِينَئِذٍ لَا بُد من التفطن لأحوال المخبرين بِالصِّحَّةِ وَأَنه لَا بُد فيهم من

стр. 113

النباهة وَعدم التغفيل وَصدق الدّيانَة والنصحية للْمُسلمين فَإِن كَانَ الْمخبر بِالصِّحَّةِ مثل أبي عبد الله البُخَارِيّ وَمُسلم وَمن فِي طبقتهما وَمن خرج على كِتَابَيْهِمَا فخبره بِالصِّحَّةِ مَقْبُول قد تتبع أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن وفرسان هَذَا الميدان مَا صَححهُ الشَّيْخَانِ فوجدوه مَبْنِيا على أساس صَحِيح وخبرة بالرواية وَمَعْرِفَة وإتقان وَإِن وجد الشَّيْء الْيَسِير فِي رجالهما مِمَّن انتقد الْحفاظ من بعدهمَا كانتقاد الْحَافِظ أبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ على الشَّيْخَيْنِ فَإِن مَجْمُوع مَا انتقده عَلَيْهِمَا من الْأَحَادِيث مائَة حَدِيث وَعشرَة انْفَرد البُخَارِيّ مِنْهَا بِثَلَاثَة وَسبعين حَدِيثا واشترك هُوَ وَمُسلم فِي اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ حَدِيثا وَقد أجَاب عَنهُ غَيره من الْحفاظ بأجوبة فِيهَا الغث والسمين وَجُمْلَة من قدح فِيهِ من رجال البُخَارِيّ ثَلَاثمِائَة وَثَمَانِية وَتسْعُونَ وَقد دفع الْحَافِظ ابْن حجر مَا قدح بِهِ فيهم بعض فِيهِ تكلّف وَبَعضه وَاضح لَكِن إِذا عرفت عدَّة مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الكتابان من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة

стр. 114

وَالرِّجَال الموثقين علمت أَن صِحَة مَا فِيهَا الْأَغْلَب هِيَ فَالْحكم لَهُ فَيعْمل بِمَا فِيهَا مَا لم يظنّ أَو يعلم أَنه من المغلوب وَذَلِكَ لِأَن الْعَمَل بِالظَّنِّ وَالظَّن يحصل بِإِخْبَار من غَالب أخباره الصدْق وَلَا يفت فِيهِ تَجْوِيز أَنه غير صَادِق فِيمَا أخبر بِهِ من الصِّحَّة مثلا وَقد صرح أَئِمَّة أصُول الحَدِيث بِأَنَّهُ لَا يتْرك إِلَّا من كثر خطأه وَمَعْلُوم أَن خطأ صَاحِبي الصَّحِيحَيْنِ فِي الْإِخْبَار بِالصِّحَّةِ قَلِيل جدا ومحصور كَمَا ذَكرْنَاهُ فَأَما أهل أصُول الْفِقْه فَإِنَّهُم قَائِلُونَ إِنَّه لَا يتْرك إِلَّا من كَانَ خطأه أَكثر من صَوَابه كَمَا عرف وَبِهَذَا التَّحْقِيق علمت مزية الصَّحِيحَيْنِ لَا بِمَا ادَّعَاهُ ابْن الصّلاح من تلقي الْأمة لَهما بِالْقبُولِ فَإِنَّهُ قَول غير مَقْبُول قد حققنا فِي ثَمَرَات النّظر فِي علم الْأَثر بُطْلَانه بِمَا لَا مزِيد فِيهِ وَمثله فِي الْبطلَان قَول الْعَلامَة الْجلَال فِي ديباجة ضوء النَّهَار إِنَّه يجب الْعَمَل بِمَا حسنوه أَو صححوه كَمَا يجب الْعَمَل بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ كَلَام بَاطِل قد بَينا وَجه بُطْلَانه فِي منحة الْغفار حَاشِيَة ضوء النَّهَار مَعَ أَن دَعْوَاهُ أَعم من دَعْوَى ابْن الصّلاح

стр. 115

نعم وَإِن كَانَ الْمخبر بِالصِّحَّةِ مثل أبي عبد الله الْحَاكِم فقد تكلم النَّاس فِيمَا أخبر بِهِ من الصِّحَّة وَاخْتلفُوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا وَلَهُم فِي الْأَحَادِيث الَّتِي صححها فِي مُسْتَدْركه ثَلَاثَة أَقْوَال إفراط وتفريط وتوسط فأفرط أَبُو سعد الْمَالِينِي وَقَالَ لَيْسَ فِيهِ حَدِيث على شَرط الصَّحِيح وفرط الْحَافِظ السُّيُوطِيّ فَجعله مثل الصَّحِيح وضمه إِلَيْهِمَا فِي كتاب الْجَامِع الْكَبِير وَجعل الْعزو إِلَيْهِ معلما بِالصِّحَّةِ كالعزو إِلَى الصَّحِيحَيْنِ وَتوسع الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ فَقَالَ فِيهِ نَحْو الثُّلُث صَحِيح وَنَحْو الرّبع حسن وَبَقِيَّة مَا فِيهِ مَنَاكِير وعجائب وَإِذا عرفت هَذَا عرفت أَن الْأَحْوَط الْوَقْف فِي قبُول خبر الْحَاكِم بِالصِّحَّةِ لِأَنَّهُ صَار كِتَابَة غير غالبة عَلَيْهِ الصِّحَّة بل الصَّحِيح فِيهِ مغلوب

стр. 116

وَإِن كَانَ الْمخبر بِالصِّحَّةِ مثل أبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ فقد أثنى عَلَيْهِ الْأَئِمَّة وَقَالُوا فِي كِتَابه ربع مَقْطُوع بِهِ وَربع على شَرط أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَفِيه غَيرهمَا قد بَين علته فِي كِتَابه وَهَذَا ذَكرْنَاهُ لَك معيارا ومقياسا وتمثيلا لأحوال رُوَاة الصِّحَّة وَأَنَّهُمْ كرواة الْمُتُون فِيهِ الْحجَّة الإِمَام وَفِيهِمْ من فِيهِ لين ومسارعة إِلَى الْإِخْبَار بالضعف والوضع كَابْن الْجَوْزِيّ فَإِنَّهُ يُسَارع إِلَى الحكم بِالْوَضْعِ فِي أَحَادِيث عالية الرُّتْبَة عَن صفة الْوَضع وانتقده الْأَئِمَّة فَابْن الْجَوْزِيّ وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي طرفِي نقيض هَذَا يُسَارع إِلَى الْإِخْبَار بِالصِّحَّةِ وَهَذَا يُسَارع إِلَى الْإِخْبَار بِالْوَضْعِ

стр. 117

فَمن هُنَا يتَعَيَّن على النَّاظر ذِي الهمة الدِّينِيَّة الْبَحْث عَن أَحْوَال الْأَئِمَّة كالبحث عَن أَحْوَال رُوَاة الْمُتُون ويطيل مُرَاجعَة التَّارِيخ فَإِنَّهُ بذلك يطلع على حقائق أَحْوَال أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن وَيرى مَا يُوجب التَّوَقُّف تَارَة والمضي أُخْرَى وَالرَّدّ حينا مَا

стр. 118

فصل فِي معرفَة الْحق من أَقْوَال أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل قد يصعب على من يُرِيد دَرك الْحَقَائِق وتجنب المهاوي والمزالق معرفَة الْحق من أَقْوَال أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل بعد اتِّبَاع هَذِه الْمذَاهب الَّتِي طَال فِيهَا القال والقيل وَفرقت كلمة الْمُسلمين وأنشأت بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء إِلَى يَوْم الدّين وقدح بَعضهم فِي بعض وانْتهى الْأَمر إِلَى الطامة الْكُبْرَى من التفسيق والتكفير وشب على ذَلِك من أهل الْمذَاهب الصَّغِير وشاب عَلَيْهِ الْكَبِير كل هَذَا من آثَار هَذِه الاعتقادات المبتدعة فِي الْإِسْلَام والمجانبة لما جَاءَ بِهِ سيد الْأَنَام عَلَيْهِ وعَلى آله أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فترى إِمَامًا من الْعلمَاء العاملين يقْدَح فِي راو من حفاظ عُلُوم الدّين بِأَنَّهُ كَانَ يَقُول بِخلق الْقُرْآن وتجد إِمَامًا آخر يقْدَح فِي راو آخر بِأَنَّهُ كَانَ يَقُول بقدم الْقُرْآن وَكَذَلِكَ يقدحون بِأُمُور لَيست عُمْدَة فِي الدّين وَلَا يخرج المتصف بهَا عَن زمرة الْمُتَّقِينَ ويقدحون بالْقَوْل بِالْقدرِ والإرجاء وَالنّصب والتشيع ثمَّ تراهم يصححون أَحَادِيث جمَاعَة من الروَاة قد رموهم بِتِلْكَ القوادح أَلا ترى أَن البُخَارِيّ أخرج لجَماعَة رموهم بِالْقدرِ كهشام بن

стр. 119

أبي عبد الله الدستوَائي أخرج لَهُ البُخَارِيّ وَقد قَالَ فِيهِ مُحَمَّد بن سعد كَانَ حجَّة إِلَّا أَنه كَانَ يرى الْقدر وَأخرج مَالك لجَماعَة يرَوْنَ الْقدر كَمَا قَالَه ابْن البرقي أَنه سُئِلَ مَالك كَيفَ رويت عَن دَاوُد بن الْحصين وثور بن زيد

стр. 120

وَذكر لَهُ جمَاعَة كَيفَ رويت لَهُم وَلَقَد كَانُوا يرَوْنَ الْقدر قَالَ كَانُوا لِأَن يخروا من السَّمَاء على الأَرْض أسهل من أَن يكذبوا وَكم فِي الصَّحِيحَيْنِ من جمَاعَة صححوا أَحَادِيثهم وهم قدرية وخوارج ومرجئة إِذا عرفت هَذَا فَهُوَ من صَنِيع أَئِمَّة الدّين قد يعده الْوَاقِف عَلَيْهِ تناقضا وَيَرَاهُ لما قَرَّرَهُ مُعَارضا ويفت عِنْده من عضد أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن ويظن التَّصْحِيح صادرا عَن مجازفة من غير إتقان وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَإِنَّهُ إِذا حقق صَنِيع الْقَوْم وتتبع طرائقهم وقواعدهم نفى عَنْهُم اللوم وَعلم أَنهم أجل من ذَلِك قدرا وأدق نظرا وأنصح لأهل الدّين من جمَاعَة الثغور الْمُجَاهدين وَأَنَّهُمْ لَا يعتمدون بعد إِيمَان الرَّاوِي إِلَّا على صدق لهجته وَضبط رِوَايَته وَقد أَقَمْنَا برهَان هَذِه الدَّعْوَى فِي رِسَالَة ثَمَرَات النّظر فِي علم الْأَثر برهانا لَا يَدْفَعهُ إِلَّا من لَيْسَ من الأذكياء ذَوي النباهة والخطر

стр. 121

فصل فِي أَن القوادح المذهبية لَا يتلفت إِلَيْهَا إِذا عرفت هَذَا فَاعْلَم أَن هَذِه القوادح المذهبية والابتداعات الاعتقادية يَنْبَغِي للنَّاظِر أَن لَا يلْتَفت إِلَيْهَا وَلَا يعرج فِي الْقدح عَلَيْهَا فَإِن القَوْل بقدم الْقُرْآن مثلا بِدعَة كَمَا أَن القَوْل بخلقه بِدعَة وَقد اخْتَار الْحَافِظ ابْن حجر ﵀ لنَفسِهِ وَحَكَاهُ عَن الجماهير غَيره أَن الابتداع بمفسق لَا يقْدَح بِهِ فِي الرَّاوِي إِلَّا أَن يكون دَاعِيَة

стр. 122

وَهَذِه مَسْأَلَة قبُول فساق التَّأْوِيل وكفار التَّأْوِيل وَقد نقل فِي العواصم إِجْمَاع الصَّحَابَة على قبُول فساق التَّأْوِيل من عشر طرق وَمثله فِي كفار التَّأْوِيل من أَربع طرق وَإِذا عرفت وَرَأَيْت أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل يَقُولُونَ فلَان ثِقَة حجَّة إِلَّا أَنه قدري أَو يرى الإرجاء أَو يَقُول بِخلق الْقُرْآن أَو نَحْو ذَلِك أخذت بقَوْلهمْ ثِقَة وعملت بِهِ وأطرحت قَوْلهم قدري وَلَا يقْدَح بِهِ فِي الرِّوَايَة غَايَة ذَلِك أَنه مُبْتَدع وَلَا يضر الثِّقَة بدعته من قبُول رِوَايَته لما عرفت من كَلَام ابْن حجر وَمن كَلَام مَالك

стр. 123

فَإِن قَوْلهم ثِقَة قد أَفَادَ الْإِخْبَار بِأَنَّهُ صَدُوق وَقَوْلهمْ يَقُول بِخلق الْقُرْآن مثلا إِخْبَار بِأَنَّهُ مُبْتَدع وَلَا تضرنا بدعته فِي قبُول خَبره وَمن هُنَا يَتَّضِح لَك اختلال رسم الْعَدَالَة الَّذِي اتّفق عَلَيْهِ الأصوليون والفروعيون وأئمة الحَدِيث بِأَنَّهَا ملكة تحمل على مُلَازمَة التَّقْوَى والمروءة وفسروا التَّقْوَى باجتناب الْأَعْمَال السَّيئَة من شرك أَو فسق أَو بِدعَة وَقد أوضحنا اختلاله فِي ثَمَرَات النّظر وَفِي الْمسَائِل المهمة وَفِي منحة الْغفار بِمَا يعرف بِهِ أَنه رسم دارس وَقَول لَا يعول عَلَيْهِ من هُوَ لدقائق الْعُلُوم ممارس وَإِن أطبق عَلَيْهِ الأكابر فكم ترك الأول وَالْآخر وَقد ناقضوه مناقضة ظَاهِرَة بِقبُول فساق التَّأْوِيل وكفاره والخوارج وَغَيرهم من أهل الْبدع المتكاثرة عُلُوم الِاجْتِهَاد فِي هَذِه الْأَعْصَار أقرب تناولا مِنْهَا فِيمَا سلف وَبعد هَذَا فقد تقرر لَك بِمَا سقناه واتضح لَك بِمَا حققناه أَن للنَّاظِر فِي هَذِه الْأَعْصَار أَن يصحح ويضعف وَيحسن كَمَا فعله من قبله من الْأَئِمَّة الْكِبَار فَإِن

стр. 124

عَطاء رَبك لم يكن مَحْظُورًا وإفضاله الْمَمْدُود لَيْسَ على السَّابِق محصورا وَأَن عُلُوم الِاجْتِهَاد فِي هَذِه الْأَعْصَار أقرب تناولا مِنْهَا فِيمَا سلف من أزمنة الْأَئِمَّة النظار إِلَّا أَنه لايخفى أَن الِاجْتِهَاد موهبة من الله يَهبهُ لمن يَشَاء من الْعباد فَمَا كل من أحرز الْفُنُون أجْرى من قواعدها الْعُيُون وَلَا كل من عرف الْقَوَاعِد استحضرها عِنْد وُرُود الْحَادِثَة الَّتِي يفْتَقر إِلَى تطبيقها على الْأَدِلَّة والشواهد ... وَمَا كل من قاد الْجِيَاد يسوسها ... وَلَا كل من أجْرى يُقَال لَهُ مجْرى ... لَكِن على العَبْد طلب المعارف والتماسه من كل عَارِف وسهر الجفون فِي إِحْرَاز دقائق الْفُنُون وإخلاص النِّيَّة وَطلب الْفَتْح من بارىء الْبَريَّة فالخير كُله بِيَدِهِ وَلَا يلْتَمس إِلَّا من عِنْده وَكم قد رَأينَا وَسَمعنَا من زكى عَارِف إِمَام يضيق عطن بَحثه عِنْد وُرُود حَادِثَة من الْأَحْكَام فَيتبع أَقْوَال الرِّجَال تقليدا وَيعود عِنْدهَا مُقَلدًا مبلدا كَأَنَّهُ مَا غرف من بحار الْفُنُون وَلَا عرف شَيْئا من تِلْكَ الشئون نسْأَل الله أَن يعلمنَا مَا جهلناه ويذكرنا مَا نسيناه ويرزقنا الْعَمَل بِمَا علمنَا ويلهمنا إِلَى الْعلم بِمَا جهلنا أَنه ولي كل خير وَإِلَيْهِ تَعَالَى بِالْعلمِ وَالْعَمَل الْقَصْد وَالسير وَهُوَ الْمَقْصُود فِي النِّهَايَة والابتداء وَأَن إِلَى رَبك الْمُنْتَهى وَمِنْه نستمد الْهِدَايَة والتوفيق فِي كل بداية وَنِهَايَة وَقد طَال الْمقَال وَخرج عَن مُطَابقَة مُقْتَضى السُّؤَال وَإِن لم نخرج عَن مُطَابقَة مُقْتَضى الْحَال فالمقام جدير بالإطالة والإسهاب حقيق بِالزِّيَادَةِ على هَذَا الإطناب إِذْ الْكَلَام فِي قَوَاعِد دينية ومباحث حَدِيثِيَّةٌ وخوض فِيمَا هُوَ من

стр. 125

أساس الدّين وَعَلِيهِ دوران فلك الِاجْتِهَاد الْمُجْتَهدين وكما قَالَ ... وَقد أَطَالَ ثنائي طول لِابْنِهِ ... إِن الْبناء على التنبال تنبال ...

стр. 126

بَيَان أَن الْفضل للْمُتَقَدِّمين وَمن خالفهم فِي الْمسَائِل لم يدع الترفع عَلَيْهِم إِذا عرفت مَا قَرَّرْنَاهُ فالعلم أَن الَّذِي سهل الِاجْتِهَاد وألان مِنْهُ الصعاب والشداد هُوَ مَا قدمنَا لَك من سعي أَئِمَّة الدّين فِي جَمِيع عُلُوم الْأَوَّلين وَجَمعهَا بعد الشتات فِي نفائس المصنفات فلنكثر لَهُم الدُّعَاء ولنحسن عَلَيْهِم الثَّنَاء وَلَا نَكُنْ من كفار النعم وَأَشْبَاه النعم وَإِنَّمَا يعرف الْفضل لأولي الْفضل من هُوَ مِنْهُم وَإِلَيْهِ أَشَارَ من قَالَ إِذا أفادك إِنْسَان بفائدة من الْعُلُوم فَأكْثر شكره أبدا ... وَقل فلَان جزاه الله صَالِحَة أفادنيها وخل اللؤم والحسدا وَبِهَذَا يبطل تشيع الْجُهَّال بِأَن من خَالف الْأَوَائِل فِي بعض الْمسَائِل قد ادّعى الترفع عَلَيْهِم وَقَالَ إِنَّه أعلم مِنْهُم وَهَذَا خيال بَاطِل وَسُوء ظن حَاصِل وَإِلَّا لزم أَن التَّابِعين قد ادعوا الْفضل على السَّابِقين الْأَوَّلين من الْأَنْصَار والمهاجرين وَأَن الْأَئِمَّة الْمُتَأَخِّرين قد ادعوا أَن لَهُم الْفضل على الْمُتَقَدِّمين وهيهات مَا زَالَ الْفضل للمتقدم مَعْرُوفا وَمَا برح السَّابِق بالتفضيل مَوْصُوفا وَلَو قبل مبكاها بَكَيْت صبَابَة بسعدي شفيت النَّفس بعد التندم

стр. 127

.. وَلَكِن بَكت قبلي فيهج لي البكا ... بكاها فَقلت الْفضل للمتقدم ... شَرَائِط الِاجْتِهَاد وَكَيْفِيَّة تَحْصِيله لأهل الذكاء من الْعباد ثمَّ اعْلَم أَن هُنَا زِيَادَة إِفَادَة لطَالب الرشاد ألحقناها بإرشاد النقاد وَهُوَ أَنه قد ظهر لَك بِمَا قَررنَا سهولة الِاجْتِهَاد وتيسره لأهل الهمة والأمجاد فلنذكر شَرَائِطه وَكَيْفِيَّة تَحْصِيله لأهل الذكاء من الْعباد فَنَقُول قَالَ الإِمَام الْكَبِير مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْوَزير صَاحب كتاب العواصم والقواصم فِي الذب عَن سنة أبي الْقَاسِم فِي كِتَابه الْقَوَاعِد مَا لَفظه اعْلَم أَنه قد كثر استعظام النَّاس فِي هَذَا الزَّمَان الِاجْتِهَاد واستبعادهم لَهُ حَتَّى صَار كالمستحيل فِيمَا بَينهم وَمَا كَانَ السّلف يشددون هَذَا التَّشْدِيد الْعَظِيم وَلَيْسَ هُوَ بالهين وَلكنه قريب مَعَ الِاجْتِهَاد أَي فِي تَحْصِيله وَصِحَّة الذَّوْق والسلامة من آفَة البلادة ثمَّ ذكر خَمْسَة شُرُوط بعد أَن أبطل شَرْطِيَّة مَعْرفَته علم الْكَلَام وَأَنه علم مُبْتَدع لم يعْهَد فِي عصر النُّبُوَّة وَلَا عهد الصَّحَابَة ثمَّ عد خَمْسَة وَلم يرتبها كَمَا نسوقه الأول معرفَة علم الْعَرَبيَّة قَالَ وَيَكْفِي فِيهِ قِرَاءَة كتاب مثل مُقَدّمَة الشَّيْخ ابْن الْحَاجِب قِرَاءَة فهم وإتقان وَهَذَا على الِاحْتِيَاط لَا على الْإِيجَاب وَذَلِكَ لِأَن فِي الْعَرَبيَّة مَا لَا بُد من مَعْرفَته وفيهَا مَا لَا يحْتَاج إِلَى

стр. 128

مَعْرفَته مِثَال مَا لَا يحْتَاج إِلَى مَعْرفَته كَلَامهم فِي عَالم الْمُسْتَثْنى مَا هُوَ وَلم ارْتَفع الْفَاعِل وانتصب الْمَفْعُول وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لم يعرفهُ الْعَرَب بل قد نقل عَن أبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ لَيْسَ الشَّرْط بعد معرفَة الْكتاب وَالسّنة إِلَّا أصُول الْفِقْه وَإِن أهل أصُول الْفِقْه قد نقلوا عَن الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمُجْتَهد انْتهى كَلَام أبي الْحُسَيْن الشَّرْط الثَّانِي معرفَة أصُول الْفِقْه وَهُوَ رَأسهَا وعمودها بل أَصْلهَا وأساسها بل سَمِعت عَن أبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ صَاحب كتاب الْمُعْتَمد فِي أصُول الْفِقْه أَنه لَا يشْتَرط سواهُ بعد معرفَة الْكتاب وَالسّنة الشَّرْط الثَّالِث معرفَة علم الْمعَانِي وَالْبَيَان وَقد اخْتلف فِيهِ هَل هُوَ شَرط أم لَا قَالَ السَّيِّد مُحَمَّد وَالْحق أَن فِيهِ مَا هُوَ شَرط فِي بعض الْمسَائِل كالعربية وَفِيه مَا لَيْسَ بِشَرْط الْبَتَّةَ وَقد نقل أهل الْأُصُول أَكثر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَقد تخْتَلف عبارتهم وَالْمعْنَى وَاحِد الشَّرْط الرَّابِع معرفَة الْآيَات القرآنية الشَّرْعِيَّة وَقد قيل إِنَّهَا

стр. 129

خمس مائَة آيَة مَا صَحَّ ذَلِك وَإِنَّمَا هِيَ مِائَتَا آيَة أَو قريب من ذَلِك وَلَا أعرف أحدا من الْعلمَاء أوجب حفظهَا غيبا بل شرطُوا أَن يعرف موَاضعهَا حَتَّى يتَمَكَّن عِنْد الْحَاجة من الرُّجُوع إِلَيْهَا فَمن نقلهَا إِلَى كراسته وأفردها كَفاهُ ذَلِك الشَّرْط الْخَامِس معرفَة جملَة من الْأَخْبَار النَّبَوِيَّة ويكفى فِيهَا معرفَة كتاب جَامع مثل التِّرْمِذِيّ وَسنَن أبي دَاوُد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وفيهَا مَا لَا يجب مَعْرفَته على مُجْتَهد لِأَنَّهَا جَامِعَة لأخبار النَّبِي ﷺ ومغازيه وبعوثه وَلما ورد من تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم من كَلَامه وَلذكر الرَّقَائِق وَالْجنَّة وَالنَّار وأحوال الْقِيَامَة والفتن والآداب والفضائل وقصص الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمُجْتَهد وَالَّذِي يدل على أَن جملَة من الْأَخْبَار تكفيه وَلَا يجب الْإِحَاطَة بهَا أَن

стр. 130

الصَّحَابَة قد صَحَّ اجتهادهم فِي أحكامهم وَلم يحيطوا بهَا علما وَكَذَلِكَ التابعون وأئمة الْإِسْلَام وَلم يعلم أَن أحدا أحَاط بهَا وَلذَا قَالَ الشَّافِعِي ﵁ علمَان لَا يُحِيط بهما أحد الحَدِيث واللغة وَهَذَا صَحِيح وَهُوَ قَول الجماهير وَالْخلاف فِيهِ شَاذ قَالَ وَالْأولَى من مُرِيد الِاجْتِهَاد أَن يعرف كتابا من كتب الْأَحْكَام الَّتِي اقْتصر أَهلهَا على ذكر أَحَادِيث التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم وجمعوا جَمِيع مَا فِي الْكتب الصِّحَاح من ذَلِك وبينوا الصَّحِيح من السقيم وعد كتبا من ذَلِك ثمَّ قَالَ وأنفعها كتاب تَلْخِيص الْمُخْتَصر لِلْحَافِظِ ابْن حجر فَلَا شكّ فِي كِفَايَته للمجتهد وَزِيَادَة الْكِفَايَة انْتهى كَلَامه رَحمَه الله

стр. 131

فصل فِي تَعْظِيم السّنَن والانقياد إِلَيْهَا وَترك الإعتراض عَلَيْهَا ويأتيك قَرِيبا من أَقْوَال الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم مَا يُنَادي على أَنهم لم يحيطوا بالأحاديث النَّبَوِيَّة وَأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَن قَوْلهم إِذا خَالف الحَدِيث رددنا قَوْلهم وعملنا بِالْحَدِيثِ قلت وَقد منع أَئِمَّة الدّين مُعَارضَة سنة سيد الْمُرْسلين بأقوال غَيره من الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين تَعْظِيم الصَّحَابَة للسنن أَوَّلهمْ حبر الْأمة وبحر علم الْكتاب وَالسّنة عبد الله بن عَبَّاس ﵁ فَإِنَّهُ روى الْأَعْمَش عَن فُضَيْل بن عَمْرو عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ تمتّع رَسُول الله ﷺ فَقَالَ عُرْوَة نهى أَبُو بكر وَعمر عَن الْمُتْعَة قَالَ ابْن عَبَّاس أَرَاهُم سيهلكون أَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ وَيَقُولُونَ قَالَ أَبُو بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا

стр. 132

وَقَالَ عبد الرزاق حَدثنَا معمر عَن أَيُّوب قَالَ عُرْوَة لِابْنِ عَبَّاس ﵄ أَلا تتق الله ترخص فِي الْمُتْعَة فَقَالَ ابْن عَبَّاس سل أمك يَا عُرْوَة فَقَالَ عُرْوَة أما أَبُو بكر وَعمر فَلم يفعلا قَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ مَا وَالله أَرَاكُم منتهين حَتَّى يعذبكم الله أحدثكُم عَن رَسُول الله ﷺ وتحدثونا عَن أبي بكر وَعمر وَفِي صَحِيح مُسلم عَن ابْن أبي مليكَة أَن عُرْوَة بن الزبير قَالَ لرجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ يَأْمر النَّاس بِالْعُمْرَةِ فِي هَؤُلَاءِ الْأَشْهر وَلَيْسَ فِيهَا عمْرَة فَقَالَ أَلا تسْأَل أمك عَن ذَلِك فَقَالَ عُرْوَة إِن أَبَا بكر وَعمر لم يفعلا ذَلِك قَالَ الرجل من هَهُنَا هلكتم مَا أرى الله إِلَّا يعذبكم أحدثكُم عَن رَسُول الله ﷺ وتخبروني بِأبي بكر وَعمر وَمُرَاد ابْن عَبَّاس أَن عُرْوَة بن الزبير يسْأَل أمه أَسمَاء بنت أبي بكر فَإِنَّهَا شهِدت حجَّة الْوَدَاع وَولدت فِي سفرها وَمحل الِاسْتِدْلَال قَول ابْن عَبَّاس لَا نقدم على سنة رَسُول الله ﷺ كَلَام أحد من النَّاس كَائِنا من كَانَ وناهيك بالشيخين ﵄ فَإِنَّهُ لَو جَازَ تقدم كَلَام أحد على سنته ﷺ لَكَانَ أَحَق النَّاس بذلك كَلَام صَاحِبيهِ ﵄ وَلَيْسَ كلامنا فِي الْمُتْعَة إِثْبَاتًا وَلَا نفيا فَالْكَلَام على ذَلِك فِي غير هَذَا الْموضع إِنَّمَا مرادنا مَا ذكرنَا

стр. 133

وَأخرج التِّرْمِذِيّ عَن ابْن عمر ﵄ أَنه سَأَلَهُ سَائل عَن مُتْعَة الْحَج فَقَالَ ابْن عمر هِيَ حَلَال فَقَالَ لَهُ الرجل إِن أَبَاك قد نهى عَنْهَا فَقَالَ أَرَأَيْت إِن كَانَ أبي نهى عَنْهَا وصنعها رَسُول الله ﷺ أأمر أبي أتبع أم أَمر رَسُول الله ﷺ فَقَالَ الرجل بل أَمر رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لقد صنعها رَسُول الله ﷺ وَفِي صَحِيح مُسلم إِن ابْن عمر لما حدث أَنه ﷺ أمرنَا بِالْإِذْنِ للنِّسَاء فِي الْخُرُوج إِلَى الْمَسَاجِد قَالَ بعض أَوْلَاده وَالله لَا نَأْذَن لَهُنَّ وَعلل كَلَامه بِمَا يخْشَى من النِّسَاء إِذا خرجن فأقسم ابْن عمر أَن لَا يكلمهُ وَلما روى أَبُو هُرَيْرَة حَدِيث أَنه لَا يدْخل أحدكُم يَده فِي الْإِنَاء إِذا اسْتَيْقَظَ حَتَّى يغسلهَا ثَلَاثًا قَالَ لَهُ قَائِل فَكيف تصنع بالمهراس فَقَالَ لَا تضربوا بِحَدِيث رَسُول الله ﷺ الْأَمْثَال وَأخرج التِّرْمِذِيّ أَنه قَالَ أَبُو السَّائِب كُنَّا عِنْد وَكِيع فَقَالَ رجل

стр. 134

قدري وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَن الْإِشْعَار مثلَة قَالَ فَرَأَيْت وكيعا غضب غَضبا شَدِيدا وَقَالَ أَقُول لَك قَالَ رَسُول الله ﷺ وَتقول قَالَ إِبْرَاهِيم مَا أحقك بِأَن تحبس ثمَّ لَا تخرج حَتَّى تنْزع عَن قَوْلك هَذَا وَلَو تتبعنا أَقْوَال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لطال الْمقَال واتسع نطاق الْأَقْوَال على أَنه مَعْلُوم من آرائهم أَنهم لَا يقدمُونَ على سنته ﷺ قَول أحد من الرِّجَال كَيفَ وَهَذَا عمر ﵁ لما أَرَادَ أَبُو بكر ﵁ قتال مانعي الزَّكَاة لم يساعده أَولا على ذَلِك وَاسْتدلَّ بقوله ﷺ أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله فاستدل عَلَيْهِ أَبُو بكر بقوله ﷺ إِلَّا بِحَقِّهَا يُرِيد وَالزَّكَاة من حَقّهَا فانشرح صدر عمر لما أَمر بِهِ أَبُو بكر من قتال مانعي الزَّكَاة

стр. 135

فَلم يقبل عمر قَول أبي بكر حَتَّى أَقَامَ الدَّلِيل على السّنة تَعْظِيم الْأَئِمَّة للسنن وَأما الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فَإِن كلا مِنْهُم مُصَرح بِأَنَّهُ لايقدم قَوْله على قَول رَسُول الله ﷺ أما أَبُو حنيفَة ﵀ فَإِنَّهُ قَالَ الشَّيْخ الْعَلامَة مُحَمَّد حَيَاة السندي نزيل طيبَة ﵀ فِي رسَالَته الْمُسَمَّاة تحفة الْأَنَام فِي الْعَمَل بِحَدِيث النَّبِي ﵊ مَا لَفظه فِي رَوْضَة الْعلمَاء فِي فضل الصَّحَابَة سُئِلَ أَبُو حنيفَة إِذا قلت قولا

стр. 136

وَكتاب الله يُخَالِفهُ قَالَ اتْرُكُوا قولي لكتاب الله فَقيل إِذا كَانَ خبر رَسُول الله ﷺ يخالطه قَالَ اتْرُكُوا قولي لخَبر رَسُول الله ﷺ فَقيل لَهُ إِذا كَانَ قَول الصَّحَابَة يُخَالِفهُ قَالَ اتْرُكُوا قولي لقَوْل الصَّحَابَة ﵃ وَقَالَ إِنَّه روى لَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَى عبد الله بن الْمُبَارك قَالَ سَمِعت أَبَا حنيفَة يَقُول إِذا جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ فعلى الرَّأْس وَالْعين وَإِذا جَاءَ عَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ نَخْتَار من قَوْلهم وَإِذا جَاءَ عَن التَّابِعين زاحمناهم انْتهى أما الشَّافِعِي ﵀ فَقَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد بن حَيَاة روى الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن عِنْد الْكَلَام على الْقِرَاءَة بِسَنَدِهِ قَالَ الشَّافِعِي إِذا قلت قولا وَكَانَ عَن النَّبِي ﷺ خِلَافه فَمَا يَصح من حَدِيث رَسُول الله ﷺ أولى فَلَا تقلدوني وَنقل إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي نهايته عَن الشَّافِعِي

стр. 137

إِذا صَحَّ خبر يُخَالف مذهبي فَاتَّبعُوهُ وَاعْلَمُوا أَنه مذهبي وَقَالَ مثل الَّذِي يطْلب الْعلم بِلَا حجَّة كَمثل حَاطِب ليل يحمل حزمة حطب وَفِيه أَفْعَى تلدغه وَهُوَ لَا يدْرِي ذكره الْبَيْهَقِيّ أَيْضا وَأما أَحْمد بن حَنْبَل ﵀ فَقَالَ أَبُو دَاوُد قلت لِأَحْمَد الْأَوْزَاعِيّ هُوَ أتبع أم مَالك كَأَنَّهُ يُرِيد أَكثر اتبَاعا من مَالك فَقَالَ لَا تقلد فِي دينك أحدا من هَؤُلَاءِ مَا جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه فَخذ بِهِ ثمَّ التَّابِعين بعد الرجل فِيهِ مُخَيّر وَقَالَ أَحْمد أَيْضا لَا تقلدني وَلَا تقلد مَالِكًا ولاالثوري وَلَا الْأَوْزَاعِيّ وَخذ من حَيْثُ أخذُوا وَقَالَ من قلَّة فقه الرجل أَن يُقَلّد دينه الرِّجَال وَقَالَ الشَّافِعِي أجمع النَّاس على أَن من استبانت لَهُ سنة رَسُول الله ﷺ لم يكن لَهُ أَن يَدعهَا لقَوْل أحدا

стр. 138

وَقَالَ إِذا صَحَّ الحَدِيث على خلاف قولي فاضربوا قولي بِالْحَائِطِ وَاعْمَلُوا بِحَدِيث الضَّابِط نقل هَذَا الشَّيْخ مُحَمَّد بن حَيَاة السندي فِي رسَالَته الَّتِي تقدم ذكرهَا وعندما صَحَّ لنا هَذَا عَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة جزاهم الله أفضل الْجَزَاء من الْأمة قُلْنَا فِي أَبْيَات علام جعلتم أَيهَا النَّاس ديننَا لأربعة لَا شكّ فِي فَضلهمْ عِنْدِي ... هم عُلَمَاء الدّين شرقا ومغربا وَنور عُيُون الْفضل وَالْحق والزهد ... وَلَكنهُمْ كالناس لَيْسَ كَلَامهم دَلِيلا ولاتقليدهم فِي غَد يجدي ... وَلَا زَعَمُوا حاشاهم أَن قَوْلهم دَلِيل فيستهدي بِهِ كل من يهدي ... بل صَرَّحُوا أَنا نقابل قَوْلهم إِذا خَالَفت الْمَنْصُوص بالقدح وَالرَّدّ وَهَذِه نصوصهم ﵃ كَمَا سَمِعت وأقوال أَئِمَّة الْعلم فِي هَذِه كَثِيرَة جدا على أَنه مَعْلُوم من صِفَات الْعَالم أَنه لَا يرتضي أَن يقدم على قَول رَسُول الله ﷺ بعد صِحَّته أَو حسنه قَول نَفسه وَلَا قَول غَيره وَإِلَّا لم يكن عَالما مُتبعا لرَسُول الله ﷺ قلت وَإِذا عرفت تَصْرِيح الْأَئِمَّة بِأَنَّهُ إِذا صَحَّ الحَدِيث بِخِلَاف مَا

стр. 139

قَالُوهُ فَإِنَّهُ لَا يقلدهم أحد فِي قَوْلهم الْمُخَالف للْحَدِيث عرفت بِأَن الآخر بقَوْلهمْ مَعَ مُخَالفَة الحَدِيث غير مقلد لَهُم لِأَن التَّقْلِيد حَقِيقَة هُوَ الْأَخْذ بقول الْغَيْر من غير حجَّة وَهَذَا القَوْل الَّذِي خَالف الحَدِيث لَيْسَ قولا لَهُم لأَنهم صَرَّحُوا بِأَنَّهُم لَا يتبعُون فِيمَا خَالف الحَدِيث وَأَن قَوْلهم هُوَ الحَدِيث وَلَقَد كثرت جنايات المقلدين على أئمتهم فِي تعصبهم لَهُ فَمن تبين لَهُ شَيْء من ذَلِك أَي من الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة فَلَا يعْذر فِي التَّقْلِيد فَإِن أَبَا حنيفَة وَأَبا يُوسُف قَالَا لَا يحل لأحد أَن يَأْخُذ بقولنَا مَا لم يعلم من أَيْن أخذناه وَإِن كَانَ الرجل مُتبعا لَاحَدَّ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَرَأى فِي بعض الْمسَائِل أَن قَول غَيره أقوى مِنْهُ فَاتبعهُ كَانَ قد أحسن فِي ذَلِك وَلَا يقْدَح ذَلِك فِي عَدَالَته وَلَا دينه بِلَا نزاع بل هَذَا أولى بِالْحَقِّ وَأحب إِلَى الله وَرَسُوله ﷺ فَمن تعصب لوَاحِد معِين غير الرَّسُول ﷺ وَيرى أَن قَوْله هُوَ الصَّوَاب الَّذِي يجب اتِّبَاعه دون الْأَئِمَّة الآخرين فَهُوَ ضال جَاهِل بل قد يكون كَافِرًا يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل فَإِنَّهُ مَتى اعْتقد أَنه يجب على النَّاس اتِّبَاع وَاحِد معِين من هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة ﵃ دون الآخرين فقد جعله بِمَنْزِلَة رَسُول الله ﷺ وَذَلِكَ كفر انْتهى نَقله الشَّيْخ مُحَمَّد حَيَاة رَحمَه الله

стр. 140

قلت وَقَوله من هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة بَيَان للْوَاقِع إِذْ هم فِي نظره المتبعون وَإِلَّا قَالَ بِالْإِطْلَاقِ من غير تَقْيِيد بالأربعة ثمَّ من هُنَا يعرف بطلَان قَوْلهم وَبعد الإلتزام يحرم الإنتقال إِلَّا إِلَى تَرْجِيح نَفسه فَإنَّا نقُول بل يحرم الإلتزام إِذْ مَعْنَاهُ تَقْلِيد معِين من الْعلمَاء وَعدم الرُّجُوع إِلَى تَقْلِيد غَيره فَإنَّا نقُول هَذَا الإلتزام للمعين هَل كَانَ إِيثَار الْتِزَام الْمُقَلّد لمَذْهَب من بَين مَذَاهِب الْعلمَاء عَن نظر واجتهاد قضى لَهُ أرجحية مذْهبه إِلَى غَيره التزاما أَو كَانَ عَن غير نظر بل تقليدا فِي تعْيين الْتِزَام مذْهبه إِن كَانَ الأول فَدلَّ على أَنه مُجْتَهد عَارِف بِالنّظرِ فِي الْأَدِلَّة راجحها ومرجوحها وَهَذَا لَا يحل لَهُ التَّقْلِيد فضلا عَن الإلتزام وَإِن كَانَ الثَّانِي وَإِن تبعه سَهوا وَخطأ فَلَا اعْتِبَار بالتزامه فَإِن شَهْوَته لَيْسَ بِدَلِيل وَمَا أحسن قَول ابْن الْجَوْزِيّ فِي تلبيس إِبْلِيس اعْلَم أَن الْمُقَلّد على غير ثِقَة فِيمَا قلد فِيهِ وَفِي التَّقْلِيد إبِْطَال مَنْفَعَة الْعقل لِأَنَّهُ إِنَّمَا خلق للتأمل والتدبر وقبيح بِمن أعْطى شمعة يستضيء بهَا أَن يطفئها وَيَمْشي فِي الظلمَة انْتهى الْأَدِلَّة معيار الْحق من الْبَاطِل فَإِن قلت الْقَائِلُونَ بِجَوَاز التَّقْلِيد طَائِفَة من الْعلمَاء وَلَهُم أَدِلَّة على جَوَازه قلت الْقَائِلُونَ بِتَحْرِيمِهِ طَائِفَة أَيْضا من الْأمة وَلَهُم أَدِلَّة على ذَلِك وَلَا يهولنك الْقَائِلُونَ وكثرتهم من الْفَرِيقَيْنِ بل ارْجع إِلَى الْأَدِلَّة فَهِيَ معيار الْحق من الْبَاطِل وَبهَا تبين الْحَال جيده من العاطل

стр. 141

فصل فِي التَّوَقُّف فِي تَصْدِيق الْمخبر حَتَّى تقوم الْبَيِّنَة وأقدم لَك مُقَدّمَة نافعة قبل سرد الْأَدِلَّة من الْجَانِبَيْنِ وَهُوَ أَن لَا شكّ أَن لنا أصلا مُتَّفقا عَلَيْهِ وَهُوَ أَنه لَا يثبت حكم من الْأَحْكَام إِلَّا بِدَلِيل يُثمر علما أَو أَمارَة تثمر ظنا وَهَذَا أَمر مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْعلمَاء قاطبة بل بَين كَافَّة الْعُقَلَاء من أهل الْإِيمَان وَمن أهل سَائِر الْملَل والأديان وَإِن هَذَا عَام لأحكام الدُّنْيَا وَالدّين شَامِل للموحدين والملحدين فَإِنَّهُ مغروز فِي الْعُقُول أَنه لَا يقدم أحد على فعل من الْأَفْعَال أَو ترك من التروك إِلَّا بعد اعْتِقَاده عَن علم أَو ظن أَن هَذَا الْفِعْل ترك أَو فعل لما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَائِدَة دينية أَو دنيوية من جلب نفع أَو دفع ضَرَر وَهَذَا الإعتقاد ملزوم بِعلم أَو ظن عَن دَلِيل وأمارة وَقَالَ ملا على الْقَارِي رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ وَإِن اشْتهر بَين الْحَنَفِيَّة أَن الْحَنَفِيّ إِذا انْتقل إِلَى مَذْهَب الشَّافِعِي يُعَزّر وَإِذا كَانَ بِالْعَكْسِ فَإِنَّهُ يخلع عَلَيْهِ فَهُوَ قَول مُبْتَدع ومخترع وَقَالَ ملا عَليّ الْقَارِي فِي رسَالَته فِي إِشَارَة المسبحة وَقد أغرب الكيداني حَيْثُ قَالَ الْعَاشِر من الْمُحرمَات الْإِشَارَة بالسبابة كَأَهل الحَدِيث أَي مثل جمَاعَة يجمعهُمْ الْعلم بِحَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 142

فَهَذَا مِنْهُ خطأ عَظِيم وجرم جسين منشأه الْجَهْل بقواعد الْأُصُول ومراتب الْفُرُوع من الْمَنْقُول وَلَوْلَا حسن الظَّن بِهِ وَتَأْويل كَلَامه حِينَئِذٍ لَكَانَ كفره صَرِيحًا وارتداده صَحِيحا فَهَل لمُؤْمِن أَن يحرم مَا ثَبت فعله عَنهُ ﷺ مِمَّا كَاد نَقله أَن يكون متواترا وَيمْنَع جَوَاز مَا عَلَيْهِ عَامَّة الْعلمَاء كَابِرًا عَن كَابر مكابرا وَالْحَال أَن الإِمَام الْأَعْظَم والهمام الأقدم قَالَ لَا يحل لأحد أَن يَأْخُذ بقولنَا مَا لم يعلم مأخذه من الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة وَالْقِيَاس الْجَلِيّ فِي الْمَسْأَلَة فَإِذا عرفت هَذَا فَاعْلَم أَنه لَو لم يكن نَص الإِمَام على المرام لَكَانَ من الْمُتَعَيّن على أَتْبَاعه من الْعلمَاء الْكِرَام أَن يعملوا بِمَا صَحَّ عَنهُ عَلَيْهِ وعَلى آله الصَّلَاة وَالسَّلَام وَكَذَا لَو صَحَّ عَن الإِمَام فرضا نفي الْإِشَارَة وَصَحَّ إِثْبَاتهَا عَن صَاحب الْبشَارَة فَلَا شكّ فِي تَرْجِيح الْمُثبت الْمسند إِلَيْهِ ﷺ كَيفَ وَقد وجد نَقله الصَّرِيح بِمَا ثَبت بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيح فَمن أنصف وَلم يتعسف عرف أَن هَذَا سَبِيل أهل التدين من السّلف وَالْخلف وَمن عدل عَن ذَلِك فَهُوَ هَالك يُوصف بِالْجَهْلِ المعاند المكابر وَلَو كَانَ عِنْد النَّاس من الأكابر انْتهى فَكل عَاقل لَا يقدم على فعل أَو يحجم عَنهُ إِلَّا لاعْتِقَاده نفعا أَو دفعا والاعتقاد لَا يكون إِلَّا عَن علم أَو ظن وَالْعلم لَا يكون إِلَّا عَن دَلِيل وَالظَّن لَا يكون إِلَّا عَن أَمارَة ثمَّ إِن الْعُقُول مجبولة على أَن لَا تقبل قولا من الْأَقْوَال إِلَّا لظن صدقه أَو الْعلم بِهِ وَلَا ترده إِلَّا لظن كذبه أَو الْعلم بكذبه وظنهما صدق القَوْل أَو كذبه أَو

стр. 143

علمهما بهما يتوقفان على الدَّلِيل والأمارة وَإِذا تقرر هَذَا فالعقلاء قاطبة وَأهل الْملَل والنحل الْمُخْتَلفَة متفقون على أَنه لَا يجب تَصْدِيق أحد وَاتِّبَاع قَوْله حَتَّى يَأْتِي ببرهان على مَا قَالَه من دَعْوَاهُ أَو إخْبَاره عَن أَي أَمر أَلا ترى أَن مُوسَى ﵇ لما قَالَ لفرعون ﴿إِنِّي رَسُول من رب الْعَالمين﴾ إِلَى قَوْله ﴿قد جِئتُكُمْ بِبَيِّنَة﴾ إِلَى قَوْله قَالَ فِرْعَوْن ﴿فأت بهَا إِن كنت من الصَّادِقين﴾ الْأَعْرَاف ١٠٤ ١٠٦ وَفِي سِيَاق قصصه فِي الْقُرْآن كلهَا نَحْو هَذَا وَقَالَ صَالح ﴿قد جاءتكم بَيِّنَة من ربكُم هَذِه نَاقَة الله لكم آيَة﴾ الْأَعْرَاف ٧٣ بعد قَوْلهم ﴿فأت بِآيَة إِن كنت من الصَّادِقين﴾ الشُّعَرَاء ١٥٤ وَسَائِر قصَص الْأَنْبِيَاء كَذَلِك وَأما قوم هود ﴿مَا جئتنا بِبَيِّنَة وَمَا نَحن بتاركي آلِهَتنَا عَن قَوْلك﴾ هود ٥٣ فَمن تعنتهم فِي كفرهم وجعلهم الْبَيِّنَة غير الْبَيِّنَة بَيَان أَن على الْمُدَّعِي إِقَامَة الْبَيِّنَة وَإِذا عرفت هَذَا عرفت أَن كل عَاقل لَا يقبل قَول قَائِل مُدعيًا ومخبرا وَلَا

стр. 144

يصدقهُ حَتَّى يُقيم الْبَيِّنَة على مَا قَالَه فَإِن هَذَا فِرْعَوْن مَعَ غلوه فِي كفره وكبريائه طلب من مُوسَى الْبَيِّنَة على دَعْوَاهُ أَنه رَسُول من رب الْعَالمين وَلم يُقَابله بِالرَّدِّ لدعواه بصد وإعراض عَن مَا قَالَه وادعاه وَلم يقل لَهُ صدقت وَلَا كذبت بل طلب مِنْهُ الْبُرْهَان كقوم صَالح وكل أهل مِلَّة من الْملَل الكفرية تطالب رسولها بِالْبَيِّنَةِ على دَعْوَاهُ النُّبُوَّة بل مِنْهُم من يعرف دَعْوَاهُ بِأَن عِنْده الْبُرْهَان عَلَيْهَا قبل أَن يطالبوه بِهِ أَلا ترى أَن مُوسَى ﵇ قَالَ لفرعون فِي بعض محاورته ﴿حقيق على أَن لَا أَقُول على الله إِلَّا الْحق قد جِئتُكُمْ بِبَيِّنَة من ربكُم﴾ الْآيَة الْأَعْرَاف ١٠٥ وَإِذا أَقَامَ النَّبِي ﵇ الْبَيِّنَة على دَعْوَى النُّبُوَّة فَمن قومه من يصدقهُ وينقاد لَهُ كَمَا كَانَ من سحرة فِرْعَوْن فَإِنَّهُم لما شاهدوا تلقف عَصَاهُ لما أَتَوا بِهِ من سحر عَظِيم كَمَا وَصفه الله خروا سجدا ﴿قَالُوا آمنا بِرَبّ الْعَالمين رب مُوسَى وَهَارُون﴾ الْأَعْرَاف ١٢١ ١٢٢ وَتَمَادَى فِرْعَوْن وَمن تبعه على كفرهم وتكذيبهم بعد علمه وَعلم من بَقِي مَعَه على كفره بِصدق مُوسَى كَمَا قَالَ تَعَالَى فيهم ﴿وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ النَّمْل ١٤ فَأخْبر الصَّادِق فِي أخباره المطلع على إِضْمَار الْقلب وإسراره بِأَنَّهُم جَحَدُوا بآياته المبصرة وأنفسهم بهَا متيقنة وَقَالَ مُوسَى ﵇ لفرعون ﴿لقد علمت مَا أنزل هَؤُلَاءِ إِلَّا رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض بصائر﴾ الْإِسْرَاء ١٠٢ وَاعْلَم أَن سر هَذِه الْأَخْبَار مِنْهُ تَعَالَى بِأَنَّهُم جَحَدُوا بهَا عَن يَقِين أَن الله تَعَالَى كَمَا جبل الْعُقُول على أَن لَا تقبل دَعْوَى وَلَا تصدق خَبرا إِلَّا عَن بَيِّنَة تُقَام عَلَيْهَا

стр. 145

كَذَلِك جبلها على قبُولهَا وانقيادها وَإِذ عانها لقبُول القَوْل إِذا أُقِيمَت الْبَيِّنَة عَلَيْهِ والبرهان وتصديقها للدعوى وَالْخَبَر فِي أَي شَأْن كَمَا جعل الشِّبَع عِنْد الْأكل فَإِن لم يقبل بعد إِقَامَته فَلَيْسَ إِلَّا مُكَابَرَة وظلما وعلوا وعدوانا وَلَو بسطنا الِاسْتِدْلَال لطال الْمقَال إِلَّا أَن الْمَسْأَلَة مَعْلُومَة بِالضَّرُورَةِ عِنْد الْعُقَلَاء مبسوطة فِي دواوين الْإِسْلَام فَلَا حَاجَة إِلَى الإطالة وَيدل لذَلِك قَوْله ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ الْإِسْرَاء ١٥ وَقَوله ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ النِّسَاء ١٦٥ وَقَوله ﴿أَن تَقولُوا مَا جَاءَنَا من بشير وَلَا نَذِير فقد جَاءَكُم بشير ونذير﴾ الْمَائِدَة ١٩
следующие страницы →