← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6348

إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد

الصنعاني

Полный текст (177 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فصل فِي تَعْرِيف الحَدِيث الصَّحِيح رسم الْحَافِظ ابْن حجر ﵀ فِي كِتَابه نخبة الْفِكر الحَدِيث الصَّحِيح بِأَنَّهُ مَا نَقله عدل تَامّ الضَّبْط مُتَّصِل السَّنَد غير مُعَلل وَلَا شَاذ وَقَالَ وَهُوَ الصَّحِيح لذاته وَقَرِيب مِنْهُ رسم ابْن الصّلاح وزين الدّين بِأَنَّهُ مَا اتَّصل إِسْنَاده بِنَقْل عدل ضَابِط عَن مثله من غير شذوذ وَلَا عِلّة قادحة

стр. 72

إِذا عرفت هَذَا فَهَذِهِ خَمْسَة قيود ثَلَاثَة وجودية وَاثْنَانِ عدميان وَكلهَا إِخْبَار كَأَنَّهُ قَالَ الثِّقَة حِين قَالَ حَدِيث صَحِيح هَذَا الحَدِيث رُوَاته عدُول مأمونوا الضَّبْط مُتَّصِل إسنادهم لم يُخَالف فِيهِ الثِّقَة مَا رَوَاهُ النَّاس وَلَيْسَ فِيهِ أَسبَاب خُفْيَة طرأت عَلَيْهِ تقدح فِي صِحَّته وَحِينَئِذٍ قَول الثِّقَة صَحِيح يتَضَمَّن الْإِخْبَار بِهَذِهِ الْجمل الْخمس وَقد تقرر بالبرهان الصَّحِيح أَن الْوَاجِب أَو الرَّاجِح الْعَمَل بِخَبَر الْعدْل وَالْقَبُول لَهُ وتقرر أَن قبُوله لَيْسَ من التَّقْلِيد لقِيَام الدَّلِيل على قبُول خَبره فالتصحيح مثلا وَالرِّوَايَة للْخَبَر قد اتفقَا أَنَّهُمَا إِخْبَار إِمَّا بِالدّلَالَةِ المطابقية أَو التضمينية أَو الإلزامية أما قبُول خَبره الدَّال بالمطابقة فَلَا كَلَام فِيهِ كَقَوْلِه زيد قَائِم أما قبُول خَبره الدَّال بالتضمن أَو الإلتزام فَيدل على قبُوله أَنهم جعلُوا من طرق التَّعْدِيل حكم مشترط الْعَدَالَة بِالشَّهَادَةِ وَعمل الْعَالم الْمُشْتَرط لَهَا رِوَايَة من

стр. 73

لَا يروي إِلَّا عَن عدل فَإِنَّهُم صَرَّحُوا فِي الْأُصُول وعلوم الحَدِيث أَن هَذِه طرق التَّعْدِيل وَمَعْلُوم أَن دلَالَة هَذِه الصُّورَة على عَدَالَة الرَّاوِي وَالشَّاهِد التزامية فَقَوْل الثِّقَة حَدِيث صَحِيح يتَضَمَّن الْإِخْبَار بالقيود الْخَمْسَة وَالرِّوَايَة لَهَا وَلَا يُقَال إِن إخْبَاره بِأَنَّهُ صَحِيح إِخْبَار على ظَنّه بِحُصُول شَرَائِط الصِّحَّة عِنْد ظَنّه كَمَا يدل لَهُ أَنه صرح زين الدّين وَغَيره بِأَن قَول الْمُحدثين هَذَا حَدِيث صَحِيح فمرادهم فِيمَا ظهر لنا عملا بِظَاهِر الْإِسْنَاد لَا أَنه مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ فِي نفس الْأَمر لأَنا نقُول إِخْبَار الثِّقَة بِأَن زيدا عدل إِخْبَار عَن ظَنّه بِأَنَّهُ آتٍ بالواجبات مجتنب للمقبحات بِحَسب مَا رَآهُ من ذَلِك وَأخْبر مَعَ جَوَاز أَنه فِي نفس الْأَمر غير مُسلم لَكِن هَذِه التجويزات لَا يُخَاطب بهَا الْمُكَلف من شُرُوط الصَّحِيح السَّلامَة من الشذوذ وَالْعلَّة فَإِن قلت من شُرُوط الصَّحِيح السَّلامَة من الشذوذ وَالْعلَّة وَلَيْسَ مدرك هذَيْن الْأَمريْنِ الْإِخْبَار بل تتبع الطّرق والأسانيد والمتون كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ السَّائِل قلت أما أَولا فالشذوذ وَالْعلَّة نادران وَالْحكم للْغَالِب لَا للنادر أَلا

стр. 74

ترى أَن الرَّاجِح الْعَمَل بِالنَّصِّ وَإِن جوز أَنه مَنْسُوخ عملا بالأغلب وَهُوَ عدم النّسخ وبرهان ندورهما يعرف من تتبع كَلَام أَئِمَّة الحَدِيث على طرق الْأَحَادِيث من مثل الْبَدْر الْمُنِير وتلخيصه فَإِنَّهُم يَتَكَلَّمُونَ على مَا قيل فِي الحَدِيث فتجد الْقدح بالشذوذ والإعلال نَادرا جدا بل قَالَ السَّيِّد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم فِي التَّنْقِيح ظَاهر الحَدِيث المعل السَّلامَة من الْعلَّة حَتَّى تثبت بطرِيق مَقْبُولَة أما ثَانِيًا فَقَوْل الثِّقَة هَذَا صَحِيح أَي غير شَاذ وَلَا مُعَلل إِخْبَار بِأَنَّهُ لم يَقع فِي رُوَاته راو ثِقَة خَالف النَّاس فِيهِ وَلَا وجدت فِيهِ عِلّة تقدح فِي صِحَّته

стр. 75

وَهَذَا إِخْبَار عَن حَال الرواي بِصفة زَائِدَة على مُجَرّد عَدَالَته وَحفظه أَو حَال الْمَتْن بِأَن أَلْفَاظه مصونة عَن ذَلِك وَلَيْسَ هَذَا خَبرا عَن اجْتِهَاد بل عَن صِفَات الروَاة والمتون فَإِنَّهُ إِخْبَار بِأَنَّهُ تتبع أَحْوَال الروَاة حَتَّى علم من أَحْوَالهم صِفَات زَائِدَة على مُجَرّد الْعَدَالَة وَفِي التَّحْقِيق هَذَا عَائِدَة إِلَى تَمام الضَّبْط وتتبع مروياتهم حَتَّى أحَاط بألفاظها فَالْكل عَائِد إِلَى الْإِخْبَار عَن الْغَيْر لَا عَن الِاجْتِهَاد الْحَاصِل عَن دَلِيل ينقدح لَهُ مِنْهُ رَأْي تَصْحِيح الْأَئِمَّة وتضعيفهم للأحاديث اجْتِهَاد أم تَقْلِيد وَأَنت إِذا نظرت إِلَى الْأَئِمَّة النقاد من الْحفاظ كالحاكم أبي عبد الله وَأبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَنَحْوهم كالمنذري وتصحيحهم لأحاديث وتضعيفهم لأحاديث واحتجاجهم على الْأَمريْنِ مُسْتَندا إِلَى كَلَام من تقدمهم كيحيى بن معِين وَأحمد بن حَنْبَل وَأبي عبد الله البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهم من أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن وَأَنه ثَبت لَهُ عَنْهُم أَو عَن أحدهم أَنه قَالَ فلَان حجَّة أَو ثَبت أَو عدل أَو نَحْوهَا من عِبَارَات التَّعْدِيل وَأَنَّهُمْ قَالُوا فِي غَيره إِنَّه ضَعِيف أَو كَذَّاب أَو لَا شَيْء أَو نَحْوهَا ثمَّ فرعوا على هَذِه الرِّوَايَات صِحَة الحَدِيث أَو ضعفه بِاعْتِبَار مَا قَالَه من قبلهم فَإِنَّهُ تجنب ابْن إِسْحَاق من تجنبه من أهل الصِّحَاح بقول مَالك فِيهِ مَعَ أَن ابْن إِسْحَاق إِمَام أهل الْمَغَازِي

стр. 76

وقدحوا أَيْضا فِي الْحَارِث الْأَعْوَر بِكَلَام الشّعبِيّ فِيهِ وَلم يلْقوا ابْن إِسْحَاق وَلَا الْحَارِث بل قبلوا كَلَام من تقدم فيهم من الْأَئِمَّة وَإِذا حققت علمت أَن تَصْحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا مَبْنِيّ على ذَلِك وَكَذَلِكَ تضعيفهما فَإِنَّهُمَا لم يلقيا إِلَّا شيوخهما من الروَاة وَبينهمْ وَبَين الصَّحَابَة وسائط كَثِيرُونَ اعتمدوا فِي ثقتهم وَعدمهَا على الروَاة من الْأَئِمَّة قبلهم فَلم يعرفوا عدالتهم وضبطهم إِلَّا من أَخْبَار أُولَئِكَ الْأَئِمَّة فَإِذا كَانَ الْوَاقِع من مثل البُخَارِيّ فِي التَّصْحِيح تقليدا لِأَنَّهُ بناه على إِخْبَار غَيره عَن أَحْوَال من صحّح أَحَادِيثهم كَانَ كل قَابل لخَبر من تقدمه من الثِّقَات مُقَلدًا

стр. 77

وَإِن كَانَ الْوَاقِع من البُخَارِيّ من التَّصْحِيح اجْتِهَادًا مَعَ ابتنائه على خبر الثِّقَات فَلْيَكُن قَوْلنَا بِالصِّحَّةِ لخَبر البُخَارِيّ المتفرع عَن إِخْبَار الثِّقَات اجْتِهَادًا فَإِنَّهُ لَا فرق بَين الْإِخْبَار بِأَن هَؤُلَاءِ الروَاة ثِقَات حفاظ وَبَين الْإِخْبَار بِأَن الحَدِيث صَحِيح إِلَّا بالإجمال وَالتَّفْصِيل وَكَأَنَّهُم عدلوا عَن التَّفْصِيل إِلَى الْإِجْمَال اختصارا وتقريبا لأَنهم لَو أعقبوا كل حَدِيث بقَوْلهمْ رُوَاته عدُول حافظون رَوَاهُ مُتَّصِلا وَلَا شذوذ فِيهِ وَلَا عِلّة لطالت مَسَافَة الْكَلَام وضاق نطاق الْكتاب الَّذِي يؤلفونه عَن اسْتِيفَاء أَحَادِيث الْأَحْكَام فضلا عَمَّا سواهَا من الْأَخْبَار على أَن هَذَا التَّفْصِيل لَا يَخْلُو عَن الْإِجْمَال إِذْ لم يذكر فِيهِ كل راو على انْفِرَاده بصفاته بل فِي التَّحْقِيق أَن قَوْلهم عدل معدول بِهِ عَن آتٍ بالواجبات مجتنب للمقبحات محافظ على خِصَال الْمُرُوءَة متباعد عَن أَفعَال الخسة فعدلوا عَن هَذِه الإطالة إِلَى قَوْلهم عدل فَقَوْلهم عدل خبر انطوت تَحْتَهُ غُدَّة أَخْبَار كَمَا انطوت تَحت قَوْلهم صَحِيح وَإِذا عرفت هَذَا تبين لَك صِحَة قَول صَاحب الرَّوْض الباسم وَأَنه الصَّوَاب فِيمَا نَقله السَّائِل عَنهُ وَمثله قَوْله فِي التَّنْقِيح إِنَّه إِن نَص على صِحَة الحَدِيث أحد الْحفاظ المرضيين المأمونين فَيقبل ذَلِك مِنْهُ للْإِجْمَاع وَغَيره من الْأَدِلَّة الدَّالَّة على قبُول خبر الْآحَاد كَمَا ذَلِك مُبين فِي مَوْضِعه وَلَا يجوز ترك ذَلِك مَتى تعلق الحَدِيث بِحكم شَرْعِي

стр. 78

فصل فِي جَوَاز تَصْحِيح الحَدِيث وتضعيفه فِي هَذِه الْأَعْصَار إِذا عرفت مَا قَرَّرْنَاهُ فَاعْلَم أَنه لَا مَانع لمن وجد فِي هَذِه الْأَعْصَار حَدِيثا لم يسْبق عَلَيْهِ كَلَام إِمَام من الْأَئِمَّة بتصحيح وَلَا غَيره فتتبع كَلَام ائمة الرِّجَال فِي أَحْوَال رُوَاته حَتَّى حصل لَهُ من كَلَامهم ثِقَة رِوَايَته أَو عدمهَا فَجزم بِأَيِّهِمَا على الحَدِيث كَمَا جزم من قبله من أَئِمَّة التَّصْحِيح والتضعيف من مثل البُخَارِيّ وَغَيره ومستنده فِي ذَلِك مُسْتَند من قبله كَمَا أوضحناه غَايَة الْفرق أَنه كثر الوسائط فِي حَقه لتأخر عصره فَكَانُوا أَكثر من الوسائط فِي حق من تقدمه لقرب عصرهم وَهَذَا مُوجب لمَشَقَّة الْبَحْث عَلَيْهِ لِكَثْرَة الروَاة الَّذين يبْحَث عَن أَحْوَالهم وَلَكِن رُبمَا كَانَ ثوابهم أَكثر لزِيَادَة مشقة الْبَحْث

стр. 79

هَذَا إِن كَانَت طَرِيق الْمُتَأَخر هِيَ الرِّوَايَة وَأَرَادَ معرفَة أَحْوَال شُيُوخه وتحقيقها حَتَّى يبلغ إِلَى مؤلف الْكتاب الَّذِي قَرَأَهُ أما إِذا كَانَت طَريقَة الإيجازة أَو الوجادة فَإِنَّهُ لَا كَثْرَة للوسائط

стр. 80

أصلا بل هُوَ كالقدماء فِي ذَلِك وَحِينَئِذٍ فَيكون مُجْتَهدا فِيمَا حكم بِصِحَّتِهِ مثلا فَإِنَّهُ كَمَا أَنه لَا محيص عَن القَوْل بِأَن تَصْحِيح الْأَئِمَّة الْأَوَّلين اجْتِهَاد فَإِنَّهُ إِنَّمَا بِنوح على مَا بلغ إِلَيْهِم من أَحْوَال الروَاة ففرعوا عَلَيْهِ التَّصْحِيح وجعلوه عبارَة عَن ثِقَة الروَاة وضبطهم كَذَلِك لَا محيص عَن القَوْل بِأَن مَا صَححهُ من بعدهمْ إِلَى يَوْمنَا هَذَا أَو ضَعَّفُوهُ أَو حسنوه حكمه حكم مَا قَالَه الْأَولونَ من الْأَئِمَّة إِذْ الأَصْل فِي الْكل وَاحِد وَهُوَ قبُول إِخْبَار من سلف عَن أَحْوَال الروَاة وصفاتهم وَإِلَّا كَانَ القَوْل بِخِلَاف هَذَا تحكما لَا يَقُول بِهِ عَالم وَإِذا عرفت هَذَا عرفت ضعف مَا قَالَه ابْن الصّلاح بل بُطْلَانه من أَنه لَيْسَ لنا الْجَزْم بالتصحيح فِي هَذِه الْأَعْصَار وَقد خَالفه النَّوَوِيّ وَرجح زين الدّين كَلَام النَّوَوِيّ وَهُوَ الْحق

стр. 81

وَلَعَلَّ القَاضِي شرف الدّين أغتر بِكَلَام ابْن الصّلاح فِي هَذَا الطّرف وَأما قَول القَاضِي إِن القَوْل بتصحيح الْأَئِمَّة الماضيين وَالْعَمَل عَلَيْهِ تَقْلِيد لَهُم فَلَا أعلم فِيهِ سلفا بل الْحق مَا قَدرنَا لَك من قَول الإِمَام صَاحب العواصم رَحمَه الله

стр. 82

فصل فِي مناقشة القَوْل بإستحالة الإجتهاد أما قَول القَاضِي ﵀ إِنَّه أحَال جمَاعَة من الْمُتَأَخِّرين الإجتهاد الْمُطلق لتعسر التَّصْحِيح والأهلية لذَلِك فَكَلَام لَا يَلِيق صدوره عَن مثله فَإِنَّهُ علل الإحالة بالتعسر وَغير خَافَ على نَاظر أَنه لَو سلم التعسر لبَعض طرق لَا يصير محالا غَايَته أَنه يصير متعسرا لَا محالا

стр. 83

وَلَكِن قد أطبقت عَامَّة أهل الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فِي هَذِه الْأَعْصَار وَمَا قبلهَا على مَا قَالَه القَاضِي شرف الدّين وَاشْتَدَّ مِنْهُم النكير على مدعي الِاجْتِهَاد من عُلَمَائهمْ قائلين إِنَّه قد تعذر ذَلِك من بعد الْأَئِمَّة وضاق مجَال الِاجْتِهَاد وَلم يبْق فِيهِ لمن بعدهمْ سَعَة وأطالوا ذَلِك بِمَا لَا طائل تَحْتَهُ

стр. 84

فَإِنَّهُ غير خَافَ على من لَهُ نباهة أَن هَذَا مِنْهُم تهويل لَيْسَ عَلَيْهِ تعويل وَمُجَرَّد استبعاد لَا يهول قعاقع الأذكياء النقاد وَكَأن أُولَئِكَ المستبعدين لما رَأَوْا كَثْرَة اتِّبَاع الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين وعظمتم لما وهب الله لَهُم من الْعلم وَالدّين فِي صُدُور الْأَعْيَان من الْمُتَأَخِّرين ظنُّوا أَنهم غير مخلوقين من سلالة من طين وَلَو نظرُوا بِعَين الْإِنْصَاف وتتبعوا أَحْوَال الأسلاف والأخلاف لعلموا يَقِينا إِن فِي الْمُتَأَخِّرين عَن أُولَئِكَ الْأَئِمَّة من هُوَ أطول مِنْهُم فِي المعارف باعا وَأكْثر فِي عُلُوم الِاجْتِهَاد اتساعا قد قيضهم الله لحفظ عُلُوم الِاجْتِهَاد من كل ذِي همة صَادِقَة وَنِيَّة صَالِحَة من الْعباد قد قربوا للمتأخرين مِنْهَا كل بعيد ومهدوها لَهُم كل تمهيد

стр. 85

فَمنهمْ من قيضه الله لتتبع علم اللُّغَة من أَفْوَاه الرِّجَال وَمن أَلْسِنَة النِّسَاء وَالصبيان فِي بطُون الأودية ورؤوس الْجبَال فَرَحل إِلَى بواديهم وَنزل مَعَهم فِي موارد مِيَاههمْ ومراعي مَوَاشِيهمْ وتتبعهم فِي الْبَوَادِي والقفار وواصلهم تَحت الْأَشْجَار والأحجار ولازمهم فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وصاحبهم فِي الأوطان ورافقهم فِي الْأَسْفَار وَقَامَ بإقامتهم فِي الْمضَارب والخيام وبيوت الشّعْر والتلول والآكام

стр. 86

يعرف ذَلِك من رحْلَة الْأَصْمَعِي والأزهري وَغَيرهمَا من كل ذِي همة سري حَتَّى جمعُوا فنونها وأناطوا مَعَانِيهَا وأجروا عيونها وأظهروا مخزونها حَتَّى أَصبَحت بحارا ذاخرة ورياضا ناضرة وأنواعا متكاثرة ومؤلفات فاخرة قد

стр. 87

فاق من عرفهَا من لَاقَى قس بن سَاعِدَة وسحبان وَصَارَ دونه من اخْتَلَط بالعرب العرباء فِي كل مَكَان وَعلم اللُّغَة بأنواعه هُوَ عُمْدَة عُلُوم الِاجْتِهَاد وبالتبحر فِيهِ وَعَدَمه تَتَفَاوَت النقاد وَألقى الله فِي قولب أَقوام محبَّة السّنة النَّبَوِيَّة والْآثَار السلفية ورزقهم همما تناطح السماك وتطاول الأطلس من الأفلاك فارتحلوا لطلبها من الأقطار وفارقوا الأوطان والأوطار وطووا فِي حبها الفيافي والقفار وقنعوا من الدُّنْيَا بالكفاف وَتركُوا لغَيرهم اللَّذَّات والأتراف وَاتَّخذُوا الزّهْد شعارا والقناعة دثار فسهر الأجفان ألذ إِلَيْهِم وَأطيب من الْمَنَام والجوع أشهى من الامتلاء من

стр. 88

نَفِيس الطَّعَام يرتحلون لسَمَاع الحَدِيث الْوَاحِد من الأقطار الشاسعة وَيطْلبُونَ من الأقاليم المتباعدة الواسعة فَفِي مثلهم يُقَال طورا تراهم فِي الصَّعِيد وَتارَة فِي أَرض آمد ... فيبتغون من الْعُلُوم بِكُل أَرض كل شارد ... يدعونَ أَصْحَاب الحَدِيث بهم تجملت الْمشَاهد فَهَذَا أَبُو عبد الله البُخَارِيّ رَحل بعد إحاطته بِحَدِيث شُيُوخ بلدته إِلَى الشَّام والكوفة وَالْبَصْرَة وبلخ وعسقلان وحمص ودمشق وَكتب عَن ألف شيخ وَثَمَانِينَ شَيخا وَجمع للْمُسلمين هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي تتبعها من الْآفَاق وَصَحب فِي تطلبها الرفاق بعد الرفاق فِي كِتَابه الْجَامِع الصَّحِيح يقرأه الْمُحدث قِرَاءَة تَحْقِيق واتقان فِي شهر من أشهر الزَّمَان وَغَيره من أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن لَهُم أكمل منَّة على أهل الْإِيمَان فَإِنَّهُ تعبوا فِي جمع الْأَحَادِيث للمتأخرين ووزعوا أوقاتهم فِي تَحْصِيل مَا فِيهِ نفع الْمُسلمين حَتَّى لم يبْق لَهُم وَقت لغير نسخ الحَدِيث أَو السماع

стр. 89

فَفِي سير أَعْلَام النبلاء فِي تَرْجَمَة الإِمَام الْحَافِظ عبد الرحمن بن أبي حَاتِم صَاحب التَّفْسِير وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل والمسند الَّذِي أَلفه فِي ألف جُزْء قَالَ كُنَّا فِي مصر سَبْعَة أشهر لم نَأْكُل فِيهَا مرقة كل نهارنا مقسم لمجالس الشُّيُوخ وبالليل النّسخ والمقابلة قَالَ فأتينا يَوْمًا أَنا ورفيق لي شَيخا فَقَالُوا هُوَ عليل فَرَأَيْنَا فِي طريقنا سَمَكَة أعجبتنا فاشتريناها فَلَمَّا صرنا إِلَى الْبَيْت حضر وَقت مجْلِس فَلم يمكنا إِصْلَاحه ومضينا إِلَى الْمجْلس وَلم نزل حَتَّى أَتَى عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّام وَكَاد أَن يتَغَيَّر فأكلناه نيئا لم يكن لنا فرَاغ أَن نُعْطِيه من يشويه ثمَّ قَالَ لَا يُسْتَطَاع الْعلم براحة الْجِسْم

стр. 90

وقِي مثلهم يُقَال ... إِن علم الحَدِيث علم رجال ... تركُوا الابتداع لِلِاتِّبَاعِ ...

стр. 91

.. فَإِذا جن ليلهم كتبوه ... وَإِذا أَصْبحُوا غدوا للسماع ... فأئمة الحَدِيث جعل الله غذاءهم ولذتهم قِرَاءَة الحَدِيث وكتابته ودراسته وَرِوَايَته ورزقهم حفظا يبهر الْعُقُول ويكاد أَن لَا يصدقهُ من يسمع مَا حكى عَنْهُم فِي ذَلِك من الْمَنْقُول

стр. 92

حفظ الله تَعَالَى بهم السّنة وبهم يتم على عباده كل منَّة قد حفظوا أَلْفَاظ الْأَحَادِيث كحفظ الْقُرْآن وأحرزوا كل لفظ مِنْهُ بتحقيق وإتقان وألفوا فِيهَا الْجَوَامِع النافعة وَالْمَسَانِيد الواسعة ثمَّ تعبوا فِي أَحْوَال الروَاة وصفاتهم ورحلتهم ومواليدهم وبلدانهم ووفاتهم حَتَّى صَار من عرف تراجمهم وأحوالهم كَأَنَّهُ شاهدهم وزاحمهم بل صَار أعرف بأحوالهم من الْمشَاهد لَهُم والمعاصر لِأَنَّهُ قد يخفى على من عاصرهم بعض أَحْوَال من عَارضه وَشَاهده وَأما من طالع تراجمهم وتلقى عَن الثِّقَات أخبارهم فَإِنَّهُ يراهم قد جمعُوا من أَحْوَالهم وصنفوا من تعْيين آثَارهم ورحلهم ويقظتهم ومنامهم وتتبعوا أَحْوَالهم من كل عَارِف مُوَافق ومخالف حَتَّى اجْتمع لمن قَرَأَ أخبارهم مَا لم يجْتَمع لمن شاهدهم من الْأَوْصَاف وَهَذَا أَمر لَا يُنكره إِلَّا من حرم الأنصاف

стр. 93

أَلا ترى أَن من عرف تراجم الْأَئِمَّة السِّتَّة أهل الْأُمَّهَات من كتب أَئِمَّة التأريخ عرف أَحْوَالهم وأوصفاهم كَأَنَّهُ لاقاهم ورآهم لِقَاء خبْرَة ورؤية مخاللة وَحصل لَهُ من الاطمئنان بأقوالهم ويقر فِي قلبه من إمامتهم فِي الدّين وَعظم نصحهمْ للْمُسلمين مَا لَا يحوم حوله قدح قَادِح وَلَا جرح جارح حَتَّى لَو جَاءَهُ من ينازعه فِي حفظ البُخَارِيّ وتقواه لما فت ذَلِك فِي عضد يقينه بحفظه وهداه وَكَذَلِكَ غَيره من الْأَئِمَّة وَمثلهمْ الروَاة فَإِن الله يسر أَقْوَامًا جعل هممهم الْعَالِيَة وأفكارهم الصافية مصروفة إِلَى تتبع أَحْوَال رجال الحَدِيث وَرُوَاته فِي الْقَدِيم والْحَدِيث ثمَّ ألفوا فِي الرِّجَال مَا يطلع النَّاظر على كل مَا يُقَال من جرح وتعديل قَالَ وَقيل ذللوا للمتأخرين مَا كَانَ صعبا وصيروا بهمتهم مَا كَانَ ضيقا وَاسِعًا رحبا وجمعوا مَا كَانَ مُتَفَرقًا ولفقوا مَا كَانَ ممزقا قد قربوا الْعُلُوم الحديثية أتم تقريب بإكمال وتقريب وتهذيب فَاجْتمع للمتأخرين من أَحْوَال الْمُتَقَدِّمين اجتماعا لم يتم للأولين فَإِنَّهَا اجْتمعت لَهُم معارف العارفين وأقوال المتخالفين وكل من الْأَئِمَّة مَا زَالَ حَرِيصًا على تقريب المعارف للْمُسلمين حَتَّى ألفوا الْكتب على حُرُوف المعجم فِي الرِّجَال والمتون وَأتوا بِمَا لم يَأْتِ بِهِ الْأَولونَ فَلم

стр. 94

يبْق للمتأخرين إِلَّا الاقتطاف لثمرات المعارف والارتشاف بكؤوس قد أترعها لَهُم كل إِمَام عَارِف إبْقَاء ءلحجة الله على الْعباد وحفظا لعلوم الدّين إِلَى يَوْم الْمعَاد

стр. 95

فصل فِي تقريب الْفَهم إِلَى تيسير الِاجْتِهَاد بالأمثلة إِذا عرفت هَذَا فَكيف يُحَال فِي حق الْمُتَأَخِّرين الِاجْتِهَاد الْمُطلق لتعسر بعد هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي سَاقهَا الله إِلَى أَئِمَّة الإجتهاد على أَيدي أهل الْحِفْظ والورع والانتقاد أَلا ترى أَنَّك لَو وجدت حَدِيثا فِي مُسْند ابْن أبي شيبَة أَو عبد الرزاق أَو غَيرهمَا وَلم تَجِد فِيهِ كلَاما لأحد أَئِمَّة الحَدِيث بِإِحْدَى الصِّفَات الثَّلَاث وَرَأَيْت من روياة الْحجَّاج بن أَرْطَأَة مثلا فَإنَّك تحكم بضعفه لكَلَام الْأَئِمَّة فِي الْحجَّاج كَمَا يحكم بذلك الدَّارَقُطْنِيّ وَالْمُنْذِرِي مثلا وَمَا لاقاه الدَّارَقُطْنِيّ وَلَا رَآهُ بل وقف على مَا وقفت عَلَيْهِ من كَلَام أَئِمَّة الْجرْح غَايَة الْفرق أَنَّهَا قد تكون طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ فِي ذَلِك السماع وطريقك

стр. 96

الوجادة وَهَذَا لَا يخْرجك عَن جَوَاز التَّكَلُّم بِمَا تكلم بِهِ أَو وجدت حَدِيثا كَذَلِك ثمَّ نظرت كَلَام أَئِمَّة التَّعْدِيل فِي رِجَاله فوجدتهم مُوثقِينَ فَأَي مَانع لَك عَن تَصْحِيحه مثلا كَمَا يَفْعَله الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ وَابْن حجر فَإِنَّهُمَا يتكلمان على عدَّة من الْأَحَادِيث تَصْحِيحا وتحسينا وتضعيفا وطريقهما فِي ذَلِك تتبع أَقْوَال أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل فِي رِجَاله كَمَا أَنَّهَا طَريقَة النَّاظر فِي هَذِه الْأَعْصَار وهما لم يلقيا إِلَّا شيوخهما كَمَا أَنَّك لم تلق إِلَّا من رويت عَنهُ أَو قَرَأت عَلَيْهِ إِن كَانَت طريقك الْقِرَاءَة لَا الوجادة أَو الْإِجَازَة

стр. 97

فصل فِي الحكم بسهولة الِاجْتِهَاد فِي هَذِه الْأَعْصَار قد علمت مِمَّا سقناه أَن الله وَله الْحَمد والْمنَّة قد قيض للمتأخرين أَئِمَّة من الْمُتَقَدِّمين جمعُوا لَهُم الْعُلُوم اللُّغَوِيَّة والحديثية من الأفواه والصدور وحفظوها لَهُم فِي الأوراق والسطور وذللوا لَهُم صعاب المعارف وقادوها إِلَى كل ذكي عَارِف ودونوا الْأُصُول واللغة بأنواعها مَعَ انتشارها واتساعها وأدخلوا عُلُوم الِاجْتِهَاد لأَهْلهَا من كل بَاب تَارَة بإيجاز وَتارَة بإسهاب وإطناب وَهَذَا شَيْء لَا شكّ فِيهِ وَلَا ارتياب وَلَا يجهله إِلَّا من لَيْسَ من أولي الْأَلْبَاب الَّذين نحوهم يساق هَذَا الْخطاب وَبعد هَذَا فَالْحق الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ غُبَار الحكم بسهولة الِاجْتِهَاد فِي هَذِه الْأَعْصَار وَأَنه أسهل مِنْهُ فِي الْأَعْصَار الخالية لمن لَهُ فِي الدّين همة عالية ورزقه الله فهما صافيا وفكرا صَحِيحا ونباهة فِي علمي السّنة وَالْكتاب

стр. 98

فَإِن الْأَحَادِيث فِي الْأَعْصَار الخالية كَانَت مُتَفَرِّقَة فِي صُدُور الرِّجَال وعلوم اللُّغَة فِي أَفْوَاه سكان الْبَوَادِي ورؤوس الْجبَال حَتَّى جمعت متفرقاتها ونفقت ممزقاتها حَتَّى لَا يحْتَاج طَالب الْعلم فِي هَذِه الْأَعْصَار إِلَى الْخُرُوج من الوطن وَإِلَى شدّ الرحل والظعن فيا عجباه حِين تفضل الله بجمعها من الأغوار والأنجاد وَسَهل سياقها للعباد حَتَّى أينعت رياضها وأترعت حياضها وأجريت عيونها وتهدلت بثمراتها غصونها وفاض فِي ساحات تحقيقها معينها وَاشْتَدَّ عضدها وَجل ساعدها وَكثر معينها تَقول تعذر الِاجْتِهَاد مَا هَذَا وَالله إِلَّا كفران النِّعْمَة وجحودها والإخلاد إِلَى ضعف الهمة وركودها إِلَّا أَنه لَا بُد مَعَ ذَلِك أَولا من غسل فكرته عَن أدران العصبية وَقطع مَادَّة الوساوس المذهبية وسؤال لِلْفَتْحِ من الفتاح الْعَلِيم وَتعرض لفضل الله ﴿وَأَن الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم﴾ الْحَدِيد ٢٩ فالعجب كل الْعجب مِمَّن يَقُول بتعذر الِاجْتِهَاد فِي هَذِه الْأَعْصَار وَأَنه محَال مَا هَذَا إِلَّا منع لما بَسطه الله من فَضله لفحول الرِّجَال واستبعاد لما خرج من يَدَيْهِ واستصعاب لما لم يكن لَدَيْهِ وَكم للأئمة الْمُتَأَخِّرين من استنباطات رائقة واستدلالات صَادِقَة مَا حام حولهَا الْأَولونَ وَلَا عرفهَا مِنْهُم الناظرون وَلَا دارت فِي بصائر المستبصرين وَلَا جالت فِي أفكار المفكرين

стр. 99

فصل فِي بَيَان أَنه لَا فرق بَين الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين إِلَّا بِكَثْرَة الوسائط وقلتها وَمن هَذَا تعرف انه لَا فرق بَين اجْتِهَاد من ذكره السَّائِل من العلامه الْجلَال والمقبلي واجتهاد من تقدمها من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة الَّذين اتّفقت الْأمة على اجتهادهم وَأَن مرجعهما فِي تَصْحِيح الْأَحَادِيث لَيْسَ بتقليد لأئمة التَّصْحِيح بل قبُول رِوَايَة هَذَا الشَّافِعِي ﵁ اتّفقت الْأمة على اجْتِهَاده ومرجعه فِي صِحَة الحَدِيث وَعدمهَا إِلَى أَئِمَّة الحَدِيث فَإِنَّهُ يَقُول فِي مَوَاضِع إِذا لم يعْمل بِالْحَدِيثِ إِنَّه لم يرتض رِوَايَة هَذَا الحَدِيث وَنَحْو هَذِه الْعبارَة فِي محلات من تَلْخِيص ابْن حجر وتيسير الْبَيَان وَغَيرهمَا من الْكتب الْمَجْمُوعَة لسرد الْأَدِلَّة والتفتيش عَن أَحْوَال رجالها كَقَوْلِه فِي حَدِيث بهز بن حَكِيم فِي الزَّكَاة وَهَذَا الحَدِيث لَا يُثبتهُ أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ وَلَو ثَبت لقلنا بِهِ هَذَا

стр. 100

هُوَ بِعَيْنِه مَا يَقُوله الْجلَال والمقبلي وكل من تقدمها وَقدمنَا لَك أَن البُخَارِيّ نَفسه إِنَّمَا يعْتَمد وَيُصَرح فِي التَّصْحِيح وَغَيره على أَقْوَال من تقدمه من الرِّجَال وَإنَّهُ لم يلق إِلَّا شُيُوخه وَالَّذين روى عَنْهُم وَصحح لَهُم أَضْعَاف أَضْعَاف شُيُوخه وَحِينَئِذٍ يعرف النَّاظر أَنه لَا فرق بَين الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين إِلَّا بِكَثْرَة الوسائط وقلتها وسيلان الأذهان وجمودها وحركات الهمم وركودها وَالْفضل بيد الله لَا مَانع لما أعْطى وَلَا معطي لما منع أما قَول القَاضِي ﵀ إِنَّه لم يَتَيَسَّر فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة إِلَّا تَرْجِيح بعض الْمذَاهب على بعض بِاعْتِبَار قُوَّة الدّلَالَة أَو كَثْرَة من صحّح أَو جلالته فَجَوَابه أَن هَذَا الَّذِي سَمَّاهُ تَرْجِيحا هُوَ الإجتهاد الْمُطلق إِنَّمَا ذَنْب الْمُتَأَخر أَنه تَأَخّر زَمَنه عَن زمَان من قَالَ بالْقَوْل الرَّاجِح والمرجوح فَنظر كنظر من قبله من الْمُجْتَهدين وَجزم بِأحد الْقَوْلَيْنِ نظرا إِلَى الدَّلِيل فسميتموه تَرْجِيحا لقَوْل غَيره وَلَيْسَ كَذَلِك فافرضوا أَنه لم يتقدمه أحد فَإِنَّهُ لَو كَانَ زَمَانه سَابِقًا ورأيتم مَا أدعاه وَمَا أَقَامَهُ من الْبَرَاهِين على دَعْوَاهُ لقلتم أَنه مُجْتَهد مُطلق

стр. 101

وَلَا يخفى أَن تقدم الزَّمَان وتأخره لَا أثر لَهُ فِي جمع الْأَدِلَّة والاستنباط مِنْهَا قطعا بل قد أوضحنا لَك أَن الله قد جمع شَمل الْأَدِلَّة للمتأخرين وَلَكِنَّكُمْ نظرتم إِلَى تَأَخّر زَمَانه وَإنَّهُ قد قَالَ بِمَا جنح إِلَيْهِ قَائِل قبله فقلتم إِن هَذَا للمجتهد الآخر رجح مَا قَالَه من قبله بِقُوَّة الدّلَالَة أَو نَحْوهَا قُلْنَا هُوَ عين الِاجْتِهَاد وَلَا يضرنا تسميتكم لَهُ تَرْجِيحا

стр. 102

فصل فِي سَبَب اخْتِلَاف الْأَقْوَال فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل أما مَا أَشَارَ إِلَيْهِ السَّائِل دَامَت إفادته من أَنه قد يخْتَلف كَلَام إمامين من أَئِمَّة الحَدِيث فيضعف هَذَا حَدِيثا وَهَذَا يُصَحِّحهُ وَيَرْمِي هَذَا رجلا من الروَاة بِالْجرْحِ وَآخر يعدله فَهَذَا مِمَّا يشْعر بِأَن التَّصْحِيح وَنَحْوه من مسَائِل الِاجْتِهَاد الَّذِي اخْتلفت فِيهِ الآراء فَجَوَابه أَن الْأَمر كَذَلِك أَي أَنه قد تخْتَلف أَقْوَالهم فَإِنَّهُ قَالَ مَالك فِي ابْن إِسْحَاق إِنَّه دجال من الدجاجلة وَقَالَ فِيهِ شُعْبَة إِنَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث

стр. 103

وَشعْبَة إِمَام لَا كَلَام فِي ذَلِك وإمامة مَالك فِي الدّين مَعْلُومَة لَا تحْتَاج إِلَى برهَان فهذان إمامان كبيران اخْتلفَا فِي رجل وَاحِد من رُوَاة الْأَحَادِيث وَيتَفَرَّع على هَذَا الِاخْتِلَاف فِي صِحَة حَدِيث من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق وَفِي

стр. 104

ضعفه فَإِنَّهُ قد يجد الْعَالم الْمُتَأَخر عَن زمَان هذَيْن الْإِمَامَيْنِ كَلَام شُعْبَة وتوثيقه لِابْنِ إِسْحَاق فيصحح حَدِيثا يكون من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق قَائِلا قد ثبتَتْ الرِّوَايَة عَن إِمَام من أَئِمَّة الدّين وَهُوَ شُعْبَة بِأَن ابْن إِسْحَاق حجَّة فِي رِوَايَته وَهَذَا خبر من شُعْبَة يجب قبُوله وَقد يجد الْعَالم الآخر كَلَام مَالك وقدحه فِي ابْن اسحاق الْقدح الَّذِي لَيْسَ وَرَاءه ورواء وَيرى حَدِيثا من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق فيضعف الحَدِيث لذَلِك قَائِلا قد روى لي إِمَام وَهُوَ مَالك بِأَن ابْن إِسْحَاق غير مرضِي الرِّوَايَة وَلَا يُسَاوِي فلسًا فَيجب رد خبر فِيهِ ابْن إِسْحَاق فبسبب هَذَا الِاخْتِلَاف حصل اخْتِلَاف الْأَئِمَّة فِي التَّصْحِيح والتضعيف المتفرعين عَن اخْتِلَاف مَا بَلغهُمْ من حَال بعض الروَاة وكل ذَلِك رَاجع إِلَى

стр. 105

الرِّوَايَة لَا إِلَى الدِّرَايَة فَهُوَ ناشىء عَن اخْتِلَاف الْأَخْبَار فَمن صحّح أَو ضعف فَلَيْسَ عَن رَأْي وَلَا استنباط كَمَا لَا يخفى بل عمل بالرواية وكل من الْمُصَحح والمضعف مُجْتَهد عَامل بِرِوَايَة عدل فَعرفت أَن الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك لَيْسَ مَدَاره على الرَّأْي وَلَا هُوَ من أَدِلَّة أَن مَسْأَلَة التَّصْحِيح وضده اجْتِهَاد نعم وَقد يَأْتِي من لَهُ فحولة ونقادة ودراية بحقائق الْأُمُور وَحسن وسعة اطلَاع على كَلَام الْأَئِمَّة فَإِنَّهُ يرجع إِلَى التَّرْجِيح بَين التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح فَينْظر فِي مثل هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَى كَلَام الْجَارِح ومخرجه فيجده كلَاما خرج مخرج الْغَضَب الَّذِي لَا يَخْلُو عَنهُ الْبشر وَلَا يحفظ لِسَانه حَال حُصُوله إِلَّا من عصمه الله

стр. 106

فَإِنَّهُ لما قَالَ ابْن إِسْحَاق اعرضوا عَليّ علم مَالك فَأَنا بيطاره فَبلغ مَالِكًا فَقَالَ تِلْكَ الْكَلِمَة الجافية الَّتِي لَوْلَا جلالة من قَالَهَا وَمَا نرجوه من عَفْو الله من فلتات اللِّسَان عِنْد الْغَضَب لَكَانَ الْقدح بهَا فِيمَن قَالَهَا أقرب إِلَى الْقدح فِيمَن قيلت فِيهِ فَلَمَّا وَجَدْنَاهُ خرج مخرج الْغَضَب لم نره قادحا فِي ابْن إِسْحَاق فَإِنَّهُ خرج مخرد جَزَاء السَّيئَة بِالسَّيِّئَةِ على أَن ابْن إِسْحَاق لم يقْدَح فِي مَالك وَلَا فِي علمه غَايَة مَا أَفَادَ كَلَامه أَنه أعلم من مَالك وَأَنه بيطار علومه وَلَيْسَ فِي ذَلِك قدح على مَالك ونظرنا كَلَام شُعْبَة فِي ابْن إِسْحَاق فقدمنا قَوْله لِأَنَّهُ خرج مخرج النصح للْمُسلمين لَيْسَ لَهُ حَامِل عَلَيْهِ إِلَّا ذَلِك وَأما الجامد فِي ذهنه الأبله فِي نظره فَإِنَّهُ يَقُول قد تعَارض هُنَا الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَيقدم الْجرْح لِأَن الْجَارِح أولى وَإِن كثر المعدلون وَهَذِه الْقَاعِدَة لَو أخذت كُلية لم يبْق لنا عدل إِلَّا الرُّسُل فَإِنَّهُ مَا

стр. 107

سلم فَاضل من طَاعن من ذَلِك لَا من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَلَا أحد من أَئِمَّة الدّين كَمَا قيل ... فَمَا سلم صديق من رافض ... وَلَا نجا من ناصبي عَليّ ...

стр. 108

.. مَا سلم الله من بريته ... وَلَا نَبِي الْهَدْي فَكيف أَنا ... الْقَاعِدَة ظاهرية يعْمل بهَا فِيمَا تعَارض فِيهِ الْجرْح وَالتَّعْدِيل من المجاهيل على أَنه لَك أَن تَقول كَلَام مَالك لَيْسَ بقادح فِي ابْن إِسْحَاق لما علمت أَنه خرج مخرج الْغَضَب لَا مخرج النصح للْمُسلمين فَلم يُعَارض فِي ابْن إِسْحَاق جرح وَاعْلَم أَن ذكرنَا لِابْنِ إِسْحَاق وَالْكَلَام فِيهِ مِثَال وَطَرِيق يسْلك مِنْهُ إِلَى نَظَائِره وَإِذا عرفت هَذَا فَهُوَ التَّرْجِيح لايخرج مَا ذَكرْنَاهُ عَن كَونه من بَاب قبُول أَخْبَار الْعُدُول بل هُوَ مِنْهُ إِنَّمَا لما تعَارض الخبران عندنَا فِي حَال هَذَا الرَّاوِي تتبعنا حقائق الْخَبَرَيْنِ وَمحل صدورهما والباعث على التَّكَلُّم بهما فَظهر الِاعْتِمَاد على أَحدهمَا دون الآخر فَهُوَ من بَاب قبُول الْأَخْبَار فَهَكَذَا يلْزم النَّاظر الْبَحْث عَن حقائق الْأَحْوَال وَعَن الْبَاعِث عَن صدورها من أَفْوَاه الرِّجَال فَإِنَّهُ يكون كَلَامه بعد ذَلِك أقوم قيلا وَأحسن دَلِيلا وأوفق نظرا وَأجل قدرا فَمن عمل بِرِوَايَة التَّعْدِيل والتزكية وَمن عمل بِرِوَايَة الْقدح وَالتَّجْرِيح وَإِن

стр. 109

كَانَ الْكل قابلين لأخبار الْعُدُول عاملين بِمَا يجب عَلَيْهِم من قبُول خبر الْمَنْقُول فَالْكل مجتهدون وَلَكِن تخالفت الْآثَار وتفاوتت الأنظار وَمن هُنَا نَحوه وَقع اخْتِلَاف الْمُجْتَهدين فِي عدَّة مسَائِل من أُمَّهَات الدّين وَالْكل مأجورون بِالنَّصِّ الثَّابِت مِنْهُم من لَهُ أجر وَمِنْهُم من لَهُ أَجْرَانِ وَمن هُنَا علمت أَن اخْتِلَاف الْأَئِمَّة فِي تَصْحِيح خبر من إِمَام وتضعيفه من إِمَام آخر ناشىء عَمَّا تلقوهُ من أَخْبَار الْعُدُول عَن الروَاة فَهَذَا لإِمَام لم يبلغهُ عَن الروَاة هَذَا الْخَبَر الَّذِي حكم بِصِحَّتِهِ إِلَّا الْعَدَالَة والضبط فصحح أخبارهم وَلِهَذَا تَجِد من يتعقب بعض الْأَحَادِيث الَّتِي صححها إِمَام بقوله كَيفَ تَصْحِيحه وَفِيه فلَان كَذَّاب وَنَحْو هَذَا وَمَعْلُوم أَن من صحّح هَذَا الحَدِيث لم يبلغهُ أَن فِي رِجَاله كذابا وَهَذَا لإِمَام بلغه من أَحْوَال رُوَاة ذَلِك الْخَبَر أَو بَعضهم عدم الْعَدَالَة وَسُوء الْحِفْظ أَو انْقِطَاع الْخَبَر أَو شذوذه حكم عَلَيْهِ بِعَدَمِ الصِّحَّة وَهَذَا مَعْرُوف من جبلة الْعباد وطبائعهم فَمن النَّاس من يغلب عَلَيْهِ حسن الظَّن فِي النَّاس وتلقي أَقْوَالهم بِالصّدقِ وَمن النَّاس من لَهُ نباهة وفطنة وَطول خبْرَة لأحوال النَّاس فَلَا يَكْتَفِي بِالظَّاهِرِ بل يفتش عَن الْحَقَائِق فَيَقَع على الْحق وَالصَّوَاب وَلذَا أطبق النقاد أَن مَا صَححهُ الشَّيْخَانِ مقدم على مَا صَححهُ غَيرهمَا فِي غير مَا انتقد عَلَيْهِمَا كَمَا يَأْتِي عِنْد التَّعَارُض ثمَّ مَا انْفَرد البُخَارِيّ بِتَصْحِيحِهِ مقدم على مَا انْفَرد بِهِ مُسلم وَمَا ذَاك إِلَّا لحذاقة البُخَارِيّ ونقادته ومعرفته بأحوال الروَاة وَغَيره مِمَّن صحّح يقبلُونَ

стр. 110

تَصْحِيحه ويجعلونه فِي رُتْبَة أَعلَى من رُتْبَة مَا لم يُصَحِّحهُ البُخَارِيّ فَهَذَا التَّفَاضُل نَشأ من زِيَادَة الإتقان لأحوال المخبرين أَلا ترى أَن الشَّافِعِي ﵁ مَعَ إِمَامَته يرْوى عَن ابْن أبي يحيى ويعبر عَنهُ بالثقة وَغَيره يقدحون فِيهِ ويتجنبونه فِي الصِّحَاح
следующие страницы →