← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 634

الحلل في شرح أبيات الجمل

ابن السيد البطليوسي

Полный текст (79 стр.). Показаны 71–79 · переход к 76.

стр. 71

والعوراء: الكلمة القبيحة، يقال عورت الرجل، إذا قبحته، قال طرفة: وعوْراءَ جاءتْ من أخ فرددتها ... بسالمةِ العينين طالبةٍ عُذْرَا وهذا من إحكام صنعة الشعر: ومقابلة الألفاظ بما يشاكلها، ويتمم معانيها، وذلك أنه لما كان القبيح شبيه بالأعور العينين، سمي ضده بسالم العينين، ويشبه هذا في تتميم المعاني بما يليق بها؛ قول الأخطل، يهجو يربوع ابن حنظلة: تسدُّ القاصعاء عَلَيْكَ حتَّى ... تُنَفِّقَ أو تموت بها هزالا لما كان المهجو بهذا المعنى يسمى يربوعاً أتم المعنى، فاستعار له قاصعاء ونافقاء، ونظيره أيضاً قوله في قصيدة أخرى: سمْونَا بِعِرْنِين أشمّ وعارضٍ ... لنَمْنَع ما بَين العراقِ إلى البِشْر وإنما جرت العادة أن ينسب الشمم والعرنين إلى الأنف فيقال: شمم بأنفه، فلما احتاج إلى زيادة عضو آخر زاد العارض؛ إذ العارض يقرب من العرنين، ولأنه قد يقال: لهمزة يلهزه، إذا وكزه في لهزمته، فنسب اللهز إلى العارض لقربه من العرنين كما ينسب الرغم إلى الأنف، ومثل هذا لا يتنبه له إلا الحاذق العارف بمقاطع الكلام، ومن هذا النوع قول المعري. جَلا فَرّقَدَيْهِ قَبْل نُوحٍ وآدمٍ ... إلى الْيَوْمِ لم يُدعيا في الْقَراهِب لما كان الفرقد الذي هو الكوكب، قد وافق الفرقد، الذي هو ولد البقرة الوحشية في الاسم وكان ولد البقرة إذا طال عليه الزمان زال عنه اسم الفرقد سمي قرهباً، وهو الثور المسن: استعار ذلك للكوكب تشبيها وتتميما للمعنى، وإجادة للصنعة، والمعنى!. وبعد بيت حاتم: وَلاَ أَخْذُل الموْلَى وإنْ كانَ خَذِلاً ... ولا أشتُمُ ابْنَ الْعَمِّ إن كَانَ مغرَما ولا زَادَنِي عنه غِنَايَ تَبَاعُدا ... وإن كَانَ ذا نقص من المال مُصْرَمَا أَهُنْ للذي يَهْوَى التّلاد فإنّه ... يكونُ إذَا ما مِتُّلا نَهْباً مُقْسَمَا ولا تَشقَينْ فيه فيَسَعَدَ وارثٌ ... بِه حِينَ تَغْشَى أَغْبَر اللَّوْنُ مُظْلِما وشعر حاتم معظمه في الكرم والحض على مكارم الأخلاق والشيم، ومن طريف أخباره أن رجلاً يعرف بأبي خيبري مر بقبره مع أصحاب له، فباتوا قريباً من القبر، فجعل أبو خيبري يقول: يا أبا عدي أقر أضيافك!. ثم نام، وانتبه مذعوراً يصيح، واراحلتاه، واراحلتاه!!. فقال له أصحابه: ما شأنك؟ فقال: رأيت في منامي حاتماً قد خرج من قبره، وبيده، سيف مسلول، فعرقب به ناقتي!. فقاموا إلى راحلته فوجدوها لا تنبعث، ولا تقدر على القيام! فقالوا: والله لقد قراك حاتم، فنحروها، وظلوا يأكلون من لحمها؛ فلما أرادوا أن يمشوا أردفوه!. فبيناهم كذلك يسيرون إذ طلع عليهم عدي بن حاتم، ومعه جمل أسود قد قرنه إلى بعيره، فقال: إن أبي جاءني في المنام، يذكرني شتمك إياه، وأنه قراك وأصحابك براحلتك، وأمرني أن أدفع إليك عوضها، فخذ هذا الجمل، وأنشد أبياتا: أَبَا خَيْبَرَي وأنْت امْرؤٌ ... حَسُودُ الْعَشِيرةَ لَوَّامُهَا أتَيت بصحبك تبغى القِرَى ... لدى جَفْرة قد صَدت هامها أتَبْغي أذاها وإعْسَارَها ... وحَوْلَكَ طَيُّ وأَنْعَامُها وأنشد أبو القاسم في باب مواضع من: فكفى بِنا فَضلاً على مَنْ غَيْرنَا ... حُب النَّبِيِّ مُحمدٍ إيَّانا هذا البيت: لكعب بن مالك الأنصاري. وكعب: اسم منقول من كعب الإنسان، والكعب القطعة من السمن، وكعب الرمح: عقدته، قال النابغة: ولا يُشعِرُ الرُّمْحَ الطويل كعوُبُه ومالك: اسم منقول أيضاً، وقد تقدم القول فيه. والباء في قوله بنا زائدة، ولا تتعلق بشيء، والتقدير: فكفانا فضلا. وفضلاً: منصوب على التمييز. وأنشد أبو القاسم في باب: القول: أَمَّا الرَّحيلُ فَدُونَ بَعْدَ غَدٍ فَمَتَى تقولُ: الدَّارُ تَجْمعُنا؟!. هذا البيت: لعمر بن أبي ربيعة، ويكنى: أبا الخطاب، وقد تقدم كلامنا في اسمه، فأغنى. وتجمعنا: في موضع نصب على المفعول الثاني، لتقول، وقبله: قَالَ الخَلَيلُ: غداً تَصَدُّعُنا ... أو شَيْعَهُ فَمَتَى تشَيُّعُنا؟! أراد بشيعه: اليوم الذي بعده.

стр. 72

وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: مَتَى تقولُ: القُلُصَ الرَّواسِمَا ... يُدْنِينَ أمَّ قاسَمٍ وقاسِماً؟ هذا البيت: لهدبة بن الخشرم العذري. والصواب: أم حازمٍ وحازما. وأم حازم: اخت زيادة بن زيد العذري، وحازم ابنها. وكان هدبة بن خشرم، وزيادة بن زيد - وهما ابنا عمٍ - قد جمعهما سفر، وهم حجاج، ومع هدبة أخته فاطمة، فاعتقبوا سوق الإبل، فنزل زيادة بن زيد، وجعل يقول - وهو يحدو الإبل: - عُوجِي عَلَيْنَا وارْبَعِي يا فَاطِمَا ... ما دُونَ أنْ يرَى البْعيرُ قَائِماً وهي أبيات كثيرة، فلما سمعه هدبة يتغزل بأخته غضب، ونزل عن بعيره وجعل يحدوا، ويقول: لَقَدء أُرَانَي وَالغُلامَ الحازِمَا ... نُزْجِي الْمِطيَّ ضُمْراً سَوَاهِما مَتَى تَقُولُ الزُّبلَ السَّواهِمَا ... والجّلة النَّاجِية الْعَياهِمَا يَبْلُغْنَ أمَّ حَازِمٍ وَحَازِمَا ... إذَا هَبْطنَ مُستَحيراً قَاتِما وَرَجَّعَ الحادِي لَهَا الْهمَاهِمَا ... أَرْجفْن بالسَّوالف الجماجِمَا تسمعُ للمرْوِ بِه الْقَمَاقِما ... كمَا يُطِنُّ الصَّيْرفُ الدَّراهما ألاَ تَرَيْنَ الدَّمع مِنِّي سَاجِما ... حَذَارَ دَارٍ منْك أن تلائِما والله لا يشْفى الفؤاد الهْائِمَا ... تَمْسَاحُنَا اللَّباتِ والمآكما ولا اللِّمَام دون أن تلازِما ... ولا اللّزام دونَ أن تُفَاقِمَا ولا الفِقَامَ دون أنْ تُفاغِمَا ... وتركَبُ القوائمُ الْقَوائِمَا! فغضب زيادة، وكان بينهما شر، فكان ذلك سبباً أدى هدبة إلى قتل زيادة، ثم قتل هدبة. ومعنى نزحي: تسوق برفق، والمطي: الإبل، والسواهم المتغيرة من السفر، والزبل: الضوامر، والرواسم: التي ترسم في الأرض أي تؤثر فيها بأخفافها، والجلة: الكبار من الإبل، واحدها: جليل. والناجية: السريعة، والعياهم: الحسنة الخلق. والمستحير: القفر الخالي، الذي يحار فيه، والقاتم: الكثير القتام، وهو الغبار، والحادي: الذي يحدو الإبل، أي يسوقها، والهمام الأصوات، وترجيعها: تكريرها. ومعنى أرجفن: والسوالف: صفحات الأعناق، والجماجم الرءوس، والمرو: الحجارة، والقماقم الأصوات، والمآكم رءوس الأوراك، واللبات: موضع الحلي، واللمام: الزيادة، واللزام: المعانقة، والفقام - والمفاقمة -: التقبيل، ووضع الفم على الفم، والمفاغمة: شم الرائحة الطيبة، ولا يكون إلا في الرائحة الطيبة. والقلص: جمع قلوص، وهي الفتية من الإبل. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: سَمِعْتُ النَّاسَ يَنْتَجِعُونَ غَيْثاً ... فقلتُ لصَيْدَحَ انتجِعِي بَلاَلاً هذا البيت: لذي الرمة، يمدح به بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري. ومعنى ينتجعون: يقصدون ويطلبون. والغيث: يكون المطر، ويكون النبات الذي ينبت عنه، وهو من تسمية الشيء باسم الشيء، إذا كان منه بسبب، قال زهير: وغَيْثٍ مِنَ الوَسْمِيِّ حُوٍّ تلاَعُهُ ... أَجابَتْ روابِيه النجاء هواطِله وصيدح: اسم ناقته. ويروى أن بلالاً، لما سمع هذا البيت، قال: يا غلام مر له بقت ونوىً، أراد أن ذا الرمة لا يحسن المدح، والقت: الرطب من الشعير.! ويروى الناس - بالرفع والنصب فمن رفع فعلى الحكاية، ولم يسمع هو ذلك، وإنما سمع قائلا يقول: الناس ينتجعون غيثا، فحكى ما سمع. ومن نصب الناس فهو الذي يسمع ذلك منهم. ويجب أن يكون في الكلام مضاف محذوف، كأنه قال: سمعت قول الناس؛ لأن الأشخاص لا تسمع، وإنما يسمع أصواتها وكلامها، فإذا قلت: سمعت زيداً يقول كذا، فإنما التقدير: سمعت كلام زيد، ويقول جملة موضعها نصب على الحال، وكذلك ينتجعون في رواية من نصب الناس. وزعم الفارسي في الإيضاح أن سمع يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان مما يسمع، كقولك: سمعت كلام زيد. وإن كان مما لا يسمع تعدي إلى مفعولين، كقولك سمعت زيداً يقول كذا وكذا؛ فتقديره عنده في موضع المفعول الثاني.

стр. 73

وهذه من مسائله التي غلط فيها؛ لأن سمعت لو كان مما يتعدى إلى مفعولين لم يخل أن يكون من باب ما يتعدى إلى مفعولين، لا يجوز السكوت على أحدهما، وهو من باب ظننت وأخواتها، أو يكون من باب ما يجوز فيه السكوت على أحد المفعولين، وليس في العربية باب آخر له حكم ثالث. فلا يجوز أن يكون من باب ظننت؛ لأنهم قد عدوه إلى مفعول واحد، فقالوا: سمعت كلام زيد. ولا يجوز أن يكون من باب أعطيت، لن باب أعطيت لا يجوز أن يكون المفعول الثاني فيه إلا اسما محضاً، ولا يجوز أن يقع موقعه فعل، ولا جملة، وأنت تقول: سمعت زيداً يتكلم، وسمعت زيداً وهو يتكلم، فتأتى بعده بفعل، أو بجملة. فإذا بطل أن يكون سمعت من باب ظننت، ومن باب أعطيت، ثبت أنه مما يتعدى إلى مفعول واحد، وأنك إذا قلت: سمعت زيداً يقول، فيقول في موضع الحال، لا في موضع المفعول الثاني، وإن تقديره: سمعت كلام زيد يقول، فتكون حاسة السمع بمنزلة الحواس الخمس في تعديها إلى مفعول واحد، كقولك: أبصرت الرجل، وشممت الطيب، وذقت الطعام، ولمست الشيء، وبعد بيت ذي الرمة: تُنَاخِيِ عِندَ خَيْر فَتىً يمانٍ ... إذَا النَّكبَاءُ نَاوَحْت الشَّمَالاَ والنكباء ريح تهب بين مهبي ريحين. ومعنى ناوحت: قابلت، والشمال: الريح الجوفية، وإنما تناوح النكباء في أيام البرد والشتاء، فمدحه بالكرم في ذلك الوقت.! وأنشد أبو القاسم في باب: حكايات النكرات بمن: أَتَوْا نَارِي، فقلْتُ: مَنُونَ أنتُم؟ ... فَقَالُوا: الجنّ، قلتُ: عِمُوا ظَلاَماً ثم ذكر أن بعض الناس يغلطون في هذا الشعر، ويوونه: عموا صباحاً وجعل دليله على ذلك ما رواه، عن أبي دريد، عن أبي حاتم، عن أبي زيد، ثم أنشد القطعة: وَنارٍ قَد حَضَأْتُ بُعَيدَوهنٍ ... بدار ما أُريدُ بها مُقَاماً سِوَى تَرحِيل راحلةٍ وَعَينٍ ... أُكَالِؤها مَخَافَةَ أن تَنَامَا أتَوا نَارِي فقلتُ: مَنُونَ أنتُم ... فقالوا: الجنُّ، قلت: عِمو ظَلاَمَا فقلتُ: إلى الطعام، فقال منهم ... زعيمُ: تحسُدُ الإنَّسُ الطعَامَا لقد فُضِّلتُمُ بالأكل فِينَا ... ولسكن ذاك يُعقبكُم سِقَامَا ولم يقع هذا البيت الأخير في جميع النسخ، ويروى: أَمِطْ عنَّا الطّعامَ؛ فإنَّ فيه ... لآكِلهِ النَّغَاصَة والسِّقَامَا وقد صدق أبو القاسم ﵀ فيما رواه، عن ابن دريد، ولكنه أخطأ في تخئته رواية من روى عمو صباحا، لأن هذا الشعر الذي أنكره، وقع في كتاب سد مأرب، ونسبه واضع الكتاب إلى جذع بن سنان الغساني في حكاية طويلة، وزعم أنها جرت له مع الجن، وكلا الشعرين أكذبة من أكاذيب العرب، لم تقع قط!! فمنهم من يرويه على الصفة التي ذكرها أبو القاسم - رحمه الله تعالى - عن ابن دريد. ومنهم من يرويه على ما وقع في كتاب سد مأرب. والشعر الذي على قافية الميم، ينسب إلى شمير بن الحارث، وينسب إلى تأبط شراً، وأما الشعر الذي على قافية الحاء، فلا خلاف أنه لجذع بن سنان الغساني، وهو: أَتَوْا نَارِي، فقُلْتُ: مَنُونَ أنتم؟ ... فقالوا: الجنُّ، فقلت عِمُوا صباحا! نزلتُ بِشِعْبِ وادِي الجنِّ لَمَّا ... رأيتُ الليلَ قد نَشَرَ الجنَاحا أَتَيْتُهمُ، وللأقدارِ حَتْمٌ ... يُلاقي المرءَ: صُبْحاً أو رَواحَا أتيتُهُمُ، غريبا مستغيثا ... رأوْا قَتْلى إذا فَعَلوا جُنَاحا أتوني سافِرين فقلت: أَهْلاً ... رأيتُ وجوهَهم وُسْماً صِبَاحَا أتاني قَاشِر وبَنُو بَنِيهِ ... وقد جَنَّ الدُّجَى والنَّجْم لاَحا نحْرت لهم وقلتُ أَلاَ هَلمُّوا ... كُلُوا مِمَّا طَهَيْتُ لكم سَماحَا! فنازعني الزُّجَاجة بَعْدَ وَهْنٍ ... مَزَجتُ لهم بها عَسَلاً وَرَاحَا وحَذَّرَني أُموراً سَوْف تَأُتى ... أَهُزُّ لَهَا الصَّوارِم والرِّمَاحَا

стр. 74

سَأَمضي لِلَّذي قالوا بعزْمٍ ... ولا أبْغي لذلكم قِدَاحَا أَسَأْتُ الظنَّ فيه ومن أساهُ ... بكلِّ النَّاسِ قَد لاَقَى نَجَاحَا! وقد تأتي إلى المرء المنايا ... بأثءواب الأمان سُدًى صُرَاحَا سَيُبْقى حكُم هذَا الدَّهرِ قوماً ... ويَهْلِك آخرون به ذُبَاحَا! أَثعلبةَ بنَ عمرٍو ليس هذا ... أوانُ السَّيْر فاعتدَّ السِّلاَحَا! ألم تعلَم بأنْ الذّلَّ مَوْتٌ ... يُتِحُ لِمَنْ ألمَّ بِه اجْتِيَاحَا؟ ولا يَبْقَى نعِيمُ الدّهر إلاّ ... لِقرْم ماجِدٍ صَدَق الكفاحَا! ونحن نفسر الشعرين جميعا، ونذكر ما فيهما من الغريب. فمعنى حضات: أشعلت، وأوقدت، ويقال للعود الذي تحرك به النار محضأ على وزن مفعل. والوهن: والموهن - نحو من نصف الليل. وترحيل - الراحلة: إزالة الرحل عن ظهرها، والرحل للإبل: كالسرج للخيل، والراحلة: التي تتخذ للركوب والسفر، سميت بذلك، لأنها ترحل براكبها، ومعنى أكالؤها: أحرسها وأحفظها، لأن لا تنام. وكان المفضل يروى وعير بالراء، وقال: العير إنسان العين، ومنه قبل في المثل: لقيته قبل عير وما جرى، أي قبل أن ينتبه منتبه من نومه، ويقلب عير عينيه، وما مع جرى: في تقدير المصدر، فكأنه قال: قبل عير وجريه: ويروى: أَتَوا نَارِي فَقُلتُ مَنُونَ؟ قالوا: ... سَراةُ الْجنِّ، قلتُ: عِمُوا ظَلاما وسراة الجن: أشرافهم، واحدهم سري، وارتفاعهم على خبر المبتدأ المضمر، كأنه قال: نحن سراة الجن. ومعنى عموا: أنعموا، يقال: عم صباحا، وعم صباحا بكسر العين وفتحها، ويقال وعم بعم، على مثال: وعد بعد، ووعم - بكسر العين - يعم، على مثال: ومق يمق. وذهب قوم إلى أن يعم محذوف من ينعم، وقالوا: إذا قيل يعم بفتح العين فهو محذوف من ينعم المفتوح العين. وإذا قيل: يعم - بكسر العين - فهو محذوف من ينعم مكسور العين. وحكى يونس، أن أبا عمرو بن العلاء سئل عن قول عنترة: يا دار عَبلةَ بالجواء تكلّمي ... وعِمَي صَبَاحاً دارَ عَبلَةَ واسلَمِي فقال هو: من نعم المطر، إذا كثر، ونعم البحر إذا كثر زبده كأنه يدعو لها بالسقيا وكثرة الخير. وقال الأصمعي، والفراء في قولهم: عم صباحا: إنما هو دعاء بالنعيم والهل، وهذا هو المعروف، وما حكاه يونس نادر غريب!. وظلاما ينتصب على وجهين. أحدهما: الظرف، كأنه قال: انعموا في ظلامكم. والثاني: على التمييز المنقول عما كان في أصله فاعلا، ثم نقل الفعل منه إلى غيره فنصب، كأن أصله: لينعم ظلامكم، ثم نقل الفعل عن الظلام إليهم، وهذا من باب: " واشتعل الرأس شيباً " وتفقأت شحماً. فإن قيل كيف جاز أن يقول لهم: عموا صباحا، وهم في الليل، وإنما يليق هذا الدعاء لمن يلقى في الصباح دون المساء؟ فالجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن الرجل إذا قيل له: عم صباحاً، فليس المراد أن ينعم في الصباح دون المساء، كما أنه إذا قيل: أرغم الله أنفه، وحيا الله وجهه، فليس المراد به الوجه والأنف، دون سائر الجسد، وكذلك إذا قيل: أعلى الله كعبك، وإنما هي ألفاظ ظاهرها الخصوص، ومعناها العموم، ومثله قول الأعشي: الواطئون على صُدور نِعَالهم ... يَمْشُون في الرَّقمِيّ والأبْرَادِ والْوطء لا يكون على صدور النعال دون سائرها. والوجه الثاني: أن يكون معنى أنعم الله صباحك: أطلع الله عليك كل صباح بالنعيم، لأن الصباح والظلام نوعان، والنوع يسمى كل جزء منه بما تسمى به جملته. وقوله: فقلت إلى الطعام: إلى متعلقة بفعلٍ محذوف، وهو في حكم الظاهر؛ فلذلك لم يكن له موضع من الإعراب، كأنه قال: هلموا إلى الطعام. وأما منهم: فموضعه نصب على الحال، تقديره: فقال زعيم الجن منهم، فلو كان هكذا لكان المجرور في موضع الصفة لزعيم، فلما قدم صفة النكرة عليها صارت حالا. وقوله: تحسد في موضع الصفة لزعيم وزعيم القوم رئيسهم، والزعامة: الرياسة، قال لبيد: تطير عدائد اْلأَشْراك شَفْعاً ... وَوِتْرا والزَّعَامَةُ لِلْغُلاَمِ

стр. 75

وفينا بمعنى علينا، قال الله تعالى " ولأصلبنكم في جذوع النخل ". وهي متعلقة بفضلتم، وكذلك الباء، ولا موضع لهما من الإعراب، لتعلقهما بظاهر. وأما قول جذع بن سنان: نزلت بشعب وادي الجن؛ فإن: الشعب: الطريق في الجبل. وقوله: رأيت وجوههم وسماً صباحاً، فالوسم: جمع وسيم، وهو الذي عليه سمة الجمال، وكذلك الصباح واحدهم صبيح، شبهه بالصباح في إشراقه. وطهيت طبخت، يقال: طهيت اللحم، وطهوته، فانا طاهٍ. وقوله: لا أبغي لذلكم قداحاً، أي أطلب ضرب القداح، لأنهم كانوا إذا أرادوا فعل أمر ضربوا بالقداح، فإن خرج القدح الذي عليه مكتوب: افعل، فعل الأمر وإن خرج الذي عليه لا تفعل لم يفعله. وقوله: أسأت الظن فيه يقول: أسأت الظن بضرب القداح، والتعويل على ما يأمر به الجن وينهي عنه، وعلمت أن ما أمرتني الجن به أحرى بأن لا أعول عليه؟. وهذا نحو ما فعل امرؤ القيس بن حجر. وذلك أن بني أسد لما قتلوا أباه جيش جيشاً، وعزم على غزوهم، فقيل له: لا تنهض حتى تشاور ذا الخلصة، وكان صنماً باليمن، يستقسم عنده بالأزلام!. فأتى إليه ونزل عن فرسه، وسجد بين يدي الصنم، وشكا إليه بني أسدٍ، وقتلهم لأبيه، وأنه يريد أن يغزوهم؟!. ثم قال للسادن: أجل القداح!، فأجالها، فخرج السهم المكتوب عليه: لا تفعل! فقال له السادن: قد نهاك ربك عن الغزو!. فانصرف فسجد ثانية، وأكد الرغبة، وقال للسادن: أجل القداح!. فأجالها، فخرج الذي عليه: لا تفعل! فسجد ثالثة، وأجال القداح السادن، فقال: لا تفعل!! فقال امرؤ القيس: ناولني القداح، فناوله إياها فقال: لو كنتَ ياذَا الْخَلصة الموْتورا ... دُونِي وَكَانَ شيْخُكَ المقْبُورَا لم تَنْهَ عنْ قتل الأعادي زُورَا!! ثم كسر القداح، وضرب بها وجه الصنم، ونهض لطيته، ولم ينثن عن وجهته، وظن الناس أنه سيهزم، وواقع بني أسد، ورجع من سفره سالما غانماً، فهان على الناس أمر الصنم، وبات عطلاً لا ينهض إليه أحد، حتى جاء افسلام، فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فهدمه!. وقوله: سدَى صراحاً: السدى: المهملة التي لا يردها أحد، والصراح الظاهرة. والذباح: بضم الذال - نبات يقتل من أكله، ويسمى الذبح أيضاً، قال الراجز: يسقيهم مِن خِلَل الصِّفاحِ ... كأْساً من الذِّيفان والذُّباحِ ومن روى ذباحا بكسر الذال جعلها جمع ذبيح. وقوله: يتيح لمن ألم به اجتياحا، أي يقدر ويجلب، يقال: أتاح الله كذا، أي قدره. وألم نزل، والاجتياح: الاستئصال. والقرم السيد، وأصله الفحل من الإبل. والكفاح: ملاقاة الأعداء. وأنشد أبو القاسم في باب ماذا: أَلاَ تَسْأَلاَنِ المرءءَ مَاذَا يحاوِلُ ... أَنَحْبٌ فَيُقْضَى، أمْ ضَلاَلٌ وَبَاطِلُ؟ هذا البيت للبيد بن ربيعة العامري، وقد تقدم الكلام في اسمه. والنحب: ما ينذره الإنسان على نفسه، ويوجب عليه فعله على كل حال، وغنما ذكر شدة رغبة الإنسان في الدنيا، وحرصه عليها، فقال: اسألوه عن هذا الأمر الذي هو فيه: أهو نذره على نفسه، فرأى أنه لا بد من فعله، أو هو في ضلال، وباطل من أمره؟! وما في موضع رفع، بالابتداء، وذا خبره، ويحاول من صلة ذا، وهو بمعنى الذي، كأنه قال: أي شيءٍ الذي يحاوله؟ وقوله: أنحب مرتفع على أنه خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال: أهو نحب، جاز أن تكون ما مرفوعة الموضع، وجاز أن تكون منصوبة الموضع ويقضى في موضع نصب على جواب الاستفهام. وهذا البيت: أول قصيدة للبيد، يذم فيها الدنيا، ويحض على الزهادة فيها، وبعده: حبائُلهُ مَبْثُوثة بسَبيلهِ ... ويَعْيا إذا ما أخْطَأتْه الَحْبَائِلُ! وكلُّ امرئٍ يوماً سَيَعْلَم سَعْيَهُ ... إذا حَصَلَتء عند الإلَهِ المحاصَلِ! وكل أُناسٍ سَوْف تَدخُل بينهم ... دُوَيْهيةٌ تصفرُّ مِنْها الأنَامِلُ! وأنشد أبو القاسم في باب الصلات: تَعَالَ فإنْ عاهَدْتَّنِي لاَ تَخُونُنِي ... نكنْ مثْل مَنْ يا ذئْبُ يَصْطَحِبانِ هذا البيت: للفرزدق، من شعر زعم فيه أنه نزل في بعض مناهله، فرأى الذئب ناره، فأتاه، وذكر أنه أطعمه من زاده، قال:

стр. 76

وأطلَس عَسَّالٍ وَمَا كَانَ صَاحِباً ... دعوْتُ لنَارِي مَوْهِناً فأَتانِي فَلَمَّا أَتَى قُلْتُ: ادْنُ دونَكَ إنَّنِي ... وإيَّاك في زَادِي لَمُشْتَرِكانِ! فبِتُّ أقُدُّ الزَّادَ بَيْنِي وبَيْنَه ... على ضوء نارٍ مرةً ودُخَانِ فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تكَشّر ضاحِكاً وقَائِمُ سَيْفي مِنْ يَدِي بِمكَانِ تَعَشَّ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تخوننيتكُنْ مِثْلَ مَنْ يا ذِئْبُ يصْطَحِبَانِ وأنتَ امْرُؤٌ يا ذئب والغدر كنتما ... أُحَيَّينِ كَانَا أُرْضِعا بِلبَانِ! ولو غَيرنَا نَبَّهْتَ تلتمس القِرَى ... رَمَاكَ بِسَهْم وشَبَاةِ سِنَان وقوله: وأطلس: أي ورب ذئب أطلس، والأطالس: الأغبر اللون، قال الراجز يصف ذئباً: بَهْمُ بَنِي مُحارِب مِنْ دَارِه ... أطْلَسٌ يُخْفى شخصهُ غُبارُه في شِدقه شفَرَتُه ونارُه ... مَمْشاه مَمْشَ الكلْب وازْدِجارُه هُوَ الخَبِيثُ عَيءنه فَرَارُه العسال: الذي يضطرب في مشيه. وقوله: دعوت لناري: يقول: لما رأى ناري أقبل إلي، وكأن النار عدته. ويروى: رفعت لناري، وهذا من المقلوب كما يقال: أدخلت الخاتم في أصبعي، وإنما الوجه: أدخلت أصبعي في الخاتم، وكذلك الوجه: رفعت له ناري، وفي قوله: ادن امر بالقرب. وقوله: دونك: أمر بالأكل. ومعنى أقد: اقطع، ومعنى تكشر: تكشفت أسنانه. وقوله: لا تخونني: جملة في موضع نصب، على الحال، أي إن عاهدتني غير خائن، واراد: مثل من يصطبان يا ذئب، ففرق بين الصلة والموصول ضرورة، وإنما قال: وأنت امرؤ، وهذا الإسم إنما يقع على من يعقل؛ لأنه أجراه مجرى من يعقل: في أن خاطبه وكلمه وطلب منه المعاهدة، فأجراه أيضاً مجرى العاقل المميز في أن سماه امرأً. وشباة السنان: حده. وإنما احتذى الفرزدق في هذا الشعر: قول امرئ القيس: بأنه وصف ذئبا وكلمه ودعاه إلى الصحبة، ويروى للنجاشي وهو قوله: وماء كلوْن البول قد عاد آجنا ... قليل به الأصوات في كلأ مَحل لقيتُ عليه الذِّئب يَعوي كأنه ... خَلِيعٌ خَلاَ مِن كلِّ مَالٍ ومِن أهلِ فقلت له يا ذِئبُ هَل لَكَ في أخٍ ... يواس بِلاَ أُثْرىَ وَلاَ بُخْل فقال: هَدَاك اللهُ إنَّكَ إنَّما ... دَعوْتَ لِمَا لَمْ يَأْتِهِ سَبُعٌ قَبْلِي فَلَستُ بآتِيهِ وَلاَ أستطيعُهُ ... ولاكِ اسقِنِي إن كَانَ ماؤَك ذا فَضْل أراد: ولكن، فحذف النون لالتقاء الساكنين ضرورة. وأنشد أبو القاسم في باب التكسير: وإذَا الرِّجال رَأَوا يزيدَ رأَيتَهم ... خُضُعَ الرِّقاب نَوَاكِسَ الأَبصَارِ هذا البيت: للفرزدق، من شعر يمدح به يزيد بن المهلب، يقول فيه: وإذا النُّفُوس جَشَأْنَ طَأْمَنَ جَأشَها ... ثِقَةً بها لحماية الأدْبارِ ما زال مُدْ عقدتٌ يداه إزارَهُ ... فسَمَا فأدرَك خمسةَ الأشْبارِ يُدْني كتائبَ تلتقي ... للطَّعن يومَ تجاول وغِوَار وقد مضى كلامنا في هذا الشعر ومعنى جسأن: ارتفعن من الصدور، وهممن، بالخروج من الفزع، كما قال الله تعالى: " وبلغت القلوب الحناجر "، وقال ابن الإطنابة: وقَوْلي كلَّما جَشأتْ وجَاشَتْ ... مَكانَكِ تُحمدِي أو تستريحي وطأمن: سكن. وجمع ناكساً على نواكس، وكان القياس أن يقول: نكاس أو نكس، فكأنه حمله على تأنيب الجمع الذي ثالثه ألف، وبعده حرفان، او ثلاثة لا يتهيأ تكسيره؛ لأنه نهاية التكسير، وأراد جمعه، فلم يمكنه ذلك، إلا: بأن يجمعه جمع السلامة؛ لأنه لا يغير افسم عن لفظه، كما قال الأول: فَهُنَّ يَعْلُكْنَ حَدَائِدَاتِها ونضب خضع الرقاب: على الحال؛ لأن إضافته غير محضة، وكذلك إضافة نواكس، لن المعنى: خضعاً رقابهم، نواكس أبصارهم. وأنشد أبو القاسم في باب: تكسير ما كان على فعلة: - ولمّا رَأَوْنَا بَادِياً رُكُبَاتُنا ... عَلَى حَالَةٍ لاَ تَخْلِطُ الجِدَّ بالهزَلِ

стр. 77

هذا البيت: لا أعلم قائله. ويروى: ركباتنا: بضم الكاف وفتحها. وقوله: لا نخلط الجد بالهزل جملة في موضع نصب على الحال، كأنه قال غير خالطين الجد بالهزل. ويجوز أن تكون في موضع خفض على الصفة لموطن، ولا يستقيم ذلك إلا بأن تقدر في الجملة ضميراً عائداً على الموطن، كأنه قال: لا نخلط فيه الجد بالهزل؛ لأن الصفة يلزم أن يكون فيها ضمير يعود إلى الموصوف فهي على هذا صفة جرت على غير من هي له، واستتر الضمير، لأن الفعل يتضمن ضمير الأجنبي، كما يتضمن غير الأجنبي. ولو صيرتها صفة محضةً لقلت: على موطن غير خالطٍ نحن فيه الجد بالهزل، فبرز الضمير الفاعل، ولم يستتر. وأنشد أبو القاسم في هذا الباب: أمّا الإِمَاءُ فَلاَ يَدْعُونَنِي وَلَداً ... إِذَا تَرامَى بَنو الإمْوَانِ بالعْارِ هذا البيت: للقتال الكلابي، واسمه: فيما ذكر أبو العباس المبرد: عبيد بن المضرحي، وقال غيره: اسمه عبد الله بن مجيب. ويسمى القتال: لأنه قتل ابن عم له، كان القتال يختلف إلى أخت له، ويجلس معها، فنهاه أخوها عن ذلك، فلم ينته، فقال له: والله لئن وجدتك في بيتها لأقتلنك!. ثم إنه أقبل يوماً فوجده عندها، فقال له: ألم أنهك عن هذا؟! فتناول الرمح، فخرج القتال هارباً بين البيوت، وهو يناشده الله ويذكره بالرحم، وابن عمه يلج في اتباعه، فوجد القتال رمحاً مركوزاً عند بعض البيوت، فأخذه وعطف عليه وقتله، وتنادى الناس، وخرجوا من البيوت يتبعونه، فمر ببيت لابنة عم له، وهي تختضب بالحناء فأخذ قناعها وستر راسه، وقال لها: ادخلي وراء السترفدخلت وجعل يختصب بالحناء، فبلغ القوم الخباء، فانقطع أثره، وظنوا المختصب زينب بنت عنه، فقالوا: أين الفاسق؟ فأشار بيده - ذهب هكذا!. فركبوا ذلك الطريق - الذي أشار إليه - وخرج هو، وهرب على طريق آخر، حتى أتى عماية، وهو جبل كثير الشعاب، والأغوار، إذا دخل فيه الإنسان لم يعلم له خبر، فأقام فيه سنة، حتى عفا عنه أولياء المقتول، وله في ذلك أشعار كثيرة، ومنها: فمن مُبلغٍ فِتيانَ قوْمي أَنَّنِي ... تَسَمَّيتُ لَمَّا شَبَّت الحرْب زينبا وأرْخيت جِلبابي على نَبْتِ لِحيَتِي ... وأَبدَيتُ للنَّاس الْبَنَانَ المخضَّبا وأما معنى البيت الأول: فإنه افتخر بأنه ابن حرة، فقال: لست أخشى أن يعيرني أحد، بأني ابن أمة، إذا سب بعض الناس بعضاً بذلك!. وبعده: لا أرضَعُ الدَّهر الاثّدءيَ واضِحَةٍ ... لِوَاضِحٍ الخَدِّ يحمي حَوْزةَ الجار من آل سُفيان أو وَرْقاءَ يمنعها ... تحت العجَاجَةِ ضرْبٌ غَيرُ عُوَّار يا ليتني والمُنى لَيْست بنافعةلمالكٍ أو لحصنٍ أوْ لِسيَّار طِوَال انْضِيَة العنَاقِ لمْ يَجدُوا ... رِيحَ الإماءِ إذا راحَتْ بأزفار ولم يرد بتمنيه أن يكون ابنا لهم، ولا أنهم أشرف من أبيه وقومه، وإنما أراد: ليتني كنت منهم، فينصرونني ويعزونني، لأنه كان قاول رجلاً من قومه فشتمه الرجل، فشكا إلى قومه، فلم يشكوه، ولم ينصروه!. وأنشد أبو القاسم في باب أبنية الأفعال: وَكُومٌ تَنْعِمُ الأضْيافَ عَيْناً ... وَتُصْبِحُ في مَبارِكِها ثِقالاً! هذا البيت: للفرزدق. والكوم: الإبل العظام الأسنمة، الواحدة كوماء، والذكر أكوم. وقوله: تنعم الأضياف عيناً أي تقربها عيون الأضياف، لأنهم يشربون ألبانها، ويقرون من لحومها. ومعنى وتصبح في مباركها ثقالا، أراد: أن ما في أخلافها من اللبن يثقلها عن الحركة، كما قال أبو النجم: تمشي من الدِّرَّة مَشْيَ الْحَقِل ... مَشيَ الرَّوايَا بالمزادِ الأثْقل وقيل: إن معناها أنها تبقى في مباركها إلى أن يرتفع النهار، لأن الرعي قبل طلوع الشمس يضر بالإبل، وفي الحديث أنه نهى غلام عن السموم، قبل طلوع الشمس. والسوم: مصدر سامت الماشية إذا سرحت. وقوله: تنعم الأضياف عينا في موضع الصفة للكوم، وفي الكلام ضمير محذوف، كأنه قال: تنعم الأضياف عيناً بها، لأن الصفة يجب أن يكون فيها ضمير عائد إلى موصوفها. ويروى الأضياف بالنصب، فمن روى هكا، أراد: تنعم بالأضياف، فلما حذف الباء نصب، كما قال:

стр. 78

أمَرْتُكَ الخَيرَ فافعلْ مَا أُمِرْتَ بِهَ ... فقد تركتُكَ ذَا مَالس وذَا نَشبِ والمعنى على هذه الرواية: أن أهلها ينعمون عيناً بورود الأضياف، فنسب ذلك إلى الإبل، والمراد أصحابها، لأن الإبل لا تنعم عيونها بالأضياف، بل يعز عليها ذلك، لأنها تنحر عند ورودهم، فهي تكرهم، وتكره أصحابها.! وبعد هذا البيت: حُوَاسَاتِ الْعِشَاء خُبَعْثِنَاتٍ ... إذَا النَّكْباءُ نَاوَحَت الشِّمَالاَ وقال ابن الأعرابي: الحواس: الأكول الذي لا يشبع. والخبعثن: الشديد من الإبل وغيرها. وأنشد أبو القاسم في باب التصريف: أَلَمْ يأْتِيكَ والأنْباء تَنْمِي ... بِما لاَقَتْ لَبُونُ بَنِي زِياد هذا الشعر لقيس بن زهير العبسي. قاله فيما شجر بينه، وبين الربيع بن زيادة العبسي. وذلك أن أحيحة بن الجلاح، كان وهب لقيس درعاً يقال لها: ذات الحواش، فأخذها منه الربيع بن زياد، ولم يردها له فأغار قيس على إبل الربيع بن زياد، وأخذ له أربعمائة ناقة، وقتل رعاتها، وفر إلى مكة، فباعها من حرب بن أمية، وهشام بن المغيرة بخيل وسلاح، وقال في ذلك: ألم يأتيك والأنباء تَنْمِي ... بما لاقتْ لَبُونُ بَنِي زيَادِ ومَحْبِسُها على القرشيّ تُشْرَى ... بأدْراع وأسْيَافٍ حِدَادِ وما كانت بَفَعْلةِ مثل قيس ... وإنْ تك قد غَدَرْتَ فَلَم تُفَادِ أخذت الدِّرع مِنْ رجل أبيٍّ ... ولم تَخْشَ الْعُقُوبةَ في الْمعَادِ ولولا صهره مِنيّ لكانت ... به العثراتُ في سُوء المقادِ جزيتك يا ربيع جزاء سوء ... وقد تُجْزَى المقارضُ بالأَيادِي وقوله: والأنباء تنمي يريد، شهرتها وسيرها في الناس حتى تصل، يقال: نمى الخبر لي، ينمي. واللبون الإبل ذوات اللبن، وهو اسم مفرد أراد به الجنس. والباء في وقوله: بما لاقت زائدة، كزيادتها في قوله تعالى: " وكفى بالله شهيداً ". اجرى يأتيك مجرى الأفعال الصحيحة، فحذف الضمة للجزم لأنه إذا اضطر في غير جزم حركها بالضم. وقول أبي القاسم رحمه الله تعالى: إنها لغة خطأ، وقد ذكرنا ذلك. وأنشد أبو القاسم في باب: شواذ الأدغام: سَوَى أنَّ العِتَاق مِنَ الْمطَايَا ... حَسَيْنَ به فَهُنَّ إليه شوسُ هذا البيت: لأبي زبيد الطائي واسمه حرملة بن المنذر. وقال ابن قتيبة: اسمه المنذر بن حرملة. وكان نصرانياً: ويروى أنه كان يشرب يوما في البيعة، وحوله نصاري، فرفع راسه إلى السماء، ثم نظر فرمى بالكأس من يده، وقال: إذا جُعِل المرءُ الّذي كانَ حازماً ... يُحَلُّ حَلَّ الُوَارِ ويُحْمَلُ فَلَيسَ لَهُ فِي العَيش خَير يُرِيده ... وتكفِينه مَيْتاً أَعَفُّ وأَجمَلُ ثم زهقت نفسه!! وأكثر شعره في صفة الأسد. قال شعبة: قلت للطرماح: ما شأن أبي زيد وشأن الأسد؟! فقال: إنه لقى الأسد بالنجف فسلخه.! وقيل هذا البيت: فَباتُوا يُدْلجونَ وباتَ يَسْرِي ... بصير بالدُّجى هَادٍ غَمُوسُ إلى أنْ عرّسوا وأغبَّ عنهم ... قريباً ما يُحَسُّ له حَسِيسُ سَوَى أنَّ العِتَاقَ مِنَ الْمطَايا ... حَسَين بِهِ فَهُنَّ إِليه شُوسُ الإدلاج: سير الليل، وصف قوما سروا بالليل، والأسد يتبعهم لينتهز فرصة فيهم. وقوله: بصير بالدجى: أي أنه بصير بالمشي في الليل، والهادي الدليل، والغموس: الواسع الفم من قولهم: طعنة غموس، إذا كانت واسعة الشق، ويقال: هو الذي ينغمس في الشدائد. ويروى عموس بعين غير معجمة، وهو الذي يتعسف الأشياء كالجاهل يقال: فلان يتعامس في الأمور، أي يتجاهل، ويروى: هموس؛ وهو الذي لا يسمع لمشيه صوت. والعتاق الإبل النجيبة، والشوس: المحدقة النظر. وأنشد أبو القاسم في آخر الكتاب: فما سُبق القيْسيُّ مِنْ سُوء سِيرَةٍ ... ولِكن طَفَتْ عَلْمَاء غُرْلَةُ خَالِدِ هذا البيت: للفرزدق.

стр. 79

كثير من الناس على أنه أراد بالقيسي عمر بن هبيرة الفزاري، وكان قد عزل عن العراق، وولى مكانه خالد بن عبد الله القسري، فذكر أن عمراً لم يغلب بسوء سيرة، وإنما غلبه خالد لخساسته، لأن خساس الناس من شأنهم أن يظهروا على فضلاء الناس، كم اقال القائل: أرى زَمناً نَوكَاهُ أسْعدُ أهله ... ولكنَّهُ يَشقَى به كلُّ عاقل مشى فوقه رجلاه والرَّأْس تحته ... فكفّ الأعالي بارتفاع الأسافل وذكر الطفو على الماء؛ لأن من شأن الجيف والأقدار أن تعلوأ فوق الماء، ومن شأن الدر أن يرسب تحت الماء، كما قال الآخر: زَمَنٌ عَلاَ قَدْرُ الوَضِيع به ... وغَدَا الشَّريف يحُطُّه شَرَفُه كالبحر يَرْسُب فيه لُؤْلُؤْهُ ... سفْلاً وتطفوا فوقه جِيَفُه وخص الغرلة بالذكر، لأن أم خالد كانت نصرانية، وكان هو بظهر افسلام غير معتقد له!! ويروى أنه كلف جماعة من المسلمين أن يبنوا كنيسة لأمه فأبوا عليه، وامتنعوا من ذلك وقالوا: كيف يليق بمسلم أن يبني كنيسة؟ فقال: قبح الله دين النصارى إن كان شراً من دينكم!! فقال الفرزدق في ذلك: ألا قبَّح الرحمن ظهر مطيّة ... أتتنا تَهَادَى مِنْ دمشْق بخالِدِ وكيف بأمُّ النَّاسَ من كانت أَمُّه ... تُدِين بأنَّ الله لَيْس بواحِدِ بنى بيعةً فيها الصليب لأمِّه ... ويَهْدم مِنْ بُغْضٍ منارَ المساجد وكان خالد قد اتصل به قول بعض الشعراء: ليتني في المؤذنين حياتي ... إنَّهم يبصرون مَنْ في السطوح فَيُشِيرون أو تُشِيرُ إليهم ... بالهوى كلُّ ذَاتِ دَلٍّ مَلِيحِ فأمر بأن تهدم الصوامع، وتسوى مع السقوف!. وذكر بعض المنادين: أن العرب كانوا يمتحنون ذكورة المولود وأنوثته إذا ختن؛ بأن تلقى غرلته في الماء، فإذا رسبت قالوا: إنه يكون مذكرا، وإن طفت غرلته قالوا: إنه يكون مؤنثاً، لا خير فيه، وهذا يرجع إلى غلبه الأخس الأفضل، على ما تقدم ذكره. وقال أبو علي الفارسي: أخبرني أبو بكر بن السراج، قال: أخبرني أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، قال: أخبرني المازني أنه رأى هذا البيت بخط سيبويه، في آخر كتابه عند رجل من بني هاشم، يقال له: عبد السلام بن جعفر. قال: وقال المازني: هذا البيت للفرزدق، قاله في رجلين استبقا، أحدهما من قيس، والآخر من عنترة، فسبق العنزي وكان اسمه خالداً. وهذا التفسير يوجب أن يروى: من سوء سيره، لأنه مصدر سار يسير سيراً، وهو غير موافق للبيت، لأنه لا وجه فيه لذكر الغرلة إلا على التفسير الأول. ووقع في نسخة كتاب سيبويه التي رواها أبو بكر مبرمان هذا البيت على رواية أخرى وهي: وما غُلِبَ الْقَيْسيُّ من ضعف قوةٍ ... ولكن عَلَتْ عَلمْاء غُرْلَةُ قنبِرِ ولم يذكر أنه للفرزدق، ولم أجد هذا البيت فيما طالعت من شعر الفرزدق، فأقف منه على حقيقته!. وهذا ما وجد من شرح أبيات الجمل . وبعد فإني احمد الله الذي وفقني للقيام بإخراج هذا الكتاب الذي يطبع لأول مرة بعد قرابة تسعة قرون مضت بعد حياة مؤلفة الجليل: أبو محمد عبد الله ابن السيد ﵀ وتغمده بفضله. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.