← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6350

الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين

ابن السيد البطليوسي

Полный текст (161 стр.). Показаны 141–161 · переход к 146.

стр. 141

عَزِيمَة الْمُطلق عَلَيْهِ ثَلَاث فَلم يكن فِي هَذَا الْكَلَام مَا يدل على أَن هَذَا الْمُطلق عزم على الثَّلَاث فَيقْضى عَلَيْهِ بِوَاحِدَة وَقد يُمكن أَيْضا أَن يرفع الثَّلَاث والعزيمة مَعًا فَيكون التَّقْدِير فَأَنت طَالِق ثَلَاث وَالطَّلَاق عَزِيمَة فَيلْزم من ذَلِك ثَلَاث تَطْلِيقَات وَالله أعلم الْعلَّة الرَّابِعَة وَهِي التَّصْحِيف وَهَذَا أَيْضا بَاب عَظِيم الْفساد فِي الحَدِيث جدا وَذَلِكَ أَن كثيرا من الْمُحدثين لَا يضبطون الْحُرُوف وَلَكنهُمْ يرسلونها ارسالا غير مُقَيّدَة وَلَا مثقفة اتكالا على الْحِفْظ فاذا غفل الْمُحدث عَمَّا كتب مُدَّة من زَمَانه ثمَّ احْتَاجَ الى قِرَاءَة مَا كتب أَو قرأءه غَيره فَرُبمَا رفع الْمَنْصُوب وَنصب الْمَرْفُوع كَمَا قُلْنَا فَانْقَلَبت الْمعَانِي الى أضدادها وَرُبمَا تصحف لَهُ الْحَرْف بِحرف آخر لعدم الضَّبْط فِيهِ فانعكس الْمَعْنى الى نقيض المُرَاد بِهِ وَذَلِكَ أَن هَذَا الْخط الْعَرَبِيّ شديدالاشتباه وَرُبمَا لم يكن بَين الْمَعْنيين المتضادين غير الْحَرَكَة أَو النقطة كَقَوْلِهِم مكرم بِكَسْر الرَّاء اذا كَانَ فَاعِلا ومكرم بِفَتْح الرَّاء اذا كَانَ مَفْعُولا وَرجل أفرع بِالْفَاءِ اذا كَانَ تَامّ الشّعْر واقرع الْقَاف لَا شقر فِي رَأسه وَفِي الحَدِيث كَانَ رَسُول الله ﷺ أفرع

стр. 142

وَقد جَاءَت من هَذَا الْبَاب أَشْيَاء كَثِيرَة طريفة عَن الْمُحدثين نَحْو مَا يرْوى عَن يزِيد بن ٢٦ ب هَارُون أَنه روى كُنَّا جُلُوسًا حول بشر بن مُعَاوِيَة وانما هُوَ حول سَرِير مُعَاوِيَة وكما روى عبد الرَّزَّاق يُقَاتلُون خور كرمان وانما هُوَ خوز الزَّاي مُعْجمَة وكما صحف شُعْبَة التلب الْعَنْبَري فَرَوَاهُ بثاء مُثَلّثَة مَكْسُورَة

стр. 143

وَلَام سَاكِنة وانما هُوَ التلب بِالتَّاءِ مُعْجمَة بِاثْنَتَيْنِ وَكسر التَّاء وَاللَّام وَتَشْديد الْبَاء على وزن طمر وَيدل عَلَيْهِ قَول الشَّاعِر ... ان التلب لَهُ عرس يَمَانِية ... كَأَن فسوتها فِي الْبَيْت اعصار ... وروى بَعضهم دخلت الْجنَّة فَرَأَيْت فِيهَا حبائل اللُّؤْلُؤ وَلَا وَجه للحبائل هَهُنَا لِأَن الحبائل عِنْد الْعَرَب الشباك الَّتِي يصاد بهَا الوحوش واحدتها حبالة وَمن كَلَام الْعَرَب خش ذؤالة بالحبالة وانما هُوَ جنابذ اللُّؤْلُؤ والجنابذ جمع جنبذة وَهِي الْقبَّة

стр. 144

وَهَذَا النَّوْع كثير جدا وَقد وضع فِيهِ الدَّارَقُطْنِيّ ﵀ كتابا مَشْهُورا سَمَّاهُ تَصْحِيف الْحفاظ وَمن ظريف مَا وَقع مِنْهُ فِي كتاب مُسلم وَمُسْنَده الصَّحِيح نَحن يَوْم الْقِيَامَة على كَذَا انْظُر وَهَذَا شَيْء لَا يتَحَصَّل لَهُ معنى وَهَكَذَا نجده فِي أَكثر النّسخ وانما هُوَ نَحن يَوْم الْقِيَامَة على كوم والكوم جمع كومة وَهُوَ الْمَكَان المشرف فصحفه بعض النقلَة فَكتب نَحن يَوْم الْقِيَامَة على كَذَا فَقَرَأَ من قَرَأَ فَلم يفهم مَا هُوَ فَكتب فِي طرة الْكتاب انْظُر يَأْمر من قَرَأَ الْكتاب بِالنّظرِ فِيهِ وينبهه علنه فَوَجَدَهُ ثَالِث فَظَنهُ أَنه من الْكتاب فألحقه بمتنه الْعلَّة الْخَامِسَة وَهِي اسقاط شَيْء من الحَدِيث لَا يتم الْمَعْنى الا بِهِ وَهَذَا النَّوْع أَيْضا قد

стр. 145

وَردت مِنْهُ أَشْيَاء كَثِيرَة فِي الحَدِيث كنحو مَا رَوَاهُ قوم عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه سُئِلَ عَن لَيْلَة الْجِنّ فَقَالَ مَا شَهِدَهَا منا أحد وَرُوِيَ عَنهُ من طَرِيق آخر أَنه رأى قوما من الزط فَقَالَ هَؤُلَاءِ أشبه من رَأَيْت بالجن لَيْلَة الْجِنّ فَهَذَا الحَدِيث يدل على أَنه شَهِدَهَا والاول يدل على أَنه لم يشهدها فالحديثان كَمَا ترى متعارضان وانما أوجب التَّعَارُض بَينهمَا أَن الَّذِي روى الحَدِيث الأول أسقط مِنْهُ كلمة رَوَاهَا غَيره وانما الحَدِيث مَا شَهِدَهَا منا أحد غَيْرِي الْعلَّة السَّادِسَة وَهِي أَن ينْقل الْمُحدث الحَدِيث ويغفل عَن نقل ٢٧ أالسبب الموجبى لَهُ فَيعرض من ذَلِك اشكال فِي الحَدِيث أَو مُعَارضَة لحَدِيث آخر كنحو مَا رَوَاهُ قوم من أَن النَّبِي ﷺ أُتِي بالعرنيين الَّذين ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام وأغاروا على لقاح النَّبِي فامر بِقطع أَيْديهم وأرجلهم وسمل عيونهم وَتركُوا بِالْحرَّةِ يستسقون فَلَا يسقون حَتَّى مَاتُوا

стр. 146

وَقد وَردت عَنهُ الرِّوَايَات من طرق شَتَّى أَنه نهى عَن الْمثلَة وانما عرض هَذَا التَّعَارُض من أجل أَن الَّذِي روى الحَدِيث الأول أغفل نقل سَببه الَّذِي أوجبه وَرَوَاهُ غَيره فَقَالَ انما فعل بهم ذَلِك لأَنهم مثلُوا براعيه فجزاهم بِمثل فعلهم وَمن الْفُقَهَاء من يرى أَن هَذَا كَانَ فِي أول الْإِسْلَام قبل أَن تنزل الْحُدُود ثمَّ نسخ وَقد ذهب بعض الْعلمَاء فِي قَوْله ﷺ ان الله خلق آدم على صورته الى أَنه مِمَّا أغفل النَّاقِل ذكر السَّبَب الَّذِي قَالَه من أَجله وَرووا أَن النَّبِي ﷺ مر بِرَجُل يلطم وَجه عَبده وَهُوَ يَقُول قبح الله وَجهك وَوجه من أشبهك فَقَالَ النَّبِي ﷺ اذا ضرب احدكم عَبده فليتق الْوَجْه فَإِن الله خلق آدم على صورته قَالُوا فاهاء انما تعود على العَبْد فَلَمَّا روى الرَّاوِي الحَدِيث وأغفل رِوَايَة السَّبَب اوهم ظَاهره أَنَّهَا تعود على الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا

стр. 147

وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ وَرَوَوْهُ غير معترض على رِوَايَة غَيرهم من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه قد جَاءَ فِي حَدِيث آخر خلق آدم على صُورَة الرَّحْمَن وَجَاء فِي حَدِيث آخر رَأَيْت رَبِّي فِي أحسن صُورَة وَهَذَا لَا يسوغ مَعَه شَيْء من الَّذِي قَالُوهُ وَالثَّانِي أَن الحَدِيث لَهُ تَأْوِيل صَحِيح بِخِلَاف مَا ظنوه وَقد تكلم فِيهِ ابْن قُتَيْبَة فَلم يَأْتِ فِيهِ بمقنع بل جَاءَ بِمَا لَو سكت عَنهُ لَكَانَ أجدى بِمَا عَلَيْهِ وَقد تكلم فِيهِ ابْن فورك فَأحْسن كل الْإِحْسَان وَنحن نذْكر مَا قَالَ بأوجز مَا يُمكن ونزيد مَا يتمم ذَلِك بحول الله تَعَالَى فَنَقُول ان الضَّمِير فِي قَوْله على صورته يجوز أَن يكون عَائِدًا على آدم وَيجوز أَن يكون عَائِدًا على الله تَعَالَى فَإِذا كَانَ عَائِدًا على آدم فالغرض من الحَدِيث الرَّد على الدهرية وَالْيَهُود والقدرية وَهَذَا من جَوَامِع كَلمه الَّتِي أوتيها ﷺ فَوجه الرَّد على الدهرية من وَجْهَيْن

стр. 148

أَحدهمَا ان الدهرية قَالَت ان الْعَالم لَا أول لَهُ وَأَنه لَا يجوز أَن يتكون حَيَوَان الا من حَيَوَان آخر قبله فأعلمنا ٢٧ ب ﷺ أَن الله خلق آدم على صورته الَّتِي شوهد عَلَيْهَا ابْتِدَاء من غير أَن يتكون فِي رحم كَمَا يتكون الْجَنِين علقَة ثمَّ مُضْغَة حَتَّى يتم خلقه وَالثَّانِي أَن الدهرية تزْعم أَن للطبيعة وَالنَّفس الْكُلية فعلا فِي المحدثات المتكونة غير فعل الله تَعَالَى عَن قَوْلهم فأعلمنا أَيْضا أَن الله تَعَالَى خلقه على هَيئته الَّتِي عَلَيْهَا وَانْفَرَدَ بذلك دون مُشَاركَة من طبيعة وَلَا نفس وَوجه الرَّد مِنْهُ على الْيَهُود لعنهم الله أَن الْيَهُود يَزْعمُونَ أَن آدم فِي الدُّنْيَا كَانَ على خلاف صورته فِي الْجنَّة وَأَن الله تَعَالَى لما أهبطه من جنته نقص قامته وَغير خلقته فأعلمنا بكذبهم فِيمَا يَزْعمُونَ وَأَعْلَمنَا أَنه خلقه فِي أول أمره على صورته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا عِنْد هُبُوطه وَوجه الرَّد مِنْهُ على الْقَدَرِيَّة أَن الْقَدَرِيَّة زعمت أَن افعال الْبشر مخلوقة لَهُم لَا لله تَعَالَى عَن قَوْلهم وَهُوَ نَحْو مَا ذهبت اليه الدهرية من أَن للنَّفس والطبيعة أفعالا غير فعل الله تَعَالَى فأفادنا أَيْضا بطلَان

стр. 149

قَوْلهم وَأَعْلَمنَا أَن الله تَعَالَى خلقه وَخلق جَمِيع أَفعاله فَهَذَا مَا فِي الْهَاء من القَوْل اذا كَانَت عَائِدَة على آدم ﷺ واذا كَانَت عَائِدَة على الله تَعَالَى كَانَت اضافة صُورَة آدم اليه على وَجه التشريف والتنويه والتخصيص لاعلى معنى آخر مِمَّا يسْبق الى الْوَهم من مَعَاني الْإِضَافَة فَيكون كَقَوْلِهِم فِي الْكَعْبَة انها بَيت الله وَقد علمنَا أَن الْبيُوت كلهَا لله وَكَقَوْلِه ﴿وَعباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا﴾ وَقد علمنَا أَن جَمِيع الْبشر من مُؤمن وَكَافِر عباده وانما خصصه بِالْإِضَافَة الى الله تَعَالَى دون غَيره لِأَن الله تَعَالَى شرفه بِمَا لم يشرف بِهِ غَيره وَذَلِكَ أَنه شرف الْحَيَوَان على الجماد وَشرف الْإِنْسَان على جَمِيع الْحَيَوَان وَشرف الإنبياء ﵈ على جَمِيع نوع الْإِنْسَان وَشرف آدم على جَمِيع بنيه بِأَن خلقه دفْعَة من غير ذكر وَلَا أُنْثَى وَدون أَن ينْتَقل من النُّطْفَة الى الْعلقَة وَمن الْعلقَة الى المضغة وَسَائِر أَحْوَال الْإِنْسَان الَّتِي يتَصَرَّف فِيهَا الى حِين كَمَاله وَنسب خلقه الى نَفسه دون سَائِر الْبشر فَقَالَ ﴿لما خلقت بيَدي﴾ ﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾

стр. 150

وأسجد لَهُ مَلَائكَته وَلم يَأْمُرهُم بِالسُّجُود لغيره فنبهنا ﵇ بِإِضَافَة صورته الى الله تَعَالَى على هَذِه الْمنزلَة الَّتِي تفرد بهَا دون غَيره وَيدل على صِحَة هَذَا التأونل قَوْله ﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾ وَقَوله ﴿وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ ٢٨ أوقوله ﴿لما خلقت بيَدي﴾ فَكَمَا لَا تدل اضافة هَذَا الْأَشْيَاء اليه على أَن لَهُ نفسا وروحا ويدين فَكَذَلِك اضافة الصُّورَة اليه لَا تدل على أَن لَهُ صُورَة وَقد يجوز فِي اضافة الصُّورَة الى الله تَعَالَى وَجه فِيهِ غموض ودقة وَذَلِكَ أَن الْعَرَب تسْتَعْمل الصُّورَة على وَجْهَيْن أَحدهمَا الصُّورَة الَّتِي هِيَ شكل مخطط مَحْدُود بالجهات السِّت كَقَوْلِك صُورَة زيد وَصُورَة عَمْرو وَالثَّانِي يُرِيدُونَ بِهِ صفة الشَّيْء الَّذِي لَا شكل لَهُ يحس وَلَا تخطيط وَلَا جِهَات محدوده كَقَوْلِك مَا صُورَة أَمرك وَكَيف كَانَت صُورَة قصتك يُرِيدُونَ بذلك الصّفة فقد يجوز أَن يكون معنى خلق آدم على صورته أَي على صفته فَيكون مصروفا الى الْمَعْنى الثَّانِي الَّذِي لَا تَحْدِيد فِيهِ

стр. 151

فَإِن قلت مَا معنى هَذِه الصّفة وَكَيف تَلْخِيص القَوْل فِيهَا فَالْجَوَاب أَن معنى ذَلِك أَن الله تَعَالَى جعله خَليفَة فِي أرضه وَجعل لَهُ عقلا يعلم بِهِ ويفكر ويسوس وَيُدبر وَيَأْمُر وَيُنْهِي وسلط على جَمِيع مَا فِي الْبر وَالْبَحْر وسخر لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَقد قَالَ فِي نَحْو هَذَا بعض الْمُحدثين يمدح بعض خلفاء بني أُميَّة ... أمره من أَمر من ملكه ... فاذا مَا شَاءَ عافى وابتلى ... فَيكون معنى قَوْلنَا فِي أَدَم ﷺ أَنه خلق على صُورَة الله تَعَالَى كمعنى قَوْلنَا فِيهِ انه خَليفَة الله تَعَالَى وَهَذِه التأويلات كلهَا لَا تَقْتَضِي تَشْبِيها وَلَا تحديدا فَإِن قلت كَيفَ تصنع بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيّ عَنهُ ﷺ رَأَيْت رَبِّي فِي أحسن صُورَة وَهَذَا لَا يمكنك فِيهِ شَيْء من التَّأْوِيل الْمُتَقَدّم وَلَا يَصح لَك حمله عَلَيْهِ فَالْجَوَاب أَن هَذَا الحَدِيث ورد بِلَفْظ مُشْتَرك يحْتَمل مَعْنيين أَحدهمَا أَن يكون قَوْله فِي أحسن صُورَة رَاجعا الى الرَّائِي لَا الى المرئي فَيكون مَعْنَاهُ رَأَيْت رَبِّي وَأَنا فِي أحسن صُورَة وَالثَّانِي أَن يكون قَوْله فِي أحسن صُورَة رَاجعا الى المرئي

стр. 152

وَهُوَ الله تَعَالَى فَيكون مَعْنَاهُ رَأَيْت رَبِّي على احسن صفة فَتكون الصُّورَة بِمَعْنى الصّفة الَّتِي لَا توجب تحديدا كَمَا ذكرنَا وَهَذَا فِي الْعَرَبيَّة كَقَوْلِك رَأَيْت زيدا وَأَنا فِي الدَّار فَيجوز أَن يكون قَوْلك فِي الدَّار لَك ٢٨ ب كَأَنَّك قلت رَأَيْت زيدا وَأَنا فِي الدَّار وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى رأيب زيدا وَهُوَ فِي الدَّار وعَلى هَذَا تَقول رَأَيْت زيدا قَاعِدا مائما وَلَقِيت زيدا راكبين قَالَ الشَّاعِر ... فَإِذا لقيتك خاليين لتعلمن ... أيي وأيك فَارس الاحزاب ... فَإِذا كَانَ التَّقْدِير رَأَيْت رَبِّي وَأَنا فِي أحسن صُورَة كَانَ مَعْنَاهُ أَن الله تَعَالَى حسن صورته وَنَقله الى هَيْئَة يُمكنهُ مَعهَا رُؤْيَته اذ كَانَ الْبشر لَا تمكنهم رُؤْيَة الله تَعَالَى على الصُّورَة الَّتِي هم عَلَيْهَا حَتَّى ينقلوا الى صُورَة أُخْرَى غير خورهم أَلا تري أَن الْمُؤمنِينَ يرَوْنَ الله تَعَالَى على الصُّورَة الَّتِي هم عَلَيْهَا فِي الأخرة وَلَا يرونه فِي الدُّنْيَا لِأَن الله

стр. 153

تَعَالَى ينقلهم عَن صفاتهم الى صفاتهم الى صِفَات أُخْرَى أَعلَى وأشرف فَعجل الله تَعَالَى لنَبيه ﷺ هَذِه الْكَرَامَة قبل يَوْم الْقِيَامَة خُصُوصا دون الْبشر حَتَّى رأه وَشَاهده وَالله يُؤْتِي فَضله من يَشَاء وَيخْتَص بكرامته من يُرِيد لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون وَذَا كَانَ ذَلِك رَاجعا الى الله تَعَالَى كَانَ مَعْنَاهُ أَنه راى ربه على أحسن مَا عوده من انعامه واحسانه واكرامه وامتنانه كَمَا تَقول للرجل كَيفَ كَانَت صُورَة أَمرك عِنْد لِقَاء الْملك فَيَقُول خير صُورَة أَعْطَانِي وأنعم عَليّ وأدناني من مَحل كرامته وَأحسن الي فهذان تَأْوِيلَانِ صَحِيحَانِ خارجان على أساليب كَلَام الْعَرَب دون تكلّف وَلَا خُرُوج من مُسْتَعْمل الى تعسف وَقد جَاءَ فِي بعض الحَدِيث انها كَانَت رُؤْيَة فِي الْمَنَام فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك كَانَ التَّأْوِيل وَاضحا لِأَنَّهُ لَا يُنكر رُؤْيَة الله تَعَالَى فِي الْمَنَام وَرَوَاهُ بَعضهم رَأَيْت رَبِّي بِكَسْر الْبَاء وَقَالُوا هُوَ غُلَام كَانَ لعُثْمَان رَآهُ فِي النّوم وَرَوَاهُ آخَرُونَ رَأَيْت رئيي والرئي مَا يتَرَاءَى

стр. 154

للْإنْسَان من ملك أَو شَيْطَان أرده بذلك أَنه رأى جِبْرِيل ﵉ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق لَا رب غَيره الْعلَّة السَّابِعَة وَهِي أَن يسمع الْمُحدث بعض الحَدِيث ويفوته سَماع بعضه كنحو مَا رُوِيَ من أَن عَائِشَة ﵂ أخْبرت أَن أَبَا هُرَيْرَة حدث أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ان يكن الشؤم فَفِي ثَلَاث الدَّار وَالْمَرْأَة وَالْفرس وَهَذَا حَدِيث معَارض لقَوْله ٢٩ أصلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا عدوى وَلَا هَامة وَلَا صفر وَلَا غول وَقد رويت عَنهُ فِي أَحَادِيث كَثِيرَة أَنه ﷺ نهى عَن التطير فَغضِبت عَائِشَة ﵂ وَقَالَت وَالله مَا قَالَ هَذَا رَسُول الله ﷺ قطّ وانما قَالَ كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يَقُولُونَ ان يكن الشؤم فَفِي ثَلَاث الدَّار وَالْمَرْأَة وَالْفرس فَدخل أَبُو هُرَيْرَة فَسمع آخر الحَدِيث

стр. 155

وَلم يسمع أَوله وَهَذَا غير مُنكر أَن يعرض لِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ يذكر فِي مجالسه الْأَخْبَار حِكَايَة وَيتَكَلَّم بِمَا لَا يُرِيد بِهِ نهيا وَلَا أمرا وَلَا أَن يَجعله أصلا فِي دينه وشيئا يستن بِهِ وذلكك مَعْلُوم من فعله ومشهور من قَوْله الْعلَّة الثَّامِنَة وَهِي نقل الحَدِيث من الصُّحُف دون لِقَاء الشُّيُوخ وَالسَّمَاع من الْأَئِمَّة وَهَذَا بَاب أَيْضا عَظِيم البلية وَالضَّرَر فِي الدّين فَإِن كثيرا من النَّاس يتسامحون فِيهِ جدا وَأَكْثَرهم انما يعول على اجازة الشَّيْخ لَهُ دون لِقَائِه والضبط عَلَيْهِ ثمَّ يَأْخُذ بعد ذَلِك علمه من الصُّحُف المسودة والكتب الَّتِي لَا يعلم صحيحها من سقيمها وَرُبمَا كَانَت مُخَالفَة لرِوَايَة شَيْخه فيصحف الْحُرُوف ويبدل الْأَلْفَاظ وينسب جَمِيع ذَلِك الى شَيْخه ظَالِما لَهُ وَقد صَار علم أَكثر النَّاس فِي زمننا هَذَا على هَذِه الصّفة لَيْسَ بِأَيْدِيهِم من الْعلم الا أَسمَاء الْكتب وَإِنَّمَا ذكرت لَك هَذِه الْعِلَل الْعَارِضَة للْحَدِيث لِأَنَّهَا أصُول لنقاد الحَدِيث المهتبلين بِمَعْرِِفَة صَحِيحه من سقيمه فَإِذا ورد عَلَيْهِم حَدِيث بشع المسموع أَو مُخَالف للمشهور نظرُوا أَولا فِي سَنَده فَإِن وجدوا فِي نقلته

стр. 156

وَرُوَاته رجلا مُتَّهمًا بِبَعْض تِلْكَ الْوُجُوه الَّتِي ذكرتها لَك استرابوا بِهِ وَلم يَجْعَلُوهُ أصلا يعول عَلَيْهِ وان وجدوا رِجَاله الناقلين لَهُ ثِقَات مشهورين بِالْعَدَالَةِ معروفين بالفقه وَالْأَمَانَة رجعُوا الى التَّأْوِيل وَالنَّظَر فَإِن وجدوا لَهُ تَأْوِيلا يحمل عَلَيْهِ قبلوه وَلم ينكروه وان لم يَجدوا لَهُ تَأْوِيلا الا على استكراه شَدِيد نسبوه الى غلط وَقع فِيهِ من بعض تِلْكَ الْوُجُوه الْمُتَقَدّمَة الذّكر فَهَذِهِ جملَة القَوْل فِي هَذَا الْبَاب وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَالله أعلم

стр. 157

الْبَاب السَّادِس فِي الْخلاف الْعَارِض من قبل الِاجْتِهَاد وَالْقِيَاس ﷺ َ -

стр. 158

٢٩ - ب هَذَا النَّوْع انما يكون فِيمَا يعْدم فِيهِ وجود نَص من قُرْآن أَو حَدِيث فيفرغ الْفَقِيه عِنْد ذَلِك الى اسْتِعْمَال الْقيَاس وَالنَّظَر كَمَا قَالَ الشَّاعِر ... اذا أعي الْفَقِيه وجود نَص ... تعلق لَا محَالة بِالْقِيَاسِ ... وَالْخلاف الْعَارِض من هَذَا الْبَاب نَوْعَانِ أَحدهمَا الْخلاف الْوَاقِع بَين المنكرين للِاجْتِهَاد وَالْقِيَاس والمثبتين لَهُ وَالنَّوْع الثَّانِي خلاف يعرض بَين أَصْحَاب الْقيَاس فِي قياسهم كاختلاف المالكيين والشافعيين والحنفيين فتعرض من ذَلِك أَنْوَاع من الْخلاف عَظِيمَة وَهَذَا الْبَاب أشهر من أَن نطيل

стр. 159

الْبَاب السَّابِع فِي الْخلاف الْعَارِض من قبل النّسخ ﷺ َ -

стр. 160

الْخلاف الْعَارِض من هَذَا النَّوْع يتنوع أَولا نَوْعَيْنِ أَحدهمَا خلاف عَارض بَين من أنكر النّسخ وَبَين من أثْبته واثباته هُوَ الصَّحِيح وَجَمِيع أهل السنه مثبتون لَهُ وانما خَالف فِي ذَلِك من لَا يلْتَفت الى خِلَافه لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة دفع الضرورات وانكار العيان وَالنَّوْع الثَّانِي خلاف عَارض بَين الْقَائِلين بالنسخ وَهَذَا النَّوْع الثَّانِي يَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام أَحدهمَا اخْتلَافهمْ فِي الْأَخْبَار هَل يجوز أَن فِيهَا النّسخ كَمَا يجوز بِالْأَمر وَالنَّهْي أم لَا وَالثَّانِي اخْتلَافهمْ هَل يجوز أَن تنسخ السّنة الْقُرْآن أم لَا وَالثَّالِث اخْتلَافهمْ فِي أَشْيَاء من الْقُرْآن والْحَدِيث فَذهب بَعضهم الى أَنَّهَا نسخت وَبَعْضهمْ الى أَنَّهَا لم تنسخ

стр. 161

الْبَاب الثَّامِن فِي الْخلاف الْعَارِض من قبل الْإِبَاحَة هَذَا النَّوْع من الْخلاف يعرض من قبل أَشْيَاء وسع الله تَعَالَى فِيهَا على عباده وأباحها لَهُم على لِسَان نبيه ﷺ كاختلاف النَّاس فِي الْأَذَان وَالتَّكْبِير على الْجَنَائِز وتكبير التَّشْرِيق ووجوه الْقرَاءَات السَّبع وَنَحْو ذَلِك فَهَذِهِ أَسبَاب الْخلاف الْوَاقِع بَين الْأمة قد نبهت عَلَيْهَا وأرشدت قارئي كتابي هَذَا اليها وَهَذَا الْكتاب وان كَانَ صَغِير الجرم يسير الحجم فان فِيهِ تَنْبِيها على [٣٠ أ] أشياء جليلة يحسن مسمعها ويحلو من نفس الذكي موقعها وَأَنا أسْتَغْفر الله من زلل ان كَانَ عرض وأسأله عونا على مَا بِهِ تعبد وَفرض وَصلى الله على مُحَمَّد وعَلى آله وَسلم أفضل التَّسْلِيم كمل بِحَمْد الله وَحسن عونه