Полный текст (161 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
بقوله ﴿عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة﴾ فَعلمه الْغَيْب علمه الْأَشْيَاء قبل كَونهَا وَعلمه الشَّهَادَة علمه بالأشياء وَقت كَونهَا واعتبروا أَحْوَال الانسان الَّتِي وَقع فِيهَا التَّكْلِيف وأحواله الَّتِي لم يَقع فِيهَا تَكْلِيف فوجدوا الله تَعَالَى لم يَأْمُرهُ بألا يسمع وَلَا يبصر وَلَا يَأْكُل وَلَا يشرب على الاطلاق انما أمره بِأَن يسْتَعْمل الْآلَة الَّتِي يسمع بهَا ويبصر بهَا وَيَأْكُل وَيشْرب فِي بعض الْأَشْيَاء وَلَا يستعملها فِي بعض فَوَجَبَ أَن يكون بَين الْأَمريْنِ فرق وَلَا فرق هَهُنَا الا أَنه مكن من أحد الْأَمريْنِ وَجعلت لَهُ استطاعة علية وَلم يُمكن من ألآخر وَكَذَلِكَ رَأَوْا حَرَكَة يدالمفلوج تخَالف حَرَكَة يَد الصَّحِيح فَثَبت أَن بَينهمَا فرقا وَلَا فرق الا وجود الِاسْتِطَاعَة فِي احداها دون الْأُخْرَى ووجدوا مَعَ هَذَا أَحَادِيث تؤيد بطلَان قَول الْفَرِيقَيْنِ مَعًا وتدل على أَن الْحق متوسط بَين غلو أحد الْفَرِيقَيْنِ وتقصير الآخر كنحو مَا نروي عَن جَعْفَر الصَّادِق ﵁ أَن رجلا قَالَ لَهُ هَل الْعباد مجبرون فَقَالَ الله أعدل من أَن يجْبر عَبده ١٩ ب على مَعْصِيَته ثمَّ يعذبه عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ السَّائِل فَهَل أَمرهم مفوض اليهم فَقَالَ الله أعز من أَن يجوز فِي ملكه مَا لَا يُرِيد فَقَالَ لَهُ السَّائِل فَكيف ذَلِك اذا قَالَ أَمر بَين الْأَمريْنِ لَا جبر وَلَا تَفْوِيض
стр. 107
وكنحو مَا رُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه لما انْصَرف من صفّين قَامَ اليه شيخ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَرَأَيْت مسيرنا الى صفّين أبقضاء وَقدر فَقَالَ عَليّ ﵁ وَالله مَا علونا جبلا وَلَا هبطنا وَاديا وَلَا خطونا خطْوَة الا بِقَضَاء وَقدر فَقَالَ الشَّيْخ فَعِنْدَ الله أحتسب عنائي اذن مَا لي من أجر فَقَالَ لَهُ عَليّ ﵀ مَه يَا شيخ فَإِن هَذَا قَول أَوْلِيَاء الشَّيْطَان وخصماء الرَّحْمَن قدرية هَذِه الْأمة ان الله أَمر تخييرا وَنهى تحذيرا لم يعْص مَغْلُوبًا وَلم يطع مكْرها فَضَحِك الشَّيْخ ونهض مَسْرُورا ثمَّ قَالَ
أَنْت الامام الَّذِي نرجو بِطَاعَتِهِ
يَوْم الْقِيَامَة من ذِي الْعَرْش رضوانا ... أوضحت من ديننَا مَا كَانَ ملتبسا
جَزَاك رَبك عَنَّا فِيهِ احسانا
وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ نَحْو مقَالَة جَعْفَر
فَلَمَّا وجدوا جَمِيع هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ جمعُوا الْآيَات وَالْأَحَادِيث وبنوا بَعْضهَا على بعض فأنتج لَهُم من مجموعها مقَالَة ثَالِثَة سليمَة من شناعة المقالتين منتظمة لكل وَاحِد من الطَّرفَيْنِ ارْتَفَعت عَن تَقْصِير الجبرية وانحطت عَن غلو الْقَدَرِيَّة فَوَافَقت قَوْله ﷺ دين الله بَين الغالي والمقصر بنوا تفريعها على أصل وَجُمْلَة الْغَرَض مِنْهُ أَن لله تَعَالَى علم غيب سبق بِكُل مَا هُوَ كَائِن قبل كَونه ثمَّ خلق الْإِنْسَان فَجعل لَهُ عقلا
стр. 108
يرشده واستطاعة يَصح بهَا تَكْلِيفه ثمَّ طوى علمه السَّابِق عَن خلقه وَأمرهمْ ونهاهم وَأوجب عَلَيْهِم الْحجَّة من جِهَة الْأَمر وَالنَّهْي الواقعين عَلَيْهِم لَا من جِهَة علمه السَّابِق فيهم فهم يتصرفون بَين مُطِيع وعاص وَكلهمْ لَا يعدو علم الله السَّابِق فِيهِ
فَمن علم الله تَعَالَى مِنْهُ أَنه يخْتَار الطَّاعَة فَلَا يجوز أَن يخْتَار الْمعْصِيَة وَمن علم أَنه يخْتَار الْمعْصِيَة فَلَا يجوز أَن يخْتَار الطَّاعَة وَلَو جَازَ ذَلِك لم يكن علم الله تَعَالَى مَوْصُوفا بالكمال ولكان كعلم الْمَخْلُوق الَّذِي يُمكن أَن يَقع الْأَمر كَمَا علم وَيُمكن أَن يَقع بِخِلَاف مَا علم وَلَيْسَ فِي علم الله الْأُمُور قبل وُقُوعهَا اجبار على مَا توهمه ٢٠ أالمجبرون وَلَا تتمّ لأحد استطاعة على مَا يهم بِهِ من الْأُمُور الا بِأَن يُعينهُ الله تَعَالَى عَلَيْهِ أَو يكله الى حوله ويسلمه اليه فان عصمه الله مِمَّا يهم بِهِ من الْمعْصِيَة كَانَ فضلا وان وَكله الى نَفسه كَانَ عدلا
فاذا اعْتبرت حَال العَبْد من جِهَة الأضافة الى علم الله السَّابِق فِيهِ الَّذِي لَا يعدوه وجد فِي صُورَة الْمُجبر واذا اعْتبرت حَاله من جِهَة الاضافة الى الِاسْتِطَاعَة المخلوقة لَهُ وَالْأَمر وَالنَّهْي الواقعين عَلَيْهِ وجد فِي صُورَة الْمُفَوض اليه
стр. 109
وَلَيْسَ هُنَاكَ اجبار مُطلق وَلَا تَفْوِيض مُطلق انما هُوَ أَمر بَين أَمريْن يدق عَن أفكار المعتبرين ويحير أذهان المتأملين
وَهَذَا هُوَ معنى مَا أَشَارَ اليه حذاق أهل السّنة ﵏ بقَوْلهمْ ان العَبْد لَا مُطلق وَلَا موثق
فَمَا ورد من الْآيَات وَالْأَحَادِيث الَّتِي ظَاهرهَا الاجبار فَهُوَ مَصْرُوف الى أحد ثَلَاثَة أَشْيَاء
اما الى الْعلم السَّابِق الَّذِي لَا مخرج للْعَبد مِنْهُ وَلَا يُمكنهُ أَن يتَخَيَّر غَيره
واما الى فعل فعله الله تَعَالَى بِهِ على جِهَة الْعقَاب كَقَوْلِه ﴿بل طبع الله عَلَيْهَا بكفرهم﴾ واما الى الْإِخْبَار عَن قدرته تَعَالَى على مَا يَشَاء كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ الله لجمعهم على الْهدى﴾
وَمَا ورد من الْآيَات وَالْأَحَادِيث ظَاهره التَّفْوِيض فَهُوَ مَصْرُوف الى الْأَمر وَالنَّهْي الواقعين عَلَيْهِ وانما غَلطت الْقَدَرِيَّة فِي هَذَا لأَنهم لَا يثبتون لله تَعَالَى علما سَابِقًا بالأمور قبل وُقُوعهَا وَعلم الله عِنْدهم مُحدث تَعَالَى الله عَمَّا يَقُوله الجاهلون علوا كَبِيرا فاعتبروا حَال العَبْد من جِهَة الْأَمر وَالنَّهْي والإستطاعة المركبة فِيهِ لَا من جِهَة الْعلم السَّابِق
стр. 110
وغلطت الجبرية لأَنهم اعتبروا حَال العَبْد من جِهَة علم الله السَّابِق فِيهِ لَا من جِهَة الْأَمر وَالنَّهْي الواقعين عَلَيْهِ وظنوا أَن علم الله تَعَالَى بِجَمِيعِ مَا يَفْعَله العَبْد قبل فعله اياه اجبار مِنْهُ لَهُ على الْفِعْل وكلا الْقَوْلَيْنِ غلط لأَنهم أخذُوا بالطرف الْوَاحِد وَتركُوا الطّرف الآخر فَكَانَ الْمَذْهَب أحسن الْمذَاهب لمن آثر الْخَلَاص والسلامة
وَرَأى المشيخة وَجلة الْعلمَاء الْوَقْف عَن الْكَلَام فِي ذَلِك والخوض فِيهِ لقَوْله ﷺ اذا ذكر الْقَضَاء فأمسكوا وَلم يكن نَهْيه ﷺ وَنهي الْعلمَاء عَن الْكَلَام فِي ذَلِك من أجل أَن هَذَا أَمر لَا تمكن معرفَة الْحَقِيقَة مِنْهُ وانما كَانَ من أجل دقته وخفائه وَأَنه أَمر الْخَطَأ فِيهِ أَكثر من الاصابة فَأَنت ترى الْقَدَرِيَّة والجبرية الى يَوْمنَا هَذَا يختصمون فِيهِ وناقض بَعضهم بَعْضًا وَلَا يصلونَ مِنْهُ الى شِفَاء نفس وكل فرقة من الْفَرِيقَيْنِ يُفْضِي مذهبها الى شناعة اذا ألزمتها فرت عَنْهَا
وكلا الطَّائِفَتَيْنِ قد أَخْطَأت فِي التَّأْوِيل وضلت عَن نهج السَّبِيل ووصفت الله تَعَالَى بِصِفَات لَا تلِيق بِهِ عِنْد ذَوي الْعُقُول
وَهَذِه أعزّك الله جملَة قَليلَة تفصيلها كثير وَهُوَ بَاب ضيق المجال جدا والخائض فِيهِ تسبق اليه الظنة بِغَيْر مَا يقتقده فَلذَلِك نتحامى الْكَلَام فِيهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا نبهنا عَلَيْهِ مَعَ أَنا لم نضع كتَابنَا هَذَا للخوض فِي المقالات انما وضعناه ٢٠ ب لنبين الْمَوَاضِع الَّتِي نَشأ مِنْهَا الْخلاف
لَكنا نقُول يَنْبَغِي لمن طلب هَذَا الشَّأْن وَلم يقنعه مَا رَآهُ الْعلمَاء
стр. 111
وَأمرُوا بِهِ من ترك الْخَوْض فِيهِ أَن يُرَاعِي أصلين فان صَحا لَهُ من معتقده فَليعلم أَنه قد أصَاب فص الْحق وان أخطأهما أَو وَاحِدًا مِنْهُمَا فَليعلم أَنه قد غلط فَليُرَاجع النّظر
أَحدهمَا أَنه لَا فَاعل على الْحَقِيقَة الا الله تَعَالَى وان كل فَاعل غَيره انما يفعل بمعونة من عِنْده ومادة يمده بهَا من فيضه وَحَوله وَلَو وَكله الى نَفسه لما كَانَ لَهُ فعل الْبَتَّةَ
وَالثَّانِي أَن أَفعَال الْبَارِي كلهَا حِكْمَة مَحْضَة لَا عَبث فِيهَا وَعدل مَحْض لَا جور فِيهِ وَحسن مَحْض لَا قبح فِيهِ وَخير مَحْض لَا شَرّ فِيهِ وَأَن هَذِه الْأَشْيَاء انما تعرض فِي أفعالنا اما لوُقُوع الْأَمر وَالنَّهْي علينا واما لما ركز فِي خلقتنا من الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة الَّتِي ترينا بعض الْأَشْيَاء حسنا وَبَعضهَا قبيحا وكلا الصفتين لَا يُوصف بهما الْبَارِي لِأَنَّهُ لَا آمُر فَوْقه وَلَا ناهي وَهُوَ خَالق الْعقل وموجده
وَجُمْلَة ذَلِك أَنه لَا يشبه شَيْئا من الْمَخْلُوقَات فِي جِهَة من الْجِهَات فَكل قَول أداك الى تشبيهه بخلقه فِي ذَات أَو فعل فارفضه رفض النواة وانبذه نبذ القذاة وَاعْلَم أَن الْحق فِي غَيره فابحث عَلَيْهِ حَتَّى تظفر بِهِ وان لم يتَّفق لَك فهم الْغَرَض مِنْهُ وَالْمرَاد فاشدد يدك بِعُرْوَة هَذَا الإعتقاد وَلَا تتهم بارئك فِي حكمته وَلَا تنازعه فِي قدرته وَاعْلَم بِأَنَّهُ غَنِي عَنْك وَأَنت
стр. 112
مفتقر اليه ووارد بِمَا تزودت من عَمَلك عَلَيْهِ تبَارك الْمُنْفَرد بأقضيته وَأَحْكَامه الَّذِي لَا يُنَازع فِي نقضه وابرامه وَلَا يمتري العاقلون فِي عدله وَلَا ييأس المذنبون من عَفوه وفضله لَا رب سواهُ وَلَا معبود حاشاه
стр. 113
الْبَاب الرَّابِع فِي الْخلاف الْعَارِض من جِهَة الْعُمُوم وَالْخُصُوص ﷺ َ -
стр. 114
هَذَا الْبَاب نَوْعَانِ
أَحدهمَا يعرض فِي مَوْضُوع اللَّفْظَة المفردة
وَالثَّانِي يعرض فِي التَّرْكِيب
فَأَما الَّذِي يعرض فِي مَوْضُوع اللَّفْظَة المفردة فنحو الْإِنْسَان فَإِنَّهُ يسْتَعْمل عُمُوما وخصوصا
أما الْعُمُوم فكقوله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الْإِنْسَان مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيم﴾ ٢١ أوقوله ﴿إِن الْإِنْسَان لفي خسر﴾ وَيدل على أَنه لفظ عَام لَا يخص وَاحِدًا دون آخر قَوْله ﴿إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ فاستثنى مِنْهُ وَلَا يسْتَثْنى الا من جملَة وَنَحْو هَذَا قَول الْعَرَب أهلك النَّاس الدِّينَار وَالدِّرْهَم وَقَوْلهمْ الْملك أفضل من الْإِنْسَان والانسان متعبد دون سَائِر الْحَيَوَان
وَالْخُصُوص نَحْو قَوْلهم جَاءَنِي الانسان الَّذِي تعلم وَلَقِيت الرجل الَّذِي كلمك وَقَوله شربت المَاء وأكلت الْخبز وَلم يشرب جَمِيع
стр. 115
المَاء وَلَا أكل جَمِيع الْخبز وَهَذَا كثير مَشْهُور تغني شهرته عَن الْإِكْثَار مِنْهُ
وَقد يَأْتِي من هَذَا الْبَاب فِي الْقُرْآن الْعَظِيم والْحَدِيث أَشْيَاء يتَّفق الْجَمِيع على عمومها أَو على خصوصها وَأَشْيَاء يَقع فِيهَا الْخلاف
فَمن الْعُمُوم الَّذِي لم يخْتَلف فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم﴾ و ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِن وعد الله حق﴾ وَقَول النَّبِي ﷺ الزعيم عَارِم وَالْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على الْمُدعى عَلَيْهِ وَنَحْو ذَلِك كثير
وَمن الْخُصُوص الَّذِي لم يخْتَلف فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ﴾ وَهَذَا القَوْل لم يقلهُ جَمِيع النَّاس وانما قَالَه رجل وَاحِد وَهُوَ نعيم بن مَسْعُود وَلَا جمع لَهُم جَمِيع النَّاس وانما جمع لَهُم جُزْء مِنْهُم
стр. 116
وَمِمَّا وَقع فِيهِ الْخلاف فَاحْتَاجَ الى فضل نظر قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله﴾
قَالَ قوم ان هَذِه الْآيَة نزلت عُمُوما ثمَّ خصصت بقوله ﷺ صفح لأمتي عَمَّا حدثت بِهِ نفوسها مَا لم تكلم بِهِ أَو تعْمل وَرُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت هِيَ خُصُوص فِي الْكَافِر يحاسبه الله بِمَا أسر وأعلن وَالْقَوْل الأول أصح وأوضح لقَوْله تَعَالَى باثر ذَلِك ﴿فَيغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء﴾ وَلَا خلاف فِي أَن الْكَافِر معذب غير مغْفُور لَهُ فَدلَّ على أَن الْخطاب وَقع عُمُوما لَا خُصُوصا ثمَّ خصص بِمَا ذَكرْنَاهُ
وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿كل لَهُ قانتون﴾ قَالَ قوم هَذَا خُصُوص فِي أهل الطَّاعَة وَاحْتَجُّوا بِأَن كلا وان كَانَت فِي غَالب امرها للْعُمُوم فَإِنَّهَا قد تَأتي للخصوص كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِنِّي وجدت امْرَأَة تملكهم وَأُوتِيت من كل شَيْء﴾
стр. 117
٢١ - ب وَقَوله ﴿ريح فِيهَا عَذَاب أَلِيم تدمر كل شَيْء بِأَمْر رَبهَا﴾ ثمَّ قَالَ ﴿فَأَصْبحُوا لَا يرى إِلَّا مساكنهم﴾ وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ عُمُوم وَاخْتلف الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ فَقَالَ قوم أَرَادَ أَنهم مطيعون لَهُ يَوْم الْقِيَامَة وَهَذَا يرْوى عَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَقَالَ آخَرُونَ مطيعون فِي الدُّنْيَا وَاخْتلف الْقَائِلُونَ بِالطَّاعَةِ فِي الدُّنْيَا فَقَالَ بَعضهم طَاعَة الْكَافِر سُجُود ظله لله وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَللَّه يسْجد من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها وظلالهم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَاهُ أَن كل مَا خلق الله تَعَالَى فَفِيهِ أثر الصَّنْعَة قَائِم وميسم الْعُبُودِيَّة شَاهد أَن لَهُ خَالِقًا حكيما لِأَن أصل الْقُنُوت فِي اللُّغَة الْقيام وَيدل عَلَيْهِ قَوْله ﷺ وَقد سُئِلَ أَي الصَّلَاة أفضل فَقَالَ طول الْقُنُوت فالخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم قائمون بالعبودية اما اقرارا بألسنتهم واما بأثر الصَّنْعَة الْبَيِّنَة فيهم
стр. 118
وَمن هَذَا الْبَاب قَوْله تَعَالَى ﴿لَا إِكْرَاه فِي الدّين﴾ قَالَ قوم هَذَا خُصُوص فِي أهل الْكتاب لَا يكْرهُونَ على الْإِسْلَام اذا أدواالجزية وَهُوَ قَول الشّعبِيّ
وَكَانَ ابْن عَبَّاس ﵄ يرَاهُ أَيْضا خُصُوصا وَفَسرهُ فَقَالَ مَعْنَاهُ أَن الْمَرْأَة من الْأَنْصَار كَانَت لَا يعِيش لَهَا ولد فتنذر على نَفسهَا لَئِن عَاشَ لتهودنه فَلَمَّا أَجلي بَنو النَّضِير اذا فيهم نَاس من أَبنَاء الْأَنْصَار فَقَالَت الْأَنْصَار يَا رَسُول الله أَبْنَاؤُنَا فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة
وَقَالَ قوم هِيَ عُمُوم ثمَّ نسخت بقوله ﴿جَاهد الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ﴾
وَمن هَذَا الْبَاب قَوْله تَعَالَى ﴿علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم﴾
стр. 119
فَذهب قوم الى أَنه خُصُوص وَاخْتلفُوا فِي حَقِيقَة ذَلِك فَقَالَ بَعضهم أَرَادَ آدم ﵇ وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾
وَقَالَ بَعضهم أَرَادَ مُحَمَّدًا ﷺ وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وعلمك مَا لم تكن تعلم﴾
وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ عُمُوم فِي جَمِيع النَّاس وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَمَا تقدم لَا يقوم عَلَيْهِ دَلِيل
وَمن ذَلِك قَوْله ﷺ الْمُؤمن يَأْكُل فِي معى وَاحِد وَالْكَافِر يَأْكُل فِي سَبْعَة أمعاء قَالَ قوم هَذَا خُصُوص فِي جَهْجَاه الْغِفَارِيّ وردعلى النَّبِي ﷺ يُرِيد الاسلام فحلبت لَهُ سبع شِيَاه فَشرب لَبنهَا ثمَّ أسلم فحلبت لَهُ شَاة وَاحِدَة فكفته فَذكر ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَقَالَ هَذِه الْمقَالة
فَقَالَ ٢٢ أقوم أَنه عُمُوم فِي كل كَافِر وَاخْتلفُوا فِي حَقِيقَة مَعْنَاهُ
стр. 120
فَقَالَ قوم مَعْنَاهُ أَن الْمُؤمن يُسَمِّي الله تَعَالَى على طَعَامه فَتكون فِيهِ الْبركَة وَالْكَافِر بِخِلَاف ذَلِك
وَقَالَ آخَرُونَ انما ضرب هَذَا مثلا للزهادة فِي الدُّنْيَا والحرص عَلَيْهَا فَجعل الْمُؤمن لقناعته باليسير من الدُّنْيَا كالآكل فِي معى وَاحِد وَالْكَافِر لشدَّة رغبته فِي الدُّنْيَا كالآكل فِي سَبْعَة أمعاء
وَهَذَا القَوْل أصح الْأَقْوَال وَيشْهد لصِحَّته مَا رَوَاهُ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ان أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم مَا يخرج الله لكم من بَرَكَات الأَرْض فَقَالَ لَهُ رجل يَا رَسُول الله هَل يَأْتِي الْخَيْر بِالشَّرِّ فَسكت رَسُول الله ﷺ حَتَّى ظننا أَنه يُوحى اليه ثمَّ مسح الْعرق عَن جَبينه وَقَالَ أَيْن السَّائِل فَقَالَ هَا أَنا ذَا يَا رَسُول الله فَقَالَ ان الْخَيْر لَا يَأْتِي الا بِالْخَيرِ ثَلَاثًا وَلَكِن هَذَا المَال خضرَة حلوة وان مِمَّا ينْبت الرّبيع مَا يقتل حَبطًا أَو يلم الا آكِلَة الْخضر تَأْكُل حَتَّى اذا امْتَلَأت خاصرتاها اسْتقْبلت الشَّمْس فبالت وثلطت ثمَّ عَادَتْ فَأكلت ان هَذَا المَال خضرَة حلوة من أَخذه بِحقِّهِ وَوَضعه فِي حَقه فَنعم المعونة هُوَ وَمن أَخذه بِغَيْر حَقه وَوَضعه فِي غير حَقه كَانَ كَالَّذي يَأْكُل وَلَا يشْبع
стр. 121
وَنَحْو من هَذَا أَيْضا قَول أبي ذَر ﵀ تخضمون ونقضم والموعد الله
والخضم الْأكل بالفم كُله فَضَربهُ مثلا للرغبة فِي الدُّنْيَا والقضم الْأكل بأطراف الْأَسْنَان فَضَربهُ مثلا للقناعة ونيل الْبلْغَة من الْعَيْش
وَقيل الخضم أكل الرطب والقضم أكل الْيَابِس وَهُوَ نَحْو الْمَعْنى الأول
وَقد يَأْتِي من هَذَا الْبَاب مَا مَوْضُوعه فِي اللُّغَة على الْعُمُوم ثمَّ تخصصه الشَّرِيعَة كالمتعة فَإِنَّهَا عِنْد الْعَرَب اسْم لكل شَيْء استمتع بِهِ لَا يخص بِهِ شَيْء دون آخر ثمَّ نقلت عَن ذَلِك واستعملت فِي الشَّرِيعَة على ضَرْبَيْنِ
أَحدهمَا فِي الْمُتْعَة الَّتِي كَانَت مُبَاحَة فِي أول الأسلام ثمَّ نهي عَنْهَا وَنسخت بِالنِّكَاحِ وَالْوَلِيّ
وَالثَّانِي مَا تمتّع بِهِ الْمَرْأَة من مهرهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ومتعوهن على الموسع قدره وعَلى المقتر قدره﴾ وَلأَجل هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَقع الْخلاف فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ فَرِيضَة﴾
стр. 122
فَكَانَ ابْن عَبَّاس يذهب بِمَعْنَاهُ الى الْمُتْعَة الأولى وَذهب جمَاعَة الْفُقَهَاء الى أَن الْمُتْعَة الأولى مَنْسُوخَة وَأَن هَذِه الْآيَة كَالَّتِي من الْبَقَرَة وَأَن معنى قَوْله ٢٢ ب ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ انما أَرَادَ الْمهْر
وَالدَّلِيل على صِحَة قَول الْجَمَاعَة قَوْله ﴿فانكحوهن بِإِذن أهلهن﴾ فَهَذَا الْمهْر بِإِجْمَاع
стр. 123
الْبَاب الْخَامِس فِي الْخلاف الْعَارِض من جِهَة الرِّوَايَة ﷺ َ -
стр. 124
هَذَا الْبَاب لَا تتمّ الْفَائِدَة الَّتِي قصدناها مِنْهُ الا بِمَعْرِِفَة الْعِلَل الَّتِي تعرض للْحَدِيث فتحيل مَعْنَاهُ فَرُبمَا أوهمت فِيهِ مُعَارضَة بعضه لبَعض وَرُبمَا ولدت فِيهِ اشكالا يحوج الْعلمَاء الى طلب التَّأْوِيل الْبعيد
وَنحن نذْكر الْعِلَل كم هِيَ وَنَذْكُر من كل نوع مِنْهَا مِثَالا أَو أَمْثِلَة يسْتَدلّ بهَا على غَيرهَا ان شان الله تَعَالَى
اعْلَم أَن الحَدِيث الْمَأْثُور عَن رَسُول الله ﷺ وَعَن أَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان ﵃ تعرض لَهُ ثَمَانِي علل
أولاها فَسَاد الْإِسْنَاد
وَالثَّانيَِة من جِهَة نقل الحَدِيث على مَعْنَاهُ دون لَفْظَة
وَالثَّالِثَة من جِهَة الْجَهْل بالإعراب
وَالرَّابِعَة من جِهَة التَّصْحِيف
وَالْخَامِسَة من جِهَة اسقاط شَيْء من الحَدِيث لَا يتم الْمَعْنى الا بِهِ
وَالسَّادِسَة أَن ينْقل الْمُحدث الحَدِيث ويغفل نقل السَّبَب الْمُوجب لَهُ أَو بِسَاط الْأَمر الَّذِي جر ذكره
وَالسَّابِعَة أَن يسمع الْمُحدث بعض الحَدِيث ويفوته سَماع بعضه
وَالثَّامِنَة نقل الحَدِيث من الصُّحُف دون لِقَاء الشُّيُوخ
стр. 125
الْعلَّة الأولى وَهِي فَسَاد الاسناد وَهَذِه الْعلَّة أشهر الْعِلَل عِنْد النَّاس حَتَّى ان كثيرا مِنْهُم يتَوَهَّم أَنه اذا صَحَّ الْإِسْنَاد صَحَّ الحَدِيث وَلَيْسَ كَذَلِك فانه قد يتَّفق أَن يكون رُوَاة الحَدِيث مشهورين بِالْعَدَالَةِ معروفين بِصِحَّة الدّين وَالْأَمَانَة غير مطعون عَلَيْهِم وَلَا مستراب بنقلهم وَتعرض مَعَ ذَلِك لأحاديثهم أَعْرَاض على وُجُوه شَتَّى من غير قصد مِنْهُم الى ذَلِك على مَا ترَاهُ فِي بَقِيَّة هَذَا الْبَاب ان شَاءَ الله
والإسناد يعرض لَهُ الْفساد من أوجه
مِنْهَا الْإِرْسَال وَعدم الإتصال
ومنهاأن يكون بعض رُوَاته صَاحب بِدعَة أَو مُتَّهمًا بكذب وَقلة ثِقَة أَو مَشْهُورا ببله وغفلة أَو يكون متعصبا لبَعض الصَّحَابَة منحرفا عَن بَعضهم فَإِن من كَانَ مَشْهُورا بالتعصب ثمَّ روى حَدِيثا فِي تَفْضِيل من يتعصب لَهُ وَلم يرد من غير طَرِيقه لزم أَن يستراب بِهِ وَذَلِكَ أَن افراط عصبية الانسان لمن يتعصب لَهُ وَشدَّة محبته ٢٣ أيحمله على افتعال الحَدِيث وان لم يفتعله بدله وَغير بعض حُرُوفه كنحو مَا
стр. 126
فعلت الشِّيعَة فَإِنَّهُم رووا أَحَادِيث كَثِيرَة فِي تَفْضِيل على ﵁ وَوُجُوب الْخلَافَة لَهُ ينكرها أهل السّنة مثل روايتهم أَن نجما سقط على عهد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ انْظُرُوا فَفِي منزل من وَقع فَهُوَ الْخَلِيفَة بعدِي فنظروا فَإِذا هُوَ قد سقط فِي دَار عَليّ فَأكْثر النَّاس فِي ذَلِك الْكَلَام فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿والنجم إِذا هوى مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى﴾ فَهَذَا حَدِيث لَا يشك ذُو لب فِي أَنه مَصْنُوع مركب على الْآيَة
وكالذي فعلت الْمُعْتَزلَة فانهم تجاوزوا تَغْيِير الحَدِيث الى أَن راموا تَغْيِير الْقُرْآن فَلم يَصح لَهُم ذَلِك فِي الْقُرْآن لإِجْمَاع الْأمة عَلَيْهِ وَصَحَّ فِي كثير من الحَدِيث فغيروا فِي الْمُصحف مَوَاضِع كَثِيرَة كقراءتهم من ﴿شَرّ مَا﴾
стр. 127
خلق بِالتَّنْوِينِ وقراءتهم قَالَ عَذَابي أُصِيب بِهِ من أَسَاءَ بسين غير مُعْجمَة وَفتح الْهمزَة وَقَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ ان مَعْنَاهُ دفعنَا وأنشدوا قَول المثقب
стр. 128
تَقول اذا ذرأت لَهَا وضيني
أَهَذا دينه أبدا وديني
وَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا انما يُقَال فِي الدّفع درأت بدال غير مُعْجمَة وَكَذَلِكَ رُوِيَ بَيت المثقب بدال غير مُعْجمَة وانما ذرأنا بِالذَّالِ مُعْجمَة بِمَعْنى خلقنَا
وَقد رُوِيَ عَن بَعضهم أَنه قَرَأَ وَلَقَد درأنا بِالدَّال غير مُعْجمَة
وَمِمَّا يبْعَث على الإسترابة بِنَقْل النَّاقِل أَن يعلم مِنْهُ حرص على الدُّنْيَا وتهافت على الإتصال بالملوك ونيل المكانة والحظوة عِنْدهم عِنْدهم فان من كَانَ بِهَذِهِ الصّفة لم يُؤمن عَلَيْهِ التَّغْيِير والتبديل والإفتعال للْحَدِيث وَالْكذب حرصا على مكسب يحصل عَلَيْهِ أَلا ترى الى قَول الْقَائِل
وَلست وان قربت يَوْمًا ببائع
خلاقي وَلَا ديني ابْتِغَاء التحبب ... ويعتده قوم كثير تِجَارَة
ويمنعني من ذال ديني ومنصبي
وَقد نبه رَسُول الله ﷺ على نَحْو هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ بقوله ان الْأَحَادِيث ستكثر بعدِي كَمَا كثرت عَن الْأَنْبِيَاء قبلي فَمَا جَاءَكُم عني
стр. 129
فأعرضوه على كتاب الله تَعَالَى فَمَا وَافق كتاب الله فَهُوَ عني قلته أَو لم لم أَقَله ٢٣ ب
وَقد رُوِيَ أَن قوما من الْفرس وَالْيَهُود وَغَيرهم لما رأوأ الْإِسْلَام قد ظهر وَعم ودوخ وأذل جَمِيع الامم وَرَأَوا أَنه لَا سَبِيل الى مناصبته رجعُوا الى الْحِيلَة والمكيدة فأظهروا الْإِسْلَام عَن غير رَغْبَة فِيهِ وَأخذُوا أنفسهم بالتعبد والتقشف فَلَمَّا حمد النَّاس طريقتهم ولدُوا الْأَحَادِيث والمقالات وَفرقُوا النَّاس فرقا وَأكْثر ذَلِك فِي الشِّيعَة كَمَا يحْكى عَن عبد الله بن سبأ الْيَهُودِيّ أَنه أسلم واتصل بعلي ﵁ وَصَارَ من شيعته فَلَمَّا أخبر بقتْله وَمَوته قَالَ كَذبْتُمْ وَالله لَو جئتموني بدماغه مصرورا فِي سبعين صرة مَا صدقت بِمَوْتِهِ وَلَا يَمُوت حَتَّى يمْلَأ الأَرْض عدلا كَمَا ملئت جورا نجد ذَلِك فِي كتاب الله فَصَارَت مقَالَة يعرف أَهلهَا
стр. 130
بالسبئية وانه قَالَ ان عليا هُوَ الْإِلَه وَأَنه يحيي الْمَوْتَى وَأَنه غَابَ وَلم يمت
وَإِذا كَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ يتشدد فِي الحَدِيث ويتوعد عَلَيْهِ وَالزَّمَان زمَان وَالصَّحَابَة متوافرون والبدع لم تظهر وَالنَّاس فِي الْقرن الَّذِي اثنى عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فَمَا ظَنك بِالْحَال فِي الأزمنه الَّتِي ذمها رَسُول الله ﷺ وَقد كثرت الْبدع وَقلت الْأَمَانَة
وللبخاري ﵀ فِي هَذَا الْبَاب غناء مشكور وسعي مبرور وَكَذَلِكَ لمُسلم وَابْن معِين فَإِنَّهُم انتقدوا الحَدِيث وحرروه ونبهوا على ضعفاء الْمُحدثين والمتهمين بِالْكَذِبِ حَتَّى ضج من ذَلِك من كَانَ فِي عصرهم وَكَانَ ذَلِك أحد الْأَسْبَاب الَّتِي أوغرت صُدُور الْفُقَهَاء على البُخَارِيّ فَلم يزَالُوا يرصدون لَهُ المكاره حَتَّى أمكنتهم فِيهِ فرْصَة بِكَلِمَة قَالَهَا فكفروه بهَا وامتحنوه وطردوه من مَوضِع الى مَوضِع وَحَتَّى حمل
стр. 131
بعض النَّاس قلقه من ذَلِك على أَن قَالَ
وَلابْن معِين فِي الرِّجَال مقَالَة
سيسأل عَنْهَا والمليك شَهِيد ... فَإِن يَك حَقًا قَوْله فَهُوَ غيبَة
وان يَك زورا فالعقاب شَدِيد
وَمَا أخلق قَائِل هَذَا الشّعْر بِأَن يكون دفع مغرما وَأسر حسوا فِي ارتغاء لِأَن ابْن معِين فِيمَا فعل أَجْدَر بِأَن يكون مأجورا من أَن يكون موزورا وَألا يكون فِي ذَلِك ٢٤ أملوما بل مشكورا
الْعلَّة الثَّانِيَة وَهِي نقل الحَدِيث على الْمَعْنى دون لفظ الحَدِيث بِعَيْنِه وَهَذَا الْبَاب يعظم الْغَلَط فِيهِ جدا وَقد نشأت مِنْهُ بَين النَّاس شغوب شنيعة وَذَاكَ أَن أَكثر الْمُحدثين لَا يراعون أَلْفَاظ النَّبِي ﷺ الَّتِي نطق بهَا وانما ينقلون الى من بعدهمْ معنى مَا أَرَادَهُ بِأَلْفَاظ أخر وَلذَلِك تَجِد الحَدِيث الْوَاحِد فِي الْمَعْنى الْوَاحِد يرد بِأَلْفَاظ شَتَّى ولغات مُخْتَلفَة يزِيد بعض الفاظها على بعض وَينْقص بَعْضهَا عَن بعض على أَن اخْتِلَاف أَلْفَاظ الحَدِيث قد
стр. 132
يعرض من أجل تَكْرِير النَّبِي ﷺ فِي مجَالِس عدَّة مُخْتَلفَة وَمَا كَانَ من الحَدِيث بِهَذِهِ الصّفة فَلَيْسَ كلامنا فِيهِ وانما كلامنا فِي اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ الَّتِي تعرض من أجل نقل الحَدِيث على الْمَعْنى
وَوجه الْغَلَط الْوَاقِع من هَذِه الْجِهَة أَن النَّاس يتفاضلون فِي قرائحهم وأفهامهم كَمَا يتفاضلون فِي صورهم وألوانهم وَغير ذَلِك من أُمُورهم وأحوالهم فَرُبمَا اتّفق أَن يسمع الرَّاوِي الحَدِيث من النَّبِي ﷺ أَو من غَيره فيتصور مَعْنَاهُ فِي نَفسه على غير الْجِهَة الَّتِي أرادها فَإِذا عبر عَن ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي تصور فِي نَفسه على غير الْجِهَة الَّتِي أرادها فاذا عبر عَن ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي تصور فِي نَفسه بِأَلْفَاظ أخر كَانَ قد حدث بِخِلَاف مَا سمع عَن غير قصد مِنْهُ الى ذَلِك وَذَلِكَ أَن الْكَلَام الْوَاحِد قد يحْتَمل مَعْنيين وَثَلَاثَة وَقد تكون فِيهِ اللَّفْظَة الْمُشْتَركَة الَّتِي تقع على الشَّيْء وضده كَقَوْلِه ﷺ قصوا الشَّوَارِب وأعفوا اللحا فَقَوله أعفوا يحْتَمل أَن يُرِيد وفروا وكثروا وَيحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ قللُوا وخففوا فَلَا يفهم مُرَاده من ذَلِك الا بِدَلِيل من لفظ آخر والمعنيان جَمِيعًا موجودان فِي كَلَام الْعَرَب يُقَال عَفا وبر النَّاقة اذا كثر وَكَذَلِكَ عَفا لَحمهَا قَالَ الله
стр. 133
عز وَجل ﴿حَتَّى عفوا﴾ أَي كَثُرُوا قَالَ جرير ... وَلَكنَّا نعض السَّيْف مِنْهَا ... بأسؤق عافيات اللَّحْم كوم ...
وَيُقَال عَفا الْمنزل اذا درس قَالَ زُهَيْر ... عَفا من آل فَاطِمَة الجواء ... فِيمَن فالقوادم فالحساء ...
فَفِي مثل هَذَا يجوز أَن يذهب النَّبِي ﷺ الى الْمَعْنى الْوَاحِد ٢٤ ب وَيذْهب الرَّاوِي عَنهُ الى الْمَعْنى الآخر فَإِذا أدّى معنى مَا سمع دون لَفظه بِعَيْنِه كَانَ قد روى عَنهُ ضد مَا أَرَادَهُ غير عَامِد
وَلَو أدّى لَفظه بِعَيْنِه لَأَوْشَكَ أَن يفهم مِنْهُ الآخر مَا لم يفهم الأول
وَقد علم ﷺ أَن هَذَا سيعرض بعده فَقَالَ محذرا من ذَلِك نضر
стр. 134
الله امْرَءًا سمع مَقَالَتي فوعاها وأداها كَمَا سَمعهَا فَرب مبلغ أوعى من مبلغ
وَمن نَحْو هَذَا مَا رُوِيَ عَنهُ ﷺ أَن رجلا جَاءَهُ فَقَالَ أَيجوزُ اتيان الْمَرْأَة فِي دبرهَا فَقَالَ نعم فَلَمَّا أدبر الرجل قَالَ ردُّوهُ عَليّ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ فِي أَي الخرطتين أردْت اما من دبرهَا فِي قبلهَا فَنعم وَأما من دبرهَا فِي دبرهَا فَلَا
وَقد غلط قوم فِي حَدِيث عَائِشَة ﵂ فِي هَذَا الْمَعْنى اذا حَاضَت الْمَرْأَة حرم الجحران فتوهموا أَن هَذَا الْكَلَام يَنْفَكّ مِنْهُ جَوَاز الْإِتْيَان فِي الدبر وَهَذَا غلط شَدِيد مِمَّن تَأَوَّلَه
وَقد رَوَاهُ بَعضهم الجحران بِضَم النُّون وَزعم أَن الجحران الْفرج ذكر ذَلِك ابْن قُتَيْبَة
وَالرِّوَايَة الأولى هِيَ الْمَشْهُورَة وَلَيْسَ فِي الحَدِيث شَيْء مِمَّا توهموه وانما كَانَ يلْزم مَا قَالُوهُ لَو كَانَت الطَّهَارَة من الْمَحِيض شرطا فِي جَوَاز اتيان الْمَرْأَة فِي جحريها مَعًا فَكَانَ يلْزم عِنْد ذَلِك أَن يكون ارْتِفَاع الطَّهَارَة
стр. 135
سَببا لتحريمهما مَعًا كَمَا كَانَ شرطا فِي تحليلهما مَعًا فَإِذا لم يَجدوا سَبِيلا الى تَصْحِيح هَذِه الدَّعْوَى لم يلْزم مَا قَالُوهُ
وانما الْمَعْنى فِي قَول عَائِشَة ﵂ أَن فرج الْمَرْأَة يُخَالف دبرهَا فِي اباحة أَحدهمَا وَتَحْرِيم الآخر وَالْإِبَاحَة الَّتِي خَالَفت بَينهمَا معلقَة بِشَرْط الطَّهَارَة من الْحيض فَإِذا ارْتَفع شَرط الطَّهَارَة ارْتَفَعت الْإِبَاحَة الَّتِي كَانَت معلقَة بِهِ فاستويا مَعًا فِي التَّحْرِيم لارْتِفَاع السَّبَب الَّذِي فرق بَينهمَا وَهَذَا كَقَوْل قَائِل لَو قالحرم الشرابان يُرِيد الْخمر والنبيذ أَي اسْتَويَا فِي التَّحْرِيم لِأَن النَّبِيذ اذا أسكر النَّبِيذ انما خَالف الْخمر بِشَرْط عدم الْإِسْكَار فَلَمَّا ذهب السَّبَب وَالشّرط الَّذِي فرق بَينهمَا تَسَاويا مَعًا فِي التَّحْرِيم فَكَمَا أَن هَذَا القَوْل لَا يلْزم مِنْهُ اباحة الْخمر قبل وجود الْإِسْكَار فِي النَّبِيذ فَكَذَلِك قَول عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا لَا يلْزم مِنْهُ اباحة نِكَاح الدبر قبل وجود الْحيض فِي الْفرج
وَنَظِير هَذَا أَيْضا ٢٥ أأن رجلا لَو كَانَ مَعَه ثَوْبَان أَحدهمَا فِيهِ نَجَاسَة تحرم عَلَيْهِ الصَّلَاة بِهِ وَالْآخر طَاهِر يجوز لَهُ الصَّلَاة بِهِ ثمَّ أَصَابَت الثَّانِي نَجَاسَة فَقَالَ لَهُ قَائِل قد حرمت الصَّلَاة عَلَيْك بالثوبين انما أَرَادَ أَن الثَّوْب الثَّانِي قد صَار مثل الأول فِي التَّحْرِيم لعدم الشَّرْط المفرق بَينهمَا
وَقد جَاءَ فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ مَا ينحو نَحْو هَذَا وان لم يكن مثله
стр. 136
من جَمِيع الْوُجُوه وَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنهُ من قَوْله ﵇ من سره أَن يذهب كثير من وحر صَدره فليصم شهر الصَّبْر وَثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر يُرِيد بِشَهْر الصَّبْر شهر رَمَضَان وَلَيْسَ المُرَاد أَن شهر الصَّبْر مُبَاح الْأكل فِيهِ لمن لم يسره ذهَاب وحر صَدره وانما مَعْنَاهُ فليضف الى شهر الصَّبْر الْوَاجِب صَوْمه على كل حَال ثَلَاثَة أَيَّام يصومها من كل شهر
وَمن طريف الْغَلَط الْوَاقِع فِي اشْتِرَاك الْأَلْفَاظ مَا رُوِيَ من أَن النَّبِي ﷺ وهب لعَلي ﵁ عِمَامَة تسمى السَّحَاب فاجتاز عَليّ ﵀ متعمما بهَا فَقَالَ النَّبِي ﵇ لمن كَانَ مَعَه أما رَأَيْتُمْ عليا فِي السَّحَاب أَو نَحْو هَذَا من اللَّفْظ فَسَمعهُ بعض المتشيعين لعَلي ﵁ فَظن أَنه يُرِيد السَّحَاب الْمَعْرُوف فَكَانَ ذَلِك سَببا لاعتقاد الشِّيعَة أَن عليا فِي السَّحَاب وَلذَلِك قَالَ اسحاق بن سُوَيْد الْفَقِيه
стр. 137
بَرِئت من الْخَوَارِج لست مِنْهُم
من الغزال مِنْهُم وَابْن بَاب ... وَمن قوم اذا ذكرُوا عليا
يردون السَّلَام على السَّحَاب ... وَلَكِنِّي أحب بِكُل قلبِي
وَأعلم أَن ذال من الصَّوَاب ... رَسُول الله وَالصديق حبا
بِهِ أَرْجُو غَدا حسن الثَّوَاب
وَقد جعل بعض الْعلمَاء من هَذَا الْبَاب الحَدِيث الْمَرْوِيّ فِي خلق آدم على صُورَة الرَّحْمَن قَالُوا وانما قَالَ رَسُول الله ﷺ خلق الله آدم على صورته وَالْهَاء رَاجِعَة الى آدم فَتوهم بعض السامعين أَنَّهَا عَائِدَة على الله فنقله على الْمَعْنى دون اللَّفْظ وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ لَا يلْزم وسنتكلم على هَذَا الحَدِيث اذا انتهينا الى مَوْضِعه من هَذَا الْبَاب ان شَاءَ الله تَعَالَى
فَهَذِهِ أَمْثِلَة من هَذَا النَّوْع تنبه على بَقِيَّته ان شَاءَ الله تَعَالَى
الْعلَّة الثَّالِثَة وَهِي الْجَهْل بالإعراب ومعاني كَلَام الْعَرَب ٢٥ ب ومجازاتها وَذَلِكَ أَن كثيرا من رُوَاة الحَدِيث قوم جهال بِلِسَان الْعَرَب لَا يفرقون بَين
стр. 138
الْمَرْفُوع والمنصوب والمخفوض ولعمري لَو أَن الْعَرَب وضعت لكل معنى لفظا يُؤَدِّي عَنهُ لَا يلتبس بِغَيْرِهِ لَكَانَ لَهُم عذر من ترك تعلم الْإِعْرَاب وَلم يكن لَهُم حَاجَة اليه فِي معرفَة الْخَطَأ من الصَّوَاب
وَلَكِن الْعَرَب قد تفرق بَين الْمَعْنيين المتضادين بالحركات فَقَط وَاللَّفْظ وَاحِد أَلا ترى أَن الْفَاعِل وَالْمَفْعُول لَيْسَ بَينهمَا أَكثر من الرّفْع وَالنّصب فَرُبمَا حدث الْمُحدث بِالْحَدِيثِ فرقع لَفْظَة مِنْهُ يَنْوِي بهَا أَنَّهَا فاعلة وَنصب أُخْرَى يَنْوِي بهَا أَنَّهَا مفعولة فَنقل عَنهُ السَّامع ذَلِك الحَدِيث فَرفع مَا نصب وَنصب مَا رفع جهلا مِنْهُ بِمَا بَين الْأَمريْنِ فانعكس الْمَعْنى الى ضد مَا أَرَادَهُ الْمُحدث الأول
أَلا ترى أَن قَوْله ﷺ لَا يقتل قرشي صبرا بعد الْيَوْم اذا جزمت اللَّام من يقتل كَانَ لَهُ معنى واذا رفعت كَانَ لَهُ معنى آخر
وَلَو أَن قَارِئًا قَرَأَ ﴿هُوَ الأول وَالْآخر﴾ فَفتح الْخَاء لَكَانَ قد كفر وأشرك بِاللَّه واذا كسر الْخَاء آمن ووحد فَلَيْسَ بَين الإنمان وَالْكفْر غير حَرَكَة
стр. 139
وَلذَلِك قَالَ ﷺ رحم الله امْرأ أصلح من لِسَانه وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ تعلمُوا الْفَرَائِض وَالسّنة واللحن كَمَا تتعلمون الْقُرْآن
واللحن اللُّغَة قَالَ الشَّاعِر
وَمَا هاج هَذَا الشوق الا حمامة
تبكت على خضراء سمر قيودها ... صدوح الضُّحَى مَعْرُوفَة اللّحن لم تزل
تقود الْهوى من مسعد ويقودها
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الله الْخَالِق البارئ المصور﴾ لَيْسَ بَين الْإِيمَان وَالْكفْر فِيهِ غير فتح الْوَاو وَكسرهَا وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين﴾
وَلَو أَن رجلَيْنِ تقدما الى حكم يَدعِي أَحدهمَا على صَاحبه بِثَوْب فقرره الحكم على ذَلِك فَإِنَّهُ ان قَالَ مَا أخذت لَهُ ثوب فَرفع أقرّ
стр. 140
بِالثَّوْبِ على نَفسه وَلَزِمَه احضار ثوب وان قَالَ مَا أخذت لَهُ ثوبا فنصب لم يقر بِشَيْء وَلَزِمتهُ الْيَمين ان لم تعم عَلَيْهِ بِهِ بَيِّنَة
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ رجل لامْرَأَته أَنْت طَالِق ان دخلت الدَّار فانه ان فتح الْهمزَة طلقت عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْوَقْت ٢٦ أدون تَأْخِير وان كسر الْهمزَة لم تطلق عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْوَقْت وانما تطلق عَلَيْهِ فِيمَا يسْتَقْبل ان كَانَ مِنْهَا دُخُول فِي الدَّار
ويروى أَن الْكسَائي ﵀ كتب اليه مَا تَقول فِي رجل قَالَ
فان ترفقي يَا هِنْد فالرفق أَيمن
وان تخرقي يَا هِنْد فالخرق أشأم ... فَأَنت طَلَاق وَالطَّلَاق عَزِيمَة
ثَلَاث وَمن يخرق أعق وأظلم
فَقَالَ الْكسَائي ﵀ إِن كَانَ رفع الْعَزِيمَة وَنصب الثَّلَاث فَهِيَ ثَلَاث تَطْلِيقَات وان كَانَ نصب الْعَزِيمَة وَرفع الثَّلَاث فَهِيَ وَاحِدَة يُرِيد أَنه اذا رفع الْعَزِيمَة وَنصب الثَّلَاث صَار التَّقْدِير فَأَنت طَالِق ثَلَاثًا وَالطَّلَاق عَزِيمَة على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير واذا نصب الْعَزِيمَة وَرفع الثَّلَاث لم ينْو ثَلَاث التَّقْدِيم وَصَارَ التَّقْدِير فَأَنت طَلَاق وَتمّ الْكَلَام ثمَّ قَالَ وَالطَّلَاق فِي حَال
стр. 141
عَزِيمَة الْمُطلق عَلَيْهِ ثَلَاث فَلم يكن فِي هَذَا الْكَلَام مَا يدل على أَن هَذَا الْمُطلق عزم على الثَّلَاث فَيقْضى عَلَيْهِ بِوَاحِدَة
وَقد يُمكن أَيْضا أَن يرفع الثَّلَاث والعزيمة مَعًا فَيكون التَّقْدِير فَأَنت طَالِق ثَلَاث وَالطَّلَاق عَزِيمَة فَيلْزم من ذَلِك ثَلَاث تَطْلِيقَات وَالله أعلم الْعلَّة الرَّابِعَة
وَهِي التَّصْحِيف وَهَذَا أَيْضا بَاب عَظِيم الْفساد فِي الحَدِيث جدا وَذَلِكَ أَن كثيرا من الْمُحدثين لَا يضبطون الْحُرُوف وَلَكنهُمْ يرسلونها ارسالا غير مُقَيّدَة وَلَا مثقفة اتكالا على الْحِفْظ فاذا غفل الْمُحدث عَمَّا كتب مُدَّة من زَمَانه ثمَّ احْتَاجَ الى قِرَاءَة مَا كتب أَو قرأءه غَيره فَرُبمَا رفع الْمَنْصُوب وَنصب الْمَرْفُوع كَمَا قُلْنَا فَانْقَلَبت الْمعَانِي الى أضدادها
وَرُبمَا تصحف لَهُ الْحَرْف بِحرف آخر لعدم الضَّبْط فِيهِ فانعكس الْمَعْنى الى نقيض المُرَاد بِهِ وَذَلِكَ أَن هَذَا الْخط الْعَرَبِيّ شديدالاشتباه وَرُبمَا لم يكن بَين الْمَعْنيين المتضادين غير الْحَرَكَة أَو النقطة كَقَوْلِهِم مكرم بِكَسْر الرَّاء اذا كَانَ فَاعِلا ومكرم بِفَتْح الرَّاء اذا كَانَ مَفْعُولا وَرجل أفرع بِالْفَاءِ اذا كَانَ تَامّ الشّعْر واقرع الْقَاف لَا شقر فِي رَأسه وَفِي الحَدِيث كَانَ رَسُول الله ﷺ أفرع
стр. 142
وَقد جَاءَت من هَذَا الْبَاب أَشْيَاء كَثِيرَة طريفة عَن الْمُحدثين نَحْو مَا يرْوى عَن يزِيد بن ٢٦ ب هَارُون أَنه روى كُنَّا جُلُوسًا حول بشر بن مُعَاوِيَة وانما هُوَ حول سَرِير مُعَاوِيَة
وكما روى عبد الرَّزَّاق يُقَاتلُون خور كرمان وانما هُوَ خوز الزَّاي مُعْجمَة
وكما صحف شُعْبَة التلب الْعَنْبَري فَرَوَاهُ بثاء مُثَلّثَة مَكْسُورَة
стр. 143
وَلَام سَاكِنة وانما هُوَ التلب بِالتَّاءِ مُعْجمَة بِاثْنَتَيْنِ وَكسر التَّاء وَاللَّام وَتَشْديد الْبَاء على وزن طمر وَيدل عَلَيْهِ قَول الشَّاعِر ... ان التلب لَهُ عرس يَمَانِية ... كَأَن فسوتها فِي الْبَيْت اعصار ... وروى بَعضهم دخلت الْجنَّة فَرَأَيْت فِيهَا حبائل اللُّؤْلُؤ وَلَا وَجه للحبائل هَهُنَا لِأَن الحبائل عِنْد الْعَرَب الشباك الَّتِي يصاد بهَا الوحوش واحدتها حبالة وَمن كَلَام الْعَرَب خش ذؤالة بالحبالة وانما هُوَ جنابذ اللُّؤْلُؤ والجنابذ جمع جنبذة وَهِي الْقبَّة
стр. 144
وَهَذَا النَّوْع كثير جدا وَقد وضع فِيهِ الدَّارَقُطْنِيّ ﵀ كتابا مَشْهُورا سَمَّاهُ تَصْحِيف الْحفاظ
وَمن ظريف مَا وَقع مِنْهُ فِي كتاب مُسلم وَمُسْنَده الصَّحِيح نَحن يَوْم الْقِيَامَة على كَذَا انْظُر وَهَذَا شَيْء لَا يتَحَصَّل لَهُ معنى وَهَكَذَا نجده فِي أَكثر النّسخ وانما هُوَ نَحن يَوْم الْقِيَامَة على كوم والكوم جمع كومة وَهُوَ الْمَكَان المشرف فصحفه بعض النقلَة فَكتب نَحن يَوْم الْقِيَامَة على كَذَا فَقَرَأَ من قَرَأَ فَلم يفهم مَا هُوَ فَكتب فِي طرة الْكتاب انْظُر يَأْمر من قَرَأَ الْكتاب بِالنّظرِ فِيهِ وينبهه علنه فَوَجَدَهُ ثَالِث فَظَنهُ أَنه من الْكتاب فألحقه بمتنه الْعلَّة الْخَامِسَة
وَهِي اسقاط شَيْء من الحَدِيث لَا يتم الْمَعْنى الا بِهِ وَهَذَا النَّوْع أَيْضا قد
стр. 145
وَردت مِنْهُ أَشْيَاء كَثِيرَة فِي الحَدِيث كنحو مَا رَوَاهُ قوم عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه سُئِلَ عَن لَيْلَة الْجِنّ فَقَالَ مَا شَهِدَهَا منا أحد وَرُوِيَ عَنهُ من طَرِيق آخر أَنه رأى قوما من الزط فَقَالَ هَؤُلَاءِ أشبه من رَأَيْت بالجن لَيْلَة الْجِنّ فَهَذَا الحَدِيث يدل على أَنه شَهِدَهَا والاول يدل على أَنه لم يشهدها فالحديثان كَمَا ترى متعارضان وانما أوجب التَّعَارُض بَينهمَا أَن الَّذِي روى الحَدِيث الأول أسقط مِنْهُ كلمة رَوَاهَا غَيره وانما الحَدِيث مَا شَهِدَهَا منا أحد غَيْرِي
الْعلَّة السَّادِسَة وَهِي أَن ينْقل الْمُحدث الحَدِيث ويغفل عَن نقل ٢٧ أالسبب الموجبى لَهُ فَيعرض من ذَلِك اشكال فِي الحَدِيث أَو مُعَارضَة لحَدِيث آخر كنحو مَا رَوَاهُ قوم من أَن النَّبِي ﷺ أُتِي بالعرنيين الَّذين ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام وأغاروا على لقاح النَّبِي فامر بِقطع أَيْديهم وأرجلهم وسمل عيونهم وَتركُوا بِالْحرَّةِ يستسقون فَلَا يسقون حَتَّى مَاتُوا
следующие страницы →