Полный текст (161 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَأما وُرُود الْوَاجِب بِصُورَة الْمُمكن فكقوله تَعَالَى ﴿فَعَسَى الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح أَو أَمر من عِنْده﴾ وَقَوله ﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾ وَهَذَا وَاجِب ثَابت وَصورته صُورَة الْمُمكن الْمَشْكُوك فِيهِ وَالْعرب تفعل هَذَا تحريرا للمعاني واحتياطا عَلَيْهَا وَمِنْه قَول الشَّاعِر ... لعَلي ان مَالَتْ بِي الرّيح مَيْلَة ... على ابْن أبي زبان أَن يتندما ... فَأخْرج كَلَامه مخرج الْمُمكن وانما يُرِيد أَنه يتندم لَا محَالة
وَأما وُرُود الممتهع بِصُورَة الْمُمكن فكقول امْرِئ الْقَيْس ... وبدلت قرحا داميا بعد صِحَة ... لَعَلَّ منايانا تحولن أبؤسا ... وتحول المنايا أبؤسا من الْمُمْتَنع الَّذِي لَا يُمكن وَقد جعله كَمَا ترى فِي
стр. 72
صُورَة الْمُمكن على الْعلم مِنْهُ أَنه لَيْسَ كَذَلِك تعللا بذلك واستراحة مِمَّا كَانَ فِيهِ من عَظِيم الْبلَاء
وَنَحْوه قَول كَعْب بن سعد الغنوي يرثي أَخَاهُ
وداع دَعَا يَا من يُجيب الى الندى
فَلم يستجبه عِنْد ذَاك مُجيب ... فَقلت ادْع أُخْرَى وارفع الصَّوْت دَعْوَة
لَعَلَّ أَبَا المغوار مِنْك قريب ... يجيبك كَمَا قد كَانَ يفعل انه
نجيب لأبواب الْعَلَاء طلوب
وَقَالَ النَّابِغَة يرثي النُّعْمَان
فان تحي لَا أملل حَياتِي وان تمت
فَمَا فِي حَيَاة بعد موتك طائل
стр. 73
وَمن هَذَا الْبَاب قَول الرجل المحرق لِبَنِيهِ اذا أَنا مت فأحرقوني ثمَّ أذروا رمادي فِي اليم فلعلي أضلّ الله فوَاللَّه لَئِن قدر الله عَليّ ليعذبني عذَابا شَدِيدا أَلا ترى أَنه أخرج مَا قد تحقق انه لَا يكون مخرج مَا يُرْجَى أَن يكون تعللا بذلك واستراحة اليه كَمَا فعل امْرُؤ الْقَيْس حِين اشْتَدَّ بِهِ الْبلَاء فِي قَوْله لَعَلَّ منايانا تحولن أبؤسا وَهُوَ لَا يشك فِي أَن هَذَا الَّذِي رجاه مُمْتَنع وَمن أبين مَا فِي ذَلِك قَول الآخر ... أخادع نَفسِي بالأماني تعللا ... على الْعلم مني أَنَّهَا لَيْسَ تَنْفَع ... واما قَوْله فوَاللَّه لَئِن قدر الله عَليّ ليعذبني عذَابا شَدِيدا فَمَعْنَاه فوَاللَّه لَئِن ضيق ١٣ أالله عَليّ طرق الْخَلَاص ليعذبني وَلَيْسَ يشك فِي قدرَة الله تَعَالَى وَلَو شكّ فِي قدرَة الله لَكَانَ كَافِرًا وانما هُوَ
стр. 74
كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾ وَقَوله ﴿وَمن قدر عَلَيْهِ رزقه﴾ أَي ضيق وَيجوز أَن يكون من الْقدر الَّذِي هُوَ الْقَضَاء فَيكون مَعْنَاهُ فوَاللَّه لَئِن قدر الله عَليّ الْعَذَاب ليعذبني فَحذف الْمَفْعُول اختصارا كَمَا قَالَ النَّابِغَة الْجَعْدِي ... حَتَّى لحقنا بهم تعدِي فوارسنا ... كأننا رعن قف يرفع الآلا ... أَرَادَ تعدِي فوارسنا الْخَيل وَقد يجوز أَن يكون قَوْله فوَاللَّه لَئِن قدر الله عَليّ من الْقُدْرَة على الشَّيْء فان قيل كَيفَ يَصح هَذَا وَدخُول الشَّرْط عَلَيْهِ قد جعله من حيّز الْمُمكن الَّذِي يجوز أَن يكون وَيجوز أَلا يكون وَهَذِه خَاصَّة الشَّرْط أَلا ترى أَنَّك اذا قلت ان جَاءَنِي زيد أكرمته فممكن أَن يَقع ذَلِك وممكن أَلا يَقع وَهَذَا شكّ مَحْض فِي قدرَة الله تَعَالَى فَالْجَوَاب أَن الْعَرَب قد تسْتَعْمل ان الَّتِي للشّرط بِمَعْنى اذا كَمَا تسْتَعْمل اذا بِمَعْنى ان واذا تقع على
стр. 75
الشَّيْء الَّذِي لَا يشك فِي كَونه كَقَوْلِك اذا كَانَ اللَّيْل فأتني وَكَون اللَّيْل لَا بُد مِنْهُ وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِذا السَّمَاء انفطرت﴾ فَمَعْنَاه على هَذَا فوَاللَّه اذا قدر الله عَليّ ليعذبني عذَابا شَدِيدا
وانما جَازَ وُقُوع ان الَّتِي للشّرط موقع اذا الزمانية لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يحْتَاج الى جَوَاب
والشيئان اذا تضارعا جَازَ أَن يَقع كل وَاحِد مِنْهُمَا موقع صَاحبه فمما وَقعت فِيهِ ان موقع اذا قَوْله تَعَالَى ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين﴾ وَقَول النَّبِي ﵇ حِين وقف على الْقُبُور انا ان شَاءَ الله بكم لاحقون يُرِيد اذا شَاءَ الله وَمِنْه قَول الشَّاعِر ... فالا يكن جسمي طَويلا فإنني ... لَهُ بالفعال الصَّالِحَات وُصُول ...
стр. 76
مَعْنَاهُ فاذا لم يكن جسمي طَويلا فإنني أطوله بالأفعال الحسان
وَلَا يَصح الشَّرْط هَهُنَا لِأَن قصر جِسْمه شَيْء قد كَانَ وَقع وَالشّرط هَهُنَا محَال
وَمثله قَول الآخر ... فان أك قد فَارَقت نجدا وَأَهله ... فَمَا عهد نجد عندنَا بذميم ... وَأما وُقُوع اذا بِمَعْنى ان فكقول أَوْس بن حجر ... اذا أَنْت لم تعرض عَن الْجَهْل والخنا ... أصبت حَلِيمًا أَو أَصَابَك جَاهِل ... والإعراض عَن الْخَنَا مُمكن أَن يكون وممكن أَلا يكون فَلَيْسَ هَذَا من مَوَاضِع اذا وانما هُوَ ١٣ ب من مَوَاضِع ان
وَأما وُرُود الْمَدْح فِي صُورَة الذَّم فكقولهم أَخْزَاهُ الله مَا أشعره ولعنه الله مَا أفصحه وَقَول كَعْب بن سعد الغنوي
стр. 77
. هوت أمه مَا يبْعَث الصُّبْح غاديا ... وماذا يرد اللَّيْل حِين يؤوب ... وَذكر ابْن جني أَن أَعْرَابِيًا رأى ثوبا فَقَالَ مَا لَهُ محقه الله قَالَ فَقلت لَهُ لم يَقُول هَذَا فَقَالَ انا اذا استحسنا شَيْئا دَعونَا عَلَيْهِ وأصل هَذَا أَنهم يكْرهُونَ أَن يمدحوا الشَّيْء فيصيبوه بِالْعينِ فيعدلون عَن مدحه الى ذمه
وَأما وُرُود الذَّم فِي صُورَة الْمَدْح فكقوله تَعَالَى ﴿إِنَّك لأَنْت الْحَلِيم الرشيد﴾ وَقَول الشَّاعِر ... وَقلت لسيدنا يَا حَلِيم ... انك لم تأس أسوا رَفِيقًا ... وَأما التقليل الْوَارِد بِصُورَة التكثير فنحو قَوْلك كم بَطل قتل زيد وَكم ضيف نزل عَلَيْهِ وَأَنت تُرِيدُ أَنه لم يقتل قطّ بطلا وَلَا قرى ضيفا قطّ وَلَكِنَّك بِقصد الإستهزاء بِهِ كَمَا تَقول للبخيل يَا كريم وللأحمق يَا عَاقل
وَأما التكثير الْوَارِد بِصُورَة التقليل فنحو قَوْلك رب ثوب حسن
стр. 78
قد لبست وَرب رجل عَالم قد لقِيت فتقلل مَا لبست من الثِّيَاب وَمن لقِيت من الْعلمَاء تواضعا ليَكُون أجل لَك فِي النُّفُوس لِأَن الرجل اذا حقر نَفسه تواضعا ثمَّ اختبر فَوجدَ أعظم مِمَّا وصف بِهِ نَفسه عظم فِي النُّفُوس واذا تعاظم وَأنزل نَفسه فَوق منزلتها ثمَّ اختبر فَوجدَ أقل مِمَّا قَالَ استخف بِهِ وَهَان على من كَانَ يعظمه وَقد يسْتَعْمل تقليل الشَّيْء وَهُوَ كثير فِي الْحَقِيقَة لضروب من الْأَغْرَاض والمقاصد كَالرّجلِ يهدد صَاحبه فَيَقُول لَا تعادني فَرُبمَا نَدِمت وَهَذَا مَكَان يَنْبَغِي أَن تكْثر فِيهِ الندامة وَلَيْسَ بِموضع تقليل وانما تَأْوِيله أَن الندامة على هَذَا لَو كَانَت قَليلَة لوَجَبَ أَن يتَجَنَّب مَا يُؤَدِّي اليها فَكيف وَهِي كَثِيرَة فَصَارَ فِيهِ من معنى الْمُبَالغَة مَا لَيْسَ فِي التكثير لَو وَقع هَهُنَا
وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿رُبمَا يود الَّذين كفرُوا لَو كَانُوا مُسلمين﴾
وانما تَأتي رب بِمَعْنى التكثير فِي مَوَاضِع الافتخار وَالْوَجْه فِي ذَلِك أَن المفتخر يُرِيد أَن الامر الَّذِي يقل وجوده من غَيره يكثر وجوده مِنْهُ فيستعير لفظ التقليل فِي مَوضِع لفظ التكثير اشارة الى هَذَا الْمَعْنى وليكون أبلغ فِي الافتخار
стр. 79
وَقد توهم قوم أَن رب للتكثير حِين خَفِي عَلَيْهِم مَا ذَكرْنَاهُ ١٤ أَمن تدَاخل الْمعَانِي وَهَذِه غَفلَة شَدِيدَة لأَنا نجد الْمَدْح يخرج مخرج الذَّم والذم يخرج مخرج الْمَدْح وَلَا يخرجهما ذَلِك عَن موضوعهما الَّذِي وضعا عَلَيْهِ فِي أصل وضعهما كَمَا أَن الِاسْم الْعلم الَّذِي وضع فِي أصل وَضعه للخصوص قد يعرض لَهُ الْعُمُوم والنكرة الَّتِي وضعت فِي أصل وَضعهَا للْعُمُوم قد يعرض لَهُ الْخُصُوص وَلَا يبطل ذَلِك وضعهما الَّذِي وضعا عَلَيْهِ اولا وانما ذَلِك لِكَثْرَة الْمعَانِي وتداخلها وَاخْتِلَاف الْأَغْرَاض وتباينها فَمَتَى وجدت شَيْئا قد خَالف أَصله فَإِنَّمَا ذَلِك لسَبَب وغرض فيجت لَك أَن تبحث عَلَيْهِ وَلَا تتسرع الى بعض الْأُصُول دون تثبت وَتَأمل
فَمن مُشكل هَذَا الْبَاب قَول أبي كَبِير الْهُذلِيّ ... أزهير ان يشب القذال فإنني ... رب هيضل مرس لففت بهيضل ...
زُهَيْر هَهُنَا ترخيم زهيرة وَهِي ابْنَته فَلذَلِك فتح الرَّاء وَرب هَهُنَا مُخَفّفَة من رب
стр. 80
وَقَول أبي عَطاء السندي
فَإِن تمس مهجور الفناء فَرُبمَا
أَقَامَ بِهِ بعد الْوُفُود وُفُود
وَالْمرَاد بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ التكثير وَلَكِن خرجا مخرج التقليل ليَكُون أمدح وَالْمعْنَى أَن هَذَا لَو كَانَ قَلِيلا لَكَانَ فِيهِ فَخر لصَاحبه فَمَا ظَنك بِهِ وَهُوَ كثير وَيحْتَمل قَول أبي عَطاء السندي أَن يكون أَرَادَ تقليل مُدَّة حَيَاة المرثي الَّتِي كثرت فِيهَا عَلَيْهِ الْوُفُود فعلى نَحْو هَذِه التأويلات فتأول مَا ورد مُخَالفا لِلْأُصُولِ
وملاك هَذَا الْبَاب معرفَة الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَهُوَ بَاب يدق على من لم يتمهر فِي هَذِه الصِّنَاعَة فَلذَلِك يُنكر كثيرا مِمَّا هُوَ صَحِيح وَللَّه در أبي الطّيب المتنبي حَيْثُ يَقُول
وَكم من عائب قولا صَحِيحا
وآفته من الْفَهم السقيم ... وَلَكِن تَأْخُذ الآذان مِنْهُ
على قدر القرائح والعلوم
وَمن طريف الْمجَاز الْعَارِض من طَرِيق التَّرْكِيب ايقاعهم أدوات الْمعَانِي على السَّبَب ومرادهم الْمُسَبّب تَارَة وَتارَة يوقعونها على الْمُسَبّب ومرادهم
стр. 81
السَّبَب وانما يَفْعَلُونَ هَذَا لتَعلق أَحدهمَا بِالْآخرِ فمثال الأول قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ فأوقع النَّهْي على الْمَوْت فِي اللَّفْظ وَالْمَوْت لَيْسَ بِفعل لَهُم فَيصح نهيهم عَنهُ وانما نَهَاهُم عَن مُفَارقَة الْإِسْلَام فَمَعْنَاه لَا تفارقوا الْإِسْلَام حَتَّى تَمُوتُوا عَلَيْهِ فأوقع النَّهْي على الْمَوْت لِأَنَّهُ السَّبَب الَّذِي من أجل توقعه وخوفه يلْزم الْإِنْسَان أَن يستعد ١٤ ب لوروده ويتأهب لَهُ بِصَالح عمله وَالثَّانِي مثل قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا تنفعهم شَفَاعَة الشافعين﴾ وَلَيْسَ المُرَاد اثبات شَفَاعَة غير نافعة لإنه لَا شَفَاعَة هُنَاكَ فِي الْحَقِيقَة بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا لنا من شافعين وَلَا صديق حميم﴾ فأوقع النَّفْي على الْمَنْفَعَة الَّتِي هِيَ الْمُسَبّب وَمرَاده تَعَالَى الشَّفَاعَة الَّتِي هِيَ السَّبَب فَكَأَنَّهُ قَالَ فَمَا تكون شَفَاعَة فَتكون مَنْفَعَة وَنَحْوه قَوْلك مَا نَفَعَنِي كَلَام زيد فَهَذَا كَلَام يحْتَمل مَعْنيين
أَحدهمَا أَن تُرِيدُ اثبات الْكَلَام وَنفي الْمَنْفَعَة وَحدهَا
وَالثَّانِي أَن تُرِيدُ نفيهما مَعًا أَي لم يكن مِنْهُ كَلَام فَتكون مَنْفَعَة وَمن هَذَا الْبَاب قَول امْرِئ الْقَيْس
стр. 82
. على لاحب لَا يهتدى بمناره ... وَلم يرد اثبات الْمنَار وَنفي الْهِدَايَة بِهِ وَلَو كَانَ ثمَّ منار لكَانَتْ ثمَّ هِدَايَة وانما الْمَعْنى لَيْسَ بِهِ منار فَتكون هِدَايَة
وَمن هَذَا قَول الْعَرَب لَا أرينك هَهُنَا أَي لَا تكونن هَهُنَا فَإِنِّي أَرَاك فَالْمُرَاد بِالنَّهْي الْكَوْن لَا الرُّؤْيَة
وَنَحْوه قَوْله النَّابِغَة ... لَا أَعرفن ربربا حورا مدامعها ... كَأَن أبكارها نعاج دوار ... فعلى هَذَا مخرج هَذَا الْبَاب وَالله أعلم
стр. 83
الْبَاب الثَّالِث فِي الْخلاف الْعَارِض من جِهَة الافراد والتركيب ﷺ َ -
стр. 84
هَذَا بَاب طريف جدا وَقد تولدت مِنْهُ بَين النَّاس أَنْوَاع كَثِيرَة من الْخلاف وَهُوَ بَاب يحْتَاج الى تَأمل شَدِيد وحذق بِوُجُوه الْقيَاس وَمَعْرِفَة تركيب الْأَلْفَاظ وَبِنَاء بَعْضهَا على بعض وَذَلِكَ أَنَّك تَجِد الْآيَة الْوَاحِدَة رُبمَا استوفت الْغَرَض الْمَقْصُود بهَا من التَّعَبُّد فَلم تحوجك الى غَيرهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم﴾ و ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَأَطيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول﴾ فان كل وَاحِدَة من هَذِه الْآيَات قَائِمَة بِنَفسِهَا مستوفية الْغَرَض المُرَاد مِنْهَا من التَّعَبُّد وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة كَقَوْلِه ﵊ الزعيم غَارِم وَالْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على الْمُدعى عَلَيْهِ وَرُبمَا وَردت الْآيَة غير مستوفية
стр. 85
للغرض المُرَاد من التَّعَبُّد وَورد تَمام الْغَرَض فِي آيَة أُخْرَى وَكَذَلِكَ الحَدِيث كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿من كَانَ يُرِيد حرث الْآخِرَة نزد لَهُ فِي حرثه وَمن كَانَ يُرِيد حرث الدُّنْيَا نؤته مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة من نصيب﴾ ١٥ أفظاهر هَذِه الْآيَة أَن من أَرَادَ حرث الدُّنْيَا أُوتِيَ مِنْهَا وَنحن نشاهد كثيرا من النَّاس يحرصون على الدُّنْيَا وَلَا يُؤْتونَ مِنْهَا شَيْئا
فَهُوَ كَلَام مُحْتَاج الى بَيَان وايضاح ثمَّ قَالَ فِي آيَة أُخْرَى ﴿من كَانَ يُرِيد العاجلة عجلنا لَهُ فِيهَا مَا نشَاء لمن نُرِيد﴾ فَإِذا أضيفت هَذِه الْآيَة الى الْآيَة الأولى بَان مُرَاد الله تَعَالَى وارتفع الْإِشْكَال وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب أُجِيب دَعْوَة الداع إِذا دعان﴾ وَنحن نرى الدَّاعِي يَدْعُو فَلَا يُسْتَجَاب لَهُ ثمَّ قَالَ فِي آيَة أُخْرَى ﴿بل إِيَّاه تدعون فَيكْشف مَا تدعون إِلَيْهِ إِن شَاءَ﴾ فَدلَّ اشْتِرَاط الْمَشِيئَة فِي هَذِه الْآيَة الثَّانِيَة على أَنه مُرَاد فِي الْآيَة الأولى
وَرُبمَا وَردت الأية مجملة ثمَّ يُفَسِّرهَا الحَدِيث كالآيات الْوَارِدَة مجملة فِي الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج ثمَّ شرحت السّنة والْآثَار جَمِيع
стр. 86
ذَلِك كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿واللاتي يَأْتِين الْفَاحِشَة من نِسَائِكُم فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُم فَإِن شهدُوا فأمسكوهن فِي الْبيُوت حَتَّى يتوفاهن الْمَوْت أَو يَجْعَل الله لَهُنَّ سَبِيلا﴾ ثمَّ قَالَ ﷺ خُذُوا عني قد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا الْبكر بالبكر جلد مئة وتغريب عَام وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جلد مئة وَالرَّجم وَلأَجل هَذَا صَار الْفَقِيه مُضْطَرّا فِي اسْتِعْمَال الْقيَاس الى الْجمع بَين الْآيَات المفترقة وَالْأَحَادِيث المتغايرة وَبِنَاء بَعْضهَا على بعض
وَوجه الْخلاف الْعَارِض من هَذَا الْموضع أَنه رُبمَا أَخذ بعض الْفُقَهَاء بمفرد الْآيَة وبمفرد الحَدِيث وَبنى آخر قِيَاسه على جِهَة التَّرْكِيب الَّذِي ذكرنَا بِأَن يَأْخُذ بِمَجْمُوع آيَتَيْنِ أَو بِمَجْمُوع حديثين أَو بِمَجْمُوع آيَات أَو بِمَجْمُوع أَحَادِيث فيفضي بهما الْحَال الى الِاخْتِلَاف فِيمَا ينتحلانه وَرُبمَا أفضت بهما الْأَمر الى اخْتِلَاف العقائد فَقَط وَرُبمَا أفْضى بهما الى الِاخْتِلَاف فِي الْأَسْبَاب فَقَط كاختلافهم فِي سَبَب تَحْرِيم الْخمر فَإِن قوما يستدلون على وجوب تَحْرِيمهَا بِمُجَرَّد قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾
стр. 87
وَقوم يستدلون على وجوب تَحْرِيمهَا بِمُجَرَّد قَوْله تَعَالَى ﴿أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان فَاجْتَنبُوهُ لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ الى قَوْله ﴿فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ وَقوم يرَوْنَ ذَلِك بطرِيق التَّرْكِيب وَبِنَاء الْأَلْفَاظ ١٥ ب بَعْضهَا على بعض وَذَلِكَ أَنه لما قَالَ ﵎ ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْخمر وَالْميسر قل فيهمَا إِثْم كَبِير وَمَنَافع للنَّاس﴾ ثمَّ قَالَ فِي آيَة أُخْرَى ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم﴾ تركب من نجموع الْآيَتَيْنِ قِيَاس أنتج تَحْرِيم الْخمر وَهُوَ أَن يُقَال كل إِثْم حرَام وَالْخمر إِثْم فالخمر إِذن حرَام وَالْإِثْم من أَسمَاء الْخمر وَأنْشد اللغويون ... شربت الْإِثْم حَتَّى زَالَ عَقْلِي ... كَذَاك الْإِثْم يذهب بالعقول ...
стр. 88
وَمثل هَذَا قَوْله تَعَالَى فِيمَا حَكَاهُ عَن قوم لوط ﴿أتأتون الْفَاحِشَة مَا سبقكم بهَا من أحد من الْعَالمين﴾ ثمَّ قَالَ فِي هَذِه الْآيَة الَّتِي ذَكرنَاهَا ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن﴾ فتركب من مَجْمُوع الْآيَتَيْنِ قِيَاس وَهُوَ كل فَاحِشَة حرَام وَفعل قوم لوط فَاحِشَة فَفعل قوم لوط اذا حرَام فعلى مثل هَذَا أنتجت النتائج وَركبت القياسات
وَوَقع بَين أَصْحَاب الْقيَاس الْخلاف بِحَسب تقدم الْقيَاس أَو بِحَسب تَأَخره
وَخَالفهُم قوم آخَرُونَ لم يرَوا الْقيَاس وَرَأَوا الْأَخْذ بِظَاهِر الْأَلْفَاظ فَنَشَأَ من ذَلِك نوع آخر من الْخلاف
وَمِمَّا اخْتلفت فِيهِ أَقْوَال الْفُقَهَاء لأخذ كل وَاحِد مِنْهُم بِحَدِيث مُفْرد اتَّصل بِهِ وَلم يتَّصل بِهِ سواهُ مَا رُوِيَ عَن عبد الْوَارِث بن سعيد أَنه قَالَ قدمت مَكَّة فألفيت فِيهَا أَبَا حنيفَة فَقلت لَهُ مَا تَقول فِي رجل بَاعَ بيعا وَشرط شرطا فَقَالَ البيع بَاطِل وَالشّرط بَاطِل فَأتيت ابْن أبي
стр. 89
ليلى فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ البيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل فَأتيت ابْن شبْرمَة فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ البيع جَائِز وَالشّرط جَائِز فَقلت فِي نَفسِي يَا سُبْحَانَ الله ثَلَاثَة من فُقَهَاء الْعرَاق لَا يتفقون على مَسْأَلَة فعدت الى أبي حنيفَة فَأَخْبَرته بِمَا قَالَ صَاحِبَاه فَقَالَ مَا أَدْرِي مَا قَالَا لَك حَدثنِي عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ نهى رَسُول الله ﷺ عَن بيع وَشرط فَالْبيع بَاطِل وَالشّرط بَاطِل فعدت الى ابْن أبي ليلى فَأَخْبَرته بِمَا قَالَ صَاحِبَاه فَقَالَ مَا أَدْرِي مَا قَالَا لَك حَدثنِي هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت أَمرنِي رَسُول الله ﷺ أَن أَشْتَرِي بَرِيرَة فَأعْتقهَا البيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل قَالَ فعدت الى ابْن شبْرمَة فَأَخْبَرته بِمَا قَالَ ١٦ أصاحباه فَقَالَ مَا أَدْرِي مَا قَالَا لَك حَدثنِي مسعر بن كدام عَن محَارب بن دثار عَن جَابر قَالَ بِعْت النَّبِي ﷺ بَعِيرًا وَشرط لي حملانه الى الْمَدِينَة البيع جَائِز وَالشّرط جَائِز
стр. 90
وَقد ترد الْآيَة والْحَدِيث بِلَفْظ مُشْتَرك يحْتَمل تأويلات كَثِيرَة ثمَّ ترد آيَة اخرى أَو حَدِيث آخر بتخصيص ذَلِك اللَّفْظ الْمُشْتَرك وقصره على بعض تِلْكَ الْمعَانِي دون بعض كَقَوْلِه عز من قَائِل ﴿ووجدك ضَالًّا فهدى﴾ فَإِن لَفْظَة الضلال لما كَانَت مُشْتَركَة تقع على معَان كَثِيرَة توهم قوم مِمَّن لم يكن لَهُ فهم صَحِيح بِالْقُرْآنِ وَلَا معرفَة ثاقبة بِاللِّسَانِ أَنه أَرَادَ الضلال الَّذِي هُوَ ضد الْهدى فزعموا أَنه كَانَ على مَذْهَب قَوْله أَرْبَعِينَ سنة وَهَذَا خطأ فَاحش نَعُوذ بِاللَّه من اعْتِقَاده فِيمَن طهره الله تَعَالَى لنبوته وارتضاه لرسالته وَلَو لم يكن فِي الْقُرْآن الْعَزِيز مَا يرد قَوْلهم لَكَانَ فِيمَا ورد من الْأَخْبَار المتواترة مَا يرد عَلَيْهِم ذَلِك لِأَنَّهُ قد رُوِيَ أَنهم كَانُوا يسمونه فِي الْجَاهِلِيَّة الْأمين وَكَانُوا يرتضونه حكما لَهُم وَعَلَيْهِم وَكَانَت عِنْدهم أَخْبَار كَثِيرَة يروونها وانذارات من أهل الْكتاب والكهان بِأَنَّهُ يكون نَبيا وَلَوْلَا أَن كتَابنَا هَذَا لَيْسَ مَوْضُوعا لَهَا لاقتصصناها فيكف وَالْقُرْآن الْعَزِيز قد كفانا هَذَا كُله بقوله فِي سُورَة يُوسُف ﵇ ﴿نَحن نقص عَلَيْك أحسن الْقَصَص بِمَا أَوْحَينَا إِلَيْك هَذَا الْقُرْآن وَإِن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ فَهَذَا نَص جلي فِي شرح مَا وَقع فِي تِلْكَ الْآيَة من الْإِبْهَام وَبَين أَيْضا أَنه تَعَالَى انما أَرَادَ الضلال
стр. 91
الَّذِي هُوَ الْغَفْلَة كَمَا قَالَ فِي مَوضِع آخر ﴿لَا يضل رَبِّي وَلَا ينسى﴾ أَي لَا يغْفل وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَن تضل إِحْدَاهمَا فَتذكر إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى﴾ أَي تغفل وتنسى وَقَالَت الصُّوفِيَّة مَعْنَاهُ ووجدك محبا فِي الْهدى فهداك فتأولوا الضلال هُنَا بِمَعْنى الْمحبَّة وَهَذَا قَول حسن جدا وَله شَاهد من الْقُرْآن واللغة
أما شَاهده من الْقُرْآن فَقَوله تَعَالَى فِيمَا حَكَاهُ من قَول اخوة يُوسُف لأبيهم تالله انك لفي ضلالك الْقَدِيم انما أَرَادوا بالضلال هُنَا افراط محبته فِي يُوسُف ﵇ وعَلى جَمِيعهم وَأما شَاهده من اللُّغَة فانه جَائِز فِي مَذَاهِب الْعَرَب أَن تسمى الْمحبَّة ضلالا لِأَن افراط الْمحبَّة يشغل الْمُحب عَن كل غَرَض ويحمله على النسْيَان والإغفال لكل وَاجِب مفترض وَلذَلِك قيل الْهوى يعمي ويصم فسميت
стр. 92
الْمحبَّة ضلالا اذ كَانَت ١٦ ب سَبَب الضلال على مذاهبهم فِي تَسْمِيَة الشَّيْء باسم الشَّيْء اذا كَانَ مِنْهُ بِسَبَب
وَمن هَذَا الْبَاب قَوْله فِي سُورَة نوح ﵇ ﴿أَن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغْفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إِلَى أجل مُسَمّى﴾ وَالْأَجَل قد علمنَا أَنه لَا تَأْخِير فِيهِ وَقد بَين ذَلِك بقوله فِي عقب الْآيَة ﴿إِن أجل الله إِذا جَاءَ لَا يُؤَخر﴾ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر ﴿فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فَوَجَبَ أَن ينظر فِي معنى هَذَا التَّأْخِير مَا هُوَ ثمَّ وجدنَا هَذِه الْآيَة المبهمة المجملة قد شرحتها آيَة وَاضِحَة مفصلة كفتنا التَّأْوِيل وَلم تحوجنا الى طلب الدَّلِيل وَهِي قَوْله تَعَالَى فِي أول سُورَة هود ﵇ ﴿وَأَن اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يمتعكم مَتَاعا حسنا إِلَى أجل مُسَمّى﴾ فدلت هَذِه الْآيَة على أَنه انما أَرَادَ بِتَأْخِير الْأَجَل التمتيع الْحسن لِأَن التمتيع الْحسن يجْتَمع فِيهِ الْغنى والسلامة
стр. 93
من الْآفَات والعز وَالذكر الْحسن وَالْعرب تسمي هَذِه الْأَشْيَاء كلهَا زِيَادَة فِي الْعُمر وتسمي أضدادها وخلافها نُقْصَانا من الْعُمر وَقد جَاءَ فِي بعض الحَدِيث أَن مُوسَى ﵇ شكا الى الله تَعَالَى بعدو لَهُ فَأوحى الله تَعَالَى اليه أَنِّي سأميته فَلَمَّا كَانَ بعد زمن رَآهُ فَقِيرا ينسج الْحَصِير فَقَالَ يَا رب ألم تعدني أَن تميته فَقَالَ أَو لَيْسَ قد أفقرته
وَقد تعين علينا فِي هَذَا الْموضع أَن نذْكر على كم معنى يتَصَرَّف الْحَيَاة وَالْمَوْت فِي اللِّسَان الْعَرَبِيّ ليتبين مَا ذَكرْنَاهُ بشواهده حَتَّى لَا يبْقى فِيهِ لطاعن مطْعن بحول الله تَعَالَى
اعْلَم أَن الْحَيَاة وَالْمَوْت لفظتان مشتركتان مستعملتان فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة على ثَلَاثَة عشر وَجها أَحدهَا الْوُجُود والعدم وَالثَّانِي مُقَارنَة النَّفس الحيوانية الْأَجْسَام ومفارقتها اياها وَالثَّالِث الْعِزّ والذل وَالرَّابِع الْغنى والفقر وَالْخَامِس الْهدى والضلال وَالسَّادِس الْجَهْل وَالْعلم وَالسَّابِع الْحَرَكَة والسكون وَالثَّامِن الخصب والجدب وَالتَّاسِع الْيَقَظَة وَالنَّوْم والعاشر اشتعال النَّار وخمودها وَالْحَادِي عشر الْمحبَّة والبغضاء وَالثَّانِي عشر الرُّطُوبَة اليبس وَالثَّالِث عشر الرَّجَاء وَالْخَوْف ١٧ أونحن نورد على كل وَجه من هَذِه الْوُجُوه أَمْثِلَة تشهد بِصِحَّة مَا قُلْنَاهُ ان شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 94
أما الْحَيَاة وَالْمَوْت المُرَاد بهما مُقَارنَة النُّفُوس للأجسام ومفارقتها اياها فشهرتهما تغني عَن ايراد مِثَال لَهما
أما الْوُجُود والعدم فكقولهم للشمس مَا دَامَت مَوْجُودَة حَيَّة فاذا عدمت سَموهَا ميتَة قَالَ ذُو الرمة
فَلَمَّا رأين اللَّيْل وَالشَّمْس حَيَّة
حَيَاة الَّذِي يقْضِي حشاشة نَازع
شبه الشَّمْس عِنْد غُرُوبهَا بالحي الَّذِي يجود بِنَفسِهِ عِنْد الْمَوْت وَهُوَ من التَّشْبِيه البديع
وَقَالَ آخر
اذا شِئْت أداني صروم مشيع
معي وعقام تتقي الْفَحْل مقلت ... يطوف بهَا من جانبيها وَيَتَّقِي
بهَا الشَّمْس حَيّ فِي الأكارع ميت
يُرِيد ظلها فِي نصف النَّهَار أَرَادَ أَنه مَوْجُود فِي الأكارع مَعْدُوم من سَائِر الْجِسْم
وَأما الْعِزّ والذل والغنى والفقر فنحو مَا قدمْنَاهُ من حَدِيث
стр. 95
مُوسَى ﵇ وَنَحْو مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ من قَوْله من سره النسأ فِي الْأَجَل وَالسعَة فِي الرزق فَليصل رَحمَه وَمِنْه قَول الشَّاعِر
لَيْسَ من مَاتَ فاستراح بميت
انما الْمَيِّت ميت الْأَحْيَاء ... انما الْمَيِّت من يعِيش كئيبا
كاسفا باله قَلِيل الرَّجَاء
وَقَالَ آخر
فَأَثْنوا علينا لَا أَبَا لأبيكم
بأفعالنا ان الثَّنَاء هُوَ الْخلد
وَقَالَ آخر
وَكَانَ أَبُو عَمْرو معارا حَيَاته
بِعَمْرو فَلَمَّا مَاتَ مَاتَ أَبُو عَمْرو
يَقُول كَانَ ابْنه عَمْرو يحيي ذكره فَكَأَنَّهُ حَيّ فَلَمَّا مَاتَ انْقَطع ذكره فَكَأَنَّهُ انما مَاتَ حِينَئِذٍ
стр. 96
وَأما مَا يُرَاد بِهِ الْهدى والضلال وَالْعلم وَالْجهل فكقوله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ﴾ وَقَوله ﴿أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه﴾ الْمَعْنى أَو من كَانَ صالا فهديناه وجاهلا فعلمناه
وَتقول الْعَرَب للذكي النبيه حَيّ وللبليد الغبي ميت
وَقَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ يَا بني جَالس الْعلمَاء وزاحمهم بركبتيك فَإِن الله يحيي الْقلب الْمَيِّت بِالْكَلِمَةِ من الْحِكْمَة يسْمعهَا كَمَا يحيي الأَرْض بالمطر
واما ١٧ ب الْحَيَاة وَالْمَوْت المُرَاد بهما الْحَرَكَة والسكون فنحو قَول الراجز ... قد كنت أَرْجُو أَن تَمُوت الرّيح ... فأرقد الْيَوْم وأستريح ...
فَجعل هبوب كَالرِّيحِ حَيَاة وسكونها موتا
стр. 97
وَقَالَ الْمَجْنُون ... يَمُوت الْهوى مني اذا لقيتها ... ويحيا اذا فارقتها فَيَعُود ...
وَقَالَ آخر ... ومجلودة بِالسَّوْطِ فِيهِ حَيَاتهَا ... فان زَالَ عَنْهَا الْجلد بِالسَّوْطِ مَاتَت ... يَعْنِي الدوامة
وَأما مَا يُرَاد بِهِ الخصب والجدب فَإِن الْعَرَب تَقول أتيت الأرص فأحييتها اذا وَجدتهَا مخصبة وَيُقَال أَرض حَيَّة أَي بِالْهَاءِ وَأَرْض ميت أَي بِغَيْر هَاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿وأحيينا بِهِ بَلْدَة مَيتا﴾ وَقَالَ الراجز ... أقبل سيل جَاءَ من أَمر الله ... يحرد الْحَيَّة المغله ...
قَالَ بعض أَصْحَاب الْمعَانِي أَرَادَ بالحية الأَرْض المخصبة والمغلة ذَات الْغلَّة وَيشْهد لهَذَا التَّأْوِيل رِوَايَة من روى الْجنَّة بِالْجِيم وَالنُّون وَقَالَ آخَرُونَ انما أَرَادَ الْحَيَّة نَفسهَا والمغلة ذَات الغل والحقد
стр. 98
وَشبه تلوي السَّيْل وانعطافه فِي جريه بتلوي الْحَيَّة وانعطافها اذا مشت وَهَذَا نَحْو قَول ابْن الرُّومِي ... بَين حفافي جدول مسحور ... كالسيف أَو كالحية المذعور ... الحفافان الناحيتان
وَأما الْيَقَظَة وَالنَّوْم فكقول الله تَعَالَى ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها﴾ فَسُمي النّوم وَفَاة وَسَأَلَ رجل ابْن سِيرِين عَن رجل غَابَ عَن مَجْلِسه فَقَالَ لَهُ أما علمت أَنه توفّي البارحة فَلَمَّا رأى جزع السَّائِل قَرَأَ ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها﴾
وَقَالَ الشَّاعِر ... نموت ونحيا كل يَوْم وَلَيْلَة ... وَلَا بُد نوما أَن نموت وَلَا نحيا ...
стр. 99
وَأما اشتعال النَّار وخمودها فمشهور مُتَعَارَف أَيْضا
فَمِنْهُ قَول ذِي الرمة ... فَقلت لَهُ ارفعها اليك وأحيها ... بروحك واقتته لَهَا قيتة قدرا ... يصف نَارا اقتدحها
وَقَالَ آخر فِي مثله ... وزهراء ان كفنتها فَهُوَ عيشها ... وان لم أكفنها فموت معجل ...
يَعْنِي بالزهراء الشررة الساقطة من الزند عِنْد الاقتداح يَقُول ان بادرت اليها تعند سقولها من الزند فلففتها فِي خرقَة حييت وان تركتهَا مَاتَت وطفئت
وَأما الْحَيَاة وَالْمَوْت المستعملان بِمَعْنى الْمحبَّة والبغضاء فكقول الشَّاعِر ١٨ أ ... أبلغ أَبَا مَالك عني مغلغلة ... وَفِي العتاب حَيَاة بَين أَقوام ...
стр. 100
أَي اذا تعاتبوا حييت الْمَوَدَّة بَينهم واذا تركُوا العتاب مَاتَت الْمَوَدَّة
أَي ذهبت وانقطعت وصاروا الى الْبغضَاء والتهاجر
وَأما الرُّطُوبَة واليبس فكنحو مَا ذهب اليه السّديّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَيخرج الْمَيِّت من الْحَيّ﴾ قَالَ مَعْنَاهُ يخرج السنبلة الخضراء من الْحبَّة الْيَابِسَة وَيخرج الْحبَّة الْيَابِسَة من السنبلة الخضراء وَهَذَا رَاجع الى معنى الخصب والجدب من بعض وجوهه وكقول ابْن ميادة
سحائب لَا من صيف ذِي صواعق
وَلَا مخرفات ماؤهن حميم ... اذا مَا هبطن الأَرْض قد مَاتَ عودهَا
بكين بهَا حَتَّى يعِيش هشيم
وأمات الرَّجَاء وَالْخَوْف فَلَا أذكر عَلَيْهِمَا شَاهدا غير قَول أبي الطّيب
стр. 101
تَرَكتنِي الْيَوْم فِي خجلة ... أَمُوت مرَارًا وَأَحْيَا مرَارًا ...
فَهَذِهِ الْحَيَاة وَالْمَوْت فِي كَلَام الْعَرَب قد اسْتَوْفَيْنَا أقسامها لما جرى من ذكر الْآيَة الْمُتَقَدّمَة
ثمَّ نرْجِع الى مَا كُنَّا فِيهِ فَنَقُول ان من طريف هَذَا الْبَاب أَنه قد تتولد مِنْهُ مقالتان متضادتان كِلَاهُمَا غلط وَخطأ وَيكون الصَّوَاب وَالْحق فِي مقَالَة ثَالِثَة متوسطة بَينهمَا ترْتَفع عَن حد التَّقْصِير وتنحط عَن حد الغلو والإقراط
واذا تَأَمَّلت المقالات الَّتِي شجرت بَين أهل ملتنا فِي الاعتقادات رَأَيْت أَكْثَرهَا على هَذَا الصّفة وَقد نبهنا رَسُول الله ﷺ على ذَلِك بقوله دين الله بَين الغالي والمقصر فَهَذَا تَصْرِيح مِنْهُ بِهَذَا الَّذِي ذكرنَا وتحذير مِنْهُ وَقَالَ أَيْضا خير الْأُمُور أوساطها وَقَالَ رجل
стр. 102
لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ ﵀ عَلمنِي دينا وسوطا لَا سَاقِطا سقوطا وَلَا ذَاهِبًا فروطا فَقَالَ أَحْسَنت خير الْأُمُور أوساطها
وَهَذَا نوع يطول فِيهِ الْكَلَام ان ذَهَبْنَا الى تتبعه وَلَكنَّا نذْكر مِنْهُ شَيْئا يسْتَدلّ بِهِ على غَيره
فَمن ذَلِك أَن قوما لما خطر ببالهم أَمر الْقدر وَالْقَضَاء وأحبوا الْوُقُوف على حَقِيقَة مَا يَنْبَغِي أَن يعْتَقد من ذَلِك تأملوا الْقُرْآن الْعَزِيز والْحَدِيث الْمَأْثُور فوجدوا فيهمَا أَشْيَاء ظَاهرهَا الْإِجْبَار ١٨ ب وَالْإِكْرَاه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ الله لجمعهم على الْهدى فَلَا تكونن من الْجَاهِلين﴾ وَقَوله ﴿ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أَبْصَارهم غشاوة﴾ وَقَوله ﴿بل طبع الله عَلَيْهَا بكفرهم﴾ فِي آيَات كَثِيرَة غير هَذِه ووجدوا فِي الحَدِيث الْمَأْثُور أَيْضا نَحْو ذَلِك كَقَوْلِه ﷺ السعيد من سعد فِي بكن أمه والشقي من شقي فِي بطن أمه
стр. 103
فبنوا من هَذَا النَّوْع من الْآيَات وَالْأَحَادِيث مقَالَة أصلوها على أَن العَبْد مجبر لَيْسَ لَهُ شَيْء من الِاسْتِطَاعَة وصرحوا بِأَن من اعْتقد غير هَذَا فقد كفر
وخطر ببال آخَرين مثل ذَلِك وَرَأَوا مَذْهَب هَؤُلَاءِ فَلم يرتضوه مُعْتَقدًا لأَنْفُسِهِمْ فتصفحوا الْقُرْآن والْحَدِيث فوجدوا فيهمَا آيَات أخر وَأَحَادِيث ظَاهرهَا يُوهم أَن العَبْد مستطيع مفوض اليه أمره يفعل مَا يَشَاء كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر﴾ وَقَوله ﴿وَأما ثَمُود فهديناهم فاستحبوا الْعَمى على الْهدى﴾ وَقَوله ﴿إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا﴾ وَقَوله ﵇ كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة حَتَّى يكون أَبَوَاهُ هما اللَّذَان يُهَوِّدَانِهِ أَو ينصرَانِهِ أَو يُمَجِّسَانِهِ وَقَوله يَقُول الله تَعَالَى
стр. 104
خلقت عبَادي حنفَاء كلهم فأجالتهم الشَّيَاطِين عَن دينهم فبنوا من هَذَا النَّوْع من الْآيَات وَالْأَحَادِيث مقَالَة ثَانِيَة مناقضة للمقالة الأولى أصلوها على أَن العَبْد مُخَيّر مفوض اليه أمره يفعل مَا يَشَاء ويستطيع على مَا لَا يُرِيد ربه تَعَالَى الله عَمَّا يَقُوله الجاهلون علوا كَبِيرا
ثمَّ عَمَدت كل فرقة من هَاتين الْفرْقَتَيْنِ الى مَا خَالف مذهبها من الْآيَات وَالْأَحَادِيث فطلبت لَهُ التَّأْوِيل الْبعيد وردوا مَا أمكنهم رده من الْأَحَادِيث المناقضة لمذهبهم وان كَانَ صَحِيحا كمن يروم ستر ضوء النَّهَار ويؤسس بُنْيَانه على شفا جرف هار
وَلما تَأَمَّلت طَائِفَة ثَالِثَة مَقَالَتي الْفَرِيقَيْنِ مَعًا لم يرتضوا بِوَاحِدَة مِنْهُمَا مُعْتَقدًا لأَنْفُسِهِمْ وَرَأَوا أَنَّهُمَا جَمِيعًا خطأ لِأَن الْمقَالة الأولى تجوير للباري تَعَالَى وَإِبْطَال للتكليف والتكليف والمق الة الثَّانِيَة تجهيل للباري تَعَالَى بِأَمْر خلقو وتعجيز لَهُ عَن تَمام مَشِيئَته فيهم وكلا الصفتين ١٩ أَلا يَلِيق بِمن قد وصف نَفسه بِأَنَّهُ أحكم الْحَاكِمين وأقدر القادرين وَوصف نَفسه ﷻ بقوله ﴿وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾
стр. 105
وَرَأَوا أَن الْأَخْذ بِالْآيَاتِ وَالْأَحَادِيث لَيْسَ بِأولى من الْأَخْذ بالأيات وَالْأَحَادِيث الْأُخَر وَأَن الْحق انما هُوَ فِي وَاسِطَة تنتظم الطَّرفَيْنِ وتسلم من شياعة المذهبين واعتبروا الْقُرْآن والْحَدِيث ببصائر أصح من بصائر الْفَرِيقَيْنِ فوجدوا آيَات وَأَحَادِيث تجمع شتيت المقالتين وتخبر بغلط الْفَرِيقَيْنِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاك لقد كدت تركن إِلَيْهِم شَيْئا قَلِيلا﴾ وَقَوله فِي سُورَة يُوسُف ﵇ ﴿وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه﴾ وَقَوله ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ فَأثْبت للْعَبد مَشِيئَة لَا تتمّ لَهُ الا بِمَشِيئَة ربه ووجدوا الْأمة مجمعة على قَوْلهم لَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَفِي هَذَا اثبات حول وَقُوَّة للْعَبد لَا يتمان الا بمعونة الله سُبْحَانَهُ اياه ووجدوا الْأمة مجمعة على الرَّغْبَة الى الله فِي الْعِصْمَة والاستعاذة بِهِ من الخذلان بقَوْلهمْ اللَّهُمَّ لَا تكلنا الى أَنْفُسنَا فنعجز وَلَا الى النَّاس فنضيع
وَرَأَوا الله تَعَالَى قد أثبت لنَفسِهِ فِي مُحكم وحيه علم غيب وَعلم شَهَادَة
стр. 106
بقوله ﴿عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة﴾ فَعلمه الْغَيْب علمه الْأَشْيَاء قبل كَونهَا وَعلمه الشَّهَادَة علمه بالأشياء وَقت كَونهَا واعتبروا أَحْوَال الانسان الَّتِي وَقع فِيهَا التَّكْلِيف وأحواله الَّتِي لم يَقع فِيهَا تَكْلِيف فوجدوا الله تَعَالَى لم يَأْمُرهُ بألا يسمع وَلَا يبصر وَلَا يَأْكُل وَلَا يشرب على الاطلاق انما أمره بِأَن يسْتَعْمل الْآلَة الَّتِي يسمع بهَا ويبصر بهَا وَيَأْكُل وَيشْرب فِي بعض الْأَشْيَاء وَلَا يستعملها فِي بعض فَوَجَبَ أَن يكون بَين الْأَمريْنِ فرق وَلَا فرق هَهُنَا الا أَنه مكن من أحد الْأَمريْنِ وَجعلت لَهُ استطاعة علية وَلم يُمكن من ألآخر وَكَذَلِكَ رَأَوْا حَرَكَة يدالمفلوج تخَالف حَرَكَة يَد الصَّحِيح فَثَبت أَن بَينهمَا فرقا وَلَا فرق الا وجود الِاسْتِطَاعَة فِي احداها دون الْأُخْرَى ووجدوا مَعَ هَذَا أَحَادِيث تؤيد بطلَان قَول الْفَرِيقَيْنِ مَعًا وتدل على أَن الْحق متوسط بَين غلو أحد الْفَرِيقَيْنِ وتقصير الآخر كنحو مَا نروي عَن جَعْفَر الصَّادِق ﵁ أَن رجلا قَالَ لَهُ هَل الْعباد مجبرون فَقَالَ الله أعدل من أَن يجْبر عَبده ١٩ ب على مَعْصِيَته ثمَّ يعذبه عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ السَّائِل فَهَل أَمرهم مفوض اليهم فَقَالَ الله أعز من أَن يجوز فِي ملكه مَا لَا يُرِيد فَقَالَ لَهُ السَّائِل فَكيف ذَلِك اذا قَالَ أَمر بَين الْأَمريْنِ لَا جبر وَلَا تَفْوِيض
стр. 107
وكنحو مَا رُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه لما انْصَرف من صفّين قَامَ اليه شيخ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَرَأَيْت مسيرنا الى صفّين أبقضاء وَقدر فَقَالَ عَليّ ﵁ وَالله مَا علونا جبلا وَلَا هبطنا وَاديا وَلَا خطونا خطْوَة الا بِقَضَاء وَقدر فَقَالَ الشَّيْخ فَعِنْدَ الله أحتسب عنائي اذن مَا لي من أجر فَقَالَ لَهُ عَليّ ﵀ مَه يَا شيخ فَإِن هَذَا قَول أَوْلِيَاء الشَّيْطَان وخصماء الرَّحْمَن قدرية هَذِه الْأمة ان الله أَمر تخييرا وَنهى تحذيرا لم يعْص مَغْلُوبًا وَلم يطع مكْرها فَضَحِك الشَّيْخ ونهض مَسْرُورا ثمَّ قَالَ
أَنْت الامام الَّذِي نرجو بِطَاعَتِهِ
يَوْم الْقِيَامَة من ذِي الْعَرْش رضوانا ... أوضحت من ديننَا مَا كَانَ ملتبسا
جَزَاك رَبك عَنَّا فِيهِ احسانا
وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ نَحْو مقَالَة جَعْفَر
فَلَمَّا وجدوا جَمِيع هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ جمعُوا الْآيَات وَالْأَحَادِيث وبنوا بَعْضهَا على بعض فأنتج لَهُم من مجموعها مقَالَة ثَالِثَة سليمَة من شناعة المقالتين منتظمة لكل وَاحِد من الطَّرفَيْنِ ارْتَفَعت عَن تَقْصِير الجبرية وانحطت عَن غلو الْقَدَرِيَّة فَوَافَقت قَوْله ﷺ دين الله بَين الغالي والمقصر بنوا تفريعها على أصل وَجُمْلَة الْغَرَض مِنْهُ أَن لله تَعَالَى علم غيب سبق بِكُل مَا هُوَ كَائِن قبل كَونه ثمَّ خلق الْإِنْسَان فَجعل لَهُ عقلا
стр. 108
يرشده واستطاعة يَصح بهَا تَكْلِيفه ثمَّ طوى علمه السَّابِق عَن خلقه وَأمرهمْ ونهاهم وَأوجب عَلَيْهِم الْحجَّة من جِهَة الْأَمر وَالنَّهْي الواقعين عَلَيْهِم لَا من جِهَة علمه السَّابِق فيهم فهم يتصرفون بَين مُطِيع وعاص وَكلهمْ لَا يعدو علم الله السَّابِق فِيهِ
فَمن علم الله تَعَالَى مِنْهُ أَنه يخْتَار الطَّاعَة فَلَا يجوز أَن يخْتَار الْمعْصِيَة وَمن علم أَنه يخْتَار الْمعْصِيَة فَلَا يجوز أَن يخْتَار الطَّاعَة وَلَو جَازَ ذَلِك لم يكن علم الله تَعَالَى مَوْصُوفا بالكمال ولكان كعلم الْمَخْلُوق الَّذِي يُمكن أَن يَقع الْأَمر كَمَا علم وَيُمكن أَن يَقع بِخِلَاف مَا علم وَلَيْسَ فِي علم الله الْأُمُور قبل وُقُوعهَا اجبار على مَا توهمه ٢٠ أالمجبرون وَلَا تتمّ لأحد استطاعة على مَا يهم بِهِ من الْأُمُور الا بِأَن يُعينهُ الله تَعَالَى عَلَيْهِ أَو يكله الى حوله ويسلمه اليه فان عصمه الله مِمَّا يهم بِهِ من الْمعْصِيَة كَانَ فضلا وان وَكله الى نَفسه كَانَ عدلا
فاذا اعْتبرت حَال العَبْد من جِهَة الأضافة الى علم الله السَّابِق فِيهِ الَّذِي لَا يعدوه وجد فِي صُورَة الْمُجبر واذا اعْتبرت حَاله من جِهَة الاضافة الى الِاسْتِطَاعَة المخلوقة لَهُ وَالْأَمر وَالنَّهْي الواقعين عَلَيْهِ وجد فِي صُورَة الْمُفَوض اليه
стр. 109
وَلَيْسَ هُنَاكَ اجبار مُطلق وَلَا تَفْوِيض مُطلق انما هُوَ أَمر بَين أَمريْن يدق عَن أفكار المعتبرين ويحير أذهان المتأملين
وَهَذَا هُوَ معنى مَا أَشَارَ اليه حذاق أهل السّنة ﵏ بقَوْلهمْ ان العَبْد لَا مُطلق وَلَا موثق
فَمَا ورد من الْآيَات وَالْأَحَادِيث الَّتِي ظَاهرهَا الاجبار فَهُوَ مَصْرُوف الى أحد ثَلَاثَة أَشْيَاء
اما الى الْعلم السَّابِق الَّذِي لَا مخرج للْعَبد مِنْهُ وَلَا يُمكنهُ أَن يتَخَيَّر غَيره
واما الى فعل فعله الله تَعَالَى بِهِ على جِهَة الْعقَاب كَقَوْلِه ﴿بل طبع الله عَلَيْهَا بكفرهم﴾ واما الى الْإِخْبَار عَن قدرته تَعَالَى على مَا يَشَاء كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ الله لجمعهم على الْهدى﴾
وَمَا ورد من الْآيَات وَالْأَحَادِيث ظَاهره التَّفْوِيض فَهُوَ مَصْرُوف الى الْأَمر وَالنَّهْي الواقعين عَلَيْهِ وانما غَلطت الْقَدَرِيَّة فِي هَذَا لأَنهم لَا يثبتون لله تَعَالَى علما سَابِقًا بالأمور قبل وُقُوعهَا وَعلم الله عِنْدهم مُحدث تَعَالَى الله عَمَّا يَقُوله الجاهلون علوا كَبِيرا فاعتبروا حَال العَبْد من جِهَة الْأَمر وَالنَّهْي والإستطاعة المركبة فِيهِ لَا من جِهَة الْعلم السَّابِق
стр. 110
وغلطت الجبرية لأَنهم اعتبروا حَال العَبْد من جِهَة علم الله السَّابِق فِيهِ لَا من جِهَة الْأَمر وَالنَّهْي الواقعين عَلَيْهِ وظنوا أَن علم الله تَعَالَى بِجَمِيعِ مَا يَفْعَله العَبْد قبل فعله اياه اجبار مِنْهُ لَهُ على الْفِعْل وكلا الْقَوْلَيْنِ غلط لأَنهم أخذُوا بالطرف الْوَاحِد وَتركُوا الطّرف الآخر فَكَانَ الْمَذْهَب أحسن الْمذَاهب لمن آثر الْخَلَاص والسلامة
وَرَأى المشيخة وَجلة الْعلمَاء الْوَقْف عَن الْكَلَام فِي ذَلِك والخوض فِيهِ لقَوْله ﷺ اذا ذكر الْقَضَاء فأمسكوا وَلم يكن نَهْيه ﷺ وَنهي الْعلمَاء عَن الْكَلَام فِي ذَلِك من أجل أَن هَذَا أَمر لَا تمكن معرفَة الْحَقِيقَة مِنْهُ وانما كَانَ من أجل دقته وخفائه وَأَنه أَمر الْخَطَأ فِيهِ أَكثر من الاصابة فَأَنت ترى الْقَدَرِيَّة والجبرية الى يَوْمنَا هَذَا يختصمون فِيهِ وناقض بَعضهم بَعْضًا وَلَا يصلونَ مِنْهُ الى شِفَاء نفس وكل فرقة من الْفَرِيقَيْنِ يُفْضِي مذهبها الى شناعة اذا ألزمتها فرت عَنْهَا
وكلا الطَّائِفَتَيْنِ قد أَخْطَأت فِي التَّأْوِيل وضلت عَن نهج السَّبِيل ووصفت الله تَعَالَى بِصِفَات لَا تلِيق بِهِ عِنْد ذَوي الْعُقُول
وَهَذِه أعزّك الله جملَة قَليلَة تفصيلها كثير وَهُوَ بَاب ضيق المجال جدا والخائض فِيهِ تسبق اليه الظنة بِغَيْر مَا يقتقده فَلذَلِك نتحامى الْكَلَام فِيهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا نبهنا عَلَيْهِ مَعَ أَنا لم نضع كتَابنَا هَذَا للخوض فِي المقالات انما وضعناه ٢٠ ب لنبين الْمَوَاضِع الَّتِي نَشأ مِنْهَا الْخلاف
لَكنا نقُول يَنْبَغِي لمن طلب هَذَا الشَّأْن وَلم يقنعه مَا رَآهُ الْعلمَاء
следующие страницы →