← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6352

الاجتهاد

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (110 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يجْرِي التأثيم فِي ان يُخَالف الرجل مُوجب اجْتِهَاده وَكَيف يسوغ مَعَ هَذَا الاجماع ان يَقع التاثيم فِي الصَّحَابَة مَعَ تنزههم عَمَّا يشينهم ويحطهم عَمَّا فَضلهمْ الله بِهِ فَتعين بعد ذَلِك عَلَيْهِم وعلينا تتبع مَا ذَكرُوهُ من الاثار بالتأويل وَالَّذِي يُوضح ذَلِك ان مَا نقلوا فِيهِ تَغْلِيظ القَوْل مُخْتَلف فِيهِ وَقد اتّفق اهل الْعَصْر على انه لَا يجْرِي فِيهِ التَّغْلِيظ مَعَ كَونه مُخْتَلفا فِيهِ وَمِمَّا ذكر فِيهِ التَّغْلِيظ بيع الْعينَة وَقد اتّفق الْمُسلمُونَ على انه من بَاعَ على الْوَجْه الْمُخْتَلف فِيهِ لَا يحبط جهاده مَعَ الرَّسُول ﷺ وَمِمَّا يُؤثر فِيهِ التَّغْلِيظ مسَائِل الْجد اذ رُوِيَ عَن عَليّ ﵁ انه قَالَ من اراد ان يقتحم جراثيم جَهَنَّم فَلْيَتَكَلَّمْ فِي الْجد بِرَأْيهِ وَهَذَا مَتْرُوك الظَّاهِر من وَجْهَيْن احدهما ان التَّكَلُّم فِي الْجد لابد مِنْهُ

стр. 37

وَالثَّانِي ان الْخلاف فِيهِ لَا يحل مَحل تقحم الجراثيم فقد انْدفع عَنَّا مَا ادعوهُ من التأثيم احتجاجا اذ قد بَينا افتقار الْخصم الى التَّأْوِيل وازالة الظَّاهِر ثمَّ الْكَلَام على مَا ذَكرُوهُ من الاثار من اوجه احدها ان نقُول انها احاد وَلَا تكَاد ان تبلغ مبلغ الْقطع وَالَّذِي تمسكنا بِهِ من اجماع اهل الْعَصْر فِي ترك التأثيم واجماع الصَّحَابَة قَطْعِيّ لَا ريب فِيهِ وَالْوَجْه الثَّانِي من الْكَلَام ان نقُول ان صَحَّ التأثيم وتغليظ القَوْل فِي بعض هَذِه الصُّور فَذَلِك لَان المغلظ المؤثم اعْتقد ان الَّذِي جرى الْكَلَام فِيهِ لَيْسَ من المجتهدات وحسبه من القطعيات وَلذَلِك غلظ القَوْل والامر على خلاف مَا قدروه فاما الَّذين يتفقون على كَونه مُجْتَهدا فَيجْمَعُونَ على ترك التأثيم فِيهِ فان قَالُوا فَكيف حسب ابْن عَبَّاس مَسْأَلَة الْعَوْل قَطْعِيَّة قُلْنَا فلسنا نضمن عصمَة ابْن عَبَّاس وَلَا عصمَة من هُوَ اجل مِنْهُ من اصحابه وغرضنا من مساق هَذَا الْكَلَام ان نصرف التَّغْلِيظ عَن المجتهدات فتدبره

стр. 38

فاما مَا تمسكوا بِهِ من الاثار المنطوية على الانتساب الى الْخَطَأ وَالنِّسْبَة اليه فَلَيْسَ يَلِيق بِمَا اصلناه من كفهم عَن التأثيم وَلَكِن تمسكوا بِهِ بدءا فَنَقُول لَا معتصم فِيهَا فانها آحَاد وَهِي مَعَ ذَلِك عرضة للتأويل واما مَا تعلقوا بِهِ من النَّقْل من قَول بَعضهم إِن أَخْطَأت فَمن نَفسِي فَمَعْنَاه ان أَخْطَأت نصا لم يبلغنِي وَلَيْسَ الْمَعْنى بِهِ الْخَطَأ فِيمَا كلف وَمَا رُوِيَ عَن عمر ﵁ من الِاعْتِرَاف بالْخَطَأ فِي المغالات فِي الْمهْر فَهُوَ على وَجهه فان ظَاهر نَهْيه ﵁ فِي خلال الْخطْبَة على مَلأ من الصَّحَابَة ينبىء عَن الزّجر والردع وَفِيه الافضاءالى تَحْرِيم الْمُبَاح مَعَ مهابة عمر ﵁ فِي الْقُلُوب فَلَمَّا صدر مِنْهُ النَّهْي الْمُطلق رأى استدراكه وَالِاعْتِرَاف على نَفسه وَمَا رُوِيَ عَن عَليّ ﵁ فَهُوَ بصدد التَّأْوِيل ايضا فانه قَالَ ان اجتهدوا فقد اخطأوا مَعْنَاهُ فقد أخطأوا وَجه الرَّأْي الَّذِي أبديته ورأيته وَلَيْسَ الْمَعْنى أَنهم أخطأوا مَا كلفوا فَهَذَا وَجه مَا تمسكوا بِهِ من الاثار وَقد تحررت الدّلَالَة الَّتِي عضدناها

стр. 39

والاولى عندنَا إِذا خضنا فِي الِاسْتِدْلَال ان نقسم الْكَلَام على قسمَيْنِ فَنَقُول تصويب الْمُجْتَهدين عنْدك مِمَّا يَسْتَحِيل الْمصير اليه عقلا اَوْ هُوَ مِمَّا يمْتَنع شرعا فان قَالَ هُوَ مِمَّا يَسْتَحِيل عقلا فقد ألحق جَائِزا بالمحالات فان الَّذِي صَار اليه المصوبون لَو قدر وُرُود الشَّرْع بِهِ لم يسْتَحل فان الرب تَعَالَى لَو قَالَ آيَات أحكامي على الْمُكَلّفين غلبات ظنهم فَمن غلب على ظَنّه شَيْء فَالْعَمَل بِمُوجبِه حكمي عَلَيْهِ فَهَذَا لَا يعد من المستحيلات فان عَادوا وتمسكوا فِي تَحْقِيق الاستحالة بِمَا ادعوهُ من طرق المناقضات فَالْجَوَاب عَنْهَا هَين على مَا سبق وان زَعَمُوا ان ذَلِك لَا يَسْتَحِيل عقلا وانما يمْتَنع سمعا فنقيم عَلَيْهِم الدّلَالَة الَّتِي سبقت حِينَئِذٍ وانما رَأينَا هَذَا التَّقْسِيم لَان الْمُخَالفين يتسرعون الى ادِّعَاء اسْتِحَالَة تصويب الْمُجْتَهدين عقلا حَتَّى اذا سلكوا هَذَا الْمنْهَج هان الْكَلَام عَلَيْهِم وان ردوا الامر الى الشَّرْع تمسكنا بِالدّلَالَةِ السَّابِقَة نَحْو الْكَلَام على الْقَائِلين بِأَن الْمُجْتَهد مَأْمُور بالعثور على الْحق وان الْمُصِيب من الْمُجْتَهدين وَاحِد وَبَقِي الْكَلَام علينا فِي ثَلَاثَة فُصُول

стр. 40

احدها فِي الرَّد على من قَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب فِي اجْتِهَاده وَالثَّانِي تَفْصِيل القَوْل فِي الاشبه وَالثَّالِث القَوْل بالتخيير اذا قُلْنَا بتصويب الْمُجْتَهدين عِنْد تقَابل الامارات فصل فِيمَا ذهب بعض اصحاب ابي حنيفَة الى ان كل مُجْتَهد مُصِيب فِي اجْتِهَاده وَأَحَدهمَا مُصِيب فِي الحكم وَالثَّانِي مخطىء فِيهِ ويؤثر ذَلِك عَن ابي حنيفَة ويحكى عَن الْمُزنِيّ وَغَيره من اصحاب الشَّافِعِي مثله وَذكر القَاضِي للشَّافِعِيّ نصوصا دَالَّة على الاخذ فِيهَا بِهَذَا المأخذ وَأول مَا نفاتح بِهِ الْقَوْم ان نقُول هَل يُكَلف الْمُجْتَهد العثور على الْحق الْمَطْلُوب بِالِاجْتِهَادِ فَلَا يخلون عِنْد ذَلِك اما ان يَقُولُوا لَا يتَعَيَّن على الْمُجْتَهد الا الِاجْتِهَاد فَأَما العثور على الْحق فَلَا يُكَلف

стр. 41

فان سلكوا هَذَا المسلك فقد افصحوا بمذهبنا فانهم صوبوا كل مُجْتَهد فِيمَا كلف على ان عبارتهم بشعة جدا فانهم اثبتوا حكما لَا يتَعَلَّق بِهِ التَّكْلِيف وَهَذَا مَرْدُود بِاتِّفَاق فان الاحكام فِي المجتهدات وَغَيرهَا من الشرعيات يتَعَلَّق التَّكْلِيف بهَا اجماعا اذ من المستحيل ثُبُوت تَحْرِيم وَتَحْلِيل وايجاب وَندب من غير ان يتَعَلَّق بِهِ تَكْلِيف مُكَلّف فان قَالُوا ان الْمُجْتَهد مامور بِالِاجْتِهَادِ والعثور على الْحق كَمَا قَالَ الاولون فَيُقَال لَهُم فَهَل على الْحق دَلِيل فان قَالُوا اجل قيل لَهُم وَكَيف يكون الْمُجْتَهد مصيبا فِي إجتهاده وَهُوَ لم يتَمَسَّك بِمَا يُفْضِي بِهِ الى الْحق اما بَان حاد عَن الدّلَالَة فَلم يتَعَلَّق بهَا اَوْ فرط فَلم يكمل النّظر فِيهَا فَلَا يَسْتَقِيم مَعَ هَذَا الاصل القَوْل بَان الْمُجْتَهد ادى مَا كلف فِي اجْتِهَاده وان قَالُوا ان بعض مَا اتى بِهِ من الِاجْتِهَاد فقد ادى مَا كلف فِيهِ وَلَكِن لم يتممه فَنَقُول فَمَا يُؤمنهُ انه لم يسْلك طَرِيق النّظر فِي الدّلَالَة وَلم يضع نظره اولا الا فِي شُبْهَة فَمَعَ تَجْوِيز ذَلِك كَيفَ يطلقون القَوْل بتصويبه فِي الِاجْتِهَاد على ان الِاجْتِهَاد مِمَّا لَا يَتَبَعَّض فاذا لم يكمل لم يَصح

стр. 42

شَيْء مِنْهُ فانه يطْلب لغيره ويتنزل منزلَة الصلاه يُؤَدِّي بَعْضهَا ثمَّ يطْرَأ عَلَيْهَا مَا يُبْطِلهَا على انا نقُول بعد مَا بَينا تناقضهم نتمسك عَلَيْهِم بالادلة القاطعة الَّتِي لَا مخلص مِنْهَا بَان نقُول الْيَسْ كل مُجْتَهد مَأْمُورا بَان يعْمل بِمُوجب اجْتِهَاده مأثوما بالانكفاف عَنهُ عَاصِيا بِتَرْكِهِ وَهَذَا حَقِيقَة الْوُجُوب وَلَا مُوجب الا الله فَكيف يتَحَقَّق مَعَ ذَلِك ان يَأْمُرهُ بِشَيْء ويعصيه بِتَرْكِهِ وَيجوز ان يكون مَنْهِيّا عَمَّا امْر بِهِ فَهَل هَذَا الا تنَاقض لَا يستريب فِيهِ ذُو عقل فان قَالُوا فَالَّذِي ذكرتموه يبطل عَلَيْكُم بِمَا لَو اجْتهد وَعمل بِمُوجب اجْتِهَاده ثمَّ تبين لَهُ انه أَخطَأ نصا فَإِنَّهُ كَانَ مَأْمُورا بِمُوجب اجْتِهَاده ثمَّ تبين لَهُ انه كَانَ مخطئا وَهَذَا مَا يعدونه من اعظم القوادح فِيمَا تمسكنا بِهِ فَنَقُول اذا لم يفرط الْمُجْتَهد فِي الطّلب وَشدَّة الْبَحْث عَن النُّصُوص وَلم يتَمَكَّن من العثور عَلَيْهِ فَحكم الله تَعَالَى عَلَيْهِ مُوجب اجْتِهَاده قطعا ويتنزل منزلَة من لم يبلغهُ النَّاسِخ للْحكم فَيكون مُخَاطبا على الاصح بِمُوجب الْمَنْسُوخ الى ان يبلغهُ النَّاسِخ فاذا صددناهم عَن ذَلِك ضَاقَ عَلَيْهِم كل مَسْلَك وَاسْتمرّ لنا مَا طردناه من الدَّلِيل

стр. 43

فصل فِي القَوْل بالاشبه وَذكر اخْتِلَاف النَّاس فِيهِ ذهب طَائِفَة من الْعلمَاء الى ان كل مُجْتَهد مُصِيب وَلَا يُكَلف الا الْعَمَل بِمَا ادى الى اجْتِهَاده وَيكون هُوَ مَأْمُورا عِنْد وضع الِاجْتِهَاد بِطَلَب الاشبه عِنْد الله تَعَالَى وَلَكِن يعْمل بقضية اجْتِهَاده وَلم يقل بالاشبه الا المصوبون واليه مَال عِيسَى بن ابان والكرخي فِي بعض رواياته وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ مُحَمَّد بن الْحسن ثمَّ اذا روجعوا فِي الاشبه اخْتلفت اجوبتهم فِي بَيَانه فَذهب بَعضهم الى الْكَفّ عَن بَيَانه وَهَذَا نِهَايَة الغي فان مَا ذَكرُوهُ ان كَانَ مَجْهُولا عِنْدهم يَسْتَحِيل اعْتِقَاده وان كَانَ مَعْلُوما فَبِأَي بَيِّنَة وَذهب بَعضهم الى ان الاشبه عِنْد الله تَعَالَى اولى طرق الشّبَه فِي المقاييس والعبر ومثلوا ذَلِك بَان قَالُوا اذا الْحق القائس الارز بِالْبرِّ بِوَصْف الطّعْم أَو بِوَصْف الْقُوت اَوْ الْكَيْل فأحد هَذِه الاوصاف اشبه عِنْد الله تَعَالَى

стр. 44

واقرب فِي التَّمْثِيل والمجتهد يُكَلف نَفسه بِالِاجْتِهَادِ العثور عَلَيْهِ ثمَّ لَا عَلَيْهِ ان أخطأه وَذهب آخَرُونَ فِي تَفْسِير الاشبه الى ان قَالُوا الاشبه عِنْد الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي لَو ورد النَّص تَقْديرا لما ورد الا بِهِ فَنَقُول لَهُم اذا صوبنا الْمُجْتَهدين واوجبنا على كل وَاحِد يتبع مُوجب اجْتِهَاده وَجَعَلنَا كل وَاحِد على حق عِنْد الله تَعَالَى فَلَا معنى لتقدير الاشبه مَعَ ذَلِك على انا نقُول لَهُم هَل يُكَلف الْمُجْتَهد العثور على الاشبه ام لَا يُكَلف ذَلِك فان لم يُكَلف العثور عَلَيْهِ فَكيف يجب طلبه مَعَ ان الْمُجْتَهد يعْتَقد انه لَا يُكَلف العثور عَلَيْهِ وان قُلْتُمْ انه يجب العثور عَلَيْهِ فاذا لم يعثر عَلَيْهِ الا وَاحِد من الْمُجْتَهدين وَجب تخطئة البَاقِينَ وَهَذَا خوض فِي الْمَذْهَب الاول الَّذِي ابطلناه اذا لَا فصل بَين تَقْدِير الاشبه وَلَا دَلِيل يُوصل اليه على ان مَا عولوا عَلَيْهِ يهدم الْمصير الى الاشبه فانه يَسْتَحِيل الْجمع بَين قَول الْقَائِل يجب على كل مُكَلّف ان يعْمل بِمُوجب اجْتِهَاده ويعصي بِتَرْكِهِ وَيجوز ان يكون الامثل لَهُ غَيره والاشبه عِنْد الله تَعَالَى ترك مَا يعصيه بِتَرْكِهِ ثمَّ نقُول مَا ذكرتموه فِي الاشبه لَا معنى لَهُ فانكم ان عنيتم انه مشابهة الْفَرْع

стр. 45

الاصل فِي اوصاف الذوات فَهَذَا مُسْتَحِيل فِي طرق اجْتِهَاد الشرعيات فان الشَّيْء يُقَاس على خِلَافه كَمَا يُقَاس على مثله فَلَا يعول فِي العبر الشَّرْعِيَّة على تماثل الاوصاف الذاتية عقلا عَن اقْتِضَاء الحكم وَكَونه اولى بِهِ فَهَذَا محَال وَقد قدمنَا فِي ابطاله مَا فِيهِ كِفَايَة قُلْنَا ان شَيْئا من هَذِه الاوصاف لَا يدل عقلا على الاحكام وان عنوا بالاشبه ان الرب تَعَالَى نصب وَصفا من الاوصاف علما دون غَيره فَكيف تَقولُونَ مَعَ ذَلِك بتصويب الْمُجْتَهدين وَهَذَا مَا لَا مخلص لَهُ مِنْهُ ثمَّ نقُول لم يُؤثر عَن الْقَائِلين بالاشبه الا المقالات الثَّلَاث الَّتِي حكيناها احدها الْكَفّ عَن التَّفْسِير وَهُوَ يورط فِي الْجَهَالَة وَالثَّانِي التَّفْسِير باولى وُجُوه الْقيَاس وَهُوَ بَاطِل فان الاولى لَا يَخْلُو اما ان يكون اولى عقلا وَهُوَ بَاطِل واما ان يكون اولى بِمَعْنى انه علم على الحكم دون غَيره فَهُوَ الْحق دون غَيره اذا وَمَا سواهُ خطأ وَلَا معنى للاشبه سوى مَا قُلْنَاهُ فان فسروا الاشبه بانه الَّذِي لَو ورد النَّص لم يرد الا بِهِ فَنَقُول فَقولُوا ان من أخطأه مَعَ انه وَجب عَلَيْهِ طلبه فَهُوَ مخطىء

стр. 46

فان قَالُوا لَا نجعله مخطئا لانه لم يرد بِهِ النَّص قُلْنَا فَلَا تجعلوه الاشبه لانه لم يرد بِهِ النَّص فانه لَا معنى لكَونه اشبه يرجع الى ذَاته انما يكون اشبه بِنصب صَاحب الشَّرِيعَة اياه علما على الحكم فاذا لم ينصبه لم يكن لكَونه اشبه معنى فاذا اسْتدلَّ الْقَائِلُونَ بالاشبه بنكتة وَاحِدَة على المصوبين فَقَالُوا لَا بُد للمجتهد من مَطْلُوب وَلَا يتَصَوَّر طلب من غير مَطْلُوب وَقد منعتم ان يمون الْمَطْلُوب علما وانكرتم ان يكون الله تَعَالَى حكم معِين فِي الْحَادِثَة اَوْ امارة مَنْصُوبَة على الحكم يتَعَيَّن العثور عَلَيْهَا فاذا ابطلتم مَعَ ذَلِك الاشبه فَمَا الَّذِي تطلبونه وَهَذَا اعظم سُؤال على المصوبين وَرُبمَا يوضحون ذَلِك بِالِاجْتِهَادِ فِي الْقبْلَة فَيَقُولُونَ من خفيت عَلَيْهِ دلَالَة الْقبْلَة فَهُوَ مامور بطلبها ثمَّ انما نكلفه ان يُصَلِّي الى الْجِهَة الَّتِي ادى اجْتِهَاده اليها وَلَكِن يتأسس اجْتِهَاده على طلب الْقبْلَة ثمَّ يعْمل بقضيتها وَلَكِن يُكَلف سوى قَضِيَّة اجْتِهَاده وَكَذَلِكَ قَوْلنَا فِي الاشبه وَالْجَوَاب عَن ذَلِك ان نقُول هَذَا الَّذِي ذكرتموه لَا يَصح مِنْكُم اولا فان معولكم فِيمَا ذكرتموه على ان الطّلب من غير مَطْلُوب لَا يتَحَقَّق وَهَذَا ينعكس عَلَيْكُم مَعَ قَوْلكُم بَان العثور على الْمَطْلُوب لَا يجب فاذا لم توجبوا العثور على الْمَطْلُوب وَعلم كل مُجْتَهد ذَلِك من نفسسه فَأَي معنى لوُجُوب الطّلب

стр. 47

ثمَّ نقُول بِمَ تنكرون على من يزْعم ان الْمَطْلُوب بِالِاجْتِهَادِ غَلَبَة الظَّن فمهما غلب بطرِيق الِاجْتِهَاد على ظن الْمُجْتَهد ضرب من الحكم فغلبة ظَنّه انه حكم الله تَعَالَى عَلَيْهِ فان قَالُوا مُجَرّد غَلَبَة الظَّن لَا ينْتَصب آيَة وفَاقا حَتَّى تقع غَلَبَة الظَّن عَن اجْتِهَاده وَالِاجْتِهَاد يَنْبَغِي ان يَنْبَنِي على قصد مَطْلُوب ويستحيل ان يكون مَطْلُوب الْمُجْتَهد غَلَبَة الظَّن بل يطْلب شَيْئا ويغلب على ظَنّه انه اصابه فَيكون ذَلِك غَلَبَة ظن صادرة عَن اجْتِهَاده الْمُتَعَلّق بمطلوبه وانتم اذا لم تثبتوا مَطْلُوبا اصلا فَلَا يَتَقَرَّر اجْتِهَاد قُلْنَا سَبِيل التَّوَصُّل الى غَلَبَة الظَّن مَا نذكرهُ الان وَهُوَ أَن المرأ الْمُجْتَهد يعلم ان الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم تمسكوا بِاعْتِبَار الْعِلَل وَغَلَبَة الاشباه وحكموا بِمَا يخْطر لَهُم من قضاياها فيسلك الْمُجْتَهد مسلكهم مَعَ انه يعْتَقد عدم تعْيين حكم مُحَقّق اَوْ مُقَدّر فمهما قدر نَفسه سالكا مسلكهم فِي الْحَادِثَة الْوَاقِعَة فيغلب على ظَنّه عِنْد ذَلِك مُوجب اجْتِهَاده فقد وضح

стр. 48

وَجه التَّوَصُّل الى غَلَبَة الظَّن من غير تَقْدِير الاشبه كَمَا صرتم اليه وَمن غير تَقْدِير الْحق الْكَائِن كَمَا صَار اليه الاولون فصل فِي تقَابل وَجْهَيْن من الِاجْتِهَاد فِي ظن الْمُجْتَهد فان قَالَ الْقَائِل اذا اجْتهد الْمُجْتَهد فتقابل فِي ظَنّه وَجْهَان من الِاجْتِهَاد وَلم يتَرَجَّح احدهما على الاخر وهما متعلقان بحكمين متنافيين فَمَا قَوْلكُم فِي هَذِه الصُّورَة قُلْنَا اما من زعم ان الْمُصِيب وَاحِد فقد اخْتلفت اقوالهم فِي هَذِه الصُّورَة فَذهب بَعضهم الى انه يُقَلّد عَالما غَيره قطع بِأحد وَجْهي اجْتِهَاده وَذهب احزون الى انه لَا يُقَلّد عَالما وَلَا ياخذ بِاجْتِهَاد نَفسه وَلَكِن يتَوَقَّف ويصمم على طرق التَّرْجِيح وان تضيق الامر فقد اخْتلف مانعوا التَّقْلِيد عِنْد ذَلِك فَذهب ذاهبون الى جَوَاز التَّقْلِيد عِنْد ذَلِك فِي هَذِه الْحَالة وان منعوها فِي غَيرهَا من الاحوال وَذهب اخرون الى انه لَا يُقَلّد وَلَكِن يعْمل باحدهما وسنستقصي القَوْل فِي ذَلِك فِي كتاب التَّقْلِيد ان شَاءَ الله واما المصوبون فقد خير بَعضهم وَمنع بَعضهم القَوْل بالتخيير وَصَارَ

стр. 49

إِلَى التَّوَقُّف اَوْ التَّقْلِيد وَزعم انه حكم الله تَعَالَى عَلَيْهِ قطعا قَالَ القَاضِي وَالصَّحِيح فِي ذَلِك عندنَا مَا صَار اليه شَيخنَا وَهُوَ ان الْمُجْتَهد يتَخَيَّر فِي الاخذ بِأَيّ الاجتهادين شَاءَ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ بطلَان التَّقْلِيد على مَا نوضحه فاذا بَطل التَّقْلِيد وَقد اوضحنا بِمَا قدمْنَاهُ ان كل مُجْتَهد مُصِيب وَقد اسْتَوَى فِي حَقه الاجتهادان فَلَا سَبِيل الى الاخذ بِمَا شَاءَ الا بِضيق الْوَقْت فَنزل الحكمان فِي حَقه منزلَة الْكَفَّارَة فِي حق الْحَالِف فان قَالَ قَائِل فَفِي الْمصير الى التَّخْيِير خرق الاجماع وَذَلِكَ انه اذا نقل عَن الصَّحَابَة قَولَانِ فِي الْمَسْأَلَة فاجتهد فيهمَا الْمُجْتَهد وتقاوم الاجتهادان فِي حَقه فَلَو صَار الى التَّخْيِير كَانَ قولا ثَالِثا وَالدَّلِيل عَلَيْهِ ان من صَار الى ايجاب رَقَبَة فِي حَادِثَة مَعَ من صَار الى ايجاب الْكسْوَة لَا يوافقان من خير بَينهمَا فان الْمُخَير يسْلك مسلكا سوى مسلكهما فَمن هَذَا الْوَجْه لزم اختراع قَول ثَالِث وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك ان التَّخْيِير من الاحكام المعدودة فِي مَرَاتِب احكام الشَّرِيعَة ويتميز بِهِ بعض الْكَفَّارَات عَن بعض قُلْنَا هَذَا الَّذِي ذكرتموه يَنْقَلِب عَلَيْكُم على وَجه لَا تَجِدُونَ عَنهُ محيصا فانا نقُول اذا تقَابل الاجتهادان وتضيق الحكم وَلم يجد الْمُجْتَهد من يقلده فَمَا قَوْلكُم فِي هَذِه الصُّورَة فيضطرون الى القَوْل بانه

стр. 50

يَأْخُذ باحدهما ويلزمهم فِي هَذِه الصُّورَة مَا الزمونا فان قَالُوا يتَوَقَّف فَكيف يُمكنهُم ذَلِك وَقد صور عَلَيْهِم التَّضْيِيق وَمنع التَّخْيِير باجماع على ان للخصم ان يَقُول التَّوَقُّف حكم ثَالِث ثمَّ نقُول لسنا نقُول ان التَّخْيِير يثبت حكما فِي حق الْمُجْتَهد حَتَّى يعْتَقد انه حكم ثَالِث وَلَكِن ياخذ باحدهما فيوافق من شَاءَ من الْمُخْتَلِفين فِي الْعَصْر الْمَاضِي وَهُوَ كالمستفتي يتَصَدَّى لَهُ مفتيان متساويان فِي كل الاوصاف وفتواهما لَهُ مُخْتَلِفَتَانِ فياخذ بفتوى احدهما وَلَا يكون ذَلِك تخييرا فوضح الِانْفِصَال عَمَّا الزمونا فان قَالُوا الْيَسْ معولكم على غَلَبَة الظَّن فِي كل مَا قدمتموه فاذا تقَابل الاجتهادان فقد خلت الْمَسْأَلَة عَن غَلَبَة الظَّن قُلْنَا اذا تقَابل الاجتهادان فتقابلهما امارة فِي اثار غَلَبَة ظن التَّخْيِير وَهَذَا وَاضح فافهمه وَقد انْقَضى الْكَلَام فِي تصويب الْمُجْتَهدين

стр. 51

- ﷺ َ - بَاب فِي جَوَاز التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ فِي حَضْرَة الرَّسُول ﵇ ﷺ َ - اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فَذهب ذاهبون الى منع التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ بِحَضْرَة الرَّسُول ﷺ وَذهب اخرون الى جَوَاز ذَلِك عقلا وَهُوَ الَّذِي نرتضيه لَان الْجَائِز يتَمَيَّز عَن المستحيل بِانْتِفَاء وُجُوه الاستحالة وَجُمْلَة وُجُوه الاستحالة منتفية فِي جَوَاز وُرُود التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ بِحَضْرَة الرَّسُول ﵇ وَلَو قدر مُصَرحًا بِهِ لم يسْتَحل بَان يَقُول صَاحب الشَّرِيعَة اذا عنت لكم حَادِثَة فانتم بِالْخِيَارِ فِيهَا فان شِئْتُم راجعتموني لاخبركم بِحكم الله تَعَالَى وجوبا اَوْ اجْتِهَادًا وان شِئْتُم فاجتهدوا فغلبة ظنكم امارة حكم الله تَعَالَى

стр. 52

عَلَيْكُم فَهَذَا لَا يَسْتَحِيل عقلا فِي صفة المتعبد تَعَالَى وَجل وَلَا فِي صفة التَّعَبُّد وَلَا فِي صُورَة التَّعَبُّد فان قَالُوا من كَانَ بِحَضْرَة الرَّسُول ﷺ فَهُوَ قَادر على التَّوَصُّل الى النَّص وَلَا يسوغ الِاجْتِهَاد مَعَ الْقُدْرَة على الْوُصُول الى النَّص قُلْنَا هَذَا ايضا دَعْوَة مِنْكُم على انا نقُول لَيْسَ كلامنا فِيمَا اسْتَقر فِيهِ نَص وانما كلامنا فِي حَادِثَة لم يُؤثر فِيهَا عَن الرَّسُول ﷺ جَوَاب فَهِيَ قبل مُرَاجعَة الرَّسُول ﷺ خَالِيَة عَن النَّص فصل فِي وُرُود الشَّرْع فِي جَوَاز التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ فِي حَضرته فان قَالَ قَائِل قد ذكرْتُمْ جَوَاز التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ عقلا فَهَل ورد الشَّرْع بِهِ قَالَ القَاضِي اما الَّذين غَابُوا عَن مَجْلِسه ﷺ فقد صَحَّ تعبدهم بِالْقِيَاسِ فِي اخبار تلقتها الامة بِالْقبُولِ مِنْهَا حَدِيث معَاذ بن جبل ﵁ حَيْثُ قَالَ لَهُ الرَّسُول ﷺ بِمَ تحكم قَالَ بِكِتَاب الله قَالَ فان لم تَجِد قَالَ فبسنة رَسُول الله ﷺ قَالَ فان لم تَجِد قَالَ فاجتهد رَأْيِي وَلَا آلو فَقَالَ ﵇ الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُول الله لما

стр. 53

يرضاه رَسُول الله // رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ونعلم ايضا ان الَّذين بعدوا عَن مَجْلِسه من ولاته ومستخلفيه على العساكر والبلاد كَانَ يعن لَهُم من الْحَوَادِث مَا لَا نَص فِيهِ وَكَانُوا لَا يتوقفون فِي جَمِيعهَا وَالرَّسُول ﷺ يعلم ذَلِك مِنْهُم فَهَذَا فِي الْغَيْبَة عَنهُ

стр. 54

اما الَّذين كَانُوا بِحَضْرَتِهِ فَلم تقم حجَّة شَرْعِيَّة فِي تعبدهم بِالْقِيَاسِ وان وَردت لَفْظَة شَاذَّة اَوْ مُحْتَملَة للتأويل

стр. 55

القَوْل فِي جَوَاز تعبد النَّبِي ﷺ بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَا نَص فِيهِ اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَذهب الَّذين احالوا التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ الى الجري على مُقْتَضى اصلهم فِي اسْتِحَالَة التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ فاما الْقَائِلُونَ بِالْقِيَاسِ فقد اخْتلفُوا ايضا فَذهب بَعضهم الى انه لَا يجوز تعبد الرَّسُول ﷺ بِالْقِيَاسِ والتحري وَالِاجْتِهَاد وَمنعُوا ذَلِك عقلا وَذهب اخرون الى جَوَاز تعبده بِالْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَاد والحقوا ذَلِك بجائزات الْعُقُول وَهَذَا الَّذِي نختاره

стр. 56

وَالدَّلِيل عَلَيْهِ انه لَيْسَ فِيهِ وَجه من وُجُوه الاستحالة فِي المتعبد تَعَالَى وَجل وَلَا فِي التَّعَبُّد وَلَا فِي المتعبد وَلَا يبعد ان يَقُول الرب تَعَالَى لرَسُوله ﷺ اذا وَقعت حَادِثَة فاجتهد فِيهِ رَأْيك فَمَا مَال اليه رَأْيك فَهُوَ الْحق وَهَذَا وَاضح لمن تَأمله وَتمسك من احال تعبده بِالْقِيَاسِ بطرق مِنْهَا ان الْعَمَل بِالْقِيَاسِ عمل بغالب الظَّن فَلَو تمسك بِهِ الرَّسُول ﷺ لَكَانَ يبلغ عَن ربه شَرِيعَته بِمُوجب غَلَبَة الظَّن وَذَلِكَ مُسْتَحِيل فِي اوصاف الرَّسُول ﷺ فَنَقُول هَذَا الَّذِي ذكرتموه بَاطِل وَذَلِكَ ان الْمُجْتَهد عندنَا يغلب على ظَنّه اولا ثمَّ يقطع على الله بِمُوجب غَلَبَة الظَّن ونعلم

стр. 57

ان غَلَبَة الظَّن امارة نصبها الله تَعَالَى فِي مُوجبهَا وَكَذَلِكَ الرَّسُول ﷺ يقطع بِمَا يحكم بِهِ وَينزل ذَلِك منزلَة مَا لَو قَالَ الله تَعَالَى لرَسُوله مهما ظَنَنْت اقبال فلَان وقدومه فاقطع بِهِ فانك لَا تظن الا حَقًا فَهَذَا سَائِغ لَا اسْتِحَالَة فِيهِ وَمِمَّا تمسكوا بِهِ ان قَالُوا لَو سَاغَ للرسول ان يجْتَهد لساغ لغيره ان يجْتَهد ايضا ثمَّ يكون كل مُجْتَهد مؤاخذ بِاجْتِهَادِهِ فَيُؤَدِّي ذَلِك الى ان يُخَالف المجتهدون الرَّسُول ﷺ اذا اخْتلفت الاجتهادات وَفِي ذَلِك ابطال الِاتِّبَاع والحط لمنزلة الرَّسُول ﷺ وَالْجَوَاب عَن هَذَا السُّؤَال ان نقُول لَو رددنا الى مُوجب الْعقل لم يكن فِيمَا قلتموه اسْتِحَالَة وكل مُجْتَهد مؤاخذ بِاجْتِهَادِهِ وَكَانَ الرَّسُول ﷺ لَا يَدْعُو الْمُجْتَهدين الى اتِّبَاعه فَيُؤَدِّي ذَلِك الى مُخَالفَة الِاتِّبَاع فَهَذَا فِي سَبِيل الْعقل وَلَكِن قَامَت دلَالَة الاجماع على ان مَا يقدم عَلَيْهِ الرَّسُول ﷺ فِي تَبْيِين الشَّرْع لَا على سَبِيل الِاخْتِصَاص بِهِ فَيجب اتِّبَاعه فِيهِ وَلَا يجوز الاستبداد بالحكم على خلاف مَا يُبينهُ فمنعنا بذلك ترك الِاتِّبَاع واستقلال كل مُجْتَهد بِنَفسِهِ فَكَأَن الرب تَعَالَى يَقُول كل مُجْتَهد مؤاخذ بِاجْتِهَادِهِ الا مَا كَانَ للنَّبِي ﷺ فِيهِ اجْتِهَاد فَهُوَ الْقدْوَة

стр. 58

وَمِمَّا تمسكوا بِهِ ايضا ان قَالُوا لَو جَازَ ان يجْتَهد النَّبِي ﷺ لجَاز ان يخطىء مرّة ويصيب اخرى وَفِي ذَلِك ابطال الثِّقَة بِمَا يَقُوله قُلْنَا هَذِه غَفلَة عَظِيمَة مِنْكُم فانا لم نصور من احاد الْمُجْتَهدين الْخَطَأ على مَا اوضحنا من اصلنا فِي تصويب الْمُجْتَهدين احادا فَكيف تظنون منا ذَلِك فِي اجْتِهَاد الرَّسُول ﷺ على انا لَو قَدرنَا جَوَاز الْخَطَأ من سَائِر الْمُجْتَهدين فَلَا يجوز من الرَّسُول ﷺ فانه وَاجِب الْعِصْمَة فَينزل فِي اجْتِهَاده منزلَة من لَو اجْتمع كَافَّة الامة على ضرب من الِاجْتِهَاد اجماعا مِنْهُم فَلَا يسوغ خطأهم وان قُلْنَا ان الْمُصِيب وَاحِد فِي المجتهدات فيتصور خطأ آحَاد الْمُجْتَهدين فَبَطل مَا قَالُوا وَمِمَّا استدلوا بِهِ ايضا ان قَالُوا لَو كَانَ للرسول ﷺ ان يجْتَهد لجَاز لجبريل ﵇ ان يجْتَهد ويخبر الرَّسُول ﷺ عَن اجْتِهَاده وَهُوَ يضيف الْكل الى الْوَحْي فِيمَا يبلغهُ جِبْرِيل ﵇ فيختلط الْوَحْي بِغَيْرِهِ وَفِيه لبس عَظِيم فِي الدَّلِيل قُلْنَا هَذِه رَكِيك من القَوْل فَإِن جِبْرِيل ﵇ اذا اجْتهد اخبر

стр. 59

الرَّسُول ﷺ بِاجْتِهَادِهِ حَتَّى لَا ينْقل الْكل وَحيا اذا علم ان الامر يلتبس فبطلت عصمتهم ووضح جَوَاز تعبده بِالْقِيَاسِ فصل فِي وُقُوع التَّعَبُّد سمعا فان قَالَ قَائِل قد بينتم جَوَاز تعبد الرَّسُول ﷺ بِالِاجْتِهَادِ عقلا فَهَل ثَبت ذَلِك سمعا قُلْنَا قد اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فَذهب ذاهبون الى انه ورد السّمع بذلك وَذهب اخرون الى انه لم يرد بِهِ سمع وَنحن نذْكر مَا تمسك بِهِ كل فريق ونتكلم عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فاما الَّذين نفوا وُرُود السّمع بِهِ فقد استدلوا بِأَن قَالُوا لَو كَانَ شرع للرسول ﷺ الِاجْتِهَاد لَكَانَ لَا يتَوَقَّف فِي كثير من الاحكام ينْتَظر فِيهَا الْوَحْي وَكَانَ يتشرع الى الِاجْتِهَاد حسب مَا يجوز لَهُ وَهَذَا بَاطِل فان للاخرين ان يَقُولُوا انما كَانَ يتَوَقَّف فِيمَا لم يكن للِاجْتِهَاد فِيهِ مساغ وَلم يكن لَهُ اصل يرد اليه اعْتِبَارا وَقِيَاسًا اذ لم يكن قد اسْتَقر الشَّرْع وتأسست قَوَاعِده على انه لَا يبعد انه ﵇ خير

стр. 60

بَين الِاجْتِهَاد وَبَين انْتِظَار الْوَحْي فَكَانَ يجْتَهد مرّة وينتظر الْوَحْي اخرى وَمِمَّا استدلوا بِهِ ايضا ان قَالُوا لَو كَانَ النَّبِي ﷺ يتَمَسَّك بِالِاجْتِهَادِ لنقل ذَلِك نفلا مستفيضا قَاطعا للريب كَمَا نقل تمسكه بِالْوَحْي وَهَذَا مَا لَا معتصم فِيهِ أَيْضا اذ لَيْسَ من شَرط كل مَا يُؤثر عَن الرَّسُول ﷺ يجب ان يستفيض بل مِنْهُ مَا ينْقل آحادا وَمِنْه مَا ينْقل استفاضة على انه كَانَ لَا يجب على الرَّسُول ﷺ ان يُخْبِرهُمْ بمصادر احكامه وقضاياه وَتمسك هَؤُلَاءِ بالطرق الَّتِي قدمناها فِي اسْتِحَالَة تعبده بِالِاجْتِهَادِ عقلا وَقد قدمنَا الاجوبة عَنْهَا وَهَذَا كَلَام هَؤُلَاءِ فَأَما الَّذين قَالُوا ان الشَّرْع ورد بتعبده ﷺ بِالِاجْتِهَادِ فقد استدلوا بِمَا جرى من أَمر أُسَارَى بدر فان النَّبِي ﷺ فاداهم بِاجْتِهَادِهِ ورأيه وَلم يقدم على ذَلِك عَن قَضِيَّة وَحي وَلِهَذَا عاتبه الرب تَعَالَى فِي قَوْله ﴿مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فِي الأَرْض﴾ اللآية وَكَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ أَشَارَ على النَّبِي ﷺ ان يقتلهُمْ فَقَالَ ﷺ عِنْد

стр. 61

نزُول الاية لقد كَانَ الْعَذَاب اقْربْ الينا من هَذِه الشَّجَرَة وَلَو أنزل لما نجا مِنْهُ الا عمر // أخرج الحَدِيث مُسلم وَقَالُوا فَهَذِهِ الاية مَعَ سَبَب نُزُولهَا دلَالَة وَاضِحَة على فاعترف على نَفسه بالْخَطَأ حكمه ﷺ بِالِاجْتِهَادِ قَالَ القَاضِي ﵁ من زعم ان هَذِه الاية تدل على حكمه ﷺ بِالِاجْتِهَادِ فقد افترى على الله تَعَالَى بأعظم الْفِرْيَة فان فِيهِ تعرضا لتجويز الْخَطَأ على الرَّسُول ﷺ مَعَ تَقْدِيره عَلَيْهِ النَّاس على ضَرْبَيْنِ فِي تَجْوِيز الْخَطَأ على الرُّسُل ﵈ فَمن جوزه مِنْهُم لم يجوز تَقْدِيره عَلَيْهِ فان قيل بِمَ تنكرون على من يزْعم انه لم يقر على مَا عوتب عَلَيْهِ

стр. 62

قُلْنَا فَعدم التَّقْرِير هُوَ ان لَا ينفذ مَا أَخطَأ فِيهِ وَكَانَ يَنْبَغِي ان يقتل الاسرى وينقض عهود المفاداة فوضح بذلك بطلَان الِاسْتِدْلَال واستوى الْفَرِيقَانِ فِي التَّأْوِيل فان قيل فَمَا تَأْوِيل الاية بعد سُقُوط الِاحْتِجَاج قيل اما الرَّسُول ﷺ فقد كَانَ خير بَين الْقَتْل والمن والمفاداة والاسترقاق كَمَا أنبأ قَوْله تَعَالَى ﴿فإمَّا منا بعد وَإِمَّا فدَاء حَتَّى تضع الْحَرْب أَوزَارهَا﴾ عَن بعض هَذِه الْخلال وَلَكِن خَاضَ اصحاب رَسُول الله ﷺ فِي تَخْيِير بعض هَذِه الْخلال حَتَّى كَأَنَّهُ بلغ مِنْهُم اَوْ من بَعضهم مبلغ قطع الرَّأْي والتحكم فنقم الله تَعَالَى ذَلِك عَلَيْهِم بيد ان النَّبِي ﷺ ادخل نَفسه مَعَهم فِي مُوجب العتاب تكرما والاية تنبىء عَن تنزهه وانه تَعَالَى قَالَ ﴿مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فِي الأَرْض﴾ فَلَمَّا انجز حَدِيثه خَاطب الصَّحَابَة فَقَالَ ﴿تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا﴾ وَنحن نعلم ان الرَّسُول ﷺ لَا يُخَاطب بذلك وَقد عرضت عَلَيْهِ خَزَائِن الارض فأباها وَمِمَّا استدلوا بِهِ فِي وُرُود التَّعَبُّد بِالِاجْتِهَادِ انه ﷺ قَالَ فِي حكم الْحرم

стр. 63

لَا يعضد شَجَرهَا وَلَا يختلي خَلاهَا فَقَالَ الْعَبَّاس الا الاذخر فانه لِقُبُورِنَا وَبُيُوتنَا فَقَالَ ﷺ على الْفَوْر الا الاذخر // أخرجه البُخَارِيّ وَنحن نعلم انه مَا قَالَه إِلَّا اجْتِهَادًا وَهَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ تحكم ايضا فَلَا يبعد انه قَالَه وَحيا وَكَانَ مَعَه فِي ذَلِك الْوَقْت جِبْرِيل ﵉ أَو ملك آخر يسدده فَبَطل معتصم الْفَرِيقَيْنِ والمحتار انه لم يرد فِي الشَّرْع دلَالَة يقطع بهَا فِي نفي الِاجْتِهَاد وَلَا فِي اثباته فَيتَوَقَّف فِيهِ على مورد الشَّرِيعَة القَوْل فِي تَخْرِيج الشَّافِعِي ﵀ الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ وَذكر مُرَاده فِيهِ اشْتهر عَن الشَّافِعِي ﵀ ذكر الْقَوْلَيْنِ فَصَاعِدا فِي الْحَادِثَة

стр. 64

الْوَاحِدَة مَعَ الْعلم باستحالة اجْتِمَاعهمَا فِي الصِّحَّة فِي حق الْمُجْتَهد الْوَاحِد وَقد اعْترض عَلَيْهِ فِي ذَلِك جعل وَغَيره من متأخري الْمُعْتَزلَة وَنحن نذْكر مَا عولوا عَلَيْهِ من وُجُوه الِاعْتِرَاض ونتفصى عَنْهَا بِذكر وَجه تَخْرِيج الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ فمما اعْترضُوا بِهِ ان قَالُوا اذا جمع الْجَامِع بَين قَوْلَيْنِ احدهما التَّحْرِيم وَالْآخر التَّحْلِيل وذكرهما جَمِيعًا وَلم يرجح احدهما على الثَّانِي وأضافهما الى نَفسه فِي مثل الصّفة الَّتِي يضيف بهَا جملَة الْمَذْهَب الى نَفسه فَلَا يَخْلُو حَاله فِي ذَلِك اما ان يُرِيد صِحَة الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا فِي حق الْمُجْتَهد الْوَاحِد

стр. 65

فَيكون ذَلِك تناقضا وتنافيا ومباهتة للضروريات والبديهة وان كَانَ لَا يعْتَقد ذَلِك فاطلاقه الْكَلَام على وَجه ينبىء عَمَّا قُلْنَاهُ ضَرُورَة اذ لَيْسَ لَاحَدَّ من الْعلمَاء ان يُطلق من القَوْل مَا ظَاهره الْغَلَط وَهُوَ يُرِيد بِهِ خلاف ظَاهره وانما صَحَّ من صَاحب الشَّرِيعَة اطلاق أَلْفَاظ مَحْمُولَة على خلاف ظواهرها للْعلم بِوُجُوب حكمته وَثُبُوت عصمته وتنزهه عَن الزلل وَهَذِه السَّابِقَة من محمل النازلين على التَّأْوِيل فاما آحَاد الْعلمَاء فَكل وَاحِد مِنْهُم بصدد الْخَطَأ فاذا بدرت مِنْهُم لَفْظَة ظَاهرهَا الْخَطَأ وَلم تجب لَهُ الْعِصْمَة حملت على الظَّاهِر وَهَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ سَاقِط من الْكَلَام من أوجه أَحدهَا إِنَّه لَو سَاغَ مَا قَالُوهُ لوَجَبَ سد بَاب التَّجَوُّز والتوسع فِي الْكَلَام على غير صَاحب الشَّرِيعَة حَتَّى لَا يجوز لَاحَدَّ ان ينظر لمجازات اللُّغَة وَيتَعَيَّن على الكافة النُّطْق بِحَقِيقَة اللُّغَة حَتَّى ينتسب النَّاطِق بالمجاز الى السَّفه والعته فَلَمَّا لم يكن ذَلِك بَطل مَا قَالُوهُ

стр. 66

ثمَّ نقُول أَلَيْسَ ورد على صَاحب الشَّرِيعَة أَلْفَاظ متأولة والمجوز لذَلِك على زعمكم مَا سبق من الْعلم بعصمته فان قَالُوا اجل قيل لَهُم فَكيف يظنّ بالشافعي فِي مثل رتبته ان يحل الشَّيْء ويحرمه مَعًا ويعتقد ذَلِك اعتقادا وَمن كَمَال الْعقل ان يعرف الْمَرْء تنَافِي المتنافيات وتناقضها فنعلم من الشَّافِعِي ﵀ انه لم يسْلك هَذَا المسلك وَإِنَّمَا سلك مسلكا غَيره فينتصب ذَلِك قرينه مقارنه للظَّاهِر نازلة منزلَة الِاسْتِثْنَاء الْمُقَارن للْعُمُوم وَهَذَا بَين لَا خَفَاء فِيهِ فان قَالُوا فَلَو قَالَ الشَّافِعِي ﵀ ظلمت وتعديت أفتحمل ذَلِك على غير ظَاهره قُلْنَا لَا يضطرنا الى حمله على خلاف ظَاهره شَيْء اذ يسوغ من الشَّافِعِي ﵀ وَمِمَّنْ هُوَ أجل مِنْهُ ان يظلم فَأَما ان يعْتَقد كَون الشَّيْء حَلَالا حَرَامًا فَلَا يتَحَقَّق ذَلِك مِنْهُ اصلا فان قَالُوا فقد ابدع الشَّافِعِي على الصَّحَابَة وخرق الاجماع فِي ذكر الْقَوْلَيْنِ فان الصَّحَابَة لما اخْتلفُوا لم يذكر اُحْدُ مِنْهُم فِي الصُّورَة الْوَاحِدَة قَوْلَيْنِ قُلْنَا الْجَواب عَن ذَلِك من وَجْهَيْن

стр. 67

احدهما انهم كَمَا لم يذكرُوا قَوْلَيْنِ لم يمنعوا ذكر الْقَوْلَيْنِ فَلَيْسَ فِي كفهم عَن ذكر الشَّيْء مَا يدل على مَنعهم اياه فَسقط مَا قَالُوهُ ثمَّ نقُول كم ذكرُوا من وُجُوه الِاحْتِمَال فِي الْحَادِثَة الْوَاحِدَة وَلَكِن لم يصفوها بالاقوال كَمَا ذكرُوا وُجُوه الِاحْتِمَال وَالِاجْتِهَاد وَلم يسموه ربطا وتحريرا وفرعا واصلا وَلم يذكرُوا من عِبَارَات متناظري الزَّمَان إِلَّا الْقَلِيل وَلَا يدل ذَلِك على خُرُوج اهل الزَّمَان عَن اجماعهم فان قَالُوا فَمَا وَجه تَخْرِيج الشَّافِعِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ وَمَا مَعْنَاهُ قُلْنَا اخْتلف فِي ذَلِك أجوبة أَصْحَابه وَنحن نذْكر مَا ذَكرُوهُ ثمَّ نعول على الْأَصَح مِنْهُ ان شَاءَ الله تَعَالَى فَذهب بَعضهم إِلَى أَنه قصد بِذكر الْقَوْلَيْنِ حِكَايَة مذهبين من مَذَاهِب الْعلمَاء وَهَذَا غير سديد من وَجْهَيْن احدهما انه قد يَجْعَل الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ فِي صُورَة لَا يُؤثر فِيهَا عَن الْعلمَاء قَول على التَّنْصِيص وَالْآخر انه يضيف الْقَوْلَيْنِ الى اجْتِهَاده وَلَا يجْرِي ذَلِك مجْرى

стр. 68

حِكَايَة الْمذَاهب فَإِنَّهُ اذا حكى الْمذَاهب فصيغة كَلَامه فِي الْحِكَايَة تتَمَيَّز عِنْد كل منصف عَن صِيغَة ذكره الْقَوْلَيْنِ وَقَالَ ابو اسحق الْمروزِي انما ذكر الْقَوْلَيْنِ ليبين ان مَا عداهما فَاسد عِنْده وَحصر الْحق فِي قَوْلَيْنِ اَوْ ثَلَاثَة على مَا يذكرهُ وَهَذَا الَّذِي ذكره فِيهِ نظر ايضا فَإِن الشَّافِعِي لَا يقطع فِي المجتهدات بتخطئة غَيره وَمن تدبر اصوله عرف ذَلِك مِنْهَا وَالصَّحِيح من ذَلِك أَن نقُول مَا يُؤثر فِيهِ عَن الشَّافِعِي قَولَانِ فَهُوَ على اقسام فَمِنْهُ القَوْل الْجَدِيد وَالْقَوْل الْقَدِيم فقد وضح من مُقْتَضى كَلَامه انه بِذكرِهِ الْجَدِيد رَجَعَ عَن الْقَدِيم فَلَا يجْتَمع لَهُ فِي امثال ذَلِك قَولَانِ وَمِنْه ان ينص على قَوْلَيْنِ فِي الْجَدِيد وَلكنه يمِيل الى احدهما

стр. 69

ويختاره فَهُوَ مذْهبه والاخر لَيْسَ بقول لَهُ وانما ذكره اولا تَوْطِئَة للْخلاف وتمهيدا لَهُ وَلَو نَص على قَوْلَيْنِ فِي الْجَدِيد ثمَّ ذكر احدهما بعد ذَلِك وأضرب عَن ذكر الثَّانِي فَمَا صَار اليه الْمُزنِيّ ﵀ ان ذَلِك رُجُوع مِنْهُ عَن القَوْل الثَّانِي وَلما قَالَه وَجه وان كَانَ انكره مُعظم الْأَصْحَاب

стр. 70

وَأما اذا نَص على قَوْلَيْنِ جَمِيعًا وَلم يرجح احدهما بعد ذَلِك على الاخر وَلم ينص على احدهما بعد نَصه عَلَيْهِمَا وَنقل مثل ذَلِك حَتَّى قَالَ الْمُحَقِّقُونَ ان هَذَا الْفَنّ لَا يكَاد يبلغ عشرا قَالَ القَاضِي ﵁ فَالْوَجْه عِنْدِي انه قَالَ فِي مثل هَذَا الْموضع بالتخيير وَكَانَ يَقُول بتصويب الْمُجْتَهدين وَهَذَا الَّذِي قَالَه غير سديد فَإِن الصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي ان الْمُصِيب وَاحِد على ان فِيمَا ذكره القَاضِي دخلا عَظِيما ونبين ذَلِك بَان نمهد اصلا فِي التَّخْيِير فَنَقُول من قَالَ بالتخيير على مَا قدمنَا القَوْل فِيهِ انما يُمكنهُ القَوْل بالتخيير فِي تَقْدِير واجبين مثل ان يُؤَدِّي اُحْدُ الاجتهادين الى ايجاب شَيْء وَيُؤَدِّي الِاجْتِهَاد الثَّانِي الى ايجاب غَيره وَلَا يُؤَدِّي تَقْدِير جَمعهمَا على سَبِيل التَّخْيِير الى تنَاقض وَينزل منزلَة اركان كَفَّارَة الْيَمين فاذا تصورت الْمَسْأَلَة بِهَذِهِ الصُّورَة سَاغَ الْمصير الى التَّخْيِير

стр. 71

واما اذا كَانَ اُحْدُ الاجتهادين يُؤَدِّي الى تَحْلِيل وَالثَّانِي يُؤَدِّي الى تَحْرِيم فَلَا يتَصَوَّر التَّخْيِير فِي الْقَوْلَيْنِ اذ من المستحيل التَّخْيِير بَين التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم وَهَذَا بَين لكل متأمل وَقد ذكره القَاضِي ﵀ فِي خلال كَلَامه وَكَذَلِكَ لَا يتَصَوَّر التَّخْيِير بَين محرمين فاذا وضح ذَلِك فقد اخْتلف قَول الشَّافِعِي ﵀ كثيرا فِي تَحْلِيل وَتَحْرِيم فَكيف يُمكن حمل إختلاف قَوْله على القَوْل بالتخيير فالسديد اذا ان نقُول فِي الْقسم الاخير الَّذِي اتممنا الْكَلَام بِهِ وَهُوَ ان ينص على قَوْلَيْنِ فِي الْجَدِيد وَلَا يخْتَار احدهما لَيْسَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَة قَول وَلَا مَذْهَب وانما ذكر الْقَوْلَيْنِ ليتردد فيهمَا وَعدم اخْتِيَاره لاحدهما لَا يكون ذَلِك خطأ مِنْهُ بل علو رتبه الرجل وتوسعه فِي الْعلم وَعلمه بطرِيق الاشباه ان يتَّفق لَهُ ذَلِك وَيبعد ان يبتدىء الرجل مسَائِل الشَّرْع ويختمها وَلَا يعن لَهُ مَسْأَلَة الا ويغلب على ظَنّه فِي اول نظرة جَوَاب وَاحِد

стр. 72

فَإِن قَالَ قَائِل فَلَا معنى لقولكم للشَّافِعِيّ قَولَانِ اذ لَيْسَ لَهُ على مَا زعمتم فِي مثل هَذِه الْمسَائِل قَول وَاحِد وَلَا قَولَانِ قُلْنَا هَكَذَا نقُول وَلَا نتحاشى مِنْهُ وانما وَجه الإضافه الى الشَّافِعِي ذكره لَهما واستقصاؤه وُجُوه الاشباه فيهمَا فَهَذَا اسد الطّرق واوضحها وَقد شعب القَاضِي ﵀ كَلَامه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَالَّذِي ذَكرْنَاهُ لبَابَة وَتعلم ذَلِك اذا طالعت كِتَابه

стр. 73

= كتاب التَّقْلِيد = القَوْل فِي حَقِيقَة التَّقْلِيد احتلف ارباب الاصول فِي حَقِيقَة التَّقْلِيد فَذهب قوم مِنْهُم الى ان التَّقْلِيد هُوَ قبُول قَول الْقَائِل وَلَا يدْرِي من ايْنَ يَقُول مَا يَقُول وَهَذَا القَوْل غير مرضِي عندنَا فان التَّقْلِيد ينبىء عَن الِاتِّبَاع المتعري عَن اصل الْحجَّة فَإِذا لم يكن فِي تَحْدِيد التَّقْلِيد مَا ينبىء عَن ذَلِك لم يكن الْحَد مرضيا اصلا وَهَذَا الْقَائِل يَقُول اذا جَوَّزنَا للرسول ﷺ الِاجْتِهَاد فقبول قَوْله تَقْلِيد لَهُ من حَيْثُ ان الْقَائِل لَا يدْرِي من ايْنَ قَالَه الرَّسُول ﷺ وَذهب بَعضهم الى ان التَّقْلِيد قبُول قَول الْقَائِل بِلَا حجَّة وَمن

стр. 74

سلك هَذِه الطَّرِيقَة منع ان يكون قبُول قَول النَّبِي ﷺ تقليدا فان حجَّة فِي نَفسه وَهَذَا اخْتِلَاف فِي عبارَة يهون موقعها عِنْد ذَوي التَّحْقِيق غير ان الاولى فِي حد التَّقْلِيد عندنَا ان نقُول التَّقْلِيد هُوَ اتِّبَاع من لم يقم باتباعه حجَّة وَلم يسْتَند الى علم فيندرج تَحت هَذَا الْحَد الافعال والاقوال وَقد خصص مُعظم الْمُحَقِّقين كَلَامهم بالْقَوْل وَلَا معنى للاختصاص بِهِ فان الِاتِّبَاع فِي الافعال المبنية كالاتباع فِي الاقوال ويندرج تَحت هَذَا الْحَد اصل فِي التَّقْلِيد ذهل عَنهُ مُعظم الاصوليين وَذَلِكَ ان معظمهم مَعَ الِاخْتِلَاف فِي حد التَّقْلِيد مجمعون على القَوْل بِأَن الْعَاميّ مقلد للمفتي بِمَا يَأْخُذ مِنْهُ فأدرجوه تَحت الحدين السَّابِقين وَقَالُوا ان قُلْنَا ان التَّقْلِيد قبُول قَول الْغَيْر بِلَا حجَّة فقد تحقق تحقق ذَلِك فِي الْمُفْتِي فَإِن قَوْله فِي نَفسه لَيْسَ بِحجَّة وان حددنا التَّقْلِيد

стр. 75

بِأَنَّهُ قبُول قَول الْقَائِل مَعَ الْجَهْل بمأخذه فَهَذَا الْمَعْنى يتَحَقَّق فِي قَول الْمُفْتِي ايضا قَالَ القَاضِي وَالَّذِي نختاره ان ذَلِك لَيْسَ بتقليد اصلا فَإِن قَول الْعَالم حجَّة فِي حق المستفتي اذا الرب تَعَالَى وَجل نصب قَول الْعَالم علما فِي حق الْعَاميّ واوجب عَلَيْهِ الْعَمَل بِهِ كَمَا اوجب على الْعَالم الْعَمَل بِمُوجب اجْتِهَاده واجتهاده علم على علمه وَقَوله علم على المستفتي وَيخرج لَك من هَذَا الاصل انه لَا يتَصَوَّر على مَا نرتضيه تَقْلِيد مُبَاح فِي الشَّرِيعَة لَا فِي اصول الدّين وَلَا فِي فروعه اذ التَّقْلِيد هُوَ الِاتِّبَاع الَّذِي لم يقم بِهِ حجَّة
следующие страницы →