← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6352

الاجتهاد

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (110 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

واما اذا كَانَ اُحْدُ الاجتهادين يُؤَدِّي الى تَحْلِيل وَالثَّانِي يُؤَدِّي الى تَحْرِيم فَلَا يتَصَوَّر التَّخْيِير فِي الْقَوْلَيْنِ اذ من المستحيل التَّخْيِير بَين التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم وَهَذَا بَين لكل متأمل وَقد ذكره القَاضِي ﵀ فِي خلال كَلَامه وَكَذَلِكَ لَا يتَصَوَّر التَّخْيِير بَين محرمين فاذا وضح ذَلِك فقد اخْتلف قَول الشَّافِعِي ﵀ كثيرا فِي تَحْلِيل وَتَحْرِيم فَكيف يُمكن حمل إختلاف قَوْله على القَوْل بالتخيير فالسديد اذا ان نقُول فِي الْقسم الاخير الَّذِي اتممنا الْكَلَام بِهِ وَهُوَ ان ينص على قَوْلَيْنِ فِي الْجَدِيد وَلَا يخْتَار احدهما لَيْسَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَة قَول وَلَا مَذْهَب وانما ذكر الْقَوْلَيْنِ ليتردد فيهمَا وَعدم اخْتِيَاره لاحدهما لَا يكون ذَلِك خطأ مِنْهُ بل علو رتبه الرجل وتوسعه فِي الْعلم وَعلمه بطرِيق الاشباه ان يتَّفق لَهُ ذَلِك وَيبعد ان يبتدىء الرجل مسَائِل الشَّرْع ويختمها وَلَا يعن لَهُ مَسْأَلَة الا ويغلب على ظَنّه فِي اول نظرة جَوَاب وَاحِد

стр. 72

فَإِن قَالَ قَائِل فَلَا معنى لقولكم للشَّافِعِيّ قَولَانِ اذ لَيْسَ لَهُ على مَا زعمتم فِي مثل هَذِه الْمسَائِل قَول وَاحِد وَلَا قَولَانِ قُلْنَا هَكَذَا نقُول وَلَا نتحاشى مِنْهُ وانما وَجه الإضافه الى الشَّافِعِي ذكره لَهما واستقصاؤه وُجُوه الاشباه فيهمَا فَهَذَا اسد الطّرق واوضحها وَقد شعب القَاضِي ﵀ كَلَامه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَالَّذِي ذَكرْنَاهُ لبَابَة وَتعلم ذَلِك اذا طالعت كِتَابه

стр. 73

= كتاب التَّقْلِيد = القَوْل فِي حَقِيقَة التَّقْلِيد احتلف ارباب الاصول فِي حَقِيقَة التَّقْلِيد فَذهب قوم مِنْهُم الى ان التَّقْلِيد هُوَ قبُول قَول الْقَائِل وَلَا يدْرِي من ايْنَ يَقُول مَا يَقُول وَهَذَا القَوْل غير مرضِي عندنَا فان التَّقْلِيد ينبىء عَن الِاتِّبَاع المتعري عَن اصل الْحجَّة فَإِذا لم يكن فِي تَحْدِيد التَّقْلِيد مَا ينبىء عَن ذَلِك لم يكن الْحَد مرضيا اصلا وَهَذَا الْقَائِل يَقُول اذا جَوَّزنَا للرسول ﷺ الِاجْتِهَاد فقبول قَوْله تَقْلِيد لَهُ من حَيْثُ ان الْقَائِل لَا يدْرِي من ايْنَ قَالَه الرَّسُول ﷺ وَذهب بَعضهم الى ان التَّقْلِيد قبُول قَول الْقَائِل بِلَا حجَّة وَمن

стр. 74

سلك هَذِه الطَّرِيقَة منع ان يكون قبُول قَول النَّبِي ﷺ تقليدا فان حجَّة فِي نَفسه وَهَذَا اخْتِلَاف فِي عبارَة يهون موقعها عِنْد ذَوي التَّحْقِيق غير ان الاولى فِي حد التَّقْلِيد عندنَا ان نقُول التَّقْلِيد هُوَ اتِّبَاع من لم يقم باتباعه حجَّة وَلم يسْتَند الى علم فيندرج تَحت هَذَا الْحَد الافعال والاقوال وَقد خصص مُعظم الْمُحَقِّقين كَلَامهم بالْقَوْل وَلَا معنى للاختصاص بِهِ فان الِاتِّبَاع فِي الافعال المبنية كالاتباع فِي الاقوال ويندرج تَحت هَذَا الْحَد اصل فِي التَّقْلِيد ذهل عَنهُ مُعظم الاصوليين وَذَلِكَ ان معظمهم مَعَ الِاخْتِلَاف فِي حد التَّقْلِيد مجمعون على القَوْل بِأَن الْعَاميّ مقلد للمفتي بِمَا يَأْخُذ مِنْهُ فأدرجوه تَحت الحدين السَّابِقين وَقَالُوا ان قُلْنَا ان التَّقْلِيد قبُول قَول الْغَيْر بِلَا حجَّة فقد تحقق تحقق ذَلِك فِي الْمُفْتِي فَإِن قَوْله فِي نَفسه لَيْسَ بِحجَّة وان حددنا التَّقْلِيد

стр. 75

بِأَنَّهُ قبُول قَول الْقَائِل مَعَ الْجَهْل بمأخذه فَهَذَا الْمَعْنى يتَحَقَّق فِي قَول الْمُفْتِي ايضا قَالَ القَاضِي وَالَّذِي نختاره ان ذَلِك لَيْسَ بتقليد اصلا فَإِن قَول الْعَالم حجَّة فِي حق المستفتي اذا الرب تَعَالَى وَجل نصب قَول الْعَالم علما فِي حق الْعَاميّ واوجب عَلَيْهِ الْعَمَل بِهِ كَمَا اوجب على الْعَالم الْعَمَل بِمُوجب اجْتِهَاده واجتهاده علم على علمه وَقَوله علم على المستفتي وَيخرج لَك من هَذَا الاصل انه لَا يتَصَوَّر على مَا نرتضيه تَقْلِيد مُبَاح فِي الشَّرِيعَة لَا فِي اصول الدّين وَلَا فِي فروعه اذ التَّقْلِيد هُوَ الِاتِّبَاع الَّذِي لم يقم بِهِ حجَّة

стр. 76

وَلَو سَاغَ تَسْمِيَة الْعَاميّ مُقَلدًا مَعَ ان قَول الْعَالم فِي حَقه وَاجِب الِاتِّبَاع جَازَ ان يُسمى المتمسك بالنصوص والاجماع وادله الْعُقُول مُقَلدًا وَهَذَا وَاضح فِي مَقْصُوده ثمَّ ان نذْكر بعد ذَلِك منع التَّقْلِيد فِي الاصول ثمَّ فِي الْفُرُوع القَوْل فِي منع التَّقْلِيد فِي الاصول اعْلَم ان هَذَا الْبَاب يرسم الْكَلَام فِيهِ فِي فن الْكَلَام بيد ان نذْكر مَا يَقع الِاسْتِقْلَال بِهِ فَلَا يسوغ لأحد ان يعول فِي معرفَة الله تَعَالَى وَفِي معرفَة مَا يجب لَهُ من الاوصاف وَيجوز عَلَيْهِ ويتقدس عَنهُ على التَّقْلِيد وَكَذَلِكَ القَوْل فِي جملَة قَوَاعِد العقائد بل

стр. 77

يجب على كل معترف ان يسْتَدلّ فِي هَذِه

стр. 78

الاصول وَلنْ يَقع لَهُ الْعُلُوم فِيهَا الا بتعقب للنَّظَر الصَّحِيح وَذَهَبت الحشوية الى القَوْل بالتقليد فِي اصول الدّين لما

стр. 79

اقعدهم عيهم عَن مبالغ ذَوي النّظر وَلم يُغْنِهِم تقاعصهم حَتَّى ازروا على ذَوي الْحجَّاج السالكين اسد المناهج وطرق الرَّد عَلَيْهِم كثيرا وَالْوَاحد مِنْهَا يجزىء من تَأمل فَنَقُول

стр. 80

لَهُم معاشر المقلدين هَل علمْتُم ان التَّقْلِيد يفضى الى الْعلم أم لم تعلمُوا ذَلِك فان قُلْتُمْ أَنا لم نعلمهُ وَهِي كلمة الْحق فَفِي ضلال تعمهون وَبِه على انفسكم تعترفون وان زعمتم انا نعلم افضاؤه الى الْحق فَلَا يخلون اما ان تعلمُوا ذَلِك ضَرُورَة وبديهة اَوْ لَا تعلمُونَ ذَلِك ضَرُورَة وبديهة فان ادعيتم الْعلم الضَّرُورِيّ سَقَطت مكالمتكم ووضحت مباهتتكم وَلم تسلموا عَن معارضتكم بِدَعْوَى الضَّرُورَة فِي صد مَقَالَتَكُمْ

стр. 81

وان هم زَعَمُوا إِنَّا نعلم افضاء التَّقْلِيد الى طرق التسديد بِالدّلَالَةِ سئلوا عَن اقامتها وهيهات وان خَاضُوا فِي ابتغائها وانتحائها فقد خَاضُوا فِي النّظر من حَيْثُ لم يشعروا وان زَعَمُوا أَنا علمنَا افضاء التَّقْلِيد الى الْعلم بالتقليد سئلوا عَن اقامة الدَّلِيل على التَّقْلِيد الَّذِي جَعَلُوهُ اصلا للتقليد فيتسلسل عَلَيْهِم القَوْل وَلَا يَجدونَ عَنهُ مخرجا فان قَالُوا انما علمنَا افضاء التَّقْلِيد الى الْعلم بِمَا فِي الْكتاب وَالسّنة من الامر بالاتباع قيل لَهُم انى لكم التَّمَسُّك بِكِتَاب الله وَلَا يثبت كتاب الله تَعَالَى الا بِحجَّة فَبِمَ علمْتُم ان الَّذِي اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كتاب الله تَعَالَى فَهَذِهِ ورطة لَا مخلص لَهُم مِنْهَا ثمَّ نقُول لَهُم اذا قلدتم فِي اصول الدّين وَاحِدًا مِنْكُم فَلَا شكّ انكم

стр. 82

لَا توجبون لمن اتبعتموه الْعِصْمَة وتجوزون عَلَيْهِ الزلل فَمَا الَّذِي حملكم على اتِّبَاعه وَهَذِه حَالَة فان رجعتم الى مُجَرّد القَوْل فقد وسعتم مَذَاهِب الدّين واقل مَا يلزمكم عَلَيْهِ كف النكير عَن معتقدي الْبدع اذ قلدوا اسلافهم فان وَاحِدًا مِنْكُم لم يعول على حجاج فان قَالُوا مَعنا السوَاد الاعظم وَقد وصّى الرَّسُول ﷺ بِاتِّبَاع السوَاد الاعظم قُلْنَا فَلَا جهل يزِيد على مَا اظهرتموه فانكم تنازعون فِي اثبات الرُّسُل وتطالبون بِمَا فِيهِ عصمتهم وتستدلون فِيهِ بقول الرَّسُول ﷺ ثمَّ لَا معول على السوَاد الاعظم فِي اصل الدّين فان سَواد الْكَفَرَة اعظم من سوادنا وَلَقَد كَانَ الرَّسُول ﷺ فِي صدر الاسلام فِي شرذمة قَليلَة الْعدَد وَلَيْسَ الْمَعْنى بِاتِّبَاع السوَاد الاعظم الِاتِّبَاع فِي اصول الدّين فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه ووضحت فِي اصول الدّين غوايتهم وانشرحت فِي اصول العقائد عورتهم

стр. 83

ثمَّ نقُول لَهُم خبرونا هَل فِي السَّمَوَات والارضين حجَّة على ثُبُوت الصَّانِع فان انكروا ذَلِك انتسبوا الى رد الْكتاب وَهُوَ مفزعهم وان اثبتوا فِيهَا حجَّة سئلوا عَن وَجههَا فيضطرون الى الْخَوْض فِي الْحجَّاج وَالْكَلَام عَلَيْهِم طَوِيل وَهَذَا قَلِيل من كثير واعتصم اصحابنا بِكُل ظَاهر فِي الْكتاب وَالسّنة يتَضَمَّن الامر بِالِاعْتِبَارِ والاحتجاج وَلَهُم جمل من الظَّوَاهِر يهون الْكَلَام عَلَيْهَا فَرَأَيْنَا الاضراب عَن تمسكهم بهَا

стр. 84

القَوْل فِي منع التَّقْلِيد فِي الْفُرُوع اعْلَم ان الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي جَوَاز التَّقْلِيد فِي الْفُرُوع وَالْكَلَام فِي ذَلِك يَنْقَسِم الى اصلين احدهما تَقْلِيد الصَّحَابَة وَالثَّانِي تَقْلِيد من عداهم من الْعلمَاء فاما تَقْلِيد الصَّحَابَة فسنفرده بالْكلَام بعد ذَلِك ان شَاءَ الله تَعَالَى فاما تَقْلِيد من سواهُم فقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ

стр. 85

فَذهب بَعضهم الى انه يجوز للْعَالم اذا عنت لَهُ حَادِثَة ان يُقَلّد عَالما غَيره مَعَ اقتداره ان يحمل الاسنة ثمَّ الَّذين سوغوا التَّقْلِيد على هَذَا الْوَجْه اخْتلفُوا فِي انه هَل يجوز ان يُقَلّد ليفتي بِمَا قلد فِيهِ فَمنهمْ من جوز ذَلِك وَمِنْهُم من اباه وَذهب بعض الْعلمَاء الى انه لَا يجوز للْعَالم ان يُقَلّد عَالما فِي مثل دَرَجَته وَيجوز لَهُ ان يُقَلّد من هُوَ اعْلَم مِنْهُ مَعَ استوائهما فِي كَون

стр. 86

كل وَاحِد مِنْهُمَا مُجْتَهدا والى ذَلِك مَال مُحَمَّد بن الْحسن وابو حنيفَة كَانَ يجوز التَّقْلِيد مُطلقًا وَذهب الشَّافِعِي ومعظم الْعلمَاء الى انه لَا يجوز للْعَالم تَقْلِيد الْعَالم من غير الصَّحَابَة ثمَّ هَؤُلَاءِ اخْتلفُوا فِي صُورَة وَاحِدَة وَهِي ان الْعَالم اذا انسدت عَلَيْهِ طرق الِاجْتِهَاد وتضيق عَلَيْهِ حكم الْحَادِثَة نَحْو الِاجْتِهَاد فِي الْقبْلَة مَعَ تضيق وَقت الصَّلَاة فَهَل يسوغ لَهُ وَالْحَالة هَذِه ان يُقَلّد عَالما فَمَا ذهب اليه الشَّافِعِي منع التَّقْلِيد فِي هَذِه الصُّورَة ايضا واجاز الْمُزنِيّ التَّقْلِيد فِي هَذِه الصُّورَة قَالَ القَاضِي ﵀ وَالَّذِي نختاره منع التَّقْلِيد واذا قيل لنا فَهَل فِي الشَّرْع تَقْلِيد مُبَاح ابيناه وان الزمونا الْعَاميّ المستفتي لم نجعله مُقَلدًا على مَا اوضحنا القَوْل فِيهِ فِي الْبَاب السَّابِق وَنحن نقدم على الْخَوْض فِي الْحجَّاج فصلا ذهل عَنهُ مُعظم الْمُتَكَلِّمين فِي هَذَا الْبَاب فَنَقُول لَو رددنا الى جائزات الْعُقُول لَكَانَ اخذ الْعَالم بقول عَالم اخر من الجائزات لَو قَامَت بِهِ حجَّة شَرْعِيَّة وَلَيْسَ من

стр. 87

المستحيلات فَكَانَ يجوز ان يَقُول الرب تَعَالَى لكل عَالم ان يَأْخُذ بقول عَالم مثله وَيتْرك الِاجْتِهَاد وَلَو ثَبت ذَلِك لم يكن ذَلِك تقليدا بل يصير قَول الْعَالم الْمُفْتِي علما وامارة فِي حق الْعَالم المستفتي وَيكون متمسكا بِمَا نَصبه الله تَعَالَى حجَّة لَهُ ومعظم من خَاضَ فِي هَذَا الْبَاب بنى الادلة بِنَاء يدل على منع التَّقْلِيد عقلا وَنحن نذْكر مَا ذكره مانعوا التَّقْلِيد ونبين فَسَاده ثمَّ نذْكر مَا علينا الْمعول ان شَاءَ الله تَعَالَى فمما عولوا عَلَيْهِ ان قَالُوا كل عَالم بصدد الزلل فَإِذا لم تجب لَهُ الْعِصْمَة لم تقم بقوله الْحجَّة واذا كَانَ الْمُجْتَهد قَادِرًا على التَّمَسُّك بالحجاج وَالِاجْتِهَاد فَذَلِك احرى لَهُ وَهَذِه دَعْوَى مُجَرّدَة فَيُقَال لَهُم ان زعمتم ان من لَا يجب لَهُ الْعِصْمَة لَا يجوز الرُّجُوع الى قَوْله وَهل تنازعون الا فِي هَذَا فَلَو قَالَ الرب تَعَالَى مهما صدر قَول من عَالم فقبلوه وان جوزتم خطأه فحكمي

стр. 88

عَلَيْكُم مُوجب حكمه وَلَا عَلَيْكُم لَو اخطأ فِي نَفسه كَانَ ذَلِك غير مُسْتَحِيل وَالَّذِي يُوضح ذَلِك انا نرْجِع الى قَول الروَاة مَعَ جَوَاز زللهم وَنَرْجِع الى طرق الِاعْتِبَار فِي المجتهدات وان كُنَّا لَا نقطع بهَا وَنَرْجِع الى قَول الشُّهُود فِي الحكومات والخصومات مَعَ انا لَا نقطع بصدقهم فَبَطل التعويل على هَذِه الطَّرِيقَة وَمِمَّا عولوا عَلَيْهِ ايضا ان قَالُوا اذا اسْتَوَى العالمان فِي التَّمَكُّن من الِاجْتِهَاد ينزلان فِي ذَلِك منزلَة الْعَاميّ والعالم فِي اصل الدّين فانهما لما اسْتَويَا فِي تصور الِاسْتِدْلَال وَالنَّظَر من كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي اصل الدّين لم يجز للعامي تَقْلِيد الْعَالم فِيمَا يقدر على الِاجْتِهَاد فِيهِ وَكَذَلِكَ العالمان فِي الْفُرُوع فَيُقَال لَهُم هَذَا غير مُسْتَقِيم فانا لَو قَدرنَا وُرُود الشَّرْع بتقليد الْعَالم الْعَالم فِي الْفُرُوع لم يسْتَحل كَمَا قدمْنَاهُ فِي صدر الْبَاب وَلَو قَدرنَا وُرُود الشَّرْع بالتقليد فِي معرفَة الله تَعَالَى لَكَانَ مستحيلا فَإِن من شُرُوط

стр. 89

وُرُود التَّكْلِيف معرفَة الْمُكَلف وَلنْ يعلم من طَرِيق التَّقْلِيد وَلَو قَالَ تَعَالَى لَا تستدلوا وَاعْلَمُوا لَكَانَ ذَلِك من قبيل تَكْلِيف الْمحَال وَهَذَا بَين لكل من تَأمله على ان الِاجْتِهَاد فِي الْفُرُوع انما هُوَ تمسك بِمَا لَا يقطع بِهِ وَلَيْسَ كالاستدلال فِي الاصول وكل مَا يوردونه يبطل تقريبه من الطّرق الَّتِي ذَكرنَاهَا وَمِمَّا يستدلون بِهِ ايضا ان قَالُوا لَو جَازَ للْعَالم تَقْلِيد الْعَالم لما افترق المتبع والمتبع وَالشّرط ان يُفَارق التَّابِع الْمَتْبُوع اما فِي علم واما فِي عصمَة وَقد عدما جَمِيعًا فِي الْمُتَنَازع فِيهِ فَيُقَال لَهُم وَهَذِه دَعْوَى ايضا ثمَّ نقُول لم شرطتم اخْتِلَاف التَّابِع والمتبوع فِي الْعِصْمَة اَوْ الْعلم وَعَن هَذَا يسْأَلُون فيضعف كل مَا يعتصمون بِهِ

стр. 90

وَرُبمَا يستدلون بظواهر لَا تقوم بهَا حجَّة وَهِي كَثِيرَة وَالَّذِي يجب التعويل عَلَيْهِ ان نقُول لَو جَوَّزنَا للْعَالم ان يُقَلّد الْعَالم لَكَانَ قَوْله فِي حَقه علما مَنْصُوبًا على الحكم الْوَاجِب عَلَيْهِ وَينزل ذَلِك منزلَة سَائِر الادلة المنصوبة فِي الشرعيات على مَا اوضحناه فِيمَا سبق فَإِذا كَانَ كَذَلِك فيستحيل اثباته دَلِيلا عقلا فَإِن الادلة السمعية يدْرك جَوَاز كَونهَا ادلة بالعقول فاما ان يدْرك ثُبُوتهَا ادلة بالعقول فَلَا فانها لَا تدل على مدلولالتها لانفسها وانما تدل بِنصب صَاحب الشَّرِيعَة اياها ادلة فاذا وضح ذَلِك قُلْنَا قد قَامَت الادلة القاطعة على انتصاب المقاييس والعبر وَغَيرهَا من طرق الِاجْتِهَاد ادلة وَبَقِي التَّقْلِيد على النزاع وموارد الشَّرْع الَّتِي تلتمس مِنْهَا دلالات الْقطع مضبوطة مِنْهَا نُصُوص الْكتاب وَالسّنَن المستفيضة واجماع الامة وَلَيْسَ مَعَ خصومنا نَص كتاب وَلَا نَص سنة مستفيضة وَلَا يَنْبَغِي الاجماع فِي مَوضِع الْخلاف ايضا فَهَذَا مصَادر الادلة الشَّرْعِيَّة القطعية فاذا انسدت بَطل كَون قَول الْعَالم حجَّة فِي حق

стр. 91

عَالم مثله فان قَالُوا اما الاجماع فَلَا ندعيه واما نُصُوص الْكتاب فَلم زعمتم انتفاؤها وَهل هَذَا الا تمسك مِنْكُم بِالدَّعْوَى وَكَذَلِكَ الْمُطَالبَة بالسنن قيل لَهُم هَذَا الان تعنت مِنْكُم وعناد فَإنَّا قُلْنَا لَيْسَ مَعكُمْ نَص كتاب لَا يقبل التَّأْوِيل فِي اثبات التَّقْلِيد وَلَا يمكننا ان نتلو الْقُرْآن عَلَيْكُم من اوله الى اخره وَلَكنَّا تأملنا مَا فِيهِ اعتصامكم من أَي الْكتاب فرأيناها لَا تبلغ مبالغ النُّصُوص ويعارضها مَا هُوَ اقوى مِنْهَا فِي الِاحْتِجَاج وَمَا قُلْنَاهُ فِي السّنَن يتَحَقَّق على هَذَا الْمنْهَج اذ لَيْسَ فِيهَا نَص وَلَو قدر كَانَ سَبيله الاحاد وتتأكد هَذِه الدّلَالَة بِأَصْل نوضحه فَنَقُول لَا ينْتَصب النَّص دَلِيلا وعلما فِي الشرعيات الا بِدلَالَة قَاطِعَة فَإِنَّهُ لَو ثَبت بِمَا لَا يقطع بِهِ لاحتاج الى اثبات يُثبتهُ ثمَّ تسلسل القَوْل فِيهِ الا مَا لَا يتناهى فَهَذِهِ هِيَ الدل الة السديدة وَمَا عَلَيْهَا معترض

стр. 92

فان قَالُوا اكثر مَا ادعيتموه انْتِفَاء وُرُود الشَّرْع بِنصب قَول الْعَالم علما فِي حق الْعَالم وَعدم وُرُود الشَّرْع لَا يدل على تَحْرِيم التَّقْلِيد فَإِن التَّحْرِيم يفْتَقر الى دَلِيل كَمَا ان الاباحة تفْتَقر الى دَلِيل فانتفاء دَلِيل الاباحة لَا يدل على التَّحْرِيم وَهَذَا لعمري سُؤال يجب الاعتناء بِالْجَوَابِ عَنهُ فَنَقُول اذا ثَبت ان قَول الْعَالم لم ينْتَصب علما شرعا وَلم يقم عَلَيْهِ الظَّن حجَّة وَمثل ذَلِك لَو قدر لَكَانَ سَبيله الشَّرْع فقد وضح وجوب الِاجْتِهَاد بالادلة القاطعة فَلَا سَبِيل الى ترك مَا ثَبت قطعا بِمَا لم يثبت ويتضح هَذَا بِأَن نقُول اجْمَعْ الْمُسلمُونَ على ان من تصدى لَهُ طَرِيقَانِ شرعيان وَصَحَّ طَرِيق الشَّرْع فِي احدهما وجوبا وَلم يرد الشَّرْع فِي الثَّانِي لَا نفيا وَلَا اثباتا فَيجب التَّمَسُّك بِمَا وضح الشَّرْع فِيهِ وَهَذَا اجماع فاذا ثَبت لنا انْتِفَاء الادلة السمعية فَتثبت مُلَازمَة الِاجْتِهَاد بطرِيق الاجماع وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ واوما القَاضِي ﵀ الى الِاسْتِدْلَال بالظواهر المنصوبة على الامر بِالِاعْتِبَارِ نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن﴾ الى غير ذَلِك من الظَّوَاهِر الدَّالَّة على وجوب الِاعْتِبَار وَهِي سهلة الْمدْرك اذا تتبعتها وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَاتبعُوا أحسن مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾

стр. 93

وَلذَلِك شَوَاهِد من سنة الرَّسُول ﷺ وَلكنهَا احاد وكل مَا ذَكرْنَاهُ دَلِيلا فِي هَذَا الْفَصْل فَهُوَ دَلِيل فِي جملَة فُصُول الْبَاب ونرد بِهِ على من جوز الْفَتْوَى بالتقليد وعَلى من جوز تَقْلِيد الاعلم فطريق الرَّد على جَمِيعهم وَاحِد غير مُخْتَلف شبه الْمُخَالفين فمما استدلوا بِهِ ان قَالُوا اذا جَازَ للعامي ان يُقَلّد الْعَالم لم يستبعد ذَلِك فِي الْعَالم فانه فِي حَال تَقْلِيده غير عَالم بِمَا قَلّدهُ فِيهِ كَمَا ان الْعَاميّ غير عَالم بِمَا يستفتي فِيهِ وَهَذَا سَاقِط من الْكَلَام اذ ذكرنَا ان الْعَاميّ لَا يكون مُقَلدًا فِي استفتائه وَلَكِن ينزل قَول الْعَالم فِي حَقه منزلَة الادلة فِي حق الْمُجْتَهدين وَقد قَامَت دلَالَة الاجماع على انتصاب قَول الْعَالم علما عَلَيْهِ وَلَا دَلِيل على كَونه علما فِي حق الْعَالم وَلَيْسَت هَذِه الْمَسْأَلَة مِمَّا يتَمَسَّك فِيهَا بالطرديات ونسلك فِي مفاتحة الْكَلَام عَلَيْهِم اذا تمسكوا بِهَذَا الطَّرْد ان نطالبهم باثبات عِلّة الاصل ليتَحَقَّق بعد ذَلِك الْجمع بَين الْفَرْع والاصل وَلَا سَبِيل لَهُم الى ذَلِك وَقد استدلوا بجملة من الظَّوَاهِر اقربها قَوْله تَعَالَى ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾

стр. 94

وَهَذَا الْمُجْتَهد غير عَالم بالحادثة الَّتِي وَقعت اذ لم يتَّفق اجْتِهَاده فِيهَا فَيَنْبَغِي ان يسْأَل من يعلمهَا فَنَقُول هَذَا الَّذِي ذكرتموه يُخَالف الظَّاهِر واقوال الْمُفَسّرين وَذَلِكَ ان المعني بالاية توجه الامر بالسؤال على الَّذين لَا يتمكنون من الِاجْتِهَاد ومجرى الاية ينبىء عَن ذَلِك فَأَنَّهُ تَعَالَى قسم السَّائِل والمسؤول قسمَيْنِ فوصف المسؤول بِكَوْنِهِ من اهل الذّكر وَوصف السَّائِل بِأَنَّهُ لَا يعلم هَذَا الضَّرْب من التَّقْسِيم تَصْرِيح بِأَن السَّائِل من الَّذين لَا يعدون من الْعلمَاء فَلَا ينْدَرج تَحْتَهُ من وَقعت لَهُ حَادِثَة وَهُوَ قَادر على دَرك الحكم فِيهَا وَالَّذِي يُوضح الْحق فِي ذَلِك ان من جوز تَقْلِيد الْعَالم لم يشْتَرط ان

стр. 95

يكون الْمُقَلّد قد سبق مِنْهُ النّظر وَالِاجْتِهَاد قبل اسْتِيفَائه ليَكُون عَالما عِنْد الاستفتاء بل جوز ان يبتدأ المسؤول الِاجْتِهَاد بعد السُّؤَال فَيكون المسؤول اذا على قَول المستدلين بِظَاهِر الاية مِمَّن لَا يعلم وَهَذَا وَاضح جدا فِي رد استدلالهم فصل تَقْلِيد الْعَالم للْعَالم فِي تَكْلِيف ضَاقَ وقته اذا وَقعت حَادِثَة وفيهَا على الْمُجْتَهد تَكْلِيف وَلَو اجْتهد لفات مَا كلف اذ الْوَقْت مضيق وَلَو قلد عَالما قد فرغ من الِاجْتِهَاد لتمكن من اقامة الْفَرْض فَهَل لَهُ التَّقْلِيد فِي هَذِه الصُّورَة اخْتلف اصحاب الشَّافِعِي ﵀ فِيهِ فَذهب الْمُزنِيّ الى جَوَاز التَّقْلِيد وَذهب غَيره الى منع التَّقْلِيد وَمن منع التَّقْلِيد اسْتدلَّ بِأَنَّهُ من الْمُجْتَهدين وَقد ثَبت منع تَقْلِيد الْمُجْتَهدين وَلَا يعْتَبر ذَلِك بِضيق الْوَقْت وَلَا سعته وانما يعْتَبر الِاجْتِهَاد على القَوْل بِمَنْع التَّقْلِيد شرطا فِيمَا يُعلمهُ الْمُجْتَهد من الحكم وَمَا كَانَ من

стр. 96

الشَّرَائِط فَلَا يخْتَلف الحكم فِيهِ بخشية الْفَوات وَالدَّلِيل عَلَيْهِ ستر الْعَوْرَة وَالطَّهَارَة وَمَا عَداهَا من شَرَائِط الصَّلَاة قَالَ القَاضِي ﵀ وَالْكَلَام فِي هَذَا الضَّرْب لَا يكَاد يلْحق الْقطع فَإنَّا وان منعناه من التَّقْلِيد فَيتَعَيَّن عَلَيْهِ اقامة الْفَرْض من غير اجتهادعلى مَا يتَّفق وَلَا يَجْعَل الِاجْتِهَاد شرطا فِي اقامة فرض الْوَقْت فَإِذا كَانَ يُصَلِّي على الِاتِّفَاق عِنْد التباس امارات الْقبْلَة فَلَا يبعد ان يُصَلِّي مُقَلدًا وَالْمَسْأَلَة من الْفُرُوع فتدبرها فَهَذَا اُحْدُ قسمي الْكَلَام فِي التَّقْلِيد فان ذكرنَا فِي صدر الْبَاب ان نتكلم فِي فصلين

стр. 97

احدهما تَقْلِيد الْعلمَاء بَعضهم بَعْضًا من غير الصَّحَابَة وَالثَّانِي تَقْلِيد الصَّحَابَة ﵃ وَبَقِي علينا الْكَلَام فِي تَقْلِيد الصَّحَابَة القَوْل فِي تَقْلِيد الصَّحَابِيّ وَهل ينْتَصب قَوْله حجَّة وَذكر الِاخْتِلَاف فِيهِ اخْتلف الْعلمَاء فِي قَول الصَّحَابِيّ الْمُجْتَهد فَذهب الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم الى انه حجَّة يجب على الْمُجْتَهدين من اهل سَائِر الاعصار التَّمَسُّك بِهِ ثمَّ قَالَ لَهُم انما يكون حجَّة اذا لم تخْتَلف الصَّحَابَة وَلَكِن نقل قَول وَاحِد عَن وَاحِد وَلم يظْهر خلاف فَيكون حِينَئِذٍ حجَّة وان لم ينتشر وَقَالَ فِي بعض اقواله اذا اخْتلف الصَّحَابَة ﵃ فالتمسك بقول الْخُلَفَاء اولى وهذ كالدليل على انه لم يسْقط الِاحْتِجَاج باقوال الصَّحَابَة لاجل الِاخْتِلَاف وَقَالَ فِي بعض اقواله الْقيَاس الْجَلِيّ يقدم على قَول الصَّحَابِيّ

стр. 98

وَقَالَ فِي مَوضِع اخر ان قَول الصَّحَابِيّ مقدم على الْقيَاس

стр. 99

واجمعوا ان قَول الصَّحَابِيّ لَا يكون حجَّة على الصَّحَابِيّ وَالظَّاهِر من الْمذَاهب انهم اذا اخْتلفُوا يسْقط الِاحْتِجَاج باقوالهم فنبدأ بِمَا تمسك بِهِ الْقَائِلُونَ بَان قَول الصَّحَابِيّ حجَّة فمما استدلوا بِهِ مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي فَنَقُول لَهُم انما عني بِالسنةِ الامر فِيهَا بِلُزُوم الطَّاعَة للخلفاء

стр. 100

والتحضيض على الانقياد وَالطَّاعَة باقصى الْجهد فان زَعَمُوا ان الامر بالاقتداء عَام فَمَا ذَكرُوهُ سَاقِط من وَجْهَيْن احدهما انا لَا نقُول بِالْعُمُومِ وَالثَّانِي ان الحَدِيث غير منطو على صِيغَة عُمُوم فَإِن السّنة لَيْسَ فِيهَا قَضِيَّة عُمُوم بل هِيَ لَفْظَة مُحْتَملَة وَالدَّلِيل على ذَلِك انه ﷺ لَو كَانَ يُرِيد الِاحْتِجَاج بقول الصَّحَابِيّ على مَا يَعْتَقِدهُ المخالفون لما خصص الْخُلَفَاء بِالذكر فَلَمَّا اراد بِمَا قَالَه الطَّاعَة خصصه بالخلفاء وَمِمَّا استدلوا بِهِ مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ اصحابي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ فَنَقُول لَهُم بِمَا تنكرون على من يزْعم انه اراد بذلك امْر الْعَوام فِي عصره بالاقتداء بالعلماء فان قَالُوا ان اللَّفْظَة عَامَّة قيل لَهُم وَنحن لَا نقُول بِالْعُمُومِ على انكم خصصتم اللَّفْظ فِي حق الصَّحَابَة بَعضهم مَعَ بعض وَالَّذِي يُوضح بطلَان احتجاجهم ان اللَّفْظَة منبئة عَن تَخْيِير وَالدَّلِيل على ذَلِك انه ﷺ قَالَ بِأَيِّهِمْ اقديتم اهْتَدَيْتُمْ

стр. 101

وَهَذَا فِي الظَّاهِر ينبىء عَن اخْتلَافهمْ فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة ثمَّ يُخَيّر الْمُجْتَهد فِي الاخذ بقول ايهم شَاءَ وَلَو اخْتلفُوا لسقط الِاحْتِجَاج بقَوْلهمْ عِنْد مخالفينا فَسقط استدلالهم من كل وَجه وَرُبمَا يتمسكون بجمل من الظَّوَاهِر يؤول مرجعها الى مَا ذَكرْنَاهُ وَرُبمَا يتمسكون بطرق من الْمَعْنى فَيَقُولُونَ ان اصحاب رَسُول الله ﷺ وَرَضي عَنْهُم شاهدوا الْوَحْي والتنزيل ومواقع الْخطاب وشهدوا قَرَائِن الاحوال فَلَا يصدر القَوْل مِنْهُم مَعَ وُرُود الشَّرْع باحسان الظَّن بهم الا وَهُوَ الْحق وَهَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ لَا طائل تَحْتَهُ فانهم مَعَ مَا ذَكرْنَاهُ بصدد الزلل لم يقم حجَّة قَاطِعَة على الِاسْتِدْلَال بقَوْلهمْ وَلَا يدل الْعقل على ذَلِك ايضا فَلم يبْقى فِيمَا ذَكرُوهُ معتصم وَدَلِيلنَا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة هُوَ الَّذِي قدمْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَة الاولى فِي منع التَّقْلِيد فأطردها على وَجههَا وَقد اعْتبر بعض المعتبرين بِمَا اذا اخْتلف الصَّحَابَة وَاعْتبر بَعضهم

стр. 102

ذَلِك بقول الصَّحَابَة بَعضهم على بعض والاولى التعويل على النُّكْتَة الَّتِي قدمناها فَإنَّك اذا قست على صُورَة الْخلاف لم يسلم قياسك اذ يَقُول الْمُخَالف لَا استبعاد فِي نصب قَول الصَّحَابِيّ علما وَحجَّة شرعا من غير اخْتِلَاف فَإِذا ظهر اخْتلَافهمْ لم ينْتَصب حجَّة وَالْجمع بَينهمَا ضرب من الطَّرْد والاحسن ان اردت التَّمَسُّك بِهَذَا الْفَصْل ان تورده مستفصلا مُسْتَغْرقا وَلَا يسْتَدلّ بِهِ بدءا فقلما تستقيم للخصم طَرِيق من الطّرق وَقد اطنب القَاضِي فِي كَلَام بعض مخالفينا على بعض وَمن احكم مَا قُلْنَاهُ هان عَلَيْهِ مَا سواهُ القَوْل فِي صفة الْعَالم الَّذِي يسوغ لَهُ الْفَتْوَى فِي الاحكام اجْمَعُوا على انه لَا يحل لمن شدا شَيْئا من الْعلم ان يُفْتِي وانما

стр. 103

يحل لَهُ الفتي وَيحل للْغَيْر قبُول قَوْله فِي الْفَتْوَى اذا استجمع اوصافا مِنْهَا ان يكون عَالما بطرق الادلة ووجوهها الَّتِي مِنْهَا تدل وَالْفرق بَين عقليها وسمعيها وَيكون عَالما بقضايا الْخطاب مَا يحْتَمل مِنْهُ وَمَا لَا يحْتَمل ووجوه الِاحْتِمَال وَالْخُصُوص والعموم والمجمل والمفسر والصريح والفحوى وَالْجُمْلَة الجامعة كَمَا فَرْضه القَاضِي من هَذَا الْقَبِيل ان يكون عَالما باصول الْفِقْه وَقد حددنا اصول الْفِقْه بِمَا يتَمَيَّز بِهِ عَن سَائِر الْفُنُون وَمِمَّا يشْتَرط فِي الْمُجْتَهد ان يكون عَالما بِالْآيَاتِ الْمُتَعَلّقَة بالاحكام من كتاب الله تَعَالَى وَلَا يشْتَرط حفظ مَا عَداهَا من الْآيَات وَمِمَّا يشْتَرط ان يُحِيط من سنَن الرَّسُول ﷺ بِمَا يتَعَلَّق بالاحكام حَتَّى لَا يشذ مِنْهَا الا الاقل وَلَا نكلفه الاحاطة بجميعها فان ذَلِك مِمَّا لَا يَنْضَبِط

стр. 104

وَمِمَّا يشْتَرط ان يكون ذَا دراية فِي اللُّغَة والعربية وَلَا يشْتَرط ان يُحِيط بمعظمها وفَاقا فان الاحاطة بمعظم اللُّغَة والعربية يستوعب الْعُمر وَهَذِه رُتْبَة لم يَدعهَا أَئِمَّة اللُّغَة والعربية وايضا فانما يشْتَرط من اللُّغَة والعربية قدر مَا يتَوَصَّل بِهِ الى معرفَة الْكتاب وَالسّنة وَلَا يجزىء ان ياخذ تَفْسِير الايات والاخبار تقليدا بل يشْتَرط ان يتدرب فِي اللُّغَة والعربية بِحَيْثُ يكون مِنْهَا على ثِقَة وخبرة وَمِمَّا يشْتَرط ان يكون عَالما بمطاعن الاخبار الْمُتَعَلّقَة بالاحكام وَلَا يشْتَرط ان يجمع علم الحَدِيث بل يجزىء ان يُحِيط علما بِمَا قَالَه أَئِمَّة الحَدِيث فِي الاخبار الْمُتَعَلّقَة بالاحكام وَمِمَّا يشْتَرط ان يُحِيط علما بمعظم مَذَاهِب السّلف فانه لَو لم يحط بهَا لم يَأْمَن من خرق الاجماع فِي الفتاوي

стр. 105

ثمَّ يشْتَرط بعد ذَلِك ان يكون ورعا فِي دينه وَقد ذكر القَاضِي فِي خلال كَلَامه مَا يدل على ان التبحر فِي فن الْكَلَام شَرط فِي استجماع اوصاف الْمُجْتَهدين قلت وَلست ارى ذَلِك شرطا اذا الْأَئِمَّة فِي الاعصار الخالية مَا زَالُوا يفتون فِي الْحَوَادِث وَكَانُوا لَا يشتغلون بطرق حجاج الْمُتَكَلِّمين وَقد اشار الاستاذ ابو اسحق الى قريب مِمَّا ذكره القَاضِي وَمَا صَار اليه الْفُقَهَاء قاطبة عدم اشْتِرَاط ذَلِك القَوْل فِي صفة المستفتي وَمَا عَلَيْهِ من الِاجْتِهَاد اجْمَعْ الْعلمَاء على ان الْعَاميّ لَا يجب عَلَيْهِ سبر طرق الادلة فِي

стр. 106

احاد الْمسَائِل فَإِنَّهُ لَا يبلغ الى ذَلِك الا بِأَن يستجمع اوصاف الْمُجْتَهدين وَلَو كلفنا النَّاس اجْمَعْ ان يبلغُوا انفسهم رُتْبَة الْمُفْتِينَ لانقطعوا عَن اسباب المعايش وافضى ذَلِك الى امْتنَاع الطّلب على الطّلبَة ايضا فاذا ثَبت انه لَا يجب عَلَيْهِم الِاجْتِهَاد فِي احاد الْمسَائِل وانما فَرْضه الرُّجُوع الى قَول الْمُفْتِي فَهَل عَلَيْهِ ان يجْتَهد فِي اعيان الْمُفْتِينَ ذهب بعض الْمُعْتَزلَة الى انه لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء من الِاجْتِهَاد وَهَذَا اجتراء مِنْهُم على حرق الاجماع فان الامة مجمعة على ان من عنت لَهُ حَادِثَة لم يسغْ لَهُ ان يستفتي فِيهَا كل من يلقاه

стр. 107

فَلَو نَفينَا وجوب الِاجْتِهَاد جملَة افضى ذَلِك الى تَجْوِيز الاستفتاء من غير فحص وتنقير عَن احوال الْمُفْتِينَ وَهَذَا تورط فِي مراغمة الِاتِّفَاق فاذا وضح بِمَا قدمْنَاهُ وجوب ضرب من الِاجْتِهَاد فمبلغه ان يسْأَل عَن احوال العماء حَتَّى اذا تقرر لَدَيْهِ بقول الاثبات والثقات ان الَّذِي يستفتي مِنْهُ بَالغ مبلغ الِاجْتِهَاد فيستفتي حِينَئِذٍ ثمَّ ردد القَاضِي جَوَابه فَقَالَ لَو قَالَ قَائِل اذا اخبره بذلك عَدْلَانِ مهتديان الى مَا يخبران عَنهُ فَلهُ الاجتزاء باخبارهما كَانَ ذَلِك مُحْتملا وَلَو قَالَ قَائِل انه لَا يستفتي الا من استفاضة الاخبار عَن بُلُوغه مبلغ الِاجْتِهَاد كَانَ ذَلِك مُحْتملا والى الْجَواب الاخير مَال القَاضِي وَالْمَسْأَلَة على الِاحْتِمَال كَمَا ترَاهَا

стр. 108

فصل فِي جَوَاز تَقْلِيد الْعَالم مَعَ وجود الأعلم اذا لم يكن فِي الْبَلدة الَّتِي فِيهَا المستفتي الا عَالم وَاحِد فيقلده وَلَا يُكَلف الِانْتِقَال عَنهُ وان جمعت الْبَلدة الْعلمَاء وكل مِنْهُم بَالغ مبلغ الِاجْتِهَاد فقد ذهب الْفُقَهَاء الى ان الْوَاجِب عَلَيْهِ ان يُقَلّد الاعلم مِنْهُم وَلَا يسوغ لَهُ تَقْلِيد من عداهُ وَهَذَا غير صَحِيح والسديد أَن لَهُ ان يُقَلّد من شَاءَ مِنْهُم وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك ان الَّذِي ثَبت فِي شَرَائِط الْمُفْتِي مَا قدمْنَاهُ فاذا اتّصف الْمَرْء بِهِ سَاغَ تَقْلِيده وَلم يثبت فِي اصول الشَّرِيعَة رِعَايَة مَا يزِيد على الشَّرَائِط الَّذِي قدمناها وَالَّذِي يُوضح الْحق فِي ذَلِك ان الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم انقسموا الى الْفَاضِل والمفضول وَكَانَ الصّديق ﵁ افضلهم فِي مَذْهَب

стр. 109

اهل الْحق ثمَّ لم يكلفوا المستفتين ان لَا يستفتوا غَيره بل لم يجمعوا السَّائِلين على اُحْدُ تعيينا مِنْهُم وتخصيصا فوضح بذلك انه لَا يتَعَيَّن على المستفتي التَّعَرُّض للاعلم فَلَو قَالَ قَائِل فجوزوا على مَا ذكرتموه امامة الْمَفْضُول قُلْنَا هَذَا خوض مِنْكُم فِي غير هَذَا الْفَنّ وَقد اقمنا فِيمَا نَحن فِيهِ اوضح دلَالَة فَمَا وَجه تمسككم بالامامة وَذهب بعض من لاحظ لَهُ فِي الاصول الى ان المستفتي يَأْخُذ باثقل الاجوبة ويغلظ الامر على نَفسه اذا تَعَارَضَت اجوبة الْعلمَاء اذ الْحق ثقيل وَهَذَا تحكم من هَذَا الْقَائِل لَان الثّقل لَيْسَ عَلامَة للصِّحَّة فَرب ثقيل بَاطِل وَرب سمح صَحِيح كَيفَ وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ بعثت بالحنفية السمحاء

стр. 110

فَإِن قَالَ قَائِل فلوا تعَارض فتوتان فِي تَحْرِيم وَتَحْلِيل فَبِمَ يَأْخُذ المستفتي قُلْنَا يَأْخُذ بأسبقهما اليه فان بَدْرًا من عَالمين جَمِيعًا اخذ بِأَيِّهِمَا شَاءَ نجز الْكتاب بِحَمْد الله وعونه وَحسن توفيقه وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيد الامم ومصباح الظُّلم النُّور الباهر والمصباح الزَّاهِر مُحَمَّد خَاتم الانبياء وعَلى اله الطاهرين وَالسَّلَام وَكتاب الْمُجْتَهدين وَذكر القَوْل فِي اصول الْفِقْه للامام ابي الْمَعَالِي من كتاب التَّلْخِيص ﵀ ونفع بِهِ قارئه وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين