Полный текст (152 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَأَبُو هَاشم لَا نسلم ذَلِك وَلَا أَمْثَاله وَلَيْسَ هُوَ مِمَّن تروعه التهاويل يَعْنِي فيلتزم الْبطلَان فِي هَذِه الصُّور وَنَحْوهَا وَاعْترض غَيره بِأَنَّهُ لم يعْص هُنَا بترك الصَّلَاة بل بترك قَضَاء الدّين ورد الْوَدِيعَة وَكَذَلِكَ لم يعْص بِعقد البيع بل بِتَأْخِير الصَّلَاة عَن وَقتهَا
وَأجِيب عَن ذَلِك بِأَن كَونه فِي الصَّلَاة ترك لاشتغاله بِقَضَاء الدّين كَمَا أَن كَونه فِيهَا لبث فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَلَا فرق فالنقص لَازم لَهُ بِغَيْر إِشْكَال
وَأما مَا ذكره إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَلَيْسَ بِشَيْء لِأَن هَذِه الصُّور كلهَا إجماعية قَطْعِيَّة لم يقل أحد بِبُطْلَان الصَّلَاة فِيهَا وَلَا يسع أَبَا هَاشم وَلَا غَيره الْتِزَام ذَلِك لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال أَكثر أَعمال الْخلق من صَلَاة وَصَوْم وَحج وَبيع وَشِرَاء وإعتاق إِلَى غير ذَلِك من التَّصَرُّفَات الَّتِي هِيَ من ضرورات الْخلق وعَلى الْوَاحِد مِنْهُم حُقُوق يجب عَلَيْهِ التنصل مِنْهَا أما بِالرَّدِّ أَو بالاستحلال فَيكون اشْتِغَاله عَن ذَلِك بِمَا ذكر قَاطعا عَن الْخُرُوج من حق الْغَيْر وَهَذَا مَعْلُوم بُطْلَانه أَعنِي القَوْل بِفساد هَذِه التَّصَرُّفَات فِي هَذِه الْحَالة
وَاحْتج الْقَائِلُونَ بِفساد الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة بأوجه أَحدهَا أَن مُتَعَلق الْأَمر إِمَّا أَن يكون عين مُتَعَلق النَّهْي أَو غَيره فَإِن كَانَ الأول كَانَ الشَّيْء الْوَاحِد مَأْمُورا مَنْهِيّا مَعًا وَذَلِكَ عين تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق
وَإِن كَانَ الثَّانِي فالوجهان إِمَّا أَن يتلازما أَو لَا فَإِن لم يتلازما كَانَ الْأَمر وَالنَّهْي مُتَعَلقين بشيئين وَلَا نزاع فِي صِحَة ذَلِك لكنه لَيْسَ بِصُورَة الْمَسْأَلَة
стр. 107
لما سنبينه وَإِن تلازما كَانَ كل وَاحِد من ضرورات الآخر وَالْأَمر بالشَّيْء أَمر بِمَا هُوَ من ضروراته وَإِلَّا وَقع التَّكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق فَإِذا كَانَ الْمنْهِي من ضرورات الْمَأْمُور كَانَ مَأْمُورا فَيَعُود الْأَمر إِلَى لُزُوم كَون الشَّيْء الْوَاحِد مَأْمُورا مَنْهِيّا وَذَلِكَ محَال وَهَذَا صُورَة هَذِه الْمَسْأَلَة لِأَن جِهَة الْغَصْب على الْإِطْلَاق وَإِن كَانَت مُغَايرَة لجِهَة الصَّلَاة ومنفكة عَن مُطلق الصَّلَاة لكنه يَسْتَحِيل انفكاك هَذِه الصَّلَاة عَن جِهَة الْغَصْب إِذْ الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة يَسْتَحِيل أَن تكون منفكة عَن جِهَة الْغَصْب
وَثَانِيها أَن الحركات والسكنات دَاخِلَة فِي مَفْهُوم الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وشغل الحيز دَاخل فِي مَفْهُوم الْحَرَكَة والسكون إِذْ الْحَرَكَة عبارَة عَن شغل الْجَوْهَر للحيز بعد أَن كَانَ فِي غَيره والسكون عبارَة عَن شغل الْجَوْهَر للحيز أَكثر من زمَان وَاحِد فشغل الحيز دَاخل فِي مَفْهُوم الْحَرَكَة والسكون الداخلين فِي مَفْهُوم الصَّلَاة فَكَانَ دَاخِلا فِي مَفْهُوم الصَّلَاة لِأَن جُزْء الْجُزْء جُزْء وشغل الحيز فِيمَا نَحن فِيهِ حرَام فَالصَّلَاة الَّتِي جزؤها حرَام لَا تكون وَاجِبَة لِأَن وُجُوبهَا إِمَّا أَن يسْتَلْزم إِيجَاب مَا كَانَ من أَجْزَائِهَا محرما وَهُوَ تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق
وَالثَّانِي يلْزم مِنْهُ أَن يكون الْوَاجِب بعض أَجزَاء الصَّلَاة لَا نفس الصَّلَاة لِأَن مَفْهُوم الْجُزْء مُغَاير لمَفْهُوم الْكل وَذَلِكَ محَال وَلِأَن النَّهْي عَن الْجُزْء نهي عَن الْكل الْمَجْمُوع والمنهي عَنهُ لَا يكون وَاجِبا
وَلِأَن الْأَمر بِالْكُلِّ أَمر بالجزء لتوقفه عَلَيْهِ وَيلْزمهُ إِيجَاب مَا كَانَ من أَجْزَائِهَا محرما وَهُوَ تَكْلِيف بالمحال
стр. 108
وَثَالِثهَا أَن الْمُسلمين أَجمعُوا على أَن الصَّلَاة لَا تصح إِلَّا بنية التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى والتقرب إِلَيْهِ لَا يتَصَوَّر بِمَا هُوَ مَعْصِيّة وَقد حرمه الله سُبْحَانَهُ وَبِعِبَارَة أُخْرَى شَرط صِحَة الصَّلَاة نِيَّة الْوُجُوب أَو نِيَّة مَا يقوم مقَام الْوُجُوب فَكيف يتَحَقَّق الْوُجُوب فِيمَا قد تحقق فِيهِ الْحَظْر لِأَن الْكَوْن فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة محرم
وَرَابِعهَا النَّقْض بِبُطْلَان صَوْم يَوْم النَّحْر بِالنذرِ وَغَيره مَعَ اخْتِلَاف الْجِهَتَيْنِ فِيهِ لِأَن جِهَة كَونه صوما منذورا مَأْمُورا بِهِ وجهة كَونه وَاقعا فِي يَوْم النَّحْر مَنْهِيّ عَنهُ وَمِنْهُم من أورد ذَلِك على وَجه الْمُلَازمَة فَقَالَ لَو صحت الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة لصَحَّ الصَّوْم يَوْم النَّحْر وَالْجَامِع اخْتِلَاف الْجِهَتَيْنِ كَمَا سبق فَلَمَّا لم يَصح الصَّوْم يَوْم النَّحْر لم تصح الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَلَا يخفى أَن هَذَا الْوَجْه إِنَّمَا هُوَ لَازم للمالكية وَالشَّافِعِيَّة الْقَائِلين بِبُطْلَان صَوْم يَوْم الْعِيد بِخِلَاف الْحَنَفِيَّة فَإِنَّهُم يَقُولُونَ بِصِحَّتِهِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأجِيب عَن الْوَجْه الأول وَالثَّانِي بِأُمُور
أَحدهَا النَّقْض بِمَا تقدم من الْمِثَال الْمَضْرُوب فِي أَمر السَّيِّد عَبده بالخياطة وَنَهْيه عَن دُخُول الدَّار
قَالَ صَاحب الْأَحْكَام
جَمِيع مَا ذَكرُوهُ فِي الْوَجْه الأول وَالثَّانِي بِعَيْنِه وَارِد على الْمِثَال الْمَضْرُوب من غير فرق
стр. 109
وَأجَاب غَيره بِمَنْع أَن مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ وَهُوَ مَقْدُور للمكلف فَهُوَ وَاجِب وبمنع أَن الْأَمر بِالْكُلِّ أَمر بالجزء وَهَذَا الْمَنْع إِنَّمَا يتم مِمَّن يمْنَع ذَلِك مُطلقًا أَو مِمَّن يَقُول إِن مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ لَا يكون وَاجِبا إِلَّا إِذا كَانَ شرطا شَرْعِيًّا كَابْن الْحَاجِب وَمن وَافقه وكلا الْقَوْلَيْنِ ضعيفان
وَالرَّاجِح وجوب مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ وان الْأَمر بِالْكُلِّ أَمر بالجزء وَأجَاب صَاحب التَّحْصِيل عَنْهُمَا بِوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَنه لَا نزاع فِي أَن الْفِعْل الْمعِين لَا يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ لعَينه ومنهيا عَنهُ لعَينه وَإِنَّمَا النزاع فِي أَن الْفِعْل إِذا كَانَ فَردا من أَفْرَاد الْمَأْمُور بِهِ وَلم يكن مَأْمُورا بِهِ لعَينه وَلَكِن وجد الْمَأْمُور بِهِ فِي ضمنه هَل النَّهْي عَنهُ أم لَا
وَمَا ذكر من الدَّلِيلَيْنِ لَا يدل على فَسَاد هَذَا بل على أَن الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة لَا يكون مَأْمُورا بهَا لعينها وَلَا نزاع فِي ذَلِك
وَجَوَاب الْمُتَنَازع فِيهِ بنى على أصل الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ أَن الْأَمر بالماهية الْكُلية لَيْسَ أمرا بِشَيْء من جزئياتها فَالْأَمْر بِصَلَاة الظّهْر مثلا لَا يكون أمرا بِهَذِهِ الصَّلَاة الْوَاقِعَة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة
стр. 110
وَبِهَذَا خرج الْجَواب عَن قَوْلهم فِي الْوَجْه الأول إِن لم يتلازما فَلَيْسَتْ هَذِه الْمَسْأَلَة أَي مَسْأَلَة الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة فَإِن الصَّلَاة مَعَ الْغَصْب أَمْرَانِ متلازمان هُنَا كَمَا تقدم من كَلَامه لِأَنَّهُ تبين أَن التلازم إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ الْمَأْمُور بِهِ هُنَا هُوَ عين الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بل الْمَأْمُور بِهِ نفس الصَّلَاة الْوَاقِعَة فِي ضمن الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة فَإِن الْمَأْمُور بِهِ إِنَّمَا هُوَ فَرد من نوع لَا بِخُصُوص كَونه ذَلِك الْفَرد بل بِوُجُود النَّوْع الْوَاجِب فِي ضمن ذَلِك الْفَرد لِأَن كل فَرد من أَفْرَاد الْوَاجِب ظهرا الْوَاقِعَة فِي نفس الظّهْر مثلا إِنَّمَا يتشخص بعوارض مَخْصُوصَة كزمان مَخْصُوص وَمَكَان مَخْصُوص وعَلى قدر مَخْصُوص وَلَا تُوجد تِلْكَ الْعَوَارِض الْمَخْصُوصَة إِلَّا فِي ضمن ذَلِك الْفَرد مَعَ اشْتِرَاك الْجَمِيع فِي كَونهَا صَلَاة الظّهْر وَاقعَة فِي الْوَقْت
وَلَا يُقَال إِذا لم تكن الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَاجِبَة فالآتي بهَا لم يخرج عَن الْعهْدَة لتَركه الْوَاجِب لأَنا نقُول الْمُدعى أَن الْوَاجِب الْمُطلق مَوْجُود فِي ضمن هَذَا الْفَرد المتشخص بالعوارض الْمَخْصُوصَة فَيخرج بذلك عَن الْعهْدَة وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون هَذَا الْفَرد الْمعِين لشخصه بعوارضه الْخَاصَّة وَاجِبا لعَينه لما بَيناهُ
وَهَذَا كُله بِنَاء على مَا تقدم أَن الْأَمر بالماهية الْكُلية لَيْسَ أمرا بِشَيْء من جزئياتها وَمَوْضِع تَقْرِيره غير هَذَا الْمَكَان فَتكون الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة مَأْمُورا بهَا بِاعْتِبَار ماهيتها ومنهيا عَنْهَا بِاعْتِبَار خصوصيتها
стр. 111
الْوَجْه الثَّانِي أَنه إِذا لم يقل بِأَن الْأَمر بالماهية الْكُلية لَيْسَ أمرا بِشَيْء من جزئياتها بل هُوَ أَمر بهَا فَيلْزم على ذَلِك نقض عَظِيم وَهُوَ أَنه يمْتَنع النَّهْي عَن فعل مَا إِذا قيل بِأَنَّهُ يمْتَنع النَّهْي عَن فَرد من أَفْرَاد الْكُلِّي الْمَأْمُور بِهِ وَذَلِكَ بَاطِل بِالْإِجْمَاع وَبَيَان الْمُلَازمَة أَن نفس الْفِعْل مَأْمُور بِهِ وَلِأَن الْفِعْل الْخَاص مَأْمُور بِهِ وَنَفس الْفِعْل جُزْء من الْفِعْل الْخَاص وجزء الْمَأْمُور بِهِ مَأْمُور بِهِ جزما فَلَا ينْهَى عَن فعل معِين لِأَن كل فعل مَنْهِيّ عَنهُ فَهُوَ فَرد من أَفْرَاد نفس الْفِعْل والتفريع على أَنه لَا يكون الْفِعْل الْمعِين الْمنْهِي عَنهُ فَردا من أَفْرَاد الْكُلِّي الْمَأْمُور بِهِ وَهَذَا الْفِعْل الْمعِين الْمنْهِي عَنهُ فَرد من أَفْرَاد نفس الْفِعْل الْمَأْمُور فَلَا يكون الْمعِين مَنْهِيّا عَنهُ وَإِلَّا يلْزم اجْتِمَاع الْأَمر وَالنَّهْي فِي فعل وَاحِد وَذَلِكَ محَال هَذَا معنى كَلَام صَاحب التَّحْصِيل مَبْسُوطا عَمَّا ذكره
وَاعْترض الشِّيرَازِيّ شَارِح الْمُخْتَصر على هَذَا الْوَجْه الثَّانِي بِأَن نفس هَذَا الْفِعْل الْمعِين لَيْسَ مَأْمُورا بِهِ أَصَالَة بل تبعا لكَونه جُزْء الْمَأْمُور بِهِ وَلَا يلْزم من اسْتِحَالَة مَا ذكر فِي الْمَأْمُور بِهِ أَصَالَة أَن يَجِيء ذَلِك فِي الْمَأْمُور بِهِ تبعا
ثمَّ قَالَ نعم لَو قيل لَو امْتنع ذَلِك اسْتَحَالَ النَّهْي عَن صَلَاة الْمُحدث لكَونهَا فَرد من أَفْرَاد الصَّلَاة الْمَأْمُور بهَا مَعَ أَن النَّهْي عَنْهَا وَاقع لَهُم وَفِي الإعتراض الْمَذْكُور نظر من جِهَة أَن الْأَصَالَة لَا أثر لَهَا فِيمَا نَحن فِيهِ فان الدَّلِيل الْمَذْكُور قياسي فِي الْحَقِيقَة وَالْجَامِع اجْتِمَاع الْوُجُوب وَالْحُرْمَة فِي شَيْء وَاحِد وَهَذَا مُمْتَنع سَوَاء كَانَ الْوُجُوب بِالْأَصَالَةِ أَو التّبعِيَّة
стр. 112
وَأما قَوْله فِي صَلَاة الْمُحدث فضعيف أَيْضا لِأَن الصَّلَاة الْمَأْمُور بهَا هِيَ الصَّلَاة المستجمعة لشروطها وَصَلَاة الْمُحدث مَعَ الْقُدْرَة على الطَّهَارَة لَيست فَردا من الْأَفْرَاد الْمَأْمُور بهَا فَلم يجْتَمع الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم مَعًا
وَأما الْوَجْه الثَّالِث فَالْجَوَاب عَنهُ ظَاهر لِأَن نِيَّة التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى إِنَّمَا تتَوَجَّه إِلَى كَونهَا صَلَاة لَا إِلَى كَونهَا غصبا وَنحن قد بَينا انفكاك أحد الْأَمريْنِ عَن الآخر وأنهما ليسَا متلازمتين بل بِاعْتِبَار الْجِهَتَيْنِ كَمَا سبق فَلَا تنَاقض حِينَئِذٍ وَهَذَا الْجَواب هُوَ الْمُعْتَمد وَقد أجَاب القَاضِي أَبُو بكر بن الباقلاني عَنهُ بِأَن الصَّلَاة تشْتَمل على جِنْسَيْنِ أَقْوَال كالقراءة والأذكار وأفعال كالقيام وَالرُّكُوع وَالسُّجُود والأقوال لَا غصب فِيهَا بِخِلَاف الْأَفْعَال فتتوجه النِّيَّة إِلَى مَا لَا غصب فِيهِ وَتَكون الْأَفْعَال كالأجزاء الَّتِي تعزب النِّيَّة فِيهَا عَن الْمُصَلِّي بعد مَا نوى أَولا
وَفِي هَذَا الْجَواب نظر وَالْحق أَن نِيَّة الصَّلَاة تَشْمَل كل مَا يَقع فِيهَا وَلَا اسْتِحَالَة فِي الْأَفْعَال لما بَينا من اعْتِبَار الْجِنْس
وَالْجَوَاب عَن الرَّابِع بِالْفرقِ بَين المقامين فَإِن صَوْم يَوْم النَّحْر غير منفك عَن الصَّوْم بِوَجْه لِأَنَّهُ خَاص وَالْخَاص لَا يَنْفَكّ عَن الْعَام فَلَا يتَحَقَّق فِيهِ جهتان كَمَا تحققنا فِي الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة لِأَن الْأَمر لكَونهَا صَلَاة وَالنَّهْي لكَونهَا غصبا
وَلَا يُقَال فَالْأَمْر بِصَوْم يَوْم النَّحْر لكَونه صوما مُطلقًا وَالنَّهْي لكَونه يَوْم النَّحْر لأَنا نقُول الْيَوْم الْمُتَعَلّق بِالصَّوْمِ غير مَنْهِيّ عَنهُ مُفردا وَالْغَصْب الْمُتَعَلّق بِالصَّلَاةِ مَنْهِيّ عَنهُ مُجَردا عَنْهَا وَمن أورد ذَلِك الْوَجْه
стр. 113
على طَرِيق الْمُلَازمَة يُجَاب عَنْهَا بتخصيص الْمُدعى بِأَن يُقَال الْمُدعى تَجْوِيز تعلق الْأَمر وَالنَّهْي مَعًا بِذِي جِهَتَيْنِ يَنْفَكّ الْمنْهِي عَنهُ عَن الْمَأْمُور بِهِ فِي الْجُمْلَة أَو كل وَاحِدَة مِنْهَا عَن الْأُخْرَى فِي الْجُمْلَة وَحِينَئِذٍ لَا يلْزم مَا ذَكرُوهُ من فَسَاد صَوْم يَوْم النَّحْر لِامْتِنَاع انفكاك صَوْم يَوْم النَّحْر عَن الصَّوْم من حَيْثُ هُوَ صَوْم لاستلزام الْأَخَص الْأَعَمّ وَسَيَأْتِي تَتِمَّة الْكَلَام على صَوْم النَّحْر وَبَيَان بُطْلَانه فِي الْفَصْل الْآتِي بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما القَاضِي أَبُو بكر بن الطّيب فَإِنَّهُ احْتج لفساد الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة بالوجوه الْمُتَقَدّمَة وَقد أجبنا عَنْهَا ثمَّ رأى أَن ذَلِك معَارض بِإِجْمَاع السّلف على سُقُوط الْمُطَالبَة بهَا فَقَالَ الْغَرَض يسْقط عِنْدهَا لَا بهَا جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ
وَاخْتَارَ هَذِه الطَّرِيقَة ابْن الْخَطِيب فِي الْمَحْصُول قَالَ لأَنا بَينا بِالدَّلِيلِ امْتنَاع وُرُود الْأَمر بهَا وَالسَّلَف أَجمعُوا على أَن الظلمَة لَا يؤمرون بِقَضَاء الصَّلَوَات المؤداة فِي الدّور الْمَغْصُوبَة وَلَا طَرِيق إِلَى التَّوْفِيق بَينهمَا إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ
وَقد اعْترض الْمُحَقِّقُونَ على هَذِه الطَّرِيقَة بعبارات مُخْتَلفَة
وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ هَذَا عِنْدِي حائد عَن التَّحْصِيل غير لَائِق لمنصب هَذَا الرجل الخطير يَعْنِي القَاضِي أَبَا بكر فَإِن الْأَعْذَار الَّتِي يَنْقَطِع بهَا الْخطاب
стр. 114
محصورة فالمصير إِلَى سُقُوط التَّكْلِيف من مُتَمَكن من الِامْتِثَال ابْتِدَاء ودواما بِسَبَب مَعْصِيّة لَابسهَا لَا أصل لَهُ فِي الشَّرِيعَة
وَالَّذِي يتَحَصَّل من كَلَامهم فِي رد هَذِه الطَّرِيقَة وُجُوه أرجحها
منع وجود الْإِجْمَاع الْمَذْكُور وَإِن كَانَ قد احْتج بِهِ جمَاعَة من الْأَئِمَّة كالغزالي وَمن بعده حَتَّى قَالَ الْغَزالِيّ ﵀ وَغَيره أَن من قَالَ بِأَن الْفَرْض لم يسْقط بِالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة لمحجوج بِالْإِجْمَاع وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا ذكر لِأَن الْإِجْمَاع لم ينْقل عَن الْمُتَقَدِّمين لفظا عَنْهُم بل غَايَة مَا قَالَ القَاضِي أَبُو بكر لم يَأْمر أَئِمَّة السّلف الظلمَة بِإِعَادَة الصَّلَوَات الَّتِي أقاموها فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة
وَحَاصِل هَذَا إِثْبَات الْإِجْمَاع بِعَدَمِ النَّقْل وَقد علم أَن عدم الوجدان لَا يلْزم مِنْهُ عدم الْوُجُود فَلَا يثبت ادِّعَاء الْإِجْمَاع حَتَّى يثبت النَّقْل بِأَن الظلمَة غصبوا أراض مُعينَة غصبا محققا ثمَّ كَانُوا يصلونَ فِيهَا وَالْعُلَمَاء من الصَّحَابَة الْمُتَأَخِّرين وَمن بعدهمْ من التَّابِعين يشاهدونهم وَلَا يأمرونهم بِالْإِعَادَةِ مَعَ قدرتهم على الْإِنْكَار عَلَيْهِم ثمَّ شاع ذَلِك وَاسْتمرّ الْعَمَل بِهِ فِي الْأَمْصَار كلهَا حَتَّى انْعَقَد الْإِجْمَاع عَلَيْهِ وكل هَذِه الْمُقدمَات لَا يُمكن ثُبُوت شَيْء مِنْهَا بل الظَّاهِر خلَافهَا وان ذَلِك لم يتَّفق فِي عصر الصَّحَابَة ﵃ وَلَو اتّفق من وَاحِد من وُلَاة بني أُميَّة لأمكن أَن يخفى عَلَيْهِم وَلَو قدر أَن لَا يخفى عَنْهُم لأمكن أَن ينكروا ذَلِك وَيخْفى عَنَّا لِأَن الظَّاهِر من حَالهم أَنهم لَا يقرونَ عَن الْمُنكر وَقد كَانُوا يُنكرُونَ أقل من هَذَا وَكَيف يَدعِي الْإِجْمَاع فِي الْمَسْأَلَة وفيهَا
стр. 115
الْخلاف من مثل الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل وَأصبغ بن الْفرج وَعبد الْملك بن حبيب من الْمَالِكِيَّة
وَقد قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ عزي الْمَنْقُول عَن أَحْمد إِلَى طوائف من سلف الْفُقَهَاء وَقيل هُوَ رِوَايَة عَن مَالك وَلَا ريب فِي أَن الإِمَام أَحْمد ﵀ من أعلم الْفُقَهَاء بِالْإِجْمَاع وَالِاخْتِلَاف وَأَكْثَرهم إطلاعا على الْآثَار المنقولة عَن السّلف فَكيف يخفى عَلَيْهِ مثل هَذَا
وَقَول فَخر الدّين الْمُتَقَدّم أَجمعُوا على أَن الظلمَة لَا يؤمرون بِقَضَاء الصَّلَوَات فِيهِ خلل ظَاهر فَإِن الَّذِي ادَّعَاهُ من نقل الْإِجْمَاع واستروح إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ عدم أَمر الْأَئِمَّة من السّلف للظلمة لَا النَّقْل عَنْهُم كلهم أَن الظلمَة لَا يؤمرون وَفرق بَين المقامين
ثمَّ إِن الْإِجْمَاع عِنْد فَخر الدّين دَلِيل ظَنِّي وَمَا ذكره من الْأَدِلَّة الَّتِي سبق ذكرهَا قَطْعِيَّة على زَعمه فَكيف يُعَارض الظني الْقطعِي حَتَّى يحْتَاج إِلَى الْجمع بَينهمَا
وَقَوْلهمْ إِن الْفَرْض يسْقط عِنْدهَا لَا بهَا لَا يخفى ضعفه وخصوصا فِي مُقَابلَة مَا أَدْعُوهُ من الْقَاطِع فَإِن سُقُوط الْفَرْض الْمعِين منحصر فِي أَدَائِهِ على الْوَجْه الَّذِي أَمر بِهِ أَو تعذره من الْمُكَلف بِخُرُوجِهِ عَن أَهْلِيَّة التَّكْلِيف وَنَحْو ذَلِك أَو بالنسخ عَنهُ والأخيران منتفيان هُنَا فَتعين أَن يكون السُّقُوط للمعنى الأول وَهَذَا الْقدر كَاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وفيهَا مبَاحث طَوِيلَة وتشكيكات كَثِيرَة على الْأَدِلَّة من الطَّرِيقَيْنِ لَا فَائِدَة فِي ذكرهَا لِئَلَّا يطول الْكَلَام
وَقد ذكر الْأَصْفَهَانِي شَارِح الْمَحْصُول مَسْأَلَة ترد نقضا على الْقَائِلين
стр. 116
بِبُطْلَان الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَهِي صَوْم يَوْم من شهر رَمَضَان يخَاف الْمُكَلف على نَفسه الْهَلَاك بِهِ لسَبَب الصَّوْم فَإِن الصَّوْم حرَام عَلَيْهِ فِي ذَلِك النَّهَار قطعا مَعَ أَنه صَحِيح وَذكر أَنه لَا جَوَاب لَهُم عَنهُ وَهَذَا إِنَّمَا يتم إِذا كَانَ الْحَنَابِلَة وَمن وافقهم يسلمُونَ صِحَة صَوْم ذَلِك الْيَوْم فَإِن كَانَ كَذَلِك فَهُوَ نقض قوي وَبِه يتَبَيَّن أَيْضا اعْتِبَار الْجِهَتَيْنِ
لَكِن الظَّاهِرِيَّة يَقُولُونَ بِبُطْلَان مثل هَذَا الصَّوْم وَأَنه لَا يُؤدى عَن الْفَرْض كَمَا يَقُولُونَ بِمثلِهِ فِي صَوْم الْمُسَافِر بل هَا هُنَا أولى
وَالَّذِي اعْتمد عَلَيْهِ الْغَزالِيّ فِي النَّقْض عَلَيْهِم مَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ وَهُوَ أَن من فِي ذمَّته حق لغيره وَهُوَ قَادر على رده إِلَيْهِ أَو استحلاله مِنْهُ وَلم يفعل أَنه لَا يَصح بَيْعه وَلَا صلَاته وَلَا زَكَاته وَإِذا تزوج الْمُطلقَة ثَلَاثًا لَا يحصل التَّحْلِيل بِوَطْئِهِ لِأَنَّهُ عصى بترك رد الْمظْلمَة وَلم يتْركهُ إِلَّا بتزويجه وَبيعه وَصلَاته قَالَ فَيُؤَدِّي هَذَا إِلَى تَحْرِيم أَكثر النِّسَاء وفوات أَكثر الْأَمْلَاك وَهُوَ خرق للْإِجْمَاع قطعا وَذَلِكَ لَا سَبِيل إِلَيْهِ
وَذكر جمَاعَة من المصنفين أَن الْخلاف فِي الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة جَار
стр. 117
فِي الْوضُوء بِالْمَاءِ الْمَغْصُوب من الْإِنَاء الْمَغْصُوب وَالتَّيَمُّم بِتُرَاب مَغْصُوب وَالْمسح على خف مَغْصُوب وَكَذَلِكَ الزَّكَاة إِذا خرجت بِمِكْيَال مَغْصُوب أَو ميزَان مَغْصُوب وَالْحج على جمل مَغْصُوب أَو بِنَفَقَة حرَام وَكَذَلِكَ الْوضُوء من إِنَاء الذَّهَب أَو الْفضة حَكَاهُ الشَّيْخ مُحي الدّين وَالذّبْح بسكين مَغْصُوب فَإِنَّهُ لَا تحل الذَّبِيحَة أَيْضا عِنْدهم وَكَذَلِكَ إِقَامَة الْحَد بِسَوْط مَغْصُوب وَمَا أشبه ذَلِك
وَقَالَ الشَّيْخ صفي الدّين الْهِنْدِيّ ﵀ فِي نِهَايَة الْوُصُول بعده ذكره أَكثر هَذِه الْمسَائِل اخْتلف الْقَائِلُونَ بِبُطْلَان الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة سَوَاء قَالُوا بِوُجُوب الْقَضَاء أَو بِسُقُوط الطّلب عِنْدهَا لَا بهَا فَمنهمْ من عمم الْمَنْع فِي الْكل وَمِنْهُم من خصص بِمَا إِذا كَانَ الْمنْهِي عَنهُ جُزْءا أَو لَازِما للماهية دون غَيره
فَأَشَارَ بِالْأولِ إِلَى دَاوُد وَأَتْبَاعه وَبِالثَّانِي إِلَى الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل
стр. 118
فَإِن الرِّوَايَات اخْتلفت عَنهُ فِي آحَاد هَذِه الْمسَائِل لَكِن جادة مذْهبه أَن كل مَنْهِيّ عَنهُ غير صَحِيح وَإِن كَانَ النَّهْي لِمَعْنى خارجي
لَكِن اتّفقت الرِّوَايَات عَنهُ على أَن الطَّلَاق البدعي فِي الْحيض وَنَحْوه ينفذ وَكَذَلِكَ إرْسَال الثَّلَاث جملَة وَإِن كَانَ مَنْهِيّا عَنهُ عِنْده وَاتفقَ على ذَلِك أَصْحَابه كَافَّة والنقض بِهَذِهِ الصُّور وَارِد عَلَيْهِم قطعا فَإِن فرقوا بَين المقامين بِأَن الإيقاعات يغْتَفر فِيهَا مَا لَا يغْتَفر فِي الْعِبَادَات والعقود نقض ذَلِك عَلَيْهِم بقَوْلهمْ فِي الذّبْح بالسكين الْمَغْصُوب أَنه لَا يحل الذَّبِيحَة
وَقد نقل ابْن برهَان الْإِجْمَاع على صِحَة صَلَاة الْجُمُعَة فِي الْبقْعَة الْمَغْصُوبَة بعد ذكر الْخلاف الْمُتَقَدّم فِي مُطلق الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة
وَمِمَّا يشْهد لصِحَّة الْمنْهِي عَنهُ إِذا كَانَ النَّهْي لغيره إثْبَاته ﷺ الْخِيَار لمشتري الْمُصراة إِذا تبين التصرية مَعَ أَن التصرية غش وتدليس مَنْهِيّ عَنهُ قطعا وَالنَّبِيّ ﷺ لم يحكم بِبُطْلَان البيع بل أثبت الْخِيَار وَذَلِكَ دَال على إنعقاده مَعَ ارْتِكَاب البَائِع النَّهْي فِيهِ
وَكَذَلِكَ تلقي الركْبَان وَنهي النَّبِي ﷺ عَنهُ ثمَّ أثبت لمن تلقى وَاشْترى مِنْهُ الْخِيَار إِذا قدم السُّوق كَمَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَصْحِيح العقد كَمَا فِي الْمُصراة على أَنه رُوِيَ عَن أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه
стр. 119
الله فِي رِوَايَة أَن البيع بَاطِل طردا لقاعدته والْحَدِيث حجَّة على هَذِه الرِّوَايَة
وَفِيمَا تقدم من تَحْقِيق الْفرق بَين المقامين وَأَن النَّهْي عَنهُ لغيره لم يتوارد النَّفْي وَالْإِثْبَات فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى معنى وَاحِد فَلَا يكون مرتكبه دَاخِلا تَحت الْأَدِلَّة الْمُتَقَدّمَة الدَّالَّة على أَن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد كِفَايَة وأبينها مَا ذكره الْمَازرِيّ ﵀ من ضرب الْمِثَال بِمن طلب من عَبده أَن يسْقِيه مَاء ويرفق فِي إِمْسَاكه كَمَا تقدم وَالْفرق وَاضح جدا بَين من صلى بِغَيْر وضوء أَو تَوَضَّأ بِمَاء نجس وَبَين من تَوَضَّأ بِمَاء مَغْصُوب فَإِن الأول لم يَأْتِ بالمأمور بِهِ وَالثَّانِي لم يَأْتِ بِهِ على وَجهه الْمَشْرُوع فِي ذَاته وَأما الثَّالِث فَأتى بِهِ على وَجهه وَلَكِن عصى بِأَمْر خارجي عَنهُ
فَإِن قيل وبماذا يعرف كَون النَّهْي عَن الشَّيْء لأمر خارجي حَتَّى يُعلل بِهِ عَن اقتضائه الْفساد قُلْنَا
يعرف ذَلِك تَارَة بتنصيص الشَّارِع أَو إيمائه إِلَى ذَلِك كَمَا فِي قَوْله ﷺ لَا يبع حَاضر لباد دعوا النَّاس يرْزق الله بَعضهم من بعض فَإِن هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن النَّهْي عَن هَذَا البيع إِنَّمَا هُوَ لما يقْتَرن بِهِ من الْمضرَّة للْغَيْر وَكَذَلِكَ نَهْيه ﷺ عَن بيع الرجل على بيع أَخِيه وَعَن
стр. 120
بيع الْحَاضِر للبادي وتلقي الركْبَان وَأَمْثَاله فالنهي مُتَعَلق بِالْبيعِ من جِهَة اللَّفْظ وبإضرار الْغَيْر من جِهَة الْمَعْنى كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ النَّهْي عَن الْمَوْت فِي اللَّفْظ وَلَيْسَ ذَلِك مَقْدُورًا بل هُوَ فِي الْحَقِيقَة عَمَّا يقْتَرن بِهِ من الْكفْر
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يصدنكم الشَّيْطَان﴾ وَالنَّهْي عَن الصد للشَّيْطَان فِي اللَّفْظ وللمكلفين فِي الْمَعْنى
وَمثل هَذَا قَول الْقَائِل لغيره لَا أرينك هَا هُنَا فَإِنَّهُ لم يقْصد الْمُتَكَلّم بِالنَّهْي نَفسه وَإِنَّمَا الْمَقْصُود بِهِ الْمُخَاطب وَتارَة يعرف ذَلِك من جِهَة أَن النَّهْي لَيْسَ مُخْتَصًّا بمورده بل يعم صورا غير الْمنْهِي عَنهُ كَالْبيع وَقت النداء للْجُمُعَة فَإِن الإتفاق على أَن غير البيع من سَائِر الشواغل عَن الْجُمُعَة كَالْبيع فِي النَّهْي عَن الِاشْتِغَال بهَا
فَدلَّ على أَن النَّهْي فِي الْآيَة عَن البيع لَيْسَ لذاته وَلَا لخلل فِي أَرْكَانه وشرائطه بل لكَونه سَببا لترك الْجُمُعَة
وَكَذَلِكَ الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة إِذْ التَّحْرِيم لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالصَّلَاةِ
стр. 121
فَقَط بل يعم سَائِر الْأَفْعَال والحركات والسكنات الكائنة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة فَعلم من ذَلِك أَن النَّهْي لَيْسَ لذات الصَّلَاة
وَتارَة يعرف ذَلِك من جِهَة الْمَعْنى كَمَا فِي طَلَاق الْحَائِض فَإِنَّهُ لَيْسَ لذاته بل لما يقْتَرن بِهِ من تَطْوِيل الْعدة
وَكَذَلِكَ الصَّلَاة فِي أعطان الْإِبِل لما يخْشَى من نفارها فتشوش على الْمُصَلِّي
وكالنهي عَن الصَّلَاة مَعَ مدافعة الأخبثين فَإِن ذَلِك لما فِيهِ من تَفْوِيت كَمَال الْخُشُوع وتشويشه وَلَو ترك الْخُشُوع عمدا صحت صلَاته فَدلَّ على أَن النَّهْي لأمر خارجي
وَكَذَلِكَ نهي الْحَاكِم عَن أَن يحكم بَين اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان فَإِنَّهُ احْتِيَاط للْحكم فَإِذا وَقع الحكم فِي هَذِه الْحَالة بأركانه وشرائطه صَحَّ اتِّفَاقًا فَدلَّ ذَلِك على أَنه لأمر خارجي غير ذَات الْمنْهِي عَنهُ وَهَذِه أَيْضا مِمَّا ترد على الْحَنَابِلَة
وَكَذَلِكَ بيع الْعِنَب مِمَّن يَتَّخِذهُ خمرًا لما كَانَ الْمَنْع مِنْهُ لِئَلَّا يتوسل بِهِ إِلَى اتِّخَاذ الْخمر الْمنْهِي عَنهُ صحّح الشَّافِعِي البيع لِأَنَّهُ لَيْسَ لذات الْمَبِيع وَقَالَ أَحْمد بِبُطْلَانِهِ طردا للقاعدة
فَإِن قيل فَلم قَالَ الشَّافِعِي بِبُطْلَان البيع إِذا وَقع بِهِ التَّفْرِيق بَين الوالدة وَوَلدهَا مَعَ أَن النَّهْي عَنهُ لغيره لَا لذات العقد
قُلْنَا لِأَن تَسْلِيم الْمَبِيع فِيهِ مَمْنُوع شرعا والممتنع شرعا كالممتنع حسا فَكَانَ الْمَبِيع غير مَقْدُور على تَسْلِيمه وَذَلِكَ شَرط فِي صِحَة البيع
стр. 122
فَإِن قيل يرد عَلَيْهِ أَيْضا بطلَان نِكَاح الْمحرم فَإِن الْمنْهِي عَنهُ لكَونه وَسِيلَة إِلَى الْوَطْء الْمحرم حَالَة الْإِحْرَام قُلْنَا لَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ من الْمنْهِي عَنهُ لوصفه اللَّازِم بِدَلِيل النَّهْي لَهُ أَيْضا عَن أَن ينْكح غَيره أَو أَن يخْطب فَهُوَ كالنهي عَن الصَّلَاة بِغَيْر وضوء وَالْإِحْرَام بِالنِّسْبَةِ إِلَى العقد كالحدث بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلَاة
وَقد ذكر الْمَالِكِيَّة فرعا حسنا لم أره مسطورا فِي كتب أَصْحَابنَا وَهُوَ مَا إِذا لبس الْمحرم الْخُف مُتَعَدِّيا بِهِ ثمَّ تَوَضَّأ وَمسح عَلَيْهِ فَقَالُوا لَا تصح طَهَارَته وَفرقُوا بَينه وَبَين الماسح على الْخُف الْمَغْصُوب بِأَن الماسح على الْخُف الْمَغْصُوب مُخَيّر بَين الْغسْل وَالْمسح على الْخُف فِي الْجُمْلَة غَايَة الْأَمر أَنه تعدى بِاسْتِعْمَال الْمَغْصُوب وَمسح عَلَيْهِ وَكَانَ النَّهْي فِي المجاور كَمَا مر فِي نَظَائِره وَأما الْمحرم فَإِنَّهُ لم يُؤمر حَالَة الْإِحْرَام إِلَّا بِغسْل الرجل وَلم يُخَيّر بَينه وَبَين الْمسْح فَإِذا لبس الْخُف وَمسح عَلَيْهِ لم يَأْتِ بالمأمور بِهِ فَلم تصح طَهَارَته وَهُوَ فرق حسن وَبحث صَحِيح وَلَا يَتَعَدَّ أَن يتَخَرَّج على قَوَاعِد الشَّافِعِيَّة
وَالْحَاصِل أَن النَّهْي مَتى ظهر فِيهِ أَنه لأمر خارجي لم يكن دَالا على الْفساد وَإِذا لم يظْهر فِيهِ ذَلِك حمل على الْفساد سَوَاء تحقق فِيهِ أَنه لعين الْمنْهِي عَنهُ أَو لوصفه اللَّازِم أَو لم يتَحَقَّق ذَلِك كنهيه ﷺ عَن بيع الطَّعَام حَتَّى يجْرِي فِيهِ الصاعان وَالله سُبْحَانَهُ أعلم
стр. 123
الْفَصْل الْخَامِس
فِي الْبَحْث مَعَ الْحَنَفِيَّة فِي دلَالَة النَّهْي على الصِّحَّة وَقد تقدم أَنهم لَا يَقُولُونَ بذلك فِي جَمِيع المناهي بل فِي الْمنْهِي عَنهُ لوصفه اللَّازِم وَإِن كَانَ جمَاعَة من الْأَئِمَّة المصنفين أطْلقُوا القَوْل عَنْهُم بذلك وَالْكَلَام فِي أبحاث
الْبَحْث الأول فِي أَن النَّهْي لَا يدل على الصِّحَّة أصلا وَبَيَانه من وَجْهَيْن الأول أَنه لَو دلّ على الصِّحَّة لدل إِمَّا بِلَفْظِهِ أَو بِمَعْنَاهُ وَالْقطع حَاصِل بِأَنَّهُ لَا يدل عَلَيْهِ بِلَفْظِهِ وَأما أَنه لَا يدل عَلَيْهِ بِمَعْنَاهُ فَلِأَن شَرط الدّلَالَة المعنوية اللُّزُوم إِمَّا قطعا أَو ظَاهرا وَالتَّحْرِيم لَا يسْتَلْزم الصِّحَّة لَا قطعا وَلَا ظَاهرا بل هُوَ مُسْتَلْزم لعدمها لما بَيناهُ فِي الْوُجُوه الدَّالَّة على أَن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد وَأَن مَقْصُود التَّحْرِيم أَن لَا يُوجد الْفِعْل وَالْقَوْل بِالصِّحَّةِ مضاد لهَذَا الْمَقْصُود لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الْوُجُود
وَمن وَجه آخر أَن كَون التَّصَرُّف صَحِيحا يلْزم مِنْهُ كَونه مَشْرُوعا وَمن ضَرُورَة كَونه مَشْرُوعا كَونه مرضيا قَالَ الله تَعَالَى ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا﴾ الْآيَة وَكَون الْفِعْل محرما مَنْهِيّا عَنهُ يُنَافِي هَذَا الْوَصْف وَإِن كَانَ دَاخِلا فِي الْمَشِيئَة وَالْقَضَاء الأزلي إِذْ لَا يلْزم من ذَلِك
стр. 124
الرِّضَا فَإِن الْكفْر وَسَائِر الْمعاصِي وَاقعَة بِقَضَاء الله وَقدره وَلَا يرضى بهَا وَإِذا ثَبت التَّنَافِي بَين التَّحْرِيم وَالصِّحَّة لم يكن النَّهْي دَالا على الصِّحَّة بطرِيق اللُّزُوم أصلا بل هُوَ دَال على نقيضها كَمَا بَيناهُ فِيمَا تقدم
الثَّانِي أَنا أجمعنا على وجود النَّهْي حَيْثُ لَا صِحَة كالنهي عَن بيع المضامين والملاقيح وحبل الحبلة وكالنهي عَن الصَّلَاة فِي أَيَّام الْحيض بقوله ﷺ دعِي الصَّلَاة أَيَّام أَقْرَائِك وكالنهي عَن نِكَاح مَا نكح الْآبَاء إِلَى غير ذَلِك من المناهي فَلَو كَانَ النَّهْي مقتضيا للصِّحَّة لَكَانَ
стр. 125
تخلف الصِّحَّة مَعَ وجود النَّهْي على خلاف مُقْتَضى الدَّلِيل وَلَا ريب أَن ذَلِك على خلاف الأَصْل سَوَاء كَانَ لمعارض أَو لَا لمعارض بل نقُول الأَصْل عدم الْمعَارض وان أبدي إِجْمَاع فِي هَذِه الصُّور فَالظَّاهِر أَنه مُسْتَند إِلَى النَّهْي إِذْ لَا إِجْمَاع إِلَّا عَن مُسْتَند وَلم يزل الْعلمَاء يستدلون على الْفساد بِالنَّهْي عَنْهَا كَمَا تقدم فَتكون هَذِه المناهي مُسْتَند الْإِجْمَاع
وَلَا يرد على ذَلِك الْمَوَاضِع الَّتِي حكم فِيهَا بِالصِّحَّةِ مَعَ النَّهْي عَنْهَا لأَنا نقُول لَيْسَ شَيْء من ذَلِك مَنْهِيّا عَنهُ لعَينه وَلَا لوصفه اللَّازِم بل كلهَا من الْمنْهِي عَنهُ لأمر خارجي جاوره وكلامنا فِي الْقسمَيْنِ الْأَوَّلين فالنقض إِنَّمَا يرد على الْمَالِكِيَّة فِي إثباتهم شُبْهَة الصِّحَّة فِي بعض الصُّور كَمَا تقدم
فَإِن قيل قد الصِّحَّة أثبتم فِيمَا إِذا أحرم مجامعا مَعَ ارتكابه الْمنْهِي عَنهُ قُلْنَا هُوَ وَجه مَرْجُوح لبَعض الْأَصْحَاب وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَلنَا وَجْهَان آخرَانِ أَحدهمَا أَنه لَا ينْعَقد إِحْرَامه أصلا كَمَا لَا تَنْعَقِد الصَّلَاة مَعَ الْحَدث وَهَذَا هُوَ الْأَصَح
وَالثَّانِي أَنه ينْعَقد فَاسِدا كَمَا لَو جَامع بعد انْعِقَاد الْإِحْرَام فَإِنَّهُ يفْسد إِحْرَامه وَيجب عَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة والمضي فِي إتْمَام هَذَا الْفَاسِد وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَاحْتج مُحَمَّد بن الْحسن رَحمَه الله تَعَالَى لِأَن النَّهْي يَقْتَضِي الصِّحَّة
стр. 126
بِأَن صَوْم يَوْم الْعِيد وَأَيَّام التَّشْرِيق مَنْهِيّ عَنهُ وَالنَّهْي لَا يَقع عَمَّا لَا يتكون وقرروا هَذَا الْكَلَام بِوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَن الأَصْل فِي أَلْفَاظ الشَّارِع تنزيلها على عرفه وَعرف الشَّارِع فِي النَّهْي عَن الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالْبيع وَنَحْو ذَلِك إِنَّمَا هُوَ الْمُعْتَبر شرعا فَلَو لم يكن التَّصَرُّف الْمنْهِي عَنهُ كَذَلِك لَكَانَ الْمنْهِي عَنهُ غير الْأَمر الشَّرْعِيّ وَهُوَ مُمْتَنع
وَثَانِيهمَا أَن النَّهْي عَن غير الْمَقْدُور قَبِيح وعبث بِدَلِيل أَنه يقبح أَن يُقَال للأعمى لَا تبصر وللزمن لَا تمش لكَونه غير مُتَصَوّر مِنْهُ فَيكون النَّهْي عَن غير المتصور قبيحا وعبثا وَهُوَ غير جَائِز على الْحَكِيم فَيلْزم أَن يكون الْمنْهِي عَنهُ مُتَصَوّر الْوُقُوع وَيلْزم من ذَلِك صِحَّته
وَالْجَوَاب عَن الْمَذْكُور أَولا أَن الشَّرْعِيّ لَيْسَ مَعْنَاهُ هُوَ الْمُعْتَبر فِي نظر الشَّرْع فَإِن الشَّرْعِيّ قد يكون صَحِيحا وَقد يكون فَاسِدا وَالدَّلِيل على أَن الشَّرْعِيّ الْمنْهِي عَنهُ لَيْسَ هُوَ الصَّحِيح الْمُعْتَبر قَوْله ﷺ للحائض دعِي الصَّلَاة أَيَّام أَقْرَائِك فَإِن الصَّلَاة الْمنْهِي عَنْهَا هِيَ الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة لِأَن اللُّغَوِيَّة لَا ينْهَى عَنْهَا وَهَذِه الصَّلَاة الْمَأْمُور بِتَرْكِهَا فَاسِدَة غير مُعْتَبرَة فِي نظر الشَّرْع وَأَيْضًا لَو كَانَ المُرَاد بِالنَّهْي الشَّرْعِيّ الَّذِي يعْتَبر مَعْنَاهُ بِحَسب عرف الشَّرْع لزم دُخُول الْوضُوء وَغَيره فِي الشَّرَائِط فِي مُسَمّى الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة لِأَن كَونهَا شَرْعِيَّة إِنَّمَا يتَحَقَّق عِنْد اجْتِمَاع شرائطها
стр. 127
وَعَن الثَّانِي أَن الصِّحَّة على ثَلَاثَة أَقسَام صِحَة عقلية وَهِي إِمْكَان الشَّيْء وقبوله للوجود والعدم فِي نظر الْعقل كإمكان الْأَجْسَام والأعراض
وَصِحَّة عَادِية كالحركة الممكنة من الْقَادِر عَلَيْهَا مثل الْمُسَمّى أماما ويمينا وَشمَالًا دون الصعُود فِي الْهَوَاء
وَصِحَّة شَرْعِيَّة وَهِي للْإِذْن الشَّرْعِيّ فِي جَوَاز الْإِقْدَام على الْفِعْل والنزاع إِنَّمَا هُوَ فِي الصِّحَّة الشَّرْعِيَّة وَمَا ذَكرُوهُ فِي قَضِيَّة الْأَعْمَى والزمن دَلِيلا على الْعَبَث وَالْفساد إِنَّمَا هُوَ دَال على اشْتِرَاط الصِّحَّة العادية وَهِي مجمع على اعْتِبَارهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَة مَأْمُور بِهِ ومنهي عَنهُ وَلَا مَشْرُوع على الْإِطْلَاق إِلَّا وَفِيه الصِّحَّة العادية بل لم يَقع فِي اللُّغَة طلب وجود وَلَا عدم إِلَّا فِيمَا يَصح عَادَة فالدليل الَّذِي ذَكرُوهُ لَا يُجَامع صُورَة النزاع وَلَئِن سلمنَا أَن مَا ذَكرُوهُ يدل على الصِّحَّة الشَّرْعِيَّة فالامتناع فِي الْمنْهِي عَنهُ لم يَأْتِ من ذَاته حَتَّى يقبح النَّهْي عَنهُ بل إِنَّمَا جَاءَ من تَعْلِيق النَّهْي بِهِ فَلم يكن مُمْتَنعا شرعا إِلَّا بعد النَّهْي والمستقبح إِنَّمَا هُوَ النَّهْي عَن مُمْتَنع وُقُوعه قبل النَّهْي بِسَبَب آخر
سلمناه لَكِن مَا الْمَانِع من حمل النَّهْي على النّسخ كَمَا إِذا قَالَ الْمُوكل لوَكِيله لَا تبع هَذَا فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ نهيا فِي الصِّيغَة لكنه نسخ فِي الْحَقِيقَة لتِلْك الصِّحَّة السَّابِقَة ثمَّ إِن هَذَا منقوض بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات﴾ ﴿وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم﴾ وَقَوله ﷺ للحائض دعِي الصَّلَاة
стр. 128
أَيَّام أَقْرَائِك فَإِن كل ذَلِك مُمْتَنع شرعا وَقد منع مِنْهُ فَإِن قَالُوا يحمل النِّكَاح وَالصَّلَاة فِي هَذِه الصُّورَة وَمَا أشبههَا على الْمُسَمّى اللّغَوِيّ دون الشَّرْعِيّ
قُلْنَا قد خالفتم قَوْلكُم أَن الْمُمْتَنع لَا يمْنَع مِنْهُ لِأَن النِّكَاح اللّغَوِيّ الَّذِي هُوَ مُجَرّد الْوَطْء أَو العقد على اصْطِلَاح الْجَاهِلِيَّة مُمْتَنع فِي الشَّرْع ثمَّ قد منع مِنْهُ وَأَيْضًا يتَعَذَّر ذَلِك فِي دعِي الصَّلَاة أَيَّام أَقْرَائِك لِأَن مَفْهُوم الصَّلَاة اللّغَوِيّ إِنَّمَا هُوَ الدُّعَاء وَلَيْسَت الْحَائِض مَمْنُوعَة مِنْهُ
وَأجَاب الشَّيْخ الْمُوفق فِي الرَّوْضَة وَغَيره أَيْضا بِأَن حمل أَلْفَاظ الشَّارِع على الْحَقَائِق الشَّرْعِيَّة إِنَّمَا يلْزم فِي الْأَوَامِر فَإِن بِهَذَا الْحمل تتَحَقَّق صُورَة الْمَأْمُور بِهِ وَأما فِي النواهي فَلَا يلْزم بل الْمَقْصُود تصور الْأَفْعَال الْمَنْظُومَة ذهنا ثمَّ الْكَفّ عَنْهَا وَذَلِكَ كَاف فِي الِانْتِهَاء وَالله أعلم
стр. 129
الْبَحْث الثَّانِي فِي الْمنْهِي عَنهُ لوصفه وَقد تقدم أَن قاعدتهم فِيهِ فَسَاد ذَلِك الْوَصْف دون الْمنْهِي عَنهُ وَأَن الشَّافِعِي وَمن وَافقه من الْجُمْهُور قَالُوا تَحْرِيم الشَّيْء لوصفه مضاد لوُجُوب أَصله فَيَقْتَضِي الْفساد ظَاهرا كالمنهي عَنهُ لعَينه
وَحَقِيقَة هَذَا الْخلاف ترجع إِلَى أَن الشَّارِع إِذا أَمر بِشَيْء مُطلقًا ثمَّ نهى عَنهُ فِي بعض أَحْوَاله فَهَل يَقْتَضِي ذَلِك النَّهْي إِلْحَاق شَرط بالمأمور بِهِ حَتَّى يُقَال أَنه لَا يَصح بِدُونِ ذَلِك الشَّرْط وَيصير الْفِعْل الْوَاقِع بِدُونِهِ كَالْعدمِ كَمَا فِي الْفِعْل الَّذِي اخْتَلَّ مِنْهُ شَرطه الثَّابِت شرطيته بِدَلِيل آخر أم لَا يكون كَذَلِك
ومثاله الْأَمر بِالصَّوْمِ وَالنَّهْي عَن إِيقَاعه يَوْم النَّحْر وَالْأَمر بِالطّوافِ وَالنَّهْي عَنهُ مَعَ الْحَدث فِي قَوْله ﷺ لعَائِشَة ﵂ لما حَاضَت افعلي الْمَنَاسِك كلهَا غير أَن لَا تطوفي فِي الْبَيْت وَأمر بِالصَّلَاةِ ثمَّ نهى عَن إيقاعها فِي الْأَوْقَات الْخَمْسَة وَشرع البيع مُطلقًا ثمَّ نهى عَن الرِّبَوِيّ مُتَفَاضلا إِلَى غير ذَلِك من الصُّور فالشافعي وَالْجُمْهُور قَالُوا إِن النَّهْي على هَذَا الْوَجْه يَقْتَضِي الْفساد وإلحاق شَرط بالمأمور لَا تثبت صِحَّته بِدُونِهِ
وَذَهَبت الْحَنَفِيَّة إِلَى تَخْصِيص الْفساد بِالْوَصْفِ الْمنْهِي عَنهُ دون الأَصْل المتصف بِهِ حَتَّى لَو أَتَى بِهِ الْمُكَلف على الْوَجْه الْمنْهِي عَنهُ يكون صَحِيحا بِحَسب الأَصْل فَاسِدا بِحَسب الْوَصْف إِن كَانَ ذَلِك النَّهْي نهي فَسَاد وَإِلَّا
стр. 130
فمجرد النَّهْي عَنهُ لَا يدل على الْفساد بل على الصِّحَّة كَمَا تقدم فَإِذا نذر الرجل صَوْم يَوْم النَّحْر ينْعَقد نَذره عِنْدهم وَيجب عَلَيْهِ إِيقَاعه فِي غير يَوْم النَّحْر فَإِن أوقعه فِيهِ كَانَ محرما وَيَقَع عَن نَذره وَيصِح
وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي طواف الْحَائِض أَنه يحرم عَلَيْهَا الطّواف ويجزئها عَن طواف الْفَرْض حَتَّى يَقع التَّحَلُّل بِهِ وَإِذا بَاعَ درهما بِدِرْهَمَيْنِ بَطل العقد فِي الدِّرْهَم الزَّائِد وَصَحَّ فِي الْقدر الْمسَاوِي وَهَذَا معنى قَوْلهم صَحِيح بِأَصْلِهِ فَاسد بوصفه وَإِنَّمَا حكمُوا بِبُطْلَان صَلَاة الْمُحدث لقِيَام الدَّلِيل الدَّال على أَن الطَّهَارَة شَرط فِي صِحَة الصَّلَاة أما من الْإِجْمَاع أَو من قَوْله ﷺ لَا يقبل الله صَلَاة أحدكُم إِذا أحدث حَتَّى يتَوَضَّأ وَنَحْوه وَلَهُم فِي ذَلِك مأخذان
أَحدهمَا قَالُوا أَن الْمنْهِي عَنهُ فِي يَوْم النَّحْر هُوَ إِيقَاع الصَّوْم فِيهِ لَا الصَّوْم الْوَاقِع وهما مفهومان متغايران فَلَا يلْزم من تَحْرِيم الْإِيقَاع تَحْرِيم كَمَا أَنه لم يلْزم من تَحْرِيم الْكَوْن فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة تَحْرِيم نفس الصَّلَاة لما كَانَ المفهومان متغايرين
الثَّانِي مَا تقدم أَن النَّهْي يسْتَلْزم تصور حَقِيقَته الشَّرْعِيَّة فَيَقْتَضِي ذَلِك الصِّحَّة والمنهي عَنهُ قَبِيح لذاته وَذَلِكَ قَائِم بِالْوَصْفِ لَا بِالْأَصْلِ فَيجب
стр. 131
الْعَمَل بِمُقْتَضى الْأَصْلَيْنِ فَيكون صَحِيحا بِأَصْلِهِ لمشروعيته فَاسِدا بوصفه لقبحه
واعترضوا على الْجُمْهُور بِوَطْء الْحَائِض فَإِنَّهُ مَنْهِيّ عَنهُ لوصفه وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ آثاره من تَكْمِيل الْمهْر بِوُجُوب الْعدة وَثُبُوت الْإِحْصَان وَغير ذَلِك وبالطلاق فِي حَالَة الْحيض أَيْضا فَإِنَّهُ مَنْهِيّ عَنهُ لوصفه وَينفذ اتِّفَاقًا وبذبح شَاة الْغَيْر بِدُونِ إِذْنه فَإِنَّهُ محرم ويفيد ذَكَاته الْحل أَيْضا
وَحجَّة الْجُمْهُور الْأَدِلَّة الْمُتَقَدّمَة الدَّالَّة على أَن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد وَتَحْقِيق القَوْل فِي ذَلِك يرجع إِلَى بَيَان التضاد بَين الْأَمر وَالنَّهْي فِي هَذِه الصُّور الْمُتَقَدّمَة
وَبَيَانه أَن السَّيِّد إِذا قَالَ لعَبْدِهِ آمُرك بالخياطة وأنهاك عَنْهَا فَلَا ريب فِي أَن ذَلِك متناقض يُؤَدِّي إِلَى الاستحالة كَمَا تقدم فَلَو قَالَ لَهُ آمُرك بالخياطة وأنهاك عَن دُخُول الدَّار كَانَ ذَلِك معقولا فَإِذا أَتَى العَبْد بالخياطة دَاخل الدَّار صَحَّ فِيهِ أَن يُقَال أطاعه وَعَصَاهُ كَمَا بَيناهُ فِي مَسْأَلَة الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة
ولاريب فِي هذَيْن الْقسمَيْنِ وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي الْقسم الْمُتَوَسّط بَين هذَيْن وَهُوَ أَن يَقُول آمُرك بالخياطة وأنهاك عَن إيقاعها وَقت الزَّوَال فَإِذا خاط وَقت الزَّوَال فَهَل جمع بَين الْمَطْلُوب والمنهي عَنهُ أَو مَا أَتَى بالمطلوب الَّذِي يظْهر انه مَا أَتَى بالمطلوب فَإِن الْمنْهِي عَنهُ هُوَ الْخياطَة الْوَاقِعَة وَقت الزَّوَال لَا الْوُقُوع فِي وَقت الزَّوَال مَعَ بَقَاء الْخياطَة مَطْلُوبَة إِذْ لَيْسَ الْوُقُوع فِي الْوَقْت شَيْئا مُنْفَصِلا عَن الْوَاقِع وَلَو كَانَت الْخياطَة مَطْلُوبَة فِي كل
стр. 132
وَقت للَزِمَ من ذَلِك أَن تكون مَطْلُوبَة وَقت الزَّوَال ومنهيا عَنْهَا فِي ذَلِك الْوَقْت فيجتمع الْمحَال
وَأَيْضًا فَكل عَرَبِيّ يفهم من قَول الْقَائِل أَنهَاك عَن إِيقَاع الصَّوْم فِي يَوْم النَّحْر مَا يفهم من قَوْله أَنهَاك عَن صَوْم يَوْم النَّحْر من تَحْرِيم صَوْمه مُطلقًا وَلَا شكّ فِي أَن هَذَا مضاد لوُجُوب صَوْمه بل لصِحَّته وانعقاده
وَبِهَذَا فَارق الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمَفْهُوم من النَّهْي عَن الْغَصْب أَو من النَّهْي عَن اللّّبْث فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة عين مَا هُوَ الْمَفْهُوم من النَّهْي عَن الصَّلَاة حَتَّى يلْزم من فَسَاد صَوْم يَوْم النَّحْر فَسَاد الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَأَيْضًا لَا يُمكن الْجمع بَينهمَا عِنْد الْحَنَفِيَّة فَإِنَّهُم وَإِن قَالُوا بِصِحَّة الصَّوْم فِي يَوْم النَّحْر فَلَيْسَ على الْإِطْلَاق بل هُوَ مُخْتَصّ عِنْدهم بالمنذور دون غَيره من أَنْوَاع الصّيام وَالصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة صَحِيحَة مُطلقًا لَا تخْتَص بِصَلَاة دون صَلَاة فَهَذَا يُوجب الاقتران أَيْضا فِي أصل الحكم
وَأما قَوْلهم أَن النَّهْي عَن الشَّيْء يسْتَلْزم تصور حَقِيقَته الشَّرْعِيَّة فقد تقدم الْجَواب عَنهُ ثمَّ أَن هَذَا منقوض بِمَا تقدم ذكره من بطلَان صَلَاة الرجل إِذا حاذته الْمَرْأَة فِي موقفه وَبطلَان صَلَاة من عَلَيْهِ قَضَاء أَربع صلوَات فَمَا دونهَا وَلَا جَوَاب لَهُم عَن هذَيْن فَإِنَّهُ لَو ثَبت فِي ذَلِك نهي خَاص كَانَ نهيا عَنهُ لوصفه كَالصَّوْمِ فِي يَوْم النَّحْر قطعا وَكَذَلِكَ قَوْلهم فِي بطلَان نِكَاح الْمُتْعَة ولافرق بَينه وَبَين نِكَاح الشّغَار وَكَذَلِكَ بطلَان بيع المضامين والملاقيح وَالصُّوف على ظهر الْغنم والجذع فِي السّقف وضربة الغائص مَعَ تَصْحِيح بيع الرِّبَوِيّ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا فِي الْقدر الْمسَاوِي والمقترن بِالشّرطِ
стр. 133
الْفَاسِد مَعَ حذف ذَلِك الشَّرْط فَإِنَّهُ لَا فرق بَين هَذِه الصُّورَة إِلَّا مَا ذَكرُوهُ من الْإِضَافَة إِلَى غير مَحل فِي بيع الْحر والمضامين والملاقيح وَنَحْو ذَلِك وان مَا عدا ذَلِك يرجع إِلَى الْوَصْف وَهُوَ فرق اصطلاحي لَا يزِيد على كَونه عين الْمُتَنَازع فِيهِ فَإِن قيل النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي الْمقْبرَة وَالْحمام وَغَيرهمَا من الْأَمَاكِن الْمَكْرُوهَة توجه النَّهْي إِلَى الصَّلَاة وَهُوَ نهي عَنْهَا لوصفها فَلم قُلْتُمْ بِصِحَّتِهَا
قُلْنَا لِأَن النَّهْي إِنَّمَا تعلق بهَا لأمر خارجي مجاور لَهَا فَكَانَ كَالْبيع وَقت النداء وَهَذَا هُوَ الْجَواب عَن الطَّلَاق فِي حَالَة الْحيض وَالْوَطْء فِيهِ فَإِن ذَلِك للمجاور أَيْضا كَمَا تقدم أَن النَّهْي عَن الطَّلَاق فِي حَالَة الْحيض لما فِيهِ من تَطْوِيل الْعدة وَفِي الطُّهْر الَّذِي جَامعهَا فِيهِ لما يخْشَى من النَّدَم عِنْد ظُهُور الْوَلَد وَعَن الْوَطْء فِي الْحيض لما فِيهِ من مُلَابسَة الدَّم
وَأما ذبح ملك الْغَيْر بِدُونِ إِذْنه فقد أجَاب عَنهُ ابْن الْحَاجِب وَعَن الصُّور الْمَذْكُورَة آنِفا أَيْضا بِأَن اقْتِضَاء النَّهْي عَن الشَّيْء لوصفه الْفساد إِنَّمَا هُوَ على وَجه الظُّهُور لَا الْقطع وَهَذِه الصُّور مُسْتَثْنَاة بِدَلِيل خارجي كَمَا فِي الْمَوَاضِع الَّتِي صرف فِيهَا النَّهْي عَن حَقِيقَته إِلَى مجازه من الْكَرَاهَة والعموم عَن ظَاهره إِلَى الْخُصُوص وَنَحْوه
стр. 134
وَنحن قد بَينا أَن طَلَاق الْحَائِض ووطأها من الْمنْهِي عَنهُ لغيره فَلَا يحْتَاج الِاسْتِثْنَاء لدَلِيل إِلَّا ذبح شَاة الْغَيْر
قَالُوا فصوم يَوْم النَّحْر مَنْهِيّ عَنهُ أَيْضا لغيره الْخَارِج عَنهُ وَهُوَ ترك إِجَابَة دَعْوَة الله بِالْأَكْلِ فِي هَذَا الْيَوْم والإعراض عَن الْوَظِيفَة الْمَوْضُوعَة فِي هَذَا الْوَقْت من الله سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ
قُلْنَا إِن ثَبت أَن هَذَا الْمَعْنى هُوَ الْمُقْتَضِي لتَحْرِيم الصَّوْم فَهُوَ وَارِد عَلَيْكُم لِأَن الصَّوْم نقيض الْأكل الْمَطْلُوب فَكيف يُقَال أجب دَعْوَة الله وكل وَالصَّوْم يَقع مِنْك عبَادَة ولاريب فِي أَن هَذَا متناقض فَإِن قيل فَلم انْعَقَدت الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْخَمْسَة أما مُطلقًا على قَول أَو ذَات السَّبَب بِاتِّفَاق الْأَصْحَاب
قُلْنَا أما القَوْل بانعقادها فقد تقدم أَن لَهُ أحد مأخذين أما حمل النَّهْي على الْكَرَاهَة والمقتضي للْفَسَاد إِنَّمَا هُوَ نهي التَّحْرِيم وَأما صرف النَّهْي إِلَى أَمر خارجي عَن ذَات الصَّلَاة ووصفها وَذَلِكَ لما فِيهِ من التَّشَبُّه فِي الْأَوْقَات بالكفار وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ مَعْرُوف فِي كتب الْفِقْه
وَأما ذَات السَّبَب فبالدليل الْمُقْتَضِي لاستثنائها عَن بَقِيَّة الصَّلَوَات كَمَا هُوَ مُقَرر فِي مَوْضِعه فَهُوَ كذبح شَاة الْغَيْر وَلَا يخرج بذلك أصل النَّهْي عَن اقْتِضَاء الْفساد كَمَا تقدم
خَاتِمَة من أقوى مَا يتَمَسَّك فِي إبِْطَال قَاعِدَة الْحَنَفِيَّة هَذِه أَن أصلهم المستقر أَن الْمنْهِي عَنهُ قَبِيح شرعا كَمَا أَن الْمَأْمُور بِهِ حسن شرعا وَأَن
стр. 135
الأَصْل أَن يكون الْقبْح قَائِما بالمنهي عَنهُ إِلَى أَن يثبت بِدَلِيل أَنه منصرف إِلَى غَيره لِأَن الْكَمَال فِي صفة الْقبْح أَن يكون فِي الْمنْهِي عَنهُ لَا فِي غَيره كَمَا فِي جَانب الْأَمر الْحسن الشَّرْعِيّ قَائِم بالمأمور بِهِ لَا بِغَيْرِهِ إِلَّا أَن يدل دَلِيل على خلاف ذَلِك فَإِن صرف هَذَا إِلَى كَون النَّهْي رَاجعا إِلَى الْوَصْف دون الأَصْل خُرُوج عَن الأَصْل
هَذَا مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كتبهمْ فعلى هَذَا يُقَال جَمِيع المناهي الَّتِي حكمُوا فِيهَا بِفساد الْوَصْف دون الأَصْل وَجعلُوا النَّهْي رَاجعا إِلَى الْوَصْف لم يرد النَّهْي فِيهَا من الشَّارِع إِلَّا على ذَات الأَصْل كنهيه ﷺ عَن صَوْم يَوْم الْعِيدَيْنِ
وَعَن بيع وَشرط وَعَن نِكَاح الشّغَار وَأَمْثَاله وَلم
стр. 136
يرد النَّهْي عَن الْوَصْف خَاصَّة إِلَّا أَن يكون نَادرا فَيكون جعلهم النَّهْي فِي هَذِه كلهَا رَاجعا إِلَى الْوَصْف دون الأَصْل مجَازًا وَالْأَصْل خِلَافه إِلَى أَن يثبت ذَلِك بِدَلِيل وَلم يثبت من السّنة وَلَا من إِجْمَاع الْأمة مَا يَقْتَضِي هَذِه الْقَاعِدَة أصلا بل ثَبت فِي الحَدِيث خلَافهَا كَمَا تقدم من إِبْطَاله ﷺ بيع القلادة فِي زمن خَيْبَر وَلم يصحح العقد فِي الْقدر الْمسَاوِي ويبطله فِي الْقدر الزَّائِد وَكَذَلِكَ رده ﷺ التَّمْر الَّذِي اشْترى لَهُ الصَّاع بالصاعين وَلم يبين لَهُم أَن العقد يَصح فِي الْقدر الْمسَاوِي دون غَيره بل ابطل البيع بِالْكُلِّيَّةِ فَلَو كَانَ الشَّرْع يَقْتَضِي تَصْحِيح العقد على الْوَجْه الَّذِي ذَكرُوهُ لَكَانَ فِي هَذِه الصُّور وأمثالها تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة إِذْ لم يبين ذَلِك فِي وَقت أصلا وَلَا يجدونه مَنْقُولًا الْبَتَّةَ فَهَذَا وَحده كَاف فِي الرَّد لهَذِهِ الْقَاعِدَة وَالله أعلم
الْبَحْث الثَّالِث فِي بَيَان الْفُرُوع الَّتِي تنشأ عَن هَذِه الْقَاعِدَة على أصولهم وأصول الْجُمْهُور الْمُخَالفين لَهُم
وَقد بَالغ الْحَنَفِيَّة فِي التَّخْرِيج على هَذَا الأَصْل حَتَّى عدوه إِلَى مَا لَيْسَ مِنْهُ على قاعدتهم فَقَالُوا إِن الزِّنَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حُرْمَة الْمُصَاهَرَة بَين أم الْمُزنِيّ بهَا وابنتها وَبَين الزَّانِي
وَأَن الْغَاصِب إِذا أدّى قيمَة الْمَغْصُوب إِلَى الْمَغْصُوب مِنْهُ عِنْد إدعاء الْهَلَاك
стр. 137
وَهُوَ كَاذِب فِي ذَلِك يملك الْمَغْصُوب بذلك وَإِن الْكفَّار إِذا استولوا على أَمْوَال الْمُسلمين ملكوها
وَالْحق أَن شَيْئا من هَذِه الْمسَائِل لَا ترجع إِلَى هَذَا الأَصْل لِأَن الزِّنَا وَالْغَصْب والاستيلاء من الْأَفْعَال الحسية وَلَا خلاف عِنْدهم أَن النَّهْي عَن الْأَفْعَال الحسية لانْتِفَاء المشروعية وَلِهَذَا لم يقل أحد بمشروعية الزِّنَا وَالْغَصْب وَقد تقدم أَن تفريقهم بَين الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَنَحْو ذَلِك وَبَين عقد البيع وَالنِّكَاح الفاسدين بِأَن الزِّنَا وَنَحْوه من الْأَفْعَال الحسية لَا حَاصِل تَحْتَهُ وَلَيْسَ ثمَّ دَلِيل من نقل أَو قِيَاس يَقْتَضِي هَذِه التَّفْرِقَة مَعَ أَن الْكل من الْأَفْعَال الحسية فَلم يبْق إِلَّا مُجَرّد اصْطِلَاح على خلاف الْمَعْنى الْمُنَاسب
وَقد تقرر فِيمَا تقدم أَن الْمعْصِيَة وَالصِّحَّة متنافيان لِأَن معنى الصِّحَّة ترَتّب الْآثَار الْمَشْرُوعَة على الشَّيْء فَلَا تَجْتَمِع المشروعية وَالْمَعْصِيَة فِي ذَات وَاحِدَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى معنى وَاحِد وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِي رَحْمَة الله عَلَيْهِ النِّكَاح أَمر حمدت عَلَيْهِ وَالزِّنَا أَمر رجمت عَلَيْهِ فَلم يجز أَن يعْمل أَحدهمَا عمل الآخر وَلَا يرد وَطْء الشُّبْهَة وَالْجَارِيَة الْمُشْتَركَة لِأَنَّهُمَا لَا يوصفان بِالتَّحْرِيمِ من كل وَجه
وَأما وجوب الْغسْل وَفَسَاد الصَّوْم وَالِاعْتِكَاف وَنَحْو ذَلِك بِهَذَا الْوَطْء فَذَاك غير مُخْتَصّ بِالزِّنَا بل هُوَ مترتب على خُرُوج الْمَنِيّ بِاخْتِيَارِهِ على أَي وَجه كَانَ حَتَّى بالإستمناء وَكَانَ يلْزمهُم أَن يَقُولُوا بِوُجُوب مهر مثل فِي الزِّنَا إِذا كَانَ بطواعية من الْحرَّة من جملَة آثاره وَلم يَقُولُوا بذلك
وأعجب من هَذَا كُله قَوْلهم إِن الزِّنَا لَا يحرم أصلا بِنَفسِهِ بل لكَونه سَبَب الْوَلَد وَإِن وجود المَاء الَّذِي هُوَ سَبَب الْوَلَد هُوَ الْمُقْتَضِي لتَحْرِيم الْمُصَاهَرَة وَوُجُود الْوَلَد لَا مَعْصِيّة فِيهِ وَلَا عدوان إِذْ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ
стр. 138
وَهَذَا كَلَام متناقض وَالَّذِي يَنْبَغِي الْقطع بِهِ أَن الزِّنَا محرم لذاته وَهُوَ الِاسْتِمْتَاع بِالْمحل الْمحرم وان لم يكن مظنه الْوَلَد كَوَطْء الصَّغِيرَة والآيسة الَّتِي لَا تَلد مثلهَا وهم حاولوا بذلك (تَخْرِيجه على أَن النَّهْي عَنهُ لَيْسَ لعَينه بل لوصفه وَكَانَ يلْزمهُم أَن يَقُولُوا فِيهِ بِالصِّحَّةِ بِنَاء) على أصلهم
وَمِمَّا خَرجُوا على هَذَا الأَصْل أَيْضا مَسْأَلَة العَاصِي بِسَفَرِهِ وانه يجوز لَهُ التَّرَخُّص
قَالُوا لِأَن السّفر فِي نَفسه حسن مُبَاح والعصيان بِقطع الطَّرِيق وَنَحْوه مجاور لَهُ فَكَانَ كَالْبيع وَقت النداء وَهَذَا مَمْنُوع بل الْمحرم هُوَ نفس السّفر كَمَا فِي الصَّوْم يَوْم الْعِيد سَوَاء وَإِذا كَانَت الْمعْصِيَة حَاصِلَة بِنَفس السّفر فَلَا يكون هَذَا السّفر سَببا للرخص الشَّرْعِيّ لما بَينا من التَّنَافِي بَين الْمعْصِيَة وَالصِّحَّة الْمَشْرُوعَة فصرفهم الْمعْصِيَة إِلَى المجاور لَيْسَ بِصَحِيح وَكَذَلِكَ قَوْلهم فِيمَا إِذا بَاعَ بِخَمْر أَو خِنْزِير أَن الْخلَل لَيْسَ فِي ركن البيع وَمحله بل فِي الثّمن الَّذِي هُوَ تَابع وَهُوَ كَونه مَالا غير مُتَقَوّم ففسد البيع بوصفه دون أَصله وَوَجَب ثمن الْمثل وَكَذَلِكَ فِي بيع الرِّبَوِيّ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا وَلَا ريب فِي أَن الثّمن من الْأَركان الْمَقْصُودَة فِي البيع فِي نظر الشَّارِع وَلِهَذَا ابطل بيع القلادة وَالتَّمْر الَّذِي بيع مُتَفَاضلا
ثمَّ فرقوا بَين هَذَا وَبَين بيع الملاقيح والمضامين وَمَا قَالُوا فِيهِ بِبُطْلَان البيع بَان البيع فِي هَذِه الصُّور أضيف إِلَى غير مَحَله فَلم ينْعَقد
стр. 139
قُلْنَا وَكَذَلِكَ إِذا بَاعَ بِخَمْر أَو ميتَة وَنَحْو ذَلِك أَو اشْترى بِهِ أضيف فِيهِ البيع إِلَى غير مَحَله وَقد سلك الْبَزْدَوِيّ وَغَيره من أئمتهم فِي هَذَا الْموضع طَرِيقا عجبا وَهُوَ انهم قَالُوا بِصِحَّة طواف الْحَائِض مَعَ التَّحْرِيم دون صلاه الْمُحدث ففرقوا بَينهمَا بَان طواف الْمُحدث ورد فِيهِ مُجَرّد النَّهْي وَهُوَ يَقْتَضِي الصِّحَّة على أصلهم بِخِلَاف الصَّلَاة فَإِنَّهُ ورد فِيهَا النَّفْي مثل (لَا صَلَاة إِلَّا بِوضُوء) وَالنَّفْي يَقْتَضِي الْعَدَم فَيكون بَاطِلا
وَلِهَذَا أَيْضا قَالُوا بِبُطْلَان النِّكَاح بِغَيْر شُهُود لما رووا عَنهُ ﷺ انه قَالَ لَا نِكَاح إِلَّا بِشُهُود
ثمَّ لما ورد عَلَيْهِم قَوْلهم بِبُطْلَان بيع الملاقيح والمضامين وَنِكَاح زَوْجَة الْأَب وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لم يرد فِيهِ إِلَّا مُجَرّد النَّهْي قَالُوا النَّهْي فِي هَذِه الصُّور مجَاز عَن النَّفْي لما بَينهمَا من المشابهة فَهُوَ مستعار لَهُ فَلذَلِك قُلْنَا فِيهِ بِالْبُطْلَانِ
وَهَذَا متهافت من وُجُوه أَحدهَا أَن تَقْدِير النَّفْي فِي بعض المناهي دون بعض من غير دَلِيل يدل عَلَيْهِ تحكم لَا وَجه لَهُ
стр. 140
وَثَانِيها أَن مَا ذَكرُوهُ من الحَدِيث لَا صَلَاة إِلَّا بِطهُور وَلَا نِكَاح إِلَّا بِشُهُود لم يثبت بل الثَّابِت فِي ذَلِك قَوْله ﷺ لَا يقبل الله صَلَاة أحدكُم إِذا أحدث حَتَّى يتَوَضَّأ وَفِي حَدِيث آخر لَا يقبل الله صَلَاة بِغَيْر طهُور فَإِن تعلقوا بِهَذَا وجعلوه فارقا بَين الصَّلَاة وَالطّواف لَزِمَهُم مثله فِي صَلَاة العَبْد الابق وشارب الْخمر لوُرُود مثل هَذِه الصِّيغَة فيهمَا
وَثَالِثهَا أَن اعْتِبَار النَّفْي دَلِيلا على الْبطلَان لَازم لَهُم فِي مثل قَوْله ﷺ لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب وَلَا صِيَام لمن لم يبيت الصّيام من اللَّيْل وَلَا نِكَاح إِلَّا بولِي وأشباهها من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الثَّابِتَة فِيهَا
стр. 141
صِيغَة النَّفْي وَقد قَالُوا فِيهَا بِالصِّحَّةِ بِدُونِ تِلْكَ الصّفة بل الحَدِيث الَّذِي تعلقوا بِهِ فِي بطلَان النِّكَاح بِغَيْر شُهُود لم يرد بِذكر الشُّهُود فَقَط بل مَعَ الْوَلِيّ فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ سلم نِكَاح إِلَّا بولِي وشاهدي عدل وَالنِّكَاح عِنْدهم يَصح بِدُونِ الْوَلِيّ وبمجرد حُضُور من لَيْسَ بِعدْل
وَمِمَّا فرعوا على أصلهم الْمُتَقَدّم فِي أَن الْمنْهِي عَنهُ مَشْرُوع بِأَصْلِهِ فَاسد بوصفه الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الثَّلَاثَة عِنْد الطُّلُوع والاستواء والغروب فَإِنَّهَا مُحرمَة عِنْدهم فِيهَا فَقَالُوا الصَّلَاة حَسَنَة لذاتها وَالْوَقْت صَحِيح بِأَصْلِهِ فَاسد بوصفه لمقارنة الشَّيْطَان الشَّمْس فِي هَذِه الْأَوْقَات فَصَارَت الصَّلَاة نَاقِصَة فَلَا يتَأَدَّى بهَا الْكَامِل وتضمن بِالشُّرُوعِ
وَقَالُوا فِي صِيَام يَوْم النَّحْر انه لَا يضمن بِالشُّرُوعِ يَعْنِي انه لَا يجب قَضَاؤُهُ إِذا شرع فِيهِ بنية التَّطَوُّع بل لَهُ الْخُرُوج مِنْهُ وان كَانَ منذورا ففرقوا بَين الْمَوْضِعَيْنِ مَعَ أَن فَسَاد كل مِنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى وقته وَقد ردوا النَّهْي فيهمَا إِلَى معنى خارجي وَقَالُوا بِأَن الصَّلَاة بعد الصُّبْح وَبعده الْعَصْر مَكْرُوهَة لَا مُحرمَة مَعَ انه ﷺ قَالَ لَا صَلَاة بعد الصُّبْح حَتَّى تطلع الشَّمْس وَلَا بعد الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس فَقَالُوا النَّفْي هُنَا لنفي الْكَمَال والفضيلة لَا لنفي الأَصْل فَلم يفوا بالقاعدة الْمُتَقَدّمَة فِي النَّفْي وَالْكَلَام فِي هَذِه الْفُرُوع وامثالها يطول وَفِيمَا ذكرنَا كِفَايَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 142
الْفَصْل السَّادِس
فِي لواحق وتتمات يذيل بهَا مَا تقدم وَفِيه تَنْبِيهَات
الأول أَن هَذِه الْمَسْأَلَة وَإِن كَانَت جزئية فَهِيَ من الْقَوَاعِد الْكِبَار الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا من الْفُرُوع الْفِقْهِيَّة مَا لَا يُحْصى وَقد اضْطَرَبَتْ فِيهَا الْمذَاهب وتشعبت الآراء وتباينت المطالب كَمَا بَيناهُ فِيمَا تقدم ثمَّ إِن كل الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين قد تنَاقض فِيهَا قَوْلهم وَلم يطردوا أصلهم الَّذِي اختاروه فِيهَا سوى الإِمَام الشَّافِعِي وَمن تَابعه
أما الْحَنَفِيَّة فقد تبين آنِفا تنَاقض طريقهم فِيهَا وَمَا ينْقض بِهِ عَلَيْهِم من الْمَوَاضِع الَّتِي قَالُوا فِيهَا بِالْبُطْلَانِ وَلَيْسَ ثمَّ سوى مُجَرّد النَّهْي عَن ذَلِك الشَّيْء لوصفه اللَّازِم كَنِكَاح الْمُتْعَة وَالنِّكَاح بِغَيْر شُهُود وَبيع الملاقيح والمضامين وضربة الغائص وَنَحْوهَا وكصلاة من عَلَيْهِ أَربع فوائت وَصَلَاة الرجل المحاذي للْمَرْأَة إِلَى غير ذَلِك
وَأما الْحَنَابِلَة وان طردوا القَوْل بِالْبُطْلَانِ فِي جَمِيع المناهي حَتَّى الْمُجَاورَة فقد نقضوا ذَلِك بتنفيذ الطَّلَاق فِي الْحيض وَفِي طهر جَامعهَا فِيهِ وإرسال الطَّلَاق الثَّلَاث دفْعَة وحلت ذبح شَاة الْغَيْر عُدْوانًا
والظاهرية وَإِن طردوا القَوْل بِالْفَسَادِ فِي هَذِه الصُّور أَيْضا فقد انْتقض قَوْلهم بِوَطْء الْحَائِض فَإِنَّهُ محرم وَمَعَ ذَلِك رتبوا عَلَيْهِ أَثَره من تَكْمِيل الْمهْر وَثُبُوت الْإِحْصَان وَغير ذَلِك
стр. 143
وَأما الْمَالِكِيَّة فقد قَالُوا إِن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد وطردوا ذَلِك إِلَّا فِي البيع الْفَاسِد إِذا وجد أحد الْأُمُور الْأَرْبَعَة الْمُتَقَدّم ذكرهَا فانهم حكمُوا فِيهَا بِالْملكِ للْمُشْتَرِي ورتبوا على الْفَاسِد بعض مَا يَتَرَتَّب على الصَّحِيح من الْآثَار
وَقد اعْترف الْقَرَافِيّ وَغَيره بِأَن الْمَالِكِيَّة لم يطردوا أصلهم فِي هَذَا الْموضع لَكِن زَاد الْقَرَافِيّ فِي شرح التَّنْقِيح فَذكر أَن الْحَنَفِيَّة طردوا أصلهم فِي قَوْلهم انه يدل على الصِّحَّة وان الشَّافِعِي وَاحْمَدْ بن حَنْبَل طردوا اصلهما فِي القَوْل بِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْفساد وَقد تبين آنِفا أَن الْحَنَفِيَّة والحنابلة لم يطردوا أصولهم فِي ذَلِك
وَأما الشَّافِعِي فَلم ينْتَقض قَوْله فِي الْمَسْأَلَة بِصُورَة أصلا لِأَنَّهُ قَالَ بِالْفَسَادِ فِي الْمنْهِي عَنهُ لعَينه أَو لوصفه اللَّازِم وان الْمنْهِي عَنهُ لغيره المجاور لَهُ لَا يَقْتَضِي فَسَادًا بل إِن دلّ دَلِيل من خَارج على فَسَاده فَذَاك لِمَعْنى آخر غير الْمنْهِي كَمَا بَينا فِي مَسْأَلَة التَّفْرِيق بَين الوالدة وَوَلدهَا فَكل فَكل مَوضِع ورد فِيهِ النَّهْي وَلم يقل الشَّافِعِيَّة بفساده لَا يرجع النَّهْي إِلَى عينه وَلَا إِلَى وَصفه اللَّازِم وَكلما رَجَعَ النَّهْي فِيهِ إِلَى أحد هذَيْن قَالَ فِيهِ بِالْفَسَادِ فقد طرد اصله فِي الْمَوَاضِع كلهَا مَعَ صِحَّته واعتضاده بالأدلة الراجحة حَسْبَمَا بَيناهُ فِيمَا تقدم وَللَّه الْحَمد والمنه
فَإِن قيل هَذَا منتقض بقَوْلهمْ فِي ذبح شَاة الْغَيْر عُدْوانًا أَنَّهَا تحل أكلهَا قُلْنَا وان سلم إِن النَّهْي رَاجع فِي هَذِه الصُّورَة إِلَى وصفهَا اللَّازِم فَعَنْهُ جوابان
стр. 144
أَحدهمَا أَن الْمُعْتَبر فِي حل الذَّبِيحَة كَون المذكي من أهل الذَّكَاة والآلة الَّتِي يذبح بهَا واما التَّعَدِّي بذلك فَذَاك أَمر خَارج لَا تعلق لَهُ بِأَصْل الذَّكَاة وَهِي بَاقِيَة على ملك مَالِكهَا والمتعدي بِالذبْحِ يلْزمه مَا نقص من قيمتهَا بالذكاة
فَلَو قَالَ الشَّافِعِي بِدُخُولِهَا فِي ملك الذَّابِح مَعَ ضَمَانهَا بِالْقيمَةِ كَانَ قد رتب على النَّهْي القَوْل بِالصِّحَّةِ فَإِن هَذَا هُوَ الْمُرَتّب على الْفِعْل الْمنْهِي عَنهُ فِي هَذَا الْموضع وَأما الْحل وَالتَّحْرِيم فَأمر آخر غير مُخْتَصّ بِهَذِهِ الصُّورَة وَهَذَا بِخِلَاف ذَكَاة الْمَجُوسِيّ والذكاة بِالسِّنِّ وَالظفر فان النَّهْي لما ورد فِي هَذِه الصُّور رَاجعا إِلَى الْوَصْف اللَّازِم قَالَ الشَّافِعِي بِفساد الذَّكَاة وَعدم الْحل طردا لأصله
الثَّانِي أَنا وان سلمنَا أَنه رتب فِي هَذِه الصُّورَة على الْمنْهِي عَنهُ أَثَره من الصِّحَّة فَذَاك لدَلِيل خارجي وَهُوَ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي قصَّة الْمَرْأَة الَّتِي ذبحت شَاة أَخِيهَا بِغَيْر إِذْنه وَأمر النَّبِي ﷺ بإطعامه الْأُسَارَى وَلم يَجْعَلهَا ميتَة فَكَانَ هَذَا الدَّلِيل مقدما على الْقَاعِدَة الْعَامَّة كَمَا فِي أَمْثَاله وَلَا يلْزم مِنْهُ بطلَان الْقَاعِدَة من اصلها وَلَا تنَاقض القَوْل بِغَيْر دَلِيل وَالله اعْلَم
الثَّانِي ذكر الْقَرَافِيّ فِي كِتَابه الْقَوَاعِد مسالة الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَفرق بَينهَا وَبَين صَوْم يَوْم النَّحْر بِمَا تقدم ذكره
стр. 145
ثمَّ أورد على ذَلِك انه لَو نذر الصَّلَاة فِي الْبقْعَة الْمَغْصُوبَة لم ينْعَقد نَذره كَمَا لَا ينْعَقد نذر الصَّوْم يَوْم النَّحْر عِنْد الشَّافِعِيَّة والمالكية
فَأَما أَن يُقَال النَّهْي عَن الْوَصْف لَا يتَعَدَّى إِلَى الأَصْل فِي الْجَمِيع كَمَا قَالَت الْحَنَفِيَّة أَو يُقَال بتعديه إِلَى الأَصْل فِي الْكل كالحنابلة فان هذَيْن المذهبين طرفا نقيض فِي تَعْمِيم القَوْل بِالْفَسَادِ وَالْقَوْل بِالصِّحَّةِ وَمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ متوسط بَينهمَا فَيحْتَاج إِلَى الْفرق بَين الصُّور
ثمَّ ذكر الْقَرَافِيّ ﵀ فرقين أَحدهمَا بَين صَوْم يَوْم النَّحْر وَالصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة بِأَن النَّهْي إِذا توجه إِلَى عبَادَة مَوْصُوفَة دلّ على أَن تِلْكَ الْعِبَادَة عرية عَن الْمصلحَة الكائنة فِي الْعِبَادَة الَّتِي لَيست مَوْصُوفَة بِهَذِهِ الصّفة الْخَاصَّة والأوامر تتبع الْمصَالح فَإِذا ذهبت الْمصلحَة ذهب الطّلب وَحِينَئِذٍ لَا يبْقى الصَّوْم قربَة
وَأما الصَّلَاة فِي الْمَغْصُوب فَلم يَأْتِ النَّهْي عَنْهَا لكَونهَا صَلَاة إِنَّمَا ورد النَّهْي عَن مُطلق الْغَصْب وَجَاء فِي هَذِه الصَّلَاة صفة لَهَا بِحَسب الْوَاقِع مَعَ جَوَاز انفكاكها فِي غير هَذِه الصُّورَة فَبَقيت الصَّلَاة بِحَالِهَا مُشْتَمِلَة على مصلحَة الْأَمر فَكَانَ الْأَمر ثَابتا فَكَانَت قربَة
وَثَانِيهمَا بَين الْعُقُود وَالصَّلَاة فِي الْمَغْصُوب بِأَن انْتِقَال الْأَمْلَاك فِي
следующие страницы →