← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6355

تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد

صلاح الدين العلائي

Полный текст (152 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

تمسكهم فِي فَسَاد تِلْكَ الصُّور لمُجَرّد النهى لزم أَن يكون تخلف الحكم عَن هَذِه الصُّور الَّتِي قيل فِيهَا بِالصِّحَّةِ لمَانع هَذَا على خلاف الظَّاهِر وَالْأَصْل عَدمه بِخِلَاف مَا إِذا قُلْنَا بِأَن النَّهْي لمجرده لَا يَقْتَضِي الْفساد فَإِن حكمهم بِالْفَسَادِ فِي تِلْكَ الصُّور يكون لدَلِيل مُنْفَصِل وَلَيْسَ فِيهِ ترك للظَّاهِر فَكَانَ هَذَا أولى وَالْجَوَاب عَن ذَلِك أَن الصُّور الَّتِي حكمُوا فِيهَا بِالصِّحَّةِ مَعَ وُرُود النَّهْي لَيْسَ النَّهْي عَن شَيْء مِنْهَا لعَينه وَلَا لوصفه اللَّازِم فَلَا يتَوَجَّه بهَا نقض بل جَمِيع تِلْكَ الصُّور الَّتِي فِيهَا لأمر خارجي مجاور وَالْمُدَّعى أَن الصَّحَابَة ﵃ حكمُوا بِالْفَسَادِ فِي كل مَنْهِيّ عَنهُ لعَينه أَو لوصفه اللَّازِم وَهَذَا غير منتقض بِصُورَة من الصُّور حكم فِيهَا بِالصِّحَّةِ بل أَن من الْمنْهِي عَنهُ لغيره مَا أفتى فِيهِ بَعضهم بِالْفَسَادِ أَيْضا لكنه لم يتَّفق عَلَيْهِ بل خُولِفَ فِيهِ أما صُورَة من الصُّور المحتج لَهَا حكم فِيهَا صَحَابِيّ بِالصِّحَّةِ فَذَلِك لَا يُوجد وَمن ادَّعَاهُ فَعَلَيهِ الْبَيَان قَوْلهم أَن الحكم بِالْفَسَادِ يكون لدَلِيل مُنْفَصِل قُلْنَا نقطع بِأَن حكمهم بِهِ لمُجَرّد النَّهْي كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي الصُّور الْمُتَقَدّمَة وَغَيرهَا قَوْلهم أَنَّهَا أَخْبَار آحَاد قُلْنَا هِيَ متواترة فِي الْمَعْنى كشجاعة عَليّ وَوُجُود حَاتِم وأمثالهما كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِيمَا تقدم وكل هَذِه الصُّور الَّتِي ذَكرنَاهَا مروية الْأَسَانِيد فِي كتب الْأَئِمَّة فَهَذَا الْوَجْه وَحده كَاف بالمطلوب مُسْتَقل بإثباته وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 72

وَأما الْمَعْقُول فَمن وُجُوه الأول أَن النَّهْي اقْتِضَاء كف عَن فعل وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون لمقصود دَعَا الشَّارِع إِلَى طلب ذَلِك الْكَفّ أَو لَا لمقصود لَا جَائِز أَن يُقَال أَنه لَا لمقصود أما على أصُول الْمُعْتَزلَة فَلِأَنَّهُ عَبث والعبث قَبِيح وَلَا يصدر من الشَّارِع وَأما على أصُول أهل السّنة فَإنَّا وَإِن جَوَّزنَا خلو أَفعَال الله تَعَالَى عَن الحكم والمقاصد غير أَنا نعتقد أَن الْأَحْكَام الْمَشْرُوعَة لَا تَخْلُو عَن حِكْمَة ومقصود رَاجع إِلَى العَبْد لَكِن لَا بطرِيق الْوُجُوب بل بِحكم الْوُقُوع تفضلا فالإتفاق وَاقع على أَن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة لَا تَخْلُو من الْحِكْمَة وَسَوَاء ظَهرت لنا أَو لم تظهر وَبِتَقْدِير تَسْلِيم خلو بعض الْأَحْكَام عَن الْحِكْمَة فَلَا شكّ أَنه نَادِر وَالْغَالِب عدم خلوها عَن الْحِكْمَة وإدراج مَا وَقع عَلَيْهِ النزاع تَحت الْغَالِب هُوَ الأولى فَإِذا بَطل أَن يكون ذَلِك لَا لمقصود تعين أَن يكون لمقصود من الْحِكْمَة مُعْتَبر فَالْأَمْر يعْتَمد الْمصلحَة الْخَالِصَة أَو الراجحة وَالنَّهْي يعْتَبر الْكَفّ عَن الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة فَلَو قيل بِصِحَّة الْمنْهِي عَنهُ لَكَانَ سَببا للحكمة الْمَطْلُوبَة مِنْهُ فإمَّا أَن يكون مَقْصُود النَّهْي راجحا على مَقْصُود الصِّحَّة أَو مُسَاوِيا أَو مرجوحا لَا جَائِز أَن يكون مرجوحا إِذْ الْمَرْجُوح لَا يكون مَطْلُوبا مَقْصُودا فِي نظر الْعُقَلَاء وَالْغَالِب من الشَّارِع إِنَّمَا هُوَ التَّقْرِير

стр. 73

لَا التَّغْيِير وَمَا لَا يكون مَقْصُودا فَلَا يرد طلب الْكَفّ لأَجله وَإِلَّا كَانَ الطّلب خليا عَن الْحِكْمَة وَهُوَ مُمْتَنع كَمَا سبق وبمثل ذَلِك يمْتَنع أَن يكون مُسَاوِيا وَلما فِيهِ أَيْضا من التَّرْجِيح بِغَيْر مُرَجّح فَلم يبْق إِلَّا أَن يكون راجحا على مَقْصُود الصِّحَّة وَيلْزم من ذَلِك امْتنَاع الصِّحَّة وَعدم ترَتّب آثاره وَإِلَّا كَانَ الحكم بِالصِّحَّةِ خليا عَن حِكْمَة ومقصود ضَرُورَة كَون مقصودها مرجوحا وَذَلِكَ مُمْتَنع كَمَا سبق وَهُوَ الْمَطْلُوب هَذِه طَريقَة الإِمَام سيف الدّين الْآمِدِيّ فِي تَقْرِير هَذَا الدَّلِيل وغالبه عين كَلَامه وَقَررهُ الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ بطريقة أُخْرَى وَهِي أَن الْمنْهِي عَنهُ لَا يجوز أَن يكون منشئا للْمصْلحَة الْخَالِصَة أَو الراجحة وَإِلَّا لَكَانَ النَّهْي منعا من تِلْكَ الْمصلحَة وَأَنه لَا يجوز يَعْنِي على الْوَجْه الْمُتَقَدّم من قَول أهل السّنة أَن أَحْكَام الشَّرْع كلهَا أَو غالبها معللة بالمصالح وَالْحكم وَلِهَذَا كَانَت الْمُنَاسبَة عِلّة فِي الْقيَاس وَلَكِن ذَلِك لَيْسَ على وَجه الْوُجُوب بل على وَجه التفضل وَالْإِحْسَان فَلَزِمَ أَن يكون الْمنْهِي عَنهُ أحد أُمُور ثَلَاثَة وَهُوَ أَن يكون منشأ الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة أَو المساوية وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الْأَوليين يجب الحكم بِالْفَسَادِ لِأَنَّهُ إِذا لم يفْسد الحكم أصلا كَانَ عَبَثا والعاقل لَا يرغب فِي الْعَبَث ظَاهرا فَلَا يقدم عَلَيْهِ فَكَانَ القَوْل بِالْفَسَادِ

стр. 74

سعيا فِي إعدام تِلْكَ الْمفْسدَة وعَلى التَّقْدِير الثَّالِث وَهُوَ التَّسَاوِي يكون الْفِعْل أَيْضا عَبَثا وَهُوَ مَحْذُور عِنْد الْعُقَلَاء فَالْقَوْل بِالْفَسَادِ يُفْضِي إِلَى دفع الْمَحْذُور فَوَجَبَ القَوْل بِهِ هَذَا مَا قَرَّرَهُ ابْن الْخَطِيب وَذكره على وَجه الْمُعَارضَة من جَانب الْخصم الْقَائِل بِأَن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد فِي الْعُقُود أَيْضا وفخر الدّين لَا يَقُول بذلك إِلَّا فِي الْعِبَادَات فأورد هَذَا الدَّلِيل مَعَ غَيره على وَجه الْمُعَارضَة وَلم يعْتَرض عَلَيْهِ مَعَ أَنه اعْترض على غَيره من أَدِلَّة الْمعَارض وَاسْتدلَّ غَيره لبُطْلَان التَّسَاوِي المفضي إِلَى الْعَبَث بِأَنَّهُ إِذا تَسَاوَت الْمصلحَة والمفسدة لَا تبقى فَائِدَة مَطْلُوبَة فِي إِيجَاب فعله كَمَا لَا فَائِدَة فِي إِيجَاب تَركه لِأَن الْأَوَامِر كلهَا مُشْتَمِلَة على الْمصَالح أما الْخَالِصَة كالإيمان وَنَحْوه أَو الراجحة كالجهاد فَإِنَّهُ وَإِن تضمن إتعاب النُّفُوس واذهابها غَالِبا وَإِتْلَاف الْأَمْوَال فالمصلحة الْمَقْصُودَة بِهِ من إعلاء كلمة الْإِيمَان ومحو الْكفْر وتأمين الْمُسلمين فِي دِيَارهمْ وَغير ذَلِك راجحة على تِلْكَ الْمَفَاسِد وَكَذَلِكَ النواهي جَمِيعًا متضمنة لدرء الْمَفَاسِد أما الْخَالِصَة كالكفر وَالظُّلم وأشباههما أَو الراجحة كشرب الْخمر فَإِنَّهُ وَإِن تضمن مَنَافِع فالمفسدة الْخَالِصَة مِنْهُ راجحة على تِلْكَ الْمَنَافِع كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ فإيجاب

стр. 75

أحد المتساويين أَو تَحْرِيمه من غير مُرَجّح يكون عَبَثا فِي نظر الْعُقَلَاء كَمَا فِي إِبْدَال دِرْهَم بدرهم مثله من غير مَقْصُود مُعْتَبر وَالتِّجَارَة المتساوية ربحا وخسارة وأمثالهما عَبث والعبث على الله تَعَالَى محَال أما على أصُول الْمُعْتَزلَة فَظَاهر وَأما على أصلنَا فبالنظر إِلَى مَا أجْرى الله عَادَته بِهِ من رِعَايَة الْمصَالح فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَقرر بعض الْأَئِمَّة الْمُتَأَخِّرين هَذَا الدَّلِيل على وَجه آخر بعد ذكر تِلْكَ الْمُقدمَات وَهُوَ أَنه إِذا ثَبت أَن الْمنْهِي عَنهُ مُشْتَمل على الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة يجب أَن لَا يكون صَحِيحا لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن القَوْل بِالصِّحَّةِ يُفْضِي إِلَى حُصُول تِلْكَ الْمفْسدَة وَالْقَوْل بِالْفَسَادِ يُفْضِي إِلَى لَا حُصُولهَا وَاحْتِمَال حُصُول تِلْكَ الْمفْسدَة مَرْجُوح بِالنِّسْبَةِ إِلَى احْتِمَال لَا حُصُولهَا فِي نظر الشَّرْع لما سبق والمفضي إِلَى الْمَرْجُوح مَرْجُوح والمفضي إِلَى الرَّاجِح رَاجِح فَالْقَوْل بِالصِّحَّةِ مَرْجُوح بِالنِّسْبَةِ إِلَى القَوْل بِالْفَسَادِ وَلَا يَعْنِي بِكَوْن النَّهْي للْفَسَاد سوى هَذَا وَثَانِيهمَا الْقيَاس على جَمِيع المناهي الْفَاسِدَة وَالْجَامِع أَن القَوْل بِالْفَسَادِ سعي فِي إعدام تِلْكَ الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة بِالْكُلِّيَّةِ وَهَذِه الطَّرِيقَة الْأَخِيرَة ذكرهَا الْقَرَافِيّ على وَجه آخر وَهُوَ

стр. 76

الْوَجْه الثَّانِي من وُجُوه الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة وَهُوَ أَن الْمنْهِي عَنهُ فِي الْعِبَادَات غير الْمَأْمُور بِهِ فَإِذا أَتَى بالمنهي عَنهُ لم يَأْتِ بالمأمور بِهِ وَمن لم يَأْتِ بالمأمور بِهِ بَقِي عُهْدَة التَّكْلِيف وَهَذَا هُوَ المعني بقولنَا إِن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد فِي الْعِبَادَات وَأما فِي الْمُعَامَلَات فَلِأَن النَّهْي يعْتَمد وجود الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة فِي الْمنْهِي عَنهُ فَلَو ثَبت الْملك وَالْإِذْن فِي التَّصَرُّف لَكَانَ ذَلِك تقريرا لتِلْك الْمفْسدَة والمفسدة لَا يَنْبَغِي أَن تقرر وَإِلَّا لما ورد النَّهْي عَنْهَا والمقدر وُرُود النَّهْي عَنْهَا هَذَا خلف وَقِيَاسًا على الْعِبَادَات وَهَذَا وَإِن كَانَ قَرِيبا من الْوَجْه الأول لكنه مُغَاير لَهُ فِي الْحَقِيقَة وَقد اعْترض على الْوَجْه الأول بِأَن غَايَته أَن النَّهْي يُنَاسب نفي الصِّحَّة إِلَّا أَنه لَا يلْزم من ذَلِك نفي الصِّحَّة إِلَّا أَن يتَبَيَّن لَهُ شَاهد بالإعتبار وَإِذا تبين لَهُ شَاهد بالإعتبار يكون الْفساد لَازِما من جِهَة الْقيَاس لَا من لفظ النَّهْي وَلَا من مَعْنَاهُ وَهَذَا السُّؤَال وَارِد على أَصْحَاب الطَّرِيقَة الأولى وَأما من اعْتمد فِي ذَلِك الْقيَاس على الْعِبَادَات أَو على المناهي الَّتِي قيل بفسادها فَعَلَيْهِم اعتراضان آخرَانِ أَيْضا أَحدهمَا أَن الْقيَاس على المناهي الَّتِي حكم فِيهَا بِالْفَسَادِ إِنَّمَا يتم إِذا كَانَ قَائِل ذَلِك لم يعْتَمد فِي القَوْل بِالْفَسَادِ إِلَّا مُجَرّد النَّهْي فَأَما إِذا كَانَ ذَلِك لدَلِيل خارجي من نَص أَو إِجْمَاع فَلَا يرد عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك لِأَنَّهُ لم يحكم بِالْفَسَادِ لمُجَرّد النَّهْي

стр. 77

وَثَانِيهمَا ابداء الْفَارِق بَين الْمَقِيس والمقيس عَلَيْهِ قَالَ ابْن الْخَطِيب فِي الْمَحْصُول المُرَاد من الْفساد فِي الْعِبَادَات أَنَّهَا غير مجزئة وَالْمرَاد بِهِ فِي بَاب الْمُعَامَلَات أَنه لَا يُفِيد سَائِر الْأَحْكَام وَإِذا اخْتلف الْمَعْنى لم يتَوَجَّه أَحدهمَا نقضا على الآخر وَقرر بعض أَتْبَاعه هَذَا الْكَلَام أبسط من هَذَا فَقَالَ مَا ذكرنَا من الدَّلِيل الدَّال على فَسَاد الْعِبَادَة الْمنْهِي عَنْهَا لم يُوجد بِتَمَامِهِ فِي الْمُعَامَلَات فَلَا يرد نقضا وَلَا يَصح قِيَاس الْعُقُود على الْعِبَادَات وَوجه الْفرق انا عنينا بِفساد الْعِبَادَة الْمنْهِي عَنْهَا عدم إجزائها عَن الْمَأْمُور بِهِ ودللنا على ذَلِك بِأَن قُلْنَا الْآتِي بِالْعبَادَة الْمَأْمُور بهَا تَارِكًا للْمَأْمُور بِهِ فَوَجَبَ أَن يبْقى فِي عُهْدَة الْوَاجِب وَهَذَا الدَّلِيل غير مَوْجُود فِي الْمُعَامَلَات ضَرُورَة أَنه لم يُؤمر بِالْبيعِ على وَجه مَخْصُوص حَتَّى أَن من أَتَى بِالْبيعِ على خلاف ذَلِك الْوَجْه كَانَ تَارِكًا للْمَأْمُور بِهِ لِأَن تعلق الْأَمر وَالنَّهْي بِعَين وَاحِدَة محَال وَمن الْمَعْلُوم أَن هَذَا الدَّلِيل لم يُوجد فِي الْمُعَامَلَات وَمَعَ ظُهُور هَذَا الْفرق لَا يَصح قياسها على الْعِبَادَات وَاعْترض آخَرُونَ بِالنَّقْضِ بالصور الَّتِي نهي عَنْهَا وَحكم فِيهَا بِالصِّحَّةِ كَبيع الْحَاضِر للبادي وَنَحْوه وَأجَاب الْآمِدِيّ عَن الإعتراض الأول بِأَنا لم نقض بِالْفَسَادِ لوُجُود مَا يُنَاسب الْفساد حَتَّى يفْتَقر إِلَى شَاهد بالإعتبار وَإِنَّمَا قضينا بِالْفَسَادِ لعدم

стр. 78

الْمُنَاسب الْمُعْتَبر بِمَا بَيناهُ من استلزام النَّهْي لذَلِك وَلَا يخفى أَن هَذَا الْجَواب غير متين وَالْحق أَن مُجَرّد النَّهْي إِذا كَانَ على ظَاهره للتَّحْرِيم مُنَاسِب للْفَسَاد لما يشْتَمل الْمنْهِي عَنهُ من الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة وَشَاهد ذَلِك بالإعتبار الْمَوَاضِع الْمنْهِي عَنْهَا الَّتِي اتّفق على القَوْل بِالْبُطْلَانِ فِيهَا كَبيع الملاقيح والمضامين وَنِكَاح ذَوَات الْمَحَارِم وَمَا لَا يُحْصى كَثْرَة وَقَوْلهمْ أَن الْفساد لَازم من الْقيَاس لَا من معنى النَّهْي جَوَابه أَن الْقيَاس الْمُنَاسب إِنَّمَا اعْتمد فِي كَون النَّهْي عَن الشَّيْء لعَينه يدل على فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ لَا أَن نفس الْمُنَاسب هُوَ الْمُقْتَضِي للْفَسَاد وَالْفرق بَين المقامين وَاضح وَهَذَا السُّؤَال بِعَيْنِه أوردهُ بَعضهم على الِاحْتِجَاج لاقْتِضَاء الْفساد بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدّم من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد فَقَالَ الْمُقْتَضِي للْفَسَاد هُوَ هَذَا الحَدِيث نَفسه لَا مُجَرّد النَّهْي وَجَوَابه مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا وَقَوْلهمْ إِن الحكم بِالْفَسَادِ لدَلِيل خارجي تقدم الْجَواب عَنهُ وَأما الْفرق بَين الصُّور الْمُتَّفق على القَوْل بفسادها من المنهيات وَبَين بَقِيَّة الصُّور فَيُقَال فِي الْجَواب عَنْهَا أَن الفارقين طَائِفَتَانِ إِحْدَاهمَا الْحَنَفِيَّة الَّذين فرقوا بَين الْمنْهِي عَنهُ لعَينه والمنهي عَنهُ لوصفه وَسَيَأْتِي الْكَلَام مَعَهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَبَيَان تناقضهم وَأَنه لَا فرق بَين الْقسمَيْنِ

стр. 79

والفريق الثَّانِي كالغزالي وَالْإِمَام فَخر الدّين وَأبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ الَّذين فرقوا بَين الْعِبَادَات والعقود واعتمدوا الْفرق الَّذِي تقدم ذكره عَنْهُم فَجَوَابه أَن الْفساد فِي الْجَمِيع هُوَ عدم ترَتّب الْآثَار على الْمنْهِي عَنهُ فأثر النَّهْي فِي الْعِبَادَات عدم بَرَاءَة الذِّمَّة وأثره فِي الْمُعَامَلَات عدم إِفَادَة الْملك وتنوع الْأَثر لَا يَقْتَضِي اخْتِلَاف الْجِنْس فَإِن النَّهْي عَن الْمُعَامَلَات عِنْدهم على حد وَاحِد وآثاره مُخْتَلفَة فِيهَا كَمَا أَن آثَار صِحَّتهَا مُخْتَلفَة أَيْضا فأثر البيع الصَّحِيح الْملك فِي الْعين وَفِي الْإِجَارَة الْملك فِي الْمَنْفَعَة وَفِي النِّكَاح التَّمَكُّن من الْوَطْء وَفِي الْقَرَاض الْأَمَانَة على المَال وَاسْتِحْقَاق النَّصِيب فَفِي كل موطن أثر يُخَالف الآخر وَلم يمنعهُم ذَلِك الِاخْتِلَاف من جعل الْجَمِيع شَيْئا وَاحِدًا فَكَذَلِك الْعِبَادَات مَعَ الْعُقُود وَتَفْسِير الْفساد فِي الْجَمِيع بِعَدَمِ ترَتّب آثارها عَلَيْهَا وَإِن كَانَت الْآثَار مُخْتَلفَة فيجمعها مُسَمّى الْأَثر كَمَا يجمع الْحَيَوَانَات كلهَا مُسَمّى الحيوانية وَهِي مُخْتَلفَة فِي نَفسهَا وَهَذَا ذكره صَاحب تَنْقِيح الْمَحْصُول وَتَبعهُ عَلَيْهِ الْقَرَافِيّ وزيفه الْأَصْفَهَانِي فِي شرح الْمَحْصُول وَقَالَ أَنه ضَعِيف جدا وَلَيْسَ كَمَا ذكر لِأَنَّهُ إِذا أمكن تَفْسِير لفظ الْفساد بِمَا يَشْمَل جَمِيع الصُّور

стр. 80

وينتظمها بِمَعْنى كلي يشْتَرك الْكل فِيهِ كَانَ أولى من تَفْسِيره لمعنيين مُخْتَلفين لِأَنَّهُ يكون حِينَئِذٍ مُشْتَركا لفظيا والتواطؤ خير مِنْهُ وَأما النَّقْض بالصور الَّتِي حكم فِيهَا بِالصِّحَّةِ مَعَ وُرُود النَّهْي فقد تقدم أَن تِلْكَ جَمِيعهَا من الْمنْهِي عَنهُ لغيره المجاور لَهُ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَالْبيع على بيع الْغَيْر وَالْمُدَّعى والمستدل لَهُ غير هَذَا الْقسم فَلَا يتَوَجَّه النَّقْض بِهِ وَلَو سلم على وَجه التنزل أَن الصِّحَّة وجدت فِي مَنْهِيّ عَنهُ لعَينه أَو لوصفه اللَّازِم فغايته أَن الْفساد تخلف لدَلِيل مُنْفَصِل وَلَا يلْزم من تخلف الحكم عَن الْمَدْلُول عِنْد قيام مَانع تخلفه فِي جَمِيع الصُّور وَهَذَا ظَاهر لَا ريب فِيهِ تَنْبِيه ذكر الأرموي فِي الْحَاصِل على هَذَا الدَّلِيل الْعقلِيّ الْمُتَقَدّم سؤالا ضَعِيفا إِلَى الْغَايَة رام بِهِ إِبْطَاله حَيْثُ لم يعْتَرض عَلَيْهِ ابْن الْخَطِيب فَقَالَ اشْتِمَال الْفِعْل على الْمفْسدَة لَا يمْنَع كَونه مُفِيدا للْحكم وَقَررهُ الْقَرَافِيّ بِأَن السَّبَب الشَّرْعِيّ لَيْسَ من شَرطه أَن يكون مَشْرُوعا مَأْذُونا فِي مُبَاشَرَته فَإِن الزِّنَا سَبَب للرجم وَالسَّرِقَة سَبَب للْقطع والحرابة سَبَب للْقَتْل إِلَى غير ذَلِك

стр. 81

من الْأَحْكَام الْكَثِيرَة والمعني بِعَدَمِ الْفساد هُوَ ترَتّب الْأَحْكَام على الْمنْهِي عَنهُ والأسباب قد تكون كَذَلِك كَمَا فِي النَّظَائِر الْمَذْكُورَة وَجَوَاب هَذَا أَن الحكم الْمُتَرَتب على الْفِعْل الْمحرم قد يكون حكما رتب فِي أصل الشَّرْع على التَّحْرِيم كالقطع فِي السّرقَة وَأَمْثَاله وَلَا نزاع فِي هَذَا أصلا حَتَّى ينْقض بِهِ إِنَّمَا النزاع فِي الحكم الْمُتَرَتب على الْفِعْل الْمَأْذُون فِيهِ شرعا إِذا وَقع ذَلِك الْفِعْل على وَجه محرم كَالْبيع الْفَاسِد وَالنِّكَاح الْفَاسِد وأشباههما هَل يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَا كَانَ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حَالَة وُقُوعه على الْوَجْه الْمَأْذُون فِيهِ شرعا أم لَا وَإِنَّمَا يرد النَّقْض بِشَيْء من هَذَا الْقسم وَقد بَينا أَنه لَا يُوجد ذَلِك مجمعا عَلَيْهِ فِي الْمنْهِي عَنهُ لعَينه أَو لوصفه اللَّازِم حَالَة الْقُدْرَة على الإحتراز عَن الْمنْهِي عَنهُ وان النَّقْض بِصِحَّة الْمنْهِي عَنهُ لغيره لَا يرد واحترزنا بِحَالَة الْقُدْرَة عَن الصَّلَاة يُغير مَاء وَلَا تُرَاب على قَول من لَا يُوجب إِعَادَتهَا كمالك والمزني وَأَشْبَاه ذَلِك فَهَذَا الْجَواب على مَا فهمه الْقَرَافِيّ من كَلَام صَاحب الْحَاصِل وَقَررهُ بِهِ وَيحْتَمل أَن لَا يكون ذَلِك مُرَاده بل يَعْنِي أَنه لَا يشْتَرط فِي الْفِعْل الْمَأْذُون فِيهِ تعرية من الْمفْسدَة من كل وَجه وَأَن يكون مصلحَة خَالِصَة بل قد يشْتَمل على

стр. 82

مفْسدَة مَا وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ إِفَادَة الحكم كغالب التكاليف الْمُشْتَملَة على إتعاب الْبدن وإنفاق المَال وَنَحْو ذَلِك وَجَوَاب هَذَا أَن هَذِه الْمَفَاسِد منغمرة فِي جنب الْمصَالح الْحَاصِلَة من تِلْكَ الْأَفْعَال الراجحة على تِلْكَ الْمَفَاسِد وَنحن لم نشترط فِي الْفِعْل خلو عَن الْمفْسدَة من كل وَجه بل عَن الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة فَأَما المرجوحة فَلَا اعْتِبَار بهَا وَلَا نقض حِينَئِذٍ وَإِن صَاحب الْحَاصِل بِكَلَامِهِ الْمُتَقَدّم النَّقْض بالمنهي عَنهُ لغيره كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة فقد تقدم الْجَواب عَنهُ وَأَنه غير مَحل النزاع وَسَيَأْتِي تَقْرِير ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَبَيَان الْفرق بَينه وَبَين مَا نَحن فِيهِ الْوَجْه الثَّالِث من الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة أَن فعل الْمنْهِي عَنهُ مَعْصِيّة إِذْ الْكَلَام فِي النَّهْي الَّذِي للتَّحْرِيم وَحُصُول الثَّوَاب على الْعِبَادَة والإعتداد بهَا مقربة إِلَى الله تَعَالَى وَحُصُول الْملك فِي الْعُقُود وَصِحَّة التَّصَرُّف كلهَا نعم وَالْمَعْصِيَة تناسب الْمَنْع من النِّعْمَة وَقد اقْترن الحكم بِالْفَسَادِ بصور كَثِيرَة جدا من المناهي والمناسبة مَعَ الإقتران دَلِيل بِاتِّفَاق القائسين فَفِي تَعْمِيم القَوْل بِأَن النَّهْي للْفَسَاد فِي كل مَنْهِيّ عَنهُ لعَينه أَو لوصفه اللَّازِم إِعْمَال للأدلة الْمُنَاسبَة مَعَ الإقتران وَفِي ترك القَوْل بذلك إبِْطَال لَهما فَكَانَ القَوْل بذلك وَاجِبا الرَّابِع أَن الْمنْهِي عَنهُ قَبِيح ومحرم إِذْ الْكَلَام فِيهِ وَالْمحرم لَا يكون مَشْرُوعا وَمَا لَا يكون مَشْرُوعا لَا يكون صَحِيحا لِأَن كل صَحِيح مَشْرُوع فالمنهى عَنهُ لَا يكون صَحِيحا فَإِذا النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد وَاعْترض الإِمَام الْغَزالِيّ على هَذَا الْوَجْه بِأَنَّهُ إِن عنيتم بالمشروع كَونه مَأْمُورا أَو مَنْدُوبًا أَو مُبَاحا فَذَلِك محَال ولسنا نقُول بِهِ وان عنيتم كَونه عَلامَة للْملك

стр. 83

أَو الْحل أَو حكم من الْأَحْكَام فَفِيهِ وَقع النزاع فَلم ادعيتم استحالته فَجَاز أَن يكون غير مَشْرُوع وَإِذا وَقع تترتب عَلَيْهِ الْأَحْكَام كَمَا تترتب على الصَّحِيح كَمَا قد فعل فِي الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَنَحْوهَا وَيُمكن الْجَواب عَن ذَلِك بِأَن المُرَاد الْمَشْرُوع الْأَعَمّ من ذَلِك وَهُوَ كل مَا رتب الشَّارِع عَلَيْهِ آثاره لِأَن الصِّحَّة وَالْفساد من تَصَرُّفَات الشَّارِع وَكَذَلِكَ تَرْتِيب الْآثَار على الْفِعْل والمنهي عَنهُ لَيْسَ بمشروع فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَثَره والنقض بِصِحَّة الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة تقدم الْجَواب عَنهُ وَأَنه غير وَارِد الْخَامِس لَو لم يكن النَّهْي للْفَسَاد لَكَانَ كل مَوضِع مَنْهِيّ عَنهُ قيل بفساده كَبيع الْحر وَنِكَاح ذَوَات الْمَحَارِم وَالصَّلَاة مَعَ مُلَابسَة النَّجَاسَة الَّتِي لَا يُعْفَى عَنْهَا وَأَشْبَاه ذَلِك يجب أَن يكون لقَرِينَة مُنْفَصِلَة دلّت على ذَلِك الْفساد لَكِن الأَصْل عدمهَا وَالظَّاهِر أَن الْفساد مُسْتَند إِلَى مُجَرّد النَّهْي وَإِلَّا كَانَت الْقَرِينَة تذكر وَلَو فِي بعض الصُّور فَوَجَبَ أَن يكون النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد لذَلِك السَّادِس وَهُوَ خَاص بالعبادات أَن الْعِبَادَة إِنَّمَا تكون صَحِيحَة إِذا كَانَت مُوَافقَة لِلْأَمْرِ أَو مسقطة للْقَضَاء على مَا سبق من الإختلاف وكل مِنْهُمَا إِنَّمَا يكون بإمتثال الْأَمر المستدعي لاسْتِحْقَاق الثَّوَاب وَفعل الْمنْهِي عَنهُ مَعْصِيّة فَلَا يكون سَببا لاسْتِحْقَاق الثَّوَاب بل الْعَذَاب مترتب عَلَيْهِ فَلَو كَانَ فعل

стр. 84

الْمنْهِي عَنهُ سَببا لسُقُوط التَّعَبُّد أَو الْقَضَاء لزم أَن يكون الْفِعْل الْوَاحِد طَاعَة ومعصية مَعًا وَهُوَ محَال السَّابِع ذكره التبريزي فِي التَّنْقِيح وَهُوَ خَاص فِي الْحَقِيقَة بِالْعُقُودِ إِن النَّهْي لَا بُد لَهُ من فَائِدَة وَلَيْسَت إِلَّا الْفساد لِأَن طلب الْكَفّ إِمَّا لمفسدة فِي الْفِعْل أَو لعدم فَائِدَة فِيهِ أَو لفائدة فِي الإمتناع وَدَلِيل الْحصْر أَنا لَو فَرضنَا انْتِفَاء هَذِه الْأَقْسَام كلهَا للَزِمَ أَن يكون الْفِعْل مُشْتَمِلًا على الْمصلحَة خَالِيا من الْمفْسدَة فَيكون مَطْلُوبا لَا مَنْهِيّا عَنهُ وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَثَبت الْحصْر وَحِينَئِذٍ نقُول لَا يجوز أَن يكون لعدم الْفَائِدَة فَإنَّا فرضناه مُفِيدا لأحكامه وَلَا للمفسدة لِأَنَّهَا كَانَت تنشأ إِمَّا من نفس العقد أَو بِوَاسِطَة ترَتّب الْأَحْكَام عَلَيْهِ وَالْأول بَاطِل لِأَن صِيغ الْمُعَامَلَات لَا مفْسدَة فِيهَا وَلِهَذَا لَا يَأْثَم بهَا فِي مُعظم الْبياعَات وَالثَّانِي بَاطِل لِأَن الْمفْسدَة لَو نشأت من الحكم لما ثَبت الحكم وَلِأَن الحكم وضع شَرْعِي والشارع لَا يضع الْمَفَاسِد وَلَا يجوز حمله على فَائِدَة فِي الِامْتِنَاع فَإِن الِامْتِنَاع عَمَّا فِيهِ فَائِدَة وَهِي ترَتّب الحكم على رَأْي الْخصم لَا فَائِدَة فِيهِ فَإِن قيل فَائِدَته الِابْتِلَاء والامتحان قُلْنَا ذَلِك فَائِدَة الِامْتِنَاع لأصل النَّهْي وَنحن نطلب فَائِدَة فِي الِامْتِنَاع عَن الْفِعْل ليَكُون النَّهْي عَنهُ معقولا وَلِأَن النَّهْي ظَاهر فِي التَّحْرِيم وَالِاعْتِبَار يُنَافِي التَّحْرِيم لِأَنَّهُ تَمْكِين الْمُكَلف من تَحْصِيل حكمه بِدَلِيل جَمِيع الْأَحْكَام الْمجمع على اعْتِبَارهَا هَذَا خُلَاصَة مَا قَالَه التبريزي

стр. 85

وَالْمَنْع مُتَوَجّه عَلَيْهِ فِي قَوْله إِن صِيغ الْمُعَامَلَات الْمنْهِي عَنْهَا لَا مفْسدَة فِيهَا وَقَوله أَنه لَا يَأْثَم بهَا فِي مُعظم الْبياعَات على مَا لَا يخفى الثَّامِن وَهُوَ أَيْضا يخْتَص بِالْعُقُودِ أَن النَّهْي عَنْهَا مَعَ ربط الحكم بهَا وترتيب آثارها عَلَيْهَا يُفْضِي إِلَى التَّنَاقُض وَذَلِكَ من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن النَّهْي عَنْهَا لم يرد إِلَّا لما اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة على مَا تقدم فَلَو أفادت الْمَقْصُود عِنْد الْإِقْدَام عَلَيْهَا لَكَانَ ذَلِك باعثا للنفوس على تعاطيها وَالنَّهْي عَنْهَا لما فِيهَا من الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة يمْنَع من الْإِقْدَام عَلَيْهَا فيتناقض من قبل الشَّرْع الْبَاعِث والصارف وَذَلِكَ محَال وَمَا أدّى إِلَى الْمحَال محَال فَيجب القَوْل بِالْفَسَادِ نفيا لذَلِك الْمحَال وَثَانِيهمَا أَن نصبها سَببا لترتب آثارها عَلَيْهَا تَمْكِين من التوسل بهَا وَالنَّهْي عَنْهَا منع من ذَلِك التوسل فَيُؤَدِّي أَيْضا إِلَى التَّنَاقُض وَفِيه مَا ذَكرْنَاهُ وَهَذَا الْوَجْه أمتن من السَّابِع الْمُتَقَدّم قبله ذكره الشَّيْخ موفق الدّين فِي الرَّوْضَة والأنباري فِي شرح الْبُرْهَان

стр. 86

التَّاسِع أَن النَّهْي عَن الشَّيْء يدل على تعلق الْمفْسدَة بِهِ كَمَا تقدم غير مرّة وَفِي الْقَضَاء بالإفساد للمنهي عَنهُ وَعدم تَرْتِيب آثاره عَلَيْهِ إعدام لتِلْك الْمفْسدَة بِالْكُلِّيَّةِ بأبلغ الطّرق بِخِلَاف مَا إِذا قيل بِالصِّحَّةِ أَو بترتب أَثَره عَلَيْهِ فَإِن فِي ذَلِك تبقية لآثار الْمفْسدَة فَكَانَ الأول أولى أَو هُوَ الْمُتَعَيّن الْعَاشِر مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الإِمَام الشَّافِعِي فِي كَلَامه الْمُتَقَدّم وَذكره أصرح من ذَلِك فِي مَوضِع آخر وَهُوَ أَن الْعُقُود إِنَّمَا تفِيد إِذا جرت على وفْق الشَّرْع لما تمهد فِيهَا من الشُّرُوط وقيدت بِهِ من الْقُيُود وَمنع الْخلق من كثير مِمَّا كَانُوا يتعاطونه فِيهَا ويرضون بِهِ قبل الشَّرْع فَأَشْبَهت الْعِبَادَات حِينَئِذٍ وَتوقف الحكم بترتب آثارها عَلَيْهَا حَتَّى ترد على وفْق الْمَشْرُوع وَإِذا لم يكن كَذَلِك بقيت الْأَمْوَال والأبضاع على أَصْلهَا من التَّحْرِيم وَلَا تنْتَقل إِلَّا إِذا وَقعت على الْوَجْه الْمَشْرُوع فَمَا لم تكن كَذَلِك يحكم بفسادهما استنادا إِلَى أصل التَّحْرِيم وَهَذَا حسن بَالغ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الطّرف الثَّانِي فِي أَن دلَالَة النَّهْي على الْفساد حَيْثُ حكمنَا بِهِ لَيْسَ ذَلِك من جَوْهَر اللَّفْظ وموضوع اللُّغَة بل متلقى من الشَّرْع وَجَمِيع الْأَدِلَّة الَّتِي قدمناها إِنَّمَا تَقْتَضِي كَون ذَلِك مأخوذا من جِهَة الشَّرْع وَقد تقدم أَن جمَاعَة من الْأَئِمَّة ذَهَبُوا إِلَى أَن ذَلِك مُسْتَفَاد من مَوْضُوع النَّهْي اللّغَوِيّ

стр. 87

وَالدَّلِيل على بطلَان قَوْلهم إِن فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ سَوَاء كَانَ عبَادَة أَو مُعَاملَة لَا معنى لَهُ سوى سلب أَحْكَامه عَنهُ وَانْتِفَاء ثمراته الْمَقْصُودَة عَنهُ وَخُرُوجه عَن كَونه سَببا مُفِيدا لَهَا فَلَو دلّ النَّهْي عَن الشَّيْء على فَسَاده من حَيْثُ اللُّغَة لَكَانَ فِي اللَّفْظ مَا يدل لُغَة على انْتِفَاء ثمراته عَنهُ وَاللَّازِم بَاطِل فالملزوم كَذَلِك أما الْمُلَازمَة فظاهرة وَأما انْتِفَاء اللَّازِم فَلِأَن معنى النَّهْي فِي اللُّغَة اقْتِضَاء الْكَفّ عَن الْفِعْل وَلَيْسَ انْتِفَاء الْأَحْكَام عَنهُ عين ذَلِك وَلَا جزؤه وَلَا لَازِما لَهُ من حَيْثُ اللُّغَة لِأَنَّهُ لَو قَالَ وَاحِد لَا تبع غلامك فَإنَّك إِن بِعته ثَبت حكم البيع وانتقل الْملك فِيهِ إِلَى المُشْتَرِي لم يكن ذَلِك متناقضا من حَيْثُ اللُّغَة وَلَو كَانَ النَّهْي عَن الشَّيْء لعَينه مقتضيا لفساده من مَوْضُوع اللُّغَة لَكَانَ ذَلِك متناقضا وَأَيْضًا فَإِن الصِّحَّة عبارَة عَن ترَتّب الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة على الْفِعْل الْمَأْذُون فِيهِ وَالْفساد مَعْنَاهُ عدم ترتبها وَالْأَحْكَام إِنَّمَا هِيَ مُتَلَقَّاة من الشَّرْع فَقبل الشَّرْع لَا يكون النَّهْي دَالا على فَسَاد وَلَا صِحَة والموضوعات اللُّغَوِيَّة مُتَلَقَّاة عَن الْعَرَب قبل الشَّرْع فَلَيْسَ الْفساد مستفادا من مَوْضُوع النَّهْي لُغَة وَاحْتج الْقَائِل بذلك بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا اسْتِدْلَال الصَّحَابَة ﵃ وَمن بعدهمْ من الْعلمَاء على الْفساد فِي المنهيات بِالنَّهْي عَنْهَا فَدلَّ على فهمهم ذَلِك لَهُ من حَيْثُ اللُّغَة

стр. 88

وَأجَاب ابْن الْحَاجِب وَغَيره عَن ذَلِك بِمَنْع أَنهم فَهموا ذَلِك من مَوْضُوع اللُّغَة بل إِنَّمَا فَهموا الْفساد من جِهَة الشَّرْع كَمَا تقدم وَفِي هَذَا الْجَواب نظر إِذْ يُقَال عَلَيْهِ فَيلْزم أَن يكون الشَّارِع نقل النَّهْي عَن مَوْضُوعه فِي اللُّغَة وَالْأَصْل عدم النَّقْل وَيُمكن أَن يُقرر الْجَواب على وَجه آخر وَهُوَ أَنه دَار الْأَمر فِي اسْتِدْلَال الصَّحَابَة وَالْعُلَمَاء بعدهمْ على الْفساد بِالنَّهْي على الْوَجْه الْمُتَقَدّم بَين أَن يكون فَهموا ذَلِك من حَيْثُ اللُّغَة أَو من حَيْثُ الشَّرْع وَالِاحْتِمَال الثَّانِي أولى للْجمع بَين ذَلِك وَبَين مَا ذَكرْنَاهُ من الدَّلِيل الدَّال على أَن ذَلِك لَيْسَ من مَوْضُوع اللَّفْظ وَقَوْلهمْ انه يلْزم مِنْهُ النَّقْل يُجَاب عَنهُ بِأَن ذَلِك إِنَّمَا يلْزم إِذا كَانَ الْفساد مستفادا من لفظ النَّهْي بطرِيق الْمُطَابقَة أما إِذا كَانَ بطرِيق التضمن أَو الِالْتِزَام كَمَا تقدم تَقْرِيره فَلَا يلْزم النَّقْل إِذْ لم يتَغَيَّر مَوْضُوع اللَّفْظ

стр. 89

الْوَجْه الثَّانِي أَن الْأَمر يَقْتَضِي الصِّحَّة من حَيْثُ اللُّغَة وَالنَّهْي نقيض الْأَمر لِأَنَّهُ مشارك لَهُ فِي الطّلب والاقتضاء ومخالف لَهُ فِي طلب التّرْك فَلَا بُد وَأَن يَقْتَضِي نقيض الصِّحَّة وَهُوَ الْفساد ضَرُورَة كَون النَّهْي مُقَابلا لِلْأَمْرِ وَأَنه يجب أَن يكون حكم أحد المتقابلين مُقَابلا لحكم الآخر وَهَذَا الدَّلِيل اسْتدلَّ بِهِ جمَاعَة من الْمُتَقَدِّمين على أَن النَّهْي يدل على الْفساد مُطلقًا وَبَعْضهمْ جعله دَلِيلا من جِهَة الْقَائِلين بِهِ لُغَة كَابْن الْحَاجِب وَأَتْبَاعه لِأَنَّهُ أخص بِهَذَا الْمُدعى من جِهَة الدّلَالَة اللفظية وَزَاد بَعضهم فِي تَقْرِيره أَن الْعَرَب من شَأْنهَا أَن تحمل الشَّيْء على نقيضه كَمَا تحمله على نَظِيره بِدَلِيل إعمالهم لَا الَّتِي هِيَ لنفي الْجِنْس عمل أَن المثبتة وَهِي نقيضها وَأجِيب عَن ذَلِك بِوُجُوه أَحدهَا منع أَن الْأَمر يدل على الْإِجْزَاء الَّذِي هُوَ الصِّحَّة وَثَانِيها لَو سلم أَنه يدل عَلَيْهِ فَلَا نسلم أَن يدل على الْأَجْزَاء من حَيْثُ اللُّغَة بل من حَيْثُ الشَّرْع كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي النَّهْي وَثَالِثهَا أَنه لَا يلْزم من دلَالَة الْأَمر على الصِّحَّة دلَالَة النَّهْي على الْفساد إِذْ لَا يلْزم اشْتِرَاك المتقابلات فِي جَمِيع اللوازم بل جَازَ أَن يَكُونَا ضدين ويشتركا فِي لَازم وَاحِد فَقَط وَلَو لم يكن ذَلِك إِلَّا فِي مُجَرّد الضدية كَانَ كَافِيا فَإِن السوَاد وَالْبَيَاض ضدان وهما مشتركان فِي الرُّؤْيَة والحدوث وكونهما عرضا وَغير ذَلِك وَرَابِعهَا أَنا وَإِن سلمنَا انه يلْزم من ذَلِك تقَابل حكميهما فَإِنَّمَا يلْزم مِنْهُ أَن النَّهْي لَا يكون مقتضيا للصِّحَّة لَا أَنه يَقْتَضِي الْفساد لِأَن شَأْن النقيض

стр. 90

أَن يثبت لَهُ نقيض حكم نقيضه كَمَا أَن الْوَاجِب يُعَاقب عَلَيْهِ فَمَا لَيْسَ بِوَاجِب لَا يُعَاقب عَلَيْهِ فَيكون اللَّازِم هُنَا أَن النَّهْي لَا يدل على الْإِجْزَاء لِأَنَّهُ نقيض مَا دلّ عَلَيْهِ الْأَمر أما دلَالَته على الْفساد فَلَيْسَ نقيض الْإِجْزَاء بل أَمر آخر هَكَذَا قرر الْجَواب صَاحب الْمَحْصُول وَغَيره وَفِيه نظر لِأَن الْأَمر وَالنَّهْي ضدان وليسا نقيضين لِأَنَّهُمَا ثبوتيان وَأحد النقيضين لابد وَأَن يكون عدميا وَإِذا كَانَا ضدين وَسلم لُزُوم ضد الصِّحَّة فالمنوع الأولى كَافِيَة فِي رد هَذَا الِاسْتِدْلَال وخصوصا منع كَون الْأَمر يَقْتَضِي الْإِجْزَاء لُغَة بل ذَلِك مستقى من الشَّرْع أَيْضا وَالله أعلم الطّرف الثَّالِث فِي أَدِلَّة الْقَائِلين بِأَن النَّهْي لَا يَقْتَضِي الْفساد وَقد تنوعت عباراتهم فِي الِاحْتِجَاج لذَلِك وحاصلها يرجع إِلَى ثَلَاثَة أوجه الْوَجْه الأول لَو دلّ النَّهْي على الْفساد لَكَانَ ذَلِك لدَلِيل يَقْتَضِيهِ وَالدَّلِيل إِمَّا عَقْلِي أَو نقلي والنقلي إِمَّا إِجْمَاع أَو نَص وَالنَّص إِمَّا متواتر أَو آحَاد

стр. 91

وَلم يثبت شَيْء من ذَلِك جَمِيعه وَلَا دلَالَة لَهُ من جِهَة الْعقل أَيْضا لما سَيَأْتِي فَلم يكن النَّهْي دَالا عَلَيْهِ الثَّانِي أَن النَّهْي إِمَّا أَن يدل على الْفساد دلَالَة لفظية أَو معنوية وهما باطلتان فَالْقَوْل بِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْفساد بَاطِل أما بطلَان الدّلَالَة اللفظية فَلِأَنَّهَا إِمَّا أَن تكون بِحَسب اللُّغَة أَو مستفادة من جِهَة الشَّرْع وَالْأول بَاطِل لما تقدم وَلِأَن البدوي الْعَارِف باللغة غير الْعَارِف بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة إِذا سمع لفظ النَّهْي لم يفهم مِنْهُ سوى الْمَنْع من الْفِعْل وَلَا يخْطر بِبَالِهِ الْفساد قطّ وَلَو كَانَ مَوْضُوعا لَهُ لُغَة لم يكن كَذَلِك وَالثَّانِي أَيْضا بَاطِل لما تقدم أَن الأَصْل عدم النَّقْل وَأَيْضًا فَلِأَنَّهُ لَو كَانَ مَوْضُوعا للْفَسَاد من جِهَة الشَّرْع لزم ترك مُقْتَضى اللَّفْظ فِي الصُّور الَّتِي اسْتَعْملهُ فِيهَا وَلم يَتَرَتَّب على ذَلِك النَّهْي فَسَاد كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَالذّبْح بسكين مَغْصُوبَة وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا بِخِلَاف مَا إِذا لم نقل بِأَنَّهُ يدل على الْفساد فانه فِي الصُّور الَّتِي قيل فِيهَا بِفساد الْمنْهِي عَنهُ يكون ذَلِك لأمر زَائِد على مَا دلّ عَلَيْهِ اللَّفْظ وَلم يتَعَرَّض لَهُ اللَّفْظ بِنَفْي وَلَا إِثْبَات وَلَا شكّ فِي أَن هَذَا أولى وَأَيْضًا لَو كَانَ مَوْضُوعا للْفَسَاد لُغَة أَو شرعا للَزِمَ من ذَلِك التَّنَاقُض إِذا صرح بِالصِّحَّةِ مَعَ صَرِيح النَّهْي كَمَا إِذا قَالَ مثلا لَا تتوضأ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوب وَلَا تذبح بسكين مَغْصُوب وَإِن فعلت ذَلِك صحت طهارتك وحلت الذَّبِيحَة

стр. 92

وَلَا تطلق حَالَة الْحيض فَإِن فعلت نفذ طَلَاقك وَلَا تطَأ جَارِيَة الإبن فَإِن استولدتها دخلت فِي ملكك إِلَى غير ذَلِك من الصُّور الَّتِي لَا استبعاد فِي صِحَّتهَا وَالْقَوْل فِيهَا بِعَدَمِ التَّنَاقُض وَذَلِكَ بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ حرمت عَلَيْك الطَّلَاق وأمرتك بِهِ أَو أبحته لَك وَحرمت عَلَيْك استيلاد جَارِيَة الإبن وأوجبته عَلَيْك فَإِن ذَلِك متناقض غير مَعْقُول وَبِهَذَا أَيْضا تَنْتفِي الدّلَالَة المعنوية لِأَن شَرطهَا اللُّزُوم وَمَفْهُوم الْفساد غير لَازم لمَفْهُوم التَّحْرِيم الَّذِي هُوَ مَدْلُول اللَّفْظ إِذْ لَو كَانَت الدّلَالَة الإلتزامية مَوْجُودَة لما صَحَّ إثْبَاته مَعَ نَفْيه لِأَن إِثْبَات الْمَلْزُوم مَعَ التَّصْرِيح بِنَفْي اللَّازِم غير صَحِيح الْوَجْه الثَّالِث لَو دلّ النَّهْي على الْفساد لثبت الْفساد حَيْثُمَا وجد النَّهْي عملا بِالدَّلِيلِ وَاللَّازِم بَاطِل بِدَلِيل صِحَة الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْمَغْصُوب والأماكن الْمَكْرُوهَة وَصِحَّة البيع وَقت النداء وَأَمْثَاله فَلَزِمَ من ذَلِك أَن النَّهْي لَا دلَالَة لَهُ لمجرده على الْفساد وَالْجَوَاب عَن الأول انا بَينا فِيمَا تقدم دلَالَة النَّص وَالْإِجْمَاع وَالْعقل على أَن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد وَحصل بِحَمْد الله تَعَالَى الِانْفِصَال عَن كل مَا أعترض بِهِ علينا وَهَذَا الْوَجْه هُوَ الَّذِي عول عَلَيْهِ الإِمَام الْغَزالِيّ فِي أَن النَّهْي لَا يَقْتَضِي الْفساد فِي الْعُقُود ثمَّ ذكر من أَدِلَّة الْقَائِلين بذلك بعض مَا تقدم وَاعْترض عَلَيْهَا بِمَا ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ وَقد أجبنا عَنهُ

стр. 93

وَعَن الثَّانِي أَنا نسلم أَنه لَا يدل النَّهْي على الْفساد بِحَسب وضع اللُّغَة لَكِن مَا الْمَانِع أَن يدل عَلَيْهِ دلَالَة لفظية بِحَسب وضع الشَّرْع قَوْله يلْزم مِنْهُ النَّقْل وَالْأَصْل خِلَافه قُلْنَا تقدم أَنه إِنَّمَا يلْزم النَّقْل إِذا كَانَت دلَالَته بِحَسب الْمُطَابقَة فَأَما بطرِيق التضمن أَو الإلتزام فَلَا وَدلَالَة النَّهْي على الْفساد بِحَسب اللُّزُوم سلمنَا أَن ذَلِك بطرِيق الْمُطَابقَة لَكِن قد يُصَار إِلَى النَّقْل عِنْد قيام الدَّلِيل على ذَلِك والأدلة الْمُتَقَدّمَة قد تقررت على أَنه للْفَسَاد فَيجب الْمصير إِلَى القَوْل بِالنَّقْلِ لِئَلَّا يلْزم ترك الدَّلِيل الَّذِي مُخَالفَته أَشد من مُخَالفَة الأَصْل قَوْلهم ثَانِيًا يسْتَلْزم جعله حَقِيقَة فِي الْفساد ترك مُقْتَضى الدَّلِيل فِي الصُّور الَّتِي نهي عَنْهَا وَلم يقل بفسادها وَذَلِكَ مَحْذُور قُلْنَا نعم لكنه يلْتَزم عِنْد قيام الدّلَالَة عَلَيْهِ وَهَذَا كَمَا قَالُوا إِن النَّهْي حَقِيقَة فِي التَّحْرِيم وَثَبت اسْتِعْمَاله فِي الْكَرَاهَة فِي صور كَثِيرَة عِنْد قيام دَلِيل على ذَلِك وَأما قَوْلهم ثَالِثا أَنه يلْزم التَّنَاقُض إِذا صرح فِيهِ بِالصِّحَّةِ فَعَنْهُ أجوبة أَحدهَا أَن الْمُلَازمَة على قسمَيْنِ ظنية وقطعية فدلالة الإلتزام تَنْقَسِم كَذَلِك إِلَى هذَيْن الْقسمَيْنِ وَيكون دلَالَة النَّهْي على الْفساد ظنية كَمَا نقُول فِي الْمَفْهُوم وَغَيره انه دلَالَة الِالْتِزَام وَهِي دلَالَة ظنية لِأَن الْمُلَازمَة ظنية وَحِينَئِذٍ فَلَا يناقضها

стр. 94

قَوْلهم لَا استبعاد فِي أَن يَقُول الشَّارِع لَا تبع الرِّبَوِيّ مُتَفَاضلا فان فعلت ثَبت الْملك لِأَن هَذَا إِشَارَة إِلَى الِاحْتِمَال وَمن ادّعى الظَّن فقد الْتزم الِاحْتِمَال لِأَن الدّلَالَة الظنية لَا تعرى عَنهُ وَلكنهَا تكون راجحة عَلَيْهِ فَلَا يعْمل عمله كَيفَ وَهُوَ هُنَا أَضْعَف الِاحْتِمَالَات لِأَنَّهُ مَبْنِيّ على مُجَرّد عدم إلاستبعاد وَلَا يخفى ضعفه وَثَانِيها انه لَا نسلم أَنه لَا يعد متناقضا إِذا قَالَ حرمت عَلَيْك الطَّلَاق فِي الْحيض لعَينه وَلَكِن إِذا أوقعته نفذ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَضع الشَّرْعِيّ نعم لَا يعد متناقضا إِذا قَالَ حرمت عَلَيْك الطَّلَاق حَالَة الْحيض وَإِذا أوقعته نفذ لاحْتِمَال أَن يكون التَّحْرِيم لأمر خارجي وَهُوَ تَطْوِيل الْعدة وَأما إِذا قَالَ لعَينه فَلَا نسلم عدم التَّنَاقُض وكلامنا إِنَّمَا هُوَ فِي الْمنْهِي عَنهُ لعَينه وَثَالِثهَا أَنا لَو سلمنَا ذَلِك وَأَنه لَا يعد متناقضا وَإِن كَانَ النَّهْي عَنهُ لعَينه لَكِن لَا نسلم أَن ترك مُقْتَضى اللَّفْظ الظَّاهِر الدّلَالَة لقَرِينَة أَو صَرَاحَة من الْمُتَكَلّم يكون مناقضا لكَلَامه كَمَا أَن اللافظ بِاللَّفْظِ الْعَام وبأسماء الْعدَد مَعَ التَّخْصِيص لَهَا وَالِاسْتِثْنَاء مِنْهَا لَا يعد متناقضا ومتهافتا فِي كَلَامه فَكَذَلِك هُنَا قَوْلهم إِثْبَات الْمَلْزُوم مَعَ التَّصْرِيح بِنَفْي اللَّازِم غير صَحِيح قُلْنَا لَا نسلم ذَلِك لما تقدم أَنَّهَا دلَالَة ظنية فَتقدم عَلَيْهَا الدّلَالَة الصَّرِيحَة إِذا كَانَت مُعَارضَة لَهَا

стр. 95

وَالْجَوَاب عَن الثَّالِث أَن الْقَائِلين بتعميم الْفساد فِي جَمِيع صور النَّهْي سَوَاء كَانَ لعَينه أَو لغيره كأحمد بن حَنْبَل والظاهرية لَا يرد عَلَيْهِم نقض شَيْء مِمَّا ذَكرُوهُ لأَنهم طردوا قَوْلهم فِي ذَلِك كُله وَقد الْتزم هَذِه الطَّرِيق بعض الْأُصُولِيِّينَ فِي تصانيفه وَذكر أَن الْجَواب الصَّحِيح وَلَيْسَ كَذَلِك وَأجَاب آخَرُونَ عَن ذَلِك بِأَن القَوْل بِالصِّحَّةِ فِي هَذِه الصُّور إِنَّمَا كَانَ لدَلِيل خارجي قَامَ بهَا فَلَا يلْزم من ذَلِك نقض كَمَا فِي تَخْصِيص الْعَام وَالْخُرُوج عَن حَقِيقَة الْأَمر من الْوُجُوب إِلَى النّدب وَحَقِيقَة النَّهْي من التَّحْرِيم إِلَى الْكَرَاهَة لأدلة دلّت على ذَلِك فِي تِلْكَ الْمَوَاضِع الْخَاصَّة وَلم يلْزم بذلك نقض الأَصْل وَلَا إبِْطَال دلَالَته من أَصْلهَا ثمَّ أَشَارَ بَعضهم إِلَى تِلْكَ الْأَدِلَّة فِي كثير من الصُّور كَقَوْلِه ﷺ لَا تلقوا الجلب فَمن تلقى شَيْئا من ذَلِك فأشتراه فصاحبه إِذا أَتَى السُّوق بِالْخِيَارِ فإثبات الْخِيَار فِيهِ للْبَائِع دَلِيل على أَن البيع صَحِيح وَلَا شكّ أَن الْمَوَاضِع الَّتِي قيل فِيهَا بِالصِّحَّةِ مَعَ وجود النَّهْي كَثِيرَة جدا فِي الْعِبَادَات والعقود والإيقاعات وَغَيرهَا كَمَا تقدم ذكر كثير مِنْهَا وَسَيَأْتِي وَيحْتَاج سالك هَذِه الطَّرِيق إِلَى دَلِيل يخص كل وَاحِد مِنْهَا وَهُوَ مُتَعَذر قطعا

стр. 96

فَالْجَوَاب الصَّحِيح عَن ذَلِك كُله مَا سبقت الْإِشَارَة إِلَيْهِ غير مرّة وَهُوَ أَن النَّهْي فِي هَذِه جَمِيعهَا لَيْسَ لعين الْمنْهِي عَنهُ وَلَا لوصفه اللَّازِم بل لغيره المجاور لَهُ وَلَا يَقْتَضِي النَّهْي فِي هَذَا الْقسم الْفساد كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيق ذَلِك وَبَيَان الْفرق بَين المقامين إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالْمُدَّعى الَّذِي استدللنا عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ القسمان الْأَوَّلَانِ فَلَا يرد النَّقْض بِغَيْرِهِمَا فَإِن قيل لَا فرق قُلْنَا سنبين ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما من فرق بَين الْعِبَادَات والمعاملات فقد احْتج الإِمَام الْغَزالِيّ بِمَا تقدم أَن النَّهْي يضاد كَون الْمنْهِي عَنهُ قربَة وَطَاعَة وَالْأَمر وَالنَّهْي يتضادان فَلَا يكون الْمنْهِي عَنهُ قربَة وَلَا امتثالا فَيدل النَّهْي فِي الْعِبَادَات على الْفساد بِخِلَاف الْعُقُود إِذْ لَا تضَاد بَين تَحْرِيم الْعُقُود وَبَين جعلهَا سَببا للْملك وَالتَّصَرُّف كَمَا تقدم فَلم يكن دَالا على الْفساد وَحَاصِل ذَلِك أَن النَّهْي إِنَّمَا يدل على الزّجر فَقَط وَذَلِكَ من خطاب التَّكْلِيف وَأما الصِّحَّة وَالْفساد فهما من خطاب الْوَضع وَلَا إِشْعَار لَهُ بهما وَهَذَا الدَّلِيل هُوَ عين الْمُدعى لأَنا نقُول النَّهْي دَال على الزّجر وَالْفساد جَمِيعًا وَقد دللنا عَلَيْهِ بِمَا تقدم وَإِن كَانَت دلَالَته على الْفساد بطرِيق الاستلزام فَذَلِك كَاف فِي الْمَطْلُوب

стр. 97

ثمَّ إِن الَّذِي احْتج بِهِ الإِمَام فَخر الدّين على أَنه لَا يدل عَلَيْهِ فِي الْعُقُود يرد عَلَيْهِ فِي الْعِبَادَات بِأَن يُقَال لَو دلّ النَّهْي على عدم إجزائها فإمَّا أَن يدل عَلَيْهِ بِلَفْظِهِ أَو بِمَعْنَاهُ وكل مِنْهُمَا بَاطِل وَلَا استبعاد فِي أَن يَقُول الشَّارِع مثلا نهيتك عَن الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة وَإِن فعلتها أَجْزَأت عَنْك وَصحت وَعَن الصَّوْم يَوْم النَّحْر وَإِن صمت فِيهِ صَحَّ وَكَذَلِكَ النَّقْض أَيْضا بِالْعُقُودِ الْمنْهِي عَنْهَا وَهِي صَحِيحَة رد مثله فِي الْعِبَادَات كالضوء بِالْمَاءِ الْمَغْصُوب وَالصَّلَاة فِي الثَّوْب الْحَرِير وأمثالهما فَمَا يكون جَوَابا لَهُ عَن ذَلِك يُجَاب بِهِ أَيْضا فِي الْمُعَامَلَات وَنحن قد طردنا القَوْل فِي الْبَابَيْنِ فَسَادًا وَصِحَّة وفرقنا بَين مَا يَقْتَضِي الْفساد مِنْهُمَا وَمَا لَا يَقْتَضِيهِ فَإِن جنح إِلَى الْفرق الْمُتَقَدّم بَين الْمَوْضِعَيْنِ فِي تَفْسِير الْفساد أَعنِي بَين الْعِبَادَات والعقود أُجِيب بِمَا تقدم من تَفْسِير الْفساد بِمَعْنى كلي يشملهما وَقَوْلهمْ إِن النَّهْي لَا يُنَافِي إِفَادَة الْملك وَصِحَّة التَّصَرُّف مَمْنُوع بِمَا تقدم من الْأَدِلَّة الدَّالَّة على تنافيهما وَإِن سلم أَنه لَا يُنَافِي ذَلِك قطعا فَهُوَ يُنَافِيهِ ظَاهرا وَذَلِكَ كَاف على مَا تقدم غير مرّة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 98

الْفَصْل الرَّابِع فِي الْفرق بَين الْمنْهِي عَنهُ لعَينه أَو لوصفه اللَّازِم وَبَين الْمنْهِي عَنهُ لغيره وَبَيَان أَنه فِي هَذَا الْقسم الآخر لَا يدل على الْفساد وأصل هَذِه الْقَاعِدَة أَنه ورد فِي الْكتاب وَالسّنة مناه كَثِيرَة مِنْهَا مَا أتفق الْعلمَاء على فَسَاده عِنْد ارْتِكَاب الْمنْهِي عَنهُ كنهي الْحَائِض عَن الصَّوْم وَالصَّلَاة وَالنَّهْي عَن بيع الملاقيح والمضامين وحبل الحبلة وَعَن نِكَاح زَوْجَة الْأَب وَالْجمع بَين الْمَرْأَة وعمتها وخالتها إِلَى غير ذَلِك من الصُّور الإجماعية وَمِنْهَا مَا اخْتلفُوا فِي تَرْتِيب الْفساد عَلَيْهِ كَالْبيع وَقت صَلَاة الْجُمُعَة وعَلى بيع أَخِيه وَبيع الْحَاضِر للبادي وَأَشْبَاه ذَلِك مَعَ أَن غَالب الْقسم الأول لم يقْتَرن بِهِ مَا يدل على الْفساد سوى مُجَرّد النَّهْي وَكَذَلِكَ الثَّانِي لم يقْتَرن بِهِ مَا يَقْتَضِي الصِّحَّة فَنظر الإِمَام الشَّافِعِي رض فَوجدَ الْفَارِق بَين ذَلِك أَن النَّهْي عَن الشَّيْء مَتى كَانَ لعَينه أَو لوصفه اللَّازِم فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْفساد دون مَا كَانَ لغيره لما تقدم أَن الصِّحَّة تنَافِي المشروعية وَأَن مَا توجه النَّهْي إِلَى ذَاته أَو وَصفه اللَّازِم لَيْسَ مَشْرُوعا والآتي بِهِ مرتكب الْمنْهِي عَنهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِك الْفِعْل بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ النَّهْي لأمر خارجي مجاور لَهُ فَإِن الْآتِي بذلك الْفِعْل لم يرتكب مَنْهِيّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَاته بل فِي أَمر خَارج عَنهُ

стр. 99

وطرد الشَّافِعِي ﵀ أَصله فِي جَمِيع صور المنهيات بِحَيْثُ أَنه لم ينْتَقض قَوْله فِي الْبَابَيْنِ بِشَيْء بِخِلَاف سَائِر الْأَئِمَّة مِمَّن عداهُ فَإِن أحدا مِنْهُم لم يطرد قَوْله لَا فِي الصِّحَّة وَلَا فِي الْفساد كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى تَحْقِيق الْفرق بَين هذَيْن المقامين يَسْتَدْعِي ذكر مَسْأَلَة مَقْصُودَة وَهِي الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَبَيَان صِحَّتهَا فِيهِ بتحقق الْفرق بَين الْبَابَيْنِ ثمَّ ننعطف على تفاصيل المناهي وَاخْتِلَاف الْعلمَاء فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَنَقُول أَولا إِن الْوَاحِد يُطلق باعتبارات أَحدهَا الْوَاحِد بِالْجِنْسِ وَهُوَ الصَّادِق على أَنْوَاع مُخْتَلفَة كالحيوان والجسم النامي وَنَحْو ذَلِك وَثَانِيها الْوَاحِد بالنوع وَهُوَ الْمَقُول لنَوْع وَاحِد تَحْتَهُ أَصْنَاف كالإنسان وَالْفرس وَنَحْوهمَا وَثَالِثهَا الْوَاحِد بالصنف كالهندي والرومي وَرَابِعهَا الْوَاحِد بالشخص وَهُوَ الْمَقُول للجزئي المشخص كزيد وَعَمْرو فَأَما الثَّلَاثَة الأول فَلَا ريب فِي أَنه يخْتَلف حكمهَا بِحَسب اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا وأصنافها واشخاصها وَيصدق على بَعْضهَا مَا يكذب على الْبَعْض الآخر فَيصح فِي الْوَاحِد بالنوع مثلا أَن يكون بعض أصنافه مَأْمُورا بِهِ وَبَعضهَا مَنْهِيّا عَنهُ وَلَا مَحْذُور فِي ذَلِك لِأَن مَحل الْإِثْبَات إِذا كَانَ مغايرا لمحل النَّفْي إِمَّا بالنوع أَو بالصنف أَو بالشخص لَا يلْزم مِنْهُ اجْتِمَاع النَّفْي وَالْإِثْبَات فِي مَحل وَاحِد

стр. 100

وَنقل إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغَيره عَن طَائِفَة من الْمُعْتَزلَة كَأبي هَاشم وَأَتْبَاعه أَنهم أَنْكَرُوا ذَلِك بِنَاء على أَن النَّوْع الْوَاحِد لَا تخْتَلف صفته فِي الْحسن والقبح فَإِذا كَانَ بعض إِفْرَاده حسنا أَو قبيحا وَجب أَن يكون كُله كَذَلِك فَقَالُوا السُّجُود لله تَعَالَى لما كَانَ حسنا وَاجِبا اسْتَحَالَ أَن يكون السُّجُود لغيره كالصنم مثلا محرما من حَيْثُ انه سُجُود بل الْمحرم إِنَّمَا هُوَ قصد تَعْظِيم الصَّنَم وَهَذَا ظَاهر الضعْف واه جدا لما بَينا إِن عِنْد الِاخْتِلَاف إِمَّا بالنوع أَو بالصنف أَو بالشخص يَصح تغاير الحكم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَفْرَاد وَلَا يتوارد النَّفْي وَالْإِثْبَات على ذَات وَاحِدَة من وَجه وَاحِد وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا تسجدوا للشمس وَلَا للقمر واسجدوا لله الَّذِي خَلقهنَّ﴾ وَلَو كَانَ ذَلِك مستحيلا لما حسن هَذَا الْأَمر وَالنَّهْي والمسالة وَاضِحَة جدا فَلَا فَائِدَة فِي الإطالة بهَا وَأما الْوَاحِد بالشخص فاتفقوا على أَنه لَا يكون بِاعْتِبَار وَاحِد حَرَامًا وحلالا وواجبا وَطَاعَة ومعصية لِاسْتِحَالَة اجْتِمَاع النَّفْي وَالْإِثْبَات فِي الشَّيْء الْوَاحِد بِالِاعْتِبَارِ الْوَاحِد إِلَّا من جوز التَّكْلِيف بالمحال لذاته وَاخْتلفُوا فِي الْوَاحِد باعتبارين مُخْتَلفين كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة هَل

стр. 101

يجوز تعلق الْأَمر بهَا بِاعْتِبَار كَونهَا صَلَاة وَتوجه النَّهْي إِلَيْهَا بِاعْتِبَار كَونهَا غصبا فَقَالَ جُمْهُور أَصْحَابنَا الأشعرية وَأكْثر الْفُقَهَاء كالشافعية وَالْحَنَفِيَّة وَجُمْهُور الْمَالِكِيَّة أَنه تصح الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة على معنى أَن الْآتِي بهَا يكون آتِيَا بالمأمور بِهِ وَيسْقط عَنهُ الطّلب بِفِعْلِهَا وَإِن كَانَ عَاصِيا من جِهَة لبثه فِي الْمَغْصُوب وَذهب أَحْمد بن حَنْبَل وَأَصْحَابه وَأهل الظَّاهِر بأسرهم إِلَى أَنَّهَا لَا تصح وَبِه قَالَ الجبائي وَابْنه من الْمُعْتَزلَة والزيدية وَآخَرُونَ وَبَعْضهمْ نَقله رِوَايَة عَن مَالك وَقَالَ الْمَازرِيّ شَذَّ بعض أَصْحَاب مَالك وَهُوَ اصبغ فَقَالَ

стр. 102

لَا تجزي وَنَقله القرافى عَن عبد الْملك بن حبيب مِنْهُم أَيْضا وَبِهَذَا أَيْضا قَالَ القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني إِلَّا أَنه قَالَ الطّلب يسْقط عِنْدهَا لَا بهَا بِخِلَاف من ذكر قبله فَإِنَّهُم قَالُوا لَا يسْقط الطّلب بهَا وَلَا عِنْدهَا وَاخْتَارَ فَخر الدّين الرَّازِيّ قَول القَاضِي أبي بكر وَحجَّة الْجُمْهُور وُجُوه أَحدهَا أَن التغاير قد يَقع مَعَ اتِّحَاد الْمَوْضُوع الْمَحْكُوم عَلَيْهِ شخصا بِسَبَب اخْتِلَاف صِفَاته بِأَن يكون الْمَحْكُوم عَلَيْهِ بِأحد الْحكمَيْنِ المتقابلين هُوَ الْهَيْئَة الاجتماعية من ذَاته وَإِحْدَى صفتيه والمحكوم عَلَيْهِ بالحكم الآخر هُوَ الْهَيْئَة الاجتماعية من ذَاته وَالصّفة الْأُخْرَى كَالْحكمِ على زيد بِكَوْنِهِ مذموما لفسقه ومشكورا لكرمه فَعلم أَن الْمَجْمُوع الْحَاصِل من الذَّات وَالصّفة مُغَاير لكل وَاحِد مِنْهُمَا وَإِذا حصل التغاير فِي الْمَحْكُوم عَلَيْهِ فَلَا اسْتِحَالَة فِي الحكم بِالْوُجُوب والحظر مَعًا بِحَسب اخْتِلَاف الْجِهَتَيْنِ وَثَانِيها أَن السَّيِّد إِذا قَالَ لعَبْدِهِ أوجبت عَلَيْك خياطَة هَذَا الثَّوْب وَحرمت عَلَيْك الْكَوْن فِي هَذَا الدَّار فَجمع العَبْد بَين الْفِعْلَيْنِ فَإنَّا نقطع

стр. 103

بِطَاعَة العَبْد وعصيانه جَمِيعًا للجهتين وَأَنه يسْتَحق الثَّوَاب على امتثاله وَالْعِقَاب على عصيانه وَلَا نعد ذَلِك متناقضا فَكَذَلِك مَا نَحن فِيهِ حَذْو القذة بالقذة وَلَا يُقَال لَا نسلم أَن الطَّاعَة والعصيان للجهتين لِأَن مُتَعَلق الْأَمر هُوَ الْخياطَة ومتعلق النَّهْي هُوَ اللّّبْث فِي الدَّار وهما فعلان متباينان لَا جهتان فِي فعل وَاحِد لأَنا نقُول الْخياطَة تشْتَمل على حَرَكَة لَا محَالة فَتلك الْحَرَكَة وَاجِبَة من حَيْثُ هِيَ جُزْء الْخياطَة وَحرَام من حَيْثُ هِيَ لبث فِي الدَّار وَثَالِثهَا هُوَ الَّذِي عول عَلَيْهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ تَحْقِيق الْفرق بَين الْمنْهِي عَنهُ لعَينه ولوصفه وَلغيره فَإِذا كَانَ النَّهْي يخْتَص بِالْفِعْلِ الْمَأْمُور بِهِ وَيرجع إِلَى عينه فَلَا يجامعه الْأَمر بِهِ بل هما متناقضان نَحْو صم لَا تصم فَهَذَا هُوَ الْمنْهِي عَنهُ لعَينه وَأما الْمنْهِي عَنهُ لوصفه فَأن يفْرض أَمر مُطلق يتَبَيَّن بِهِ أَن مُرَاد الْآمِر تَحْصِيله ثمَّ يفْرض نهي عَن إِيقَاع ذَلِك الْمَأْمُور السَّابِق على وَجه خَاص مَعَ التَّعَرُّض فِي النَّهْي للْمَأْمُور بِهِ أَو يفهم مِنْهُ قصد تَعْلِيق النَّهْي بِهِ كالأمر بِالصَّوْمِ مُطلقًا وَالنَّهْي عَنهُ يَوْم الْعِيد فَإِن هَذَا يَقْتَضِي عِنْد الشَّافِعِي وَجُمْهُور الْعلمَاء إِلْحَاق شَرط بالمأمور بِهِ حَتَّى إِذا فرض وُقُوعه على مَا عَمه النَّهْي يُقَال فِيهِ أَنه لَيْسَ امتثالا وَفِيه خلاف الْحَنَفِيَّة وَسَيَأْتِي تَحْقِيقه إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 104

وَأما الْقسم الثَّالِث فان يجرى الْأَمر مُطلقًا ويتبين أَن الْغَرَض إِيقَاع الْمَأْمُور بِهِ من غير تَخْصِيص لَهُ بِحَال وَمَكَان ثمَّ يرد نهي مُطلق عَن كَون فِي مَكَان من غير تَخْصِيص لَهُ بِمُوجب الْأَمر الأول فَيَقَع النَّهْي مسترسلا وَلَا ارتباط لأَحَدهمَا بِالْآخرِ فَإِذا وَقع الْفِعْل على حسب الْأَمر مُخَالفا للنَّهْي قيل فِيهِ إِنَّه وَقع مَقْصُودا لِلْأَمْرِ الْمُطلق منفيا عَنهُ بِالنَّهْي الْمُطلق فَلَا يمْتَنع وَالْحَالة هَذِه اجْتِمَاع الْحكمَيْنِ وَينزل هَذَا منزلَة تعداد الْآمِر والناهي فَكَذَلِك هُنَا لِأَنَّهُ لم يثبت النَّهْي عَن الْكَوْن فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة فِي وضع الشَّرْع مُتَعَلقا بمقصود الصَّلَاة فاسترسل النَّهْي مُنْقَطِعًا عَن اعْتِرَاض الصَّلَاة وَبقيت الصَّلَاة على حكمهَا فَلَو صَحَّ النَّهْي مَقْصُورا على الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة قُلْنَا ببطلانها كَمَا لَا تصح صَلَاة الْمُحدث لما تعلق النَّهْي بِعَينهَا وَزَاد الإِمَام الْمَازرِيّ هَذَا وضوحا بمثال ضربه وَهُوَ أَن السَّيِّد إِذا كَانَ بَين يَدَيْهِ طَعَام وَقد غص بلقمة فَقَالَ لغلامه أسْرع إِلَيّ بكوز مَاء حُلْو وارفق فِي إِمْسَاكه لِئَلَّا ينكسر فَجرى إِلَيْهِ وَلم يرفق فِي إِمْسَاكه وسقاه فَإِنَّهُ لَا يعد عَاصِيا لَهُ فِي مَقْصُود أمره وَلَا يصير كمن فرط فِي سَيّده حَتَّى مَاتَ وَلم يسقه مَاء وَلَو أقبل إِلَيْهِ بالكوز وَفِيه مَاء زعاق لَا يساغ أَو أقبل بِهِ إِلَيْهِ فَارغًا كَانَ ذَلِك كَالْعدمِ وليم على هَذَا كَمَا يلام إِذْ قعد وَلم يَأْته بِهِ وَهَذَا مَعْلُوم مُتَعَارَف عِنْد سَائِر الْعُقَلَاء وَبِه يَتَّضِح الْفرق بَين مَا هُوَ مَقْصُود بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمنْهِي عَنهُ وَبَين مَا لَيْسَ بمقصود فِي ذَاته بل ورد لأمر خارجي عَنهُ وَهُوَ مَعْلُوم بالحس والمشاهدة وَلَيْسَ إِلَى إِنْكَاره سَبِيل

стр. 105

وَرَابِعهَا أَنه لَو لم يَصح كَون الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة مَأْمُورا بهَا مَنْهِيّا عَنْهَا لَكَانَ عدم الصِّحَّة اتِّحَاد مُتَعَلق الْأَمر ومتعلق النَّهْي فَإِنَّهُ لَا مَانع عِنْدهم من الصِّحَّة سوى الِاتِّحَاد وَاللَّازِم بَاطِل لِأَن مُتَعَلق الْوُجُوب هُوَ الْفِعْل بِاعْتِبَار كَونه صَلَاة ومتعلق النَّهْي هُوَ الْفِعْل بِاعْتِبَار كَونه غصبا فالفعل بِالِاعْتِبَارِ الأول غير الْفِعْل بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي وَاخْتِيَار الْمُكَلف جَمعهمَا لَا يخرجهما عَن حقيقتهما كَمَا إِذا رمى سَهْما وَاحِدًا إِلَى مُسلم بِحَيْثُ يَمْرُق مِنْهُ إِلَى كَافِر أَو بِالْعَكْسِ وقصدهما جَمِيعًا فَإِنَّهُ يُثَاب ويعاقب وَيملك سلب الْكَافِر وَيقتل بِالْمُسلمِ قصاصا لتضمن فعله الْوَاحِد أَمريْن مُخْتَلفين يَصح انفكاك أَحدهمَا عَن الآخر وَإِن كَانَ هُوَ قد جَمعهمَا فَإِذن مُتَعَلق الْأَمر غير مُتَعَلق النَّهْي وَاعْترض على هَذَا بأدلة الْقَائِلين بِبُطْلَان الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وحاصلها ادِّعَاء اتِّحَاد المتعلقين وَسَيَأْتِي ذكرهَا وَالْجَوَاب عَنْهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وخامسها مَا ذكره القَاضِي أَبُو بكر وَهُوَ النَّقْض بِمن تعين عَلَيْهِ قَضَاء دين وَهُوَ مُتَمَكن من أَدَائِهِ والطلب بِهِ مُتَوَجّه نَحوه فَيحرم بِالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تصح وَإِن كَانَ مكثه فِي مَكَانَهُ تركا لواجب عَلَيْهِ فِي جِهَة السَّعْي لأَدَاء الدّين وَكَذَلِكَ فِي رد الْوَدِيعَة وَكَذَلِكَ لَو ضَاقَ وَقت الصَّلَاة فاشتغل بإنشاء عقد بيع أَو نِكَاح حَتَّى خرج وَقتهَا فَإِن العقد يَصح وَإِن كَانَ عَاصِيا بِهِ وتاركا للصَّلَاة الْمَفْرُوضَة ولعقد التَّكْبِيرَة الْمَأْمُور بهَا

стр. 106

قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَأَبُو هَاشم لَا نسلم ذَلِك وَلَا أَمْثَاله وَلَيْسَ هُوَ مِمَّن تروعه التهاويل يَعْنِي فيلتزم الْبطلَان فِي هَذِه الصُّور وَنَحْوهَا وَاعْترض غَيره بِأَنَّهُ لم يعْص هُنَا بترك الصَّلَاة بل بترك قَضَاء الدّين ورد الْوَدِيعَة وَكَذَلِكَ لم يعْص بِعقد البيع بل بِتَأْخِير الصَّلَاة عَن وَقتهَا وَأجِيب عَن ذَلِك بِأَن كَونه فِي الصَّلَاة ترك لاشتغاله بِقَضَاء الدّين كَمَا أَن كَونه فِيهَا لبث فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَلَا فرق فالنقص لَازم لَهُ بِغَيْر إِشْكَال وَأما مَا ذكره إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَلَيْسَ بِشَيْء لِأَن هَذِه الصُّور كلهَا إجماعية قَطْعِيَّة لم يقل أحد بِبُطْلَان الصَّلَاة فِيهَا وَلَا يسع أَبَا هَاشم وَلَا غَيره الْتِزَام ذَلِك لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال أَكثر أَعمال الْخلق من صَلَاة وَصَوْم وَحج وَبيع وَشِرَاء وإعتاق إِلَى غير ذَلِك من التَّصَرُّفَات الَّتِي هِيَ من ضرورات الْخلق وعَلى الْوَاحِد مِنْهُم حُقُوق يجب عَلَيْهِ التنصل مِنْهَا أما بِالرَّدِّ أَو بالاستحلال فَيكون اشْتِغَاله عَن ذَلِك بِمَا ذكر قَاطعا عَن الْخُرُوج من حق الْغَيْر وَهَذَا مَعْلُوم بُطْلَانه أَعنِي القَوْل بِفساد هَذِه التَّصَرُّفَات فِي هَذِه الْحَالة وَاحْتج الْقَائِلُونَ بِفساد الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة بأوجه أَحدهَا أَن مُتَعَلق الْأَمر إِمَّا أَن يكون عين مُتَعَلق النَّهْي أَو غَيره فَإِن كَانَ الأول كَانَ الشَّيْء الْوَاحِد مَأْمُورا مَنْهِيّا مَعًا وَذَلِكَ عين تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَإِن كَانَ الثَّانِي فالوجهان إِمَّا أَن يتلازما أَو لَا فَإِن لم يتلازما كَانَ الْأَمر وَالنَّهْي مُتَعَلقين بشيئين وَلَا نزاع فِي صِحَة ذَلِك لكنه لَيْسَ بِصُورَة الْمَسْأَلَة

стр. 107

لما سنبينه وَإِن تلازما كَانَ كل وَاحِد من ضرورات الآخر وَالْأَمر بالشَّيْء أَمر بِمَا هُوَ من ضروراته وَإِلَّا وَقع التَّكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق فَإِذا كَانَ الْمنْهِي من ضرورات الْمَأْمُور كَانَ مَأْمُورا فَيَعُود الْأَمر إِلَى لُزُوم كَون الشَّيْء الْوَاحِد مَأْمُورا مَنْهِيّا وَذَلِكَ محَال وَهَذَا صُورَة هَذِه الْمَسْأَلَة لِأَن جِهَة الْغَصْب على الْإِطْلَاق وَإِن كَانَت مُغَايرَة لجِهَة الصَّلَاة ومنفكة عَن مُطلق الصَّلَاة لكنه يَسْتَحِيل انفكاك هَذِه الصَّلَاة عَن جِهَة الْغَصْب إِذْ الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة يَسْتَحِيل أَن تكون منفكة عَن جِهَة الْغَصْب وَثَانِيها أَن الحركات والسكنات دَاخِلَة فِي مَفْهُوم الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وشغل الحيز دَاخل فِي مَفْهُوم الْحَرَكَة والسكون إِذْ الْحَرَكَة عبارَة عَن شغل الْجَوْهَر للحيز بعد أَن كَانَ فِي غَيره والسكون عبارَة عَن شغل الْجَوْهَر للحيز أَكثر من زمَان وَاحِد فشغل الحيز دَاخل فِي مَفْهُوم الْحَرَكَة والسكون الداخلين فِي مَفْهُوم الصَّلَاة فَكَانَ دَاخِلا فِي مَفْهُوم الصَّلَاة لِأَن جُزْء الْجُزْء جُزْء وشغل الحيز فِيمَا نَحن فِيهِ حرَام فَالصَّلَاة الَّتِي جزؤها حرَام لَا تكون وَاجِبَة لِأَن وُجُوبهَا إِمَّا أَن يسْتَلْزم إِيجَاب مَا كَانَ من أَجْزَائِهَا محرما وَهُوَ تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق وَالثَّانِي يلْزم مِنْهُ أَن يكون الْوَاجِب بعض أَجزَاء الصَّلَاة لَا نفس الصَّلَاة لِأَن مَفْهُوم الْجُزْء مُغَاير لمَفْهُوم الْكل وَذَلِكَ محَال وَلِأَن النَّهْي عَن الْجُزْء نهي عَن الْكل الْمَجْمُوع والمنهي عَنهُ لَا يكون وَاجِبا وَلِأَن الْأَمر بِالْكُلِّ أَمر بالجزء لتوقفه عَلَيْهِ وَيلْزمهُ إِيجَاب مَا كَانَ من أَجْزَائِهَا محرما وَهُوَ تَكْلِيف بالمحال

стр. 108

وَثَالِثهَا أَن الْمُسلمين أَجمعُوا على أَن الصَّلَاة لَا تصح إِلَّا بنية التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى والتقرب إِلَيْهِ لَا يتَصَوَّر بِمَا هُوَ مَعْصِيّة وَقد حرمه الله سُبْحَانَهُ وَبِعِبَارَة أُخْرَى شَرط صِحَة الصَّلَاة نِيَّة الْوُجُوب أَو نِيَّة مَا يقوم مقَام الْوُجُوب فَكيف يتَحَقَّق الْوُجُوب فِيمَا قد تحقق فِيهِ الْحَظْر لِأَن الْكَوْن فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة محرم وَرَابِعهَا النَّقْض بِبُطْلَان صَوْم يَوْم النَّحْر بِالنذرِ وَغَيره مَعَ اخْتِلَاف الْجِهَتَيْنِ فِيهِ لِأَن جِهَة كَونه صوما منذورا مَأْمُورا بِهِ وجهة كَونه وَاقعا فِي يَوْم النَّحْر مَنْهِيّ عَنهُ وَمِنْهُم من أورد ذَلِك على وَجه الْمُلَازمَة فَقَالَ لَو صحت الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة لصَحَّ الصَّوْم يَوْم النَّحْر وَالْجَامِع اخْتِلَاف الْجِهَتَيْنِ كَمَا سبق فَلَمَّا لم يَصح الصَّوْم يَوْم النَّحْر لم تصح الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَلَا يخفى أَن هَذَا الْوَجْه إِنَّمَا هُوَ لَازم للمالكية وَالشَّافِعِيَّة الْقَائِلين بِبُطْلَان صَوْم يَوْم الْعِيد بِخِلَاف الْحَنَفِيَّة فَإِنَّهُم يَقُولُونَ بِصِحَّتِهِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأجِيب عَن الْوَجْه الأول وَالثَّانِي بِأُمُور أَحدهَا النَّقْض بِمَا تقدم من الْمِثَال الْمَضْرُوب فِي أَمر السَّيِّد عَبده بالخياطة وَنَهْيه عَن دُخُول الدَّار قَالَ صَاحب الْأَحْكَام جَمِيع مَا ذَكرُوهُ فِي الْوَجْه الأول وَالثَّانِي بِعَيْنِه وَارِد على الْمِثَال الْمَضْرُوب من غير فرق

стр. 109

وَأجَاب غَيره بِمَنْع أَن مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ وَهُوَ مَقْدُور للمكلف فَهُوَ وَاجِب وبمنع أَن الْأَمر بِالْكُلِّ أَمر بالجزء وَهَذَا الْمَنْع إِنَّمَا يتم مِمَّن يمْنَع ذَلِك مُطلقًا أَو مِمَّن يَقُول إِن مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ لَا يكون وَاجِبا إِلَّا إِذا كَانَ شرطا شَرْعِيًّا كَابْن الْحَاجِب وَمن وَافقه وكلا الْقَوْلَيْنِ ضعيفان وَالرَّاجِح وجوب مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ وان الْأَمر بِالْكُلِّ أَمر بالجزء وَأجَاب صَاحب التَّحْصِيل عَنْهُمَا بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنه لَا نزاع فِي أَن الْفِعْل الْمعِين لَا يجوز أَن يكون مَأْمُورا بِهِ لعَينه ومنهيا عَنهُ لعَينه وَإِنَّمَا النزاع فِي أَن الْفِعْل إِذا كَانَ فَردا من أَفْرَاد الْمَأْمُور بِهِ وَلم يكن مَأْمُورا بِهِ لعَينه وَلَكِن وجد الْمَأْمُور بِهِ فِي ضمنه هَل النَّهْي عَنهُ أم لَا وَمَا ذكر من الدَّلِيلَيْنِ لَا يدل على فَسَاد هَذَا بل على أَن الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة لَا يكون مَأْمُورا بهَا لعينها وَلَا نزاع فِي ذَلِك وَجَوَاب الْمُتَنَازع فِيهِ بنى على أصل الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ أَن الْأَمر بالماهية الْكُلية لَيْسَ أمرا بِشَيْء من جزئياتها فَالْأَمْر بِصَلَاة الظّهْر مثلا لَا يكون أمرا بِهَذِهِ الصَّلَاة الْوَاقِعَة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة

стр. 110

وَبِهَذَا خرج الْجَواب عَن قَوْلهم فِي الْوَجْه الأول إِن لم يتلازما فَلَيْسَتْ هَذِه الْمَسْأَلَة أَي مَسْأَلَة الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة فَإِن الصَّلَاة مَعَ الْغَصْب أَمْرَانِ متلازمان هُنَا كَمَا تقدم من كَلَامه لِأَنَّهُ تبين أَن التلازم إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ الْمَأْمُور بِهِ هُنَا هُوَ عين الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بل الْمَأْمُور بِهِ نفس الصَّلَاة الْوَاقِعَة فِي ضمن الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة فَإِن الْمَأْمُور بِهِ إِنَّمَا هُوَ فَرد من نوع لَا بِخُصُوص كَونه ذَلِك الْفَرد بل بِوُجُود النَّوْع الْوَاجِب فِي ضمن ذَلِك الْفَرد لِأَن كل فَرد من أَفْرَاد الْوَاجِب ظهرا الْوَاقِعَة فِي نفس الظّهْر مثلا إِنَّمَا يتشخص بعوارض مَخْصُوصَة كزمان مَخْصُوص وَمَكَان مَخْصُوص وعَلى قدر مَخْصُوص وَلَا تُوجد تِلْكَ الْعَوَارِض الْمَخْصُوصَة إِلَّا فِي ضمن ذَلِك الْفَرد مَعَ اشْتِرَاك الْجَمِيع فِي كَونهَا صَلَاة الظّهْر وَاقعَة فِي الْوَقْت وَلَا يُقَال إِذا لم تكن الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَاجِبَة فالآتي بهَا لم يخرج عَن الْعهْدَة لتَركه الْوَاجِب لأَنا نقُول الْمُدعى أَن الْوَاجِب الْمُطلق مَوْجُود فِي ضمن هَذَا الْفَرد المتشخص بالعوارض الْمَخْصُوصَة فَيخرج بذلك عَن الْعهْدَة وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون هَذَا الْفَرد الْمعِين لشخصه بعوارضه الْخَاصَّة وَاجِبا لعَينه لما بَيناهُ وَهَذَا كُله بِنَاء على مَا تقدم أَن الْأَمر بالماهية الْكُلية لَيْسَ أمرا بِشَيْء من جزئياتها وَمَوْضِع تَقْرِيره غير هَذَا الْمَكَان فَتكون الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة مَأْمُورا بهَا بِاعْتِبَار ماهيتها ومنهيا عَنْهَا بِاعْتِبَار خصوصيتها
следующие страницы →