Полный текст (152 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه أما بعد حمد الله الْعَزِيز بباهر كَمَاله الْقَدِير بقاهر جَلَاله الْجواد بجزيل نواله الْحَكِيم بجميل فعاله وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وَآله صَلَاة تبلغ قَائِلهَا نِهَايَة آماله فَإِن مَسْأَلَة إقتضاء النَّهْي الْفساد من مهمات الْفَوَائِد وَأُمَّهَات الْقَوَاعِد لرجوع كثير من الْمسَائِل الفرعية إِلَيْهَا وَتَخْرِيج خلاف الْأَئِمَّة فِي مآخذهم عَلَيْهَا فعلقتها فِي هَذِه الأوراق مبسوطة وَذكرت من المباحث مَا هِيَ بِهِ منوطة وَالله تَعَالَى الْهَادِي إِلَى سَوَاء السَّبِيل وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل وَالْكَلَام عَلَيْهَا يَتَرَتَّب فِي فُصُول
стр. 2
الْفَصْل الأول
فِي مُقَدمَات وتقسيمات يَتَرَتَّب الْكَلَام عَلَيْهَا وفيهَا مبَاحث
الْبَحْث الأول أَن صِيغَة لَا تفعل حصر إستعمالها جمَاعَة من الْأَئِمَّة فِي عدَّة وُجُوه أَحدهَا التَّحْرِيم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَا تقربُوا الزِّنَى﴾ وَأَمْثَاله وَثَانِيها الْكَرَاهَة كَقَوْلِه ﷺ إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من نَومه فَلَا يغمس يَده فِي الْإِنَاء الحَدِيث وَثَالِثهَا التحقير كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك﴾ الْآيَة وَرَابِعهَا الْإِرْشَاد كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَا تسألوا عَن أَشْيَاء﴾
стр. 3
وخامسها التحذير كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ وسادسها بَيَان الْعَاقِبَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَا تحسبن الله غافلا عَمَّا يعْمل الظَّالِمُونَ﴾ وسابعها الْيَأْس كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَا تعتذروا الْيَوْم﴾ الْآيَة وثامنها الدُّعَاء كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا﴾ وَنَحْوه وتاسعها التَّسْوِيَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَاصْبِرُوا أَو لَا تصبروا﴾
стр. 4
وعاشرها التهديد كَقَوْل السَّيِّد لعَبْدِهِ لَا تمتثل أَمْرِي يهدده بذلك وَزَاد بعض الْحَنَفِيَّة وَجها آخر وَهُوَ الشَّفَقَة كَمَا فِي قَوْله ﷺ لَا تَتَّخِذُوا الدَّوَابّ كراسي وَيُمكن رده إِلَى وَجه الْكَرَاهَة وَكَذَلِكَ التحقير وَبَيَان الْعَاقِبَة بِخِلَاف بَقِيَّة الْوُجُوه
ثمَّ الْخلاف بَين الْأَئِمَّة مَشْهُور فِي التَّحْرِيم وَالْكَرَاهَة هَل اللَّفْظ حَقِيقَة فِي أَحدهمَا مجَاز فِي الآخر أَو هُوَ مُشْتَرك لَفْظِي أَو للقدر الْمُشْتَرك أَو يُقَال بِالْوَقْفِ على مَا هُوَ مَعْرُوف فِي مَوْضِعه وَالْمُخْتَار أَنه حَقِيقَة فِي التَّحْرِيم مجَاز فِيمَا عداهُ
وَالْكَلَام فِي أَن النَّهْي هَل يَقْتَضِي الْفساد أم لَا إِنَّمَا هُوَ مُفَرع على أَنه للتَّحْرِيم وَأما نهي الْكَرَاهَة فَالَّذِي يشْعر بِهِ كَلَام الْأَكْثَرين وَصرح بِهِ جمَاعَة أَنه
стр. 5
لَا خلاف فِيهِ وَذَلِكَ ظَاهر إِذْ لَا مَانع من الِاعْتِدَاد بالشَّيْء مَعَ كَونه مَكْرُوها وَلذَلِك قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيرهم بِصِحَّة الصَّلَاة فِي الْحمام وأعطان الْإِبِل وَنَحْوهمَا مَعَ القَوْل بكراهتها وَقد وَقع فى كَلَام الشَّيْخ أبي عَمْرو بن الصّلاح رَحمَه الله تَعَالَى مَا يُنَافِي هَذَا فَإِن أَصْحَابنَا اخْتلفُوا فِي النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْخَمْسَة هَل هُوَ للتَّحْرِيم أَو للتنزيه
وَالأَصَح عِنْد الْجُمْهُور أَنه للتَّحْرِيم ثمَّ ذكرُوا وَجْهَيْن فِي أَنَّهَا إِذا أحرم بهَا فِي هَذِه الْأَوْقَات هَل تَنْعَقِد أم لَا وَالأَصَح أَنَّهَا لَا تَنْعَقِد كَالصَّوْمِ فِي يَوْم الْعِيد فَالَّذِي يظْهر أَن هذَيْن الْوَجْهَيْنِ مفرعان على أَن النَّهْي للتَّحْرِيم أَو للتنزيه وَلذَلِك اتّفق التَّصْحِيح على أَنه للتَّحْرِيم وَأَنَّهَا لَا تَنْعَقِد
стр. 6
وَقَالَ ابْن الصّلاح مَأْخَذ الْوَجْهَيْنِ أَن النَّهْي هَل يعود إِلَى نفس الصَّلَاة أم إِلَى خَارج عَنْهَا قَالَ وَلَا يتَخَرَّج هَذَا على أَن النَّهْي للتَّحْرِيم أَو للتنزيه لِأَن نهي التَّنْزِيه أَيْضا يضاد الصِّحَّة إِذا رَجَعَ إِلَى نفس الصَّلَاة لِأَنَّهَا لَو صحت لكَانَتْ عبَادَة مَأْمُورا بهَا وَالْأَمر وَالنَّهْي الراجعان إِلَى نفس الشَّيْء متناقضان انْتهى كَلَامه
وَهَذَا مَأْخُوذ من كَلَام الإِمَام الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى فَإِنَّهُ قَالَ كَمَا يتضاد الْحَرَام وَالْوَاجِب فيتضاد الْمَكْرُوه وَالْوَاجِب فَلَا يدْخل مَكْرُوه تَحت الْأَمر حَتَّى يكون شَيْء وَاحِد مَأْمُورا بِهِ مَكْرُوها إِلَّا أَن تَنْصَرِف الْكَرَاهَة عَن ذَات الْمَأْمُور إِلَى غَيره ككراهة الصَّلَاة فِي الْحمام وأعطان الْإِبِل وَذكر بَقِيَّة كَلَام
فتحصلنا على قَوْلَيْنِ فِي أَن نهي التَّنْزِيه إِذا كَانَ لعين الشَّيْء هَل يَقْتَضِي الْفساد أم لَا وَفِي نهي التَّنْزِيه نظر لِأَن التَّنَاقُض إِنَّمَا يَجِيء إِذا كَانَ النَّهْي للتَّحْرِيم وعَلى تَقْدِير اعْتِبَار مَا ذكره الْغَزالِيّ وَابْن الصّلاح فَذَلِك التضاد إِنَّمَا يَجِيء فِيمَا هُوَ وَاجِب خَاصَّة لما بَين الْوُجُوب وَالْكَرَاهَة من التباين
فَأَما الصِّحَّة مَعَ الْإِبَاحَة كَمَا فِي الْعُقُود الْمنْهِي عَنْهَا تَنْزِيها فَلَا تضَاد حِينَئِذٍ وَالْفساد مُخْتَصّ بِمَا كَانَ النَّهْي فِيهِ للتَّحْرِيم وَالله أعلم
стр. 7
الْبَحْث الثَّانِي النَّهْي عَن الشَّيْء يَنْقَسِم ظَاهرا إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام أَحدهَا مَا يرجع إِلَى ذَات الْمنْهِي عَنهُ كالكذب وَالظُّلم وَنَحْوهمَا وَثَانِيها مَا يرجع إِلَى غَيره كالنهي عَن البيع وَقت النداء وَعَن النجش وَمَا أشبههما وَثَالِثهَا مَا يرجع إِلَى وصف الْمنْهِي عَنهُ كَصَوْم يَوْم النَّحْر وَبيع الربويات على الْوَجْه الْمنْهِي عَنهُ وَالْوَطْء فِي حَالَة الْحيض وَالطَّلَاق فِيهِ أَيْضا
فالصوم من حَيْثُ انه صَوْم مَشْرُوع لَكِن من حَيْثُ إِيقَاعه فِي يَوْم الْعِيد مَنْهِيّ عَنهُ وَالْبيع مَشْرُوع من حَيْثُ الْجُمْلَة لَكِن من حَيْثُ إِيقَاعه انه وَقع مَقْرُونا بِشَرْط فَاسد أَو بِزِيَادَة فِي المَال الرِّبَوِيّ مَمْنُوع وَكَذَلِكَ الْوَطْء وَالطَّلَاق حَالَة الْحيض وَفِيهِمَا نظر يَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالْعُلَمَاء مُخْتَلفُونَ فِي الحكم بِالْفَسَادِ وَعَدَمه فِي هَذِه الْأَقْسَام كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وينقسم أَيْضا من وَجه آخر إِلَى مَا يتَعَلَّق بالعبادات وَمَا يتَعَلَّق بالمعاملات وكل مِنْهُمَا يَنْقَسِم إِلَى الْأَقْسَام الثَّلَاثَة الأولى
стр. 8
وَعبر الْحَنَفِيَّة عَن الْأَقْسَام الثَّلَاثَة الَّتِي ذَكرنَاهَا بِعِبَارَة أُخْرَى فَقَالُوا النَّهْي عَن الشَّيْء إِمَّا لعَينه أَو لغيره
فَالْأول يَنْقَسِم إِلَى وضعي كالعبث والسفه وشرعي كَبيع الْحر والمضامين والملاقيح وَالصَّلَاة بِغَيْر طَهَارَة لارْتِفَاع أَهْلِيَّة الْأَدَاء شرعا وَالثَّانِي يَنْقَسِم إِلَى مجاور وَوصف لَازم فالمجاور كَالْوَطْءِ فِي الْحيض وَالْبيع وَقت النداء وكصوم يَوْم النَّحْر وَالصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَالْوَصْف اللَّازِم كَبيع الرِّبَوِيّ مُتَفَاضلا أَو بنسيئة وَسَائِر الْعُقُود الْفَاسِدَة وعد بَعضهم صَوْم يَوْم النَّحْر من هَذَا الْقسم وَسَيَأْتِي مَا يَتَرَتَّب على هَذَا التَّقْسِيم وَمَا يرد عَلَيْهِ أَن شَاءَ الله تَعَالَى
الْبَحْث الثَّالِث المعني بِالْفَسَادِ الْآتِي ذكره عِنْد كل من قَالَ بِهِ هُوَ مَا ذهب إِلَيْهِ فِي تَفْسِير الْفساد وَلَهُم فِي ذَلِك اخْتِلَاف وَالْكَلَام فِي طرفين الأول مَا يتَعَلَّق بالعبادات وَتَفْسِير لفظ الْفساد مترتب على مَا يُقَابله وَهُوَ الصِّحَّة وَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ المتكلمون أَن المعني بِالصِّحَّةِ فِي الْعِبَادَة كَونهَا مُوَافقَة لأمر الشَّارِع فِي ظن الْفَاعِل لَا فِي نفس الْأَمر
стр. 9
وَعند الْفُقَهَاء المُرَاد بِالصِّحَّةِ فِيهَا إِسْقَاط الْقَضَاء وَالْفساد مُقَابل للصِّحَّة على التفسيرين فعلى هَذَا يتَخَرَّج صَلَاة من ظن أَنه متطهر ثمَّ تبين أَنه لَيْسَ كَذَلِك فَعِنْدَ الْمُتَكَلِّمين هِيَ صَحِيحَة لِأَنَّهَا وَقعت مُوَافقَة لأمر الشَّارِع فِي ظَنّه
وَعند الْفُقَهَاء هِيَ بَاطِلَة لِأَنَّهَا لم تسْقط الْقَضَاء وعكسها صَلَاة من صلى خلف الْخُنْثَى الْمُشكل ثمَّ تبين أَنه رجل إِذا فرع على أحد الْقَوْلَيْنِ للشَّافِعِيّ فِي انه لَا يجب الْقَضَاء لَكِن الرَّاجِح خِلَافه فَإِنَّهَا على اصْطِلَاح الْفُقَهَاء صَحِيحَة على هَذَا القَوْل لإسقاطها الْقَضَاء وَعند الْمُتَكَلِّمين بَاطِلَة لِأَنَّهَا لَيست مُوَافقَة لأمر الشَّرْع
وَذكر الْقَرَافِيّ أَن الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِنَّمَا هُوَ فِي التَّسْمِيَة وَأما الْأَحْكَام فمتفق عَلَيْهَا عِنْد الْفَرِيقَيْنِ لأَنهم اتَّفقُوا على أَنه مُوَافق لأمر الله تَعَالَى وَأَنه مثاب عَلَيْهَا وَأَنه لَا يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء إِذا لم يطلع على الْحَدث وَأَنه يجب الْقَضَاء إِذا تبينه
قَالَ وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي وضع لفظ الصِّحَّة هَل يضعونه لما وَافق الْأَمر
стр. 10
سَوَاء وَجب الْقَضَاء أَو لم يجب أَو لما لَا يُمكن أَن يتعقبه قَضَاء وَهَذَا فِيهِ نظر من جِهَة مَسْأَلَة الصَّلَاة خلف الْخُنْثَى الْمُشكل الَّتِي أَشَرنَا إِلَيْهَا وَلَا يلْزم من اتِّفَاقهم على مَا ذكر من الْأَحْكَام أَن يكون الْخلاف فِي التَّسْمِيَة لِأَنَّهُ ثمَّ أَحْكَام أخر غير هَذِه
وَقد ذكر الْأَصْفَهَانِي شَارِح الْمُخْتَصر فِيهِ أَن مِمَّا يتَخَرَّج على هَذَا الْخلاف صَلَاة من لم يجد مَاء وَلَا تُرَابا إِذا صلى على حسب حَاله وَقُلْنَا بالراجح من الْمَذْهَب انه يجب عَلَيْهِ الْإِعَادَة قَالَ فَتلك الصَّلَاة صَحِيحَة على اصْطِلَاح الْمُتَكَلِّمين فَاسِدَة على اصْطِلَاح الْفُقَهَاء قلت وَفِي ذَلِك وَجْهَان لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتوَلِّيّ وَبنى عَلَيْهِمَا لَو حلف لَا يُصَلِّي فصلى
стр. 11
كَذَلِك وَلَكِن هَذَا القَوْل يُؤَدِّي إِلَى أَن نقُول كل صَلَاة فعلت لحُرْمَة الْوَقْت وَلم يسْقط بذلك فَرضهَا بل كَانَ قَضَاؤُهَا وَاجِبا تكون فَاسِدَة عِنْد الْفُقَهَاء وَلَا يكون الْفساد فِي الْعِبَادَة دائرا مَعَ ارْتِكَاب الْمنْهِي عَنهُ وجودا وعدما بل قد يكون لاختلال شَرط أَو ركن مَعَ كَونه مَأْمُورا بِفعل الْعِبَادَة فِي الْوَقْت لِحُرْمَتِهِ لَكِن يشكل على هَذَا أَن يُقَال كَيفَ يُؤمر بِعبَادة هِيَ فَاسِدَة وَلَا يسمحون بِإِطْلَاق الْفَاسِد فِي مثل هَذَا بل قد صَرَّحُوا فِيهِ بِالصِّحَّةِ وللنظر هُنَا مجَال وَسَيَأْتِي مزِيد بحث فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الطّرف الثَّانِي فِيمَا يتَعَلَّق بالمعاملات وَالَّذِي ذكره جُمْهُور أَئِمَّة الْأُصُول أَن الصِّحَّة فِيهَا عبارَة عَن ترَتّب ثَمَرَة ذَلِك العقد الْمَطْلُوبَة مِنْهُ وَالْمرَاد بِالْفَسَادِ أَن لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ ذَلِك وَالْمرَاد بالثمرة أثر كل عقد بِحَسبِهِ فأثر البيع التَّمَكُّن من الْأكل وَالْوَطْء وَالْهِبَة وَالْوَقْف وَنَحْو ذَلِك وَثَمَرَة الْإِجَارَة التَّمَكُّن من الْمَنَافِع وَفِي الْقَرَاض عدم الضَّمَان وَاسْتِحْقَاق الرِّبْح وَفِي النِّكَاح التَّمَكُّن من الْوَطْء وَالطَّلَاق إِلَى غير ذَلِك من أَنْوَاع الْعُقُود
وَاعْترض بَعضهم على ذَلِك بِأَن المُرَاد من ثَمَرَات الْعُقُود إِمَّا الْكل أَو الْبَعْض وَالْأول بَاطِل لِأَن الْمَبِيع فِي زمن الْخِيَار وَالْمَبِيع قبل قَبضه لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ ثمراته مَعَ أَن العقد صَحِيح وَكَذَلِكَ إِذا بَاعَ الدَّار المأجورة وَالْعَبْد الْجَانِي وَقُلْنَا بِصِحَّة البيع فيهمَا
стр. 12
وَإِن كَانَ المُرَاد بالثمرات بَعْضهَا فَذَلِك الْبَعْض إِمَّا معِين أَو أَي بعض كَانَ وَالْأول بَاطِل اتِّفَاقًا وَأَيْضًا لَيْسَ فِي اللَّفْظ مَا يشْعر بِهِ
وَالثَّانِي يرد عَلَيْهِ ترَتّب بعض آثَار العقد الْفَاسِد كالقراض وَالْوكَالَة الفاسدين فَإِن التَّصَرُّف فيهمَا يَصح وَهُوَ بعض ثَمَرَات العقد فَيكون الْحَد غير مَانع
وَيُمكن الْجَواب عَنهُ بِأَن المُرَاد بِهِ جَمِيع ثَمَرَات العقد وَلَيْسَ المعني بِهِ التَّرْتِيب بِالْفِعْلِ بل بِالْقُوَّةِ وتخلف ذَلِك عَن الْمَبِيع قبل الْقَبْض أَو فِي زمن الْخِيَار لَا يرد لِأَن العقد وَإِن كَانَ صَحِيحا لكنه لم يتم حَتَّى يتَمَكَّن المُشْتَرِي من جَمِيع التَّصَرُّفَات فَتخلف ذَلِك لمَانع عَارضه لَا لفساد العقد
وَأَيْضًا فجواز تصرف الْعَامِل وَالْوَكِيل فِي الْقَرَاض وَالْوكَالَة الفاسدين لَيْسَ من ثَمَرَات العقد بل من ثَمَرَات الْأذن الَّذِي اشْتَمَل عَلَيْهِ العقد وَلِهَذَا يسْقط الْمُسَمّى وَيرجع فِيهِ إِلَى أُجْرَة الْمثل وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْخلْع وَالْكِتَابَة الفاسدين لَيْسَ النّفُوذ فيهمَا من ثَمَرَات العقد بل من التَّعْلِيق الَّذِي اشْتَمَل العقد عَلَيْهِ فَلم يَتَرَتَّب فِي هَذَا على العقد الْفَاسِد شَيْء ولهذه الْعُقُود عدل بَعضهم عَن الْعبارَة الْمُتَقَدّمَة فَقَالَ المُرَاد من كَون العقد صَحِيحا أَن يكون مستجمعا لجَمِيع أَرْكَانه وشرائطه وَمن كَونه فَاسِدا أَن لَا يكون كَذَلِك ليشْمل الْحَد جَمِيع مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ وَرجح هَذِه الْعبارَة قَائِلهَا بمناسبتها للمعنى اللّغَوِيّ فان الصِّحَّة فِي اللُّغَة ضد السقم فَالصَّحِيح من الْحَيَوَان مَا هُوَ على الْحَالة الطبيعية الَّتِي هِيَ أكمل أَحْوَاله وَالْفساد هُوَ الْخُرُوج عَن ذَلِك فَالْعقد المستجمع لِأَرْكَانِهِ وشرائطه صَحِيح
стр. 13
لِأَنَّهُ على أكمل أَحْوَاله وَمَا نقص فِيهِ شَيْء من ذَلِك كَانَ فَاسِدا لِخُرُوجِهِ عَن ذَلِك وَيُمكن أَن تجْعَل هَذِه الْعبارَة شَامِلَة للعبادات والمعاملات جَمِيعًا فَيُقَال كَون كل مِنْهُمَا صَحِيحا هُوَ مَا استجمع جَمِيع أَرْكَانه وشرائطه لكنه يحْتَاج إِلَى أَن يُزَاد فِي الْعِبَادَة مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهَا حَتَّى لَا ترد صَلَاة الْمَرِيض قَاعِدا عِنْد مشقة الْقيام وَأَمْثَاله وَكَذَلِكَ من صلى إِلَى غير جِهَة الْقبْلَة بِالِاجْتِهَادِ ثمَّ تبين الْخَطَأ إِذا قُلْنَا بِأَنَّهُ لَا يلْزمه الْإِعَادَة وَهَاتَانِ العبارتان إِنَّمَا هِيَ على قَاعِدَة أَصْحَابنَا
وَالْجُمْهُور فِي عدم التَّفْرِقَة بَين الْبَاطِل وَالْفَاسِد وأنهما مُتَرَادِفَانِ يُطلق كل مِنْهُمَا فِي مُقَابلَة الصَّحِيح
وَأما الْحَنَفِيَّة فَإِنَّهُم فرقوا بَينهمَا وخصصوا اسْم الْبَاطِل بِمَا لَا ينْعَقد بِأَصْلِهِ كَبيع الْخمر وَالْحر وَالْفَاسِد بِمَا ينْعَقد عِنْدهم بِأَصْلِهِ دون وَصفه كعقد الرِّبَا فَإِنَّهُ مَشْرُوع من حَيْثُ انه بيع وممنوع من حَيْثُ انه عقد رَبًّا فَالْبيع الْفَاسِد عِنْدهم يُشَارك الصَّحِيح فِي إِفَادَة الْملك إِذا اتَّصل بِالْقَبْضِ
وَحَاصِل هَذَا أَن قاعدتهم انه لَا يلْزم من كَون الشَّيْء مَمْنُوعًا بوصفه أَن يكون مَمْنُوعًا بِأَصْلِهِ فَجعلُوا ذَلِك منزلَة متوسطة بَين الصَّحِيح وَالْبَاطِل وَقَالُوا الصَّحِيح هُوَ الْمَشْرُوع بِأَصْلِهِ وَوَصفه وَهُوَ العقد المستجمع لكل شَرَائِطه وَالْبَاطِل هُوَ الْمَمْنُوع بهما جَمِيعًا وَالْفَاسِد الْمَشْرُوع بِأَصْلِهِ الْمَمْنُوع بوصفه
وَمذهب الشَّافِعِي وَأحمد وأصحابهما أَن كل مَمْنُوع بوصفه فَإِنَّهُ مَمْنُوع بِأَصْلِهِ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَة مبسوطة إِن شَاءَ الله تَعَالَى غير أَن الَّذِي يخص هَذَا الْموضع
стр. 14
بَيَان فَسَاد هَذَا الِاصْطِلَاح وَذَلِكَ من جِهَة النَّقْل فان مُقْتَضى هَذِه التَّفْرِقَة أَن يكون الْفَاسِد هُوَ الْمَوْجُود على نوع من الْخلَل وَالْبَاطِل هُوَ الَّذِي لَا تثبت حَقِيقَته بِوَجْه وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ فَسمى السَّمَوَات وَالْأَرْض فَاسِدَة عِنْد تَقْدِير الشَّرِيك ووجوده وَدَلِيل التمانع يَقْتَضِي أَن الْعَالم على تَقْدِير الشَّرِيك ووجوده يَسْتَحِيل وجوده لحُصُول التمانع لَا انه يكون مَوْجُودا على نوع من الْخلَل فقد سمى الله تَعَالَى الَّذِي لَا تثبت حَقِيقَته بِوَجْه فَاسِدا وَهُوَ خلاف مَا قَالُوهُ فِي الْفرق بَين الْبَاطِل وَالْفَاسِد وان كَانَ مأخذهم فِي التَّفْرِيق مُجَرّد الِاصْطِلَاح مطالبون بمستند شَرْعِي يَقْتَضِي اخْتِلَاف الحكم الْمُرَتّب عَلَيْهِمَا
فَعلم بِهَذَا أَن مُرَاد الْجُمْهُور بقَوْلهمْ النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد هُوَ الْبطلَان وَأما الْفساد على اصْطِلَاح الْحَنَفِيَّة فَلَا وان مُرَاد الْحَنَفِيَّة فِي أَن بعض أَنْوَاع النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد لَيْسَ هُوَ الْبطلَان كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه
وَأما الْمَالِكِيَّة فتوسطوا بَين الْقَوْلَيْنِ وَلم يفرقُوا بَين الْبَاطِل وَالْفَاسِد فِي التَّسْمِيَة وَلَكنهُمْ قَالُوا البيع الْفَاسِد يُفِيد شُبْهَة الْملك فِيمَا يقبل الْملك فَإِذا لحقه أحد أَرْبَعَة أَشْيَاء تقرر الْملك بِالْقيمَةِ وَهِي حِوَالَة الْأَسْوَاق وَتلف الْعين ونقصانها وَتعلق حق الْغَيْر بهَا على تَفْصِيل لَهُم وفروع هِيَ مبسوطة فِي كتبهمْ وَالله أعلم
стр. 15
الْفَصْل الثَّانِي
فِي نقل الْمذَاهب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وللعلماء فِي ذَلِك اخْتِلَاف كثير وَالَّذِي وَقعت عَلَيْهِ من كَلَام المصنفين فِي هَذِه المسالة على أَقسَام
أَحدهمَا قَول من أطلق الْخلاف فِي الْمَسْأَلَة وَلم يفصل فَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو بكر بن فورك الَّذِي ذهب إِلَيْهِ أَكثر أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة أَن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان ذهب الْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَن الصِّيغَة الْمُطلقَة فِي النَّهْي تَتَضَمَّن فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ
стр. 16
وَخَالف فِي ذَلِك كثير من الْمُعْتَزلَة وَبَعض أَصْحَاب أبي حنيفَة
وَقَالَ القَاضِي الْمَاوَرْدِيّ فِي كِتَابه الْحَاوِي وَالنَّهْي إِن تجرد عَن قرينَة كَانَ مَحْمُولا عِنْد الشَّافِعِي على التَّحْرِيم وَفَسَاد الْمنْهِي عَنهُ إِلَّا أَن يصرفهُ دَلِيل غَيره
وَقَالَ الإِمَام أَبُو نصر بن الصّباغ فِي كِتَابه الْعدة النَّهْي يدل على فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ بِظَاهِرِهِ وعَلى التَّحْرِيم وَيجوز أَن يصرف عَن ظَاهره بِدَلِيل وَقَالَ قوم من أَصْحَابنَا لَا يدل على فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ وَهُوَ مَذْهَب أَكثر الْمُتَكَلِّمين وَذهب متأخروهم إِلَى أَنه يدل على فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ فِي الْعِبَادَات دون الْعُقُود والإيقاعات
стр. 17
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَق الشِّيرَازِيّ فِي شرح اللمع النَّهْي يَقْتَضِي فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ على قَول أَكثر أَصْحَابنَا
وَقَالَ أَبُو بكر الْقفال لَا يدل عَلَيْهِ وَللشَّافِعِيّ ﵀ كَلَام يدل عَلَيْهِ وَهُوَ قَول أبي الْحسن الْكَرْخِي من الْحَنَفِيَّة واكثر الْمُتَكَلِّمين من الأشاعرة
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا إِن كَانَ النَّهْي يخْتَص بالمنهي عَنهُ كَالصَّلَاةِ فِي الستْرَة النَّجِسَة دلّ على فَسَاده وَإِن كَانَ لَا يخْتَص بالمنهي عَنهُ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَالثَّوْب الْحَرِير وَالْبيع وَقت النداء لَا يدل على فَسَاده انْتهى
стр. 18
وَقَالَ القَاضِي عبد الْجَبَّار من الْمُعْتَزلَة فِي ملخصه ذهب أَكثر الْفُقَهَاء إِلَى أَن النَّهْي يدل على فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ وَذهب أهل الْأُصُول إِلَى أَنه لَا يدل على ذَلِك وَمن ذهب إِلَى الْمَذْهَب الأول اخْتلفُوا فَمنهمْ من قَالَ لَا يدل باللغة وَلَكِن بِدَلِيل شَرْعِي وَمِنْهُم من قَالَ يدل على الْفساد بموضوعه فِي اللُّغَة وَقَالَ ابْن برهَان النَّهْي يَقْتَضِي فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ فَنقل عَن بعض أَصْحَابنَا وَهُوَ ظَاهر كَلَام الشَّافِعِي أَنه يَقْتَضِي فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ وَنقل عَن الْقفال الشَّاشِي من أَصْحَابنَا وَأبي الْحسن الْكَرْخِي أَنه لَا يَقْتَضِيهِ وَعَن أبي الْحسن الْبَصْرِيّ أَن النَّهْي عَن الْعِبَادَات يَقْتَضِي فَسَادهَا وَأما عَن الْعُقُود الشَّرْعِيَّة فَلَا
стр. 19
وَنقل عَن طَائِفَة من الْمُتَكَلِّمين أَن النَّهْي إِن كَانَ لِمَعْنى يخص الْمنْهِي عَنهُ كَالصَّلَاةِ فِي الْبقْعَة النَّجِسَة فَإِنَّهُ يَقْتَضِي فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ فَإِن النَّهْي إِنَّمَا كَانَ لِمَعْنى يخْتَص بِالصَّلَاةِ وَهِي النَّجَاسَة أَلا ترى أَنه فِي غير الصَّلَاة لَا يمْنَع من الْجُلُوس فِي الْبقْعَة النَّجِسَة وَإِن كَانَ لِمَعْنى لَا يخص الْمنْهِي عَنهُ فَلَا يَقْتَضِي فَسَاده كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة لِأَنَّهُ نهي عَن الْغَصْب وَذَلِكَ لَا يخص الصَّلَاة
وَنقل عَن بعض الْعلمَاء أَنه إِذا كَانَ النَّهْي عَن فعل فَإِذا فعل الْمنْهِي عَنهُ أخل بِشَرْط من شَرَائِطه أَو ركن من أَرْكَانه كالنهي عَن الصَّلَاة من غير طَهَارَة دلّ على فَسَاده وَإِلَّا فَلَا كالنهي عَن البيع وَقت النداء انْتهى
وَقَالَ القَاضِي أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ من الْمَالِكِيَّة النَّهْي عَن الشَّيْء يَقْتَضِي فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ وَبِهَذَا قَالَ القَاضِي أَبُو مُحَمَّد يَعْنِي عبد الْوَهَّاب وَجُمْهُور أَصْحَابنَا وَأَصْحَاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَبِه قَالَ الشَّيْخ أَبُو بكر بن فورك
стр. 20
وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر وَالْقَاضِي أَبُو جَعْفَر السمناني وَأَبُو عبد الله الْأَزْدِيّ وَأَبُو بكر الْقفال من الشَّافِعِيَّة لَا يَقْتَضِي فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ
وَقَالَ الإِمَام الْمَازرِيّ فِي شرح الْبُرْهَان الْأَكْثَر من الْفُقَهَاء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة على دلَالَة النَّهْي على الْفساد وَالْأَكْثَر من الْمُتَكَلِّمين على أَنه لَا يدل على الْفساد وَأَصْحَاب الشَّافِعِي يحكون عَنهُ الْقَوْلَيْنِ فَمنهمْ من نقل عَنهُ ذَهَابه إِلَى أَن النَّهْي يدل على الْفساد وَمِنْهُم من استلوح من كَلَام وَقع لَهُ مصيره إِلَى أَنه لَا يدل على الْفساد
وَالْجُمْهُور من مَذَاهِب الْمَالِكِيَّة كَونه دَالا على الْفساد والذاهبون إِلَى دلَالَته على الْفساد مُخْتَلفُونَ هَل ذَلِك مَأْخُوذ من اللُّغَة أَو عَن الشَّرْع
стр. 21
وَقَالَ الإِمَام أَبُو نصر الْقشيرِي فِي كِتَابه قَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي وَمَالك وَأبي حنيفَة وَأهل الظَّاهِر وَطَوَائِف من الْمُتَكَلِّمين النَّهْي عَن الشَّيْء يدل على فَسَاده ثمَّ نقل عَنْهُم الْخلاف فِي أَن ذَلِك من جِهَة اللُّغَة أَو الشَّرْع
ثمَّ قَالَ وَقَالَ مُعظم الْمُتَكَلِّمين فِيمَا حَكَاهُ القَاضِي أَن النَّهْي لَا يدل على الْفساد ثمَّ أَجمعُوا على أَنه كَمَا لَا يدل على الْفساد لَا يدل على صِحَّته وإجزائه كَذَا قَالَ وَفِي نقل هَذَا الْإِجْمَاع نظر لما سَيَأْتِي من مَذْهَب الْحَنَفِيَّة وتبعهم على هَذِه الْعبارَة فِي الْإِطْلَاق الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ وَسَائِر أَتْبَاعه واختاروا
стр. 22
جَمِيعًا أَنه يَقْتَضِي الْفساد فِي الْعِبَادَات دون الْمُعَامَلَات كَمَا هُوَ إختيار الْغَزالِيّ وَأبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ
وَقَالَ الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس الْقُرْطُبِيّ فِي كِتَابه الْوُصُول قَالَ قوم النَّهْي يدل على الْفساد وَهُوَ مَذْهَب مَالك على مَا حَكَاهُ القَاضِي عبد الْوَهَّاب وَقَالَ آخَرُونَ لَا يدل عَلَيْهِ وَفرق آخَرُونَ فَمنهمْ من قَالَ يدل عَلَيْهِ فِي الْعِبَادَات دون الْمُعَامَلَات وَمِنْهُم من قَالَ إِن كَانَ النَّهْي رَاجعا لعين الْمنْهِي عَنهُ دلّ وَإِلَّا فَلَا
وَقَالَ الْقَرَافِيّ فِي شرح التَّنْقِيح فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَرْبَعَة مَذَاهِب يَقْتَضِي الْفساد لَا يَقْتَضِيهِ الْفرق بَين الْعِبَادَات والمعاملات تفِيد الْفساد على وَجه تثبت مَعَه شُبْهَة الْملك وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَزَاد فِي شرح الْمَحْصُول على هَذِه الْأَرْبَعَة قولا خَامِسًا وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة أَنه يدل على الصِّحَّة
стр. 23
وَقَالَ فِي مَذْهَب مَالك إِن البيع الْفَاسِد عِنْدهم الْمنْهِي عَنهُ يُفِيد شُبْهَة الْملك فَإِذا اتَّصل بِهِ البيع أَو غَيره على مَا قرروه ثَبت الْملك فِيهِ بِالْقيمَةِ وان كَانَت قاعدتهم أَن النَّهْي يدل على الْفساد فِي الْأُصُول غير أَنهم راعوا الْخلاف فِي أصل الْقَاعِدَة فِي الْفُرُوع فَقَالُوا شُبْهَة الْملك وَلم يخصوا الْفساد وَلَا الصِّحَّة جمعا بَين الْمذَاهب قلت وَهَذَا يَقْتَضِي اخْتِصَاص هَذَا القَوْل بِالْعُقُودِ دون الْعِبَادَات لَكِن سَيَأْتِي من تفريعاتهم فِي الْعِبَادَات مَا يُؤْخَذ مِنْهُ نَظِير ذَلِك حَيْثُ يَقُولُونَ بِوُجُوب الْإِعَادَة فِي الْوَقْت خَاصَّة وَلَا يُعِيد بعده
وَقَالَ الشَّيْخ موفق الدّين فِي الرَّوْضَة النَّهْي عَن الْأَسْبَاب المفيدة للْأَحْكَام يَقْتَضِي فَسَادهَا ثمَّ نقل بعد ذَلِك ثَلَاثَة أَقْوَال أخر وَهِي
стр. 24
أَنه لَا يَقْتَضِي فَسَادًا وَلَا صِحَة
وَأَنه يَقْتَضِي الصِّحَّة كَمَا قَالَه أَبُو حنيفَة وانه يَقْتَضِي الْفساد فِي الْعِبَادَات دون الْمُعَامَلَات وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْخطاب الْحَنْبَلِيّ فِي كِتَابه الْهِدَايَة النَّهْي يدل على فَسَاد الْمنْهِي فِي رِوَايَة جمَاعَة يَعْنِي عَن الإِمَام أَحْمد ﵀ فَهَذَا كَلَام من وقفت عَلَيْهِ من المصنفين فِي إِطْلَاق الْخلاف أَولا فِي الْمَسْأَلَة من غير تَقْيِيد
وَالْقسم الثَّانِي من قيد مَحل الْخلاف فِي كَلَامه بِبَعْض الصُّور فَقَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى اخْتلفُوا فِي أَن النَّهْي عَن البيع وَالنِّكَاح والتصرفات المفيدة للْأَحْكَام هَل يَقْتَضِي فَسَادهَا فَذهب الجماهير إِلَى أَنه يَقْتَضِي فَسَادهَا وَذهب قوم إِلَى أَنه إِن كَانَ نهيا عَنهُ لعَينه دلّ على الْفساد وَإِن كَانَ لغيره فَلَا وَالْمُخْتَار أَنه لَا يَقْتَضِي الْفساد ثمَّ اخْتَار بعد ذَلِك فِي مَسْأَلَة أُخْرَى أَن النَّهْي عَن الْعِبَادَات يَقْتَضِي فَسَادهَا وَلم ينْقل فِيهِ خلافًا
стр. 25
وَكَذَلِكَ قَالَ الْآمِدِيّ فِي الْأَحْكَام اخْتلفُوا فِي النَّهْي عَن التَّصَرُّفَات والعقود المفيدة لأحكامها كَالْبيع وَالنِّكَاح وَنَحْوهمَا هَل يَقْتَضِي فَسَادهَا أم لَا
فَذهب جمَاعَة الْفُقَهَاء من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَمَالك وَأبي حنيفَة والحنابلة وَجَمِيع أهل الظَّاهِر وَجَمَاعَة من الْمُتَكَلِّمين إِلَى فَسَادهَا لَكِن اخْتلفُوا فِي جِهَة الْفساد فَمنهمْ من قَالَ إِن ذَلِك من جِهَة اللُّغَة وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه من جِهَة الشَّرْع دون اللُّغَة وَمِنْهُم من لم يقل بِالْفَسَادِ وَهُوَ اخْتِيَار الْمُحَقِّقين من أَصْحَابنَا كالقفال وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ وَكثير من الْحَنَفِيَّة وَبِه قَالَ جمَاعَة من الْمُعْتَزلَة كَأبي عبد الله الْبَصْرِيّ والكرخي وَالْقَاضِي عبد
стр. 26
الْجَبَّار وَأبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ وَكثير من مشايخهم وَلَا يعرف خلافًا فِي أَن مَا نهي عَنهُ لغيره أَنه لَا يفْسد كالنهي عَن البيع فِي وَقت النداء يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا مَا نقل عَن مَالك وَأحمد بن حَنْبَل فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ
وَالْمُخْتَار أَن مَا نهي عَنهُ لعَينه فالنهي لَا يدل على فَسَاده من جِهَة اللُّغَة بل من جِهَة الْمَعْنى ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك فِي مَسْأَلَة بعْدهَا إتفق أَصْحَابنَا على أَن النَّهْي عَن الْفِعْل لَا يدل على صِحَّته
وَنقل أَبُو زيد عَن أبي حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن أَنَّهُمَا قَالَا يدل على صِحَّته فَظَاهر كَلَام الْغَزالِيّ والآمدي رحمهمَا الله تَخْصِيص الْخلاف بِالْعُقُودِ الْمنْهِي عَنْهَا لَكِن الْغَزالِيّ صرح بعد ذَلِك كَمَا تقدم بِأَن النَّهْي عَن
стр. 27
الْعِبَادَة يَقْتَضِي الْفساد وَفِي أثْنَاء كَلَام الْآمِدِيّ أَيْضا التَّصْرِيح بِأَن النَّهْي عَن الْعِبَادَة لعينها يَقْتَضِي الْفساد وَهَذَا هُوَ مُرَاد الْغَزالِيّ لِأَنَّهُ صرح القَوْل بِصِحَّة الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة عِنْد الْكَلَام فِيهَا
وَالْقسم الثَّالِث من قيد الْخلاف فِي الْمَسْأَلَة على وَجه آخر وَهُوَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بن الْحَاجِب ﵀ فقسم الْمنْهِي عَنهُ إِلَى مَا نهي عَنهُ لعَينه وَإِلَى مَا نهي عَنهُ لوصفه وَحكى فِي الْمنْهِي عَنهُ لعَينه خَمْسَة مَذَاهِب أَحدهَا أَنه يَقْتَضِي الْفساد من جِهَة الشَّرْع لَا من مُقْتَضى اللُّغَة وَهُوَ القَوْل الَّذِي اخْتَارَهُ وَهُوَ الرَّاجِح دَلِيلا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَثَانِيها أَنه يَقْتَضِيهِ من حَيْثُ اللُّغَة وجوهر اللَّفْظ وَالثَّالِث لَا يَقْتَضِي فَسَادًا وَلَا صِحَة وَالرَّابِع أَنه يَقْتَضِي الصِّحَّة وَلم يَنْقُلهُ أَولا بل ذكر أَدِلَّة الْقَائِلين بِهِ فِي أثْنَاء الْمَسْأَلَة على عَادَته فِي الإختصار وخامسها الْفرق بَين الْعِبَادَات والعقود كَمَا تقدم
ثمَّ حكى فِي الْمنْهِي عَنهُ لوصفه ثَلَاثَة مَذَاهِب
стр. 28
أَحدهَا أَنه يُفِيد الْفساد شرعا كالمنهي عَنهُ لعَينه وَثَانِيها أَنه لَا يفِيدهُ وَعَزاهُ إِلَى الْأَكْثَر وَثَالِثهَا قَول الْحَنَفِيَّة أَنه يدل على فَسَاد ذَلِك الْوَصْف لَا فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ وَذكر أَن الشَّافِعِي رضى الله عَنهُ قَالَ إِن النَّهْي عَن الشَّيْء لوصفه يضاد وجوب أَصله
قَالَ ابْن الْحَاجِب وَأَرَادَ أَنه يضاده ظَاهرا لَا قطعا إِذْ لَو كَانَ قطعا لورد عَلَيْهِ نهي الْكَرَاهَة كالنهي عَن الصَّلَاة فِي أعطان الْإِبِل والأماكن الْمَكْرُوهَة فَإِنَّهُ يلْزم حِينَئِذٍ إِذا كَانَ مضادا لوُجُوب الأَصْل أَن لَا تصح الصَّلَاة وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِذا قيل إِنَّه يضاده ظَاهرا يكون قد ترك فِي هَذِه الْمَوَاضِع الظَّاهِر لدَلِيل رَاجِح وَفِي كَلَام ابْن الْحَاجِب مَا يَقْتَضِي إختياره لهَذَا القَوْل أَي إِنَّه يدل على الْفساد ظَاهرا لَا قطعا وَمُقْتَضى ذَلِك أَن يكون عِنْده دلَالَة النَّهْي عَن الشَّيْء لعَينه على الْفساد قطعا لَا من حَيْثُ الظَّاهِر وَتَبعهُ على هَذِه التَّفْرِقَة شرَّاح كِتَابه لَكِن زَاد الْبَيْضَاوِيّ فِي كِتَابه المرصاد الَّذِي أوضح فِيهِ مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب فِي الْمَسْأَلَة الأولى فَقَالَ
стр. 29
النَّهْي عَن الشَّيْء لعَينه وللازمه يَقْتَضِي الْفساد شرعا وَذكر بَقِيَّة الْمَذْهَب وَأَرَادَ بذلك نَحْو النَّهْي عَن الزِّنَا فَإِنَّهُ لدفع مَحْذُور اخْتِلَاط الْأَنْسَاب وَهُوَ لَازم لَهُ غَالِبا أَو لدفع مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الأنفة وَالْحمية الَّتِي توجبها الْغيرَة وَهُوَ لَازم لَهُ أَيْضا
وَقَالَ فِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة النَّهْي عَن الشَّيْء لوصفه اللَّازِم كَصَوْم يَوْم الْعِيد والربا كالنهي لعَينه فَإِن مُسْتَلْزم الْحَرَام حرَام
وَلذَلِك قَالَ الشَّافِعِي رَحْمَة الله عَلَيْهِ حُرْمَة الشَّيْء لوصفه تضَاد وجوب أَصله وَهَذَا تَقْيِيد حسن وَلَا يحْتَاج بذلك أَن يَقُول ظَاهرا إِذا جعل ذَلِك مُخْتَصًّا بِالنَّهْي الَّذِي هُوَ للتَّحْرِيم كَمَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فَلَا يرد نهي الْكَرَاهَة وَهَذَا التَّفْصِيل الَّذِي سلكه الْبَيْضَاوِيّ هُوَ الرَّاجِح الْمُخْتَار فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَلم يتَعَرَّض ابْن الْحَاجِب وَمن تبعه للنَّهْي عَن الشَّيْء لغيره كَالْبيع وَقت النداء مَعَ أَن فِيهِ الْخلاف الْمُتَقَدّم عَن الْحَنَابِلَة وَغَيرهم فَهَذِهِ الطّرق الثَّلَاث هِيَ الْمَوْجُودَة فِي كتب أَصْحَابنَا فِي نقل هَذِه الْمَسْأَلَة وَمَا فِيهَا من الْخلاف
وَأما الْحَنَفِيَّة فَلهم فِي ذَلِك عبارَة أُخْرَى وَهِي فِي الْحَقِيقَة رَاجِعَة إِلَى مَا تقدم من النَّقْل عَنْهُم وَلَكِن أذكرها لما فِيهَا من الْفَائِدَة ولبيان تناقضها فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 30
قَالُوا مُقْتَضى النَّهْي شرعا قبح الْمنْهِي عَنهُ كَمَا أَن مُقْتَضى الْأَمر بِشَيْء تحسينه قَالَ تَعَالَى ﴿وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ فَكَانَ الْقبْح من مقتضياته شرعا لَا لُغَة ثمَّ قسموا الْمنْهِي عَنهُ فِي صفة الْقبْح إِلَى أَرْبَعَة أَقسَام أَحدهَا مَا قبح لعَينه وضعا كالعبث والسفه وَالْكذب وَالظُّلم وَثَانِيها مَا الْتحق بِهِ شرعا كَبيع الْحر والمضامين والملاقيح وَثَالِثهَا مَا قبح لغيره وَصفا كَالْبيع الْفَاسِد
стр. 31
وَرَابِعهَا مَا قبح لغيره لمجاورته إِيَّاه كَالْبيع وَقت النداء فالقسمان الْأَوَّلَانِ اقْتضى النَّهْي فيهمَا الْفساد وَالرَّابِع لم يقتضه وَالثَّالِث يدل على فَسَاد الْوَصْف دون الْمنْهِي عَنهُ بل يدل على صِحَّته
واستثنوا من هَذَا الْقسم الثَّالِث النَّهْي عَن الْأَفْعَال الَّتِي تدْرك حسا كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر فَإِنَّهَا وَإِن كَانَ النَّهْي عَنْهَا لوصفها اللَّازِم لَهَا فَهِيَ مُلْحقَة بالمنهي عَنهُ لعَينه فِي اقْتِضَاء الْفساد ثمَّ أوردوا على أنفسهم البيع الْفَاسِد وَالْإِجَارَة الْفَاسِدَة وَنَحْوهمَا فَإِنَّهُمَا يدر كَانَ بالحس أَيْضا كالزنى وَالْقَتْل وَأَجَابُوا عَن ذَلِك بِالْفرقِ بَين ذَلِك من جِهَة أَن الْقَتْل وَالْغَصْب وأمثال ذَلِك كَانَ مَعْرُوفا عِنْد أهل الْملَل كلهَا يتعاطونه من غير شرع ويعلمون قبحه بِخِلَاف البيع وَالْإِجَارَة فَإِنَّهُم وَإِن كَانُوا يتعاطون ذَلِك قبل الشَّرْع فَإِنَّمَا كَانُوا يتعاطون مُبَادلَة المَال بِالْمَالِ أَو الْمَنْفَعَة فَأَما أَن يكون بِعْت أَو اشْتريت عقدا عِنْدهم تترتب عَلَيْهِ أَحْكَام شَرْعِيَّة فَلَا بل إِنَّمَا عرفت تِلْكَ الْأَحْكَام بِالشَّرْعِ هَذَا ملخص قَوْلهم وَلَا يخفى بطلَان هَذَا الْفرق وَسَيَأْتِي بسط القَوْل فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فيتحصل من مَجْمُوع مَا تقدم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة عدَّة مَذَاهِب لَا تخفى من كَلَامهم لكني أُشير إِلَيْهَا ملخصة لما فِي ذَلِك من الْفَائِدَة
الأول أَن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد مُطلقًا سَوَاء كَانَ عَن الشَّيْء لعَينه أَو
стр. 32
لوصفه أَو لغيره وَسَوَاء كَانَ فِي الْعِبَادَات أَو الْمُعَامَلَات وَهَذَا مَأْخُوذ من إِطْلَاق من أطلق الْكَلَام أَولا فِي نقل الْمذَاهب ثمَّ فصل بعد ذَلِك فِي نقل نعتها وَالْحق أَن هَذَا مَذْهَب للْإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل وَكثير من أَصْحَابه وَسَائِر الظَّاهِرِيَّة
وَالثَّانِي أَنه لَا يَقْتَضِي الْفساد مُطلقًا أَيْضا سَوَاء كَانَ لعَينه أَو لوصفه أَو لغيره أَو لاختلال ركن من أَرْكَانه أَو شَرط من شَرَائِطه وَسَوَاء كَانَ عبَادَة أَو عقدا وَهَذَا مَأْخُوذ من إِطْلَاق من أطلق ثمَّ فصل القَوْل عَن بَعضهم بِالْفرقِ بَين هَذِه الْأُمُور كَمَا صرح بِهِ ابْن برهَان وَغَيره مِمَّن تقدم وَهُوَ مُشكل جدا لما سَيَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الثَّالِث أَنه يَقْتَضِي شُبْهَة الْفساد كَمَا حَكَاهُ الْقَرَافِيّ عَن الْمَالِكِيَّة وَظَاهر كَلَامه اخْتِصَاص ذَلِك بِالْعُقُودِ إِذا كَانَ النَّهْي عَنْهَا لعينها
الرَّابِع أَنه يَقْتَضِي الصِّحَّة إِذا كَانَ النَّهْي عَنهُ لوصفه وَلم يكن من الْأَفْعَال الحسية وَأما النَّهْي عَن الشَّيْء لعَينه فَيَقْتَضِي الْفساد وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن وَجُمْهُور أصحابهما
الْخَامِس أَنه يَقْتَضِي الْفساد فِي الْعِبَادَات دون الْعُقُود وَهُوَ اخْتِيَار الإِمَام الْغَزالِيّ والآمدي وَغَيرهمَا كَمَا تقدم
السَّادِس أَن النَّهْي عَن الشَّيْء إِن كَانَ لعَينه أَو لوصفه اللَّازِم لَهُ فَهُوَ مُقْتَض للْفَسَاد بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ لغيره وَسَوَاء فِي ذَلِك الْعِبَادَات أَو الْعُقُود
стр. 33
وَهَذَا أرجح الْمذَاهب وأصحها دَلِيلا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون مَذْهَب الشَّافِعِي وَجُمْهُور أَصْحَابه كَمَا سنبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
السَّابِع الْفرق بَين مَا إِذا كَانَ النَّهْي يخْتَص بالمنهي عَنهُ كَالصَّلَاةِ فِي الْبقْعَة النَّجِسَة فَيَقْتَضِي الْفساد دون مَا لَا يخْتَص بِهِ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة حَكَاهُ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَق وَغَيره
الثَّامِن الْفرق بَين مَا يخل بِرُكْن أَو شَرط فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْفساد دون مَا لَا يخل بِوَاحِد مِنْهُمَا حَكَاهُ ابْن برهَان
ثمَّ الْقَائِلُونَ باقتضاء النَّهْي الْفساد فِي الْأَقْوَال الْخَمْسَة الْمُتَقَدّمَة اخْتلفُوا هَل ذَلِك من جِهَة اللُّغَة وموضوع اللَّفْظ أَو هُوَ مُسْتَفَاد من الشَّرْع على قَوْلَيْنِ لَهُم تقدما وَالرَّاجِح أَن ذَلِك من جِهَة الشَّرْع لَا من حَيْثُ اللُّغَة كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فيتحصل بِهَذَا الِاخْتِلَاف زِيَادَة خَمْسَة أَقْوَال أخر
وَمن وَجه آخر هَل يَقْتَضِي الْفساد قطعا أم ظَاهرا فِيهِ مذهبان كَمَا أشعر بِهِ كَلَام ابْن الْحَاجِب فِي الْمنْهِي عَنهُ لوصفه وَمُقْتَضى هَذَا أَنه لَا فرق
стр. 34
بَين نهي التَّحْرِيم وَنهي التَّنْزِيه لَكِن الصِّحَّة جَاءَت فِي نهي الْكَرَاهَة من دَلِيل خارجي وَقد صرح بذلك الْغَزالِيّ وَابْن الصّلاح فِيمَا تقدم أَولا وَمُقْتَضى كَلَام غَيرهمَا بل صرح بِهِ جمَاعَة كَمَا نَقله الشَّيْخ صفي الدّين الْهِنْدِيّ فِي نِهَايَة الْوُصُول أَن ذَلِك مُخْتَصّ بِالنَّهْي الَّذِي هُوَ للتَّحْرِيم فَيُؤْخَذ من هَذَا زِيَادَة قَوْلَيْنِ آخَرين من جِهَة الْفرق بَين دلَالَته قطعا أَو ظنا وَمن جِهَة الْفرق بَين نهي التَّحْرِيم وَنهي الْكَرَاهَة
ويعترض هُنَا تَفْصِيل آخر فِي تَفْسِير لفظ الْفساد كَمَا تقدم وَهل هُوَ فِي الْعِبَادَات مَا وَجب قَضَاؤُهُ أَو مَا كَانَ على مُخَالفَة أَمر الشَّرْع وَهل هُوَ فِي الْعُقُود بِمَعْنى الْبطلَان أم لَا فَيَجِيء من هَذَا أَقْوَال أخر غير مَا تقدم وَلَا يخفى وَجه ذَلِك وَلَا إِلَى مَا يَنْتَهِي عدد الْمذَاهب
وَهنا قَول آخر أَيْضا منَاف لكل مَا تقدم وَهُوَ أَن من قَالَ من الْحَنَابِلَة بِأَن النَّهْي عَن الشَّيْء لغيره المجاور لَهُ يَقْتَضِي الْفساد لم يقل بذلك إِلَّا فِي الْعِبَادَات والعقود كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَالْبيع على بيع أَخِيه وَلم يطردوا ذَلِك فِي الإيقاعات كَالطَّلَاقِ فِي حَالَة الْحيض وَخَالف بعض الظَّاهِرِيَّة
стр. 35
الْجُمْهُور أَو الْإِجْمَاع فِي ذَلِك فَقَالُوا بِأَن الطَّلَاق فِي حَالَة الْحيض لَا يَقع وَكَذَلِكَ فِي طهر جَامعهَا فِيهِ فَهَذَا قَول آخر وَيَنْتَهِي مَجْمُوع الْمذَاهب إِلَى أَكثر من سِتَّة عشر قولا
وَالرَّاجِح الْمُخْتَار مِنْهَا كلهَا القَوْل السَّادِس كَمَا تقدم
وَفِي الْمَسْأَلَة أَيْضا قَول آخر لم يتَقَدَّم وَهُوَ التَّفْرِقَة بَين مَا كَانَ النَّهْي عَنهُ حق الله تَعَالَى فَيَقْتَضِي الْفساد وَمَا كَانَ لحق الْعباد فَلَا يَقْتَضِي الْفساد حَكَاهُ الْمَازرِيّ عَن شَيْخه وَلم أظفر بِهِ إِلَّا مُتَأَخِّرًا وَقد ذكرته آخر الْكتاب مَعَ الْكَلَام عَلَيْهِ
ثمَّ هُنَا تَنْبِيهَات تتضمنها أبحاث
الأول أَن أَصْحَاب الطَّرِيقَة الأولى على كثرتهم وتحققهم بِالْإِمَامَةِ يشكل قَوْلهم أول الْكَلَام أَن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد وَلم يفرقُوا بَين مَا كَانَ النَّهْي لعين الشَّيْء أَو لغيره وعزوهم ذَلِك إِلَى مَذْهَب الشَّافِعِي كَمَا تقدم فِي كَلَام جمَاعَة مِنْهُم وَاخْتِيَار آخَرين مَعَ أَن الْمنْهِي عَنهُ لغيره لَا يَقْتَضِي ذَلِك النَّهْي فَسَاده عِنْد الشَّافِعِي وَجُمْهُور الْعلمَاء سَوَاء كَانَ فِي الْعِبَادَات كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَالثَّوْب الْحَرِير أَو فِي الْعُقُود كالنهي عَن البيع على بيع أَخِيه وَالْخطْبَة على خطبَته وَبيع الْحَاضِر للبادي وَنَحْو ذَلِك
فَإِن قيل مُرَادهم بذلك مَا إِذا كَانَ النَّهْي عَن الشَّيْء لعَينه لأَنهم صَرَّحُوا فِي مَسْأَلَة الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة بِصِحَّتِهَا وَذكروا الْخلاف عَن أَحْمد
стр. 36
قلت هُوَ وَارِد عَلَيْهِم من جِهَة إِطْلَاق القَوْل فِي مَوضِع التَّفْصِيل وخصوصا من نقل بعد ذَلِك القَوْل بالتفصيل بَين مَا كَانَ عَن الشَّيْء لعَينه أَو لغيره كالشيخ أبي اسحق وَابْن برهَان والقرطبي فان مُقْتَضى هَذَا التَّفْصِيل أَن يكون القَوْل الأول لَا فرق فِيهِ بَين الْمنْهِي عَنهُ لعَينه أَو لغيره نعم لَا يرد على مثل الْآمِدِيّ الَّذِي صرح بذلك بعد إِطْلَاقه أَولا وَلَا على إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَأبي نصر بن الْقشيرِي لِأَنَّهُمَا ذكرا فِي صدر الْمَسْأَلَة الْكَلَام فِي الصَّلَاة بِالدَّار الْمَغْصُوبَة وَبعد تقريرها عَاد إِلَى مَسْأَلَة اقْتِضَاء النَّهْي الْفساد فَكَانَ ذَلِك مشعرا بالتفرقة بَين الْأَمريْنِ وَالْحق أَن إِطْلَاق القَوْل بذلك من غير تَفْصِيل إِنَّمَا هُوَ مَذْهَب الْحَنَابِلَة والظاهرية كَمَا تقدم
الثَّانِي أَن إِطْلَاق القَوْل بِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْفساد عَمَّن قَالَ بذلك من غير فرق بَين أَن يكون الْمَنْع من الشَّيْء لاختلال ركن من أَرْكَانه أَو شَرط من شَرَائِطه مُشكل أَيْضا وخصوصا ابْن برهَان الَّذِي نقل بعد إِطْلَاقه قولا ذهب إِلَيْهِ بَعضهم بالتفرقة بَين مَا يَقْتَضِي اختلال ركن أَو شَرط دون مَا لَا يخل بهما فَإِن مُقْتَضى هَذَا أَن الْقَائِلين بالْقَوْل الْمُتَقَدّم لم يفرقُوا بَين مَا يدل على اختلال الرُّكْن أَو الشَّرْط وَبَين غَيره وَهَذَا بعيد جدا وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون فِيهِ خلاف وَإِن كَانَ فِيهِ فَهُوَ غير مُعْتَد بِهِ إِذْ يمْتَنع أَن لَا يكون لَهُ دلَالَة على الْفساد مَعَ دلَالَته على اختلال ركن من أَرْكَانه أَو شَرط من شَرَائِطه وَالْفساد حِينَئِذٍ لَازم من لوازمه وَإِلَّا لزم من ذَلِك وجود الْكل بِدُونِ الْجُزْء وَوُجُود الْمَشْرُوط
стр. 37
بِدُونِ الشَّرْط وَهُوَ مُمْتَنع نعم من يَقُول بِالصِّحَّةِ فِي بعض الصُّور فَإِنَّمَا ذَلِك مَبْنِيّ على أَن ذَلِك المختل بِسَبَب النَّهْي لَيْسَ بِشَرْط عِنْده كَقِرَاءَة الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة عِنْد الْحَنَفِيَّة وَالطَّهَارَة فِي الطّواف على رَأْيهمْ لَا أَن ذَلِك ركن أَو شَرط ثمَّ لَا يكون النَّهْي الدَّال على اختلاله دَالا على الْفساد
الثَّالِث إِن الْقَائِلين بِأَن النَّهْي عَن الْعُقُود لَا يدل عل فَسَادهَا من غير تَفْرِقَة بَين النَّهْي عَن الشَّيْء لعَينه أَو لغيره قَوْلهم مُشكل جدا وَلَا سِيمَا من صور أصل الْمَسْأَلَة بِالْعُقُودِ وَذكر قَول من فرق بَين الْمنْهِي عَنهُ لعَينه أَو لغيره ثمَّ اخْتَار انه لَا يدل على الْفساد مُطلقًا كَالْإِمَامِ الْغَزالِيّ فَإِنَّهُ تنَاقض كَلَامه فِي كتبه الْأُصُولِيَّة وَكتبه الْفِقْهِيَّة فَاخْتَارَ فِي الْمُسْتَصْفى مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا وَقد تقدم نقل كَلَامه
وَقَالَ فِي كِتَابه الْوَسِيط عندنَا أَن مُطلق النَّهْي عَن العقد يدل على فَسَاده فَإِن العقد الصَّحِيح هُوَ الْمَشْرُوع والمنهي عَنهُ فِي عينه غير مَشْرُوع فَلم يكن صَحِيحا إِلَّا إِذا ظهر تعلق النَّهْي بِأَمْر غير العقد اتّفق مجاورته للْعقد كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله وذروا البيع﴾
стр. 38
وَقسم المناهي على قسمَيْنِ الأول مَا لم يدل على الْفساد كالنهي عَن النجش وَالْبيع على بيع أَخِيه وَبيع الْحَاضِر للبادي وَنَحْوهَا
ثمَّ قَالَ الْقسم الثَّانِي من المناهي مَا دلّ على الْفساد إِمَّا لتطرق خلل إِلَى الْأَركان والشرائط الَّتِي سبقت أَو لِأَنَّهُ لم يبْق للنَّهْي تعلق سوى العقد فَحمل على الْفساد وَذكر فِي هَذَا الْقسم النَّهْي عَن بيع حَبل الحبلة وَبيع الْحَصَاة وبيوع الْغرَر وأشباهها
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي كِتَابه الْبَسِيط وَالْوَجِيز وَهَذَا التَّقْسِيم مُتَّفق عَلَيْهِ بَين جُمْهُور الْأَصْحَاب فَلَا يَسْتَقِيم من شَافِعِيّ إِطْلَاق القَوْل بِأَن النَّهْي فِي الْعُقُود لَا يَقْتَضِي الْفساد من غير تَفْصِيل
الرَّابِع تقدم أَن جُمْهُور الْمَالِكِيَّة على القَوْل بِأَن النَّهْي يدل على الْفساد كَمَا نَقله الْبَاجِيّ والمازري وَأَنه مَذْهَب مَالك كَمَا قَالَه القَاضِي عبد الْوَهَّاب فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ الْقُرْطُبِيّ
وَقد حكى ابْن شَاس فِي كِتَابه الْجَوَاهِر الثمينة عَن القَاضِي عبد الْوَهَّاب غير ذَلِك فَقَالَ فِي الْكتاب الْمَذْكُور وَعِنْدنَا أَن مُطلق النَّهْي عَن العقد لَا يدل على فَسَاده إِلَّا أَن يقوم دَلِيل هَكَذَا حكى القَاضِي أَبُو مُحَمَّد عَن أهل الْمَذْهَب واصطلاحه فِي هَذَا الْكتاب إِذا قَالَ القَاضِي أَبُو مُحَمَّد يُرِيد بِهِ عبد الْوَهَّاب
стр. 39
وَلَعَلَّ طَرِيق الْجمع بَين النقلين أَن يكون مُرَادهم بِالْأولِ الْعِبَادَات وبالمنع الْعُقُود كَمَا قيد ابْن شَاس بِهِ كَلَامه فَيكون هَذَا مُوَافقا لما ذهب إِلَيْهِ الْغَزالِيّ وَغَيره من التَّفْرِقَة بَين الْبَابَيْنِ
وَقد تقدم أَن الْقَرَافِيّ ذكر فِي كتبه أَن مَذْهَب الْمَالِكِيَّة أَنه يُفِيد الْفساد على وَجه تثبت مَعَه شُبْهَة الْملك وَجعل هَذَا قولا فِي الْمَسْأَلَة على الْإِطْلَاق ثمَّ ذكر فِي أثْنَاء كَلَامه مَا يَقْتَضِي اخْتِصَاص ذَلِك بالبيوع الْفَاسِدَة خَاصَّة فَإِنَّهُم قَالُوا إِن الْملك لَا ينْتَقل لمُجَرّد العقد الْفَاسِد وَلَا باتصال الْقَبْض بِهِ إِلَّا أَن يتعقبه الْفَوات فَينْتَقل حِينَئِذٍ الْملك إِلَى المُشْتَرِي الَّذِي فَاتَ فِي يَده وَيجب عَلَيْهِ ضَمَانه إِمَّا بِالْمثلِ إِن كَانَ مثلِيا أَو بِالْقيمَةِ
وَأَسْبَاب الْفَوات عِنْدهم أَرْبَعَة تغير الذَّات وَتغَير الْملك وَالْخُرُوج عَن الْيَد بِالْبيعِ وَتعلق حق الْغَيْر بِهِ فَهَذِهِ الْأَسْبَاب إِنَّمَا تَجِيء فِي المبيعات خَاصَّة
ثمَّ إِنَّه لَا يَنْبَغِي أَن يعد هَذَا مِنْهُم خلافًا فِي أَن النَّهْي يدل على الْفساد لأَنهم صَرَّحُوا بِأَنَّهُ عقد فَاسد وَإِنَّمَا حَقِيقَة هَذَا الِاخْتِلَاف رَاجِعَة إِلَى تَفْسِير الْفساد مَاذَا كَمَا جَاءَ فِي مَذْهَب أبي حنيفَة وَلِهَذَا أوجبوا رد الْعين إِذا كَانَت غير تالفة وَعند التّلف لم يقرروا الثّمن الَّذِي ورد العقد عَلَيْهِ بل أوجبوا الْمثل أَو الْقيمَة كضمان الغصوب وَنَحْوهَا فَلم ينشأ ذَلِك إِلَّا من شُبْهَة العقد وَإِذن البَائِع للْمُشْتَرِي فِي قبض الْمَبِيع وَالتَّصَرُّف فِيهِ
стр. 40
ثمَّ إِنَّهُم لم يفرقُوا فِي هَذَا الحكم بَين النَّهْي عَن الشَّيْء لعَينه أَو لغيره بل طردوا ذَلِك فِي بيع الملاقيح والمضامين إِذا اتَّصل بِالْقَبْضِ وفاتت فِي يَد المُشْتَرِي
وَكَذَلِكَ قَالُوا أَيْضا فِي البيع على بيع أَخِيه والنجش وَاخْتلفُوا فِي البيع وَقت النداء وَالْمَشْهُور عِنْدهم أَنه يفْسخ مَا لم يفت
وَقَالُوا فِيمَن خطب على خطْبَة أَخِيه بَعْدَمَا ركن إِلَيْهِ فزوج ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا أَنه يفْسخ بِكُل حَال قَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب هُوَ الظَّاهِر من الْمَذْهَب
الثَّانِي لَا يفْسخ قَالَه ابْن الْقَاسِم وَصَححهُ ابْن الْعَرَبِيّ
وَالثَّالِث الْفرق بَين مَا قبل الدُّخُول وَبعده فَيفْسخ إِذا لم يدْخل بهَا
وَمُقْتَضى هَذَا أَن النَّهْي لَا يدل على الْفساد إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لما احْتَاجَ العقد إِلَى فسخ لَكِن هَذَا إِنَّمَا يَجِيء فِيمَا يكون قَابلا للْعقد عَلَيْهِ فَأَما مَا لَا يقبل العقد بِحَال كَنِكَاح الْخَامِسَة والمعتدة فَإِنَّهُ بَاطِل اتِّفَاقًا وَكَذَلِكَ عِنْدهم
следующие страницы →