← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6355

تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد

صلاح الدين العلائي

Полный текст (152 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قلت هُوَ وَارِد عَلَيْهِم من جِهَة إِطْلَاق القَوْل فِي مَوضِع التَّفْصِيل وخصوصا من نقل بعد ذَلِك القَوْل بالتفصيل بَين مَا كَانَ عَن الشَّيْء لعَينه أَو لغيره كالشيخ أبي اسحق وَابْن برهَان والقرطبي فان مُقْتَضى هَذَا التَّفْصِيل أَن يكون القَوْل الأول لَا فرق فِيهِ بَين الْمنْهِي عَنهُ لعَينه أَو لغيره نعم لَا يرد على مثل الْآمِدِيّ الَّذِي صرح بذلك بعد إِطْلَاقه أَولا وَلَا على إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَأبي نصر بن الْقشيرِي لِأَنَّهُمَا ذكرا فِي صدر الْمَسْأَلَة الْكَلَام فِي الصَّلَاة بِالدَّار الْمَغْصُوبَة وَبعد تقريرها عَاد إِلَى مَسْأَلَة اقْتِضَاء النَّهْي الْفساد فَكَانَ ذَلِك مشعرا بالتفرقة بَين الْأَمريْنِ وَالْحق أَن إِطْلَاق القَوْل بذلك من غير تَفْصِيل إِنَّمَا هُوَ مَذْهَب الْحَنَابِلَة والظاهرية كَمَا تقدم الثَّانِي أَن إِطْلَاق القَوْل بِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْفساد عَمَّن قَالَ بذلك من غير فرق بَين أَن يكون الْمَنْع من الشَّيْء لاختلال ركن من أَرْكَانه أَو شَرط من شَرَائِطه مُشكل أَيْضا وخصوصا ابْن برهَان الَّذِي نقل بعد إِطْلَاقه قولا ذهب إِلَيْهِ بَعضهم بالتفرقة بَين مَا يَقْتَضِي اختلال ركن أَو شَرط دون مَا لَا يخل بهما فَإِن مُقْتَضى هَذَا أَن الْقَائِلين بالْقَوْل الْمُتَقَدّم لم يفرقُوا بَين مَا يدل على اختلال الرُّكْن أَو الشَّرْط وَبَين غَيره وَهَذَا بعيد جدا وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون فِيهِ خلاف وَإِن كَانَ فِيهِ فَهُوَ غير مُعْتَد بِهِ إِذْ يمْتَنع أَن لَا يكون لَهُ دلَالَة على الْفساد مَعَ دلَالَته على اختلال ركن من أَرْكَانه أَو شَرط من شَرَائِطه وَالْفساد حِينَئِذٍ لَازم من لوازمه وَإِلَّا لزم من ذَلِك وجود الْكل بِدُونِ الْجُزْء وَوُجُود الْمَشْرُوط

стр. 37

بِدُونِ الشَّرْط وَهُوَ مُمْتَنع نعم من يَقُول بِالصِّحَّةِ فِي بعض الصُّور فَإِنَّمَا ذَلِك مَبْنِيّ على أَن ذَلِك المختل بِسَبَب النَّهْي لَيْسَ بِشَرْط عِنْده كَقِرَاءَة الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة عِنْد الْحَنَفِيَّة وَالطَّهَارَة فِي الطّواف على رَأْيهمْ لَا أَن ذَلِك ركن أَو شَرط ثمَّ لَا يكون النَّهْي الدَّال على اختلاله دَالا على الْفساد الثَّالِث إِن الْقَائِلين بِأَن النَّهْي عَن الْعُقُود لَا يدل عل فَسَادهَا من غير تَفْرِقَة بَين النَّهْي عَن الشَّيْء لعَينه أَو لغيره قَوْلهم مُشكل جدا وَلَا سِيمَا من صور أصل الْمَسْأَلَة بِالْعُقُودِ وَذكر قَول من فرق بَين الْمنْهِي عَنهُ لعَينه أَو لغيره ثمَّ اخْتَار انه لَا يدل على الْفساد مُطلقًا كَالْإِمَامِ الْغَزالِيّ فَإِنَّهُ تنَاقض كَلَامه فِي كتبه الْأُصُولِيَّة وَكتبه الْفِقْهِيَّة فَاخْتَارَ فِي الْمُسْتَصْفى مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا وَقد تقدم نقل كَلَامه وَقَالَ فِي كِتَابه الْوَسِيط عندنَا أَن مُطلق النَّهْي عَن العقد يدل على فَسَاده فَإِن العقد الصَّحِيح هُوَ الْمَشْرُوع والمنهي عَنهُ فِي عينه غير مَشْرُوع فَلم يكن صَحِيحا إِلَّا إِذا ظهر تعلق النَّهْي بِأَمْر غير العقد اتّفق مجاورته للْعقد كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله وذروا البيع﴾

стр. 38

وَقسم المناهي على قسمَيْنِ الأول مَا لم يدل على الْفساد كالنهي عَن النجش وَالْبيع على بيع أَخِيه وَبيع الْحَاضِر للبادي وَنَحْوهَا ثمَّ قَالَ الْقسم الثَّانِي من المناهي مَا دلّ على الْفساد إِمَّا لتطرق خلل إِلَى الْأَركان والشرائط الَّتِي سبقت أَو لِأَنَّهُ لم يبْق للنَّهْي تعلق سوى العقد فَحمل على الْفساد وَذكر فِي هَذَا الْقسم النَّهْي عَن بيع حَبل الحبلة وَبيع الْحَصَاة وبيوع الْغرَر وأشباهها وَكَذَلِكَ قَالَ فِي كِتَابه الْبَسِيط وَالْوَجِيز وَهَذَا التَّقْسِيم مُتَّفق عَلَيْهِ بَين جُمْهُور الْأَصْحَاب فَلَا يَسْتَقِيم من شَافِعِيّ إِطْلَاق القَوْل بِأَن النَّهْي فِي الْعُقُود لَا يَقْتَضِي الْفساد من غير تَفْصِيل الرَّابِع تقدم أَن جُمْهُور الْمَالِكِيَّة على القَوْل بِأَن النَّهْي يدل على الْفساد كَمَا نَقله الْبَاجِيّ والمازري وَأَنه مَذْهَب مَالك كَمَا قَالَه القَاضِي عبد الْوَهَّاب فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ الْقُرْطُبِيّ وَقد حكى ابْن شَاس فِي كِتَابه الْجَوَاهِر الثمينة عَن القَاضِي عبد الْوَهَّاب غير ذَلِك فَقَالَ فِي الْكتاب الْمَذْكُور وَعِنْدنَا أَن مُطلق النَّهْي عَن العقد لَا يدل على فَسَاده إِلَّا أَن يقوم دَلِيل هَكَذَا حكى القَاضِي أَبُو مُحَمَّد عَن أهل الْمَذْهَب واصطلاحه فِي هَذَا الْكتاب إِذا قَالَ القَاضِي أَبُو مُحَمَّد يُرِيد بِهِ عبد الْوَهَّاب

стр. 39

وَلَعَلَّ طَرِيق الْجمع بَين النقلين أَن يكون مُرَادهم بِالْأولِ الْعِبَادَات وبالمنع الْعُقُود كَمَا قيد ابْن شَاس بِهِ كَلَامه فَيكون هَذَا مُوَافقا لما ذهب إِلَيْهِ الْغَزالِيّ وَغَيره من التَّفْرِقَة بَين الْبَابَيْنِ وَقد تقدم أَن الْقَرَافِيّ ذكر فِي كتبه أَن مَذْهَب الْمَالِكِيَّة أَنه يُفِيد الْفساد على وَجه تثبت مَعَه شُبْهَة الْملك وَجعل هَذَا قولا فِي الْمَسْأَلَة على الْإِطْلَاق ثمَّ ذكر فِي أثْنَاء كَلَامه مَا يَقْتَضِي اخْتِصَاص ذَلِك بالبيوع الْفَاسِدَة خَاصَّة فَإِنَّهُم قَالُوا إِن الْملك لَا ينْتَقل لمُجَرّد العقد الْفَاسِد وَلَا باتصال الْقَبْض بِهِ إِلَّا أَن يتعقبه الْفَوات فَينْتَقل حِينَئِذٍ الْملك إِلَى المُشْتَرِي الَّذِي فَاتَ فِي يَده وَيجب عَلَيْهِ ضَمَانه إِمَّا بِالْمثلِ إِن كَانَ مثلِيا أَو بِالْقيمَةِ وَأَسْبَاب الْفَوات عِنْدهم أَرْبَعَة تغير الذَّات وَتغَير الْملك وَالْخُرُوج عَن الْيَد بِالْبيعِ وَتعلق حق الْغَيْر بِهِ فَهَذِهِ الْأَسْبَاب إِنَّمَا تَجِيء فِي المبيعات خَاصَّة ثمَّ إِنَّه لَا يَنْبَغِي أَن يعد هَذَا مِنْهُم خلافًا فِي أَن النَّهْي يدل على الْفساد لأَنهم صَرَّحُوا بِأَنَّهُ عقد فَاسد وَإِنَّمَا حَقِيقَة هَذَا الِاخْتِلَاف رَاجِعَة إِلَى تَفْسِير الْفساد مَاذَا كَمَا جَاءَ فِي مَذْهَب أبي حنيفَة وَلِهَذَا أوجبوا رد الْعين إِذا كَانَت غير تالفة وَعند التّلف لم يقرروا الثّمن الَّذِي ورد العقد عَلَيْهِ بل أوجبوا الْمثل أَو الْقيمَة كضمان الغصوب وَنَحْوهَا فَلم ينشأ ذَلِك إِلَّا من شُبْهَة العقد وَإِذن البَائِع للْمُشْتَرِي فِي قبض الْمَبِيع وَالتَّصَرُّف فِيهِ

стр. 40

ثمَّ إِنَّهُم لم يفرقُوا فِي هَذَا الحكم بَين النَّهْي عَن الشَّيْء لعَينه أَو لغيره بل طردوا ذَلِك فِي بيع الملاقيح والمضامين إِذا اتَّصل بِالْقَبْضِ وفاتت فِي يَد المُشْتَرِي وَكَذَلِكَ قَالُوا أَيْضا فِي البيع على بيع أَخِيه والنجش وَاخْتلفُوا فِي البيع وَقت النداء وَالْمَشْهُور عِنْدهم أَنه يفْسخ مَا لم يفت وَقَالُوا فِيمَن خطب على خطْبَة أَخِيه بَعْدَمَا ركن إِلَيْهِ فزوج ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنه يفْسخ بِكُل حَال قَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب هُوَ الظَّاهِر من الْمَذْهَب الثَّانِي لَا يفْسخ قَالَه ابْن الْقَاسِم وَصَححهُ ابْن الْعَرَبِيّ وَالثَّالِث الْفرق بَين مَا قبل الدُّخُول وَبعده فَيفْسخ إِذا لم يدْخل بهَا وَمُقْتَضى هَذَا أَن النَّهْي لَا يدل على الْفساد إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لما احْتَاجَ العقد إِلَى فسخ لَكِن هَذَا إِنَّمَا يَجِيء فِيمَا يكون قَابلا للْعقد عَلَيْهِ فَأَما مَا لَا يقبل العقد بِحَال كَنِكَاح الْخَامِسَة والمعتدة فَإِنَّهُ بَاطِل اتِّفَاقًا وَكَذَلِكَ عِنْدهم

стр. 41

نِكَاح الشّغَار إِذا جعل بضع كل وَاحِدَة صَدَاقا لِلْأُخْرَى فَأَما إِذا سميا فِيهِ صَدَاقا لكل مِنْهُمَا فَيفْسخ قبل الدُّخُول عِنْدهم وَكَذَلِكَ بعده على الْمَشْهُور وَأما فِي الْعِبَادَات فالواجبات عِنْدهم فِيهَا منقسمة إِلَى مَا هِيَ شَرط وَمَا لَيْسَ بِشَرْط كالتنزه عَن النَّجَاسَة فَمَا كَانَ لَيْسَ بِشَرْط لَا يَقْتَضِي فَسَادًا وَإِن كَانَ فِيهِ ارْتِكَاب نهي وَلِهَذَا اخْتلفُوا فِيمَن صلى عَارِيا فِي الْخلْوَة هَل يُعِيد مُطلقًا أَو فِي وَقت خَاصَّة إِذا أدْركهُ على الْخلاف فِي أَن السّتْر هَل هُوَ من شُرُوط صِحَة الصَّلَاة أم لَا فقد تبين أَن حَقِيقَة مَذْهَب مَالك وَأَصْحَابه رَاجِعَة إِلَى قَوْلَيْنِ فِي أَن النَّهْي هَل يَقْتَضِي الْفساد وعَلى مَا ذكر الْقَرَافِيّ يَجِيء أَيْضا فِي الْبيُوع قَول ثَالِث أَنه يَقْتَضِي شُبْهَة الْفساد وَالله أعلم الْخَامِس أطلق جمَاعَة من المصنفين أَن النَّهْي عَن الشَّيْء يدل على صِحَّته كَمَا تقدم فِي كَلَام الْآمِدِيّ وَالشَّيْخ موفق الدّين والقرافي وَلَيْسَ مَذْهَبهم ذَلِك فِي كل مَنْهِيّ عَنهُ على الْإِطْلَاق بل فِي بعض أقسامه كَمَا تقدم من كَلَامهم وقاعدتهم فِي ذَلِك مضطربة جدا فَإِنَّهُم قَالُوا فِي النَّهْي عَن صَوْم يَوْم الْعِيد أَنه يدل على صِحَّته لِأَن النَّهْي عَنهُ لوصفه لَا لعَينه فَإِذا نَذره انْعَقَد نَذره فَإِن صَامَ فِيهِ صَحَّ وَإِن كَانَ محرما وَاتَّفَقُوا على أَن صَلَاة الْحَائِض بَاطِلَة مَعَ أَن النَّهْي عَنْهَا

стр. 42

أَيْضا لوصفها بل قَالُوا بذلك أَيْضا فِي مُخَالفَة الْأَوَامِر بِنَاء على أَن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه فأبطلوا صَلَاة من يُحَاذِي الْمَرْأَة فِي ائتمامها جَمِيعًا بِإِمَام وَاحِد لما ذكرُوا من الحَدِيث عَنهُ ﷺ أخروهن من حَيْثُ أخرهن الله وَكَذَلِكَ أبطلوا صَلَاة من عَلَيْهِ أَربع صلوَات فوائت إِذا لم يقدمهَا على الْحَاضِرَة بِنَاء على قَوْله ﷺ فليصلها إِذا ذكرهَا وَلَا ريب فِي أَنه إِذا قيل بِأَن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه أَن هَذَا نهي عَنهُ لوصفه لَا لعَينه وَاتَّفَقُوا على بطلَان نِكَاح الْمُتْعَة وَصِحَّة نِكَاح الشّغَار وَإِن جعلا بضع كل وَاحِدَة مِنْهُمَا صَدَاقا لِلْأُخْرَى مَعَ أَن النَّهْي عَن كل مِنْهُمَا لوصفهما وَقَالُوا إِذا فرق القَاضِي بَينهمَا فِي النِّكَاح الْفَاسِد قبل الدُّخُول فَلَا مهر لَهَا عَلَيْهِ وَلم يعطوه حكم الصَّحِيح من كل وَجه وَقَالُوا إِن بيع أم الْوَلَد وَالْمكَاتب وَالْمُدبر بَاطِل لِأَن التَّمْلِيك لَا يتَصَوَّر فِيهِ وَكَذَلِكَ إِذا جعل وَاحِدًا مِنْهَا عوضا فِي العقد وَالْبيع بِالْخمرِ وَالْخِنْزِير فَاسد وَبيع السّمك فِي المَاء بَاطِل وَكَذَلِكَ ضَرْبَة الغائص وَنَحْوه وَبيع الْمُلَامسَة والحصاة أَيْضا وَالْبيع الَّذِي اقْترن بِهِ شَرط يُنَافِي مُقْتَضَاهُ فَاسد وَمَعَ وُرُود النَّهْي فِي كل هَذِه الصُّور إِلَى غير ذَلِك من الصُّور الَّتِي يَأْتِي ذكرهَا فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالْمَقْصُود هُنَا أَنهم لم يَقُولُوا بِالصِّحَّةِ فِي كل الصُّور الْمنْهِي عَنْهَا بل إِذا

стр. 43

كَانَ النَّهْي عَنهُ لوصفه اللَّازِم أَو لأمر خارجي عَنهُ وَلم يطردوا ذَلِك فِي كل مَنْهِيّ عَنهُ لوصفه السَّادِس أطلق جمَاعَة مِمَّن تقدم القَوْل بِأَن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد فِي الْعِبَادَات دون الْعُقُود وَلم يتَعَرَّض أحد مِنْهُم لغير الْعُقُود إِلَّا الْقَلِيل كابي نصر بن الصّباغ فَإِنَّهُ قَالَ دون الْعُقُود والإيقاعات وَقصد بالإيقاعات الطَّلَاق الْمحرم كَطَلَاق الْحَائِض وكإرسال الثَّلَاث جَمِيعًا على قَاعِدَة الْحَنَفِيَّة وَكَذَلِكَ الْوَطْء الْمحرم كَالْوَطْءِ فِي الْحيض فَإِنَّهُ يحصل بِهِ الدُّخُول ويكمل بِهِ الْمهْر وَكَذَلِكَ وَطْء الْمحرم زَوجته وَوَطْء الصَّائِم فِي نَهَار رَمَضَان وَلِهَذَا كُله عبر ابْن الْحَاجِب فِي الْمُخْتَصر عَن القَوْل بالتفصيل بِأَنَّهُ يَعْنِي النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد فِي الْأَجْزَاء دون السَّبَبِيَّة وأتى بالسببية ليشْمل الْعُقُود والإيقاعات وَالْوَطْء وَأَشْبَاه ذَلِك وَهِي زِيَادَة حَسَنَة لَكِن ورد عَلَيْهِ بِسَبَبِهَا شَيْء آخر وَهُوَ أَنه اخْتَار فِي الْمَسْأَلَة أَولا أَن النَّهْي عَن الشَّيْء لعَينه يدل على فَسَاده مُطلقًا ثمَّ أَشَارَ إِلَى قَول ثَان بِالْمَنْعِ مُطلقًا ثمَّ ذكر القَوْل الثَّالِث بالتفصيل الْمشَار إِلَيْهِ وَمُقْتَضى هَذَا أَن يكون القَوْل الأول يَشْمَل هَذِه الصُّور الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي الطَّلَاق وَالْعِتْق وَالْوَطْء وَيكون النَّهْي عَنْهَا يدل على فَسَادهَا وَأَنه اخْتِيَاره وَلَيْسَ كَذَلِك قطعا فقد تقدم أَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على وُقُوع الطَّلَاق فِي الْحيض وَفِي طهر جَامعهَا فِيهِ وَكَذَلِكَ إرْسَال الثَّلَاث وَمن

стр. 44

خَالف فِي ذَلِك أَو بعضه كالظاهرية والشيعة فخلافهم غير مُعْتَد بِهِ وَلَا عِبْرَة بِمَا ذهب إِلَيْهِ بعض الْمُتَأَخِّرين فِي ذَلِك لانعقاد الْإِجْمَاع على خِلَافه قبله وَلَا يُقَال هَذِه الصُّور كلهَا النَّهْي عَنْهَا لغَيْرهَا فَلَا يرد على إِطْلَاق ابْن الْحَاجِب لِأَنَّهُ صدر المسالة بِالنَّهْي عَن الشَّيْء لعَينه لأَنا نقُول هَذَا صَحِيح فِي وَطْء الْحَائِض وَالطَّلَاق فِي حَالَة الْحيض وَفِي طهر جَامعهَا فِيهِ وَعتق الْمَرْهُون ووطئه لِأَن الْمَنْع فِيهَا كلهَا لأمر خارجي وَلَا يتم ذَلِك فِي إرْسَال الطَّلَاق الثَّلَاث وَوَطْء الصَّائِم وَالْمحرم فَإِنَّهُ مَمْنُوع مِنْهُ لوصفه اللَّازِم لَا لأمر خارجي وَابْن الْحَاجِب ﵀ اخْتَار فِي المسالة الثَّانِيَة أَن النَّهْي عَن الشَّيْء لوصفه كالنهي عَنهُ لعَينه فِي اقْتِضَاء الْفساد وَلَا يَقُول بِالْفَسَادِ فِي هَذِه الصُّور فَترد على إِطْلَاقه بل نقُول أَيْضا أَنه قد تقدم أَن مَذْهَب أَحْمد بن حَنْبَل وَكثير من أَصْحَابه أَن النَّهْي عَن الشَّيْء لغيره يَقْتَضِي الْفساد كالنهي عَنهُ لعَينه وَلم يَقُولُوا بذلك إِلَّا فِي الْعِبَادَات والعقود خَاصَّة كَبيع الْحَاضِر للبادي وتلقى الركْبَان وَالصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَنَحْو ذَلِك فَأَما هَذِه الصُّور الْمُتَقَدّمَة فَلم يَقُولُوا بِهِ فِيهَا بل الْكل متفقون على نفوذها على الْوَجْه الْمُتَقَدّم وَإِن كَانَت مَنْهِيّا عَنْهَا السَّابِع أطلق جُمْهُور المصنفين تَصْوِير الْمَسْأَلَة كَمَا تقدم النَّقْل عَنْهُم من غير تَقْيِيد وَالْحق أَن مَحل الْخلاف إِنَّمَا هُوَ فِي مُطلق النَّهْي كَمَا قيد بِهِ كَلَامه بعض الْمُتَأَخِّرين من أهل التَّحْقِيق فَأَما النَّهْي الَّذِي اقْترن بِقَرِينَة تدل على بُطْلَانه أَو بِقَرِينَة تدل على

стр. 45

صِحَّته فَلَا يَنْبَغِي أَن يكون فيهمَا خلاف وَإِن كَانُوا قد أطْلقُوا ذَلِك لَكِن مُرَادهم مَا قُلْنَاهُ فمثال الأول قَوْله ﷺ لَا تزوج الْمَرْأَة الْمَرْأَة وَلَا تزوج الْمَرْأَة نَفسهَا فَإِن الزَّانِيَة هِيَ الَّتِي تنْكح نَفسهَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالدَّار قطنى من عدَّة طرق فَقَوله ﷺ فَإِن الزَّانِيَة هِيَ الَّتِي تنْكح نَفسهَا قرينَة فِي أَن النَّهْي مُقْتَض للْفَسَاد وَمثله أَيْضا نَهْيه ﷺ عَن ثمن الْكَلْب ثمَّ قَالَ بعده فَإِن جَاءَ يطْلب ثمنه فاملأ كَفه تُرَابا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح فَإِن هَذَا أَيْضا قرينَة فِي أَن النَّهْي يدل على فَسَاد البيع وَأَنه لَا يسْتَحق فِيهِ ثمنا وَكَذَلِكَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ نهى رَسُول الله ﷺ أَن يستنجى بروث أَو عظم وَقَالَ إنَّهُمَا لَا يطهران رَوَاهُ الدارقطنى وَصحح إِسْنَاده فَلَا يُمكن أَن يكون فِي شَيْء من هَذَا خلاف أَنه لَا يَقْتَضِي الْفساد وعد بعض الْمُتَأَخِّرين من هَذَا النَّوْع مَا يكون النَّهْي متضمنا لخلل فِي أَرْكَان الْمنْهِي عَنهُ أَو فِي

стр. 46

شَرَائِطه كَمَا تقدم وَمِثَال الثَّانِي حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة ﵁ أَنه أكل ثوما ثمَّ أَتَى الْمَسْجِد فصلى مَعَ النَّبِي ﷺ فَوجدَ مِنْهُ ريح الثوم فَقَالَ من أكل من هَذِه البقلة فَلَا يقربن مَسْجِدنَا حَتَّى يذهب رِيحهَا فَأخذ الْمُغيرَة بيد النَّبِي ﷺ فَأدْخلهَا فِي صَدره فَوَجَدَهُ معصوبا من الْجُوع فَقَالَ ﷺ إِن لَك عذرا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه فَهَذِهِ الْقَرِينَة وَهِي عدم أمره ﷺ الْمُغيرَة بِإِعَادَة الصَّلَاة ولبسطه عذره دلّت فِي الحَدِيث على أَن هَذَا النَّهْي غير مُقْتَض للْفَسَاد وَمثله أَيْضا قَوْله ﷺ إِذا كَانَ يَوْم صَوْم أحدكُم فَلَا يرْفث وَلَا يجهل فَإِن سبه أحد فَلْيقل إِنِّي صَائِم وَفِي بعض طرقه لَا تساب وَأَنت صَائِم

стр. 47

وَإِن سابك أحد فَقل إِنِّي صَائِم مَعَ أَنه ﷺ لم بفصل بَين أَن يكون الساب صَائِما أَو لَا يكون صَائِما فَإِنَّهُ قرينَة تدل على أَن السب لَا يَقْتَضِي فَسَاد الصَّوْم وَمِنْه أَيْضا النَّهْي عَن الشَّيْء لغيره أَو لمجاور لَهُ عِنْد من يَقُول بِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْفساد فَإِنَّهُ عِنْده قرينَة فِي ذَلِك كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره إِن شَاءَ الله تَعَالَى الثَّامِن تقدم أَن الظَّاهِر من مَذْهَب الشَّافِعِي أَن النَّهْي يدل على الْفساد سَوَاء كَانَ لعَينه أَو لوصفه اللَّازِم وَإِن من الْأَصْحَاب من حكى عَنهُ قولا بِخِلَاف ذَلِك وَبَعْضهمْ جعل ذَلِك مستنبطا من أثْنَاء كَلَام لَهُ استلوح مِنْهُ أَنه لَا يدل على الْفساد وَالَّذِي وجدت فِي مَوَاضِع عديدة نَص الشَّافِعِي على أَنه يدل على الْفساد من ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ﴾ قَالَ الشَّافِعِي ﵀ فَمن صلى سكرانا لم تجزه صلَاته لنهي الله إِيَّاه عَن الصَّلَاة حَتَّى يعلم مَا يَقُول فَإِن معقولا أَن الصَّلَاة قَول وَعمل وإمساك فِي مَوَاضِع مُخْتَلفَة وَلَا يُؤَدِّي هَذَا كَمَا أَمر بِهِ إِلَّا من عقله هَذَا لَفظه فِيمَا نَقله الْبَيْهَقِيّ عَنهُ فِي أَحْكَام الْقُرْآن وَقَالَ الإِمَام الشَّافِعِي ﵀ فِي كتاب الرسَالَة روايتنا من طَرِيق الرّبيع ابْن سُلَيْمَان عَنهُ وَقد ذكر أَحَادِيث النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْخَمْسَة

стр. 48

فَاحْتمل النَّهْي من رَسُول الله ﷺ فِي تِلْكَ السَّاعَات عَن الصَّلَاة مَعْنيين أَحدهمَا وَهُوَ أعمهما أَن تكون الصَّلَوَات كلهَا واجبها الَّذِي نسي ونيم عَنهُ وَمَا لزم بِوَجْه من الْوُجُوه مِنْهَا محرما فِي هَذِه السَّاعَات لَا يكون لأحد أَن يُصَلِّي فِيهَا وَلَو صلى لم يؤد ذَلِك عَنهُ مَا لزمَه من الصَّلَاة كَمَا يكون من قدم صَلَاة قبل دُخُول وَقتهَا لم تجز عَنهُ وَاحْتمل أَن يكون أَرَادَ بِهِ بعض الصَّلَوَات دون بعض ثمَّ ذكر بَقِيَّة الْكَلَام وَرجح أَن المُرَاد بِهِ كل صَلَاة لَا سَبَب لَهَا وَقَالَ بعد ذَلِك فِي مَوضِع آخر مِنْهَا أَيْضا كل النِّسَاء مُحرمَات الْفروج إِلَّا بِوَاحِد من الْمَعْنيين النِّكَاح وَملك الْيَمين الَّذين أذن الله تَعَالَى فيهمَا وَسن رَسُول الله ﷺ كَيْفيَّة النِّكَاح الَّذِي تحل بِهِ الْفروج الْمُحرمَة قبله فسن فِيهِ وليا وشهودا ورضا من الْمَنْكُوحَة الثّيّب وَذَلِكَ دَلِيل على أَن يكون أَيْضا بِرِضا المتزوج فَإِذا نقص وَاحِدًا من هَذَا كَانَ فَاسِدا لِأَنَّهُ لم يُؤْت بِهِ كَمَا سنّ رَسُول الله ﷺ ثمَّ ذكر إِذا نقص شَيْء من ذَلِك وَقَالَ فَإِذا عقد كَذَلِك كَانَ النِّكَاح مفسوخا وَنهى الله تَعَالَى فِي كِتَابه وعَلى لِسَان نبيه ﷺ عَن

стр. 49

النِّكَاح بحالات فَذكر بعض مَا فِي الْقُرْآن من ذَلِك وَنهى رَسُول الله ﷺ عَن الْجمع بَين الْمَرْأَة وعمتها وخالتها ثمَّ قَالَ فَكل نِكَاح كَانَ من هَذَا لم يَصح وَذَلِكَ أَنه قد نهي عَن عقده وَمثله أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن الشّغَار وَعَن نِكَاح الْمُتْعَة وَنهى الْمحرم أَن ينْكح أَو ينْكح فَنحْن نفسخ هَذَا كُله من النِّكَاح فِي هَذِه الْحَالَات الَّتِي نهي عَنْهَا بِمثل مَا فسخنا بِهِ مَا نهي عَنهُ مِمَّا ذكرنَا قبله وَقد يخالفنا فِي هَذَا غَيرنَا وَمثله أَن ينْكح الرجل الْمَرْأَة بِغَيْر إِذْنهَا فتجيز بعد فَلَا يجوز لِأَن العقد وَقع مَنْهِيّا عَنهُ وَمثل هَذَا أَيْضا مَا نهى عَنهُ رَسُول الله ﷺ من بُيُوع الْغرَر وَبيع الرطب بِالتَّمْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا وَغير ذَلِك مِمَّا نهى عَنهُ وَذَلِكَ أَن الأَصْل مَال

стр. 50

كل امْرِئ محرم على غَيره إِلَّا بِمَا أحل لَهُ وَمَا أحل بِهِ من الْبيُوع مَا لم ينْه عَنهُ رَسُول الله ﷺ فَلَا يكون مَا نهى عَنهُ رَسُول الله ﷺ من الْبيُوع محلا مَا كَانَ أَصله محرما من مَال الرجل لِأَخِيهِ وَلَا تكون الْمعْصِيَة بِالْبيعِ الْمنْهِي عَنهُ تحل محرما وَلَا تحل إِلَّا بِمَا لَا يكون مَعْصِيّة هَذَا كُله لفظ الإِمَام الشَّافِعِي رض ثمَّ ذكر بعد ذَلِك النَّهْي عَن شَيْء فِي أَمر مُبَاح كالنهي عَن اشْتِمَال الصماء وَعَن الْقرَان بَين التمرتين وَأَشْبَاه ذَلِك مِمَّا يخْتَص النَّهْي بمورده وَلَا يتَعَدَّى إِلَى تَحْرِيم الْأكل رَأْسا وَلَا تَحْرِيم لبس الثَّوْب على غير هَذَا الْوَجْه الْمنْهِي عَنهُ لِأَن الأَصْل فِي ذَلِك الْإِبَاحَة وَإِنَّمَا يَعْصِي فِي هَذَا النَّوْع بِفعل مَا نهي عَنهُ فَقَط كَمَا أَن وَطْء الزَّوْجَة أَو الْجَارِيَة فِي حَالَة الْحيض أَو الصّيام لَا يحرم عَلَيْهِ أصل الْوَطْء فِي غير صُورَة النَّهْي بِخِلَاف النَّوْع الأول لِأَن أصل مَال الرجل محرم على غَيره إِلَّا مَا أُبِيح لَهُ وَلذَلِك فروج النِّسَاء مُحرمَات إِلَّا مَا أبيحت بِهِ من النِّكَاح أَو الْملك على الْوَجْه الْمَشْرُوع فَإِذا لم يُوجد ذَلِك بَقِي التَّحْرِيم على أَصله

стр. 51

هَذَا معنى كَلَامه وكل هَذَا صَرِيح فِي أَن النَّهْي عَن الشَّيْء لعَينه أَو لوصفه اللَّازِم يدل على فَسَاده وَيُمكن أَن يُؤْخَذ من استناده فِي الْمَنْع إِلَى أصل التَّحْرِيم فِي الْأَمْوَال والفروج أَن الْفساد لم يَأْتِ من مُطلق النَّهْي بِمُجَرَّدِهِ بل من الأَصْل الْمشَار إِلَيْهِ فَيكون هَذَا هُوَ الْموضع الَّذِي أَخذ مِنْهُ القَوْل بذلك وَلكنه لَيْسَ بِظَاهِر الْكَلَام بل الظَّاهِر من تَصَرُّفَات الشَّافِعِي وَجُمْهُور أَصْحَابه رَحْمَة الله عَلَيْهِم أَن النَّهْي على الْوَجْه الْمشَار إِلَيْهِ وَيدل على الْفساد وَأَن دلَالَته على ذَلِك من جِهَة الشَّرْع لَا من جِهَة اللُّغَة وَأَن مَا نهي عَنهُ لغيره المجاور لَهُ لَا يَقْتَضِي النَّهْي فَسَاده وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 52

الْفَصْل الثَّالِث فِي الْأَدِلَّة على هَذَا الْمُخْتَار وَمَا اعْترض بِهِ عَلَيْهَا وَمَا اسْتدلَّ بِهِ الْمَانِع لذَلِك مَعَ الْجَواب عَنهُ وَالْكَلَام فِي أَطْرَاف الطّرف الأول فِي الْأَدِلَّة على أَن النَّهْي عَن الشَّيْء لعَينه يدل على فَسَاده من جِهَة الشَّرْع وَذَلِكَ من النَّص وَالْإِجْمَاع والمعقول أما النَّص فعلى وَجْهَيْن أَحدهمَا مَا يَشْمَل المنهيات عَنْهَا كلهَا بِعُمُومِهِ وَذَلِكَ فِي الحَدِيث الَّذِي روته عَائِشَة رض أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أحدث فِي ديننَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد اتفقَا عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعند مُسلم أَيْضا فِي رِوَايَة أُخْرَى من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد وَهَذِه الرِّوَايَة أخص بالمطلوب من الرِّوَايَة الأولى وَالرَّدّ هُنَا بِاتِّفَاق أَئِمَّة اللُّغَة والْحَدِيث بِمَعْنى الْمَرْدُود كالخلق بِمَعْنى الْمَخْلُوق وَكَذَلِكَ أَيْضا جَاءَ فِي حَدِيث العسيف قَوْله ﷺ الماية شَاة وَالْخَادِم رد عَلَيْك أَي مَرْدُود عَلَيْك وَالرَّدّ صرف الشَّيْء ورجعه إِمَّا بِذَاتِهِ أَو

стр. 53

بِحَالَة من حالاته وَيُقَال للْمَرْأَة الْمُطلقَة مَرْدُودَة ورديد الدَّرَاهِم مَا زيف مِنْهَا ورد وَالْمرَاد بِالْأَمر هُنَا شَرعه ﷺ وَطَرِيقه بِدَلِيل الرِّوَايَة الأولى الْمُتَّفق عَلَيْهَا وَلَا شكّ فِي أَن الْمنْهِي عَنهُ لَيْسَ من الدّين فَكَانَ مردودا والمردود هُوَ المفسوخ الَّذِي لَا يعْمل بِهِ وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَهُوَ نقيض المقبول وَالصَّحِيح يُقَال رد عِبَارَته إِذا لم يقبلهَا وَكَذَلِكَ رد دَعَاهُ ورد كَلَام الْخصم إِذا أبْطلهُ وَلِهَذَا يُقَال للكتب المصنفة فِي إبِْطَال كَلَام أهل الْبدع كتب الرَّد عَلَيْهِم فَيكون اللَّفْظ حَقِيقَة فِي الْقدر الْمُشْتَرك دفعا للاشتراك وَالْمجَاز اللَّذين هما على خلاف الأَصْل فَإِذا ورد مُجَردا عَن الْقَرِينَة وَجب حمله على كلا الْمَعْنيين إِذْ لَو لم يكن لَكَانَ إِمَّا أَن لَا يحمل على وَاحِد مِنْهُمَا أَو على أَحدهمَا معينا أَو مُخَيّرا وَالْأول بَاطِل بالإتفاق وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيل اللَّفْظ وَالثَّانِي أَيْضا بَاطِل لِأَن الْحمل على أحد مدلولي اللَّفْظ المتساويين لعَينه من غير دَلِيل تَرْجِيح من غير مُرَجّح وَكَذَلِكَ الثَّالِث أَيْضا لِأَن الْحمل على التَّخْيِير إِنَّمَا يجْرِي فِيمَا يتساوى فِيهِ المعنيان وَهنا ليسَا متساويين لما سنبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَاعْترض على هَذَا الدَّلِيل بِوُجُوه أَحدهَا أَنه من أَخْبَار الْآحَاد فَلَا يُفِيد إِلَّا الظَّن وَهَذِه الْمَسْأَلَة من أُمَّهَات مسَائِل أصُول الْفِقْه فَلَا يحْتَج فِيهَا إِلَّا بالقاطع وَهَذَا الإعتراض قديم أوردهُ القَاضِي أَبُو بكر على هَذَا الحَدِيث هُنَا وَثَانِيها أَن الضَّمِير عَائِد إِلَى الْفَاعِل وَمعنى الْكَلَام من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فالفاعل رد أَي مَرْدُود وَمعنى كَونه مردودا أَنه غير مثاب

стр. 54

ثَالِثهَا أَنه وَإِن عَاد إِلَى الْمَفْعُول لكنه مَحْمُول على مَا لَا يكون مَقْبُولًا أَي لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ ثَوَاب وَلَا يلْزم من نفي الْقبُول نفي الصِّحَّة ويترجح الْحمل على هَذَا الْمَعْنى لما فِيهِ من التَّعْمِيم لشمُول جَمِيع الصُّور الْمنْهِي عَنْهَا بِخِلَاف مَا إِذا حمل على نفي الصِّحَّة فَإِنَّهُ يخرج عَنهُ كل فعل مَنْهِيّ عَنهُ حكم بِصِحَّتِهِ كَالطَّلَاقِ فِي الْحيض وَالذّبْح بسكين مَغْصُوب وَالْبيع وَقت النداء وَالصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة والأماكن الْمَكْرُوهَة إِلَى مَا لَا ينعد كَثْرَة فَكَانَ الْحمل على نفي الْقبُول أرجح وَهَذَانِ الإعتراضان ذكرهمَا الْآمِدِيّ بأخصر من هَذَا التَّقْرِير وَرَابِعهَا قَالَه الإِمَام فَخر الدّين فِي الْمَحْصُول إِن الطَّلَاق فِي زمن الْحيض يُوصف بأمرين أَحدهمَا أَنه غير مُطَابق لأمر الله تَعَالَى وَالثَّانِي انه سَبَب للبينونة أما الأول فَالْقَوْل بِهِ إِدْخَال فِي الدّين مَا لَيْسَ مِنْهُ فَلَا جرم كَانَ ردا وَأما الثَّانِي فَلم قلت إِنَّه لَيْسَ من الدّين حَتَّى يلْزم مِنْهُ أَن يكون ردا فَإِن هَذَا عين الْمُتَنَازع فِيهِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ الْآمِدِيّ أَيْضا بِعِبَارَة مختصرة وأصل هَذَا الإعتراض للْإِمَام الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى

стр. 55

وَالْجَوَاب عَن الأول نمْنَع أَن هَذَا الحَدِيث لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن بل أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ لإِجْمَاع الْأمة على صِحَّتهَا وتلقيهم إِيَّاهَا بِالْقبُولِ تفِيد الْعلم النظري كَمَا يُفِيد الْخَبَر المحتف بالقرائن وَهَذَا هُوَ اخْتِيَار الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَق الاسفراييني وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَقَررهُ أَبُو عَمْرو بن الصّلاح وَقد ذكرته بدلائله فِي مُقَدّمَة نِهَايَة الْأَحْكَام سلمنَا أَنه لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن لَكِن لَا نسلم أَن هَذِه الْمَسْأَلَة مِمَّا يطْلب فِيهَا الْعلم بل هِيَ ظنية ويكتفى فِيهَا بِالظَّنِّ الرَّاجِح سلمنَا أَنَّهَا علمية لَكِن إِذا انْضَمَّ هَذَا الحَدِيث إِلَى مَا يَأْتِي بعده أَفَادَ مَجْمُوع ذَلِك الْعلم إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَعَن الثَّانِي أَن عود الضَّمِير إِلَى الْفِعْل أولى لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنه أقرب مَذْكُور وَالثَّانِي أَن عوده إِلَى الْفَاعِل يسْتَلْزم أَن يكون الْمَرْدُود هُنَا أُرِيد بِهِ الْمجَاز لِأَن حمله على الْفَاعِل بِمَعْنى أَنه غير مثاب يكون مجَازًا بِخِلَاف مَا إِذا حمل على نفس الْفِعْل لِأَن رده يكون حَقِيقَة وخصوصا إِذا حمل على نفي الصِّحَّة والإعتداد بِهِ وَعدم ترَتّب أَثَره عَلَيْهِ وَعَن الثَّالِث أَن نفي الْقبُول يلْزم مِنْهُ نفي الصِّحَّة لِأَن الْقبُول ترَتّب الْغَرَض الْمَطْلُوب من الشَّيْء على الشَّيْء يُقَال قبل فلَان عذر فلَان إِذا ترَتّب على عذره الْغَرَض الْمَطْلُوب من محو جِنَايَته وَلِهَذَا أَتَى النَّبِي ﷺ بِنَفْي الْقبُول حَيْثُ المُرَاد نفي الصِّحَّة مثل

стр. 56

لَا يقبل الله صَلَاة بِغَيْر طهُور وَلَا صَدَقَة من غلُول وَقَوله لَا يقبل صَلَاة حَائِض إِلَّا بخمار أَي من بلغت سنّ الْمَحِيض وَأَمْثَاله لَا يُقَال فقد وَردت أَحَادِيث نفي فِيهَا الْقبُول وَهِي صَحِيحَة كَالْعَبْدِ إِذا أبق لم تقبل لَهُ صَلَاة وَمن أَتَى عرافا وشارب الْخمر وَغَيره لأَنا نقُول قَامَ هُنَا دَلِيل من خَارج على الصِّحَّة ففسرنا الْقبُول فِيهَا بلازمه وَهُوَ ترَتّب الثَّوَاب وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يُفَسر بلازمه فِي كل الصُّور إِذا لم يقم دَلِيل من خَارج على صِحَة مَا حكم برده أَو نفي عَنهُ الْقبُول سلمنَا أَن نفي الْقبُول لَا يلْزم مِنْهُ نفي الصِّحَّة لَكِن لَا نسلم تعين الْحمل عَلَيْهِ فِي قَوْله فَهُوَ رد بل حمله على نفي الصِّحَّة أولى لوَجْهَيْنِ

стр. 57

أَحدهمَا أَنه هُوَ حَقِيقَة اللَّفْظ أَو هُوَ أقرب إِلَى الْحَقِيقَة كَمَا بَينا من قبل وَثَانِيهمَا أَنه أَكثر فَائِدَة لِأَن الْحمل على نفي الصِّحَّة يلْزم مِنْهُ نفي الْقبُول دون الْعَكْس وَالْحمل على الْأَكْثَر فَائِدَة أولى أَو هُوَ الْمُتَعَيّن وَأما الذّبْح بالسكين الْمَغْصُوب وَطَلَاق الْحَائِض وَمَا ذكر مَعهَا فَهُوَ غير مُعْتَبر وَلَا نقض بهَا علينا لِأَن النَّهْي فِيهَا كلهَا لأمر خارجي لَا لعينها فالآتي بذلك الْفِعْل المقترن بِهَذَا الْخَارِجِي لم يَأْتِ بِهِ مرتكبا لمنهي بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ بل بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره وَعَن الرَّابِع أَن الطَّلَاق فِي الْحيض غير وَارِد لما أَشَرنَا إِلَيْهِ آنِفا وَلَا يردهُ الإِمَام فَخر الدّين بِعَيْنِه لكنه جَاءَ بِهِ على وَجه الْمِثَال وَمرَاده التَّعْمِيم فِي كل الصُّور بِأَن يُقَال مثلا بيع الرِّبَوِيّ مُتَفَاضلا من هَذِه الْحَيْثِيَّة غير مُطَابق لأمر الله وَأما ترَتّب أَثَره عَلَيْهِ فَذَاك أَمر آخر وَهُوَ مَحل النزاع فَيُقَال فِي جَوَابه الحَدِيث مصدر بِلَفْظ من الَّتِي هِيَ من صِيغ الْعُمُوم فَيعم ذَلِك كل عمل لَيْسَ على طَرِيق الشَّرْع بالحكم عَلَيْهِ أَنه مَرْدُود ورد الْوَاقِع مُتَعَذر فَيتَعَيَّن صرفه إِلَى آثاره ويعم جَمِيع الْآثَار المترتبة عَلَيْهِ والنقض بالمنهي عَنهُ لغيره غير وَارِد لما بَيناهُ وَالله أعلم الْوَجْه الثَّانِي من الْأَحَادِيث مَا جَاءَت مُخْتَصَّة بِبَعْض الصُّور الْمنْهِي عَنْهَا فَمِنْهَا حكمه ﷺ على الْمُسِيء صلَاته بِالْعدمِ فِي قَوْله إرجع فصل فَإنَّك لم تصل

стр. 58

وَلَا معنى للعدم إِلَّا الْبطلَان وَعدم الإعتداد بهَا وَلَا يُقَال لَو كَانَت بَاطِلَة لم يقره عَلَيْهَا النَّبِي ﷺ حَتَّى أكملها غير مرّة لأَنا نقُول كَانَ النَّبِي ﷺ يظنّ بِهِ تحسن صلَاته لمُجَرّد الْإِنْكَار عَلَيْهِ وتربص بِهِ حَتَّى يفرغ لمصْلحَة التَّعْلِيم وروى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه فِي قصَّة المواقع أَهله فِي نَهَار رَمَضَان أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ وصم يَوْمًا مَكَانَهُ وَذَلِكَ دَلِيل على فَسَاد الصَّوْم بارتكاب الْمنْهِي عَنهُ وَمِنْهَا حكمه ﷺ على الْبيُوع الْمنْهِي عَنْهَا بِالرَّدِّ والإبطال كَمَا فِي حَدِيث فضَالة رض أُتِي النَّبِي ﷺ عَام خَيْبَر بقلادة فِيهَا ذهب وخرز ابتاعها رجل بِتِسْعَة دَنَانِير أَو سَبْعَة فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا حَتَّى تميز بَينهمَا فَرده حَتَّى ميز بَينهمَا رَوَاهُ مُسلم وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن عَليّ رض أَنه فرق بَين

стр. 59

وَالِدَة وَوَلدهَا فَنَهَاهُ النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك ورد البيع وَفِي الْمُسْتَدْرك للْحَاكِم عَن أبي سعيد أَن أم سَلمَة ﵂ بعثت بصاعين من تمر عَتيق واشترت بهما صَاع عَجْوَة فقدمته إِلَى النَّبِي ﷺ فَتَنَاول مِنْهُ تَمْرَة ثمَّ سَأَلَ عَنهُ فَأَخْبَرته بِمَا صنعت فَألْقى التمرة وَقَالَ ردُّوهُ ردُّوهُ التَّمْر بِالتَّمْرِ مثلا بِمثل الحَدِيث وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن أبي الْمنْهَال اشْتريت أَنا وَشريك لي شَيْئا يدا بيد ونسيئة فجَاء الْبَراء بن عَازِب

стр. 60

فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ فعلته أَنا وشريكي زيد بن أَرقم قَالَ فسألنا النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك فَقَالَ أما مَا كَانَ يدا بيد فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَة فَردُّوهُ وَفِي الْمُوَطَّأ مُرْسلا أَن النَّبِي ﷺ أَمر السعدين أَن يبيعا آنِية من الْمغنم من ذهب أَو فضَّة فباعا كل ثَلَاثَة بأَرْبعَة عينا فَقَالَ لَهما أربيتما فَردا وَلَا يُقَال لَو كَانَ النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد لم يتعاط الصَّحَابَة ﵃ هَذِه الْعُقُود لأَنا نقُول يحْتَمل أَن يكون من فعلهَا مِنْهُم لم يبلغهُ النَّهْي وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر أَو الْمُتَعَيّن

стр. 61

لِأَنَّهُ لَا يظنّ بهم الْإِقْدَام على الْمنْهِي عَنهُ وَمَوْضِع الدّلَالَة من هَذِه الْأَحَادِيث إبِْطَال النَّبِي ﷺ تِلْكَ الْبيُوع وَالظَّاهِر أَن ذَلِك لارتكاب الْمنْهِي عَنهُ فِيهَا وَمِنْهَا قَوْله ﷺ إِن الله إِذا حرم على قوم أكل شَيْء حرم عَلَيْهِم ثمنه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا يتَضَمَّن الدَّلِيل على أَن البيع الْفَاسِد لَا يَتَقَرَّر أصلا بِوَجْه مَا إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لما حرم التَّصَرُّف فِي الثّمن مُطلقًا فَهَذَا يخْتَص بِالرَّدِّ على من يَقُول إِن العقد الْفَاسِد يقر فِي بعض الصُّور أَو أَن النَّهْي يَقْتَضِي الصِّحَّة إِلَى غير ذَلِك من الْأَحَادِيث الْكَثِيرَة وَأما الْإِجْمَاع فقد تَوَاتر عَن الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم من وُجُوه عديدة الِاسْتِدْلَال بِالنَّهْي عَن الْفساد وَالْحكم على الْمنْهِي عَنهُ بفساده فِي وقائع كَثِيرَة يَقْتَضِي مجموعها الْقطع بذلك لاستعمالها على الْمَعْنى الْكُلِّي الْمشَار إِلَيْهِ وَلم ينْقل عَن أحد مِنْهُم إِنْكَار ذَلِك وَلَا ذهَاب إِلَى صِحَة فَكل مَنْهِيّ عَنهُ أصلا فَكَانَ فِي ذَلِك إِجْمَاع مِنْهُم على أَن النَّهْي للْفَسَاد فَمن الأول إِنْكَار عَليّ رض على ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا

стр. 62

فِي نِكَاح الْمُتْعَة واستدلاله على بُطْلَانه بنهي النَّبِي ﷺ وَقَالَ ابْن عمر ﵄ كُنَّا نخابر وَلَا نرى بذلك بَأْسا حَتَّى زعم رَافع ابْن خديج أَن النَّبِي ﷺ نهى عَنْهَا فتركناها

стр. 63

وَاسْتدلَّ على بطلَان نِكَاح الْكِتَابِيَّة بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ وَأنكر عبَادَة بن الصَّامِت على مُعَاوِيَة ﵄ بيع الذَّهَب بِالْفِضَّةِ نَسِيئَة وَاسْتدلَّ بنهي النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك فَرد النَّاس تِلْكَ الْبيُوع الَّتِي تبايعوها يَوْمئِذٍ على الْوَجْه الْمنْهِي عَنهُ والقصة فِي صَحِيح مُسلم وَكَذَلِكَ أَيْضا فعل أَبُو الدَّرْدَاء مَعَ مُعَاوِيَة ﵄ رَوَاهُ النَّسَائِيّ

стр. 64

وَأنكر معمر بن عبد الله رض على غُلَامه بيع الْحِنْطَة بِالشَّعِيرِ وَأمره برده وَاسْتدلَّ بنهي النَّبِي ﷺ عَن بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِلَّا مثلا بِمثل رَوَاهُ مُسلم وَفِي مُصَنف ابْن أبي شيبَة عَن حبيب بن أبي ثَابت قَالَ كنت جَالِسا مَعَ ابْن عَبَّاس ﵄ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فَأَتَاهُ رجل فَقَالَ إِنَّا نَأْخُذ الأَرْض من الدهاقين فأعتملها بيَدي وبقري فآخذ حَقي وأعطيه حَقه فَقَالَ لَهُ خُذ رَأس مَالك وَلَا ترد عَلَيْهِ شَيْئا وَاسْتدلَّ بنهي النَّبِي ﷺ عَن المخابرة

стр. 65

وَعَن إِسْمَاعِيل الشَّيْبَانِيّ قَالَ بِعْت مَا فِي رُؤُوس النّخل إِن زَاد فَلهم وَإِن نقص فَعَلَيْهِم فَسَأَلت ابْن عمر ﵄ فَقَالَ نهى رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك وَأما حكمهم بِفساد الْعِبَادَة أَو العقد عِنْد ارْتِكَاب الْمنْهِي عَنهُ فيهمَا فَمَا لَا يُحْصى كَثْرَة كَقَوْل حُذَيْفَة رض للَّذي رَآهُ يُصَلِّي وَلَا يحسن الرُّكُوع وَالسُّجُود مَا صليت مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة وَلَو مت وَهَذِه صَلَاتك لمت على غير الْفطْرَة وَقَالَ بِلَال رض لآخر مثل ذَلِك

стр. 66

وَأمر الْمسور بن مخرمَة رجلا لم يتم رُكُوعه وَسُجُوده بِإِعَادَة الصَّلَاة وَصلى عمر رض بالمغرب فَلم يقْرَأ فِيهَا فَأَعَادَ الصَّلَاة وَصلى أَيْضا وَهُوَ جنب سَاهِيا فَأَعَادَ وَكَذَلِكَ قَالَ عَليّ وَابْن عمر ﵄ وَقَالَ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ مَا أُبَالِي كَانَا مصرورين فِي نَاحيَة ثوبي أَو نازعاني فِي صَلَاتي يَعْنِي الْغَائِط وَالْبَوْل

стр. 67

وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف رض الصَّائِم فِي السّفر كالمفطر فِي الْحَضَر وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ إِذا جَامع الْمُعْتَكف بَطل اعْتِكَافه واستأنف وَقضى عمر وَعلي وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَابْن عَمْرو ﵃ بِفساد حج من جَامع وَهُوَ محرم وَثَبت عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا رفث﴾ قَالَ هُوَ الْجِمَاع وَقَالَ ابْن أبي جبلة كَانُوا يفرقون بَين السبايا فَيَجِيء

стр. 68

أَبُو أَيُّوب ﵁ فَيجمع بَينهم يَعْنِي بَين الوالدة وَوَلدهَا فِي الْقِسْمَة وَأَبُو أَيُّوب هُوَ الرَّاوِي عَن النَّبِي ﷺ قَوْله من فرق بَين وَالِدَة وَوَلدهَا فرق الله بَينه وَبَين أحبته يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ورد عمر رض نِكَاح من تزوج بِغَيْر ولي وَفرق بَينهمَا فِي غير مَا قصَّة وعزر فِي بَعْضهَا الزَّوْج وَتزَوج رجل امْرَأَة على خَالَتهَا فَضَربهُ عمر رض وَفرق بَينهمَا وَقَالَ ابْن عمر نِكَاح العَبْد بِغَيْر إِذن سَيّده زنا وَكَانَ يضْرب الْحَد فِيهِ وَسُئِلَ عَن الْمُتْعَة فَقَالَ لَا نعلمها إِلَّا السفاح

стр. 69

وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن الزبير ﵄ هِيَ الزِّنَا وَقَالَ عمر رض لَا أُوتى بِرَجُل تمتّع إِلَّا رَجَمْته وَقضى هُوَ وَعلي ﵄ فِي امْرَأَة تزوجت فِي عدتهَا أَن يفرق بَينهمَا وَقَالَ عَليّ وَابْن عَبَّاس ﵄ بِبُطْلَان بيع الْوَلَاء وهبته إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول تعداده وَلَا يُقَال إِن ذَلِك كَانَ مِنْهُم دلَالَة خَاصَّة دلّت على

стр. 70

الْفساد فِي هَذِه الصُّور الْخَاصَّة بِأَعْيَانِهَا لأَنا نقُول الأَصْل عدم تِلْكَ الْأَدِلَّة كَيفَ وَإِن شَيْئا مِنْهَا لم يُوجد وَلَيْسَ إِلَّا المناهي الْوَارِدَة مِنْهَا فِي الْكتاب وَالسّنة فَالظَّاهِر أَن مُسْتَند الصَّحَابَة ﵃ فِي فَسَاد هَذِه القضايا كلهَا هُوَ النَّهْي الْوَارِد فِيهَا كَمَا فِي الصُّور الْمُتَقَدّمَة أَولا وَبِالْجُمْلَةِ كَمَا يعلم إِجْمَاعهم على أَن الْأَمر الْمُطلق للْوُجُوب باستقراء استدلالهم فِي بعض الْمَوَاضِع بِهِ ومسارعتهم إِلَى الِامْتِثَال واعتقاد الْوُجُوب فِي سائرها كَذَا يعلم إِجْمَاعهم على أَن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد باستقراء أَحْوَالهم فَمن عول على هَذِه الطَّرِيقَة فِي أَن الْأَمر للْوُجُوب يلْزمه ذَلِك هُنَا إِذْ لَا فرق بَين الْمَوْضِعَيْنِ وَمن لم يعول على ذَلِك فيهمَا يحْتَج عَلَيْهِ بِأَن ذَلِك إِجْمَاع مِنْهُم لِأَن هَذِه القضايا شاعت بَينهم وذاعت من غير نَكِير مَعَ مَا علم من عَادَتهم وَأَنَّهُمْ لَا يقرونَ على بَاطِل وَبِهَذَا يخرج الْجَواب عَمَّا قَالَه الْغَزالِيّ وَغَيره أَن هَذَا حكم من بعض الصَّحَابَة فَلَا يَصح إِسْنَاده إِلَى جَمِيعهم لأَنا إِنَّمَا أسندناه إِلَى الْكل بطرِيق الْفِعْل من بعض وَالرِّضَا وَالْإِقْرَار من البَاقِينَ كَمَا اسْتدلَّ بِمثل ذَلِك فِي إِثْبَات الْقيَاس والتعبد بِخَبَر الْوَاحِد وأمثالهما وَاعْترض فَخر الدّين فِي الْمَحْصُول وَأَتْبَاعه بعده على هَذَا بِأَنَّهُ لَا نسلم أَن الصَّحَابَة رجعُوا فِي فَسَاد شَيْء من المنهيات إِلَى مُجَرّد النَّهْي وَسَنَد الْمَنْع أَنهم حكمُوا فِي كثير من المنهيات بِالصِّحَّةِ فَلَو قيل بِأَن

стр. 71

تمسكهم فِي فَسَاد تِلْكَ الصُّور لمُجَرّد النهى لزم أَن يكون تخلف الحكم عَن هَذِه الصُّور الَّتِي قيل فِيهَا بِالصِّحَّةِ لمَانع هَذَا على خلاف الظَّاهِر وَالْأَصْل عَدمه بِخِلَاف مَا إِذا قُلْنَا بِأَن النَّهْي لمجرده لَا يَقْتَضِي الْفساد فَإِن حكمهم بِالْفَسَادِ فِي تِلْكَ الصُّور يكون لدَلِيل مُنْفَصِل وَلَيْسَ فِيهِ ترك للظَّاهِر فَكَانَ هَذَا أولى وَالْجَوَاب عَن ذَلِك أَن الصُّور الَّتِي حكمُوا فِيهَا بِالصِّحَّةِ مَعَ وُرُود النَّهْي لَيْسَ النَّهْي عَن شَيْء مِنْهَا لعَينه وَلَا لوصفه اللَّازِم فَلَا يتَوَجَّه بهَا نقض بل جَمِيع تِلْكَ الصُّور الَّتِي فِيهَا لأمر خارجي مجاور وَالْمُدَّعى أَن الصَّحَابَة ﵃ حكمُوا بِالْفَسَادِ فِي كل مَنْهِيّ عَنهُ لعَينه أَو لوصفه اللَّازِم وَهَذَا غير منتقض بِصُورَة من الصُّور حكم فِيهَا بِالصِّحَّةِ بل أَن من الْمنْهِي عَنهُ لغيره مَا أفتى فِيهِ بَعضهم بِالْفَسَادِ أَيْضا لكنه لم يتَّفق عَلَيْهِ بل خُولِفَ فِيهِ أما صُورَة من الصُّور المحتج لَهَا حكم فِيهَا صَحَابِيّ بِالصِّحَّةِ فَذَلِك لَا يُوجد وَمن ادَّعَاهُ فَعَلَيهِ الْبَيَان قَوْلهم أَن الحكم بِالْفَسَادِ يكون لدَلِيل مُنْفَصِل قُلْنَا نقطع بِأَن حكمهم بِهِ لمُجَرّد النَّهْي كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي الصُّور الْمُتَقَدّمَة وَغَيرهَا قَوْلهم أَنَّهَا أَخْبَار آحَاد قُلْنَا هِيَ متواترة فِي الْمَعْنى كشجاعة عَليّ وَوُجُود حَاتِم وأمثالهما كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِيمَا تقدم وكل هَذِه الصُّور الَّتِي ذَكرنَاهَا مروية الْأَسَانِيد فِي كتب الْأَئِمَّة فَهَذَا الْوَجْه وَحده كَاف بالمطلوب مُسْتَقل بإثباته وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 72

وَأما الْمَعْقُول فَمن وُجُوه الأول أَن النَّهْي اقْتِضَاء كف عَن فعل وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون لمقصود دَعَا الشَّارِع إِلَى طلب ذَلِك الْكَفّ أَو لَا لمقصود لَا جَائِز أَن يُقَال أَنه لَا لمقصود أما على أصُول الْمُعْتَزلَة فَلِأَنَّهُ عَبث والعبث قَبِيح وَلَا يصدر من الشَّارِع وَأما على أصُول أهل السّنة فَإنَّا وَإِن جَوَّزنَا خلو أَفعَال الله تَعَالَى عَن الحكم والمقاصد غير أَنا نعتقد أَن الْأَحْكَام الْمَشْرُوعَة لَا تَخْلُو عَن حِكْمَة ومقصود رَاجع إِلَى العَبْد لَكِن لَا بطرِيق الْوُجُوب بل بِحكم الْوُقُوع تفضلا فالإتفاق وَاقع على أَن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة لَا تَخْلُو من الْحِكْمَة وَسَوَاء ظَهرت لنا أَو لم تظهر وَبِتَقْدِير تَسْلِيم خلو بعض الْأَحْكَام عَن الْحِكْمَة فَلَا شكّ أَنه نَادِر وَالْغَالِب عدم خلوها عَن الْحِكْمَة وإدراج مَا وَقع عَلَيْهِ النزاع تَحت الْغَالِب هُوَ الأولى فَإِذا بَطل أَن يكون ذَلِك لَا لمقصود تعين أَن يكون لمقصود من الْحِكْمَة مُعْتَبر فَالْأَمْر يعْتَمد الْمصلحَة الْخَالِصَة أَو الراجحة وَالنَّهْي يعْتَبر الْكَفّ عَن الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة فَلَو قيل بِصِحَّة الْمنْهِي عَنهُ لَكَانَ سَببا للحكمة الْمَطْلُوبَة مِنْهُ فإمَّا أَن يكون مَقْصُود النَّهْي راجحا على مَقْصُود الصِّحَّة أَو مُسَاوِيا أَو مرجوحا لَا جَائِز أَن يكون مرجوحا إِذْ الْمَرْجُوح لَا يكون مَطْلُوبا مَقْصُودا فِي نظر الْعُقَلَاء وَالْغَالِب من الشَّارِع إِنَّمَا هُوَ التَّقْرِير

стр. 73

لَا التَّغْيِير وَمَا لَا يكون مَقْصُودا فَلَا يرد طلب الْكَفّ لأَجله وَإِلَّا كَانَ الطّلب خليا عَن الْحِكْمَة وَهُوَ مُمْتَنع كَمَا سبق وبمثل ذَلِك يمْتَنع أَن يكون مُسَاوِيا وَلما فِيهِ أَيْضا من التَّرْجِيح بِغَيْر مُرَجّح فَلم يبْق إِلَّا أَن يكون راجحا على مَقْصُود الصِّحَّة وَيلْزم من ذَلِك امْتنَاع الصِّحَّة وَعدم ترَتّب آثاره وَإِلَّا كَانَ الحكم بِالصِّحَّةِ خليا عَن حِكْمَة ومقصود ضَرُورَة كَون مقصودها مرجوحا وَذَلِكَ مُمْتَنع كَمَا سبق وَهُوَ الْمَطْلُوب هَذِه طَريقَة الإِمَام سيف الدّين الْآمِدِيّ فِي تَقْرِير هَذَا الدَّلِيل وغالبه عين كَلَامه وَقَررهُ الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ بطريقة أُخْرَى وَهِي أَن الْمنْهِي عَنهُ لَا يجوز أَن يكون منشئا للْمصْلحَة الْخَالِصَة أَو الراجحة وَإِلَّا لَكَانَ النَّهْي منعا من تِلْكَ الْمصلحَة وَأَنه لَا يجوز يَعْنِي على الْوَجْه الْمُتَقَدّم من قَول أهل السّنة أَن أَحْكَام الشَّرْع كلهَا أَو غالبها معللة بالمصالح وَالْحكم وَلِهَذَا كَانَت الْمُنَاسبَة عِلّة فِي الْقيَاس وَلَكِن ذَلِك لَيْسَ على وَجه الْوُجُوب بل على وَجه التفضل وَالْإِحْسَان فَلَزِمَ أَن يكون الْمنْهِي عَنهُ أحد أُمُور ثَلَاثَة وَهُوَ أَن يكون منشأ الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة أَو المساوية وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الْأَوليين يجب الحكم بِالْفَسَادِ لِأَنَّهُ إِذا لم يفْسد الحكم أصلا كَانَ عَبَثا والعاقل لَا يرغب فِي الْعَبَث ظَاهرا فَلَا يقدم عَلَيْهِ فَكَانَ القَوْل بِالْفَسَادِ

стр. 74

سعيا فِي إعدام تِلْكَ الْمفْسدَة وعَلى التَّقْدِير الثَّالِث وَهُوَ التَّسَاوِي يكون الْفِعْل أَيْضا عَبَثا وَهُوَ مَحْذُور عِنْد الْعُقَلَاء فَالْقَوْل بِالْفَسَادِ يُفْضِي إِلَى دفع الْمَحْذُور فَوَجَبَ القَوْل بِهِ هَذَا مَا قَرَّرَهُ ابْن الْخَطِيب وَذكره على وَجه الْمُعَارضَة من جَانب الْخصم الْقَائِل بِأَن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد فِي الْعُقُود أَيْضا وفخر الدّين لَا يَقُول بذلك إِلَّا فِي الْعِبَادَات فأورد هَذَا الدَّلِيل مَعَ غَيره على وَجه الْمُعَارضَة وَلم يعْتَرض عَلَيْهِ مَعَ أَنه اعْترض على غَيره من أَدِلَّة الْمعَارض وَاسْتدلَّ غَيره لبُطْلَان التَّسَاوِي المفضي إِلَى الْعَبَث بِأَنَّهُ إِذا تَسَاوَت الْمصلحَة والمفسدة لَا تبقى فَائِدَة مَطْلُوبَة فِي إِيجَاب فعله كَمَا لَا فَائِدَة فِي إِيجَاب تَركه لِأَن الْأَوَامِر كلهَا مُشْتَمِلَة على الْمصَالح أما الْخَالِصَة كالإيمان وَنَحْوه أَو الراجحة كالجهاد فَإِنَّهُ وَإِن تضمن إتعاب النُّفُوس واذهابها غَالِبا وَإِتْلَاف الْأَمْوَال فالمصلحة الْمَقْصُودَة بِهِ من إعلاء كلمة الْإِيمَان ومحو الْكفْر وتأمين الْمُسلمين فِي دِيَارهمْ وَغير ذَلِك راجحة على تِلْكَ الْمَفَاسِد وَكَذَلِكَ النواهي جَمِيعًا متضمنة لدرء الْمَفَاسِد أما الْخَالِصَة كالكفر وَالظُّلم وأشباههما أَو الراجحة كشرب الْخمر فَإِنَّهُ وَإِن تضمن مَنَافِع فالمفسدة الْخَالِصَة مِنْهُ راجحة على تِلْكَ الْمَنَافِع كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ فإيجاب

стр. 75

أحد المتساويين أَو تَحْرِيمه من غير مُرَجّح يكون عَبَثا فِي نظر الْعُقَلَاء كَمَا فِي إِبْدَال دِرْهَم بدرهم مثله من غير مَقْصُود مُعْتَبر وَالتِّجَارَة المتساوية ربحا وخسارة وأمثالهما عَبث والعبث على الله تَعَالَى محَال أما على أصُول الْمُعْتَزلَة فَظَاهر وَأما على أصلنَا فبالنظر إِلَى مَا أجْرى الله عَادَته بِهِ من رِعَايَة الْمصَالح فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَقرر بعض الْأَئِمَّة الْمُتَأَخِّرين هَذَا الدَّلِيل على وَجه آخر بعد ذكر تِلْكَ الْمُقدمَات وَهُوَ أَنه إِذا ثَبت أَن الْمنْهِي عَنهُ مُشْتَمل على الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة يجب أَن لَا يكون صَحِيحا لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن القَوْل بِالصِّحَّةِ يُفْضِي إِلَى حُصُول تِلْكَ الْمفْسدَة وَالْقَوْل بِالْفَسَادِ يُفْضِي إِلَى لَا حُصُولهَا وَاحْتِمَال حُصُول تِلْكَ الْمفْسدَة مَرْجُوح بِالنِّسْبَةِ إِلَى احْتِمَال لَا حُصُولهَا فِي نظر الشَّرْع لما سبق والمفضي إِلَى الْمَرْجُوح مَرْجُوح والمفضي إِلَى الرَّاجِح رَاجِح فَالْقَوْل بِالصِّحَّةِ مَرْجُوح بِالنِّسْبَةِ إِلَى القَوْل بِالْفَسَادِ وَلَا يَعْنِي بِكَوْن النَّهْي للْفَسَاد سوى هَذَا وَثَانِيهمَا الْقيَاس على جَمِيع المناهي الْفَاسِدَة وَالْجَامِع أَن القَوْل بِالْفَسَادِ سعي فِي إعدام تِلْكَ الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة بِالْكُلِّيَّةِ وَهَذِه الطَّرِيقَة الْأَخِيرَة ذكرهَا الْقَرَافِيّ على وَجه آخر وَهُوَ
следующие страницы →