Полный текст (112 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم اللَّهُمَّ يسر
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَامِل الْفَاضِل الْمُحَقق الصَّدْر الْكَامِل مفتي الْمُسلمين أقضى الْقُضَاة نجم الدّين أَبُو عبد الله أَحْمد بن حمدَان بن شبيب بن حمدَان بن شبيب بن مَحْمُود الْحَرَّانِي الْحَنْبَلِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَرَضي عَنهُ
الْحَمد لله الَّذِي من على الْأمة بهداية الْعلمَاء ووفقهم للْفَتْوَى وَالْقَضَاء وإرشاد الْجُهَّال فِي الصَّباح والمساء وَأمرهمْ بِالْقيامِ بأَمْره على الأقوياء والضعفاء ونهاهم عَن مُرَاعَاة الأوداء والتحامل ظلما على الْأَعْدَاء وَحرم الفنوى وَالْقَضَاء على من فقد شَرطهمَا من الْعلم الْمُعْتَبر لَهما وَالْعَدَالَة وَترك الْهوى والشحناء
أَحْمَده على مَا أولانا من الْهِدَايَة والنعماء ووفق لَهُ من منزلتي الْفَتْوَى وَالْقَضَاء وَاتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة الْبَيْضَاء
стр. 2
وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة موقن بِيَوْم اللِّقَاء وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الْمُؤَيد بجند السَّمَاء والمخصوص بالشفاعة وَالْمقَام الْمَحْمُود واللواء صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان على السَّرَّاء وَالضَّرَّاء صَلَاة دائمة بدوام دَار الْبَقَاء
وَبعد فَإِنَّهُ لما لما كَانَ الْمُفْتى هُوَ الْمخبر بِحكم الله تَعَالَى لمعرفته بدليله هُوَ الْمخبر عَن الله بِحكمِهِ
وَقيل هُوَ المتمكن من معرفَة أَحْكَام الوقائع شرعا بِالدَّلِيلِ مَعَ حفظه لأكْثر الْفِقْه
عظم أَمر الْفَتْوَى وخطرها وَقل أَهلهَا وَمن يخَاف إثمها وخطرها وأقدم عَلَيْهَا الحمقى والجهال وَرَضوا فِيهَا بالقيل والقال واغتروا بالامهال والأهمال واكتفوا بزعمهم أَنهم من الْعدَد بِلَا عدد وَلَيْسَ مَعَهم بأهليتهم خطّ أحد وَاحْتَجُّوا باستمرار حَالهم فِي المدد بِلَا مدد وغرهم فِي الدُّنْيَا كَثْرَة الْأَمْن والسلامة وَقلة الْإِنْكَار والملامة
أَحْبَبْت أَن أبين صفة الْمُفْتِي والمستفتي والاستفتاء وَالْفَتْوَى وشروط الْأَرْبَعَة وَمَا يتَعَلَّق بذلك من وَاجِب ومندوب وَحرَام ومكروه ومباح لينكف عَن الْفَتْوَى أَو يكف عَنْهَا غير أَهلهَا
стр. 3
ويلتزم بهَا كفؤها وبعلها وَيعلم حَال السَّائِل والمسئول وَيمْنَع مِنْهَا من لَا حَاصِل لَهُ وَلَا محصول وَهُوَ إِلَى الْحق بعيد الْوُصُول وَإِنَّمَا دأبه الْحَسَد والنكد والفضول وَمن لَا يصلح للْفَتْوَى لَا يصلح للْقَضَاء
قَالَ القَاضِي الإِمَام أَبُو يعلى بن الْفراء الْحَنْبَلِيّ رححمه الله من لم يكن من أهل الِاجْتِهَاد لم يجز لَهُ أَن يُفْتِي وَلَا يقْضِي وَلَا خلاف فِي اعْتِبَار الِاجْتِهَاد فيهمَا عندنَا وَلَو فِي بعض مَذْهَب إِمَامه فَقَط أَو غَيره وَكَذَا مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَخلق كثير
وَرُبمَا أذكر بعض مَا يخْتَص بِالْقضَاءِ فِي كتاب مُفْرد إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَالله يلهم السداد والرشاد إِنَّه رَحِيم كريم جواد
стр. 4
- ﷺ َ - بَاب وَقت إِبَاحَة الْفتيا واستحبابها وإيجابها وكراهتها وتحريمها ﷺ َ -
الْفتيا فرض عين إِذا كَانَ فِي الْبَلَد مفت وَاحِد وَفرض كِفَايَة إِذا كَانَ فِيهِ مفتيان فَأكْثر سَوَاء حضر أَحدهمَا أَو هما وسئلا مَعًا أَو لَا والورع إِذن التّرْك للخطر وَالْخَوْف من التَّقْصِير والقصور وَتحرم الْفَتْوَى على الْجَاهِل بصواب الْجَواب لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام لتفتروا على الله الْكَذِب﴾ الْآيَة
وَلقَوْل النَّبِي ﷺ من أُفْتِي بِفُتْيَا غير ثَبت فَإِنَّمَا إثمه على الَّذِي أفتاه رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَابْن ماجة
وَفِي لفظ من أُفْتِي بِفُتْيَا بِغَيْر علم كَانَ إِثْم ذَلِك على الَّذِي أفتاه رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَقَوله من أفتى النَّاس بِغَيْر علم لعنته مَلَائِكَة السَّمَاء وملائكة الأَرْض ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَعْظِيم الْفَتْوَى
стр. 5
وَلقَوْله ﷺ إِن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعا ينتزعه من صُدُور الرِّجَال وَلَكِن يقبض الْعلم بِقَبض الْعلمَاء فَإِذا لم يبْق عَالم اتخذ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا فسئلوا فأفتوا بِغَيْر علم فضلوا وأضلوا حَدِيث حسن
وَقَالَ الْبَراء لقد رَأَيْت ثَلَاثمِائَة من أَصْحَاب بدر مَا فيهم من أحد إِلَّا وَهُوَ يحب أَن يَكْفِيهِ صَاحبه الْفتيا وَقَالَ ابْن أبي ليلى أدْركْت عشْرين وَمِائَة من الْأَنْصَار من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يسْأَل أحدهم عَن الْمَسْأَلَة فيردها هَذَا إِلَى هَذَا وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى ترجع إِلَى الأول وَفِي رِوَايَة مَا من أحد يحدث بِحَدِيث أَو يسْأَل عَنهُ وَفِي رِوَايَة عَن شَيْء إِلَّا ود أَن أَخَاهُ كَفاهُ إِيَّاه وَلَا يستفتي فِي شَيْء إِلَّا ود أَن أَخَاهُ كَفاهُ الْفتيا وَقَالَ ابْن مَسْعُود من أفتى النَّاس فِي كل مَا يسألونه عَنهُ فَهُوَ مَجْنُون وَعَن ابْن عَبَّاس نَحوه وَقَالَ أَبُو حُصَيْن الْأَسدي إِن أحدكُم ليفتي فِي الْمَسْأَلَة لَو وَردت على عمر بن الْخطاب لجمع لَهَا أهل بدر وَنَحْوه عَن الْحسن وَالشعْبِيّ
وَقَالَ مُحَمَّد بن عجلَان إِذا أغفل الْعَالم لَا أَدْرِي أُصِيبَت مقَالَته وَنَحْوه عَن ابْن عَبَّاس وَسُئِلَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر عَن شَيْء فَقَالَ لَا أحْسنه فَقَالَ السَّائِل إِنِّي جِئْت إِلَيْك
стр. 6
لَا أعرف غَيْرك فَقَالَ الْقَاسِم لَا تنظر إِلَى طول لحيتي وَكَثْرَة النَّاس حَولي وَالله مَا أحْسنه فَقَالَ شيخ من قُرَيْش جَالس إِلَى جنبه يَا ابْن أخي الزمها فو الله مَا رَأَيْتُك فِي مجْلِس أنبل مِنْك الْيَوْم فَقَالَ الْقَاسِم وَالله لِأَن يقطع لساني أحب إِلَيّ من أَن أَتكَلّم بِمَا لَا علم لي وَقَالَ سُفْيَان بن عيينه وَسَحْنُون بن سعيد صَاحب الْمُدَوَّنَة أجسر النَّاس على الْفتيا أقلهم علما وَسَأَلَ رجل مَالك بن أنس عَن شَيْء أَيَّامًا فَقَالَ إِنِّي إِنَّمَا أَتكَلّم فِيمَا أحتسب فِيهِ الْخَيْر وَلست أحسن مسألتك هَذِه وَقَالَ الْهَيْثَم بن جميل شهِدت مَالِكًا سُئِلَ عَن ثَمَان وَأَرْبَعين مَسْأَلَة فَقَالَ فِي اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا لَا أَدْرِي وَقيل رُبمَا كَانَ يسْأَل عَن خمسين مَسْأَلَة فَلَا يُجيب فِي وَاحِدَة مِنْهَا وَكَانَ يَقُول من أجَاب فِي مَسْأَلَة فَيَنْبَغِي من قبل أَن يُجيب فِيهَا أَن يعرض نَفسه على الْجنَّة وَالنَّار وَكَيف يكون خلاصه فِي الْآخِرَة ثمَّ يُجيب فِيهَا وَسُئِلَ عَن مَسْأَلَة فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقيل لَهُ إِنَّهَا مَسْأَلَة خَفِيفَة سهلة فَغَضب وَقَالَ لَيْسَ فِي الْعلم خَفِيف أما سَمِعت قَول الله تَعَالَى ﴿إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا﴾ فالعلم كُله ثقيل وخاصة مَا يسْأَل عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ مَا أَفْتيت حَتَّى شهد لي سَبْعُونَ أَنِّي أهل لذَلِك وَقَالَ أَيْضا لَا يَنْبَغِي لرجل أَن يرى نَفسه أَهلا لشَيْء حَتَّى يسْأَل من كَانَ أعلم مِنْهُ وَمَا أَفْتيت حَتَّى سَأَلت ربيعَة وَيحيى بن سعيد فأمراني بذلك وَلَو نهياني انْتَهَيْت وَقَالَ إِذا كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله
стр. 7
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تصعب عَلَيْهِم الْمسَائِل وَلَا يُجيب أحدهم فِي مَسْأَلَة حَتَّى يَأْخُذ رَأْي صَاحبه مَعَ مَا رزقوا من السداد والتوفيق مَعَ الطَّهَارَة فَكيف بِنَا الَّذين غطت الْخَطَايَا والذنُوب قُلُوبنَا وَقيل كَانَ إِذا سُئِلَ عَن مَسْأَلَة كَأَنَّهُ وَاقِف بَين الْجنَّة وَالنَّار وَقَالَ عَطاء أدْركْت أَقْوَامًا إِن كَانَ أحدهم ليسأل عَن الشَّيْء فيتكلم وَإنَّهُ ليرعد
وَسُئِلَ النَّبِي ﷺ أَي الْبِلَاد شَرّ فَقَالَ لَا أَدْرِي فَسَأَلَ جِبْرِيل فَقَالَ لَا أَدْرِي فَسَأَلَ ربه فَقَالَ أسواقها ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَعْظِيم الْفتيا
وَسُئِلَ الشّعبِيّ عَن شَيْء فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقيل أَلا تَسْتَحي من قَوْلك لَا أَدْرِي وَأَنت فَقِيه أهل الْعرَاق فَقَالَ لَكِن الْمَلَائِكَة لم تَسْتَحي حِين قَالَت ﴿لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا﴾
وَقَالَ أَبُو نعيم مَا رَأَيْت عَالما أَكثر قولا لَا أَدْرِي من مَالك بن أنس وَقَالَ أَبُو الذَّيَّال تعلم لَا أَدْرِي فَإنَّك إِن قلت لَا أَدْرِي علموك حَتَّى تَدْرِي وَإِن قلت أَدْرِي سألوك حَتَّى لَا تَدْرِي
стр. 8
وَسُئِلَ الشَّافِعِي ﵀ عَن مَسْأَلَة فَسكت فَقيل أَلا تجيب فَقَالَ حَتَّى أَدْرِي الْفضل فِي سكوتي أَو فِي الْجَواب وَقَالَ الْأَثْرَم سَمِعت الإِمَام أَحْمد يستفتي فيكثر أَن يَقُول لَا أَدْرِي وَذَلِكَ فِيمَا عرف فِيهِ الْأَقَاوِيل وَقَالَ من عرض نَفسه للفتيا فقد عرضهَا لأمر عَظِيم إِلَّا أَنه قد تلجئ الضَّرُورَة وَقيل لَهُ أَيهمَا أفضل الْكَلَام أَو الْإِمْسَاك فَقَالَ الْإِمْسَاك أحب إِلَيّ إِلَّا لضَرُورَة وَقَالَ عقبَة بن مُسلم صَحِبت ابْن عمر أَرْبَعَة وَثَلَاثِينَ شهرا وَكَانَ كثيرا مَا يسْأَل فَيَقُول لَا أَدْرِي وَكَانَ سعيد بن الْمسيب لَا يكَاد يُفْتِي فتيا وَلَا يَقُول شَيْئا إِلَّا قَالَ اللَّهُمَّ سلمني وَسلم مني وَقَالَ سَحْنُون صَاحب الْمُدَوَّنَة أَشْقَى النَّاس من بَاعَ آخرته بدنياه وأشقى مِنْهُ من بَاعَ آخرته بدنيا غَيره ففكرت فِيمَن بَاعَ آخرته بدنيا غَيره فَوَجَدته الْمُفْتِي يَأْتِيهِ رجل قد حنث فِي امْرَأَته ورقيقه فَيَقُول لَهُ لَا شَيْء عَلَيْك فَيذْهب الحانث فيتمتع بامرأته ورقيقه وَقد بَاعَ الْمُفْتِي دينه بدنيا هَذَا وَسَأَلَهُ رجل مَسْأَلَة فتردد إِلَيْهِ فِيهَا ثَلَاثَة أَيَّام فَقَالَ وَمَا أصنع لَك يَا خليلي ومسألتك هَذِه معضلة وفيهَا أقاويل وَأَنا متحير فِي ذَلِك فَقَالَ لَهُ وَأَنت أصلحك الله لكل معضلة فَقَالَ لَهُ سَحْنُون هَيْهَات يَا ابْن أخي لَيْسَ بِقَوْلِك هَذَا أبذل لَك لحمي وَدمِي إِلَى النَّار وَكَانَ يزري على من يعجل فِي الْفَتْوَى وَيذكر النَّهْي عَن ذَلِك عَن معلميه القدماء وَقَالَ إِنِّي لأسأل عَن الْمَسْأَلَة أعرفهَا فَمَا يَمْنعنِي من الْجَواب إِلَّا كَرَاهَة الجرأة بعدِي على الْفَتْوَى وَقيل لَهُ إِنَّك تسْأَل عَن مَسْأَلَة لَو سُئِلَ
стр. 9
عَنْهَا بعض أَصْحَابك أجَاب فتتوقف فِيهَا فَقَالَ فتْنَة الْجَواب بِالصَّوَابِ أَشد من فتْنَة المَال وَقَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد إِن الرجل ليسأل عَن الْمَسْأَلَة ويعجل فِي الْجَواب فَيُصِيب فأذمه وَيسْأل عَن مَسْأَلَة فيتثبت فِي الْجَواب فيخطئ فأحمده وَقَالَ أَبُو بكر الْخَطِيب والصيمري قل من حرص على الْفَتْوَى وسابق إِلَيْهَا وثابر عَلَيْهَا إِلَّا قل توفيقه واضطرب فِي أمره وَإِذا كَانَ كَارِهًا لذَلِك غير مُخْتَار لَهُ مَا وجد مندوحة عَنهُ وَقدر أَن يحِيل بِالْأَمر فِيهِ على غَيره كَانَت المعونة لَهُ من الله أَكثر وَالصَّلَاح فِي جَوَابه وفتياه أغلب
وَقَالَ بشر الحافي من أحب أَن يسْأَل فَلَيْسَ بِأَهْل أَن يسْأَل
وَكَانَ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ لَيْسَ شَيْء أَشد عَلَيْهِ من الْفتيا
وَقَالَ تَارَة مَا ابتلى أحد بِمَا ابْتليت بِهِ أَفْتيت الْيَوْم فِي عشر مسَائِل
وَرَأى رجل ربيعَة بن عبد الرَّحْمَن يبكي فَقَالَ مَا يبكيك فَقَالَ أستفتي من لَا علم لَهُ وَظهر فِي الْإِسْلَام أَمر عَظِيم وَقَالَ ولبعض من يُفْتِي هَا هُنَا أَحَق بالسجن من السراق قلت فَكيف لَو رأى زَمَاننَا وأقدام من لَا علم عِنْده على الْفتيا مَعَ قلَّة خبرته وَسُوء سيرته وشؤم سَرِيرَته وَإِنَّمَا قَصده السمعة والرياء ومماثلة الْفُضَلَاء والنبلاء والمشهورين المستورين وَالْعُلَمَاء الراسخين والمتبحرين السَّابِقين وَمَعَ هَذَا فهم ينهون فَلَا ينتهون وينبهون فَلَا ينتبهون قد أملي لَهُم بانعكاف الْجُهَّال عَلَيْهِم وَتركُوا مَا لَهُم
стр. 10
فِي ذَلِك وَمَا عَلَيْهِم فَمن أقدم على مَا لَيْسَ لَهُ أَهلا من فتيا أَو قَضَاء أَو تدريس أَثم فَإِن أَكثر مِنْهُ وأصر وَاسْتمرّ فسق وَلم يحل قبُول قَوْله وَلَا فتياه وَلَا قَضَاؤُهُ هَذَا حكم دين الْإِسْلَام وَالسَّلَام وَلَا اعْتِبَار لمن خَالف هَذَا الصَّوَاب فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
وَقد قَالَ ابْن دَاوُد وَغَيره إِن الشَّافِعِي شَرط فِي الْمُفْتِي وَالْقَاضِي شُرُوطًا لَا تُوجد إِلَّا فِي الْأَنْبِيَاء وَقَالَ بعض أَصْحَابه شَرط الشَّافِعِي فيهمَا شُرُوطًا تمنع أَن يكون بعده حَاكم
وَكتب سُلَيْمَان إِلَى أبي الدَّرْدَاء بَلغنِي أَنَّك قعدت طَبِيبا فاحذر أَن تقتل مُسلما
وَتحرم الْفَتْوَى على الْجَاهِل بِمَا يسْأَل عَنهُ لما سبق من الحَدِيث وَإِن كَانَ عَارِفًا بِغَيْرِهِ وَقَالَ سُفْيَان أدْركْت الْفُقَهَاء وهم يكْرهُونَ أَن يجيبوا فِي الْمسَائِل والفتيا حَتَّى لَا يَجدوا بدا من أَن يفتوا وَقَالَ أدْركْت الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء يترادون الْمسَائِل يكْرهُونَ أَن يجيبوا فِيهَا فَإِذا أعفوا مِنْهَا كَانَ أحب إِلَيْهِم وَقَالَ أعلم النَّاس بالفتيا أسكتهم عَنْهَا وأجهلهم بهَا أنطقهم فِيهَا
стр. 11
- ﷺ َ - بَاب صفة الْمُفْتِي وشروطه وَأَحْكَامه وآدابه وَمَا يتَعَلَّق بِهِ ﷺ َ -
وَمن صفته وشروطه أَن يكون مُسلما عدلا مُكَلّفا فَقِيها مُجْتَهدا يقظا صَحِيح الذِّهْن والفكر وَالتَّصَرُّف فِي الْفِقْه وَمَا يتَعَلَّق بِهِ
أما اشْتِرَاط إِسْلَامه وتكليفه وعدالته فبالاجماع لِأَنَّهُ يخبر عَن الله تَعَالَى بِحكمِهِ فَاعْتبر إِسْلَامه وتكليفه وعدالته لتحصل الثِّقَة بقوله ويبنى عَلَيْهِ كَالشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَة
فصل
وَالْعدْل من اسْتمرّ على فعل الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب والصدق وَترك الْحَرَام وَالْمَكْرُوه وَالْكذب مَعَ حفظ مروءته ومجانبة الريب والتهم بجلب نفع وَدفع ضَرَر فَإِن كَانَ هَذَا وَصفه ظَاهرا وَجَهل بَاطِنه فَفِي كَونه عدلا خلاف وَظَاهر مَذْهَبنَا أَنه لَيْسَ عدلا كَمَا لَو علم أَن بَاطِنه بِخِلَاف ظَاهره وعَلى كلا الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ بِعدْل من يَقُول على الله أَو على رَسُوله أَو غَيرهمَا أَو جازف فِي أَقْوَاله وأفعاله مَعَ إثمه بذلك أَو إِسْقَاط مروءته وتفصيل ذَلِك فِي كتب الْفِقْه وَبِالْجُمْلَةِ كل مَا يَأْثَم بِفِعْلِهِ مرّة يفسق بِفِعْلِهِ ثَلَاثًا وَإِن كَانَ كَبِيرَة فَمرَّة وكل مَا أسقط أسقط الْعَدَالَة إِذا كثر وَإِن لم يكثر لم يَأْثَم بِهِ
стр. 12
فصل
فَأَما الْفَقِيه على الْحَقِيقَة فَهُوَ من لَهُ أَهْلِيَّة تَامَّة يُمكنهُ أَن يعرف الحكم بهَا إِذا شَاءَ مَعْرفَته جملَة كَثِيرَة عرفهَا من أُمَّهَات مسَائِل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الفروعية العملية بِالِاجْتِهَادِ والتأمل وحضورها عِنْده فَكل فَقِيه حَقِيقَة مُجْتَهد قَاض لِأَن الِاجْتِهَاد بذل الْجهد والطاقة فِي طلب الحكم الشَّرْعِيّ بدليله وكل مُجْتَهد أصولي فَلهَذَا كَانَ علم أصُول الْفِقْه فرضا على الْفُقَهَاء وَقد ذكر ابْن عقيل أَنه فرض عين وَقَالَ العالمي الْحَنَفِيّ إِنَّه فرض عين على من أَرَادَ الِاجْتِهَاد وَالْفَتْوَى وَالْقَضَاء وَفرض كِفَايَة على غَيرهم وَهُوَ أولى إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالْمذهب أَنه فرض كِفَايَة كالفقه قلت نحمله على غير الثَّلَاثَة وَلِأَن بِهِ يعرف الدَّلِيل وَالتَّعْلِيل وَالصَّحِيح وَالْفَاسِد والعليل والنبيل والرذيل وَكَيْفِيَّة الِاسْتِدْلَال والاستنباط والإلحاق وَالِاجْتِهَاد والمجتهد وَالْفَتْوَى والمفتي والمستفتي وَمن يجوز لَهُ الِاجْتِهَاد وَالْفَتْوَى أَو يجبان عَلَيْهِ أَو يحرمان أَو يندبان لَهُ وَمن يلْزمه التَّقْلِيد أَو يمْتَنع عَلَيْهِ وَفِيمَا يجوز أَو يمْتَنع وَمن جَهله كَانَ حاكي فقه وفرضه التَّقْلِيد وَقد أوجب ابْن عقيل وَغَيره تَقْدِيم مَعْرفَته على الْفُرُوع وَلِهَذَا ذكره القَاضِي وَابْن أبي مُوسَى وَابْن الْبَنَّا وَأَبُو بكر عبد الْعَزِيز فِي أَوَائِل كتبهمْ الفروعية وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء العكبري أبلغ مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى أَحْكَام الْأَحْكَام اتقان أصُول الْفِقْه
стр. 13
وطرف من أصُول الدّين لَكِن القَاضِي أوجب تَقْدِيم الْفُرُوع لتحصل الدربة والملكة وَهُوَ أولى إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فصل
فَأَما الْمُجْتَهد مُطلقًا فَهُوَ من حفظ وَفهم أَكثر الْفِقْه وأصوله وأدلته فِي مسَائِله إِذا كَانَت لَهُ أَهْلِيَّة تَامَّة يُمكنهُ معرفَة أَحْكَام الشَّرْع فِيهَا بِالدَّلِيلِ وَسَائِر الوقائع إِذا شَاءَ فَإِن كثرت اصابته صلح مَعَ بَقِيَّة الشُّرُوط أَن يُفْتِي وَيَقْضِي وَإِلَّا فَلَا
стр. 14
فصل
والمجتهد أَرْبَعَة أَقسَام مُجْتَهد مُطلق ومجتهد فِي مَذْهَب إِمَامه أَو فِي مَذْهَب إِمَام غَيره ومجتهد فِي نوع من الْعلم ومجتهد فِي مَسْأَلَة مِنْهُ أَو مسَائِل
الْقسم الأول
الْمُجْتَهد الْمُطلق وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا إِذا اسْتَقل بإدراكه للْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة الْعَامَّة والخاصة وَأَحْكَام الْحَوَادِث مِنْهَا مَعَ حفظه لأكْثر الْفِقْه وَلَا يُقَلّد أحدا وَلَا يتَقَيَّد بِمذهب أحد وَقيل لَا يشْتَرط حفظه لفروع الْفِقْه لِأَنَّهُ فرع الِاجْتِهَاد وَفِيه بعد وَقيل يشْتَرط فِيمَن يتَأَدَّى بفتواه فرض الْكِفَايَة وَمن شَرطه أَن يعرف من الْكتاب وَالسّنة مَا يتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ وَحَقِيقَة ذَلِك ومجازه وَأمره وَنَهْيه ومجمله ومبينه ومحكمه ومتشابهه وخاصه وعامه ومطلقه ومقيده وناسخه ومنسوخه والمستثنى والمستثنى مِنْهُ وصحيح السّنة من ذَلِك وسقيمها وتواترها وآحادها ومرسلها ومسندها ومتصلها ومنقطعها وَيعرف الْوِفَاق وَالْخلاف فِي مسَائِل الْأَحْكَام الْفِقْهِيَّة فِي كل عصر والأدلة والشبهة وَالْفرق بَينهمَا وَالْقِيَاس وشروطه وَمَا يتَعَلَّق بذلك والعربية المتداولة بالحجاز واليمن وَالشَّام وَالْعراق وَمن حَولهمْ من الْعَرَب وَلَا يضر جَهله بِبَعْض ذَلِك لشُبْهَة أَو إِشْكَال لَكِن يَكْفِيهِ معرفَة وُجُوه دلَالَة الْأَدِلَّة وَكَيْفِيَّة أَخذ الْأَحْكَام من لَفظهَا وَمَعْنَاهَا
стр. 15
وَهل تشْتَرط معرفَة الْحساب وَنَحْوه فِي الْمسَائِل المتوقفة عَلَيْهِ فِيهِ خلاف
وَمن زمن طَوِيل عدم الْمُجْتَهد الْمُطلق مَعَ أَنه الْآن أيسر مِنْهُ فِي الزَّمن الأول لِأَن الحَدِيث وَالْفِقْه قد دونا وَكَذَا مَا يتَعَلَّق بِالِاجْتِهَادِ من الْآيَات والْآثَار وأصول الْفِقْه والعربية وَغير ذَلِك لَكِن الهمم قَاصِرَة والرغبات فاترة ونار الْجد والحذر خامدة اكْتِفَاء بالتقليد واستعفاء من التَّعَب الوكيد وهربا من الأثقال وأربا فِي تمشية الْحَال وبلوغ الآمال وَلَو بِأَقَلّ الْأَعْمَال وَهُوَ فرض كِفَايَة قد أهملوه وملوه وَلم يعقلوه ليفعلوه
وَقيل الْمُفْتِي هُوَ من تمكن من معرفَة أَحْكَام الوقائع على يسر من غير تعلم آخر
الْقسم الثَّانِي
مُجْتَهد فِي مَذْهَب إِمَامه أَو إِمَام غَيره وأحواله أَرْبَعَة
الْحَالة الأولى
أَن يكون غير مقلد لإمامه فِي الحكم وَالدَّلِيل لَكِن سلك طَرِيقه فِي الِاجْتِهَاد وَالْفَتْوَى ودعا إِلَى مذْهبه وَقَرَأَ كثيرا مِنْهُ على أَهله فَوَجَدَهُ صَوَابا وَأولى من غَيره وَأَشد مُوَافقَة فِيهِ وَفِي طَرِيقه وَقد ادّعى هَذَا منا القَاضِي أَبُو عَليّ ابْن أبي مُوسَى الْهَاشِمِي فِي شرح الْإِرْشَاد الَّذِي لَهُ وَالْقَاضِي أَبُو يعلى وَغَيرهمَا وَمن الشَّافِعِيَّة خلق كثير وَاخْتلفت الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة فِي أبي يُوسُف
стр. 16
وَمُحَمّد والمزني وَابْن سُرَيج هَل كَانُوا مجتهدين مستقلين أَو فِي مَذْهَب الْإِمَامَيْنِ وفتوى الْمُجْتَهد الْمَذْكُور كفتوى الْمُجْتَهد الْمُطلق فِي الْعَمَل بهَا والاعتداد بهَا فِي الاجماع وَالْخلاف
فصل
وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة إِذا كَانَ رجل مُجْتَهدا فِي مَذْهَب إِمَام وَلم يكن مُسْتقِلّا بالفتوى فِيهِ عَن نَفسه فَهَل لَهُ أَن يُفْتِي بقول ذَلِك الإِمَام على وَجْهَيْن
أَحدهمَا يجوز وَيكون متبعه مُقَلدًا للْمَيت لَا لَهُ
وَالثَّانِي الْمَنْع لِأَنَّهُ مقلد لَهُ لَا للْمَيت والسائل إِنَّمَا أَرَادَ الاستفتاء على قَول الْمَيِّت وَالْأول أصح لِأَن مستفتيه عمل بقول الْمَيِّت الَّذِي عرف الْمُفْتِي صِحَّته بِالدَّلِيلِ فقد وَافقه فِيهِ فَصحت فتياه وَإِن منعنَا تَقْلِيد الْمَيِّت فِي وَجه لنا بعيد وَمذهب لغيرنا ضَعِيف لاحْتِمَال تغير اجْتِهَاده لَو كَانَ حَيا وجدد النّظر عِنْد حُدُوث الْمَسْأَلَة حِين الْفَتْوَى وَفِي وُجُوبه مذهبان سنذكرهما إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الْحَالة الثَّانِيَة
أَن يكون مُجْتَهدا فِي مَذْهَب إِمَامه مُسْتقِلّا بتقريره بِالدَّلِيلِ لَكِن لَا يتَعَدَّى أُصُوله وقواعده مَعَ إتقانه للفقه وأصوله وأدلة مسَائِل الْفِقْه عَارِفًا بِالْقِيَاسِ وَنَحْوه تَامّ الرياضة قَادِرًا على التَّخْرِيج والإستنباط وإلحاق الْفُرُوع بالأصول وَالْقَوَاعِد الَّتِي
стр. 17
لإمامه وَقيل وَلَيْسَ من شَرطه معرفَة هَذَا علم الحَدِيث واللغة الْعَرَبيَّة لكَونه يتَّخذ أصُول إِمَامه أصولا يستنبط مِنْهَا الْأَحْكَام كنصوص الشَّارِع وَقد يرى حكما ذكره إِمَامه بِدَلِيل فيكتفي بذلك من غير بحث عَن معَارض أَو غَيره وَهُوَ بعيد وَهَذَا شَأْن أهل الْأَوْجه والطرق فِي الْمذَاهب وَهُوَ حَال أَكثر عُلَمَاء الطوائف الْآن فَمن عمل بِفُتْيَا هَذَا فقد قلد إِمَامه دونه لِأَن معوله على صِحَة اضافة مَا يَقُول إِلَى إِمَامه لعدم استقلاله بتصحيح نسبته إِلَى الشَّارِع بِلَا وَاسِطَة إِمَامه وَالظَّاهِر مَعْرفَته بِمَا يتَعَلَّق بذلك من حَدِيث ولغة وَنَحْو وَقيل أَن فرض الْكِفَايَة لَا يتَأَدَّى بِهِ لِأَن تَقْلِيده نقص وخلل فِي الْمَقْصُود وَقيل يتَأَدَّى بِهِ فِي الْفَتْوَى لَا فِي إحْيَاء الْعُلُوم الَّتِي تستمد مِنْهَا الْفَتْوَى لِأَنَّهُ قد قَامَ فِي فتواه مقَام إِمَام مُطلق فَهُوَ يُؤَدِّي عَنهُ مَا كَانَ يتَأَدَّى بِهِ الْفَرْض حِين كَانَ حَيا قَائِما بِالْفَرْضِ مِنْهَا وَهَذَا على الصَّحِيح فِي جَوَاز تَقْلِيد الْمَيِّت ثمَّ قد يُوجد من الْمُجْتَهد الْمُقَيد اسْتِقْلَال بِالِاجْتِهَادِ وَالْفَتْوَى فِي مَسْأَلَة خَاصَّة أَو بَاب خَاص فَيجوز لَهُ أَن يُفْتِي فِيمَا لم يجده من أَحْكَام الوقائع مَنْصُوصا عَلَيْهَا عَن إِمَامه لما يُخرجهُ على مذْهبه وعَلى هَذَا الْعَمَل وَهُوَ أصح فالمجتهد فِي الْمَذْهَب أَحْمد مثلا إِذا أحَاط بقواعد مذْهبه وتدرب فِي مقاييسه وتصرفاته تنزل من الالحاق بمنصوصاته وقواعد مذْهبه منزلَة الْمُجْتَهد المستقل فِي إِلْحَاقه مَا لم
стр. 18
ينص عَلَيْهِ الشَّارِع بِمَا نَص عَلَيْهِ وَهَذَا أقدر على ذَا من ذَاك على ذَاك فَإِنَّهُ يجد فِي مَذْهَب إِمَامه قَوَاعِد مُمَيزَة وضوابط مهذبة مِمَّا لَا يجده الْمُجْتَهد فِي أصُول الشَّرْع ونصوصه وَقد سُئِلَ الإِمَام أَحْمد ﵁ عَمَّن يُفْتِي بِالْحَدِيثِ هَل لَهُ ذَلِك إِذا حفظ أَرْبَعمِائَة ألف حَدِيث فَقَالَ أَرْجُو فَقيل لأبي اسحق ابْن شاقلا فَأَنت تُفْتِي وَلست تحفظ هَذَا الْقدر فَقَالَ لكنني أُفْتِي بقول من يحفظ ألف ألف حَدِيث يَعْنِي الإِمَام أَحْمد
ثمَّ إِن المستفتي فِيمَا يفتيه بِهِ من تَخْرِيجه هَذَا مقلد لإمامه لَا لَهُ وَقيل مَا يُخرجهُ أَصْحَاب الإِمَام على مذْهبه هَل يجوز أَن ينْسب إِلَيْهِ وَأَنه مذْهبه فِيهِ لنا ولغيرنا خلاف وتفصيل وَالْحَاصِل أَن الْمُجْتَهد فِي مَذْهَب إِمَامه هُوَ الَّذِي يتَمَكَّن من التَّفْرِيع على أَقْوَاله كَمَا يتَمَكَّن الْمُجْتَهد من التَّفْرِيع على مَا انْعَقَد عَلَيْهِ الاجماع وَدلّ عَلَيْهِ الْكتاب أَو السّنة أَو الاستنباط وَلَيْسَ من شَرط الْمُجْتَهد أَن يُفْتِي فِي كل مَسْأَلَة بل يجب أَن يكون على بَصِيرَة فِيمَا يُفْتِي بِهِ بِحَيْثُ يحكم فِيمَا يدْرِي ويدري أَنه يدْرِي بل قد يجْتَهد الْمُجْتَهد فِي الْقبْلَة ويجتهد الْعَاميّ فِيمَن يقلده ويتبعه ثمَّ تَخْرِيجه تَارَة يكون من نَص لإمامه فِي مَسْأَلَة مُعينَة وَتارَة لَا يجد لإمامه نصا معينا يخرج مِنْهُ فَيخرج على وفْق أُصُوله وقواعده بِأَن يجد دَلِيلا من جنس مَا يحْتَج بِهِ إِمَامه وعَلى شَرطه فيفتي بِمُوجبِه وَجعل هَذَا مذهبا لإمامه بعيد ثمَّ إِن وَقع النَّوْع الأول من التَّخْرِيج فِي صُورَة فِيهَا
стр. 19
نَص لإمامه مخرجا هُوَ فِيهَا بِخِلَاف نَصه فِيهَا من نَص آخر فِي صُورَة أُخْرَى فَهِيَ قَول مخرج كنصه على حكمين مُخْتَلفين فِي مَسْأَلَتَيْنِ متشابهتين فِي وَقْتَيْنِ فَيخرج من كل وَاحِدَة فِي الْأُخْرَى فَيكون لَهُ فِي مَسْأَلَة قَولَانِ قَول مَنْصُوص وَقَول مخرج وَإِن قُلْنَا الأول من قوليه لَيْسَ مذهبا لَهُ لم يجز النَّقْل والتخريج من الْمَسْأَلَة الْمُتَقَدّمَة إِلَى الْمُتَأَخِّرَة وَيجوز عَكسه هَذَا قَول الشَّافِعِيَّة وأصحابنا وَفِي جَوَازه خلاف وتفصيل نذكرهُ آنِفا وَأكْثر الشَّافِعِيَّة يطلقون النَّقْل والتخريج من غير تَفْصِيل فَيلْزم التَّخْرِيج من الْمَسْأَلَة الْمُتَقَدّمَة إِلَى الْمُتَأَخِّرَة فَيكون الْقَدِيم مذهبا والجديد لَيْسَ مذهبا
وَإِذا وَقع النَّوْع الثَّانِي فِي صُورَة قد قَالَ فِيهَا بعض الْأَصْحَاب غير ذَلِك سمي ذَلِك وَجها لمن خرجه وَيُقَال فِيهَا وَجْهَان وَقد يخرج بعض الْأَصْحَاب فِي بعض الْمسَائِل خلاف نَص الإِمَام فِيهَا على مَا يرَاهُ دَلِيلا من جنس أَدِلَّة الإِمَام وَذَلِكَ بَين أَصْحَابنَا كثير وَالْخلاف هُنَا إصطلاح لَفْظِي وَشرط التَّخْرِيج الْمَذْكُور أَولا عِنْد اخْتِلَاف النصين أَن لَا يُوجد بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ فرق يُؤثر وَلَا يكون الإِمَام فرق بَينهمَا أَو كَانَ زمن الْقَوْلَيْنِ قَرِيبا وَلَا حَاجَة فِي مثل ذَلِك إِلَى عِلّة جَامِعَة وَهُوَ كإلحاق الْأمة بِالْعَبدِ فِي الْعتْق وَمَتى أمكن الْفرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ لم يجز لَهُ على الْأَصَح التَّخْرِيج وَلَزِمَه تَقْرِير النصين على ظاهرهما للفارق والمؤثر
стр. 20
وَاخْتلفُوا فِي القَوْل بالتخريج فِي مثل ذَلِك لإختلافهم فِي إِمْكَان الْفرق وَتَمام ذَلِك يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الْحَالة الثَّالِثَة
أَن لَا يبلغ بِهِ رُتْبَة أَئِمَّة الْمذَاهب أَصْحَاب الْوُجُوه والطرق غير أَنه فَقِيه النَّفس حَافظ لمَذْهَب إِمَامه عَارِف بأدلته قَائِم بتقريره ونصرته يصور وَيجوز ويمهد ويقرر ويزيف ويرجح لكنه قصر عَن دَرَجَة أُولَئِكَ إِمَّا لكَونه لم يبلغ فِي حفظ الْمَذْهَب مبلغهم وَإِمَّا لكَونه غير متبحر فِي أصُول الْفِقْه وَنَحْوه على أَنه لَا يَخْلُو مثله فِي ضمن مَا يحفظه من الْفِقْه ويعرفه من أدلته عَن أَطْرَاف من قَوَاعِد أصُول الْفِقْه وَنَحْوه وَإِمَّا لكَونه مقصرا فِي غير ذَلِك من الْعُلُوم الَّتِي هِيَ أدوات للإجتهاد الْحَاصِل لاصحاب الْوُجُوه والطرق وَهَذِه صفة كثير من الْمُتَأَخِّرين الَّذين رتبوا الْمذَاهب وحرروها وصنفوا فِيهَا تصانيف بهَا يشْتَغل النَّاس الْيَوْم غَالِبا وَلم يلْحقُوا من يخرج الْوُجُوه ويمهد الطّرق فِي الْمذَاهب وَإِمَّا فِي فتاويهم فقد كَانُوا يتبسطون فِيهَا كتبسط أُولَئِكَ أَو نَحوه ويقيسون غير الْمَنْقُول والمسطور على الْمَنْقُول والمسطور فِي الْمَذْهَب غير مقتصرين فِي ذَلِك على الْقيَاس الْجَلِيّ وَقِيَاس لَا فَارق نَحْو قِيَاس الْمَرْأَة على الرجل فِي رُجُوع البَائِع إِلَى عين مَاله عِنْد تعذر الثّمن وَلَا تبلغ فتاويهم فَتَاوَى أَصْحَاب الْوُجُوه وَرُبمَا تطرق بَعضهم إِلَى تَخْرِيج قَول وإستنباط وَجه وإحتمال وفتاويهم مَقْبُولَة أَيْضا
стр. 21
الْحَالة الرَّابِعَة
أَن يقوم بِحِفْظ الْمَذْهَب وَنَقله وفهمه فَهَذَا يعْتَمد على نَقله وفهمه فَهَذَا يعْتَمد نَقله وفتواه فِيمَا يحكيه من مسطورات مذْهبه من منصوصات إِمَامه وتفريعات أَصْحَابه الْمُجْتَهدين فِي مذْهبه وتخريجاتهم وَأما مَا يجده مَنْقُولًا فِي مذْهبه فَإِن وجد فِي الْمَنْقُول مَا هَذَا فِي مَعْنَاهُ بِحَيْثُ يدْرك من غير فضل فكر وَتَأمل أَنه لَا فَارق بَينهمَا كَمَا فِي الْأمة بِالنِّسْبَةِ إِلَى العَبْد الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي اعتاق الشَّرِيك جَازَ لَهُ إِلْحَاقه بِهِ وَالْفَتْوَى بِهِ وَكَذَلِكَ مَا يعلم إندراجه تَحت ضَابِط ومنقول ممهد فِي الْمَذْهَب وَمَا لم يكن كَذَلِك فَعَلَيهِ الْإِمْسَاك عَن الْفتيا بِهِ وَمثل هَذَا يَقع نَادرا فِي حق مثل الْفَقِيه الْمَذْكُور إِذْ يبعد أَن تقع وَاقعَة لم ينص على حكمهَا فِي الْمَذْهَب وَلَا هِيَ فِي معنى بعض الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِيهِ من غير فرق وَلَا مندرجة تَحت شَيْء من ضوابط الْمَذْهَب المحررة فِيهِ ثمَّ إِن هَذَا الْفَقِيه لَا يكون إِلَّا فَقِيه النَّفس لِأَن تَصْوِير الْمسَائِل على وَجههَا وَنقل أَحْكَامهَا بعده لَا يقوم بِهِ إِلَّا فَقِيه النَّفس وَيَكْفِي استحضار أَكثر الْمَذْهَب مَعَ قدرته على مطالعة بَقِيَّته قَرِيبا
стр. 22
الْقسم الثَّالِث
الْمُجْتَهد فِي نوع من الْعلم
فَمن عرف الْقيَاس وشروطه فَلهُ أَن يُفْتِي فِي مسَائِل مِنْهُ قياسية لَا تتَعَلَّق بِالْحَدِيثِ وَمن عرف الْفَرَائِض فَلهُ أَن يُفْتِي فِيهَا وَأَن جهل أَحَادِيث النِّكَاح وَغَيره وَقيل يجوز ذَلِك فِي الْفَرَائِض دون غَيرهَا وَقيل بِالْمَنْعِ فيهمَا وَهُوَ بعيد
الْقسم الرَّابِع
الْمُجْتَهد فِي مسَائِل أَو فِي مَسْأَلَة وَلَيْسَ لَهُ الْفَتْوَى فِي غَيرهَا
وَأما فِيهَا فَالْأَظْهر جَوَازه وَيحْتَمل الْمَنْع لِأَنَّهُ مَظَنَّة الْقُصُور وَالتَّقْصِير
فصل
فَمن أفتى وَلَيْسَ على صفة من الصِّفَات الْمَذْكُورَة من غير ضَرُورَة فَهُوَ عَاص آثم لِأَنَّهُ لَا يعرف الصَّوَاب وضده فَهُوَ كالأعمى الَّذِي لَا يُقَلّد الْبَصِير فِيمَا يعْتَبر لَهُ الْبَصَر لِأَنَّهُ بفقد الْبَصَر لَا يعرف الصَّوَاب وضده ﴿أَلا يظنّ أُولَئِكَ أَنهم مبعوثون ليَوْم عَظِيم﴾ ٨٣ ٤ ٣ قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ يلْزم ولي الْأَمر مَنعهم كَمَا فعل بنوا أُميَّة وَمن تصدى للفتيا ظَانّا أَنه من أَهلهَا فليتهم نَفسه وليتق ربه
стр. 23
فَإِن الماهر فِي علم الْأُصُول أَو الْخلاف أَو الْعَرَبيَّة دون الْفِقْه يحرم عَلَيْهِ الْفتيا لنَفسِهِ وَلغيره لِأَنَّهُ لَا يسْتَقلّ بِمَعْرِِفَة حكم الواقعية من أصُول الِاجْتِهَاد لقُصُور آلَته وَلَا من مَذْهَب إِمَام لعدم حفظه وإطلاعه عَلَيْهِ على الْوَجْه الْمُعْتَبر فَلَا يحْتَج بقوله فِي ذَلِك وَينْعَقد الْإِجْمَاع دونه على أصح المذهبين
وَأَجَازَ أَبُو حنيفَة تَقْلِيده فِيمَا يُفْتِي بِهِ غَيره وَالْحكم بِهِ وَلَا وَجه لَهُ مَعَ جهل الْمُفْتِي وَالْحَاكِم وعاميتهما لما سبق آنِفا وَلَا يجوز للمقلد الْفَتْوَى بِمَا هُوَ مقلد فِيهِ وَقيل إِن جهل دَلِيله
وَقيل يجوز لمن حفظ مَذْهَب ذِي مَذْهَب ونصوصه أَن يُفْتِي بِهِ عَن ربه وَإِن لم يكن عَارِفًا بغوامضه وحقائقه وَقيل لَا يجوز أَن يُفْتِي بِمذهب غَيره إِذا لم يكن متبحرا فِيهِ عَالما بغوامضه وحقائقه كَمَا لَا يجوز للعامي الَّذِي جمع فتاوي الْمُفْتِينَ أَن يُفْتِي بهَا وَإِذا كَانَ متبحرا فِيهِ جَازَ أَن يُفْتِي بِهِ وَالْمرَاد بقول من منع الْفَتْوَى بِهِ أَنه لَا يذكرهُ على صُورَة مَا يَقُوله من عِنْد نَفسه بل يضيفه إِلَى غَيره ويحكيه عَن إِمَامَة الَّذِي قَلّدهُ لصِحَّة تَقْلِيد الْمَيِّت كَمَا سبق فعلى هَذَا من عددناه من أَصْنَاف الْمُفْتِينَ من المقلدين لَيْسَ على الْحَقِيقَة من الْمُفْتِينَ وَلَكِن قَامُوا مقامهم وأدوا عَنْهُم فعدوا مَعَهم وسبيلهم فِي ذَلِك أَن يَقُولُوا مثلا مَذْهَب أَحْمد كَذَا وَكَذَا وَمُقْتَضى مذْهبه كَذَا وَكَذَا أَو نَحْو ذَلِك وَمن ترك مِنْهُم
стр. 24
إِضَافَة ذَلِك إِلَى إِمَامَة إِن كَانَ ذَلِك مِنْهُ اكْتِفَاء بالمعلوم من الْحَال عَن التَّصْرِيح بالمقال جَازَ
وَإِذا عرف الْعَاميّ حكم الْمَسْأَلَة ودليلها فَقيل يجوز أَن يُفْتِي بِهِ وَيجوز تَقْلِيده فِيهِ لِأَنَّهُ قد وصل إِلَى الْعلم بِهِ كوصول الْعَالم إِلَيْهِ وَقيل يجوز ذَلِك إِن كَانَ دليلها نَص كتاب أَو سنة وَهُوَ ظَاهر وَظُهُور دلَالَة النقلي بِخِلَاف النظري وَقيل لَا يجوز ذَلِك مُطلقًا وَهُوَ أظهر وَقد سبق نَحوه وَسَيَأْتِي تَمَامه وَلِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ لَهُ معَارض يجهله هُوَ فَلَو استفتى عَامي فَقِيها فِي حَادِثَة فأفتاه بِشَيْء فاعتقده مذهبا لم يجز لَهُ أَن يُفْتِي بِهِ وَلَا لغيره أَن يقلده فِيهِ وَإِن كَانَ مُعْتَقدًا لَهُ لِأَنَّهُ غير عَالم بِصِحَّتِهِ لَكِن لَهُ الاخبار بِهِ
فصل
لَيْسَ لَهُ أَن يُفْتِي بِمَا سمع من مفت إِنَّمَا يجوز أَن يعْمل هُوَ بِهِ وَلَا يُفْتِي بالحكاية عَن غَيره بل بِاجْتِهَاد نَفسه لِأَنَّهُ إِنَّمَا سُئِلَ عَمَّا عِنْده ذكره ابْن بطة وَالْقَاضِي وَغَيرهمَا منا وَمن الشَّافِعِيَّة
وَقد قَالَ عبد الله سَأَلت أبي عَن الرجل تكون عِنْده الْكتب المصنفة فِيهَا قَول رَسُول الله ﷺ وَاخْتِلَاف الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَلَيْسَ للرجل بصر بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف الْمَتْرُوك وَلَا للإسناد
стр. 25
الْقوي من الضَّعِيف فَيجوز أَن يعْمل بِمَا شَاءَ وَيتَخَيَّر مَا أحب من مَتنه فيفتي وَيعْمل بِهِ قَالَ لَا يعْمل حَتَّى يسْأَل مَا يُؤْخَذ بِهِ مِنْهَا فَيكون يعْمل على أَمر صَحِيح يسْأَل عَن ذَلِك أهل الْعلم
فصل
وَمن تفقه وَقَرَأَ كتابا أَو كتبا من الْمَذْهَب وَهُوَ قَاصِر لم يَتَّصِف بِصفة بعض الْمُفْتِينَ الْمَذْكُورين فللعامي أَن يقلده إِذا لم يجد غَيره فِي بَلَده وقريبا مِنْهُ وَإِن كَانَ يقدر على السّفر إِلَى مفت لزمَه وَقيل إِذا خلت الْبَلدة عَن مفت حرم السُّكْنَى فِيهَا فَإِن شقّ السّفر عَلَيْهِ ذكر مَسْأَلته للقاصر الْمَذْكُور فَإِن وجدهَا مسطورة وَهُوَ مِمَّن يقبل خَيره أخبرهُ بِهِ بِعَيْنِه وَكَانَ المستفتي لَهُ مُقَلدًا لصَاحب الْمَذْهَب لَا للحاكي لَهُ وَإِن لم يجدهَا فَلَيْسَ لَهُ أَن يقيسها على مَا عِنْده من المسطور وَإِن اعتقده مثل قِيَاس الْأمة على العَبْد فِي الْعتْق لِأَنَّهُ يعرض لِأَن يعْتَقد مَا لَيْسَ من هَذَا الْقَبِيل دَلِيلا فِيهِ
فصل
فَإِن لم يجد الْعَاميّ من يسْأَله عَنْهَا فِي بَلَده وَلَا غَيره فَقيل لَهُ حكم مَا قبل الشَّرْع على الْخلاف فِي الْحَظْر وَالْإِبَاحَة وَالْوَقْف وَهُوَ أَقيس لما روى حُذَيْفَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ
стр. 26
يدرس الْإِسْلَام كَمَا يدرس وشي الثَّوْب حَتَّى لَا يدْرِي مَا صِيَام وَلَا صَلَاة وَلَا نسك وَلَا صَدَقَة ويسري على كتاب الله فِي لَيْلَة فَلَا يبْقى فِي الأَرْض مِنْهُ آيَة وَيبقى طوائف من النَّاس الشَّيْخ الْكَبِير والعجوز الْكَبِيرَة يَقُولُونَ أدركنا آبَاءَنَا على هَذِه الْكَلِمَة لَا إِلَه إِلَّا الله فَنحْن نقولها فَقَالَ صلَة بن زفر لِحُذَيْفَة مَا تغني عَنْهُم لَا إِلَه إِلَّا الله وهم لَا يَدْرُونَ مَا صِيَام وَلَا صَلَاة وَلَا نسك وَلَا صَدَقَة فَأَعْرض عَنهُ حُذَيْفَة فَردهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا كل ذَلِك يعرض عَنهُ حُذَيْفَة ثمَّ أقبل عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَة فَقَالَ يَا صلَة تنجيهم من النَّار تنجيهم من النَّار تنجيهم من النَّار رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي السّير وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي صَحِيحه وَقَالَ هَذَا حَدِيث على شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ
стр. 27
- ﷺ َ - بَاب بَقِيَّة أَحْكَام الْمُفْتِي وآدابه وَمَا يتَعَلَّق بِهِ ﷺ َ -
تصح فتيا العَبْد وَالْمَرْأَة والغريب والأمي والأخرس الْمَفْهُوم بالأشارة أَو الْكِتَابَة وَتَصِح مَعَ جر النَّفْع وَدفع الضَّرَر وَكَذَا من الْعَدو وَقيل لَا كالحاكم وَالشَّاهِد
وَلَا تصح من فَاسق لغيره وَإِن كَانَ مُجْتَهدا لَكِن يُفْتِي نَفسه وَلَا يسْأَله غَيره
وَأما مَسْتُور الْحَال فَتجوز فتياه وَقيل لَا وَقيل تجوز إِن اكتفينا بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَة وَإِلَّا فَلَا
فصل
من كَانَ من أهل الْفتيا قَاضِيا فَهُوَ كَغَيْرِهِ وَقيل يكره للْقَاضِي أَن يُفْتِي فِي مسَائِل الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة بِهِ دون الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَنَحْوهمَا
وَقد قَالَ شُرَيْح أَنا أَقْْضِي لكم وَلَا أُفْتِي وَلِأَنَّهُ يصير كَالْحكمِ مِنْهُ على الْخصم فَلَا يُمكن نقضه وَقت المحاكمة إِذا ترجح عِنْده ضِدّه أَو حجَّته أَو قَرَائِن حَالهمَا
стр. 28
فصل
إِذا سَأَلَ عَامي عَن مَسْأَلَة لم تقع لم تجب إجَابَته لَكِن تسْتَحب وَقيل يكره لِأَن بعض السّلف كَانَ لَا يتَكَلَّم فِيمَا لم يَقع
وَقَالَ أَحْمد لبَعض أَصْحَابه إياك أَن تَتَكَلَّم فِي مَسْأَلَة لَيْسَ لَك فِيهَا إِمَام
وَقلت إِن كَانَ غَرَض السَّائِل معرفَة الحكم لاحْتِمَال أَن يَقع لَهُ أَو لمن سَأَلَ عَنهُ فَلَا بَأْس وَكَذَا إِن كَانَ مِمَّن يَنْفَعهُ فِي ذَلِك وَيقدر وُقُوع ذَلِك ويفرع عَلَيْهِ
فصل
فَإِن أفتى الْمُفْتِي بِشَيْء ثمَّ رَجَعَ عَنهُ فَإِن علم المستفتي بِهِ وَلم يكن عمل بِالْأولِ حرم عمله بِهِ وَلَو نكح بفتواه وَاسْتمرّ على النِّكَاح ثمَّ رَجَعَ بِاجْتِهَاد لزمَه مفارقتها فِي الأقيس لِأَن المرجوع عَنهُ لَيْسَ مذهبا لَهُ فِي الْأَصَح كَمَا لَو تغير اجْتِهَاد من قَلّدهُ فِي الْقبْلَة فِي أثْنَاء صلَاته فَإِنَّهُ يتَحَوَّل مَعَه فِي الْأَصَح وَإِن كَانَ المستفتي قد عمل بِهِ قبل رُجُوعه وَكَانَ مُخَالفا لدَلِيل قَاطع لزمَه نقض عمله ذَلِك وَالرُّجُوع إِلَى قَوْله الثَّانِي وَإِن اخْتلف اجْتِهَاده وَلم يرجع لم ينْقض عمله بِالْأولِ وَإِن لم يكن عمل بِهِ تَركه وَإِن لم يعلم بِرُجُوعِهِ اسْتمرّ كَمَا لَو كَانَ وَلَا يلْزمه إِعْلَامه وَقيل بلَى لِأَن مَا رَجَعَ عَنهُ لَا يعْمل هُوَ بِهِ فَكَذَا من قَلّدهُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مذهبا لَهُ فِي
стр. 29
الْأَصَح قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى فِي الْكِفَايَة من افتى بِالِاجْتِهَادِ ثمَّ تغير اجْتِهَاده لم يلْزم إِعْلَام المستفتي بذلك إِن كَانَ قد أعلم بِهِ وَإِلَّا أعلمهُ بِتَغَيُّر مذْهبه الَّذِي اتبعهُ فِيهِ وَقَالَ غَيره يُعلمهُ بِهِ قبل الْعلم وَكَذَا بعده حَيْثُ يجب النَّقْض وَإِلَّا فَلَا
وَإِذا كَانَ الْمُفْتِي إِنَّمَا يُفْتى على مَذْهَب إِمَام معِين فَإِذا رَجَعَ لكَونه بِأَن لَهُ قطعا أَنه خَالف فِي فتواه نَص مَذْهَب إِمَامه وَجب نقضه وَإِن كَانَ عَن اجْتِهَاد لِأَن نَص مَذْهَب إِمَامه فِي حَقه كنص الشَّارِع فِي حق الْمُفْتِي الْمُجْتَهد المستقل
فصل
إِذا عمل المستفتي بِفُتْيَا مفت فِي إِتْلَاف ثمَّ بِأَن خَطؤُهُ بمخالفة الْقَاطِع ضمنه الْمُفْتِي وَإِن لم يكن أَهلا للْفَتْوَى لم يضمن لتقصير المستفتي فِي تَقْلِيده وَقيل يضمن لِأَنَّهُ تصدى لما لَيْسَ لَهُ بِأَهْل وغر من استفتاه بتصديه لذَلِك
فصل
يحرم التساهل فِي الْفَتْوَى واستفتاء من عرف بذلك إِمَّا لتسارعه قبل تَمام النّظر والفكر أَو لظَنّه أَن الْإِسْرَاع براعة
стр. 30
وَتَركه عجز وَنقص فَإِن سبقت مَعْرفَته لما سُئِلَ عَنهُ قبل السُّؤَال فَأجَاب سَرِيعا جَازَ وَإِن تتبع الْحِيَل الْمُحرمَة كالسريجية أَو الْمَكْرُوهَة أَو الرُّخص لمن أَرَادَ نَفعه أَو التَّغْلِيظ على من أَرَادَ مضرته فسق
وَإِن حسن قَصده فِي حِيلَة لَا شُبْهَة فِيهَا وَلَا تَقْتَضِي مفْسدَة ليتخلص بهَا المستفتي من يَمِين صعبة أَو نَحْوهَا جَازَ لقَوْله تَعَالَى لأيوب ﴿وَخذ بِيَدِك ضغثا فَاضْرب بِهِ وَلَا تَحنث﴾ ٣٨ ٤٤ لما حلف ليضربن امْرَأَته مئة جلدَة وَقد قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ إِنَّمَا الْعلم عندنَا الرُّخْصَة من ثِقَة فَأَما التَّشْدِيد فيحسنه كل أحد
فصل
وَيحرم التحيل لتحليل الْحَرَام وَتَحْرِيم الْحَلَال بِلَا ضَرُورَة لِأَنَّهُ مكر وخديعة وهما محرمان لقَوْل الله تَعَالَى ﴿ومكروا ومكر الله وَالله خير الماكرين﴾ ٣ ٥٤ وَقَوله تَعَالَى ﴿ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لَا يَشْعُرُونَ فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة مَكْرهمْ أَنا دمرناهم وقومهم أَجْمَعِينَ فَتلك بُيُوتهم خاوية بِمَا ظلمُوا إِن فِي ذَلِك لآيَة لقوم يعلمُونَ﴾
стр. 31
٢٧ - ٥٢ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَقَد علمْتُم الَّذين اعتدوا مِنْكُم فِي السبت فَقُلْنَا لَهُم كونُوا قردة خَاسِئِينَ﴾ ٢ ٦٥ وَلقَوْل النَّبِي ﷺ مَلْعُون من ضار مُسلما أَو مكر بِهِ رَوَاهُ مُسلم وَلقَوْله ﵇ الْمَكْر والخديعة فِي النَّار وَلقَوْله ﵇ لَا ترتكبوا مَا ارتكبت الْيَهُود فتستحلوا محارم الله تَعَالَى بِأَدْنَى الْحِيَل ذكره ابْن بطة وَلقَوْله ﵇ مَا بَال أَقوام يَلْعَبُونَ بحدود الله تَعَالَى ويستهزؤون بآياته خلعتك رَاجَعتك طَلقتك رَاجَعتك رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن بطة وَفِي لفظ طَلقتك رَاجَعتك طَلقتك رَاجَعتك وَقَوله ﵇ لعن الله الْيَهُود حرمت عَلَيْهِم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها حَدِيث صَحِيح وجملوها بِمَعْنى أذابوها
стр. 32
وَقَالَ ابْن عَبَّاس من يخدع الله يخدعه
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد هَذِه الْحِيَل الَّتِي وَضعهَا هَؤُلَاءِ عَمدُوا إِلَى السّنَن فاحتالوا فِي نقضهَا أَتَوا إِلَى الَّذِي قيل لَهُم إِنَّه حرَام إحتالوا فِيهِ حَتَّى أحلوه
وَقَالَ إِذا حلف على شَيْء ثمَّ احتال بحيلة فَصَارَ إِلَيْهَا فقد صَار إِلَى ذَلِك الَّذِي حلف عَلَيْهِ بِعَيْنِه وَقَالَ من احتال بحيلة فَهُوَ حانث وَقَالَ مَا أخبثهم يَعْنِي أَصْحَاب الْحِيَل يحتالون لنقض سنَن رَسُول الله ﷺ
فصل
لَيْسَ لَهُ الْفَتْوَى فِي حَال شغل قلبه وَمنعه التثبت والتأمل لغضب أَو جوع أَو عَطش أَو غم أَو هم أَو خوف أَو حزن أَو فَرح غَالب أَو نُعَاس أَو ملل أَو مرض أَو حر مزعج أَو برد مؤلم أَو مدافعة الأخبثين أَو احداهما وَهُوَ أعلم بِنَفسِهِ فَمَتَى أحسن باشتغال قلبه وَخُرُوجه عَن حَال اعتداله أمسك عَن الْفتيا فَإِن أفتا فِي شَيْء من هَذِه الْأَحْوَال وَهُوَ يرى أَن ذَلِك لَا يمنعهُ من إِدْرَاك الصَّوَاب صحت فتياه وَإِن خاطر بهَا فالترك أولى فِي الحكم خلاف وتفصيل
стр. 33
فصل
الأولى التَّبَرُّع بالفتيا وَله أَخذ الرزق من بَيت المَال وَإِن تعين على ذَلِك وَله كِفَايَة تَامَّة احْتمل الْمَنْع وَالْجَوَاز فَإِن كَانَ اشْتِغَاله بهَا وَبِمَا يتَعَلَّق بهَا يقطعهُ عَمَّا يعود بِهِ على حَاله فَلهُ الْأَخْذ وَإِذا كَانَ لَهُ رزق من بَيت المَال لم يجز لَهُ أَخذ اجرة وَإِن لم يكن لَهُ رزق مِنْهُ لم يَأْخُذ أُجْرَة من أَعْيَان من يفتيه
وَقيل لَو قَالَ للمستفتي إِنَّمَا يلْزَمنِي أَن أفتيك بِقَوْلِي وَأما بخطي فَلَا فَلهُ أَخذ الْأُجْرَة على خطه
وَقيل لَو إجتمع أهل بلد على أَن يجْعَلُوا لَهُ رزقا من أَمْوَالهم ليتفرغ لفتاويهم جَازَ وَهُوَ بعيد
وَأما الْهَدِيَّة لَهُ فَلهُ قبُولهَا وَقيل يحرم إِذا كَانَت رشوة على أَن يفتيه بِمَا يُرِيد
قلت أَو يكون لَهُ فِيهِ نفع من جاه أَو مَال فيفتيه لذَلِك بِمَا لَا يُفْتِي بِهِ غَيره مِمَّن لَا ينْتَفع بِهِ كنفع الأول
стр. 34
فصل
وَلَا يُفْتِي فِي الأقارير وَالْإِيمَان وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يتَعَلَّق بِاللَّفْظِ إِلَّا أَن يكون من أهل بلد اللافظ بِإِقْرَار أَو يَمِين أَو غَيرهمَا أَو خَبِيرا بِهِ عَارِفًا بتعارفهم فِي ألفاظهم فَإِن الْعرف قرينَة حَالية يتَعَيَّن الحكم بهَا ويختل مُرَاد اللافظ مَعَ عدم مراعاتها وَكَذَا فقد كل قرينَة تعين الْمَقْصُود كَمَا يَأْتِي بَيَانه
فصل
من كَانَت فتياه نقلا من مَذْهَب إِمَامه وَاعْتمد على كتاب يوثق بِصِحَّتِهِ جَازَ كاعتماد الرَّاوِي على كِتَابه والمستفتي على مَا يَكْتُبهُ الْمُفْتِي وَقد تحصل لَهُ الثِّقَة بِمَا يجده فِي كتاب غير موثوق بِهِ بِأَن يجده فِي نسخ أخر كَذَلِك وَقد تحصل الثِّقَة بِمَا يجده فِي نُسْخَة غير موثوق بهَا بِأَن يرَاهُ كَامِلا منتظما وَهُوَ خَبِير فطن لَا يخفى فِي الْغَالِب عَلَيْهِ مواقع للاسقاط والتغيير وَإِذا لم يجده إِلَّا فِي مَوضِع لم يَثِق بِصِحَّتِهِ نظر فَإِن وُجُوه مُوَافقا لأصول الْمذَاهب وَهُوَ أهل لتخريج مثله على الْمَذْهَب أَو لم يجده مَنْقُولًا فَلهُ أَن يُفْتِي بِهِ فَإِن أَرَادَ أَن يحكيه عَن إِمَامَة فَلَا يقل قَالَ أَحْمد كَذَا وَكَذَا بل وجدت عَنهُ كَذَا وَكَذَا أَو بَلغنِي أَو نَحْو ذَلِك من الْأَلْفَاظ وَإِن لم يكن أَهلا لتخريج مثله لم يجز لَهُ ذَلِك مِنْهُ وَلم يذكرهُ بِلَفْظ جازم مُطلق فَإِن سَبِيل مثله النَّقْل الْمَحْض وَلم يحصل
стр. 35
لَهُ مَا يجوز لَهُ مثل ذَلِك وَيجوز لَهُ أَن يذكرهُ فِي غير مقَام الْفَتْوَى مفصحا بِحَالهِ فِيهِ فَيَقُول وجدته فِي نُسْخَة من الْكتاب الْفُلَانِيّ أَو من كتاب فلَان وَلَا أعرف صِحَّته أَو وجدت عَن فلَان كَذَا وَكَذَا أَو بَلغنِي عَنهُ كَذَا وَمَا ضاهى ذَلِك من الْعبارَات فَلَا يجوز لعامي أَن يُفْتِي بِمَا يجده فِي كتب الْفُقَهَاء
فصل
إِذا أفتى فِي حَادِثَة ثمَّ وَقعت لَهُ مرّة أُخْرَى فَإِن كَانَ ذَاكِرًا مُسْتَنده فِيهَا أفتى بِهِ وَإِن ذكرهَا دون مستندها وَلم يظْهر لَهُ مَا يُوجب رُجُوعه عَنْهَا لم يفت بِهِ حَتَّى يجدد النّظر وَقيل بلَى لِأَن الأَصْل بَقَاؤُهُ على ذَلِك الِاجْتِهَاد وَالْأولَى أَنه لَا يُفْتِي بِشَيْء حَتَّى يجدد النّظر فِي دَلِيله بِكُل حَال وَمن لم تكن فتواه حِكَايَة عَن غَيره فَلَا بُد من استحضار الدَّلِيل فِيهَا
فصل
قَول الشَّافِعِي ﵁ إِذا وجدْتُم فِي كتابي خلاف سنة رَسُول الله ﷺ فَقولُوا بِسنة رَسُول الله ﷺ ودعوا مَا قلته
وَقَوله إِذا صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ حَدِيث وَقلت
стр. 36
قولا فَأَنا رَاجع عَن قولي قَائِل بذلك الحَدِيث وَفِي لفظ فاضربوا بِقَوْلِي الْحَائِط صَرِيح فِي مَدْلُوله وَإِن مذْهبه مَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث لَا قَوْله الْمُخَالف لَهُ فَيجوز الْفَتْوَى للْحَدِيث على أَنه مذْهبه
وَلَيْسَ لكل فَقِيه أَن يعْمل بِمَا رَآهُ حجَّة من الحَدِيث حَتَّى ينظر هَل لَهُ معَارض أَو نَاسخ أم لَا أَو يسْأَل من يعرف ذَلِك وَيعرف بِهِ وَقد ترك الشَّافِعِي الْعَمَل بِالْحَدِيثِ عمدا لِأَنَّهُ عِنْده مَنْسُوخ لما بَينه وَقد قيل لِابْنِ خُزَيْمَة هَل تعرف سنة لرَسُول الله ﷺ فِي الْحَلَال وَالْحرَام لم يودعها الشَّافِعِي كِتَابه قَالَ لَا
فَمن وجد من الشَّافِعِيَّة حَدِيثا يُخَالف مذْهبه فَإِن كلمت آلَة الِاجْتِهَاد فِيهِ مُطلقًا أَو فِي مَذْهَب إِمَامه أَو فِي ذَلِك النَّوْع أَو فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة فَلهُ الْعَمَل بذلك الحَدِيث وَإِن لم تكمل آلَته وَوجد فِي قلبه حزازة من مُخَالفَة الحَدِيث بعد أَن بحث فَلم يجد لمُخَالفَته عَنهُ جَوَابا شافيا فَلْينْظر هَل عمل بذلك الحَدِيث إِمَام مُسْتَقل أم لَا فَإِن وجده فَلهُ أَن يتمذهب بمذهبه فِي الْعَمَل بذلك الحَدِيث وَيكون ذَلِك عذرا لَهُ فِي ترك مَذْهَب إِمَامه فِي ذَلِك
وَقد ذهب الشَّافِعِيَّة إِلَى أَن مَذْهَب الشَّافِعِي أَن الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر وَأَن للمغرب وَقْتَيْنِ للأحاديث الْوَارِدَة فيهمَا وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد وَغَيره
стр. 37
فصل
وَهل للمفتي المنتسب إِلَى مَذْهَب أَن يُفْتِي بِمذهب آخر أم لَا فَإِن كَانَ مُجْتَهدا فأداه اجْتِهَاده إِلَى مَذْهَب إِمَام آخر تبع اجْتِهَاده وَإِن كَانَ اجْتِهَاده مُقَيّدا مشوبا بِشَيْء من التَّقْلِيد نقل ذَلِك الشوب من التَّقْلِيد إِلَى ذَلِك الإِمَام الَّذِي أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى مذْهبه ثمَّ إِذا أفتى بَين ذَلِك فِي فتياه وَلِهَذَا قَالَ الْقفال لَو أدّى اجتهادي إِلَى مَذْهَب أبي حنيفَة قلت مَذْهَب الشَّافِعِي كَذَا لكني أَقُول بِمذهب أبي حنيفَة لِأَنَّهُ جَاءَ السَّائِل يستفتي على مَذْهَب الشَّافِعِي فَلَا بُد أَن أعرفهُ بِأَنِّي أُفْتِي بِغَيْرِهِ وَإِن لم يكن كَذَلِك بنى على اجْتِهَاده
فَإِن ترك مذْهبه إِلَى مَذْهَب هُوَ أسهل مِنْهُ واوسع فالمنع أصح
وَإِن تَركه لكَون الآخر أحوط المذهبين فَالظَّاهِر جَوَازه ثمَّ عَلَيْهِ بَيَان ذَلِك فِي فتواه كَمَا سبق
فصل
لَيْسَ لمن إنتسب إِلَى مَذْهَب إِمَام فِي مَسْأَلَة ذَات قَوْلَيْنِ أَو وَجْهَيْن أَن يتَخَيَّر فَيعْمل أَو يُفْتِي بِأَيِّهِمَا شَاءَ بل إِن علم تَارِيخ الْقَوْلَيْنِ عمل بالمتأخر إِن صرح قائلهما بِرُجُوعِهِ عَن الأول وَلَا عِبْرَة
стр. 38
بِغَيْر ذَلِك وَكَذَا إِن أطلق القَوْل وَقيل يجوز الْعَمَل بِأَحَدِهِمَا إِذا ترجح على أَنه مَذْهَب لقائلهما كسا يَأْتِي لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا قَالَه بِدَلِيل وَإِن ذكرهمَا قائلهما مَعًا وَرجح أَحدهمَا تعين وَإِن لم يرجح أَحدهمَا أَو جهل الْحَال هَل قالهما مَعًا أم لَا عمل بالأرجح على الْأَصَح للأشبه بقواعد الإِمَام وأصوله كَمَا يَأْتِي هَذَا إِن كَانَ مُجْتَهدا فِي مذْهبه اهلا للترجيح وَإِن لم يكن أَهلا فليأخذه عَن بعض أَئِمَّة الْمَذْهَب فَإِن لم يجده توقف وَلَا بُد فِي الْوَجْهَيْنِ من تَرْجِيح أَحدهمَا وَمَعْرِفَة أصَحهمَا عِنْد الْفَتْوَى وَالْعَمَل بِمثل الطَّرِيق الْمَذْكُور وَلَا عِبْرَة بالتقدم والتأخر وَسَوَاء وَقعا مَعًا أَو لَا من إِمَام أَو إمامين لِأَنَّهُمَا نسبا إِلَى الْمَذْهَب نِسْبَة وَاحِدَة وَتقدم أَحدهمَا لَا يَجعله بِمَنْزِلَة تقدم أحد الْقَوْلَيْنِ من صَاحب الْمَذْهَب وَلِأَن ذَلِك أَيْضا من قبيل اخْتِلَاف المفتيين على المستفتي بل كل ذَلِك اخْتِلَاف رَاجع الى شخص وَاحِد وَهُوَ صَاحب الْمَذْهَب فليلحق باخْتلَاف الرِّوَايَتَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ فِي أَن يتَعَيَّن الْعَمَل بأصحهما عَنهُ وأصرحهما وأوضحهما وَإِن كَانَ أحد الرأيين مَنْصُوصا عَلَيْهِ وَللْآخر مخرجا فَالظَّاهِر أَن الَّذِي نَص عَلَيْهِ مِنْهُمَا يقدم كَمَا يقدم مَا يرجحه من الْقَوْلَيْنِ المنصوصين على الآخر لِأَنَّهُ أقوى نِسْبَة مِنْهُ إِلَّا إِذا كَانَ القَوْل الْمخْرج مخرجا من نَص آخر لتعذر الْفَارِق وَمن يَكْتَفِي بِأَن يكون فِي فتياه أَو عمله مُوَافق لقَوْل أَو وَجه فِي الْمَسْأَلَة وَيعْمل بِمَا شَاءَ من الْأَقْوَال أَو
стр. 39
الْأَوْجه من غير نظر فِي التَّرْجِيح وَلَا يقْتَدى بِهِ فقد جهل وخرق الاجماع
وَقد حُكيَ عَن بعض الْفُقَهَاء الْمَالِكِيَّة أَنه قَالَ الَّذِي عَليّ لصديقي إِذا وَقعت لَهُ حُكُومَة أَن أفتيه بالرواية الَّتِي توافقه وَوَقعت لرجل وَاقعَة فَأفْتى فِيهَا جمَاعَة بِمَا يضرّهُ فَلَمَّا عَاد وسألهم قَالُوا مَا علمنَا أَنَّهَا لَك وأفتوه بالرواية الْأُخْرَى الَّتِي توافقه وَذَلِكَ يَفْعَلُونَهُ لقلَّة خَيرهمْ وَكَثْرَة نفاقهم وَلَا خلاف فِي تَحْرِيم ذَلِك بَين الْعلمَاء
وَقد قَالَ مَالك لَيْسَ كل مَا فِيهِ توسعة قلت لَا توسعة فِيهِ يَعْنِي أَن اخْتلَافهمْ يدل على أَن للِاجْتِهَاد مجالا فِي مَا بَين أَقْوَالهم وَإِن ذَلِك مِمَّا لَيْسَ يقطع فِيهِ بقول وَاحِد مُتَعَيّن لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِي خِلَافه وَقَالَ فِي اخْتِلَاف الصَّحَابَة مِنْهُم مُخطئ ومصيب فَعَلَيْك بِالِاجْتِهَادِ
قلت وَيتَعَيَّن الْعَمَل بالأرجح من أَقْوَال الصَّحَابَة فِي كل مَسْأَلَة اخْتلفُوا فِيهَا وَمَا فِيهَا قَول وَاحِد لأَحَدهم وَلم يشْتَهر بَينهم أَخذ بِهِ من يرى تقليدهم وَإِن اشْتهر فَلم يُنكر فبطريق الأولى وَهُوَ عِنْد أَصْحَابنَا إِجْمَاع سكوتي وَفِيه لبَقيَّة الْعلمَاء خلاف مَشْهُور
فصل
إِذا اعتدل عِنْد الْمُفْتِي قَولَانِ وَقُلْنَا يجوز ذَلِك فقد قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى لَهُ أَن يُفْتِي بِأَيِّهِمَا شَاءَ كَمَا يجوز أَن يعْمل
стр. 40
الْمُفْتِي بِأَيّ الْقَوْلَيْنِ شَاءَ وَقيل أَنه يُخَيّر المستفتي لِأَنَّهُ إِنَّمَا يفتيه بِمَا يرَاهُ وَالَّذِي يرَاهُ التَّخْيِير على قَول من قَالَ بالتخيير وَإِن قُلْنَا يمْتَنع تعَارض الإمارات وتعادلها تعين الْأَحْوَط من الْقَوْلَيْنِ وَإِن أفتاه بقول مجمع عَلَيْهِ لم يخيره فِي الْقبُول مِنْهُ وَإِن كَانَ فِيهِ خلاف خَيره بَين الْقبُول مِنْهُ أَو من غَيره قبل الْعَمَل
أما إِن قُلْنَا كل مُجْتَهد مُصِيب فَظَاهر وَأما إِن قُلْنَا الْمُصِيب وَاحِد فَلِأَنَّهُ غير مُتَعَيّن مِنْهُمَا كتخيير الإِمَام أَحْمد من أفتاه بِالطَّلَاق بَين قَوْله لَهُ وَبَين قَول من يفتيه بِخِلَافِهِ فَلَا يلْزمه أَن يُخبرهُ صَرِيحًا بذلك
فصل
إِذا وجد من لَيْسَ أَهلا للتخريج وَالتَّرْجِيح بِالدَّلِيلِ اخْتِلَافا بَين أَئِمَّة الْمذَاهب فِي الْأَصَح من الْقَوْلَيْنِ أَو الْوَجْهَيْنِ فَيَنْبَغِي أَن يرجع فِي التَّرْجِيح إِلَى صفاتهم الْمُوجبَة لزِيَادَة الثِّقَة بآرائهم فَيعْمل بقول الْأَكْثَر والأعلم والأورع فَإِذا اخْتصَّ وَاحِد مِنْهُم بِصفة مِنْهَا وَالْآخر بِصفة أُخْرَى قدم الَّذِي هُوَ أَحْرَى مِنْهُمَا بالإصابة فالأعلم الأورع مقدم على الأورع الْعَالم كَمَا قُلْنَا فِي التَّرْجِيح عِنْد تعَارض الْأَخْبَار فِي صفاة الروَاة
وَكَذَلِكَ إِذا وجد قَوْلَيْنِ أَو وَجْهَيْن لم يبلغهُ عَن أحد من أئمته بَيَان الْأَصَح مِنْهُمَا اعْتبر أَوْصَاف ناقليهما وقائليهما ويرجح
следующие страницы →