← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6356

صفة الفتوى

ابن حمدان

Полный текст (112 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قولا فَأَنا رَاجع عَن قولي قَائِل بذلك الحَدِيث وَفِي لفظ فاضربوا بِقَوْلِي الْحَائِط صَرِيح فِي مَدْلُوله وَإِن مذْهبه مَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث لَا قَوْله الْمُخَالف لَهُ فَيجوز الْفَتْوَى للْحَدِيث على أَنه مذْهبه وَلَيْسَ لكل فَقِيه أَن يعْمل بِمَا رَآهُ حجَّة من الحَدِيث حَتَّى ينظر هَل لَهُ معَارض أَو نَاسخ أم لَا أَو يسْأَل من يعرف ذَلِك وَيعرف بِهِ وَقد ترك الشَّافِعِي الْعَمَل بِالْحَدِيثِ عمدا لِأَنَّهُ عِنْده مَنْسُوخ لما بَينه وَقد قيل لِابْنِ خُزَيْمَة هَل تعرف سنة لرَسُول الله ﷺ فِي الْحَلَال وَالْحرَام لم يودعها الشَّافِعِي كِتَابه قَالَ لَا فَمن وجد من الشَّافِعِيَّة حَدِيثا يُخَالف مذْهبه فَإِن كلمت آلَة الِاجْتِهَاد فِيهِ مُطلقًا أَو فِي مَذْهَب إِمَامه أَو فِي ذَلِك النَّوْع أَو فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة فَلهُ الْعَمَل بذلك الحَدِيث وَإِن لم تكمل آلَته وَوجد فِي قلبه حزازة من مُخَالفَة الحَدِيث بعد أَن بحث فَلم يجد لمُخَالفَته عَنهُ جَوَابا شافيا فَلْينْظر هَل عمل بذلك الحَدِيث إِمَام مُسْتَقل أم لَا فَإِن وجده فَلهُ أَن يتمذهب بمذهبه فِي الْعَمَل بذلك الحَدِيث وَيكون ذَلِك عذرا لَهُ فِي ترك مَذْهَب إِمَامه فِي ذَلِك وَقد ذهب الشَّافِعِيَّة إِلَى أَن مَذْهَب الشَّافِعِي أَن الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر وَأَن للمغرب وَقْتَيْنِ للأحاديث الْوَارِدَة فيهمَا وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد وَغَيره

стр. 37

فصل وَهل للمفتي المنتسب إِلَى مَذْهَب أَن يُفْتِي بِمذهب آخر أم لَا فَإِن كَانَ مُجْتَهدا فأداه اجْتِهَاده إِلَى مَذْهَب إِمَام آخر تبع اجْتِهَاده وَإِن كَانَ اجْتِهَاده مُقَيّدا مشوبا بِشَيْء من التَّقْلِيد نقل ذَلِك الشوب من التَّقْلِيد إِلَى ذَلِك الإِمَام الَّذِي أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى مذْهبه ثمَّ إِذا أفتى بَين ذَلِك فِي فتياه وَلِهَذَا قَالَ الْقفال لَو أدّى اجتهادي إِلَى مَذْهَب أبي حنيفَة قلت مَذْهَب الشَّافِعِي كَذَا لكني أَقُول بِمذهب أبي حنيفَة لِأَنَّهُ جَاءَ السَّائِل يستفتي على مَذْهَب الشَّافِعِي فَلَا بُد أَن أعرفهُ بِأَنِّي أُفْتِي بِغَيْرِهِ وَإِن لم يكن كَذَلِك بنى على اجْتِهَاده فَإِن ترك مذْهبه إِلَى مَذْهَب هُوَ أسهل مِنْهُ واوسع فالمنع أصح وَإِن تَركه لكَون الآخر أحوط المذهبين فَالظَّاهِر جَوَازه ثمَّ عَلَيْهِ بَيَان ذَلِك فِي فتواه كَمَا سبق فصل لَيْسَ لمن إنتسب إِلَى مَذْهَب إِمَام فِي مَسْأَلَة ذَات قَوْلَيْنِ أَو وَجْهَيْن أَن يتَخَيَّر فَيعْمل أَو يُفْتِي بِأَيِّهِمَا شَاءَ بل إِن علم تَارِيخ الْقَوْلَيْنِ عمل بالمتأخر إِن صرح قائلهما بِرُجُوعِهِ عَن الأول وَلَا عِبْرَة

стр. 38

بِغَيْر ذَلِك وَكَذَا إِن أطلق القَوْل وَقيل يجوز الْعَمَل بِأَحَدِهِمَا إِذا ترجح على أَنه مَذْهَب لقائلهما كسا يَأْتِي لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا قَالَه بِدَلِيل وَإِن ذكرهمَا قائلهما مَعًا وَرجح أَحدهمَا تعين وَإِن لم يرجح أَحدهمَا أَو جهل الْحَال هَل قالهما مَعًا أم لَا عمل بالأرجح على الْأَصَح للأشبه بقواعد الإِمَام وأصوله كَمَا يَأْتِي هَذَا إِن كَانَ مُجْتَهدا فِي مذْهبه اهلا للترجيح وَإِن لم يكن أَهلا فليأخذه عَن بعض أَئِمَّة الْمَذْهَب فَإِن لم يجده توقف وَلَا بُد فِي الْوَجْهَيْنِ من تَرْجِيح أَحدهمَا وَمَعْرِفَة أصَحهمَا عِنْد الْفَتْوَى وَالْعَمَل بِمثل الطَّرِيق الْمَذْكُور وَلَا عِبْرَة بالتقدم والتأخر وَسَوَاء وَقعا مَعًا أَو لَا من إِمَام أَو إمامين لِأَنَّهُمَا نسبا إِلَى الْمَذْهَب نِسْبَة وَاحِدَة وَتقدم أَحدهمَا لَا يَجعله بِمَنْزِلَة تقدم أحد الْقَوْلَيْنِ من صَاحب الْمَذْهَب وَلِأَن ذَلِك أَيْضا من قبيل اخْتِلَاف المفتيين على المستفتي بل كل ذَلِك اخْتِلَاف رَاجع الى شخص وَاحِد وَهُوَ صَاحب الْمَذْهَب فليلحق باخْتلَاف الرِّوَايَتَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ فِي أَن يتَعَيَّن الْعَمَل بأصحهما عَنهُ وأصرحهما وأوضحهما وَإِن كَانَ أحد الرأيين مَنْصُوصا عَلَيْهِ وَللْآخر مخرجا فَالظَّاهِر أَن الَّذِي نَص عَلَيْهِ مِنْهُمَا يقدم كَمَا يقدم مَا يرجحه من الْقَوْلَيْنِ المنصوصين على الآخر لِأَنَّهُ أقوى نِسْبَة مِنْهُ إِلَّا إِذا كَانَ القَوْل الْمخْرج مخرجا من نَص آخر لتعذر الْفَارِق وَمن يَكْتَفِي بِأَن يكون فِي فتياه أَو عمله مُوَافق لقَوْل أَو وَجه فِي الْمَسْأَلَة وَيعْمل بِمَا شَاءَ من الْأَقْوَال أَو

стр. 39

الْأَوْجه من غير نظر فِي التَّرْجِيح وَلَا يقْتَدى بِهِ فقد جهل وخرق الاجماع وَقد حُكيَ عَن بعض الْفُقَهَاء الْمَالِكِيَّة أَنه قَالَ الَّذِي عَليّ لصديقي إِذا وَقعت لَهُ حُكُومَة أَن أفتيه بالرواية الَّتِي توافقه وَوَقعت لرجل وَاقعَة فَأفْتى فِيهَا جمَاعَة بِمَا يضرّهُ فَلَمَّا عَاد وسألهم قَالُوا مَا علمنَا أَنَّهَا لَك وأفتوه بالرواية الْأُخْرَى الَّتِي توافقه وَذَلِكَ يَفْعَلُونَهُ لقلَّة خَيرهمْ وَكَثْرَة نفاقهم وَلَا خلاف فِي تَحْرِيم ذَلِك بَين الْعلمَاء وَقد قَالَ مَالك لَيْسَ كل مَا فِيهِ توسعة قلت لَا توسعة فِيهِ يَعْنِي أَن اخْتلَافهمْ يدل على أَن للِاجْتِهَاد مجالا فِي مَا بَين أَقْوَالهم وَإِن ذَلِك مِمَّا لَيْسَ يقطع فِيهِ بقول وَاحِد مُتَعَيّن لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِي خِلَافه وَقَالَ فِي اخْتِلَاف الصَّحَابَة مِنْهُم مُخطئ ومصيب فَعَلَيْك بِالِاجْتِهَادِ قلت وَيتَعَيَّن الْعَمَل بالأرجح من أَقْوَال الصَّحَابَة فِي كل مَسْأَلَة اخْتلفُوا فِيهَا وَمَا فِيهَا قَول وَاحِد لأَحَدهم وَلم يشْتَهر بَينهم أَخذ بِهِ من يرى تقليدهم وَإِن اشْتهر فَلم يُنكر فبطريق الأولى وَهُوَ عِنْد أَصْحَابنَا إِجْمَاع سكوتي وَفِيه لبَقيَّة الْعلمَاء خلاف مَشْهُور فصل إِذا اعتدل عِنْد الْمُفْتِي قَولَانِ وَقُلْنَا يجوز ذَلِك فقد قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى لَهُ أَن يُفْتِي بِأَيِّهِمَا شَاءَ كَمَا يجوز أَن يعْمل

стр. 40

الْمُفْتِي بِأَيّ الْقَوْلَيْنِ شَاءَ وَقيل أَنه يُخَيّر المستفتي لِأَنَّهُ إِنَّمَا يفتيه بِمَا يرَاهُ وَالَّذِي يرَاهُ التَّخْيِير على قَول من قَالَ بالتخيير وَإِن قُلْنَا يمْتَنع تعَارض الإمارات وتعادلها تعين الْأَحْوَط من الْقَوْلَيْنِ وَإِن أفتاه بقول مجمع عَلَيْهِ لم يخيره فِي الْقبُول مِنْهُ وَإِن كَانَ فِيهِ خلاف خَيره بَين الْقبُول مِنْهُ أَو من غَيره قبل الْعَمَل أما إِن قُلْنَا كل مُجْتَهد مُصِيب فَظَاهر وَأما إِن قُلْنَا الْمُصِيب وَاحِد فَلِأَنَّهُ غير مُتَعَيّن مِنْهُمَا كتخيير الإِمَام أَحْمد من أفتاه بِالطَّلَاق بَين قَوْله لَهُ وَبَين قَول من يفتيه بِخِلَافِهِ فَلَا يلْزمه أَن يُخبرهُ صَرِيحًا بذلك فصل إِذا وجد من لَيْسَ أَهلا للتخريج وَالتَّرْجِيح بِالدَّلِيلِ اخْتِلَافا بَين أَئِمَّة الْمذَاهب فِي الْأَصَح من الْقَوْلَيْنِ أَو الْوَجْهَيْنِ فَيَنْبَغِي أَن يرجع فِي التَّرْجِيح إِلَى صفاتهم الْمُوجبَة لزِيَادَة الثِّقَة بآرائهم فَيعْمل بقول الْأَكْثَر والأعلم والأورع فَإِذا اخْتصَّ وَاحِد مِنْهُم بِصفة مِنْهَا وَالْآخر بِصفة أُخْرَى قدم الَّذِي هُوَ أَحْرَى مِنْهُمَا بالإصابة فالأعلم الأورع مقدم على الأورع الْعَالم كَمَا قُلْنَا فِي التَّرْجِيح عِنْد تعَارض الْأَخْبَار فِي صفاة الروَاة وَكَذَلِكَ إِذا وجد قَوْلَيْنِ أَو وَجْهَيْن لم يبلغهُ عَن أحد من أئمته بَيَان الْأَصَح مِنْهُمَا اعْتبر أَوْصَاف ناقليهما وقائليهما ويرجح

стр. 41

مَا وَافق مِنْهُمَا أَئِمَّة أَكثر الْمذَاهب المتبوعة أَو أَكثر الْعلمَاء وَقد قَالَ القَاضِي حُسَيْن بن مُحَمَّد الشَّافِعِي إِذا اخْتلف قولا الشَّافِعِي فِي مَسْأَلَة وَأحد الْقَوْلَيْنِ مُوَافق مَذْهَب أبي حنيفَة وَلم يتَرَجَّح أَحدهمَا ظَاهرا بِشَيْء فَأَيّهمَا أولى بالفتوى فَقيل الْمُخَالف لِأَنَّهُ إِنَّمَا خَالفه لِمَعْنى خَفِي علينا وَقيل بل الْمُوَافق للتعاضد والموافقة فِي الِاجْتِهَاد وَدَلِيله وَقيل الأولى االترجيح بِالْمَعْنَى لَا بموافقة وَلَا بمخالفة وَهَذِه التراجيح مُعْتَبرَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَئِمَّة الْمذَاهب وَمَا رَجحه الدَّلِيل مقدم عِنْدهم وَهُوَ أولى فصل كل مَسْأَلَة فِيهَا لإِمَام رِوَايَتَانِ أَو قَولَانِ جَدِيد وقديم فالفتوى من أَتْبَاعه على الْجَدِيد الْمُتَأَخر على الْأَصَح إِلَّا فِي عشْرين مَسْأَلَة للشَّافِعِيّ فَإِن الْفَتْوَى فِيهَا على الْقَدِيم مِنْهَا مَسْأَلَة التثويب فِي أَذَان الْفجْر وَمَسْأَلَة التباعد عَن النَّجَاسَة فِي المَاء الْكثير وَأَنه لَا تسْتَحب قِرَاءَة السُّورَة بعد الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين فَيكون اختيارهم للقديم كاختيارهم لمَذْهَب غير الشَّافِعِي إِذا أداهم إِلَيْهِ اجتهادهم إِذْ الْقَدِيم لم يبْق مذهبا لَهُ لرجوعه عَنهُ لما سبق وبل أولى لكَون الْقَدِيم قد كَانَ قولا مَنْصُوصا ويلتحق بذلك مَا إِذا اخْتَار أحدهم القَوْل الْمخْرج على القَوْل الْمَنْصُوص أَو اخْتَار من الْقَوْلَيْنِ اللَّذين رجح الشَّافِعِي أَحدهمَا على غير مَا رَجحه وبل أولى من القَوْل

стр. 42

الْقَدِيم ثمَّ حكم من لم يكن أَهلا للتخريج من المتبعين لمَذْهَب الشَّافِعِي مثلا أَن لَا يتبع شَيْئا من اختياراتهم هَذِه الْمَذْكُورَة لأَنهم مقلدون للشَّافِعِيّ دون من خَالفه وَكَذَا الْكَلَام بَين الإِمَام أَحْمد وَأَصْحَابه إِن قُلْنَا أول قوليه فِي مَسْأَلَة لَيْسَ مذهبا لَهُ وَإِلَّا فَلَا فصل إِذا اقْتصر الْمُفْتِي فِي جَوَابه على ذكر الْخلاف وَقَالَ فِيهَا رِوَايَتَانِ أَو قَولَانِ أَو وَجْهَان أَو نَحْو ذَلِك من غير أَن يبين الْأَرْجَح فَإِنَّهُ لم يفت فِيهَا بِشَيْء وَإِذا لم يذكر خلافًا فَلَا شَيْء عَلَيْهِ إِذا حصل غَرَض السَّائِل من الْجَواب بِنَفْي أَو إِثْبَات وَإِن سَأَلَهُ عَن الْخلاف ذكره فَرُبمَا أَرَادَ أَن يعلم أَنه لَا إِجْمَاع فِي ذَلِك ليمكن تَقْلِيد غير إِمَامه فصل لَيْسَ لَهُ أَن يُفْتِي فِي شَيْء من مسَائِل الْكَلَام مفصلا بل يمْنَع السَّائِل وَسَائِر الْعَامَّة من الْخَوْض فِي ذَلِك أصلا وَيَأْمُرهُمْ بِأَن يقتصروا فِيهَا على الْإِيمَان الْمُجْمل من غير تَفْصِيل وَأَن يَقُولُوا فِيهَا وَفِيمَا ورد من الْآيَات والاخبار المتشابهة إِن الثَّابِت فِيهَا فِي نفس الْأَمر كل مَا هُوَ اللَّائِق فِيهَا بِاللَّه تَعَالَى وبكماله وعظمته وجلاله وتقديسه من غير تَشْبِيه وَلَا تجسيم وَلَا تكييف وَلَا تَأْوِيل

стр. 43

وَلَا تَفْسِير وَلَا تَعْطِيل وَلَيْسَ علينا تَفْصِيل المُرَاد وتعيينه وَلَيْسَ الْبَحْث عَنهُ من شَأْننَا فِي الْأَكْثَر بل نكل علم تَفْصِيله إِلَى الله تَعَالَى ونصرف عَن الْخَوْض فِيهِ قُلُوبنَا وألسنتنا فَهَذَا وَنَحْوه هُوَ الصَّوَاب عِنْد أَئِمَّة الْفَتْوَى وَهُوَ مَذْهَب السّلف الصَّالح وأئمة الْمذَاهب الْمُعْتَبرَة وأكابر الْعلمَاء منا وَمن غَيرنَا وَهُوَ أصوب وَأسلم للعامة وأشباههم مِمَّن يدْخل قلبه بالخوض فِي ذَلِك وَمن كَانَ مِنْهُم قد اعْتقد إعتقادا بَاطِلا مفصلا فَفِي الزامه بِهَذَا الطَّرِيق صرف لَهُ عَن ذَلِك الِاعْتِقَاد الْبَاطِل بِمَا هُوَ أَهْون وأيسر وَأسلم وَإِذا عزّر ولي الْأَمر من حاد مِنْهُم عَن هَذِه الطَّرِيقَة فقد تأسى بعمر ابْن الْخطاب ﵁ فِي تعزيره صبيغ بن غسل الَّذِي كَانَ يسْأَل عَن المتشابهات

стр. 44

وعَلى ذَلِك المتكلمون من الشَّافِعِيَّة معترفون بِصِحَّة هَذِه الطَّرِيقَة وَأَنَّهَا أسلم لمن سلمت لَهُ حَتَّى الْغَزالِيّ أخيرا فَإِنَّهُ قَالَ كل من يَدْعُو الْعَوام إِلَى الْخَوْض فِي هَذَا فَلَيْسَ من أَئِمَّة الدّين بل من المضلين وَهُوَ كمن يَدْعُو صَبيا يجهل السباحة إِلَى خوض الْبَحْر وَقَالَ الصَّوَاب لِلْخلقِ إِلَّا النَّادِر سلوك مَسْلَك السّلف فِي الْإِيمَان الْمُرْسل والتصديق الْمُجْمل وَمَا قَالَه الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ بِلَا بحث وتفتيش وَقَالَ وَفِي الِاشْتِغَال بالفتوى شغل شاغل وَقَالَ فِي التَّفْرِقَة فِي حق عوام الْخلق إِن الْحق فِيهِ والإتباع الْكَفّ عَن تَغْيِير الظَّوَاهِر رَأْسا والجور عَن إبداع تأويلات لم يُصَرح بهَا الصَّحَابَة وحسم بَاب السُّؤَال رَأْسا والزجر عَن الْخَوْض فِي الْكَلَام والبحث وَاتِّبَاع مَا تشابه من الْكتاب وَالسّنة الثائر بَين النظار الَّذين اضْطَرَبَتْ عقائدهم المأثورة الْمَشْهُورَة الموروثة وَيَنْبَغِي أَن يكون بحثهم بِقدر الضَّرُورَة وتركهم للظَّاهِر لضَرُورَة الْبُرْهَان الْقَاطِع وَقَالَ فِيهَا أَيْضا من النَّاس من يُبَادر إِلَى التَّأْوِيل ظنا لَا قطعا فَإِن كَانَ فتح هَذَا الْبَاب وَالتَّصْرِيح بِهِ يُؤَدِّي إِلَى تشويش قُلُوب

стр. 45

الْعَوام بدع بِهِ صَاحبه وكل مَا لم يُؤثر عَن السّلف ذكره وَمَا يتَعَلَّق من هَذَا الْجِنْس بأصول العقائد المهمة فَيجب تَكْفِير من يُغير الظَّاهِر بِغَيْر برهَان قَاطع وَقَالَ فِيهَا أَيْضا كل مَا يحْتَمل التَّأْوِيل فِي نَفسه وتواتر نَقله وَلم يتَصَوَّر أَن يقوم على خِلَافه برهَان فمخالفته تَكْذِيب مَحْض وَمَا تطرق إِلَيْهِ احْتِمَال تَأْوِيل وَلَو بمجال بعيد فَإِن كَانَ برهانه قَاطعا وَجب القَوْل بِهِ لَكِن إِن كَانَ فِي إِظْهَاره مَعَ الْعَوام ضَرَر لقُصُور إفهامهم فإظهاره بِدعَة وَإِن كَانَ الْبُرْهَان يُفِيد ظنا غَالِبا وَلَا يعظم ضَرَره فِي الدّين فَهُوَ بِدعَة وَإِن عظم ضَرَره فَهُوَ كفر وَفِيه احْتِمَال قَالَ وَلم تجر عَادَة السّلف بالدعوة بِهَذِهِ المحادثات بل شَدَّدُوا القَوْل على من يَخُوض فِي الْكَلَام ويشتغل بالبحث وَالسُّؤَال وَقَالَ فِيهَا أَيْضا الْإِيمَان الْمُسْتَفَاد من الْكَلَام ضَعِيف وَالْإِيمَان الراسخ إِيمَان الْعَوام الْحَاصِل فِي قُلُوبهم فِي الصِّبَا بتواتر السماع وَبعد الْبلُوغ بقرائن يتَعَذَّر التَّعْبِير عَنْهَا ويؤكده مُلَازمَة الْعِبَادَة وَالذكر فَإِن كَلَام الْمُتَكَلِّمين يشْعر السَّامع أَن فِيهِ صَنْعَة يعجز عَنْهَا الْعَاميّ لَا أَنه حق وَرُبمَا كَانَ ذَلِك سَبَب عناده وَقَالَ شَيْخه أَبُو الْمَعَالِي يحرص الإِمَام مَا أمكنه على جمع عَامَّة الْخلق على سلوك سَبِيل السّلف فِي ذَلِك وَقَالَ الصَّيْمَرِيّ أجمع أهل الْفَتْوَى على أَن من عرف بهَا لَا يَنْبَغِي أَن يضع خطه بفتوى فِي مَسْأَلَة كَلَام كالقضاء وَالْقدر وَكَانَ بَعضهم

стр. 46

لَا يستتم قِرَاءَة مثل هَذِه الرقعة وَنقل ابْن عبد البرالامتناع من الْكَلَام فِي ذَلِك عَن الْفُقَهَاء الْعلمَاء قَدِيما وحديثا من أهل الْفَتْوَى والْحَدِيث قَالَ وَإِنَّمَا خَالف فِي ذَلِك أهل الْبدع وَقيل إِن كَانَت الْمَسْأَلَة مِمَّا يُؤمن فِي تَفْصِيل جوابها من ضَرَر الْخَوْض الْمَذْكُور جَازَ الْجَواب مفضلا بِأَن يكون جوابها مُخْتَصرا مفهوما فِيمَا لَيْسَ لَهُ أَطْرَاف يتجاذبها إِلَيْهِم المتنازعون وَالسُّؤَال عَنهُ صادر من مسترشد خَاص منقاد أَو من عَامَّة قَليلَة التَّنَازُع والمماراة والمفتي مِمَّن ينقادون لفتياه وَنَحْو هَذَا وعَلى هَذَا وَنَحْوه يخرج مَا جَاءَ عَن بعض السّلف من الْفَتْوَى فِي بعض الْمسَائِل الكلامية وَذَلِكَ مِنْهُم قَلِيل نَادِر وَقد ورد فِي ذمّ الْكَلَام عَن السّلف وَالْخلف شَيْء كثير مَشْهُور حَتَّى أَن شيخ الْإِسْلَام الْأنْصَارِيّ جمع من ذَلِك مجلدا وَقد قَالَ أَحْمد لست بِصَاحِب كَلَام وَلَا أرى الْكَلَام فِي شَيْء إِلَّا مَا كَانَ فِي كتاب الله أَو سنة رَسُوله وَقَالَ كُنَّا نؤمر بِالسُّكُوتِ فَلَمَّا دعينا إِلَى الْكَلَام تكلمنا يَعْنِي زمن المحنة للضَّرُورَة فِي دفع شبههم لما الجئ إِلَيّ ذَلِك وَقَالَ لَا يكون الرجل من أهل السّنة حَتَّى يدع الْجِدَال وَأَن أَرَادَ بِهِ السّنة وَقَالَ من ارتدى بالْكلَام لم

стр. 47

يفلح وَقَالَ لَا تجالسوا أهل الْكَلَام وَإِن ذبوا عَن السّنة وَقَالَ مَالك لَيْسَ من السّنة أَن تجَادل عَن السّنة بل السّنة أَن تخبر بهَا فَإِن سَمِعت مِنْك وَإِلَّا سكت وَإِذا كَانَ هَذَا حَال متكلمي الشَّافِعِيَّة وَغَيرهم فَكيف نَحن وَمن يتبع الْآثَار وَقَالَ بعض الْعلمَاء النَّاس يَكْتُبُونَ أحسن مَا يسمعُونَ ويحفظون أحسن مَا يَكْتُبُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ بِأَحْسَن مَا يحفظون وَقَالَ النَّبِي ﷺ كفى بِالْمَرْءِ كذبا أَو إِثْمًا أَن يحدث بِكُل مَا سمع فَمَا كَانَ يُعلمهُ الْإِنْسَان يَنْبَغِي أَن لَا يعلم بِهِ من لَيْسَ أَهلا لَهُ وَلَا يَأْمَن عَلَيْهِ من ضَرَر أَو على غَيره بِسَبَبِهِ وَأكْثر أهل السّنة يعْرفُونَ الْيَسِير مِنْهُ وَلَا ينتمون إِلَيْهِ وَلَا يدلون النَّاس عَلَيْهِ وَلَا يَدعُونَهُمْ إِلَيْهِ وَقد قَالَ الشَّافِعِي حكمي فِي أَصْحَاب الْكَلَام أَن يضْربُوا بِالْجَرِيدِ وَيُطَاف بهم فِي العشائر وَيُقَال هَذَا جَزَاء من ترك الْكتاب وَالسّنة واشتغل بالْكلَام أَو معنى ذَلِك وَقَالَ لقد اطَّلَعت من أهل الْكَلَام على شَيْء لِأَن يبتلى الْمَرْء

стр. 48

بِكُل شَيْء نهي عَنهُ غير الْكفْر أَهْون من أَن يَبْتَلِي بِهِ أَو نَحْو ذَلِك وَعلم الْكَلَام المذموم هُوَ أصُول الدّين إِذا تكلم فِيهِ بالمعقول الْمَحْض أَو الْمُخَالف للمنقول الصَّرِيح فَإِن تكلم فِيهِ بِالنَّقْلِ فَقَط أَو بِالنَّقْلِ وَالْعقل الْمُوَافق لَهُ فَهُوَ أصُول الدّين وَطَرِيقَة أهل السّنة وَعلم السّنة وَأَهْلهَا وَاجْتنَاب الْجَواب فِي جَمِيع الْمسَائِل الْمُتَعَلّقَة بذلك لغير المسترشد أولى وَأسلم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَن الْخَطَأ فِي أصُول الدّين إِمَّا كفر أَو فسق وَلَيْسَ ذَلِك هينا وَقد قَالَ الْغَزالِيّ أخيرا الْخَوْض فِي الْكَلَام حرَام لِكَثْرَة الآفة فِيهِ إِلَّا الرجل وَقعت لَهُ شُبْهَة لَيست تَزُول بِكَلَام قريب وعظي وَلَا بِحَدِيث نقلي فَيجوز أَن يكون القَوْل الْمُرَتّب الكلامي رَافعا شبهته ودواء لَهُ من مَرضه فيستعمل مَعَه ويحرس عَنهُ سمع الصَّحِيح الَّذِي لَيْسَ كَذَلِك أَو لرجل كَامِل الْعقل راسخ الْقدَم فِي الدّين ثَابت الْإِيمَان كأنوار الْيَقِين يُرِيد أَن يحصل هَذَا الْعلم ليداوي بِهِ مَرِيضا إِذا وَقعت لَهُ شُبْهَة ويفحم بِهِ مبتدعا إِذا نبغ وليحرس بِهِ معتقدة إِذا قصد مُبْتَدع أَن يغويه فتعلم ذَلِك لهَذَا الْغَرَض فرض كِفَايَة وَتعلم قدر مَا يزِيل بِهِ الشَّك والشبهة فِي حق المشكك فرض عين إِذا لم يُمكن إِعَادَة اعْتِقَاده المجزوم بطرِيق آخر سواهُ فَمن وَقعت لَهُ شُبْهَة جَازَ جَوَابه إِذا أَمن عَلَيْهِ وعَلى غير من التشويش

стр. 49

فصل لَا يجوز التَّقْلِيد فِيمَا يطْلب فِيهِ الْجَزْم وَلَا إثْبَاته بِدَلِيل ظَنِّي لِأَنَّهُ لَا يحصل بهما فَلَا يجوز التَّقْلِيد فِي معرفَة الله تَعَالَى وتوحيده وَصِفَاته وَلَا فِي نبوة رسله وتصديقهم فِيمَا أَتَوا بِهِ وَغير ذَلِك مِمَّا يشْتَرك فِي وجوب مَعْرفَته كل مُكَلّف قبل النّظر فِي المعجزة وَثُبُوت النُّبُوَّة بهَا قَالَه القَاضِي أَبُو يعلى وَأَصْحَابه كلهم كَأبي الْخطاب وَابْن عقيل وَغَيرهمَا وَابْن الْجَوْزِيّ وَسَائِر المتميزين منا وَمن غَيرنَا وَهُوَ الْمَشْهُور الْمَنْصُور عِنْد الْأَصْحَاب وَغَيرهم لِأَنَّهُ قد لَا يسْتَدلّ عَلَيْهِ إِلَّا بِالْعقلِ الَّذِي يشْتَرك فِيهِ المكلفون فَيصير كل مُكَلّف مُجْتَهدا فِي ذَلِك لاشتراكهم فِي الْعقل الَّذِي تعرف بِهِ هَذِه الْأَشْيَاء وَغَيرهَا فَلم يجز لبَعْضهِم تَقْلِيد بعض كالعلماء الَّذين لَا يجوز لبَعْضهِم تَقْلِيد بعض لاشتراكهم فِي آلَة الِاجْتِهَاد والتقليد هُوَ الْأَخْذ بقول الْغَيْر من غير حجَّة ملزمة وَقَول النَّبِي ﷺ حجَّة فَلَيْسَ الْأَخْذ بِهِ تقليدا قَالَه الشَّيْخ موفق الدّين الْمَقْدِسِي ﵀ وَغَيره وَإِذا ثبتَتْ النُّبُوَّة بالمعجزة وَجب اتِّبَاع الرَّسُول وتصديقه فِيمَا جَاءَ بِهِ لقِيَام الدَّلِيل على وجوب ذَلِك وَالله أعلم

стр. 50

وَقد قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيرهم أَن الْمَعْلُوم إِمَّا أَن يعلم بِالشَّرْعِ أَو الْعقل أَو بهما فَمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الشَّرْع لَا يتَوَقَّف على الشَّرْع بل يعلم بِدُونِهِ وتفصيل ذَلِك وتحريره وَتَقْرِيره فِي أصُول الْفِقْه وَالدّين فصل وأدلة منع التَّقْلِيد بِوُجُوب النّظر فِي الْكتاب كَثِيرَة وَقد قَالَ ابْن مَسْعُود أَلا لَا يقلدن أحدكُم دينه رجلا إِن آمن آمن وَإِن كفر كفر وَقَالَ أَلا لَا يوطنن أحدكُم نَفسه إِن كفر النَّاس أَن يكفر وَقَالَ لَا يكن أحدكُم إمعة يَقُول إِنَّمَا أَنا رجل من النَّاس إِن ضلوا ضللت وَإِن إهتدوا إهتديت أَلا لَا يوطنن نَفسه إِن كفر النَّاس أَن يكفر وَقَالَ أَحْمد من ضيق علم الرجل أَن يُقَلّد فِي إعتقاده وَقَالَ لرجل لَا تقلد دينك أحدا وَعَلَيْك بالأثر وَقَالَ الْمفضل بن زِيَاد لَا تقلد دينك الرِّجَال فَإِنَّهُم لن يسلمُوا أَن يغلطوا وَلِأَن الْأمة أَجمعت على أَن الْمُكَلف لَا بُد لَهُ من إعتقاده جازم والتقليد لَا يفِيدهُ كَمَا سبق وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِي ذَلِك فِي المرتضى وَغَيره

стр. 51

فصل وَيجوز التَّقْلِيد فِيمَا يطْلب فِيهِ الظَّن من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وإثباتها بِدَلِيل ظَنِّي وكل حكم يثبت بِدَلِيل ظَنِّي فَهُوَ اجتهادي إِذْ لَا اجْتِهَاد مَعَ الْقطع فَإِن الِاجْتِهَاد بذل الوسع فِي طلب الحكم الشَّرْعِيّ بدليله وَقيل يجب التَّقْلِيد فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الفروعية العملية الْمَعْرُوفَة بِالدَّلِيلِ إِذا لم يعلم بِالضَّرُورَةِ أَنَّهَا من الدّين وَمَا علمنَا بِالضَّرُورَةِ أَنه من الدّين فَلَا تَقْلِيد فِيهِ كَمَا سبق وَإِن كَانَ من الْفُرُوع وَدَلِيل وجوب التَّقْلِيد فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ ١٦ ٤٣ وَقَول النَّبِي ﷺ فِي حَدِيث جَابر فِي الَّذِي أَصَابَته الشبحة وَهُوَ جنب فَسَأَلَ أَصْحَابه هَل تَجِدُونَ لي رخصَة فَقَالُوا لَا نجد لَك رخصَة وَأَنت تقدر على المَاء فاغتسل فَمَاتَ قَتَلُوهُ قَاتلهم الله أَو قَتلهمْ الله أَلا سَأَلُوا إِذا لم يعلمُوا إِنَّمَا شِفَاء العي السُّؤَال رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره إِذْ لَو منع كل النَّاس من التَّقْلِيد وكلفوا معرفَة الْأَحْكَام بِدَلِيل تعين فرض الْعلم على الكافة وتعطلت المعايش وَفَسَد النظام وَالْجهَاد وَكثير من أَمر الدّين وَالدُّنْيَا وَقد دلّ على أَنه فرض كِفَايَة قَوْله تَعَالَى ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون﴾ ٩ ١٢٢ لِأَن فِي ذَلِك عسرا أَو حرجا ينتفيان بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ ٢٢ ٧٨ وَقَوله تَعَالَى ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾

стр. 52

٢ - ١٥٨ وَقَوله تَعَالَى ﴿يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم﴾ ٤ ٢٨ وَقَوله ﷺ لَا ضَرَر وَلَا إِضْرَار فِي الْإِسْلَام رَوَاهُ مَالك وَغَيره وَلَو جَازَ للْكُلّ التَّقْلِيد بَطل الِاجْتِهَاد وَسقط فرض التَّعَلُّم والتعليم واندرس الْعلم وَإِنَّمَا طلب الْعلم بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة الفروعية فرض كِفَايَة ليَكُون الْبَاقُونَ تبعا ومقلدين لَهُ وَالْآيَة الْمَذْكُورَة لم تسْقط الِاجْتِهَاد عَن الْكل وَلَا أوجبته على الْكل بل على الْبَعْض وَهُوَ الْمُدعى فصل يجب إتباع النَّبِي ﷺ فِيمَا شَرعه وَأمر بِهِ وَنهى عَنهُ وتصديقه فِيمَا أخبر بِهِ لثُبُوت عصمته وَصدقه وَلُزُوم طَاعَته وإتباعه فِيمَا عرف فِي أماكنه من الْأُصُول وَغَيرهَا وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْمَقْدِسِي وَبَعض الشَّافِعِيَّة لَيْسَ الْأَخْذ بقوله ﵇ تقليدا لِأَن قَوْله حجَّة لما سبق وَعرف فِي موَاضعه والتقليد أَخذ السَّائِل بقول من قَلّدهُ بِلَا حجَّة ملزمة لَهُ يعرفهَا كَمَا سبق وَيجوز تَقْلِيد أهل الْإِجْمَاع فِيهِ بل يجب وَيُمكن أَن يُقَال الْأَخْذ بِهِ لَيْسَ تقليدا لِأَنَّهُ حجَّة كَمَا قُلْنَا فِي قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 53

وَأما أَقْوَال الصَّحَابَة ومذاهبهم فَفِيهِ مذهبان أصَحهمَا أَنه حجَّة يجوز إتباعهم فِيهَا وَقيل إِذا خَالَفت الْقيَاس وَهل يكون تقليدا على مَا تقدم من الْكَلَام وَالظَّاهِر أَنه تَقْلِيد مِمَّن دونهم إِن قُلْنَا ليسَا بِحجَّة فَلَا يقلدون وَهُوَ بعيد وللجاهل تقليدهم بِشَرْطِهِ كَبَقِيَّة الْأَئِمَّة وَلَا إعتبار بقول الْغَزالِيّ فِي المنخول يجب تَقْلِيد الشَّافِعِي وَلَا يجوز تَقْلِيد أبي بكر وَعمر لقَوْله ﵇ اقتدوا بالذين من بعدِي أبي بكر وَعمر وَقَوله عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ الحَدِيث وَقَوله ﷺ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَيجوز التَّقْلِيد فِي الْأَخْبَار لمن هُوَ من أهل الرِّوَايَة وَالْفِقْه والخبرة وَلَا تَكْفِي عَدَالَته وَلَا عَدَالَة الْمُفْتِي بل لَا بُد من معرفَة أهليتهما لذَلِك وَقيل يجب التَّقْلِيد فِي الْأَخْبَار للصدوق من أهل الرِّوَايَة والخبرة لدَعْوَة الْحَاجة إِلَيْهِ فِيمَا غَابَ عَنَّا لعدم الدّلَالَة عَلَيْهِ إِذْ عَدَالَة الْمخبر لَيست دَلِيلا على صِحَة الْخَبَر كَمَا أَن عَدَالَة الْعلم لَيست دَلِيلا على صِحَة فتياه وَإِنَّمَا الدَّلِيل

стр. 54

اخْتصَّ بالْقَوْل الْمَنْقُول من حكم أَو خبر لَا مَا اخْتصَّ بالقائل من عَدَالَة وَصدق وَيجوز تَقْلِيد الْمَفْضُول مَعَ وجود الْفَاضِل وَإِمْكَان سُؤَاله وَقيل لَا يجوز فَلَو استفتى فَقِيها فَلم تسكن نَفسه إِلَيْهِ سَأَلَ ثَانِيًا وثالثا حَتَّى تسكن نَفسه وعَلى الأول يَكْفِي الأول وَالْأولَى الْوُقُوف مَعَ سُكُون النَّفس لقَوْله ﷺ استفت نَفسك وَإِن أفتوك وأفتوك وأفتوك وَقَوله دع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك وَقَوله الْإِثْم مَا حاك فِي النَّفس وَقَوله الْإِثْم جَوَاز الْقُلُوب فَإِن حصل السّكُون والطمأنينة بقول وَاحِد وَإِلَّا زَاد ليحصل ذَلِك

стр. 55

- ﷺ َ - بَاب كَيْفيَّة الاستفتاء وَالْفَتْوَى وَمَا يتَعَلَّق بهما ﷺ َ - إِذا لزم الْمُفْتِي الْجَواب لزمَه بَيَانه إِمَّا شفاها أَو كِتَابَة فَإِن جهل لِسَان السَّائِل اجزأته تَرْجَمَة وَاحِد ثِقَة لِأَنَّهَا خبر وَيكرهُ أَن يكون السُّؤَال بِخَطِّهِ لَا بإملائه وتهذيبه وَفِيهِمْ من كَانَ يكْتب السُّؤَال على ورقة من عِنْده ثمَّ يكْتب الْجَواب فَإِن كَانَ فِي الْمَسْأَلَة تَفْصِيل لم يُطلق الْجَواب وَله أَن يستفصل السَّائِل إِن حضر ويقيد السُّؤَال فِي رقْعَة الاستفتاء ثمَّ يُجيب عَنهُ وَهُوَ أولى وَأسلم وَلَيْسَ لَهُ أَن يقْتَصر على جَوَاب أحد الْأَقْسَام إِذا علم أَنه الْوَاقِع للسَّائِل وَلَكِن يَقُول هَذَا إِذا كَانَ كَذَا وَكَذَا وَله أَن يفصل الْأَقْسَام فِي جَوَابه وَيذكر حكم كل قسم وَقيل هَذَا ذَرِيعَة إِلَى تَعْلِيم النَّاس الْفُجُور وَفتح بَاب التمحل والتحيل الْبَاطِل وَلِأَن إزدحام الْأَقْسَام بأحكامها على فهم الْعَاميّ يكَاد يضيعه وَإِذا لم يجد الْمُفْتِي من يستفتوه فِي ذَلِك إحتاج إِلَى التَّفْصِيل فليتثبت وليجتهد فِي اسْتِيفَاء الْأَقْسَام وأحكامها وتحريرها

стр. 56

فصل فَإِن كَانَ المستفتي بعيد الْفَهم فليرفق بِهِ الْمُفْتِي فِي التفهم مِنْهُ والتفهم لَهُ وَيسْتر عَلَيْهِ وَيحسن الإقبال نَحوه ويتأمل ورقة الاستفتاء مرَارًا لَا سِيمَا آخرهَا وَيسْأل الْمُفْتِي عَن المشتبه وينقطه ويشكله لمصلحته ومصلحة من يُفْتِي بعده وَإِن رأى لحنا فَاحِشا أَو خطأ يحِيل الْمَعْنى أصلحه لِأَن قرينه الْحَال تَقْتَضِي ذَلِك فَإِن صَاحب الورقة إِنَّمَا قدمهَا إِلَيْهِ ليكتب فِيهَا مَا يرى وَهَذَا مِنْهُ وَكَذَا إِن رأى بَيَاضًا فِي أثْنَاء بعض الأسطر أَو فِي آخرهَا خطّ عَلَيْهِ وشغله كَمَا يفعل الشَّاهِد فِي كتب الوثائق وَنَحْوهَا لِأَنَّهُ رُبمَا قصد الْمُفْتِي أحد بِسوء فَكتب فِي ذَلِك الْبيَاض بعد فتواه مَا يُفْسِدهَا فصل يسْتَحبّ أَن يقْرَأ مَا فِي الورقة على الْفُقَهَاء الْحَاضِرين الصَّالِحين لذَلِك ويشاورهم فِي الْجَواب ويباحثهم فِيهِ وَإِن كَانُوا دونه وتلامذته إقتداء برَسُول الله ﷺ وَالسَّلَف الصَّالح إِلَّا أَن يكون فِيهَا مَا لَا يحسن إبداؤه أَو مَا لَعَلَّ السَّائِل يُؤثر ستره أَو مَا فِي إشاعته مفْسدَة لبَعض النَّاس فينفرد هُوَ بِقِرَاءَتِهَا وجوابها

стр. 57

فصل يَنْبَغِي أَن يكْتب الْجَواب بِخَط وَاضح وسط وَلَفظ وَاضح حسن تفهمه الْعَامَّة وَلَا تستقبحه الْخَاصَّة وَيُقَارب سطوره وأقلامه وخطه لِئَلَّا يزور أحد عَلَيْهِ ثمَّ ينظر الْجَواب بعد سطره فصل وَإِذا ابْتَدَأَ بالإفتاء كتب فِي جَانبهَا الْأَيْسَر إِن شَاءَ لِأَنَّهُ أمكن وَإِن كتب فِي الْأَيْمن أَو أَسْفَل جَازَ وَأَن ترفع فِيهَا كره لَا سِيمَا فَوق الْبَسْمَلَة وَأكْثر من يُفْتِي يَقُول الْجَواب وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَحذف ذَلِك آخَرُونَ وَالْأولَى أَن يكْتب فِيمَا طَال من الْمسَائِل ويحذف فِيمَا سوى ذَلِك وَيخْتم الْجَواب بقوله وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق أَو وَالله الْمُوفق أَو وَالله أعلم وَكَانَ بعض السّلف يَقُول إِذا أفتى إِن كَانَ صَوَابا فَمن الله وَإِن كَانَ خطأ فمني وَقد قَالَ أَبُو بكر الصّديق ﵁ فِي الْكَلَالَة أَقُول فِيهَا برأيي فَإِن كَانَ صَوَابا فَمن الله وَإِن كَانَ خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان وَالله وَرَسُوله بريئان مِنْهُ الْكَلَالَة من لَا ولد لَهُ وَلَا وَالِد وَيكرهُ فِي هَذَا الزَّمَان لِأَنَّهُ يضعف نفس السَّائِل وَيدخل قلبه الشَّك فِي الْجَواب وَلَيْسَ يَصح مِنْهُ أَن يَقُول الْجَواب عندنَا أَو الَّذِي عندنَا أَو يَقُول وَالَّذِي نرَاهُ كَذَا وَكَذَا لِأَنَّهُ من جملَة أَصْحَاب وأرباب مقَالَته وَكَانَ مَالك وَمَكْحُول

стр. 58

لَا يفتيان حَتَّى يَقُولَا لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَقيل يَقُول الْمُفْتِي أَيْضا أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم ﴿سُبْحَانَكَ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا إِنَّك أَنْت الْعَلِيم الْحَكِيم﴾ ٢ ٣٢ ﴿ففهمناها سُلَيْمَان﴾ ٢١ ٧٩ الْآيَة ﴿رب اشرح لي صَدْرِي وَيسر لي أَمْرِي واحلل عقدَة من لساني يفقهوا قولي﴾ ٢٠ ٢٧ لاحول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه وَسَائِر النَّبِيين وَالصَّالِحِينَ وَسلم اللَّهُمَّ وفقني وأهدني وسددني وَأجْمع لي بَين الصَّوَاب وَالثَّوَاب وأعذني من الْخَطَأ والحرمان آمين وَإِن لم يَأْتِ بذلك عِنْد كل فَتْوَى فليأت بهَا عِنْد أول كل فتيا يفتيها فِي يَوْمه لما يفتيه فِي سَائِر يَوْمه مضيفا إِلَيْهَا قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَآيَة الْكُرْسِيّ وَمَا تيَسّر فَإِن من ثابر على ذَلِك كَانَ حَقِيقا بِأَن يكون موفقا فِي فَتَاوِيهِ وَإِن تَركه جَازَ وَقد قيل للْإِمَام أَحْمد رُبمَا إشتد علينا الْأَمر من جهتك فَلِمَنْ نسْأَل بعْدك فَقَالَ سلوا عبد الْوَهَّاب الْوراق فَإِنَّهُ أَن يوفق للصَّوَاب فصل وعَلى الْمُفْتِي أَن يختصر جَوَابه فيكتفي فِيهِ بِأَنَّهُ يجوز أَو لَا يجوز أَو حق أَو بَاطِل وَلَا يعدل إِلَى الإطالة والاحتجاج ليفرق بَين الْفتيا والتصنيف وَلَو سَاغَ التجاوز إِلَى قَلِيل لساغ إِلَى كثير

стр. 59

ولصار الْمُفْتِي مدرسا وَلكُل مقَام مقَال وَقد قيل لبَعض الْفُقَهَاء أَيجوزُ كَذَا فَكتب لَا وَقيل الْجَواب بنعم أَو لَا لَا يَلِيق بِغَيْر الْعَامَّة وَإِنَّمَا يحسن مِنْهُ الِاقْتِصَار الَّذِي لَا يخل بِالْبَيَانِ الْمُشْتَرط عَلَيْهِ دون مَا يخل بِهِ فَلَا يدع إطالة لَا يحسن الْبَيَان بِدُونِهَا فَإِذا كَانَت فتياه فِيمَا يُوجب الْقود أَو الرَّجْم مثلا فليذكر الشُّرُوط الَّتِي يتَوَقَّف عَلَيْهَا الْقود وَالرَّجم وَإِذا استفتي فِيمَن قَالَ قولا يكفر بِهِ بِأَن قَالَ الصَّلَاة لعب أَو الْحَج عَبث أَو نَحْو ذَلِك فَلَا يُبَادر بِأَن يَقُول هَذَا حَلَال الدَّم أَو يقتل بل يَقُول إِذا ثَبت عَلَيْهِ ذَلِك بِالْبَيِّنَةِ أَو بِالْإِقْرَارِ اسْتِتَابَة السُّلْطَان فَإِن تَابَ قبلت تَوْبَته وَإِن أصر وَلم يتب قتل وَفعل بِهِ كَذَا وَكَذَا وَبَالغ فِي تَغْلِيظ أمره وَإِن كَانَ الْكَلَام الَّذِي قَالَه يحْتَمل أمورا لَا يكفر بِبَعْضِهَا فَلَا يُطلق جَوَابه وَله أَن يَقُول ليسأل عَمَّا أَرَادَ بقوله فَإِن أَرَادَ كَذَا فَالْجَوَاب كَذَا فَإِن أَرَادَ كَذَا فَالْحكم كَذَا وَقد سبق الْكَلَام فِيمَا شَأْنه التَّفْصِيل وَإِذا استفتي عَمَّا يُوجب التَّعْزِير فليذكر قدر مَا يعذرهُ بِهِ السُّلْطَان فَيَقُول يضْرب مَا بَين كَذَا إِلَى كَذَا وَلَا يُزَاد على كَذَا خوفًا من أَن يضْرب بفتواه إِذا أطلق القَوْل مَا لَا يجوز ضربه وَإِذا قَالَ عَلَيْهِ التَّعْزِير بِشَرْطِهِ أَو الْقود بِشَرْطِهِ فَلَيْسَ بِإِطْلَاق وتقييده بِشَرْطِهِ بِحَيْثُ من لَا يعرف الشَّرْط من الْوُلَاة على السُّؤَال عَن شَرطه وَالْبَيَان أولى

стр. 60

فصل إِذا سُئِلَ عَن مَسْأَلَة مِيرَاث فِيهَا إخْوَة وأخوات أَو أعمام أَو بنوهم سَأَلَ من أبوين أَو من أَب أَو من أم وَإِن سُئِلَ عَن مَسْأَلَة عائلة بَين سهم الْوَارِث مِمَّا عالت إِلَيْهِ فَمن خلف زَوْجَة وأبوين وابنتين قَالَ للزَّوْجَة ثمن عائل وَهُوَ ثَلَاثَة من سَبْعَة وَعشْرين أَو يَقُول صَار ثمنهَا تسعا كَمَا قَالَه فِيهَا عَليّ ﵁ على الْمِنْبَر أَو يَقُول لَهَا كَذَا وَكَذَا سَهْما من أصل كَذَا وَكَذَا سَهْما وَإِن كَانَ فِي الْمَذْكُورين من لَا يَرث أَو يسْقط تَارَة بَينه وَإِن سُئِلَ عَن ذُكُور وإناث بِمن تَرث الْأُنْثَى مَعَ أَخِيهَا غير ولد الْأُم قَالَ للذّكر كَذَا وَكَذَا سَهْما من أصل كَذَا وَكَذَا سَهْما وللأنثى نصفه وَهُوَ كَذَا وَكَذَا سَهْما من أصل الْمَذْكُور أَو نحوذلك وَلَا يقل ﴿للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٤ ١٠ ويتحرز ويتحفظ فِي جَوَاب مسَائِل المناسخات وَليقل لفُلَان كَذَا وَكَذَا من ذَلِك كَذَا وَكَذَا بإرثه من فلَان وَكَذَا بإرثه من فلَان وَيحسن أَن يَقُول فِي قسْمَة الْمَوَارِيث تقسم التَّرِكَة بعد إِخْرَاج مَا يجب تَقْدِيمه من دين وَنَحْوه أَو وَصِيَّة إِن كَانَا فصل لَيْسَ للمفتي أَن يبين مَا يَكْفِيهِ من جَوَابه على مَا يُعلمهُ من صُورَة الْوَاقِعَة المسؤول عَنْهَا إِذا لم يكن فِي الرقعة تعرض لَهُ وَكَذَا إِذا زَاد السَّائِل شفاها مَا لَيْسَ فِي الورقة وَلَا لَهُ بِهِ تعلق

стр. 61

وَلَيْسَ للمفتي أَن يكْتب جَوَابه فِي الرقعة وَلَا بَأْس أَن يضيفه إِلَى السُّؤَال بِخَطِّهِ وَإِن لم يكن من الْأَدَب كَون السُّؤَال جَمِيعه بِخَط الْمُفْتِي وَلَا بَأْس لَو كتب بعد جَوَابه عَمَّا فِي الرقعة زَاد السَّائِل من لَفظه كَذَا وَكَذَا وَالْجَوَاب عَنهُ كَذَا وَكَذَا وَإِذا كَانَ الْمَكْتُوب فِي الرقعة على خلاف الصُّورَة الْوَاقِعَة وَعلم الْمُفْتِي بذلك فليفت على مَا وجده فِي الرقعة وَليقل هَذَا إِن كَانَ الْأَمر على مَا ذكر وَإِن كَانَ كَيْت وَكَيْت وَيذكر مَا علمه من الصُّورَة فَالْحكم كَذَا وَكَذَا وَإِن زَاد الْمُفْتِي على جَوَاب الْمَذْكُور فِي السُّؤَال بِمَا لَهُ بِهِ تعلق وَيحْتَاج إِلَى التَّنْبِيه عَلَيْهِ فَحسن فصل لَا يَنْبَغِي إِذا ضَاقَ مَوضِع الْفَتْوَى عَنْهَا أَن يكْتب الْجَواب فِي رقْعَة أُخْرَى خوفًا من الْحِيلَة عَلَيْهِ وَلِهَذَا يَنْبَغِي أَن يكون جَوَابه مَوْصُولا بآخر سطر فِي الرقعة فَلَا يدع فرجه خوفًا من أَن يثبت السَّائِل فِيهَا غَرضا لَهُ ضارا وَكَذَا إِذا كَانَ فِي مَوضِع الْجَواب ورقة ملتزقة كتب على مَوضِع الالتزاق وشغله بِشَيْء وَإِذا أجَاب على ظهر الرقعة فَيَنْبَغِي أَن يكون الْجَواب فِي أَعْلَاهَا لَا فِي ذيلها إِلَّا أَن يبتدي الْجَواب فِي أَسْفَلهَا مُتَّصِلا بالإستفتاء فيضيق عَلَيْهِ الْموضع فيتمه وَرَاءَهَا مِمَّا يَلِي أَسْفَلهَا ليتصل جَوَابه وَاخْتَارَ بَعضهم أَن يكْتب على ظهرهَا وَلَا يكْتب على حاشيتها بِطُولِهَا وحاشيتها أولى بذلك من ظهرهَا وَالْأَمر فِي ذَلِك قريب

стр. 62

فصل إِذا سبق بِالْجَوَابِ من لَيْسَ أَهلا للْفَتْوَى لم يفت مَعَه لِأَنَّهُ تقريرلمنكر بل يضْرب على ذَلِك بِإِذن صَاحب الرقعة وَلَو لم يَسْتَأْذِنهُ فِي هَذَا الْقدر جَازَ لَكِن لَيْسَ لَهُ احتباس الرقعة إِلَّا بِإِذن صَاحبهَا وَله إنتهار السَّائِل وزجره وتعريفه قبح مَا أَتَاهُ وَأَنه قد كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ الْبَحْث عَن أهل الْفَتْوَى وَطلب فتيا من يسْتَحق ذَلِك وَإِن رأى فِيهَا إسم من لَا يعرفهُ سَأَلَ عَنهُ فَإِن لم يعرفهُ فواسع وَله أَن يمْتَنع من الْفَتْوَى مَعَه خوفًا مِمَّا قُلْنَاهُ وَكَانَ بَعضهم فِي مثل هَذَا يكْتب على ظهرهَا وَالْأولَى فِي هَذِه الْمَوَاضِع أَن يُشِير على صَاحبهَا بإبدالها فَإِن أَبى ذَلِك أَجَابَهُ شفاها وَإِن خَافَ فتْنَة من الضَّرْب على فتيا من لَيْسَ أَهلا لَهَا وَلم يكن خطأ إمتنع من الْفتيا مَعَه فَإِن غلبت فَتَاوِيهِ لتغلبه على منصبها بجاه أَو تلبيس أَو غير ذَلِك بِحَيْثُ صَار إمتناع الْأَهْل من الْفتيا مَعَه ضارا بالمستفتين فليفت مَعَه وليتلطف مَعَ ذَلِك فِي إِظْهَار قصوره لمن يجهله فصل وَإِذا ظهر لَهُ أَن الْجَواب على خلاف غَرَض المستفتي وَأَنه لَا يُرْضِي بِأَن يكْتب فِي ورقته فليقتصر على مشافهته بِالْجَوَابِ وَلَا يكْتب فِيهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِنَّهُ إِذا وَافق الْجَواب غَرَض المستفتي دُعَاء للمفتي وَإِن خَالفه سكت أَو تكره

стр. 63

فصل وَإِن رأى فِي ورقة الإستفتاء فتيا غَيره وَهِي خطأ قطعا إِمَّا خطأ مُطلقًا فمخالفتها لدَلِيل قَاطع وَإِمَّا على مَذْهَب من يُفْتِي ذَلِك الْغَيْر على مذْهبه قطعا لم يجز لَهُ الِامْتِنَاع من الْإِفْتَاء تَارِكًا للتّنْبِيه على خطئها إِذْ لم يكفه ذَلِك غَيره بل عَلَيْهِ الضَّرْب عَلَيْهَا عِنْد تيسره أَو للإبدال وتقطيع الرقعة بِإِذن صَاحبهَا وَنَحْو ذَلِك وَإِذا تعذر ذَلِك وَمَا يقوم مقَامه كتب صَوَاب جَوَابه عِنْد ذَلِك الْخَطَأ ثمَّ إِن كَانَ المخطيء أَهلا للْفَتْوَى فَحسن أَن تُعَاد إِلَيْهِ بِإِذن صَاحبهَا وَإِن وجد فِيهَا فَتْوَى من هُوَ أهل للْفَتْوَى على خلاف مَا يرَاهُ هُوَ غير أَنه لَا يقطع بخطئها فليقتصر على أَن يكْتب جَوَاب نَفسه وَلَا يتَعَرَّض لفتيا غَيره بتخطئة وَلَا إعتراض وَلَا يسوغ لمفت إِذا إستفتي أَن يتَعَرَّض لجواب غَيره برد وَلَا تخطئة بل يُجيب بِمَا عِنْده من وفَاق أَو خلاف فقد يُفْتِي أَصْحَاب الشَّافِعِي بِمَا يخالفهم فِيهِ أَصْحَاب أبي حنيفَة وَلَا يرد أَحدهمَا على الآخر فِي مسَائِل الإجتهاد الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نَص وَلَا إِجْمَاع فصل إِذا لم يفهم الْمُفْتِي السُّؤَال أصلا وَلم يحضر صَاحب الْوَاقِعَة كتب يُزَاد فِي الشَّرْح ليجيب عَنهُ أَو لم أفهم مَا فِيهَا فَأُجِيب عَنهُ وَقَالَ بَعضهم لَا يكْتب شَيْئا أصلا وَلَا يحضر السَّائِل ليشافهه

стр. 64

وَإِذا اشْتَمَلت الرقعة على مسَائِل فهم بَعْضهَا دون بعض أَو فهمها كلهَا وَلم يرد الْجَواب عَن بَعْضهَا أَو احْتَاجَ فِي بَعْضهَا إِلَى مطالعة رَأْيه أَو كتب هُوَ فِيهَا سكت عَن ذَلِك الْبَعْض وَأجَاب عَن الْبَعْض الآخر أَو يَقُول أما بَاقِي الْمسَائِل فلنا فِيهِ نظر أَو يَقُول مطالعة أَو يَقُول زِيَادَة تَأمل وَإِذا فهم من السُّؤَال صُورَة وَهُوَ يحْتَمل غَيرهَا فلينص عَلَيْهَا فِي أول جَوَابه فَيَقُول إِن كَانَ قد قَالَ كَذَا وَكَذَا أَو فعل كَذَا وَكَذَا وَمَا أشبه هَذَا فَالْحكم كَذَا وَكَذَا وَإِلَّا فَكَذَا فصل يجوز أَن يذكر الْمُفْتِي فِي فتواه الْحجَّة إِذا كَانَت نصا وَاضحا مُخْتَصرا وَأما الأقيسة وَشبههَا فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يذكر شَيْئا مِنْهَا وَلم تجر الْعَادة أَن يذكر الْمُفْتِي طَرِيق الِاجْتِهَاد وَلَا وَجه الْقيَاس والإستدلال إِلَّا أَن تكون الْفَتْوَى تتَعَلَّق بِنَظَر قَاض فيوميء فِيهَا على طَرِيق الِاجْتِهَاد ويلوح بالنكتة الَّتِي عَلَيْهَا بني الْجَواب أَو يكون غَيره قد أفتى فِيهَا بفتوى غلط فِيهَا عِنْده فيلوح بالنكتة الَّتِي أوجبت خِلَافه ليقيم عذره فِي مُخَالفَته وَكَذَا لَو كَانَ فِيمَا لَقِي بِهِ غموض فَحسن أَن يلوح بحجته وَهَذَا التَّفْصِيل أولى مِمَّا سبق من إِطْلَاق الْمَنْع من تعرضه للإحتجاج وَقد يحْتَاج الْمُفْتِي فِي بعض الوقائع إِلَى أَن يشدد ويبالغ فَيَقُول وَهَذَا إِجْمَاع الْمُسلمين أَو لَا أعلم فِي هَذَا خلافًا أَو فَمن خَالف هَذَا فقد خَالف

стр. 65

الْوَاجِب وَعدل عَن الصَّوَاب أَو ترك الْإِجْمَاع أَو فقد أَثم وَفسق وعَلى ولي الْأَمر أَن يَأْخُذ بِهَذَا وَلَا يهمل الْأَمر وَمَا أشبه هَذِه الْأَلْفَاظ على مَا تَقْتَضِيه الْمصلحَة ويوجبه الْحَال فصل يجب عَلَيْهِ عِنْد اجْتِمَاع الرّقاع عِنْده أَن يقدم الأسبق فِيمَا يجب عَلَيْهِ فِيهِ الْفتيا وَعند التَّسَاوِي أَو الْجَهْل يقدم السَّابِق بِقرْعَة وَقيل لَهُ تَقْدِيم الْمَرْأَة وَالْمُسَافر الَّذِي شدّ رَحْله وَفِي تَأْخِيره بتخلفه عَن رفقته ضَرَر على من سبقهما إِلَّا إِذا كثر المسافرون وَالنِّسَاء بِحَيْثُ يلْحق غَيرهم من تقديمهم ضَرَر كثير فَيَعُود إِلَى التَّقْدِيم بِالسَّبقِ أَو الْقرعَة ثمَّ لَا يقدم من يقدمهُ إِلَّا فِي فتيا وأحدة فصل وليحذر أَن يمِيل فِي فتياه مَعَ المستفتي أَو مَعَ خَصمه بِأَن يكْتب فِي جَوَابه مَا هُوَ لَهُ أَو يسكت عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ وَنَحْو ذَلِك وَلَيْسَ لَهُ أَن يَبْتَدِئ فِي مسَائِل الدعاوي والبينات بِذكر وُجُوه المخالص مِنْهَا وَإِذا سَأَلَهُ أحدهم بِأَيّ شَيْء تنْدَفع دَعْوَى كَذَا وَكَذَا وَبَينه كَذَا وَكَذَا لم يجبهُ لِئَلَّا يتَوَصَّل بذلك إِلَى إبِْطَال حق وَله أَن يسْأَله عَن حَاله فِيمَا ادّعى عَلَيْهِ فَإِذا شَرحه لَهُ عرفه بِمَا فِيهِ من دَافع وَغير دَافع

стр. 66

- ﷺ َ - بَاب صفة المستفتي وَأَحْكَامه وآدابه وَمَا يتَعَلَّق بذلك ﷺ َ - أما صفته فَهُوَ كل من لَا يصلح للفتيا من جِهَة الْعلم وَإِن كَانَ متميزا والتقليد قبُول قَول من يجوز عَلَيْهِ الْإِصْرَار على الْخَطَأ بِغَيْر حجَّة على نفس مَا قبل قَوْله فِيهِ وَقيل هُوَ قبُول قَول الْغَيْر من غير حجَّة ملزمة كَمَا سبق أخذا من القلادة فِي الْعُنُق لِأَن المستفتي يتقلد قَول الْمُفْتِي كالقلادة فِي عُنُقه أَو أَنه قلد ذَلِك للمفتي وتقلد الْمُفْتِي فِي عُنُقه حكم مَسْأَلَة المستفتي وَيجب الاستفتاء فِي كل حَادِثَة لَهُ وَيلْزم تعلم حكمهَا وَيجب عَلَيْهِ الْبَحْث حَتَّى يعرف صَلَاحِية من يستفتيه للفتيا إِذا لم يكن قد عرفه وَهل يجب عَلَيْهِ التَّرْجِيح لمفت يفتيه على غَيره فِيهِ وَجْهَان وَلَا يَكْتَفِي بِكَوْنِهِ عَالما أَو منتسبا إِلَى الْعلم وَإِن اتنصب فِي منصب التدريس أَو غَيره من مناصب أهل الْعلم فَلَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّد ذَلِك وَيجوز لَهُ استفتاء من تَوَاتر بَين النَّاس خَيره واستفتاء من فهم أَنه أهل للْفَتْوَى وَقيل إِنَّمَا يعْتَمد قَوْله أَنا مفت لَا شهرته

стр. 67

بذلك وَلَا التَّوَاتُر لِأَنَّهُ لَا يُفِيد علما إِذا لم يسْتَند إِلَى مَعْلُوم محس والشهرة بَين الْعَامَّة لَا يوثق بهَا وَقد يكون أَصْلهَا التلبيس وَله استفتاء من أخبر الْمَشْهُور الْمَذْكُور عَن أَهْلِيَّته وَلَا يَنْبَغِي أَن يَكْفِي فِي هَذِه الْأَزْمَان مُجَرّد تصديه للْفَتْوَى واشتهاره بمباشرتها إِلَّا بأهليته لَهَا وَقد قيل يقبل فِيهَا خبر الْعدْل الْوَاحِد وَيَنْبَغِي أَن يكون عِنْد الْعدْل من الْعلم وَالْبَصَر مَا يُمَيّز بِهِ الملبس من غَيره وَلَا يعْتَمد فِي ذَلِك على خبر آحَاد الْعَامَّة لِكَثْرَة مَا يتَطَرَّق إِلَيْهِم من التلبيس فِي ذَلِك فصل فَإِن اجْتمع اثْنَان أَو أَكثر مِمَّن لَهُ أَن يُفْتِي فَهَل يلْزمه الِاجْتِهَاد والبحث عَن الأعلم والأورع الأوثق ليقلده دون غَيره فِيهِ وَجْهَان ولبقية الْعلمَاء مذهبان أَحدهمَا لَا يجب بل لَهُ أَن يستفتي من شَاءَ مِنْهُم لأهليتهم وَقد سقط الِاجْتِهَاد عَنهُ لَا سِيمَا إِن قُلْنَا كل مُجْتَهد مُصِيب لقَوْل النَّبِي ﷺ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَالثَّانِي يجب لِأَنَّهُ يُمكنهُ هَذَا الْقدر من الِاجْتِهَاد بالبحث

стр. 68

وَالسُّؤَال وشواهد الأح وَال فَلم يسْقط عَنهُ وَالْعَمَل بالراجع وَاجِب كالأدله وَالْأول أصح لِأَنَّهُ ظَاهر حَال السّلف لما سبق وَمَتى اطلع على الأوثق مِنْهُمَا فَالْأَظْهر أَنه يلْزمه تَقْلِيده دون الآخر كَمَا وَجب تَقْدِيم أرجح الدَّلِيلَيْنِ وأوثق الرِّوَايَتَيْنِ فعلى هَذَا يلْزمه تَقْلِيد الأروع من الْعلمَاء والأعلم من الورعين فَإِن كَانَ أَحدهمَا أعلم وَالْآخر أورع قلد الأعلم على الْأَصَح لِأَنَّهُ أرجح وَالْعَمَل بالراجح وَاجِب كالأدلة وَقبل بل الأورع لقَوْل الله تَعَالَى (اتَّقوا الله ويعلمكم الله) وَلقَوْله ﵇ إِن هَذَا الْعلم دين فانظروا عَمَّن تأخذونه فصل يجوز تَقْلِيد الْمَيِّت فِي أصح المذهبين وأشهرهما لِأَن الْمذَاهب لَا تبطل بِمَوْت أَصْحَابهَا وَلِهَذَا يعتدبها بعدهمْ فِي الْإِجْمَاع وَالْخلاف ويؤكده أَن موت الشَّاهِد قبل الحكم وَبعد الْأَدَاء لَا يمْنَع من الحكم بِشَهَادَتِهِ بِخِلَاف الْفسق وَالثَّانِي لَا يجوز لِأَن أَهْلِيَّته زَالَت بِمَوْتِهِ فَهُوَ كَمَا لَو فسق وَلِأَنَّهُ لَو عَاشَ لوَجَبَ عَلَيْهِ تَجْدِيد الِاجْتِهَاد فِيهَا فِي أحد الْمذَاهب فَرُبمَا تغير اجْتِهَاده ورأيه فِيهَا

стр. 69

ذكره القَاضِي وَغَيره احْتِمَالا لاحْتِمَال تغير اجْتِهَاده لَو كَانَ حَيا وَقلت هَذَا إِن لزم السَّائِل تَجْدِيد السُّؤَال بتجدد الحادثه لَهُ ثَانِيًا وَمن نصر الأول قَالَ الأَصْل بَقَاء الِاجْتِهَاد وَالْحكم وَقَالَ أَبُو الْخطاب إِن مَاتَ الْمُفْتِي قبل عمل المستفتي بفتياه فلة الْعَمَل بهَا قَالَ وَقيل لَا لما سبق وَإِن كَانَ قد عمل بهَا لم يجز لَهُ تَركه إِلَى قَول غَيره فِي تِلْكَ الْوَاقِعَة فصل هَل للعامي أَن يتَخَيَّر ويقلد أَي مَذْهَب شَاءَ أم لَا فَإِن كَانَ منتسبا إِلَى مَذْهَب معِين بنينَا ذَلِك على أَن الْعَاميّ هَل لَهُ مَذْهَب أم لَا وَفِيه مذهبان أَحدهمَا أَنه لَا مَذْهَب لَهُ لِأَن الْمذَاهب إِنَّمَا تكون لمن يعرف الْأَدِلَّة فعلى هَذَا لَهُ ان يستفتي من شَاءَ من شَافِعِيّ وحنفي ومالكي وحنبلي لَا سِيمَا إِن قُلْنَا كل مُجْتَهد مُصِيب لقَوْله ﷺ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَالثَّانِي أَن لَهُ مذهبا ن لِأَنَّهُ اعْتقد أَن الْمَذْهَب الَّذِي انتسب اليه هُوَ الْحق فَعَلَيهِ الْوَفَاء بِمُوجب اعْتِقَاده ذَلِك فَإِن كَانَ حنبليا أَو مالكيا أَو شافعيا لم يكن لَهُ أَن يستفتي حنفيا فَلَا يُخَالف إِمَامه وَقد ذكرنَا قي الْمُفْتِي المنتسب إِلَى مَذْهَب مَا يجوز لَهُ أَن يُخَالف إِمَامه فِيهِ

стр. 70

وَإِن لم يكن قد انتسب الى مَذْهَب معِين انبنى على أَن الْعَاميّ هَل يلْزمه أَن يتمذهب بِمذهب معِين يَأْخُذ بِرُخصِهِ وعزائمه وَفِيه مذهبان أَحدهمَا لَا يلْزمه ذَلِك كَمَا لم يلْزم فِي عصر أَوَائِل الْأمة أَن يخص الْعَاميّ عَالما معينا بتقليد لَا سِيمَا إِن قُلْنَا كل مُجْتَهد مُصِيب فعلى هَذَا هَل لَهُ أَن يستفتي على أَي مَذْهَب شَاءَ أَو يلْزمه أَن يبْحَث حَتَّى يعلم علم مثله أَسد الْمذَاهب وأصحها أصلا فسيتفتي أَهله فِيهِ مذهبان كالمذهبين اللَّذين سبقا فِي إِلْزَامه بالبحث عَن الأعلم والأفقه من المفتيين وَالثَّانِي يلْزمه ذَلِك وَهُوَ جَار فِي كل من لم يبلغ دَرَجَة الِاجْتِهَاد من الْفُقَهَاء وأرباب سَائِر الْعُلُوم لِأَنَّهُ لَو جَازَ لَهُ اتِّبَاع أَي مَذْهَب شَاءَ لأفضى الى أَن يلتقط رخص الْمذَاهب مُتبعا هَوَاهُ ومتخيرا بَين التَّحْرِيم والتجويز وَفِيه انحلال عَن التَّكْلِيف بِخِلَاف الْعَصْر الأول فَإِنَّهُ لم تكن الْمذَاهب الوافية بِأَحْكَام الْحَوَادِث حِينَئِذٍ قد مهدت وَعرفت فعلى هَذَا يلْزمه أَن يجْتَهد فِي اخْتِيَار مَذْهَب يقدره على التَّعْيِين وَهَذَا أولى بايجاب الِاجْتِهَاد قيه على الْعَاميّ مِمَّا سبق فِي الاستفتاء فصل وَنحن نمهد طَرِيقا سهلا مَنْقُول لَيْسَ لَهُ أَن يتبع فِي ذَلِك مُجَرّد التشهي والميل إِلَى مَا وجد عَلَيْهِ أَبَاهُ وَأَهله قبل تَأمله وَالنَّظَر فِي صَوَابه وَلَيْسَ لَهُ التمذهب بِمذهب أحد من أَئِمَّة الصحابه

стр. 71

وَحده أَو غَيرهم من السّلف دون غَيره وَإِن كَانُوا أعلم وَأَعْلَى دَرَجَة مِمَّن بعدهمْ مَعَ أَن قَول الصحابه عندنَا حجَّة فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ لأَنهم لم يتفرغوا لتدريس الْعلم وَضبط أُصُوله وفروعه وَلَيْسَ لأَحَدهم مَذْهَب مهذب مُحَرر مُقَرر مستوعب وَإِنَّمَا قَامَ بذلك من جَاءَ بعدهمْ من الْأَئِمَّة الناخلين لمذاهب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَغَيرهم القائمين بتمهيد أَحْكَام الوقائع قبل وُقُوعهَا الناهضين بإيضاح أُصُولهَا وفروعها وَمَعْرِفَة الْوِفَاق وَالْخلاف كَأبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وأصمد وأمثالهم فَإِن اتِّفَاقهم نعْمَة تَامَّة وَاخْتِلَافهمْ رَحْمَة عَامَّة

стр. 72

فصل وَلما كَانَ من اللَّازِم الِالْتِزَام بِأَهْل الدّين وعلماء الشَّرِيعَة المبرزين وأكابر الْأَئِمَّة المتبعين المتبوعين والمشهورين من الْمُحَقِّقين المحقين المتدينين المتورعين والموفقين المسددين المرشدين وَكَانَ الإِمَام الْعَالم السالك الناسك الْكَامِل ابو عبد الله أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل ﵁ قد تَأَخّر عَن أَئِمَّة الْمذَاهب الْمَشْهُورَة وَنظر فِي مذاهبهم ومذاهب من قبلهم وأقاويلهم وسبرها وخبرها وانتقدها وَاخْتَارَ أرجحها وأصحها وَوجد من قبله قد كَفاهُ مُؤنَة التَّصْوِير والتأصيل وَالتَّفْصِيل فتفرغ للاختيار وَالتَّرْجِيح والتنقيح والتكميل وَالْإِشَارَة بَين الصَّحِيح مَعَ كَمَال آلَته وبراعته فِي الْعُلُوم الشرعيه وترجحه على من سبقه لما يَأْتِي ثمَّ لم يُوجد بعده من بلغ مَحَله فِي ذَلِك كَانَ مذْهبه أولى من غَيره بالاتباع والتقليد وَهَذَا طَرِيق الْإِنْصَاف والسلامة من الْقدح فِي بعض الْأَئِمَّة وَقد ادّعى الشَّافِعِيَّة ذَلِك فِي مَذْهَب الشَّافِعِي أَيْضا وَأَنه أولى من غَيره وَنحن نقُول كَانَ الإِمَام أَحْمد أَكْثَرهم علما بالأخبار وَعَملا بالآثار واقتفاء للسلف واكتفاء بهم دون الْخلف وَهُوَ من أَجلهم قدرا وذكرا وأرفعهم منزلَة وشكرا وأسدهم طَريقَة وأقومهم سطرا وأشهرهم ديانَة وصيانة وَأَمَانَة وأمرا وأعلمهم برا وبحرا قد اجْتمع لَهُ من الْعلم وَالْعَمَل وَالدّين والورع والاتباع وَالْجمع والاطلاع والرحلة وَالْحِفْظ والمعرفة والشهرة بذلك كُله وَنَحْوه مَا لم يجْتَمع مثله

стр. 73

لإِنْسَان وَأثْنى عَلَيْهِ أَئِمَّة الْأَمْصَار وَأهل الْأَعْصَار وَإِلَى الْآن وَاتَّفَقُوا على إِمَامَته وفضيلته واتباعه لمن مضى بِإِحْسَان وَأَنه إِمَام فِي سَائِر عُلُوم الدّين مَعَ الْإِكْثَار والإتقان وَكَانَ أولى بالاتباع وَأَحْرَى بالبعد عَن الابتداع وَقد صنف النَّاس فِي فضائله ومناقبه كتبا كَثِيره تدل على إِمَامَته ورجحانه على غَيره فَلذَلِك وَنَحْوه تعين الْوُقُوف بِبَابِهِ والانتماء إِلَيْهِ والاققتداء بِهِ والاهتداء بِنور صَوَابه والارتداء بهديه فِي وُرُوده وإيابه والاقتفاء لمطالبه وأسبابه والاكتفاء بِصُحْبَة أَصْحَابه وَلِأَن مذْهبه من أصح الْمذَاهب وأكمل وأوضح المناهج وأجمل لِكَثْرَة أَخذه لَهُ من الْكتاب وَالسّنة مَعَ مَعْرفَته بهما وبأقوال الْأَئِمَّة وأحوال سلف الْأمة وتطلعه على عُلُوم الاسلام وتطلعه من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة وَالْأَحْكَام وَدينه التَّام وَعَمله الْعَام وَالثنَاء عَلَيْهِ من أكَابِر الْعلمَاء وشهادتهم لَهُ بِالْإِمَامَةِ والتقدم على أَكثر القدماء وإطنابهم فِي مدحه وشكره وإسهابهم فِي نشر فَضله وَذكره وَلم يشكوا فِي صِحَة اعْتِقَاده وانتقاده وَأَن الصِّحَّة تحصل بإخباره والنفرة بإنكاره وَالْعبْرَة بإعتباره والخبرة بإختباره والخيرة لإختياره بل يرجعُونَ فِي دينهم إِلَيْهِ ويعولون عَلَيْهِ ويرضون بِمَا ينْسب إِلَيْهِ وَلَو كذب عَلَيْهِ فَللَّه الْحَمد إِذْ وفقنا لإتباع مذْهبه والإبتداء بتحصيله وَطَلَبه وللإنتهاء إِلَى الرضى بِهِ لصِحَّة مطلبه وَهَذَا وَأَمْثَاله قَلِيل من كثير ونقطة من بَحر غزير وَالْغَرَض الْحَث على

стр. 74

إتباعه وَمَعْرِفَة أَتْبَاعه فِي الْعُلُوم وإتساع بَاعه فَرضِي الله عَنهُ وأرضاه وَجَعَلنَا من أَتْبَاعه وحشرنا فِي زمرة أَتْبَاعه وَقد ذكرنَا جملَة من مناقبه وَكَلَام الْعلمَاء فِي مدحه وإمامته فِي كتب أُخْرَى وَلَو لم يقل فِيهِ النَّاس سوى مَا نذكرهُ الْآن لَكَانَ فِيهِ أبلغ غَايَة وأنهى نِهَايَة وَفِي بعضه كِفَايَة قَالَ الشَّافِعِي أَحْمد إِمَام فِي ثَمَان خِصَال إِمَام فِي الحَدِيث إِمَام فِي الْفِقْه إِمَام فِي الْقُرْآن إِمَام فِي اللُّغَة إِمَام فِي السّنة إِمَام فِي الزّهْد إِمَام فِي الْوَرع إِمَام فِي الْفقر وَقَالَ خرجت من بَغْدَاد وَمَا خلفت بهَا أورع وَلَا أتقى وَلَا أفقه وَلَا أعلم من أَحْمد ابْن حَنْبَل وَقَالَ لِأَحْمَد أَنْتُم أعلم منا بِالْحَدِيثِ فَإِذا كَانَ الحَدِيث كوفيا أَو شاميا فأعلموني حَتَّى أذهب إِلَيْهِ وَقَالَ كل مَا فِي كتبي حَدثنِي الثِّقَة فَهُوَ أَحْمد بن حَنْبَل وَقَالَ يحيى بن معِين وَالله مَا تَحت أَدِيم السَّمَاء أفقه من أَحْمد ابْن حَنْبَل لَيْسَ فِي شَرق وَلَا غرب مثله وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ رَأَيْت أَحْمد كَأَن الله قد جمع لَهُ علم الْأَوَّلين والآخرين من كل صنف يَقُول مَا شَاءَ ويدع مَا شَاءَ وعد الْأَئِمَّة وَقَالَ كَانَ أَحْمد أفقه الْقَوْم وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْخُتلِي كَانَ أَحْمد بن حَنْبَل إِذا سُئِلَ عَن الْمَسْأَلَة كَأَن علم الدُّنْيَا بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ الْخلال كَانَ أَحْمد بن حَنْبَل إِذا تكلم فِي الْفِقْه تكلم بِكَلَام رجل قد انتقد الْعلم فَتكلم على معرفَة

стр. 75

وَقَالَ أَحْمد بن سعيد مَا رَأَيْت أسود الرَّأْس أحفظ لحَدِيث رَسُول الله ﷺ وَلَا أعلم بفقهه ومعانيه من أَحْمد وَقَالَ عبد الرَّزَّاق مَا رَأَيْت أفقه من أَحْمد بن حَنْبَل وَلَا أورع وَمَا رَأَيْت مثله وَمَا قدم علينا مثله وَقَالَ أَبُو يَعْقُوب وَمَا رَحل إِلَى أحد بعد رَسُول الله ﷺ مَا رَحل إِلَى عبد الرَّزَّاق وَقَالَ أَبُو عبيد إنتهى الْعلم إِلَى أَرْبَعَة عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَيحيى بن معِين وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأحمد بن حَنْبَل وَكَانَ أَحْمد أفقههم فِيهِ وَقَالَ قُتَيْبَة بن سعيد لَو أدْرك أَحْمد عصر الثَّوْريّ وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَنظر إِلَيْهِم لَكَانَ هُوَ الْمُقدم وَقيل تقيس أَحْمد إِلَى التَّابِعين فَقَالَ إِلَى كبار التَّابِعين كسعيد بن الْمسيب وَسَعِيد ابْن جُبَير وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق إِمَامًا الدُّنْيَا وَقَالَ أَبُو بكر بن دَاوُد لم يكن فِي زمن أَحْمد مثله وَقَالَ عبد الْوَهَّاب الْوراق كَانَ أَحْمد أعلم أهل زَمَانه وَهُوَ من الراسخين فِي الْعلم وَمَا رَأَيْت مثله قَالَ وَقد أجَاب عَن سِتِّينَ ألف مَسْأَلَة بأخبرنا وَحدثنَا وَقَالَ أَبُو ثَوْر أجمع الْمُسلمُونَ على أَحْمد بن حَنْبَل وَقَالَ كنت إِذا رَأَيْته خيل إِلَيْك أَن الشَّرِيعَة لوح بَين عَيْنَيْهِ
следующие страницы →