Полный текст (112 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَحده أَو غَيرهم من السّلف دون غَيره وَإِن كَانُوا أعلم وَأَعْلَى دَرَجَة مِمَّن بعدهمْ مَعَ أَن قَول الصحابه عندنَا حجَّة فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ لأَنهم لم يتفرغوا لتدريس الْعلم وَضبط أُصُوله وفروعه وَلَيْسَ لأَحَدهم مَذْهَب مهذب مُحَرر مُقَرر مستوعب وَإِنَّمَا قَامَ بذلك من جَاءَ بعدهمْ من الْأَئِمَّة الناخلين لمذاهب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَغَيرهم القائمين بتمهيد أَحْكَام الوقائع قبل وُقُوعهَا الناهضين بإيضاح أُصُولهَا وفروعها وَمَعْرِفَة الْوِفَاق وَالْخلاف كَأبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وأصمد وأمثالهم فَإِن اتِّفَاقهم نعْمَة تَامَّة وَاخْتِلَافهمْ رَحْمَة عَامَّة
стр. 72
فصل
وَلما كَانَ من اللَّازِم الِالْتِزَام بِأَهْل الدّين وعلماء الشَّرِيعَة المبرزين وأكابر الْأَئِمَّة المتبعين المتبوعين والمشهورين من الْمُحَقِّقين المحقين المتدينين المتورعين والموفقين المسددين المرشدين وَكَانَ الإِمَام الْعَالم السالك الناسك الْكَامِل ابو عبد الله أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل ﵁ قد تَأَخّر عَن أَئِمَّة الْمذَاهب الْمَشْهُورَة وَنظر فِي مذاهبهم ومذاهب من قبلهم وأقاويلهم وسبرها وخبرها وانتقدها وَاخْتَارَ أرجحها وأصحها وَوجد من قبله قد كَفاهُ مُؤنَة التَّصْوِير والتأصيل وَالتَّفْصِيل فتفرغ للاختيار وَالتَّرْجِيح والتنقيح والتكميل وَالْإِشَارَة بَين الصَّحِيح مَعَ كَمَال آلَته وبراعته فِي الْعُلُوم الشرعيه وترجحه على من سبقه لما يَأْتِي ثمَّ لم يُوجد بعده من بلغ مَحَله فِي ذَلِك كَانَ مذْهبه أولى من غَيره بالاتباع والتقليد وَهَذَا طَرِيق الْإِنْصَاف والسلامة من الْقدح فِي بعض الْأَئِمَّة وَقد ادّعى الشَّافِعِيَّة ذَلِك فِي مَذْهَب الشَّافِعِي أَيْضا وَأَنه أولى من غَيره وَنحن نقُول كَانَ الإِمَام أَحْمد أَكْثَرهم علما بالأخبار وَعَملا بالآثار واقتفاء للسلف واكتفاء بهم دون الْخلف وَهُوَ من أَجلهم قدرا وذكرا وأرفعهم منزلَة وشكرا وأسدهم طَريقَة وأقومهم سطرا وأشهرهم ديانَة وصيانة وَأَمَانَة وأمرا وأعلمهم برا وبحرا قد اجْتمع لَهُ من الْعلم وَالْعَمَل وَالدّين والورع والاتباع وَالْجمع والاطلاع والرحلة وَالْحِفْظ والمعرفة والشهرة بذلك كُله وَنَحْوه مَا لم يجْتَمع مثله
стр. 73
لإِنْسَان وَأثْنى عَلَيْهِ أَئِمَّة الْأَمْصَار وَأهل الْأَعْصَار وَإِلَى الْآن وَاتَّفَقُوا على إِمَامَته وفضيلته واتباعه لمن مضى بِإِحْسَان وَأَنه إِمَام فِي سَائِر عُلُوم الدّين مَعَ الْإِكْثَار والإتقان وَكَانَ أولى بالاتباع وَأَحْرَى بالبعد عَن الابتداع وَقد صنف النَّاس فِي فضائله ومناقبه كتبا كَثِيره تدل على إِمَامَته ورجحانه على غَيره فَلذَلِك وَنَحْوه تعين الْوُقُوف بِبَابِهِ والانتماء إِلَيْهِ والاققتداء بِهِ والاهتداء بِنور صَوَابه والارتداء بهديه فِي وُرُوده وإيابه والاقتفاء لمطالبه وأسبابه والاكتفاء بِصُحْبَة أَصْحَابه وَلِأَن مذْهبه من أصح الْمذَاهب وأكمل وأوضح المناهج وأجمل لِكَثْرَة أَخذه لَهُ من الْكتاب وَالسّنة مَعَ مَعْرفَته بهما وبأقوال الْأَئِمَّة وأحوال سلف الْأمة وتطلعه على عُلُوم الاسلام وتطلعه من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة وَالْأَحْكَام وَدينه التَّام وَعَمله الْعَام وَالثنَاء عَلَيْهِ من أكَابِر الْعلمَاء وشهادتهم لَهُ بِالْإِمَامَةِ والتقدم على أَكثر القدماء وإطنابهم فِي مدحه وشكره وإسهابهم فِي نشر فَضله وَذكره وَلم يشكوا فِي صِحَة اعْتِقَاده وانتقاده وَأَن الصِّحَّة تحصل بإخباره والنفرة بإنكاره وَالْعبْرَة بإعتباره والخبرة بإختباره والخيرة لإختياره بل يرجعُونَ فِي دينهم إِلَيْهِ ويعولون عَلَيْهِ ويرضون بِمَا ينْسب إِلَيْهِ وَلَو كذب عَلَيْهِ فَللَّه الْحَمد إِذْ وفقنا لإتباع مذْهبه والإبتداء بتحصيله وَطَلَبه وللإنتهاء إِلَى الرضى بِهِ لصِحَّة مطلبه وَهَذَا وَأَمْثَاله قَلِيل من كثير ونقطة من بَحر غزير وَالْغَرَض الْحَث على
стр. 74
إتباعه وَمَعْرِفَة أَتْبَاعه فِي الْعُلُوم وإتساع بَاعه فَرضِي الله عَنهُ وأرضاه وَجَعَلنَا من أَتْبَاعه وحشرنا فِي زمرة أَتْبَاعه وَقد ذكرنَا جملَة من مناقبه وَكَلَام الْعلمَاء فِي مدحه وإمامته فِي كتب أُخْرَى وَلَو لم يقل فِيهِ النَّاس سوى مَا نذكرهُ الْآن لَكَانَ فِيهِ أبلغ غَايَة وأنهى نِهَايَة وَفِي بعضه كِفَايَة
قَالَ الشَّافِعِي أَحْمد إِمَام فِي ثَمَان خِصَال إِمَام فِي الحَدِيث إِمَام فِي الْفِقْه إِمَام فِي الْقُرْآن إِمَام فِي اللُّغَة إِمَام فِي السّنة إِمَام فِي الزّهْد إِمَام فِي الْوَرع إِمَام فِي الْفقر وَقَالَ خرجت من بَغْدَاد وَمَا خلفت بهَا أورع وَلَا أتقى وَلَا أفقه وَلَا أعلم من أَحْمد ابْن حَنْبَل وَقَالَ لِأَحْمَد أَنْتُم أعلم منا بِالْحَدِيثِ فَإِذا كَانَ الحَدِيث كوفيا أَو شاميا فأعلموني حَتَّى أذهب إِلَيْهِ وَقَالَ كل مَا فِي كتبي حَدثنِي الثِّقَة فَهُوَ أَحْمد بن حَنْبَل
وَقَالَ يحيى بن معِين وَالله مَا تَحت أَدِيم السَّمَاء أفقه من أَحْمد ابْن حَنْبَل لَيْسَ فِي شَرق وَلَا غرب مثله
وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ رَأَيْت أَحْمد كَأَن الله قد جمع لَهُ علم الْأَوَّلين والآخرين من كل صنف يَقُول مَا شَاءَ ويدع مَا شَاءَ وعد الْأَئِمَّة وَقَالَ كَانَ أَحْمد أفقه الْقَوْم
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْخُتلِي كَانَ أَحْمد بن حَنْبَل إِذا سُئِلَ عَن الْمَسْأَلَة كَأَن علم الدُّنْيَا بَين عَيْنَيْهِ
وَقَالَ الْخلال كَانَ أَحْمد بن حَنْبَل إِذا تكلم فِي الْفِقْه تكلم بِكَلَام رجل قد انتقد الْعلم فَتكلم على معرفَة
стр. 75
وَقَالَ أَحْمد بن سعيد مَا رَأَيْت أسود الرَّأْس أحفظ لحَدِيث رَسُول الله ﷺ وَلَا أعلم بفقهه ومعانيه من أَحْمد
وَقَالَ عبد الرَّزَّاق مَا رَأَيْت أفقه من أَحْمد بن حَنْبَل وَلَا أورع وَمَا رَأَيْت مثله وَمَا قدم علينا مثله
وَقَالَ أَبُو يَعْقُوب وَمَا رَحل إِلَى أحد بعد رَسُول الله ﷺ مَا رَحل إِلَى عبد الرَّزَّاق
وَقَالَ أَبُو عبيد إنتهى الْعلم إِلَى أَرْبَعَة عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَيحيى بن معِين وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأحمد بن حَنْبَل وَكَانَ أَحْمد أفقههم فِيهِ
وَقَالَ قُتَيْبَة بن سعيد لَو أدْرك أَحْمد عصر الثَّوْريّ وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَنظر إِلَيْهِم لَكَانَ هُوَ الْمُقدم وَقيل تقيس أَحْمد إِلَى التَّابِعين فَقَالَ إِلَى كبار التَّابِعين كسعيد بن الْمسيب وَسَعِيد ابْن جُبَير وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق إِمَامًا الدُّنْيَا
وَقَالَ أَبُو بكر بن دَاوُد لم يكن فِي زمن أَحْمد مثله وَقَالَ عبد الْوَهَّاب الْوراق كَانَ أَحْمد أعلم أهل زَمَانه وَهُوَ من الراسخين فِي الْعلم وَمَا رَأَيْت مثله قَالَ وَقد أجَاب عَن سِتِّينَ ألف مَسْأَلَة بأخبرنا وَحدثنَا وَقَالَ أَبُو ثَوْر أجمع الْمُسلمُونَ على أَحْمد بن حَنْبَل وَقَالَ كنت إِذا رَأَيْته خيل إِلَيْك أَن الشَّرِيعَة لوح بَين عَيْنَيْهِ
стр. 76
وَقَالَ إِسْحَق أَنا أَقيس أَحْمد إِلَى كبار التَّابِعين كسعيد بن الْمسيب وَسَعِيد بن جُبَير وَهُوَ حجَّة بَين الله وَبَين عبيده فِي أرضه وَلَا يدْرك فَضله
وَقَالَ ابْن مهْدي لقد كَاد هَذَا الْغُلَام أَن يكون إِمَامًا فِي بطن أمه
وَقَالَ أَبُو زرْعَة كَانَ أَحْمد يحفظ ألف ألف حَدِيث قيل وَمَا يدْريك قَالَ ذاكرته فَأخذت عَلَيْهِ الْأَبْوَاب وَقَالَ حزرنا استشهادات أَحْمد فِي الْعُلُوم فوجدناه يحفظ سَبْعمِائة ألف حَدِيث فِيمَا يتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ وَقَالَ مَا اعْلَم فِي أَصْحَابنَا أسود الرَّأْس أفقه مِنْهُ وَمَا رَأَيْت أكمل مِنْهُ اجْتمع فِيهِ فقه وزهدو أَشْيَاء كَثِيرَة وَمَا رَأَيْت مثله فِي فنون الْعلم وَالْفِقْه والزهد والمعرفة وكل خير وَهُوَ أحفظ مني وَمَا رَأَيْت من الْمَشَايِخ الْمُحدثين أحفظ مِنْهُ
وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد كَانَ أبي يذاكر بألفي ألف حَدِيث وَقَالَ مهنا مَا رَأَيْت أجمع لكل خير من أَحْمد وَمَا رَأَيْت مثله فِي عمله وفقهه وزهده وورعه
وَقَالَ الْهَيْثَم بن جميل إِن عَاشَ هَذَا الْفَتى سَيكون حجَّة على أهل زَمَانه
وَقَالَ أَحْمد رحلت فِي طلب الْعلم وَالسّنة إِلَى الثغور والشامات والسواحل وَالْمغْرب والجزائر وَمَكَّة وَالْمَدينَة والحجاز واليمن والعراقين جَمِيعًا وَفَارِس وخراسان وَالْجِبَال والأطراف ثمَّ عدت
стр. 77
إِلَى بَغْدَاد وَقَالَ اسْتَفَادَ منا الشَّافِعِي أَكثر مِمَّا استفدنا مِنْهُ
وَقَالَ أَبُو الْوَفَاء عَليّ بن عقيل قد خرج عَن أَحْمد إختيارات بناها على الْأَحَادِيث بِنَاء لايعرفه أَكْثَرهم وَخرج عَنهُ من دَقِيق الْفِقْه مَا لَيْسَ نرَاهُ لأحد مِنْهُم وَانْفَرَدَ بِمَا سلموه لَهُ من الْحِفْظ وشاد لَهُم وَرُبمَا زَاد على كبارهم وَله التصانيف الْكَثِيرَة مِنْهَا الْمسند وَهُوَ بِزِيَادَة ابْنه عبد الله أَرْبَعُونَ ألف حَدِيث إِلَّا أَرْبَعِينَ حَدِيثا وَمِنْهَا التَّفْسِير وَهُوَ مائَة ألف وَعِشْرُونَ ألفا وَقيل بل مائَة ألف وَخَمْسُونَ ألفا وَمِنْهَا الزّهْد وَهُوَ نَحْو مائَة جُزْء وَمِنْهَا النَّاسِخ والمنسوخ وَمِنْهَا الْمُقدم والمؤخر فِي الْقُرْآن وجوابات أسئلة وَمِنْهَا المنسك الْكَبِير والمنسك الصَّغِير وَالصِّيَام والفرائض وَحَدِيث شُعْبَة وفضائل الصَّحَابَة وفضائل أبي بكر وفضائل الْحسن وَالْحُسَيْن والتاريخ والأسماء والكنى والرسالة فِي الصَّلَاة ورسائل فِي السّنة والأشربة وَطَاعَة الرَّسُول ﷺ وَالرَّدّ على الزَّنَادِقَة والجهمية وَأهل الْأَهْوَاء فِي متشابه الْقُرْآن وَغير ذَلِك كثير ومشايخه أَعْيَان السّلف وأئمة الْخلف وَأَصْحَابه خلق كثير قَالَ الشريف أَبُو جَعْفَر الْهَاشِمِي لَا يحصيهم عدد وَلَا يحويهم بلد ولعلهم مائَة ألف أَو يزِيدُونَ وروى الْفِقْه عَنهُ أَكثر من مِائَتي نفس أَكْثَرهم أَئِمَّة أَصْحَاب
стр. 78
تصانيف وروى عَنهُ الحَدِيث أكَابِر مشايخه كَعبد الرَّزَّاق وَابْن عَلَيْهِ وَابْن مهْدي ووكيع وقتيبة ومعروف الْكَرْخِي وَابْن الْمَدِينِيّ وَخلق غَيرهم وَمَا من مَسْأَلَة فِي الْفُرُوع وَالْأُصُول إِلَّا لَهُ فِيهَا قَول أَو أَكثر نصا أَو إِيمَاء وَهُوَ من ولد شَيبَان بن ذهل لَا من ولد ذهل بن شَيبَان يلتقي نسبه بِنسَب رَسُول الله ﷺ فِي نزار
فصل
إِذا اخْتلف على المستفتي فتيا مفتيين فَأكْثر فَفِيهِ مَذَاهِب الأول أَنه يَأْخُذ بأشدها وأغلظها فَيَأْخُذ بالحظر دون الْإِبَاحَة وَغَيرهَا لِأَنَّهُ أحوط وَلِأَن الْحق ثقيل مري وَالْبَاطِل خَفِيف وَبِي وَالثَّانِي أَن يَأْخُذ بأخفها لقَوْله تَعَالَى ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ وَقَوله ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ وَقَوله ﴿يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم﴾ وَلِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ بعثت بالحنيفية السمحة السهلة وَقَالَ أَيْضا أَن الله يحب أَن يُؤْخَذ بِرُخصِهِ كَمَا يحب أَن تُؤْتى عَزَائِمه وَالثَّالِث يجْتَهد فِي الأوثق فَيَأْخُذ بفتوى الأعلم الأورع فَإِن كَانَ أَحدهمَا أعلم وَالْآخر
стр. 79
أورع فمذهبان كَمَا سبق وَالرَّابِع يسْأَل مفتيا آخر فَيعْمل بفتوى من يُوَافقهُ للتعاضد كتعدد الْأَدِلَّة والرواة لزِيَادَة غَلَبَة الظَّن وَالْخَامِس يتَخَيَّر فَيَأْخُذ بقول أَيهمَا شَاءَ مُطلقًا وَقيل إِذا تساوى المفتيان عِنْده فَإِن ترجح أَحدهمَا تعين قَوْله وَقيل عَلَيْهِ أَن يجْتَهد ويبحث عَن أرجح الْقَوْلَيْنِ وَإِن كَانَ قَائِله مرجوحا فَإِنَّهُ حكم التَّعَارُض وَقد وَقع وَلَيْسَ كالترجيح الْمُخْتَلف فِيهِ عِنْد الاستفتاء فليبحث إِذن عَن الأوثق من المفتيين فَيعْمل بفتياه فَإِن لم يتَرَجَّح أَحدهمَا عِنْده استفتى الآخر وَعمل بفتوى من وَافقه الآخر كَمَا سبق فَإِن تعذر ذَلِك وَكَانَ اخْتِلَافهمَا فِي الْحَظْر وَالْإِبَاحَة وَقبل الْعَمَل اخْتَار جَانب الْحَظْر وَالتّرْك فَإِنَّهُ أحوط وَإِن تَسَاويا من كل وَجه تخير بَينهمَا كَمَا سبق وَإِن منعناه التَّخْيِير فِي غَيره لِأَنَّهُ ضَرُورَة وَفِي صُورَة نادرة ثمَّ إِنَّمَا نخاطب بِمَا ذَكرْنَاهُ المفتيين والمقلدين لَهما أَو يسْأَل مفتيا آخر وَقد أرشدنا الْمُفْتِي إِلَى مَا يجِيبه بِهِ فِي ذَلِك وَهَذَا يجمع محَاسِن الْوُجُوه الْمَذْكُورَة مَعَ التَّحْقِيق
فصل
إِذا سمع المستفتي جَوَاب الْمُفْتِي لم يلْزمه الْعَمَل بِهِ إِلَّا بإلتزامه وَيجوز أَن يُقَال إِنَّه يلْزمه إِذا أَخذ فِي الْعَمَل بِهِ وَقيل يلْزمه إِذا وَقع فِي نَفسه صِحَّته وَأَنه حق وَهَذَا أولى الْأَوْجه وَإِن أفتاه بِمَا هُوَ مُخْتَلف فِيهِ خير بَين أَن يقبل مِنْهُ أَو من غَيره
стр. 80
سُئِلَ الإِمَام أَحْمد عَن مَسْأَلَة فِي الطَّلَاق فَقَالَ إِذا فعله يَحْنَث فَقَالَ لَهُ السَّائِل إِن أفتاني أحد بِأَنَّهُ لَا يخنث يَعْنِي يَصح فَقَالَ نعم ودله على من يفتيه بذلك وَالْأَقْرَب أَنه يلْزمه الِاجْتِهَاد فِي أَعْيَان الْمُفْتِينَ وَيلْزمهُ الْأَخْذ بِفُتْيَا من اخْتَارَهُ وَرجحه بِاجْتِهَادِهِ وَلَا يجب تخييره وَالَّذِي تَقْتَضِيه الْقَوَاعِد أَن نقُول إِذا أفتاه الْمُفْتِي فَإِن لم يجد مفتيا آخر لزمَه الْأَخْذ بفتياه وَلَا يتَوَقَّف ذَلِك على الْتِزَامه لَا فِي الْأَخْذ بِالْعَمَلِ بِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ وَلَا يتَوَقَّف أَيْضا على سُكُون نَفسه إِلَى صِحَّته فِي نفس الْأَمر فَإِن استبان أَن الَّذِي أفتاه هُوَ الأعلم الأوثق لزمَه مَا أفتاه بِهِ بِنَاء على الْأَصَح فِي تعينه كَمَا سبق وَإِن لم يتَبَيَّن ذَلِك لَهُ لم يلْزمه مَا أفتاه بِهِ بِمُجَرَّد إفتائه إِذْ يجوز لَهُ إستفتاء غَيره وتقليده وَلَا يعلم اتِّفَاقهمَا فِي الْفَتْوَى فَإِن وجد الآتفاق أَو حكم بِهِ عَلَيْهِ حَاكم لزمَه حِينَئِذٍ
فصل
وَإِذا استفتى فأفتي ثمَّ حدثت تِلْكَ الْحَادِثَة لَهُ مرّة أُخْرَى فَهَل يلْزمه تَجْدِيد السُّؤَال فِيهِ مذهبان وَلنَا وَجْهَان أَحدهمَا يلْزمه لجَوَاز تغير رَأْي الْمُفْتِي وَالثَّانِي لَا يلْزمه لِأَنَّهُ قد عرف الحكم وَالْأَصْل اسْتِمْرَار الْمُفْتِي عَلَيْهِ وَقيل الْخلاف فِيمَا إِذا قلد حَيا وَإِن كَانَ خَبرا عَن ميت لم يلْزمه وَفِيه ضعف لِأَن الْمُفْتِي على مَذْهَب الْمَيِّت قد يتَغَيَّر جَوَابه على مذْهبه
стр. 81
فصل
وَيجوز لَهُ الِاعْتِمَاد على خطّ الْمُفْتِي إِذا أخبرهُ من يَثِق بقوله إِنَّه خطه أَو كَانَ يعرف خطه وَلم يتشكك فِي كَون ذَلِك الْجَواب بِخَطِّهِ
وَله أَن يستفتي بِنَفسِهِ وَأَن ينفذ ثِقَة يقبل خَبره فيستفتي لَهُ
فصل
يَنْبَغِي للمستفتي التأدب مَعَ الْمُفْتِي وَأَن يجله فِي خطابه وسؤاله وَنَحْو ذَلِك فَلَا يُومِئ بِيَدِهِ فِي وَجهه وَلَا يقل لَهُ مَا تحفظ فِي كَذَا وَكَذَا أَو مَا مَذْهَب إمامك فِيهِ وَلَا يقل إِذا أَجَابَهُ وَهَكَذَا قلت أَنا أَو كَذَا وَقع لي وَلَا يقل لَهُ أفتاني فلَان أَو أفتاني غَيْرك بِكَذَا وَكَذَا وَلَا يقل إِذا استفتي فِي رقْعَة إِن كَانَ جوابك مُوَافقا لمن أجَاب فِيهَا فاكتبه وَإِلَّا فَلَا تكتبه وَلَا يسْأَل وَهُوَ قَائِم أَو مستوفز أَو على حَالَة ضجر أَو هم أَو غير ذَلِك مِمَّا يشغل الْقلب وَيبدأ بالأسن الأعلم من المفتيين وبالأولى فَالْأولى على مَا سبق بَيَانه وَقيل إِذا أَرَادَ جمع الجوابات فِي رقْعَة قدم الأسن والأعلم وَإِذا أَرَادَ إِفْرَاد الجوابات فِي رقاع يُبَالِي بِأَيِّهِمْ بَدَأَ
فصل
يَنْبَغِي أَن تكون رقْعَة الاستفتاء وَاسِعَة ليتَمَكَّن الْمُفْتِي من اسْتِيفَاء الْجَواب وَأَنه إِذا ضَاقَ الْبيَاض اختصر فأضر ذَلِك بالسائل وَلَا يدع الدُّعَاء فِيهَا لمن يُفْتِي إِمَّا خَاصّا إِن خص وَاحِدًا باستفتائه
стр. 82
وَإِمَّا عَاما إِن استفتى الْفُقَهَاء مُطلقًا وَاخْتَارَ بَعضهم أَن بَعضهم أَن يدْفع الرقعة إِلَى الْمُفْتِي منشورة وَلَا يحوجه إِلَى نشرها ويأخذها من يَده إِذا أُفْتِي وَلَا يحوجه إِلَى طيها وَيكون كَاتب الاستفتاء يحسن الْجَواب ويضعه على الْغَرَض كَمَا يحسن إبانة اللَّفْظ والخط وصيانتهما عَمَّا يتَعَرَّض للتصحيف وَيكون كاتبها عَالما وَكَانَ بعض الرؤساء لَا يُفْتِي إِلَّا فِي رقْعَة كتبهَا رجل بِعَيْنِه من عُلَمَاء بَلَده
فصل
لَا يَنْبَغِي لعامي أَن يُطَالب الْمُفْتِي بِالْحجَّةِ فِيمَا أفتاه بِهِ وَلَا يَقُول لَهُ لم وَلَا كَيفَ فَإِن أحب أَن يسكن نَفسه بِسَمَاع الْحجَّة فِي ذَلِك سَأَلَ عَنْهَا فِي مجْلِس آخر وَفِي ذَلِك الْمجْلس بعد قبُول الْفَتْوَى مُجَرّدَة عَن الْحجَّة وَقيل لَهُ أَن يُطَالب الْمُفْتِي بِالدَّلِيلِ لأجل احتياطه لنَفسِهِ وانه يلْزمه أَن يذكر الدَّلِيل إِن كَانَ قَطْعِيا وَلَا يلْزمه ذَلِك إِن كَانَ ظنيا لافتقاره إِلَى إجتهاد يقصر عَنهُ الْعَاميّ ﷺ َ - بَاب ﷺ َ -
فِي معرفَة أَلْفَاظ إمامنا أَحْمد وَسَائِر أَقْوَاله وأفعاله واجتهاداته وأحواله فِي حركاته وسكناته وعَلى أَي وَجه يحملهَا الْأَصْحَاب لما علم من دينه وتحريه فِي ذَلِك إِذْ رُبمَا حمل ذَلِك أحد على غير
стр. 83
مُرَاده فَإِذا ذكرنَا الْغَرَض تساوى فِي معرفَة المُرَاد مِنْهُ كل مِنْهُ ينظر فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَلِأَن مذْهبه غَالِبا إِنَّمَا أَخذ من فَتَاوِيهِ وأجوبته وَسَائِر أَحْوَاله لَا من تصنيف قصد بِهِ ذَلِك وبالكلام فِي ذَلِك يعرف مُرَاد أَكثر الْأَئِمَّة بأقوالهم وأفعالهم وَسَائِر أَحْوَالهم وَسَيَأْتِي الْكَلَام على التَّأْلِيف وَنَحْوه فِي بَاب آخر إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فصل
وألفاظ الإِمَام أَحْمد ﵁ على أَرْبَعَة أَقسَام
الْقسم الأول صَرِيح لَا يحْتَمل تَأْوِيلا وَلَا معَارض لَهُ فَهُوَ مذْهبه فَإِن رَجَعَ عَنهُ صَرِيحًا كَقَوْلِه كنت أَقُول الْأَقْرَاء الْأَطْهَار وَإِن الْمُتَيَمم لَا يخرج إِذا رأى المَاء فِي الصَّلَاة وَإِن زَوْجَة الْمَفْقُود تَتَرَبَّص أَربع سِنِين وَنَحْو ذَلِك أَو قَالَه عَنهُ قَدِيما أَصْحَابه الَّذين يخبرون أَقْوَاله وأفعاله وأحواله فَلَا وَقيل بلَى وَيسْتَمر عَلَيْهِ الْمُقَلّد حَيْثُ كَانَ الإِمَام قَالَه بِدَلِيل لَا سِيمَا إِن قُلْنَا لَا يلْزم الْمُجْتَهد تَجْدِيد الِاجْتِهَاد بتجدد الْحَادِثَة لَهُ
ثَانِيًا وَلَا أَن يعلم من قَلّدهُ بِتَغَيُّر اجْتِهَاده وَلَا رُجُوع الْمُقَلّد إِلَى اجْتِهَاده الثَّانِي قبل علمه بِالْأولِ وَلَا تَجْدِيد السُّؤَال بتجدد حادثته لَهُ ثَانِيًا
فصل
فَإِن نقل عَنهُ فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة قَولَانِ مُخْتَلِفَانِ وَلم يُصَرح هُوَ وَلَا غَيره بِرُجُوعِهِ عَنهُ فَإِن أمكن الْجمع بَينهمَا بحملهما على اخْتِلَاف
стр. 84
حَالين أَو محلين أَو بِحمْل عامهما على خاصهما ومطلقهما على مقيدهما على الْأَصَح فيهمَا
اخْتَارَهُ ابْن حَامِد فَكل وَاحِد مِنْهُمَا مذْهبه وَقد نقل عَنهُ فِي التَّيَمُّم بالرمل رِوَايَتَانِ
حمل القَاضِي الْجَوَاز على رمل لَهُ غُبَار وَالْمَنْع على رمل لَا غُبَار لَهُ وَنقل عَنهُ الْقطع فِيمَا قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم وَأَنه لَا يقطع فِي الطَّائِر يُرِيد إِن نقص عَن ثَلَاثَة دَرَاهِم وَإِن تعذر الْجمع بَينهمَا وَعلم التَّارِيخ فَالثَّانِي مذْهبه
إختاره الْخلال وَصَاحبه وَقيل وَالْأول أَيْضا لَا على التَّخْيِير وَلَا التَّعَاقُب وَلَا على الْجمع فِي حق شخص وَاحِد فِي وَاقعَة وَاحِدَة من مفت وَاحِد فِي حَالَة وَاحِدَة
إختاره ابْن حَامِد وَغَيره لما سبق كمن صلى صَلَاتَيْنِ بإجتهادين إِلَى جِهَتَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ وَلم يبن لَهُ الْخَطَأ جزما وَفِي أَيهمَا تبعه من قَلّدهُ لم يكن خَارِجا عَمَّا ذهب إِلَيْهِ تَارَة بِدَلِيل لم يقطع بِخِلَافِهِ وَلمن قَلّدهُ أَيْضا أَن يسْتَمر إِذن على القَوْل الأول الَّذِي عمل بِهِ وَلَا يتَغَيَّر عَنهُ بِتَغَيُّر اجْتِهَاد من قَلّدهُ فِيهِ فِي الأقيس وَيجوز التَّخْرِيج مِنْهُ والتفريع وَالْقِيَاس إِن قُلْنَا مَا قيس على كَلَامه مَذْهَب لَهُ وَإِلَّا فَلَا وَإِن قُلْنَا يلْزم الْمُجْتَهد تَجْدِيد اجْتِهَاده فِيمَا أفتى بِهِ لتجدد الْحَادِثَة ثَانِيًا وإعلام الْمُقَلّد لَهُ بِتَغَيُّر اجْتِهَاده فِيمَا أفتاه بِهِ ليرْجع
стр. 85
عَنهُ وَإِن من قَلّدهُ يلْزمه تَجْدِيد السُّؤَال بتجدد الْحَادِثَة لَهُ ثَانِيًا وَأَنه يلْزمه الْعَمَل بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي لم يكن القَوْل الأول مذهبا لَهُ وَلَا يعْمل بِهِ من قَلّدهُ وَإِن كَانَ عمل بِهِ لم يسْتَمر عَلَيْهِ إِذن فَلَو كَانَ الْمُفْتِي فِي صَلَاة فدار لتغير اجْتِهَاده فِي الْقبْلَة تبعه إِذن من قَلّدهُ فِي الأول وَإِلَّا فَلَا وَإِن جهل التَّارِيخ فمذهبه أقربهما من كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع أَو أثر أَو قَوَاعِد الإِمَام أَو عوائده ومقاصده وأصوله وتصرفاته كمذهبه فِيمَا اخْتلف من أَقْوَال النَّبِي ﷺ وَتعذر الْجمع والنسخ أَو أَقْوَال الصَّحَابَة أَو أحدهم إِذا تعذر الْجمع فَإِنَّهُ يعْمل بالأشبه مِنْهَا بِالْكتاب أَو السّنة أَو اتِّفَاق الْأمة أَو أَقْوَال الْأَئِمَّة
وَقد أَشَارَ أَبُو الْخطاب وَغَيره إِلَى ذَلِك وَنَحْوه وَقلت إِن جعلنَا أول قوليه فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة مذهبا لَهُ مَعَ معرفَة التَّارِيخ فَمَعَ الْجَهْل بِهِ أولى لجَوَاز تَأْخِير الرَّاجِح مِنْهُمَا فَيكون كآخر قوليه فِيمَا ذكرنَا وَإِن لم يَجْعَل أَولهمَا ثمَّ ذَهَبا لَهُ احْتمل هَذَا الْوَقْف لاحْتِمَال تَقْدِيم أرجحهما وَإِن تَسَاويا فالوقف أولى قلت وَيحْتَمل التَّخْيِير والتساقط وَإِن اتَّحد حكم الْقَوْلَيْنِ دون الْفِعْل كإخراج الحقاق أَو بَنَات اللَّبُون عَن مِائَتي بعير وكل وَاجِب موسع أَو مُخَيّر خير الْمُجْتَهد بَينهمَا وَله أَن يُخَيّر الْمُقَلّد لَهُ إِن لم يكن حَاكما وَإِن منعنَا تعادل الإمارات وَهُوَ الظَّاهِر عَن الإِمَام أَحْمد فَلَا وقف وَلَا تَخْيِير وَلَا تساقط وَإِن جهل تَارِيخ أَحدهمَا فَهُوَ كَمَا لَو جهل تاريخهما وَيحْتَمل الْوَقْف
стр. 86
فصل
وَمَا قيس على كَلَامه فَهُوَ مذْهبه
اخْتَارَهُ الْأَثْرَم والخرقي وَابْن حَامِد وَقيل لَا
اخْتَارَهُ الْخلال وَصَاحبه وَقيل إِن جَازَ تَخْصِيص الْعلَّة وَإِلَّا فَلَا وَقلت إِن نَص الإِمَام على علته أَو أَوْمَأ إِلَيْهَا كَانَ مذهبا لَهُ وَإِلَّا فَلَا إِلَّا أَن تشهد أَقْوَاله وأفعاله أَو أَحْوَاله لِلْعِلَّةِ المستنبطة بِالصِّحَّةِ وَالتَّعْيِين
فصل
وَإِذا قُلْنَا مَا قيس على كَلَامه مذْهبه فَأفْتى فِي مَسْأَلَتَيْنِ متشابهتين بحكمين مُخْتَلفين فِي وَقْتَيْنِ كَقَوْلِه فِي الْيَمين بِالْعِتْقِ إِنَّهَا تنْحَل بِزَوَال الْملك وَقَوله فِي الْيَمين بِالطَّلَاق لَا تنْحَل بِزَوَال الْملك جَازَ نقل الحكم وتخريجه من إِحْدَاهمَا إِلَى الْأُخْرَى فِي أحد الْوَجْهَيْنِ لإتحاد مَعْنَاهُمَا أَو تقاربه وَالثَّانِي الْمَنْع اخْتَارَهُ أَبُو الْخطاب وَأَبُو مُحَمَّد الْمَقْدِسِي لِأَن الْجمع عِنْد الإِمَام مظنون فَهُوَ كَمَا لَو فرق بَينهمَا صَرِيحًا أَو منع النَّقْل والتخريج أَو قرب الزَّمن بِحَيْثُ يظنّ أَنه ذَاكر حكم الأولة حِين أفتى بِالثَّانِيَةِ وَلَا يجوز نقل الحكم وَلَا تَخْرِيجه لِأَنَّهُ لَوْلَا ظُهُور دَلِيل الحكم الثَّانِي لَهُ وَبَيَان الْفَارِق فِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة مَعَ ذكره نظيرتها ودليلها لما أفتى بِهِ بل سوى
стр. 87
بَينهمَا وَلَعَلَّه ظهر لنا مَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَة وَظهر لَهُ وَحده فرق لِأَن نَصه فِي كل مَسْأَلَة يمْنَع الْأَخْذ بِغَيْرِهِ فِيهَا وَإِن كَانَ بعيد الْعَهْد بِالْمَسْأَلَة الأولى ودليلها وَمَا قَالَه فِيهَا احْتمل التَّسْوِيَة عِنْده فننقل نَحن حكم الثَّانِيَة إِلَى الأولى فِي الأقيس وَلَا ننقل حكم الأولى إِلَى الثَّانِيَة إِلَّا أَن نجْعَل أول قَوْله فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة مذهبا لَهُ مَعَ معرفَة التَّارِيخ وَإِن جهل التَّارِيخ جَازَ نقل حكم أقربهما من كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع أَو أثر أَو قَوَاعِد الإِمَام وأصوله إِلَى الْأُخْرَى فِي الأقيس وَلَا عكس إِلَّا أَن نجْعَل أول قوليه فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة مذهبا مَعَ معرفَة التَّارِيخ فننقل حكم المرجوحة من الراجحة وَأولى لجَوَاز كَونهَا الْأَخِيرَة دون الراجحة فَأَما من هُوَ أهل للنَّظَر فِي مثل هَذِه الْأَشْيَاء غير مقلد فِيهَا فَلهُ التَّخْرِيج وَالنَّقْل بِحَسب مَا يظْهر لَهُ وَإِذا أفْضى النَّقْل والتخريج إِلَى خرق إِجْمَاع أَو رفع مَا أتفق عَلَيْهِ الجم الْغَفِير من الْعلمَاء أَو عَارضه نَص كتاب أَو سنة لم يجز الْقسم الثَّانِي ظَاهر يجوز تَأْوِيله بِدَلِيل أقوى مِنْهُ فَإِذا لم يُعَارضهُ أقوى مِنْهُ وَلم يكن لَهُ مَانع شَرْعِي أَو لغَوِيّ أَو عرفي
стр. 88
فَهُوَ مذْهبه الْقسم الثَّالِث الْمُجْمل الْمُحْتَاج إِلَى بَيَان الْقسم الرَّابِع مَا دلّ سِيَاق كَلَامه عَلَيْهِ وقوته وإيماؤه وتنبيهه
فصل
فَإِن قَالَ هَذَا لَا يَنْبَغِي أَو لَا يصلح فَهُوَ للتَّحْرِيم عِنْد أَصْحَابنَا لِأَن النَّبِي ﷺ لبس فروجا من حَرِير أَي قبَاء ثمَّ نَزعه نزعا كريها وَقَالَ إِن هَذَا لَا يَنْبَغِي لِلْمُتقين وَلِأَنَّهُ أحوط فَتعين وَلَعَلَّه قَالَ بعد ذَلِك هَذَانِ حرَام على ذُكُور أمتِي حل لإناثها وَكَانَ توكيد التَّحْرِيم السَّابِق إِذْ لَو كَانَ تَحْرِيمه سَابِقًا لم يلْبسهُ وَلَو كَانَ مُبَاحا لم يَنْزعهُ نزعا كريها وَيَقُول مَا قَالَه وَلِأَنَّهُ ﷺ قَالَ إِن صَلَاتنَا هَذِه لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس إِنَّمَا هِيَ التَّكْبِير وَالتَّسْبِيح وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَلِهَذَا قَالَ إِن الله يحدث من أمره مَا شَاءَ وَإِن مِمَّا أحدث أَلا تكلمُوا فِي الصَّلَاة
стр. 89
فصل
وَقَول الإِمَام أَحْمد لَا بَأْس بِكَذَا وَأَرْجُو أَن لَا بَأْس بِهِ للْإِبَاحَة وفَاقا لقَوْله ﵇ لَا بَأْس بمسك الْميتَة إِذا دبغ وصوفها وشعرها إِذا غسل
فصل
وَقَول أَحْمد أخْشَى أَو أَخَاف أَن يكون كَذَا أَو أَن يكون كَذَا كَقَوْلِه يجوز أَو لَا يجوز
اخْتَارَهُ ابْن حَامِد وَالْقَاضِي كَقَوْل أَحْمد فِي الْجَمَاعَة أخْشَى أَن تكون فَرِيضَة وَفِي إِخْرَاج الْقيمَة فِي الزَّكَاة أخْشَى أَن لَا يُجزئهُ وَقَوله فِي الطَّلَاق إِذا أخبر بِهِ وَهُوَ كَاذِب أخْشَى أَن يكون وَقع وَالْكل على ظَاهره عندنَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَقُولُونَ نخشى أَن تصيبنا دَائِرَة﴾ وَقَوله ﴿إِنِّي أَخَاف إِن عصيت رَبِّي عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ وَقيل
стр. 90
هما للْوَقْف وَالشَّكّ كَقَوْل أَحْمد فِي الْحل عَليّ حرَام يَعْنِي بِهِ الطَّلَاق أخْشَى أَن يكون ثَلَاثًا وَفِيه بعد لِأَن هَذِه الْأَلْفَاظ تسْتَعْمل عرفا غَالِبا فِي الإمتناع من فعل شَيْء خوف الضَّرَر مِنْهُ وَحَيْثُ امْتنع من الْفَتْوَى إِنَّمَا كَانَ تَخْفِيفًا على النَّاس
فصل
وَقَول أَحْمد أحب كَذَا للنَّدْب عِنْد أَصْحَابنَا كَقَوْل أَحْمد يذبح إِلَى الْقبْلَة أحب إِلَيّ وَيذْهب إِلَى الْجُمُعَة مَاشِيا أحب إِلَيّ وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ إِن الله يحب العطاس وَيكرهُ التثاؤب وَقَالَ إِن أحب الْأَعْمَال إِلَى الله أدومها وَإِن قل والمحبوب مَنْدُوب وَقَالَ ابْن حَامِد للْوُجُوب كَقَوْل أَحْمد فِي اثْنَيْنِ قطعا يدا أحب إِلَيّ أَن يقطعا وَعِنْده تُؤْخَذ الْيَد بِالْيَدِ وَالنَّفس بِالنَّفسِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أستحب من الْمذَاهب كَذَا وَلِأَنَّهُ أحوط وكذالوجهان فِي قَول أَحْمد هَذَا حسن أَو أحسن أَو أستحسن كَذَا اوفي قَوْله يُعجبنِي كَذَا أوهو أحب إِلَيّ وَقَالَ ابْن حَامِد إِذا اسْتحْسنَ شَيْئا أَو قَالَ هُوَ حسن فَهُوَ للنَّدْب لِأَنَّهُ الْمُتَيَقن وَإِن قَالَ يُعجبنِي فَهُوَ للْوُجُوب لِأَنَّهُ أحوط
стр. 91
فصل
وَقَول أَحْمد أكره كَذَا أَو لَا يُعجبنِي للتنزيه فِي أحد الْوَجْهَيْنِ إِن لم يحرم وَقيل ذَلِك كَقَوْلِه أكره النفخ فِي الطَّعَام وإدمان اللَّحْم وَالْخبْز الْكِبَار لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِن كره الله انبعاثهم فَثَبَّطَهُمْ﴾ الْآيَة وَقَول النَّبِي ﷺ إِن الله يحب معالي الْأُمُور وَيكرهُ سفسافها وَقيل بل للتَّحْرِيم
أختاره الْخلال وَصَاحبه وَابْن ماجد كَقَوْل أَحْمد أكره الْمُتْعَة وَالصَّلَاة فِي الْمَقَابِر وَكَقَوْلِه هَذَا قَبِيح أَو أَنا أستقبحه أَو لَا أرَاهُ لقَوْله تَعَالَى ﴿كل ذَلِك كَانَ سيئه عِنْد رَبك مَكْرُوها﴾ أَي حَرَامًا وَلِأَنَّهُ أحوط وَالْأولَى النّظر إِلَى الْقَرَائِن فِي الْكل فَإِن دلّت على وجوب أَو ندب أَو تَحْرِيم أَو كَرَاهَة أَو إِبَاحَة حمل قَوْله عَلَيْهِ سَوَاء تقدّمت أَو تَأَخَّرت أَو توسطت
فصل
فَإِن سُئِلَ أَحْمد عَن شَيْء فَأجَاب ثمَّ سُئِلَ عَن غَيره فَقَالَ ذَاك أَهْون أَو أَشد
فَقَالَ أَبُو بكر عبد الْعَزِيز هما عِنْده سَوَاء لِأَن الشَّيْئَيْنِ قد
стр. 92
يستويان فِي الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالتَّحْرِيم وَالْكَرَاهَة وَالْإِبَاحَة وَيكون أَحدهمَا آكِد لِأَن بعض الْوَاجِبَات عِنْده آكِد من بعض وَقَالَ ابْن حَامِد لَفظه يَقْتَضِي الْفرق فِي الحكم فَإِن قَوْله أَهْون يجوز أَن يُرِيد بِهِ نفي التَّحْرِيم فَيكون مَكْرُوها أَو نفي الْوُجُوب فَيكون مَنْدُوبًا وَالْأولَى النّظر إِلَى الْقَرَائِن فِي الْكل وَمَا عرف من عَادَة أَحْمد فِي ذَلِك وَنَحْوه وَحسن الظَّن بِهِ وَحمله على أصلح المحامل وأربحها وأرجحها وأنجحها وَقد وَجه كل قَول بِمَا يطول ذكره هُنَا
فصل
فَإِن سُئِلَ أَحْمد عَن شَيْء فَأجَاب ثمَّ سُئِلَ عَن غَيره فَقَالَ ذَاك شنع كَقَوْلِه فِي العبيد تقبل شَهَادَتهم فِي الْأَمْوَال فَقيل لَهُ تقبل فِي الْحُدُود فَقَالَ ذَاك شنع
فَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى وَأَبُو بكر بِالْفرقِ وَإِلَّا لم يتَوَقَّف وَمَا شنع عِنْد النَّاس إِلَّا لدَلِيل مَانع من التَّسْوِيَة
وَقَالَ ابْن حَامِد عِنْده سَوَاء لعدم مَا يمْنَعهَا ظَاهرا أَو ترك الشَّيْء للشناعة لَا يدل على قبحه وَمنعه شرعا وَلِهَذَا ترك أَحْمد الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْمغرب تأسيا بِالنَّاسِ فِي التّرْك وهاب مَسْأَلَة الْمَفْقُود وَجعلهَا أَصْحَابنَا مذهبا لَهُ قلت والاعتماد فِي ذَلِك وَنَحْوه على
стр. 93
الْقَرَائِن واستقراء النَّظَائِر فَإِن كثر التشابه بَينهمَا وعسر الْفرق لم تمْتَنع التَّسْوِيَة شرعا بالشناعة عرفا وَإِن ظهر الْفرق ترك لَهُ للإلحاق لَا للشناعة
فصل
فَإِن سُئِلَ أَحْمد عَن شَيْء فَقَالَ أجبن عَنهُ
فَقَالَ أبن حَامِد هُوَ مذْهبه وَلَيْسَ قَوِيا عِنْده لِأَن جبنه لِكَثْرَة الشُّبْهَة أَو لاخْتِلَاف النَّاس أَو لتعادل الْأَدِلَّة إِن أمكن وَقلت بل يكره
فصل
وَمَا دلّ كَلَامه عَلَيْهِ وسياقه وقوته فَهُوَ مذْهبه مَا لم يُعَارضهُ أقوى مِنْهُ كَقَوْلِه فِي العراة فِيهَا اخْتِلَاف إِلَّا أَن إمَامهمْ يقوم فِي وَسطهمْ وَعَابَ من قَالَ يقْعد الإِمَام فَدلَّ على أَن مذْهبه أَن يُصَلِّي الْعُرْيَان قَائِما
فصل
فَإِن أفتى بِحكم ثمَّ اعْترض عَلَيْهِ أحد فَسكت لم يكن رُجُوعا عَنهُ إِلَى ضِدّه فِي أحد الْوَجْهَيْنِ اخْتَارَهُ بعض الْأَصْحَاب إِن احْتمل التدبر أَو كَرَاهِيَة الْكَلَام لشُبْهَة أَو فتْنَة أَو تورعا وَالثَّانِي يكون رُجُوعا
стр. 94
اخْتَارَهُ ابْن حَامِد لتوقف أَحْمد عَن الْجَواب مَعَ وجوب دفع الشُّبْهَة خوفًا من ضلال السَّائِل أَو بَقَائِهِ على بَاطِل وَقد رَجَعَ الصَّحَابَة إِلَى قَول أبي بكر ﵃ بعد لومهم على قِتَاله لمن منع الزَّكَاة لقَولهم لَا إِلَه إِلَّا الله
فصل
وَصفه الْوَاحِد من أَصْحَابه وَرُوَاته فِي تَفْسِير مذْهبه وإخبارهم عَن رَأْيه كنصه فِي أحد الْوَجْهَيْنِ اخْتَارَهُ ابْن حَامِد وَغَيره وَهُوَ قِيَاس قَول الْخرقِيّ وَغَيره لِأَن الظَّاهِر معرفتهم مذْهبه وَمرَاده بِكَلَامِهِ وَهُوَ عدل ثِقَة خَبِير بِمَا رَوَاهُ
كَقَوْل ابْنه عبد الله سَأَلت أبي عَن الخطاف فَكَانَ عِنْده أسهل من الخشاف وَالثَّانِي لَا يكون مذْهبه اخْتَارَهُ الْخلال وَصَاحبه لِأَنَّهُ ظن وتخمين وَيجوز أَن يعْتَقد خِلَافه وَرُبمَا أَرَادَ غير مَا ظهر للراوي بِخِلَاف حَال الصَّحَابَة ﵃ مَعَ النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك
فصل
وَإِن انْفَرد بعض أَصْحَابه أَو رُوَاته عَنهُ بقول وَقَوي دَلِيله فَهُوَ مذْهبه
اخْتَارَهُ ابْن حَامِد وَقَالَ يجب تَقْدِيمهَا على سَائِر الرِّوَايَات
стр. 95
لِأَن الزِّيَادَة من الْعدْل مَقْبُولَة فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ عِنْد أَحْمد فَكيف عَنهُ والراوي عَنهُ ثِقَة خَبِير بِمَا رَوَاهُ
وَخَالفهُ الْخلال وَصَاحبه وَأكْثر الْأَصْحَاب لِأَن نِسْبَة الْخَطَأ إِلَى وَاحِد أولى من نسبته إِلَى جمَاعَة وَالْأَصْل اتِّحَاد الْمجْلس
فصل
فَإِن أجَاب فِي شَيْء بِكِتَاب أَو سنة أَو إِجْمَاع أَو قَول صَحَابِيّ كَانَ الحكم مذْهبه لِأَنَّهُ اعْتقد مَا ذكره دَلِيلا حَيْثُ أجَاب فِيهِ وَأفْتى بِحكمِهِ وَإِلَّا لبين مُرَاده مِنْهُ غَالِبا وَلِأَن ذَلِك كُله حجَّة عِنْده فَلَو كَانَ متأولا أَو مُعَارضا لتوقف فِيهِ
فصل
فَإِن ذكر عَن النَّبِي ﷺ خَبرا أَو قَول صَحَابِيّ وَصَححهُ أَو حسنه أَو رَضِي سَنَده أَو دونه فِي كتبه وَلم يردهُ لم يكن مُقْتَضَاهُ مذهبا لَهُ فِي أحد الْوَجْهَيْنِ إِذْ لَو نسب إِلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَنه مذْهبه لنسب إِلَى أَرْبَاب الحَدِيث مثل ذَلِك فِيمَا رَوَوْهُ وَلِهَذَا لَو أفتى بِحكم ثمَّ روى حَدِيثا يُخَالِفهُ لم نجْعَل نَحن مذْهبه الحَدِيث بل فتياه إِذْ يجوز أَن يكون الْخَبَر عِنْده مَنْسُوخا أَو متأولا أَو مُعَارضا بأقوى مِنْهُ بِخِلَاف مَا رَوَاهُ غَيره وَلِأَن أَحْمد صحّح حَدِيث
стр. 96
سهل بن سعد فِي أَن الْقُرْآن مهر وَلم نجعله مذْهبه فِي الْأَشْهر وَالثَّانِي يكون مُقْتَضَاهُ مذْهبه أختاره أبناه والمروذي والأثرم لِأَن من أَصله أَن مَا صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَخذ بِهِ فَلَا نظن أَنه يُفْتِي بِخِلَافِهِ وَالْأَصْل عدم الْمعَارض حَتَّى يتَبَيَّن وَإِن أفتى بِخِلَافِهِ دلّ على ظفره بِدَلِيل يجوز ترك الْخَبَر بِهِ وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى تَقْدِيم الْخَبَر على الْفَتْوَى فيتقدم مَا رَوَاهُ على مَا رَآهُ فِي حق غَيره فَكَذَا فِي حَقه وَقلت يقدم الْمُتَأَخر مِنْهُمَا مَعَ ذكره أَولهمَا
فصل
فَإِن ذكر عَن الصَّحَابَة فِي مَسْأَلَة قَوْلَيْنِ وَلم يرجح أَحدهمَا فمذهبه أقربهما من كتاب أَو سنة فِي أحد الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ قَالَ إِذا اخْتلفت الصَّحَابَة على قَوْلَيْنِ نظر أشبههما بِالْكتاب وَالسّنة وَأخذ بِهِ وَلَا نجْعَل مَا حَكَاهُ عَن غَيرهم مذهبا لَهُ لِأَنَّهُ يجوز أَن يذهب إِلَى قَول ثَالِث لَا يخرق إِجْمَاعهم بِخِلَاف الصَّحَابَة فَإِنَّهُ يتَعَيَّن الْأَخْذ بقول أحدهم لِأَنَّهُ عِنْده حجَّة فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ وَالثَّانِي لَيْسَ أَحدهمَا مذهبا لَهُ لِأَنَّهُ أعلم بالأشبه فيهمَا فَلَمَّا لم يذكرهُ وَلم يرجع أَحدهمَا وَلم يمل إِلَيْهِ مَعَ مَعْرفَته دلّ على أَنَّهُمَا عِنْد سَوَاء فَلَا يكون أَحدهمَا مذهبا لَهُ وَالْأول أولى
стр. 97
فصل
فَإِن نقل عَنهُ فِي مَسْأَلَة قَولَانِ دَلِيل أَحدهمَا قَول النَّبِي ﷺ وَهُوَ عَام وَدَلِيل الآخر قَول الصَّحَابِيّ وَهُوَ خَاص فَالْأول مذْهبه
اخْتَارَهُ ابْن حَامِد لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ أَو غير ذَلِك من الْأَدِلَّة وَقيل بل الثَّانِي لِأَنَّهُ حجَّة عِنْد أَحْمد على الْأَشْهر ويخص بِهِ عُمُوم الْكتاب وَالسّنة ويفسر بِهِ مجملهما فِي وَجه وَإِن كَانَ قَول النَّبِي ﷺ أخص أَو أحوط تعين مُطلقًا كَمَا لَو كَانَا عَاميْنِ أَو خاصين أَو لم نجْعَل قَول الصَّحَابِيّ حجَّة فِي رِوَايَة وَلم نخص بِهِ الْكتاب وَالسّنة فِي وَجه وَإِن وَافق أَحدهمَا مَذْهَب صَحَابِيّ وَقُلْنَا هُوَ حجَّة يقدم على الْقيَاس ويخص بِهِ الْعُمُوم وَالْآخر مَذْهَب تَابِعِيّ وَقُلْنَا يعْتد بقوله مَعَ الصَّحَابَة وَقيل وعضده عُمُوم كتاب أَو سنة أَو أثر فَأَيّهمَا مذْهبه فِيهِ وَجْهَان وَإِن قدمنَا الْقيَاس على قَول الصَّحَابِيّ وَلم نخص بِهِ عُمُوم كتاب أَو سنة قدم أشبههما بِكِتَاب أَو سنة
فصل
فَإِن كَانَ أحد قوليه عَاما أَو مُطلقًا وَالْآخر خَاصّا أَو مُقَيّدا حمل الْعَام على الْخَاص وَالْمُطلق على الْمُقَيد جمعا بَينهمَا بِحَسب الْإِمْكَان
стр. 98
وَقيل يعْمل بِكُل قَول فِي مَحَله وَفَاء بِمُقْتَضى اللَّفْظ فَإِن أمكن هَذَا أَو التَّنْزِيل على حَالين تعين وَإِلَّا فَلَا
فصل
فَإِن ذكر اخْتِلَاف الصَّحَابَة أَو التَّابِعين أَو غَيرهم وَعلة كل قَول وَلم يمل إِلَى أَحدهمَا فمذهبه الْأَشْبَه مِنْهُمَا بِكِتَاب أَو سنة أَو أثر وَقيل بِالْوَقْفِ وَفِيه بعد
فصل
وَإِن ذكر الِاخْتِلَاف وَحسن بعضه فَهُوَ مذْهبه لِأَنَّهُ يلْزمه الْأَخْذ بأقوى الْأَقْوَال دَلِيلا فميله إِلَى أَحدهمَا دَلِيل قوته وَصِحَّته عِنْده
فصل
فَإِن علل أَحدهمَا وَاسْتحْسن الآخر وَلم يعلله فمذهبه مَا استحسنه لِأَنَّهُ مَا استحسنه إِلَّا لعِلَّة وَوجه فقد سَاوَى مَا علله وَزَاد عَلَيْهِ باستحسانه
اخْتَارَهُ ابْن حَامِد وَقيل مذْهبه مَا علله وَفِيه بعد
فصل
فَإِن أعَاد ذكر أَحدهمَا أَو فرع عَلَيْهِ فَهُوَ مذْهبه وَقيل لَا وَهُوَ أولى
стр. 99
فصل
فَإِن سُئِلَ مرّة فَذكر الِاخْتِلَاف ثمَّ سُئِلَ مرّة أُخْرَى فتوقف ثمَّ سُئِلَ مرّة أُخْرَى فَأفْتى فِيهَا فمذهبه فِيهَا مَا أفتى بِهِ وَإِن كَانَ غَيره أشبه لِأَنَّهُ خلاف نَصه وَجَوَابه الأول إِجْمَال وتوفقه ثَانِيًا يحْتَمل النّظر فِي الْأَرْجَح مِمَّا حَكَاهُ إِذْ لَيْسَ فِي ذكر الْمذَاهب تَرْجِيح أَحدهَا
فصل
فَإِن سُئِلَ عَن شَيْء فَقَالَ قَالَ فلَان كَذَا يَعْنِي بعض الْفُقَهَاء فَهُوَ مذْهبه فِي أحد الْوَجْهَيْنِ اخْتَارَهُ ابْن حَامِد وَإِلَّا لم يجب السَّائِل بِهِ وَلم يقْتَصر عَلَيْهِ وَالثَّانِي لَا لاحْتِمَال أَن يكون أخبر بِهِ وَلم يره صَوَابا أَو راجحا وَلِهَذَا رُبمَا أفتى بِخِلَافِهِ وَقد يكون غَرَضه أَن لَا يتقلد للسَّائِل بل يدله على مَا قيل ليسأل عَنهُ وَهُوَ أولى إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فصل
وَإِن قَالَ يفعل السَّائِل كَذَا وَكَذَا احْتِيَاطًا فَهُوَ وَاجِب فِي أحد الْوَجْهَيْنِ
اخْتَارَهُ ابْن حَامِد كَقَوْل أَحْمد فِي الطَّلَاق فِي نِكَاح بِلَا ولي
стр. 100
أَو بِلَا شُهُود يَقع احْتِيَاطًا وَالثَّانِي أَنه مَنْدُوب وَالْأولَى النّظر فِي الحكم فَإِن كَانَ الْوُجُوب فِيهِ أحوط أَو اقْتَضَاهُ دَلِيل أَو قرينَة تعين وَإِلَّا فَلَا
فصل
فَإِن توقف فِي مَسْأَلَة جَازَ إلحاقها بِمَا يشبهها إِن كَانَ حكمهَا أرجح من غَيره وَإِن أشبهت مَسْأَلَتَيْنِ أَو أَكثر أَحْكَامهَا مُخْتَلفَة بالخفة والثقل فَهَل يلْحق بالأخف أَو الأثقل أَو يُخَيّر الْمُقَلّد بَينهمَا يحْتَمل أوجها الْأَظْهر هُنَا عَنهُ التَّخْيِير
وَقَالَ أَبُو الْخطاب لَا بتعادل الإمارات قلت فَلَا تَخْيِير وَلَا وقف وَلَا تساقط اذن وَالْأولَى الْعَمَل بِكُل مِنْهُمَا لمن هُوَ أصلح لَهُ
فصل
وَإِذا نَص على حكم فِي مَسْأَلَة ثمَّ قَالَ فِيهَا وَلَو قَالَ قَائِل أَو ذهب ذَاهِب إِلَى كَذَا يُرِيد خلاف نَصه كَانَ مذهبا لم يكن ذَلِك مذهبا للْإِمَام كَمَا لَو قَالَ وَقد ذهب قوم إِلَى كَذَا قلت وَيحْتَمل أَن يكون مذهبا لَهُ كَمَا لَو قَالَ يحْتَمل قَوْلَيْنِ
فصل
وَمَفْهُوم كَلَامه مذْهبه فِي أحد الْوَجْهَيْنِ
اخْتَارَهُ الْخرقِيّ وَابْن حَامِد وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ
стр. 101
لِأَن التَّخْصِيص من الْأَئِمَّة إِنَّمَا يكون لفائدة وَلَيْسَ هُنَا سوى اخْتِصَاص مَحل النُّطْق بالحكم الْمَنْطُوق بِهِ وَإِلَّا كَانَ تَخْصِيصه بِهِ عَبَثا ولغوا وَالثَّانِي لَا
اخْتَارَهُ أَبُو بكر بن جَعْفَر لِأَن كَلَامه قد يكون خَاصّا بسؤال سَائل أَو حَالَة خرج الْكَلَام لَهَا مخرج الْغَالِب فَلَا يكون مَفْهُومه بِخِلَافِهِ وَلِهَذَا لَهُ أَن يعقبه بِخِلَافِهِ وَلَو كَانَ مُرَاده ضِدّه لبينه غَالِبا فَإِذا قُلْنَا هُوَ مذْهبه فنص على خِلَافه بَطل الْمَفْهُوم فِي أحد الْوَجْهَيْنِ لقُوَّة النَّص وخصوصه وَالثَّانِي لَا يبطل لِأَن الْمَفْهُوم كالنص فِي إِفَادَة الحكم فَيصير فِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ إِن كَانَا عَاميْنِ كَقَوْلِه فِي الْأَب وَالْأَخ لما سُئِلَ عَن عتق الْأَب بِالشِّرَاءِ فَقَالَ يعْتق وَعَن عتق الْأَخ بِهِ فَقَالَ يعْتق فمفهوم الأولة أَن الْأَخ لَا يعْتق وَلَفظ الثَّانِيَة أَنه يعْتق فَإِن قُلْنَا إِن الْمَفْهُوم يبطل بالمنطوق كَانَت الْمَسْأَلَة رِوَايَة وَاحِدَة وَإِلَّا صَار فِي الْأَخ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا بنصه وَالْأُخْرَى بِنَقْل وَتَخْرِيج
فصل
فَإِن فعل شَيْئا فَهُوَ مذْهبه فِي أحد الْوَجْهَيْنِ
اخْتَارَهُ ابْن حَامِد وَأكْثر أَصْحَابنَا لِأَن الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء
стр. 102
فِي الْعلم والتبليغ وَالْهِدَايَة والإتباع فَلَا يجوز أَن يَأْتِي بِمَا لَا دَلِيل لَهُ عِنْده حذرا من الضلال والإضلال لَا سِيمَا مَعَ الدّين والورع وَترك الشُّبْهَة وَالثَّانِي الْمَنْع لجَوَاز ذَلِك عَلَيْهِ سَهوا أَو نِسْيَانا أَو جهلا أَو تهاونا وَأَن يقر مَا لله عَلَيْهِ لعدم الْوَحْي بعد النَّبِي ﷺ وَرُبمَا فعل ذَلِك قبل رُتْبَة الِاجْتِهَاد فِي ذَلِك الحكم وَلِأَن خطأه لَا يعم ضلاله بِهِ وَلَا إتباعه فِي كل شَيْء وَلَا تجنبه بِخِلَاف الشَّارِع فِي ذَلِك كُله لَكِن جعله أولى أولى
فصل
إِذا حدثت مَسْأَلَة لَا قَول فِيهَا لأحد من الْعلمَاء فَهَل يجوز الِاجْتِهَاد فِيهَا وَالْفَتْوَى وَالْحكم لمن هُوَ أهل لذَلِك فِيهِ ثَلَاثَة أوجه الأول يجوز لقَوْله ﵇ إِذْ اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِن أَخطَأ فَلهُ أجر وَهُوَ عَام وعَلى هَذَا درج السّلف وَالْخلف وَلِأَن الْحَاجة دَاعِيَة إِلَى ذَلِك لِكَثْرَة الوقائع وَمَعْرِفَة أَحْكَامهَا شرعا مَعَ قلَّة النُّصُوص بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا وحذرا من توقف الحكم بَين الْخُصُوم وَلِأَنَّهُ رُبمَا احْتِيجَ إِلَيْهِ فتتعذر مَعْرفَته إِذن لعدم النَّاظر فِيهِ أَو لتأخر اجْتِهَاده مَعَ دَعْوَى الْحَاجة إِلَيْهِ وَالثَّانِي لَا يجوز فيهمَا
стр. 103
قَالَ أَحْمد لبَعض أَصْحَابه إياك أَن تَتَكَلَّم بِكَلِمَة وَاحِدَة لَيْسَ لَك فِيهَا إِمَام وَقد كَانَ السّلف من الصَّحَابَة وَغَيرهم يتدافعون الْمسَائِل وَالْفَتْوَى وكل وَاحِد ود أَن أَخَاهُ كَفاهُ هِيَ ونعلم أَنهم لَو اجتهدوا لظهر لَهُم الْحق فِي الْمَسْأَلَة لأهليتهم وَالثَّالِث أَنه يجوز ذَلِك فِي الْفُرُوع دون الْأُصُول لِأَن الْخطر فِي الْأُصُول عَظِيم وَترك الْخَوْض فِيهَا أسلم والمخطئ فِي أَكْثَرهَا فَاسق أَو كَافِر بِخِلَاف الْفُرُوع فِي ذَلِك فَإِن الْمُخطئ رُبمَا أثيب كالحاكم الْمُخطئ للنَّص فِي اجْتِهَاده وَكَيف لَا وَالْحَاجة دَاعِيَة إِلَى معرفَة حكم الْوَاقِعَة ليقضى فِيهَا الْمُجْتَهد بِمَا يرَاهُ بِخِلَاف الْأُصُول إِذْ الْعقل كَاف فِي أَكثر مَا يلْزمه فِيهَا فَلَا يتَوَقَّف على غَيره كَمَا يتَوَقَّف حكم الْفُرُوع حَيْثُ لَا يعلم إِلَّا من دَلِيل شَرْعِي ﷺ َ - بَاب عُيُوب التَّأْلِيف ﷺ َ -
وَغير ذَلِك ليعرف الْمُفْتِي كَيفَ يتَصَرَّف فِي الْمَنْقُول وَمَا مُرَاد قَائِله ومؤلفه فَيصير نَقله للْمَذْهَب وَعَزوه لَهُ إِلَى الإِمَام أَو بعض أَصْحَابه فَنَقُول أعلم أَن أعظم المحاذير فِي التَّأْلِيف النقلي إهمال نقل الْأَلْفَاظ بِأَعْيَانِهَا والاكتفاء بِنَقْل الْمعَانِي مَعَ قُصُور التَّأَمُّل عَن اسْتِيعَاب مُرَاد الْمُتَكَلّم الأول بِلَفْظِهِ وَرُبمَا كَانَت بَقِيَّة الْأَسْبَاب متفرعة عَنهُ لِأَن الْقطع بِحُصُول مُرَاد الْمُتَكَلّم بِكَلَامِهِ أَو الْكَاتِب بكتابته مَعَ ثِقَة الرَّاوِي يتَوَقَّف عَلَيْهِ انْتِفَاء الْإِضْمَار والتخصيص والنسخ والتقديم وَالتَّأْخِير والاشتراك والتجوز
стр. 104
وَالتَّقْدِير وَالنَّقْل والمعارض الْعقلِيّ فَكل نقل لَا نَأْمَن مَعَه حُصُول بعض الْأَسْبَاب وَلَا نقطع بانتفائها نَحن وَلَا النَّاقِل وَلَا نظن عدمهَا وَلَا قرينَة تنفيها فَلَا نجزم فِيهِ بِمُرَاد الْمُتَكَلّم بل رُبمَا ظنناه أَو توهمناه وَلَو نقل لَفظه بِعَيْنِه وقرائنه وتاريخه وأسبابه انْتَفَى هَذَا الْمَحْظُور أَو أَكْثَره وَهَذَا من حَيْثُ الإهمال وَإِنَّمَا يحصل الظَّن بِنَقْل المتحري فيعذر تَارَة لدعو الْحَاجة إِلَى التَّصَرُّف لأسباب ظَاهِرَة وَيَكْفِي ذَلِك فِي الْأُمُور الظنية وَأكْثر الْمسَائِل الفروعية وَأما التَّفْصِيل فَهُوَ أَنه لما ظهر التظاهر بمذاهب الْأَئِمَّة والتناصر لَهَا من عُلَمَاء الْأمة وَصَارَ لكل مَذْهَب منا أحزاب وأنصار وَصَارَ دأب كل فريق نصر قَول صَاحبهمْ وَقد لَا يكون أحدهم اطلع على مَأْخَذ إِمَامه فِي ذَلِك الحكم فَتَارَة يُثبتهُ بِمَا أثْبته إِمَامه وَلَا يعلم بالموافقة وَتارَة يُثبتهُ بِغَيْرِهِ وَلَا يعلم بالمخالفة ومحذور ذَلِك مَا يستجيزه فَاعل هَذَا من تَخْرِيج أقاويل إِمَامه من مَسْأَلَة إِلَى أُخْرَى والتفريع على مَا اعتقده مذهبا لَهُ بِهَذَا التَّعْلِيل وَهُوَ لهَذَا الحكم غير دَلِيل وَنسبَة الْقَوْلَيْنِ إِلَيْهِ بتخريجه وَرُبمَا حمل كَلَام الإِمَام فِيمَا خَالف مصيره على مَا يُوَافقهُ اسْتِمْرَار الْقَاعِدَة تَعْلِيله وسعيا فِي تَصْحِيح تَأْوِيله وَصَارَ كل مِنْهُم ينْقل عَن الإِمَام مَا سَمعه مِنْهُ أَو بلغه عَنهُ من غير ذكر سَبَب وَلَا تَارِيخ فَإِن الْعلم بذلك قرينَة فِي إِفَادَة مُرَاده من ذَلِك اللَّفْظ كَمَا سبق فيكثر لذَلِك الْخبط لِأَن الْآتِي بعده يجد عَن الإِمَام اخْتِلَاف أَقْوَال وَاخْتِلَاف أَحْوَال فيتعذر عَلَيْهِ نِسْبَة أَحدهمَا إِلَيْهِ على أَنه مَذْهَب لَهُ يجب على مقلده
стр. 105
الْمصير إِلَيْهِ دون بَقِيَّة أقاويله إِن كَانَ النَّاظر مُجْتَهدا وَأما إِن كَانَ مُقَلدًا فغرضه معرفَة مَذْهَب إِمَامه بِالنَّقْلِ عَنهُ فَلَا يحصل غَرَضه من جِهَة نَفسه لِأَنَّهُ لَا يحسن الْجمع وَلَا يعلم التَّارِيخ لعدم ذكره وَلَا التَّرْجِيح عِنْد التَّعَارُض بَينهمَا لتعذره مِنْهُ وَهَذَا الْمَحْذُور إِنَّمَا لزم من الْإِخْلَال بِمَا ذَكرْنَاهُ فَيكون محذورا وَلَقَد اسْتمرّ كثير من المصنفين والحاكمين على قَوْلهم مَذْهَب فلَان كَذَا وَمذهب فلَان كَذَا فَإِن أَرَادوا بذلك أَنه نقل عَنهُ فَقَط فَلم يفتون بِهِ فِي وَقت مَا على أَنه مَذْهَب الإِمَام وَإِن أَرَادوا بِهِ الْمعول عَلَيْهِ عِنْده وَيمْتَنع الْمصير إِلَى غَيره للمقلد فَلَا يَخْلُو حِينَئِذٍ إِمَّا أَن يكون التَّارِيخ ملعوما أَو مَجْهُولا فَإِن كَانَ مَعْلُوما فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون مَذْهَب إِمَامه أَن القَوْل الْأَخير ينْسَخ الأول إِذا تناقضا كالأخبار أَو لَيْسَ مذْهبه كَذَلِك بل يرى عدم نسخ الأول بِالثَّانِي أَو لم ينْقل عَنهُ شَيْء من ذَلِك فَإِن كَانَ مذْهبه اعْتِقَاد النّسخ فالأخير مذْهبه فَلَا تجوز الفيتا بِالْأولِ للمقلد وَلَا التَّخْرِيج مِنْهُ وَلَا النَّقْض بِهِ وَإِن كَانَ مذْهبه أَنه لَا ينْسَخ الأول بِالثَّانِي عِنْد التَّنَافِي فإمَّا أَن يكون الإِمَام يرى جَوَاز الْأَخْذ بِأَيِّهِمَا شَاءَ الْمُقَلّد إِذا أفتاه الْمُفْتِي أَو يكون مذْهبه الْوَقْف أَو شَيْء آخر فَإِن كَانَ مذْهبه القَوْل بالتخيير كَانَ الحكم وَاحِدًا وَلَا تعدد وَهُوَ خلاف الْغَرَض وَإِن كَانَ مِمَّن يرى الْوَقْف تعطل الحكم حِينَئِذٍ وَلَا يكون لَهُ فِيهَا قَول يعْمل عَلَيْهِ سوى الِامْتِنَاع من الْعَمَل بِشَيْء من أَقْوَاله وَإِن
стр. 106
لم ينْقل عَن إِمَامه القَوْل بِشَيْء من ذَلِك فَهُوَ لَا يعرف حكم الإِمَام فِيهَا فَيكون شَبِيها بالْقَوْل بِالْوَقْفِ فِي أَنه يمْتَنع عَن الْعَمَل بِشَيْء فِيهَا هَذَا كُله إِن علم التَّارِيخ وَأما إِن جهل فإمَّا أَن يُمكن الْجمع بَين الْقَوْلَيْنِ باخْتلَاف حَالين أَو محلين أَو لَيْسَ فَإِن أمكن فإمَّا أَن يكون مَذْهَب إِمَامه جَوَاز الْجمع حِينَئِذٍ كَمَا فِي الْآثَار أَو وُجُوبه أَو التَّخْيِير أَو الْوَقْف أَو لم ينْقل عَنهُ شَيْء من ذَلِك فَإِن كَانَ الأول وَالثَّانِي فَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ إِلَّا قَول وَاحِد وَهُوَ مَا اجْتمع مِنْهُمَا فَلَا تحل حِينَئِذٍ الْفتيا بِأَحَدِهِمَا على ظَاهره على وَجه لَا يُمكن الْجمع وَإِن كَانَ الثَّالِث فمذهبه أَحدهمَا بِلَا تَرْجِيح وَهُوَ بعيد لَا سِيمَا مَعَ تعذر تعادل الأمارات وَإِن كَانَ الرَّابِع وَالْخَامِس فَلَا عمل إِذن وَأما إِن لم يُمكن الْجمع مَعَ الْجَهْل بالتاريخ فإمَّا أَن يعْتَقد نسخ الأول بِالثَّانِي أَو لَيْسَ فَإِن كَانَ يعْتَقد ذَلِك وَجب الِامْتِنَاع عَن الْأَخْذ بِأَحَدِهِمَا لأَنا لَا نعلم أَيهمَا هُوَ الْمَنْسُوخ عِنْده وَإِن لم يعْتَقد النّسخ فإمَّا التَّخْيِير أَو الْوَقْف أَو غَيرهمَا وَالْحكم فِي الْكل سبق وَمَعَ هَذَا كُله فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى استحضار مَا اطلع عَلَيْهِ من نُصُوص إِمَامه عِنْد حِكَايَة بَعْضهَا مذهبا لَهُ ثمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون إِمَامه يعْتَقد وجوب تَجْدِيد الِاجْتِهَاد فِي ذَلِك أَولا فَإِن اعتقده وَجب عَلَيْهِ تجديده فِي كل حِين أَرَادَ حِكَايَة مذْهبه وَهَذَا يتَعَذَّر فِي مَقْدُور الْبشر إِن شَاءَ الله تَعَالَى لِأَن ذَلِك يَسْتَدْعِي الْإِحَاطَة بِمَا نقل عَن الإِمَام فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة على جِهَته فِي
стр. 107
كل وَقت يسْأَل وَمن لم يصنف كتبا فِي الْمَذْهَب بل أَخذ أَكثر مذْهبه من قَوْله وفتاويه كَيفَ يُمكن حصر ذَلِك عَنهُ هَذَا بعيد عَادَة وَإِن لم يكن مَذْهَب إِمَامه وجوب تَجْدِيد الِاجْتِهَاد عِنْد نسبه بَعْضهَا إِلَيْهِ مذهبا لَهُ فَإِن قيل رُبمَا لَا يكون مَذْهَب أحد القَوْل بِشَيْء من ذَلِك فضلا عَن الإِمَام قُلْنَا نَحن لم نجزم بِحكم فِيهَا بل رددنا وَقُلْنَا إِن كَانَ لزم مِنْهُ كَذَا وَيَكْفِي فِي إيقاف إقدام هَؤُلَاءِ تكليفهم نقل هَذِه الْأَشْيَاء عَن الإِمَام فكثير من هَذِه الْأَقْسَام قد ذهب إِلَيْهِ كثير من الْأَئِمَّة وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع بَيَانه فَلْينْظر من أماكنه وَإِنَّمَا يقابلون هَذَا التَّحْقِيق بِكَثْرَة نقل الرِّوَايَات وَالْأَوْجه والاحتمالات والتهجم على التَّخْرِيج والتفريع حَتَّى لقد صَار هَذَا عَادَة وفضيلة فَمن لم يكن مِنْهُ بِمَنْزِلَة لم يكن عِنْدهم بِمَنْزِلَة فالتزموا للحمية نقل مَا لَا يجوز نَقله لما عَلمته آنِفا ثمَّ قد عَم أَكْثَرهم بل كلهم نقل أقاويل يجب الْإِعْرَاض عَنْهَا فِي نظرهم بِنَاء على كَونهَا قولا ثَالِثا وَهُوَ بَاطِل عِنْدهم أَو لِأَنَّهَا مُرْسلَة فِي سندها عَن قَائِلهَا وَخَرجُوا مَا يكون بِمَنْزِلَة قَول ثَالِث بِنَاء على مَا يظْهر لَهُم من الدَّلِيل فَمَا هَؤُلَاءِ بمقلدين حِينَئِذٍ وَقد يَحْكِي أحدهم فِي كِتَابه أَشْيَاء فيوهم المسترشد أَنَّهَا إِمَّا مَأْخُوذَة من نُصُوص الإِمَام أَو مِمَّا اتّفق الْأَصْحَاب على نسبتها إِلَى الإِمَام مذهبا لَهُ وَلَا يذكر الحاكي لَهُ مَا يدل على ذَلِك وَلَا أَنه اخْتِيَار لَهُ وَلَعَلَّه يكون قد استنبطه أَو رَآهُ وَجها لبَعض الْأَصْحَاب أَو احْتِمَالا فَهَذَا شبه
стр. 108
التَّدْلِيس فَإِن قَصده فَشبه المين وَإِن وَقع سَهوا أَو جهلا فَهُوَ أَعلَى مَرَاتِب البلادة والشين كَمَا قيل
فَإِن كنت لَا تَدْرِي فَتلك مُصِيبَة ... وَإِن كنت تَدْرِي فالمصيبة أعظم
وَقد يحكون فِي كتبهمْ مَا لَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّته وَلَا يجوز عِنْدهم الْعَمَل بِهِ ويرهقهم إِلَى ذَلِك تَكْثِير الْأَقَاوِيل لِأَن من يَحْكِي عَن الإِمَام أقوالا متناقضة أَو يخرج خلاف الْمَنْقُول عَن الإِمَام فَإِنَّهُ لَا يعْتَقد الْجمع بَينهمَا على الْجمع بل إِمَّا على التَّخْيِير أَو الْوَقْف أَو الْبَدَل أَو الْجمع بَينهمَا على وَجه يلْزم عَنْهُمَا قَول وَاحِد بِاعْتِبَار حَالين أَو محلين وكل وَاحِد من هَذِه الْأَقْسَام حكمه خلاف حكم هَذِه الْحِكَايَة عِنْد تعريها عَن قرينَة مُقَيّدَة لذَلِك وَالْغَرَض كَذَلِك وَقد يشْرَح أحدهم كتابا وَيجْعَل مَا يَقُوله صَاحب الْكتاب المشروح غَالِبا رِوَايَة أَو وَجها أَو اخْتِيَارا لصَاحب الْكتاب وَلم يكن ذكره عَن نَفسه أَو أَنه ظَاهر الْمَذْهَب من غير أَن يبين سَبَب شَيْء من ذَلِك وَهَذَا إِجْمَال وإهمال وَقد يَقُول أحدهم الصَّحِيح فِي الْمَذْهَب أَو ظَاهر الْمَذْهَب كَذَا أَو لَا يَقُول وَعِنْدِي وَيَقُول غَيره خلاف ذَلِك فَلِمَنْ يُقَلّد الْعَاميّ إِذن فَإِن كلا يعْمل بِمَا يرى فالتقليد إِذن لَيْسَ للْإِمَام بل للإصحاب فِي أَن هَذَا مَذْهَب الإِمَام ثمَّ إِن أَكثر المصنفين والحاكين قد يفهمون معنى ويعبرون عَنهُ بِلَفْظ يتوهمون أَنه واف بالغرض وَلَا يكون كَذَلِك فَإِذا نظر فِيهِ أحد وَفِي قَول من أَتَى يدل على مقْصده رُبمَا يُوهم أَنَّهَا مَسْأَلَة
стр. 109
خلاف لِأَن بَعضهم قد يفهم من عبارَة من يَثِق بِهِ معنى قد يكون على وفْق مُرَاد المُصَنّف للفظ وَقد لَا يكون فحصر ذَلِك الْمَعْنى فِي لفظ وجيز فبالضرورة يصير مَفْهُوم كل وَاحِد من اللَّفْظَيْنِ من جِهَة التَّنْبِيه وَغَيره غير مَفْهُوم الآخر وَقد يذكر أحدهم فِي مَسْأَلَة إِجْمَاعًا بِنَاء على عدم علمه بقول يُخَالف مَا يُعلمهُ وَمن تتبع حِكَايَة الاجماعات مِمَّن يحيكها وطالبه بمستنداتها علم صِحَة مَا إدعيناه وَرُبمَا أَتَى بعض النَّاس بِلَفْظ يشبه قَول من قبله وَلم يكن أَخذه مِنْهُ فيظن أَنه قد أَخذه مِنْهُ فَيحمل كَلَامه على مُجمل كَلَام من قبله فَإِن رئي مغايرا لَهُ نسب إِلَى السَّهْو وَالْجهل أَو تعمد الْكَذِب إِن كَانَ أَو يكون قد أَخذ مِنْهُ وأتى بِلَفْظ يغاير مَدْلُول كَلَام من أخذت مِنْهُ فيضن أَنه لم يَأْخُذ مِنْهُ فَيحمل كَلَامه على غير محمل كَلَام من أَخذ مِنْهُ فَيجْعَل الْخلاف فِيمَا لَا خلاف فِيهِ أَو الْوِفَاق فِيمَا فِيهِ خلاف وَقد يقْصد أحدهم حِكَايَة معنى أَلْفَاظ الْغَيْر وَرُبمَا كَانُوا مِمَّن لَا يرى جَوَاز الْمَعْنى دون اللَّفْظ وَقد يكون فَاعل ذَلِك مِمَّن يُعلل الْمَنْع فِي صُورَة الْفَرْض بِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ من التحريف غَالِبا وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي أَلْفَاظ أَكثر الْأَئِمَّة وَمن عرف حَقِيقَة هَذِه الْأَسْبَاب رُبمَا ترك التصنيف أولى إِن لم يحْتَرز عَنْهَا لما يلْزم من هَذِه المحاذير وَغَيرهَا غَالِبا فَإِن قيل يرد على هَذَا فعل القدماء وَإِلَى الْآن من غير نَكِير وَهُوَ دَلِيل الْجَوَاز وَإِلَّا امْتنع على الْأمة ترك الْإِنْكَار إِذن لقَوْله تَعَالَى ﴿وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر﴾ وَنَحْوهَا
стр. 110
من الْكتاب وَالسّنة قُلْنَا الْأَولونَ لم يَفْعَلُوا شَيْئا مِمَّا عبناه فَإِن الصَّحَابَة لم ينْقل عَن أحد مِنْهُم تأليف فضلا عَن أَن يكون على هَذِه الصّفة وفعلهم غير مُلْزم لمن لَا يَعْتَقِدهُ حجَّة بل لَا يكون ملزما لبَعض الْعَوام عِنْد من لَا يرى أَن الْعَاميّ ملزوم بالتزامه مَذْهَب إِمَام معِين فَإِن قيل إِنَّمَا فعلوا ذَلِك ليحفظوا الشَّرِيعَة من الإغفال والإهمال قُلْنَا قد كَانَ أحسن من هَذَا فِي حفظهَا أَن يدونوا الوقائع والألفاظ النَّبَوِيَّة وفتاوى الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ على جهاتها وصفاتها مَعَ ذكر أَسبَابهَا كَمَا ذكرنَا سَابِقًا حَتَّى يسهل على الْمُجْتَهد معرفَة مُرَاد كل إِنْسَان بِحَسبِهِ فيقلده على بَيَان وإيضاح وَإِنَّمَا عبنا مَا وَقع فِي التَّأْلِيف من هَذِه المحاذير لَا مُطلق التَّأْلِيف وَكَيف يعاب مُطلقًا وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ قيدوا الْعلم بِالْكِتَابَةِ فَلَمَّا لم يميزوا فِي الْغَالِب مَا نقلوه مِمَّا خرجوه وَلَا مَا عللوه مِمَّا أهملوه وَغير ذَلِك مِمَّا سبق بِأَن الْفرق بَين مَا عبناه وَمَا صنفناه وَأكْثر هَذِه الْأُمُور الْمَذْكُورَة يُمكن أَن أذكرها من كتب الْمَذْهَب مَسْأَلَة مَسْأَلَة لكنه يطول هُنَا وَإِذا علمت عذر اعتذارنا وخبرة اختبارنا فَنَقُول إِن الْأَحْكَام المستفادة فِي مَذْهَبنَا وَغَيره من اللَّفْظ أَقسَام كَثِيرَة مِنْهَا أَن يكون لفظ الإِمَام
следующие страницы →