Полный текст (93 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
إِن الْحَمد لله نحمده ونستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا من يهده الله فَهُوَ الْمُهْتَدي وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله
أما بعد فَإِن خير الْكَلَام كَلَام الله تَعَالَى وَخير الْهدى هدى مُحَمَّد ﷺ وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة وكل ضَلَالَة فِي النَّار
وَبعد
فَيَقُول الْعَالم الإِمَام الْمُجْتَهد الْمُجَاهِد مُحَمَّد بن عَليّ الشَّوْكَانِيّ
طلب مني بعض الْمُحَقِّقين من أهل الْعلم أَن أجمع لَهُ بحثا يشْتَمل على تَحْقِيق الْحق فِي التَّقْلِيد أجائز هُوَ أم لَا على وَجه لَا يبْقى بعده شكّ وَلَا يقبل عِنْده تشكيك
стр. 2
وَلما كَانَ هَذَا السَّائِل من الْعلمَاء المبرزين كَانَ جَوَابه على نمط علم المناظرة فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
أَدِلَّة الْقَائِلين بِجَوَاز التَّقْلِيد
لما كَانَ الْقَائِل بِعَدَمِ جَوَاز التَّقْلِيد قَائِما من مقَام الْمَنْع وَكَانَ الْقَائِل بِالْجَوَازِ مُدعيًا كَانَ الدَّلِيل على مدعي الْجَوَاز وَقد جَاءَ المجوزون بأدلة
أَولا
مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ قَالُوا فَأمر من لَا علم لَهُ أَن يسْأَل من هُوَ أعلم مِنْهُ
وَالْجَوَاب أَن هَذِه الْآيَة الشَّرِيفَة وَارِدَة فِي سُؤال خَاص خَارج عَن مَحل النزاع كَمَا يفِيدهُ ذَلِك السِّيَاق الْمَذْكُور قبل هَذَا اللَّفْظ الَّذِي استدلوا بِهِ وَبعده قَالَ ابْن جرير الْبَغَوِيّ وَأكْثر الْمُفَسّرين أَنَّهَا نزلت على رد الْمُشْركين لما أَنْكَرُوا الرَّسُول بشرا وَقد استوفى ذَلِك السُّيُوطِيّ فِي الدّرّ المنثور وَهَذَا هُوَ الْمَعْنى الَّذِي يفِيدهُ السِّيَاق قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَكَانَ للنَّاس عجبا أَن أَوْحَينَا إِلَى رجل مِنْهُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى
стр. 3
﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم من أهل الْقرى﴾ وعَلى فرض أَن المُرَاد السُّؤَال الْعَام فالمأمور بسؤالهم هم أهل الذّكر وَالذكر هُوَ كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ لَا غَيرهمَا وَلَا أَظن مُخَالفا يُخَالف فِي هَذَا لِأَن هَذِه الشَّرِيعَة المطهرة إِمَّا من الله وَذَلِكَ هُوَ الْقُرْآن الْكَرِيم أَو من رَسُول الله ﷺ وَذَلِكَ هُوَ السّنة المطهرة وَلَا ثَالِث لذَلِك وَإِذا كَانَ الْمَأْمُور بسؤالهم هم أهل الْقُرْآن وَالسّنة فالآية الْمَذْكُورَة حجَّة على المقلدة وَلَيْسَت بِحجَّة لَهُم لِأَن المُرَاد أَنهم يسْأَلُون أهل الذّكر ليخبروهم بِهِ فَالْجَوَاب من المسؤولين أَن يَقُولُوا قَالَ الله كَذَا فَيعْمل السائلون بذلك وَهَذَا هُوَ غير مَا يُريدهُ الْمُقَلّد الْمُسْتَدلّ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَة فَإِنَّهُ إِنَّمَا اسْتدلَّ بهَا على جَوَاز مَا هُوَ فِيهِ من الْأَخْذ بأقوال الرِّجَال من دون سُؤال عَن الدَّلِيل فَإِن هَذَا هُوَ التَّقْلِيد وَلِهَذَا رسموه بِأَنَّهُ قبُول قَول الْغَيْر من دون مُطَالبَة بِحجَّة فحاصل التَّقْلِيد أَن الْمُقَلّد لَا يسْأَل عَن كتاب الله وَلَا عَن سنة رَسُول الله ﷺ بل يسْأَل عَن مَذْهَب إِمَامه فَقَط فَإِذا جَاوز ذَلِك إِلَى السُّؤَال عَن الْكتاب وَالسّنة فَلَيْسَ بمقلد وَهَذَا يُسلمهُ كل مقلد وَلَا يُنكره وَإِذا تقرر بِهَذَا أَن الْمُقَلّد إِذا سَأَلَ أهل الذّكر عَن كتاب الله وَسنة رَسُوله
стр. 4
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يكن مُقَلدًا علمت أَن هَذِه الْآيَة الشَّرِيفَة على تَسْلِيم أَن السُّؤَال لَيْسَ عَن الشَّيْء الْخَاص الَّذِي يدل عَلَيْهِ السِّيَاق بل عَن كل شَيْء من الشَّرِيعَة كَمَا يزعمه الْمُقَلّد تدفع فِي وَجهه وترغم أَنفه وتكسر ظَهره كَمَا قَرَّرْنَاهُ
ثَانِيًا
وَمن جملَة مَا استدلوا بِهِ مَا ثَبت عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ فِي حَدِيث صَاحب الشَّجَّة أَلا سَأَلُوا إِذْ لم يعلمُوا إِنَّمَا شِفَاء العي السُّؤَال وَكَذَلِكَ حَدِيث العسيف الَّذِي زنى بِامْرَأَة مستأجرة فَقَالَ أَبوهُ سَأَلت أهل الْعلم فَأَخْبرُونِي أَن على ابْني جلد مائَة وَإِن على امْرَأَة هَذَا الرَّجْم وَهُوَ ثَابت فِي الصَّحِيح قَالُوا فَلم يفكر عَلَيْهِ تَقْلِيد من هُوَ أعلم مِنْهُ
وَالْجَوَاب أَنه لم يرشدهم ﷺ فِي حَدِيث صَاحب الشَّجَّة إِلَى السُّؤَال عَن آراء الرِّجَال بل أرشدهم إِلَى السُّؤَال عَن الحكم الشَّرْعِيّ الثَّابِت عَن الله وَرَسُوله ﷺ وَلِهَذَا دَعَا عَلَيْهِم لما أفتوا بِغَيْر علم فَقَالَ ﷺ قَتَلُوهُ قَتلهمْ الله مَعَ أَنهم قد أفتوا بآرائهم فَكَانَ الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم لَا لَهُم فَإِنَّهُ اشْتَمَل على أَمريْن أَحدهمَا الْإِرْشَاد لَهُم إِلَى السُّؤَال عَن الحكم الثَّابِت بِالدَّلِيلِ وَالْآخر الذَّم لَهُم على اعْتِمَاد الرَّأْي والإفتاء بِهِ وَهَذَا مَعْلُوم لكل عَالم
стр. 5
فَإِن المرشد إِلَى السُّؤَال هُوَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ بَاقٍ بَين أظهرهم فالإرشاد مِنْهُ إِلَى السُّؤَال وَإِن كَانَ مُطلقًا لَيْسَ المُرَاد بِهِ إِلَّا سُؤَاله ﷺ أَو سُؤال من قد علم هَذَا الحكم مِنْهُ والمقلد كَمَا عرفت سَابِقًا لَا يكون مُقَلدًا إِلَّا إِذا لم يسْأَل عَن الدَّلِيل أما إِذا سَأَلَ عَنهُ فَلَيْسَ بمقلد فَكيف يتم الِاحْتِجَاج بذلك على جَوَاز التَّقْلِيد وَهل يحْتَج عَاقل على ثُبُوت شَيْء بِمَا يَنْفِيه وعَلى صِحَة أَمر بِمَا يُفِيد فَسَاده فانا لَا نطلب مِنْكُم معشر المقلدة إِلَّا مَا دلّ عَلَيْهِ مَا جئْتُمْ بِهِ فَنَقُول لكم اسألوا أهل الذّكر عَن الذّكر وَهُوَ كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ وأعملوا بِهِ واتركوا آراء الرِّجَال والقيل والقال ونقول كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا تسْأَلُون فَإِنَّمَا شِفَاء العي السُّؤَال عَن كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ لَا عَن رَأْي فلَان وَمذهب فلَان فَإِنَّكُم إِذا سَأَلْتُم عَن مَحْض الرَّأْي فقد قتلكم من أفتاكم بِهِ كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيث صَاحب الشَّجَّة قَتَلُوهُ قَتلهمْ الله وَأما السُّؤَال الْوَاقِع من وَالِد العسيف فَهُوَ إِنَّمَا سَأَلَ عُلَمَاء الصَّحَابَة عَن حكم مسئلة من كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ وَلم يسألهم عَن آرائهم ومذاهبهم وَهَذَا يُعلمهُ كل عَالم وَنحن لَا نطلب من الْمُقَلّد إِلَّا أَن يسْأَل كَمَا سَأَلَ وَالِد العسيف وَيعْمل على مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيل الَّذِي رَوَاهُ لَهُ الْعَالم الْمَسْئُول وَلكنه أقرّ على نَفسه بِأَن لَا يسْأَل إِلَّا
стр. 6
عَن رَأْي إِمَامه لَا عَن رِوَايَته فَكَانَ استدلاله بِمَا اسْتدلَّ بِهِ هَهُنَا حجَّة عَلَيْهِ لَا لَهُ وَالله الْمُسْتَعَان
ثَالِثا
وَمن جملَة مَا استدلوا بِهِ مَا ثَبت أَن أَبَا بكر ﵁ قَالَ فِي الْكَلَالَة أَقْْضِي فِيهَا فَإِن يكن صَوَابا فَمن الله وَإِن يكن خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان وَالله بَرِيء مِنْهُ وَهُوَ مَا دون الْوَلَد وَالْوَالِد فَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ إِنِّي لأَسْتَحي من الله أَن أُخَالِف أَبَا بكر وَصَحَّ أَنه قَالَ لأبي بكر رَأينَا تبع لرأيك وَصَحَّ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه كَانَ يَأْخُذ بقول عمر ﵁ وَصَحَّ أَن الشّعبِيّ قَالَ كَانَ سِتَّة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يفتون النَّاس ابْن مَسْعُود وَعمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب وَزيد بن ثَابت وَأبي بن كَعْب وَأَبُو مُوسَى ﵃ وَكَانَ ثَلَاثَة مِنْهُم يدعونَ قَوْلهم لقَوْل ثَلَاثَة كَانَ عبد الله يدع قَوْله لقَوْل عمر وَكَانَ أَبُو مُوسَى يدع قَوْله لقَوْل عَليّ وَكَانَ زيد يدع قَوْله لقَوْل أبي بن كَعْب
وَالْجَوَاب عَن قَول عمر أَنه قد قيل أَنه يستحي من مُخَالفَة أبي بكر فِي اعترافه بِجَوَاز الْخَطَأ عَلَيْهِ وَإِن كَلَامه لَيْسَ كُله صَوَابا مَأْمُونا عَلَيْهِ الْخَطَأ وَهَذَا وَإِن لم يكن ظَاهر لكنه يدل عَلَيْهِ وَمَا وَقع من مُخَالفَة عمر لأبي بكر
стр. 7
فِي غير مَسْأَلَة كمخالفته لَهُ فِي سبي أهل الرِّدَّة وَفِي الأَرْض المغنومة فَقَسمهَا أَبُو بكر ووقفها عمر ﵄ وَفِي الْعَطاء فقد كَانَ أَبُو بكر يرى التَّسْوِيَة وَعمر يرى المفاضلة وَفِي الِاسْتِخْلَاف فقد اسْتخْلف أَبُو بكر وَلم يسْتَخْلف عمر بل جعل الْأَمر شُورَى وَقَالَ أَن اسْتخْلف فقد اسْتخْلف أَبُو بكر وَإِن لم اسْتخْلف فَإِن رَسُول الله ﷺ لم يسْتَخْلف قَالَ ابْن عمر فوَاللَّه مَا هُوَ إِلَّا أَن ذكره رَسُول الله ﷺ فَعلمت أَنه لَا يعدل برَسُول الله ﷺ أحدا وَإنَّهُ غير مستخلف وَخَالفهُ أَيْضا فِي الْجد والأخوة فَلَو كَانَ المُرَاد بقوله أَنه يستحي من مُخَالفَة أبي بكر فِي الْكَلَالَة هُوَ مَا قَالُوهُ لَكَانَ منقوضا عَلَيْهِم بِهَذِهِ المخالفات فَإِنَّهُ صَحَّ خِلَافه لَهُ وَلم يستحي مِنْهُ فَمَا أجابوا بِهِ فِي هَذِه المخالفات فَهُوَ جَوَابنَا عَلَيْهِم فِي تِلْكَ الْمُوَافقَة وَبَيَانه إِنَّهُم إِذا قَالُوا خَالفه فِي هَذِه الْمسَائِل لِأَن اجْتِهَاده كَانَ على خلاف اجْتِهَاد أبي بكر قُلْنَا وَوَافَقَهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة لِأَن اجْتِهَاده كَانَ مُوَافقا لاجتهاده وَلَيْسَ من التَّقْلِيد فِي شَيْء وَأَيْضًا قد ثَبت أَن عمر بن الْخطاب ﵁ أقرّ عِنْد مَوته بِأَنَّهُ لم يقْض فِي الْكَلَالَة بِشَيْء واعترف أَنه لم يفهمها فَلَو كَانَ قد قَالَ بِمَا قَالَ بِهِ أَبُو بكر ﵁ تقليدا لَهُ لما أقرّ بِأَنَّهُ لم يقْض فِيهَا بِشَيْء وَلَا قَالَ أَنه لم يفهمها وَلَو سلمنَا أَن عمر قلد أَبَا بكر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لم تقم بذلك حجَّة لما تقرر من عدم حجَّة أَقْوَال
стр. 8
الصَّحَابَة وَأَيْضًا غَايَة مَا فِي ذَلِك تَقْلِيد عُلَمَاء الصَّحَابَة من مَسْأَلَة من الْمسَائِل الَّتِي يخفى فِيهَا الصَّوَاب على الْمُجْتَهد مَعَ تَسْوِيَة الْمُخَالفَة فِيمَا عدا تِلْكَ الْمَسْأَلَة وَأَيْنَ هَذَا مِمَّا يَفْعَله المقلدون من تَقْلِيد الْعَالم فِي جَمِيع أُمُور الشَّرِيعَة من غير الْتِفَات إِلَى دَلِيل وَلَا تعريج على تَصْحِيح أَو تَعْلِيل وَبِالْجُمْلَةِ فَلَو سلمنَا أَن ذَلِك تَقْلِيد من عمر كَانَ دَلِيلا للمجتهد إِذا لم يُمكنهُ الِاجْتِهَاد فِي مَسْأَلَة وَأمكن غَيره من الْمُجْتَهدين الِاجْتِهَاد فِيهَا أَنه يجوز لذَلِك الْمُجْتَهد أَن يُقَلّد الْمُجْتَهد الآخر مَا دَامَ غير مُتَمَكن من الِاجْتِهَاد فِيهَا إِذا تضيقت عَلَيْهِ الْحَادِثَة وَهَذِه مَسْأَلَة أُخْرَى غير المسالة الَّتِي يريدها الْمُقَلّد وَهِي تَقْلِيد عَالم من الْعلمَاء فِي جَمِيع مسَائِل الدّين وَقبُول رَأْيه دون رِوَايَته وَعدم مُطَالبَته بِالدَّلِيلِ وَترك النّظر فِي الْكتاب وَالسّنة والتعويل على مَا يرَاهُ من هُوَ أَحْقَر الآخذين بهما فَإِن هَذَا هُوَ عين اتِّخَاذ الْأَحْبَار والرهبان أَرْبَابًا كَمَا سيأتيك بَيَانه وَأَيْضًا لَو فرض مَا زعموه من الدّلَالَة لَكَانَ ذَلِك خَاصّا بتقليد عُلَمَاء الصَّحَابَة فِي مَسْأَلَة من الْمسَائِل فَلَا يَصح إِلْحَاق غَيرهم بهم لما تقرر من المزايا الَّتِي للصحابة الْبَالِغَة إِلَى حد يقصر عَنهُ الْوَصْف حَتَّى صَار
стр. 9
مثل جبل أحد من متأخري الصَّحَابَة لَا يعدل الْمَدّ من متقدميهم وَلَا نصيغه وَصَحَّ أَنهم خير الْقُرُون فَكيف نلحق بهم غَيرهم وَبعد الليتا وَالَّتِي فبمَا أوجدتمونا نصا فِي كتاب الله وَلَا فِي سنة رَسُوله ﷺ وَلَيْسَت الْحجَّة إِلَّا فيهمَا وَمن لَيْسَ بمعصوم وَلَا حجَّة لنا وَلَا لكم فِي قَوْله وَلَا فِي فعله فَمَا جعل الله الْحجَّة إِلَّا فِي كِتَابه وعَلى لِسَان نبيه ﷺ عرف هَذَا من عرفه وجهله من جَهله وَالسَّلَام
وَأما مَا استدلوا بِهِ من قَول عمر لأبي بكر ﵄ رَأينَا لرأيك تبع فَمَا هَذَا بِأول قَضِيَّة جَاءُوا بهَا على غير وَجههَا فَإِنَّهُم لَو نظرُوا فِي الْقِصَّة بكمالها لكَانَتْ حجَّة عَلَيْهِم لَا لَهُم وسياقها فِي صَحِيح البُخَارِيّ هَكَذَا عَن طَارق ابْن شهَاب قَالَ جَاءَ وَفد من أَسد وغَطَفَان إِلَى أبي بكر ﵁ فَخَيرهمْ بَين الْحَرْب المجلية وَالسّلم المخزية فَقَالُوا هَذِه المجلية قد عرفناها فَمَا المخزية فَقَالُوا ننزع مِنْكُم الْحلقَة والكراع ونغنم مَا أصبْنَا مِنْكُم وتردون علينا مَا أصبْتُم منا وتودون لنا قَتْلَانَا وَيكون قَتْلَاكُمْ فِي النَّار وتتركون أَقْوَامًا يتبعُون أَذْنَاب الْإِبِل حَتَّى يري الله خَليفَة رَسُوله ﷺ والمهاجرين أمرا يعزونكم بِهِ فَعرض أَبُو بكر مَا قَالَ على الْقَوْم فَقَامَ عمر بن الْخطاب فَقَالَ قد رَأَيْت رَأيا وسنشير عَلَيْك أما مَا ذكرت من الْحَرْب المجلية أَو السّلم المخزية فَنعم مَا ذكرت وَأما مَا ذكرت تدون قَتْلَانَا
стр. 10
وَيكون قَتْلَاكُمْ فِي النَّار فَإِن قَتْلَانَا قَاتَلت فقتلت على أَمر الله أجورها على الله لَيْسَ لَهَا ديات فتتابع الْقَوْم على مَا قَالَ عمر فَفِي هَذَا الحَدِيث مَا يرد عَلَيْهِم فَإِنَّهُ قرر بعض مَا رَآهُ أَبُو بكر ﵁ ورد بعضه وَفِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث قد رَأَيْت رَأيا ورأينا لرأيك تبع فَلَا شكّ أَن الْمُتَابَعَة فِي بعض مَا رَآهُ أَو فِي كُله لَيْسَ من التَّقْلِيد فِي شَيْء بل الاستصواب مَا جَاءَ بِهِ فِي الآراء والحروب وَلَيْسَ ذَلِك بتقليد وَأَيْضًا قد يكون السُّكُوت عَن اعْتِرَاض بعض مَا فِيهِ مُخَالفَة من آراء الْأَمر لقصد إخلاص الطَّاعَة لِلْأُمَرَاءِ الَّتِي ثَبت الْأَمر بهَا وَكَرَاهَة الْخلاف الَّذِي أرشد ﷺ إِلَى تَركه نعم هَذِه الآراء إِنَّمَا هِيَ فِي الحروب وَلَيْسَت فِي مسَائِل الدّين وَإِن تعلق بَعْضهَا بِشَيْء من ذَلِك فَإِنَّمَا على طَرِيق الاستتباع وَبِالْجُمْلَةِ فاستدلال من اسْتدلَّ بِمثل هَذَا على جَوَاز التَّقْلِيد تَسْلِيَة لهَؤُلَاء الْمَسَاكِين من المقلدة بِمَا لَا يسمن وَلَا يُغني من جوع وعَلى كل حَال فَهَذِهِ الْحجَّة الَّتِي استدلوا بهَا عَلَيْهِم لَا لَهُم لِأَن عمر ﵁ قرر من قَول أبي بكر مَا وَافق اجْتِهَاده ورد مَا خَالفه وَأما مَا ذكره عَن مُوَافقَة ابْن مَسْعُود لعمر ﵄ وَأَخذه بقوله وَكَذَلِكَ رُجُوع بعض السِّتَّة الْمَذْكُورين من الصَّحَابَة إِلَى بعض لَيْسَ
стр. 11
ببدع وَلَا مستنكر فالعالم يُوَافق الْعَالم فِي أَكثر مِمَّا يُخَالِفهُ من الْمسَائِل ولاسيما إِذا كَانَا قد بلغا أَعلَى مَرَاتِب الِاجْتِهَاد فَإِن الْمُخَالفَة بَينهمَا قَليلَة جدا وَأَيْضًا قد ذكر أهل الْعلم إِن ابْن مَسْعُود خَالف عمر فِي نَحْو مائَة مَسْأَلَة وَمَا وَافقه إِلَّا فِي نَحْو أَربع مسَائِل فَأَيْنَ التَّقْلِيد من هَذَا وَكَيف صلح مثل مَا ذكر للاستدلال بِهِ على جَوَاز التَّقْلِيد وَهَكَذَا رُجُوع بعض السِّتَّة الْمَذْكُورين إِلَى أَقْوَال بعض فَإِن هَذَا مُوَافقَة لَا تَقْلِيد وَقد كَانُوا جَمِيعًا هم وَسَائِر الصَّحَابَة إِذا ظَهرت لَهُم السّنة لم يتركوها لقَوْل أحد كَائِنا من كَانَ بل كَانُوا يعضون عَلَيْهَا بالنواجز ويرمون بآرائهم وَرَاء الْحَائِط فَأَيْنَ هَذَا من جمع المقلدين الَّذين لَا يعدلُونَ بقول من قلدوه كتابا وَلَا سنة وَلَا يخالفونه قطّ وَإِن تَوَاتر لَهُم مَا يُخَالِفهُ من السّنة وَمَعَ هَذَا فَإِن الرُّجُوع الَّذِي كَانَ يَقع من بعض الصَّحَابَة إِلَى قَول بعض إِنَّمَا هُوَ فِي الْغَالِب رُجُوع إِلَى رِوَايَته لَا إِلَى رَأْيه لكَونه أخص بِمَعْرِِفَة ذَلِك المروى مِنْهُ بِوَجْه من الْوُجُوه كَمَا يعرف هَذَا من عرف أَحْوَال الصَّحَابَة وَأما مُجَرّد الآراء المخطئة فقد ثَبت عَن أكابرهم النَّهْي عَنْهَا والتنفير مِنْهَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَان طرف من ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِنَّمَا كَانُوا يرجعُونَ إِلَى الرَّأْي إِذا
стр. 12
أعوزهم الدَّلِيل وَضَاقَتْ عَلَيْهِم الْحَادِثَة ثمَّ لَا يبرمون أمرا إِلَّا بعد التراود والمفاوضة وَمَعَ ذَلِك فهم على وَجل وَلِهَذَا كَانُوا يكْرهُونَ تفرد بَعضهم بِرَأْي يُخَالف جَمَاعَتهمْ حَتَّى قَالَ أَبُو عُبَيْدَة السَّلمَانِي لعَلي بن أبي طَالب لرأيك مَعَ الْجَمَاعَة أحب إِلَيْنَا من رَأْيك وَحدك
رَابِعا
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بقوله ﷺ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي وَهُوَ طرف حَدِيث الْعِرْبَاض ابْن سَارِيَة وَهُوَ حَدِيث صَحِيح وَقَوله ﷺ اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر وَهُوَ حَدِيث مَعْرُوف مَشْهُور ثَابت فِي السّنة وَغَيرهَا وَالْجَوَاب إِن مَا سنه الْخُلَفَاء الراشدون من بعده فالأخذ بِهِ لَيْسَ إِلَّا لأَمره ﷺ بِالْأَخْذِ بِهِ فَالْعَمَل بِمَا سنوه والإقتداء بِمَا فَعَلُوهُ هُوَ لأَمره ﷺ لنا بِالْعَمَلِ بِسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين والإقتداء بِأبي بكر وَعمر ﵄ وَلم يَأْمُرنَا بالإستنان بِسنة عَالم من عُلَمَاء الْأمة وَلَا أرشدنا إِلَى الإقتداء بِمَا يرَاهُ مُجْتَهد من الْمُجْتَهدين فَالْحَاصِل إِنَّا لم نَأْخُذ بِسنة الْخُلَفَاء وَلَا اقتدينا بِأبي بكر وَعمر إِلَّا امتثالا لقَوْله ﷺ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي وَبِقَوْلِهِ اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر فَكيف يسوغ لكم أَن تستدلوا بِهَذَا الَّذِي ورد فِيهِ النَّص على مَا لم يرد فِيهِ فَهَل
стр. 13
تَزْعُمُونَ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ عَلَيْكُم بِسنة أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَابْن حَنْبَل حَتَّى يتم لكم مَا تُرِيدُونَ فَإِن قُلْتُمْ نَحن نقيس أَئِمَّة الْمذَاهب على هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاء الرَّاشِدين فيا عجبا لكم كَيفَ ترتقون إِلَى هَذَا المرتقى الصعب وتقدمون هَذَا الْإِقْدَام فِي مقَام الإحجام فَإِن رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا خص الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَجعل سُنَنهمْ كسنته فِي إتباعها لأمر يخْتَص بهم وَلَا يتعداهم إِلَى غَيرهم وَلَو كَانَ الْإِلْحَاق بالخلفاء الرَّاشِدين سائغا لَكَانَ إِلْحَاق المشاركين لَهُم فِي الصُّحْبَة وَالْعلم مقدما على من لم يشاركهم فِي مزية من المزايا بل النِّسْبَة بَينه وَبينهمْ كالنسبة بَين الثرى والثريا فلولا أَن هَذِه المزية خَاصَّة بهم مَقْصُورَة عَلَيْهِم لم يخصهم بهَا رَسُول الله ﷺ دون سَائِر الصَّحَابَة فدعونا من هَذِه التحولات الَّتِي يأباها الْإِنْصَاف وليتكُمْ قلدتم الْخُلَفَاء الرَّاشِدين لهَذَا الدَّلِيل أَو قلدتم مَا صَحَّ عَنْهُم على مَا يَقُوله أئمتكم وَلَكِنَّكُمْ لم تَفعلُوا بل رميتم بِمَا جَاءَ عَنْهُم وَرَاء الْحَائِط إِذا خَالف مَا قَالَه من أَنْتُم أَتبَاع لَهُ وَهَذَا لَا يُنكره إِلَّا مكابر معاند بل رميتم بِصَرِيح الْكتاب ومتواتر السّنة إِذا جَاءَ بِمَا يُخَالف من أَنْتُم لَهُ متبعون فَإِن أنكرتم هَذَا فَهَذِهِ كتبكم أَيهَا المقلدة على البسيطة عرفونا من تتبعون من الْعلمَاء حَتَّى نعرفكم بِمَا ذَكرْنَاهُ
خَامِسًا دون جملَة مَا استدلوا بِهِ حَدِيث أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ
стр. 14
وَالْجَوَاب إِن هَذَا الحَدِيث قد روى من طَرِيق عَن جَابر وَابْن عمر ﵄ وَصرح أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل بِأَنَّهُ لم يَصح مِنْهُ شَيْء وَأَن هَذَا الحَدِيث لم يثبت عَن رَسُول الله ﷺ وَقد يحكم عَلَيْهِ الْحفاظ بِمَا يشفي وَيَكْفِي فَمن رام الْبَحْث عَن طرقه وَعَن تضعيفها فَهُوَ مُمكن بِالنّظرِ فِي كتاب من كتب هَذَا الشَّأْن وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحَدِيث لَا تقوم بِهِ حجَّة ثمَّ لَو كَانَ مِمَّا تقوم بِهِ الْحجَّة فمالكم أَيهَا
стр. 15
المقلدون وَله فَإِنَّهُ تضمن منقبة للصحابة ومزية لَا تُوجد لغَيرهم فَمَاذَا تُرِيدُونَ مِنْهُ فَإِن كَانَ مَا تقلدونه مِنْهُم احتجنا إِلَى الْكَلَام مَعكُمْ وَإِن كَانَ من تقلدونه من غَيرهم فاتركوا مَا لَيْسَ لكم ودعوا الْكَلَام على مَنَاقِب خير الْقُرُون وهاتوا مَا أَنْتُم بصدد الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ فَإِن هَذَا الحَدِيث لَو صَحَّ لَكَانَ الْأَخْذ بأقوال الصَّحَابَة لَيْسَ إِلَّا لكَونه ﷺ أرشدنا إِلَى أَن الإقتداء بأحدهم أهْدى فَنحْن إِنَّمَا امتثلنا إرشاد رَسُول الله ﷺ وحملنا على قَوْله وتبعنا سنته فَإِنَّمَا جعله محلا للإقتداء يكون بِثُبُوت ذَلِك لَهُ بِالسنةِ وَهُوَ قَول رَسُول الله ﷺ فَلم نخرج عَن الْعَمَل بِسنة رَسُول الله ﷺ وَلَا قلدنا غَيره بل سمعنَا الله يَقُول ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ وسمعناه يَقُول ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله وَيغْفر لكم ذنوبكم﴾ وَكَانَ هَذَا القَوْل من جملَة مَا آتَانَا بِهِ فأخذناه واتبعناه فِيهِ وَلم نتبع غَيره وَلَا عولنا على مَا سواهُ فَإِن كُنْتُم تثبتون لأئمتكم هَذِه المزية قِيَاسا فَلَا اعْجَبْ مِمَّا افتريتموه وتقولتموه وَقد سبق الْجَواب عَنْكُم فِي الْبَحْث الَّذِي قبل هَذَا وبمثل هَذَا الْجَواب يُجَاب عَن احتجاجهم بقوله ﷺ إِن معَاذًا قد سنّ لكم سنة وَذَلِكَ فِي شَأْن الصَّلَاة حَيْثُ أخر قَضَاء مَا فَاتَهُ مَعَ الإِمَام وَلَا يخفى عَلَيْك أَن فعل معَاذ هَذَا إِنَّمَا صَار سنة بقول رَسُول الله ﷺ لَا بِمُجَرَّد فعله فَهُوَ إِنَّمَا كَانَ السَّبَب بِثُبُوت السّنة وَلم تكن تِلْكَ سنة إِلَّا بقول
стр. 16
رَسُول الله ﷺ وَهَذَا وَاضح لَا يخفى وبمثل هَذَا الْجَواب على حَدِيث أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ يُجَاب عَن قَول ابْن مَسْعُود فِي وصف الصَّحَابَة فاعرفوا لَهُم حَقهم وتمسكوا بهديهم فَإِنَّهُم كَانُوا على الْهدى الْمُسْتَقيم
خُلَاصَة لما سبق تمّ هَهُنَا جَوَاب شَمل مَا تقدم من حَدِيث عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَحَدِيث اقتدوا باللذين من بعدِي وَحَدِيث أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ وَقَول ابْن مَسْعُود وَهُوَ أَن المُرَاد بالاستنان بهم والإقتداء هُوَ أَن يَأْتِي المستن والمقتدي بِمثل مَا أَتَوا بِهِ وَيفْعل كَمَا فعلوا وهم لَا يَفْعَلُونَ فعلا لَا يَقُولُونَ قولا على وفْق فعل رَسُول الله ﷺ وَقَوله فالإقتداء بهم هُوَ إقتداء برَسُول الله ﷺ والاستنان بسننهم هُوَ استنان بِسنة رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا أرشد النَّاس إِلَى ذَلِك لأَنهم المبلغون عَنهُ الناقلون شَرِيعَته إِلَى من بعده من أمته فالعقل وَأَن كَانَ لَهُم فَهُوَ على طَرِيق الْحِكَايَة لعقل رَسُول الله ﷺ كأفعال الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَالْحج وَنَحْو ذَلِك فهم رُوَاة لَهُ وَإِنَّمَا كَانَ مَنْسُوبا إِلَيْهِم لكَونه قَائِما بهم وَفِي التَّحْقِيق هُوَ رَاجع إِلَى مَا سنه رَسُول الله ﷺ فالإقتداء بهم إقتداء بِهِ والاستنان بسنتهم بِسنة رَسُول الله ﷺ وَإِذا خَفِي عَلَيْك هَذَا فَانْظُر مَا كَانَ يَفْعَله الْخُلَفَاء الراشدون وأكابر الصَّحَابَة من عباداتهم فانك تَجدهُ حِكَايَة لما كَانَ
стр. 17
يَفْعَله رَسُول الله ﷺ وَإِذا اخْتلفُوا فِي شَيْء من ذَلِك فَهُوَ لاختلافهم فِي الرِّوَايَة لَا فِي الرَّأْي وَقل أَن تَجِد فعلا من تِلْكَ الْأَفْعَال صادرا عَن أحد مِنْهُم لمحض رَأْي رَآهُ بل قد لَا تَجِد ذَلِك لَا سِيمَا فِي أَفعَال الْعِبَادَات وَهَذَا يعرفهُ كل من لَهُ خبْرَة بأحوالهم وعَلى هَذَا فَمَعْنَى الحَدِيث أَن رَسُول الله ﷺ خَاطب أَصْحَابه أَن يقتدوا بِمَا يشاهدونه بِفِعْلِهِ من سنَنه وَبِمَا يشاهدون من أَفعَال الْخُلَفَاء الرَّاشِدين فَإِنَّهُم المبلغون عَنهُ العارفون بسنته المقتدون بهَا فَكل مَا يصدر عَنْهُم فِي ذَلِك صادر عَنهُ وَلِهَذَا صَحَّ عَن جمَاعَة من أكَابِر الصَّحَابَة ذمّ الرَّأْي وَأَهله وَكَانُوا لَا يرشدون أحدا إِلَّا إِلَى سنة رَسُول الله ﷺ لَا إِلَى شَيْء من آرائهم وَهَذَا مَعْرُوف لَا يخفى على عَارِف وَمَا نسب إِلَيْهِم من الاجتهادات وَجعله أهل الْعلم رَأيا لَهُم فَهُوَ لَا يخرج عَن الْكتاب وَالسّنة أما بتصريح أَو بتلويح وَقد يظنّ خُرُوج شَيْء من ذَلِك وَهُوَ ظن مَدْفُوع لمن تَأمل حق التَّأَمُّل وَإِذا وجد نَادرا رَأَيْت الصَّحَابِيّ يتحرج أَشد التحرج وَيُصَرح بِأَنَّهُ رَأْيه وَإِن الله بَرِيء من خطئه وينسب الْخَطَأ إِلَى نَفسه وَإِلَى الشَّيْطَان وَالصَّوَاب إِلَى الله تَعَالَى كَمَا تقدم عَن الصّديق فِي تَفْسِير الْكَلَالَة وكما يرْوى عَنهُ وَعَن غَيره فِي فَرَائض الْجد وكما كَانَ يَقُول عمر فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَفَاكِهَة وَأَبا﴾ وَهَذَا الْبَحْث نَفِيس فَتَأَمّله حق تَأمله تنْتَفع بِهِ
стр. 18
سادسا وَمن جملَة مَا استدلوا بِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ وَقَالُوا وَأولُوا الْأَمر هم الْعلمَاء وطاعتهم تقليدهم فِيمَا يفتون بِهِ
وَالْجَوَاب أَن لِلْمُفَسِّرِينَ فِي تَفْسِير أولي الْأَمر قَوْلَيْنِ أَحدهمَا أَنهم الْأُمَرَاء وَالثَّانِي أَنهم الْعلمَاء وَلَا تمْتَنع إِرَادَة الطَّائِفَتَيْنِ من الْآيَة الْكَرِيمَة وَلَكِن أَيْن هَذَا من الدّلَالَة على مُرَاد المقلدين فَإِنَّهُ لَا طَاعَة للْعُلَمَاء وَلَا لِلْأُمَرَاءِ إِلَّا إِذا أمروا بِطَاعَة الله على وفْق شَرِيعَته وَإِلَّا فقد ثَبت عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق وَأَيْضًا الْعلمَاء إِنَّمَا أرشدوا غَيرهم إِلَى ترك تقليدهم ونهوا عَن ذَلِك كَمَا سَيَأْتِي بَيَان طرف مِنْهُ عَن الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم فطاعتهم ترك تقليدهم وَلَو فَرضنَا أَن فِي الْعلمَاء من يرشد النَّاس إِلَى التَّقْلِيد ويرغبهم فِيهِ لَكَانَ مرشدا إِلَى مَعْصِيّة الله وَلَا طَاعَة لَهُ بِنَصّ حَدِيث رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنه مرشد إِلَى مَعْصِيّة الله لِأَن من أرشد هَؤُلَاءِ الْعَامَّة الَّذين لَا يعْقلُونَ الْحجَج وَلَا يعْرفُونَ الصَّوَاب من الْخَطَأ إِلَى التَّمَسُّك بالتقليد كَانَ هَذَا الْإِرْشَاد مِنْهُ مستلزما لإرشادهم إِلَى ترك الْعَمَل بِالْكتاب إِلَّا بِوَاسِطَة آراء الْعلمَاء الَّذين يقلدونهم فَمَا عمِلُوا بِهِ عمِلُوا بِهِ وَمَا لم يعملوا بِهِ لم يعملوا بِهِ وَلَا يلتفتون إِلَى كتاب وَلَا سنة بل من شَرط التَّقْلِيد الَّذِي أصيبوا بِهِ أَن يقبل من إِمَامه رَأْيه وَلَا يعتزل عَن رِوَايَته وَلَا يسْأَله عَن
стр. 19
كتاب وَلَا سنة فَإِن سَأَلَهُ عَنْهُمَا خرج عَن التَّقْلِيد لِأَنَّهُ قد صَار مطالبا بِالْحجَّةِ
وَمن جملَة مَا تحب فِيهِ طَاعَة أولي الْأَمر تَدْبِير الحروب الَّتِي تدهم النَّاس وَالِانْتِفَاع بآرائهم فِيهَا وَفِي غَيرهَا من تَدْبِير أَمر المعاش وجلب الْمصَالح وَدفع الْمَفَاسِد الدُّنْيَوِيَّة وَلَا يبعد أَن تكون هَذِه الطَّاعَة فِي هَذِه الْأُمُور الَّتِي لَيست من الشَّرِيعَة فِي المرادة بِالْأَمر بطاعتهم لِأَنَّهُ لَو كَانَ المُرَاد طاعتهم فِي الْأُمُور الَّتِي شرعها الله وَرَسُوله لَكَانَ ذَلِك دَاخِلا تَحت طَاعَة الله وَطَاعَة الرَّسُول ﷺ وَلَا يبعد أَيْضا أَن تكون الطَّاعَة لَهُم فِي الْأُمُور الشَّرْعِيَّة فِي مثل الْوَاجِبَات المخيرة وواجبات الْكِفَايَة أَو ألزموا بعض الْأَشْخَاص بِالدُّخُولِ فِي وَاجِبَات الْكِفَايَة لزم ذَلِك فَهَذَا أَمر شَرْعِي وَجَبت فِيهِ الطَّاعَة وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الطَّاعَة لأولي الْأَمر الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة هَذِه هِيَ الطَّاعَة الَّتِي تثبت فِي الْأَحَادِيث المتواترة فِي طَاعَة الْأُمَرَاء مَا لم يأمروا بِمَعْصِيَة الله أَو يرى الْمَأْمُور كفرا بواحا فَهَذِهِ الْأَحَادِيث مفسرة لما فِي الْكتاب الْعَزِيز وَلَيْسَ ذك من التَّقْلِيد فِي شَيْء بل هُوَ فِي طَاعَة الْأُمَرَاء الَّذين غلبهم الْجَهْل والبعد عَن الْعلم فِي تَدْبِير الحروب وسياسة الأجناد وجلب مصَالح الْعباد وَأما الْأُمُور الشَّرْعِيَّة الْمَحْضَة فقد أغْنى عَنْهَا كتاب الله وَسنة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 20
سابعا وَأعلم أَن هَذَا الَّذِي سقناه هُوَ عُمْدَة أَدِلَّة المجوزين للتقليد وَقد أبطلنا ذَلِك كُله كَمَا عرفت وَلَهُم شبه غير مَا سقناه وَهِي دون مَا حررناه كَقَوْلِهِم أَن الصَّحَابَة قلدوا عمر فِي الْمَنْع من بيع الْأُمَّهَات الْأَوْلَاد وَفِي أَن الطَّلَاق يتبع الطَّلَاق وَهَذِه فِرْيَة لَيْسَ فِيهَا مرية فَإِن الصَّحَابَة مُخْتَلفُونَ فِي كلتا الْمَسْأَلَتَيْنِ فَمنهمْ من وَافق عمر اجْتِهَادًا لَا تقليدا وَمِنْهُم من خَالفه وَقد كَانَ الموافقون لَهُ يسألونه عَن الدَّلِيل ويستروونه النُّصُوص وشأن الْمُقَلّد أَن لَا يبْحَث عَن دَلِيل بل يقبل الرَّأْي وَيتْرك الرِّوَايَة وَمن لم يكن هَكَذَا فَلَيْسَ بمقلد
ثامنا وَمن جملَة مَا تمسكوا بِهِ أَن الصَّحَابَة كَانُوا يفتون وَالرَّسُول ﷺ بَين أظهرهم وَهَذَا تَقْلِيد لَهُم وَيُجَاب عَن ذَلِك بِأَنَّهُم كَانُوا يفتون بالنصوص من الْكتاب وَالسّنة وَذَلِكَ رِوَايَة مِنْهُم وَلَا يشك من يفهم أَن قبُول الرِّوَايَة لَيْسَ بتقليد فَأن قبُول الرِّوَايَة هُوَ قبُول للحجة والتقليد إِنَّمَا هُوَ قبُول الرَّأْي وَفرق بَين قبُول الرِّوَايَة وَقبُول الرَّأْي فَإِن قبُول الرِّوَايَة لَيْسَ من التَّقْلِيد فِي شَيْء بل هُوَ عكس رسم الْمُقَلّد فاحفظ هَذَا فَإِن مجوزي التَّقْلِيد يغالطون بِمثل ذَلِك كثيرا فَيَقُولُونَ مثلا أَن الْمُجْتَهد هُوَ مقلد لمن روى لَهُ السّنة وَيَقُولُونَ أَن من التَّقْلِيد قبُول قَول الْمَرْأَة أَنَّهَا قد طهرت وَقبُول قَول الْمُؤَذّن أَن الْوَقْت قد دخل وَقبُول الْأَعْمَى لقَوْل من أخبر بالقبلة بل وَجعلُوا من التَّقْلِيد قبُول شَهَادَة
стр. 21
الشَّاهِد وتعديل وجرح الْجَارِح وَلَا يخفى عَلَيْك أَن هَذَا لَيْسَ من التَّقْلِيد فِي شَيْء بل هُوَ من قبُول الرِّوَايَة لَا من قبُول الرَّأْي إِذْ قبُول الرَّاوِي للدليل والمخبر بِدُخُول الْوَقْت وبالطهارة وبالقبلة وَالشَّاهِد والجارح والمزكي هُوَ من قبُول الرِّوَايَة إِذْ الرَّاوِي إِنَّمَا أخبر المروى لَهُ بِالدَّلِيلِ الَّذِي رَوَاهُ وَلم يُخبرهُ بِمَا يرَاهُ من الرَّأْي وَكَذَلِكَ الْمخبر بِدُخُول الْوَقْت إِنَّمَا أخبر بِأَنَّهُ شَاهد عَلامَة من عَلَامَات الْوَقْت وَلم يخبر بِأَنَّهُ قد دخل الْوَقْت بِرَأْيهِ وَكَذَلِكَ الْمخبر بِالطَّهَارَةِ فَإِن الْمَرْأَة مثلا أخْبرت أَنَّهَا قد شاهدت عَلامَة الطُّهْر من الْقِصَّة الْبَيْضَاء وَنَحْوهَا وَلم تخبر بِأَن ذَلِك رَأْي رَأَتْهُ وَهَكَذَا الْمخبر بالقبلة أخبر أَن جِهَتهَا أَو عينهَا هَهُنَا حَيْثُمَا تَقْتَضِيه الْمُشَاهدَة بالحاسة وَلم يخبر عَن رَأْيه وَهَكَذَا الشَّاهِد فَإِنَّهُ أخبر عَن أَمر يُعلمهُ بِأحد الْحَواس وَلم يخبر عَن رَأْيه فِي ذَلِك الْأَمر وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا أوضح من أَن يخفى وَالْفرق بَين الرِّوَايَة والرأي أبين من الشَّمْس وَمن الْتبس عَلَيْهِ الْفرق بَينهمَا فَلَا يشغل نَفسه بالمعارف العلمية فَإِنَّهُ بهيمي الْفَهم وَإِن كَانَ فِي مسلاخ إِنْسَان
قَالَ ابْن حزيز منداد الْبَصْرِيّ الْمَالِكِي التَّقْلِيد مَعْنَاهُ فِي الشَّرْع الرُّجُوع الى قَول لَا حجَّة لقائله عَلَيْهِ وَذَلِكَ مَمْنُوع مِنْهُ فِي الشَّرِيعَة والإتباع مَا ثَبت عَلَيْهِ الْحجَّة إِلَى أَن قَالَ والإتباع فِي الدّين متبوع والتقليد مَمْنُوع وَسَيَأْتِي
стр. 22
مثل هَذَا الْكَلَام لإبن عبد الْبر وَغَيره
تاسعا وَقد أورد بعض اسراء التَّقْلِيد كلَاما يُؤَيّد بِهِ دَعْوَاهُ الْجَوَاز فَقَالَ مَا مَعْنَاهُ لَو كَانَ التَّقْلِيد غير جَائِز لَكَانَ الِاجْتِهَاد وَاجِبا على كل فَرد من أَفْرَاد الْعباد وَهُوَ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق فَإِن الطباع البشرية مُتَفَاوِتَة فَمِنْهَا مَا هُوَ قَابل للعلوم الاجتهادية وَمِنْهَا مَا هُوَ قَاصِر عَن ذَلِك وَهُوَ غَالب الطباع وعَلى فرض إِنَّهَا قَابِلَة لَهُ جَمِيعهَا فوجوب تَحْصِيله على كل فَرد يُؤَدِّي إِلَى تبطيل المعايش الَّتِي لَا يتم بَقَاء النَّوْع بِدُونِهَا فَإِنَّهُ لَا يظفر برتبة الِاجْتِهَاد إِلَّا من جرد نَفسه للْعلم فِي جَمِيع أوقاته على وَجه لَا يشْتَغل بِغَيْرِهِ فَحِينَئِذٍ يشْتَغل الحراث والزراع والنساج والعمار وَنَحْوهم بِالْعلمِ وَتبقى هَذِه الْأَعْمَال شاغرة معطلة فَتبْطل المعايش بأسرها ويفضي ذَلِك إِلَى إنحزام نظام الْحَيَاة وَذَهَاب نوع الْإِنْسَان وَفِي هَذَا من الضَّرَر وَالْمَشَقَّة وَمُخَالفَة مَقْصُود الشَّارِع مَا لَا يخفى على أحد
وَيُجَاب عَن هَذَا التشكيك الْفَاسِد بِأَنا لَا نطلب من كل فَرد من أَفْرَاد الْعباد أَن يبلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد بل الْمَطْلُوب هُوَ أَمر دون التَّقْلِيد وَذَلِكَ بِأَن يكون القائمون بِهَذِهِ المعايش والقاصرون إدراكا وفهما كَمَا كَانَ عَلَيْهِ أمثالهم فِي أَيَّام الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم وهم خير الْقُرُون الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ وَقد علم كل عَالم أَنهم لم يَكُونُوا
стр. 23
مقلدين وَلَا منتسبين إِلَى فَرد من أَفْرَاد الْعلمَاء بل كَانَ الْجَاهِل يسْأَل الْعَالم عَن الحكم الشَّرْعِيّ الثَّابِت فِي كتاب الله أَو بِسنة رَسُوله ﷺ فيفتيه بِهِ وَيَرْوِيه لَهُ لفظا أَو معنى فَيعْمل بذلك من بَاب الْعَمَل بالرواية لَا بِالرَّأْيِ وَهَذَا أسهل من التَّقْلِيد فَإِن تفهم دقائق علم الرَّأْي أصعب من تفهم الرِّوَايَة بمراحل كَثِيرَة فَمَا طلبنا من هَؤُلَاءِ الْعَوام إِلَّا مَا هُوَ أخف عَلَيْهِم مِمَّا طلبه مِنْهُم الملزمون لَهُم بالتقليد وَهَذَا هُوَ الْهدى الَّذِي درج عَلَيْهِ خير الْقُرُون ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ حَتَّى استدرج الشَّيْطَان بذريعة التَّقْلِيد من استدرج وَلم يكتف بذلك حَتَّى سَوَّلَ لَهُم الِاقْتِصَار على تَقْلِيد فَرد من أَفْرَاد الْعلمَاء وَعدم جَوَاز تَقْلِيد غَيره ثمَّ توسع فِي ذَلِك فخيل لكل طَائِفَة أَن الْحق مَقْصُور على مَا قَالَه إمامها وَمَا عداهُ بَاطِل ثمَّ أوقع فِي قُلُوبهم الْعَدَاوَة والبغضاء حَتَّى إِنَّك تَجِد من الْعَدَاوَة بَين أهل الْمذَاهب الْمُخْتَلفَة مَا لم تَجدهُ بَين أهل الْملَل الْمُخْتَلفَة وَهَذَا يعرفهُ كل من عرف أَحْوَالهم فَانْظُر إِلَى هَذِه الْبِدْعَة الشيطانية الَّتِي فرقت بَين أهل هَذِه الْملَّة الشَّرِيفَة وصيرتهم على مَا
стр. 24
يرَاهُ من التباين والتقاطع والتخالف فَلَو لم يكن من شُؤْم هَذِه التقليدات والمذاهب المبتدعات إِلَّا مُجَرّد هَذِه الْفرْقَة بَين أهل الْإِسْلَام مَعَ كَونهم أهل مِلَّة وَاحِدَة وَنَبِي وَاحِد وَكتاب وَاحِد لَكَانَ ذَلِك كَافِيا فِي كَونهَا غير جَائِزَة فَإِن النَّبِي ﷺ كَانَ ينْهَى عَن الْفرْقَة ويرشد إِلَى الِاجْتِمَاع ويذم المتفرقين فِي الدّين حَتَّى أَنه قَالَ فِي تِلَاوَة الْقُرْآن وَهُوَ من أعظم الطَّاعَات إِنَّهُم إِذا اخْتلفُوا تركُوا التِّلَاوَة وَأَنَّهُمْ يَتلون مَا دَامَت قُلُوبهم مؤتلفة وَكَذَا ثَبت ذمّ التَّفَرُّق وَالِاخْتِلَاف فِي مَوَاضِع من الْكتاب الْعَزِيز مَعْرُوفَة فَكيف يحل لعالم أَن يَقُول بِجَوَاز التَّقْلِيد الَّذِي كَانَ سَبَب فرقة أهل الْإِسْلَام وانتشار مَا كَانَ عَلَيْهِ من النظام والتقاطع بَين أَهله وَإِن كَانُوا ذَوي أَرْحَام
عاشرا وَقد احْتج بعض أسراء التَّقْلِيد وَمن لم يخرج عَن أَهله وَإِن كَانَ عِنْد نَفسه قد خرج مِنْهُ بِالْإِجْمَاع على جَوَازه وَهَذِه دَعْوَى لَا تصدر من ذِي قدم راسخة فِي علم الشَّرِيعَة بل لَا تصدر من عَارِف بأقوال أهل الْعلم بل لَا تصدر من عَارِف بأقوال أَئِمَّة أهل الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فَإِنَّهُ قد صَحَّ عَنْهُم الْمَنْع من التَّقْلِيد
стр. 25
أَقْوَال الْعلمَاء فِي النَّهْي عَن التَّقْلِيد
قَالَ ابْن عبد الْبر أَنه لَا خلاف بَين أَئِمَّة أهل الْأَعْصَار فِي فَسَاد التَّقْلِيد وَأورد فصلا طَويلا فِي محاججه من قَالَ بالتقليد وإلزامه بطلَان مَا يزعمه من جَوَازه فَقَالَ يُقَال لمن قَالَ بالتقليد لم قلت بِهِ وخالفت السّلف فِي ذَلِك بِهِ فَإِنَّهُم لم يقلدوا فَإِن قلت قلدت لِأَن كتاب الله تَعَالَى لَا علم لي بتأويله وَسنة رَسُول الله ﷺ لم أحصها وَالَّذِي قد قلدته قد علم ذَلِك فقلدت من هُوَ أعلم مني قيل لَهُ أما الْعلمَاء إِذا أَجمعُوا على شَيْء من تَأْوِيل كتاب الله أَو حِكَايَة لسنة رَسُول الله ﷺ أَو اجْتمع رَأْيهمْ على شَيْء فَهُوَ الْحق لَا شكّ فِيهِ وَلَكِن قد اخْتلفُوا فِيمَا قلدت فِيهِ بَعضهم دون بعض فَمَا حجتك فِي تَقْلِيد بعض دون بعض وَكلهمْ عَالم وَلَعَلَّ الَّذِي رغبت عَن قَوْله أعلم من الَّذِي ذهبت إِلَى مذْهبه فَإِن قَالَ قلدته لِأَنِّي علمت أَنه صَوَاب قلت لَهُ علمت ذَلِك بِدَلِيل من كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع فَإِن قَالَ نعم فقد أبطل التَّقْلِيد وطولب بِمَا ادَّعَاهُ من
стр. 26
الدَّلِيل وَإِن قَالَ قلدته لِأَنَّهُ أعلم مني قيل لَهُ فقلدت كل من هُوَ أعلم مِنْك فَإنَّك تَجِد من ذَلِك خلقا كثيرا وَلَا تخص من قلدته إِذْ علمك فِيهِ أَنه أعلم مِنْك فَإِن قَالَ قلدته لِأَنَّهُ أعلم النَّاس قيل لَهُ فَهُوَ إِذا أعلم من الصَّحَابَة وَكفى بقوله مثل هَذَا قبحا اه مَا أردْت نَقله من كَلَامه وَهُوَ طَوِيل وَقد حكى فِي أَدِلَّة الْإِجْمَاع على فَسَاد التَّقْلِيد فَدخل فِيهِ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة دُخُولا أوليا
وَحكى ابْن الْقيم عَن أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف أَنَّهُمَا قَالَا لَا يحل لأحد أَن يَقُول بقولنَا حَتَّى يعلم من أَيْن قُلْنَاهُ وَهَذَا هُوَ تَصْرِيح بِمَنْع التَّقْلِيد لِأَن من علم بِالدَّلِيلِ فَهُوَ مُجْتَهد مطَالب بِالْحجَّةِ لَا مقلد فَإِنَّهُ الَّذِي يقبل القَوْل وَلَا يُطَالب بِحجَّة وَحكى ابْن عبد الْبر أَيْضا عَن معن بن عِيسَى بِإِسْنَاد مُتَّصِل بِهِ قَالَ سَمِعت مَالِكًا يَقُول إِنَّمَا أَنا بشر أخطئ وَأُصِيب فانظروا فِي رَأْيِي فَكل مَا وَافق الْكتاب وَالسّنة فَخُذُوهُ وكل مَا لم يُوَافق الْكتاب وَالسّنة فاتركوه
وَلَا يخفى عَلَيْك أَن هَذَا تَصْرِيح مِنْهُ بِالْمَنْعِ من تَقْلِيده لِأَن الْعَمَل بِمَا وَافق الْكتاب وَالسّنة من كَلَامه هُوَ عمل بِالْكتاب وَالسّنة وَلَيْسَ بمنسوب إِلَيْهِ وَقد أَمر أَتْبَاعه بترك مَا كَانَ من رَأْيه غير مُوَافق للْكتاب وَالسّنة وَقَالَ سَنَد بن عنان الْمَالِكِي فِي شَرحه على مدونة سَحْنُون
стр. 27
الْمَعْرُوفَة بِالْأُمِّ مَا لَفظه أما مُجَرّد الِاقْتِصَار على مَحْض التَّقْلِيد فَلَا يرضى بِهِ رجل رشيد وَقَالَ أَيْضا نفس الْمُقَلّد لَيْسَ على بَصِيرَة وَلَا يَتَّصِف من الْعلم بِحَقِيقَة إِذْ لَيْسَ التَّقْلِيد بطرِيق إِلَى الْعلم بوفاق أهل الرفاق وَإِن توزعنا فِي ذَلِك أبدينا برهانه فَنَقُول قَالَ الله تَعَالَى ﴿فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ﴾ وَقَالَ ﴿فِيمَا آتاك الله﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَقَالَ ﴿وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ وَمَعْلُوم أَن الْعلم هُوَ معرفَة الْمَعْلُوم على مَا هُوَ بِهِ فَنَقُول للمقلد إِذا اخْتلفت الْأَقْوَال وتشعبت من أَيْن تعلم صِحَة قَول من قلدته دون غَيره أَو صِحَة قربَة على قربَة أُخْرَى وَلَا يبدر كلَاما فِي ذَلِك إِلَّا انعكس عَلَيْهِ فِي نقيضه سِيمَا إِذا عرض لَهُ ذَلِك فِي مزية لإِمَام مذْهبه الَّذِي قَلّدهُ أَو قربه يُخَالِفهَا لبَعض أَئِمَّة الصَّحَابَة إِلَى أَن قَالَ أما التَّقْلِيد فَهُوَ قبُول قَول الْغَيْر من غير حجَّة فَمن أَيْن يحصل بِهِ علم وَلَيْسَ لَهُ مُسْتَند إِلَى قطع وَهُوَ أَيْضا فِي نَفسه بِدعَة محدثة لأَنا نعلم بِالْقطعِ أَن الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم لم يكن فِي زمانهم وعصرهم مَذْهَب لرجل معِين يدْرك ويقلد وَإِنَّمَا كَانُوا يرجعُونَ فِي النَّوَازِل إِلَى الْكتاب وَالسّنة أَو إِلَى مَا يتمحض بَينهم من النّظر عِنْد فقد الدَّلِيل وَكَذَلِكَ تابعوهم أَيْضا يرجعُونَ إِلَى الْكتاب وَالسّنة فَإِن لم يَجدوا نظرُوا إِلَى مَا
стр. 28
أجمع عَلَيْهِ الصَّحَابَة فَإِن لم يَجدوا اجتهدوا وَاخْتَارَ بَعضهم قَول صَحَابِيّ فَرَآهُ الْأَقْوَى فِي دين الله تَعَالَى ثمَّ كَانَ الْقرن الثَّالِث وَفِيه كَانَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَابْن حَنْبَل فَإِن مَالِكًا توفّي سنة تسع وَسبعين وَمِائَة وَتُوفِّي أَبُو حنيفَة سنة خمسين وَمِائَة وَفِي هَذِه السّنة ولد الإِمَام الشَّافِعِي وَولد ابْن حَنْبَل سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَكَانُوا على منهاج من مضى لم يكن فِي عصرهم مَذْهَب رجل معِين يتدارسونه وعَلى قريب مِنْهُم كَانَ ابتداعهم فكم من قَوْله لمَالِك ونظرائه خَالفه فِيهَا أَصْحَابه وَلَو نقلنا ذَلِك لخرجنا عَن مَقْصُود ذَلِك الْكتاب مَا ذَاك إِلَّا لجمعهم آلَات الِاجْتِهَاد وقدرتهم على ضروب الاستنباطات وَلَقَد صدق الله نبيه فِي قَوْله خير الْقُرُون قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ذكر بعد قرنه قرنين والْحَدِيث فِي صَحِيح البُخَارِيّ
فالعجب من أهل التَّقْلِيد كَيفَ يَقُولُونَ هَذَا هُوَ الْأَمر الْقَدِيم وَعَلِيهِ أدركنا الشُّيُوخ وَهُوَ إِنَّمَا حدث بعد مِائَتي سنة من الْهِجْرَة وَبعد فنَاء الْقُرُون الَّذين أثنى عَلَيْهِم الرَّسُول ﷺ أه
وَقد عرفت بِهَذَا أَن التَّقْلِيد لم يحدث إِلَّا بعد انْقِرَاض
стр. 29
خير الْقُرُون ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ وَإِن حُدُوث التمذهب بمذاهب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة إِنَّمَا كَانَ بعد انْقِرَاض الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَإِنَّهُم كَانُوا على نمط من تقدمهم من السّلف فِي هجر التَّقْلِيد وَعدم الِاعْتِدَاد بِهِ وَإِن هَذِه الْمذَاهب إِنَّمَا أحدثها عوام المقلدة لأَنْفُسِهِمْ من دون أَن يَأْذَن بهَا إِمَام من الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين وَقد تَوَاتَرَتْ الرِّوَايَة عَن الإِمَام مَالك أَنه قَالَ لَهُ الرشيد أَنه يُرِيد أَن يحمل النَّاس على مذْهبه فَنَهَاهُ عَن ذَلِك وَهَذَا مَوْجُود فِي كل كتاب فِيهِ تَرْجَمَة الإِمَام مَالك وَلَا يَخْلُو من ذَلِك إِلَّا النَّادِر وَإِذا تقرر أَن الْمُحدث لهَذِهِ الْمذَاهب والمبتدع لهَذِهِ التقليدات هم جملَة المقلدة فَقَط فقد عرفت مِمَّا تقرر فِي الْأُصُول أَنه لَا اعْتِدَاد بهم فِي الْإِجْمَاع وَإِن الْمُعْتَبر فِي الْإِجْمَاع إِنَّمَا هم المجتهدون وَحِينَئِذٍ لم يقل بِهَذِهِ التقليدات عَالم من الْعلمَاء الْمُجْتَهدين أما قبل حدوثها فَظَاهر وَأما بعد حدوثها فَمَا سمعنَا عَن مُجْتَهد من الْمُجْتَهدين أَنه يسوغ صَنِيع هَؤُلَاءِ المقلدة الَّذين فرقوا دين الله وخالفوا بَين الْمُسلمين بل أكَابِر الْعلمَاء مُنكر لَهَا
стр. 30
وَسَاكِت عَنْهَا سكُوت تقية لمخافة ضَرَر أَو لمخافة فَوَات نفع كَمَا يكون مثل ذَلِك كثيرا لَا سِيمَا من عُلَمَاء السوء وكل عَاقل يعلم أَنه لَو صرح عَالم من عُلَمَاء الْإِسْلَام الْمُجْتَهدين فِي مَدِينَة من مَدَائِن الْإِسْلَام فِي أَي مَحل كَانَ بِأَن التَّقْلِيد بِدعَة مُحرمَة لَا يجوز الِاسْتِمْرَار عَلَيْهِ وَلَا الِاعْتِدَاد بِهِ لقام عَلَيْهِ أَكثر أَهلهَا إِن لم يقم عَلَيْهِ كلهم وأنزلوا بِهِ الإهانة والإضرار بِمَالِه وبدنه وَعرضه بِمَا لَا يَلِيق بِمن هُوَ دونه إِذا سلم من الْقَتْل على يَد أول جَاهِل من هَؤُلَاءِ المقلدة وَمن يعضدهم من جَهله الْمُلُوك والأجناد فَإِن طبائع الْجَاهِلين بِعلم الشَّرِيعَة مُتَقَارِبَة وهم لكَلَام من يجانسهم فِي الْجَهْل أقبل من كَلَام من يخالفهم فِي ذَلِك من أهل الْعلم وَلِهَذَا طبقت هَذِه الْبِدْعَة جَمِيع الْبِلَاد الإسلامية وَصَارَت شَامِلَة لكل فَرد من أَفْرَاد الْمُسلمين فالجاهل يعْتَقد أَن الدّين مَا زَالَ هَكَذَا وَلنْ يزَال إِلَى الْحَشْر وَلَا يعرف مَعْرُوفا وَلَا يُنكر مُنْكرا وَهَكَذَا من كَانَ من المشتغلين بِعلم التَّقْلِيد فَإِنَّهُ كالجاهل بل أقبح مِنْهُ لِأَنَّهُ يضم إِلَى جَهله وإصراره على بِدعَة التَّقْلِيد وتحسينها فِي عُيُون أهل الْجَهْل الازدراء بالعلماء الْمُحَقِّقين والعارفين بِكِتَاب الله وبسنة رَسُوله ﷺ ويصول عَلَيْهِم ويجول وينسبهم إِلَى الابتداع وَمُخَالفَة الْأَئِمَّة والتنقص
стр. 31
بشأنهم فَيسمع ذَلِك مِنْهُم الْمُلُوك وَمن يتَصَرَّف بالنيابة عَنْهُم من أعوانهم فيصدقونه ويذعنون لقَوْله إِذْ هُوَ مجانس لَهُم فِي كَونه جَاهِلا وَإِن كَانَ يعرف مسَائِل قلد فِيهَا غَيره لَا يدْرِي أهوَ حق أم بَاطِل لَا سِيمَا إِذا كَانَ قَاضِيا أَو مفتيا فَإِن الْعَاميّ لَا ينظر إِلَى أهل الْعلم بِعَين مُمَيزَة بَين من هُوَ عَالم على الْحَقِيقَة وَمن هُوَ جَاهِل وَبَين من هُوَ مقصر وَمن هُوَ كَامِل لِأَنَّهُ لَا يعرف الْفضل لأهل الفضيل إِلَّا أَهله وَأما الْجَاهِل فَإِنَّهُ يسْتَدلّ على الْعلم بالمناصب والقرب من الْمُلُوك واجتماع المدرسين من المقلدين وتحرير الْفَتَاوَى للمتخاصمين وَهَذِه الْأُمُور إِنَّمَا يقوم بهَا رُؤُوس هَؤُلَاءِ المقلدة فِي الْغَالِب كَمَا يعلم ذَلِك كل عَالم بأحوال النَّاس فِي قديم الزَّمن وَحَدِيثه وَهَذَا يعرفهُ الْإِنْسَان بِالْمُشَاهَدَةِ لأهل عصره وبمطالعة كتب التَّارِيخ الحاكية لما كَانَ عَلَيْهِ من قبله وَأما الْعلمَاء الْمُحَقِّقُونَ المجتهدون فالغالب على أَكْثَرهم الخمول لِأَنَّهُ لما كثر التَّفَاوُت بَينهم وَبَين أهل الْجَهْل كَانُوا متقاعدين لَا يرغب هَذَا فِي هَذَا وَلَا هَذَا فِي هَذَا ومنزلة الْفَقِيه من السَّفِيه كمنزلة السَّفِيه من الْفَقِيه فَهَذَا زاهد فِي حق هَذَا وَهَذَا أزهد مِنْهُ فِيهِ وَمِمَّا يَدْعُو الْعلمَاء إِلَى مهاجرة أكَابِر الْعلمَاء ومقاطعتهم إِنَّهُم يجدونهم غير راغبين فِي علم التَّقْلِيد الَّذِي هُوَ رَأس مَال فقهائهم وعلمائهم والمفتين مِنْهُم بل يجدونهم مشتغلين بعلوم الِاجْتِهَاد وَهِي عِنْد هَؤُلَاءِ المقلدة
стр. 32
لَيست من الْعُلُوم النافعة بل الْعُلُوم النافعة عِنْدهم هِيَ الَّتِي يتعجلون نَفعهَا بِقَبض جرايات التدريس وَأُجْرَة الْفَتَاوَى ومقررات الْقَضَاء وَمَعَ هَذَا فَمن كَانَ من هَؤُلَاءِ المقلدة مُتَمَكنًا من تدريسهم فِي علم التَّقْلِيد إِذا درسهم فِي مَسْجِد من الْمَسَاجِد أَو فِي مدرسة من الْمدَارِس اجْتمع عَلَيْهِ مِنْهُم جمع جم يُقَارب الْمِائَة أَو يجاوزها من قوم قد ترشحوا للْقَضَاء والفتيا وطمعوا فِي نيل الرياسة الدُّنْيَوِيَّة أَو أَرَادوا حفظ مَا قد ناله سلفهم من الرياسة وَبَقَاء مناصبهم والمحافظة على التَّمَسُّك بهَا كَمَا كَانَ عَلَيْهِ أسلافهم فهم لهَذَا الْمَقْصد يلبسُونَ الثِّيَاب الرفيعة ويديرون على رُؤْسهمْ عمائم كالروابي فَإِذا نظر الْعَاميّ أَو السُّلْطَان أَو بعض أعوانه إِلَى تِلْكَ الْحلقَة البهيمية الْمُشْتَملَة على الْعدَد الْكثير والملبوس الشهير والدفاتر الضخمة لم يبْق عِنْده شكّ أَن شيخ تِلْكَ الْحلقَة ومدرسها أعلم النَّاس فَيقبل قَوْله فِي كل أَمر يتَعَلَّق بِالدّينِ ويؤهله لكل مشكلة ويرجو مِنْهُ من الْقيام بالشريعة مَا لَا يرجوه من الْعَالم على الْحَقِيقَة المبرز فِي علم الْكتاب وَالسّنة وَسَائِر الْعُلُوم الَّتِي يتَوَقَّف فهم المعلمين عَلَيْهَا وَلَا سِيمَا غَالب المبرزين من الْعلمَاء وَتَحْت ذيول الخمول إِذا درسوا فِي علم بَين عُلُوم الِاجْتِهَاد فَلَا يجْتَمع عَلَيْهِم فِي الْغَالِب إِلَّا الرجل وَالرجلَانِ وَالثَّلَاثَة لِأَن الْبَالِغين من الطّلبَة إِلَى هَذِه الرُّتْبَة المستعدين لعلم الِاجْتِهَاد هم أقل
стр. 33
قَلِيل لِأَنَّهُ لَا يرغب فِي علم الِاجْتِهَاد إِلَّا من أخْلص النِّيَّة وَطلب الْعلم لله وَرغب عَن المناصب الدُّنْيَوِيَّة وربط نَفسه برباط الزّهْد وألجم نَفسه بلجام القنوع فَلْينْظر الْعَاقِل أَيْن يكون مَحل هَذَا الْعَالم على التَّحْقِيق عِنْد أهل الدُّنْيَا إِذا شاهدوه فِي زَاوِيَة من زَوَايَا الْمَسْجِد وَقد قعد بَين يَدَيْهِ رجل أَو رجلَانِ من مَحل ذَلِك الْمُقَلّد الَّذِي اجْتمع عَلَيْهِ المقلدون فَإِنَّهُم رُبمَا يَعْتَقِدُونَ أَنه كواحد من تلامذة الْمُقَلّد أَو يقصر عَنهُ لما يشاهدون من الْأَوْصَاف الَّتِي قدمنَا ذكرهَا وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُم لَا يقفون على فَتْوَى من الْفَتَاوَى أَو سجل من السجلات إِلَّا وَهُوَ بِخَط أهل التَّقْلِيد ومنسوب إِلَيْهِم فيزدادون لَهُم بذلك تَعْظِيمًا ويقدمونهم على عُلَمَاء الِاجْتِهَاد فِي كل اصدار وإيراد فَإِذا تكلم عَالم من عُلَمَاء الِاجْتِهَاد وَالْحَال هَذِه بِشَيْء يُخَالف مَا يَعْتَقِدهُ المقلدة قَامُوا عَلَيْهِ قومه جَاهِلِيَّة وَوَافَقَهُمْ على ذَلِك أهل الدُّنْيَا وأرباب السُّلْطَان فَإِذا قدرُوا على الْإِضْرَار بِهِ فِي بدنه وَمَاله فعلوا ذَلِك وهم بفعلهم مشكورون عِنْد أَبنَاء جنسهم من الْعَامَّة والمقلدة لأَنهم قَامُوا بنصرة الدّين بزعمهم وذبوا عَن الْأَئِمَّة المتبوعين وَعَن مذاهبهم الَّتِي قد اعتقدها أتباعهم فَيكون لَهُم بِهَذِهِ الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ عين الْجَهْل والضلال من الجاه والرفعة عِنْد أَبنَاء جنسهم مَا لم يكن فِي حِسَاب
стр. 34
وَأما ذَلِك الْعَالم الْمُحَقق الْمُتَكَلّم بِالصَّوَابِ فبالأحرى أَن لَا ينجو من شرهم وَيسلم من ضرهم وَأما عرضه فَيصير عرضه للشتم والتبديع والتجهيل والتضليل فَمن ذَا ترى ينصب نَفسه للانكار على هَذِه الْبِدْعَة وَيقوم فِي النَّاس بتبطيل هَذِه الشنعة مَعَ كَون الدُّنْيَا مُؤثرَة وَحب الشّرف وَالْمَال يمِيل بالقلوب على كل حَال فَانْظُر إِلَيْهَا أَيهَا الْمنصف بِعَين الْإِنْصَاف هَل يعد سكُوت عُلَمَاء الِاجْتِهَاد على إِنْكَار بِدعَة التَّقْلِيد مَعَ هَذِه الْأُمُور مُوَافقَة لأَهْلهَا على جوارها كلا وَالله فَأَنَّهُ سكُوت تقية لَا سكُوت مُوَافقَة مرضية وَلَكنهُمْ مَعَ سكوتهم عَن التظاهر بذلك لَا يتركون بَيَان مَا أَخذ الله عَلَيْهِم بَيَانه فَتَارَة يصرحون بذلك فِي مؤلفاتهم وَتارَة يلوحون بِهِ وَكثير مِنْهُم يكتم مَا يُصَرح بِهِ من تَحْرِيم التَّقْلِيد إِلَى مَا بعد مَوته كَمَا روى الأرتوي عَن شَيْخه الإِمَام ابْن دَقِيق الْعِيد أَنه طلب مِنْهُ ورقة وكتبها فِي مرض مَوته وَجعلهَا تَحت فرَاشه فَلَمَّا مَاتَ أخرجوها فَإِذا هِيَ فِي تَحْرِيم التَّقْلِيد مُطلقًا وَمِنْهُم من يُوضح ذَلِك لمن يَثِق بِهِ من أهل الْعلم وَلَا يزالون متوارثين لذَلِك فِيمَا بَينهم طبقَة بعد طبقَة يُوضحهُ السّلف للخلف ويبلغه الْكَامِل للمقصر وَأَن انحجب ذَلِك عَن أهل التَّقْلِيد فَهُوَ غير محتجب عَن غَيرهم وَقد رَأينَا فِي زَمَاننَا مَشَايِخنَا
стр. 35
المشتغلين بعلوم الِاجْتِهَاد فَلم نجد فيهم وَاحِدًا مِنْهُم يَقُول أَن التَّقْلِيد صَوَاب وَمِنْهُم من صرح بانكار التَّقْلِيد من أَصله وَإِن كَانَ فِي كثير من الْمسَائِل الَّتِي يعتقدها المقلدون فَوَقع بَينه وَبَين أهل عصره قلاقل وزلازل ونالهم من الامتحان مَا فِيهِ توفير أُجُورهم وَهَكَذَا حَال أهل سَائِر الديار فِي جَمِيع الاعصار
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا أَمر يُشَاهِدهُ كل أحد فِي زَمَنه فَإنَّا لم نسْمع بِأَن أهل مَدِينَة من الْمَدَائِن الإسلامية أَجمعُوا أَمرهم على ترك التَّقْلِيد وإتباع الْكتاب وَالسّنة لَا فِي هَذَا الْعَصْر وَلَا فِيمَا تقدمه من العصور بعد ظُهُور الْمذَاهب بل أهل الْبِلَاد الإسلامية أجمع أَكْتَع مطبقون على التَّقْلِيد وَمن كَانَ مِنْهُم منتسبا إِلَى الْعلم فَهُوَ إِمَّا أَن يكون غلب عَلَيْهِ معرفَة مَا هُوَ مقلد فِيهِ وَهَذَا عِنْد أهل التَّحْقِيق لَيْسَ من أهل الْعلم وَإِمَّا أَن يكون قد اشْتغل بِبَعْض عُلُوم الِاجْتِهَاد وَلم يتأهل للنَّظَر فَوقف تَحت ربقة التَّقْلِيد ضَرُورَة لَا اخْتِيَارا وَإِمَّا أَن يكون عَالما مبرزا جَامعا لعلوم الِاجْتِهَاد فَهَذَا الَّذِي يجب عَلَيْهِ أَن يتَكَلَّم بِالْحَقِّ وَلَا يخَاف فِي الله لومة لائم إِلَّا لمسوغ شَرْعِي وَأما من لم يكن منتسبا إِلَى الْعلم فَهُوَ إِمَّا عَامي صرف لَا يعرف التَّقْلِيد وَلَا
стр. 36
غَيره وَإِنَّمَا ينتمي إِلَى الْإِسْلَام جملَة وَيفْعل كَمَا يَفْعَله أهل بَلَده فِي صلَاته وَسَائِر عباداته ومعاملاته فَهَذَا قد أراح نَفسه من محنة التعصب الَّتِي يَقع فِيهَا المقلدون وَكفى الله أهل الْعلم شَره فَهُوَ لَا وازع لَهُ من نَفسه يحملهُ على التعصب عَلَيْهِم بل رُبمَا نفخ فِيهِ بعض شياطين المقلدة وسعى إِلَيْهِ بعلماء الِاجْتِهَاد فَحَمله على أَن يجهل عَلَيْهِم بِمَا يوبقه فِي حَيَاته وَبعد مماته
وَأما أَن يكون مرتفعا عَن هَذِه الطَّبَقَة قَلِيلا فَيكون غير مشتغل بِطَلَب الْعلم لكنه يسْأَل أهل الْعلم عَن أَمر عِبَادَته ومعاملته وَله بعض تَمْيِيز فَهَذَا هُوَ تبع لمن يسْأَله من أهل الْعلم إِن كَانَ يسْأَل المقلدين فَهُوَ لَا يرى الْحق إِلَّا فِي التَّقْلِيد وَإِن كَانَ يسْأَل الْمُجْتَهدين فَهُوَ يعْتَقد أَن الْحق مَا يرشدونه إِلَيْهِ فَهُوَ مَعَ من غلب عَلَيْهِ من الطائفيين وَأما أَن يكون مِمَّن لَهُ اشْتِغَال بِطَلَب علم المقلدين وأكباب على حفظه وفهمه وَلَا يرفع رَأسه إِلَى سواهُ وَلَا يلْتَفت إِلَى غَيره فالغالب على هَؤُلَاءِ التعصب المفرط على عُلَمَاء الِاجْتِهَاد ورميهم بِكُل حجر ومدر وإيهام الْعَامَّة بِأَنَّهُم مخالفون لإِمَام الْمَذْهَب الَّذِي قد ضَاقَتْ أذهانهم عَن تصور عَظِيم قدره وامتلأت قُلُوبهم من هَيْبَة من تقرر عِنْدهم أَنه فِي دَرَجَة لم تبلغها الصَّحَابَة فضلا عَمَّن بعدهمْ وَهَذَا وَأَن لم يصرحوا بِهِ فَهُوَ مَا تكنه صُدُورهمْ وَلَا تنطق بِهِ
стр. 37
ألسنتهم فَمَعَ مَا قد صَار عِنْدهم من هَذَا الِاعْتِقَاد فِي ذَلِك الإِمَام إِذا بَلغهُمْ أَن أحد عُلَمَاء الِاجْتِهَاد الْمَوْجُودين يُخَالِفهُ فِي مَسْأَلَة من الْمسَائِل كَانَ هَذَا الْمُخَالف قد ارْتكب أمرا شنيعا وَخَالف عِنْدهم شَيْئا قَطْعِيا وَأَخْطَأ خطئا لَا يكفره شَيْء وَإِن اسْتدلَّ على مَا ذهب إِلَيْهِ بِالْآيَاتِ القرآنية وَالْأَحَادِيث المتواترة لم يقبل مِنْهُ ذَلِك وَلم يرفع لما جَاءَ بِهِ رَأْسا كَائِنا من كَانَ وَلَا يزالون منتقصين لَهُ بِهَذِهِ الْمُخَالفَة انتقاصا شَدِيدا على وَجه لَا يستحلونه من الفسقة وَلَا من أهل الْبدع الْمَشْهُورَة كالخوارج وَالرَّوَافِض ويبغضونه بغضا شَدِيدا فَوق مَا يبغضون أهل الذِّمَّة من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَمن أنكر هَذَا فَهُوَ غير مُحَقّق لأحوال هَؤُلَاءِ
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ عِنْدهم ضال مضل وَلَا ذَنْب لَهُ إِلَّا أَنه عمل بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ واقتدى بعلماء الْإِسْلَام فِي أَن الْوَاجِب على كل مُسلم تَقْدِيم كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ على قَول كل عَالم كَائِنا من كَانَ
стр. 38
أَقْوَال الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فِي النَّهْي عَن التَّقْلِيد
وَمن المصرحين بِهَذِهِ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فَإِنَّهُ قد صَحَّ عَن كل وَاحِد مِنْهُم هَذَا الْمَعْنى من طرق مُتعَدِّدَة قَالَ صَاحب الْهِدَايَة فِي رَوْضَة الْعلمَاء أَنه قيل لأبي حنيفَة إِذا قلت قولا وَكتاب الله يُخَالِفهُ قَالَ اتْرُكُوا قولي بِخَبَر رَسُول الله ﷺ فَقيل لَهُ إِذا كَانَ قَول الصَّحَابِيّ يُخَالِفهُ فَقَالَ اتْرُكُوا قولي بقول الصَّحَابِيّ اه وَقد روى عَنهُ هَذِه الْمقَالة جمَاعَة من أَصْحَابه وَغَيرهم وَذكر نور الدّين السنهوري نَحْو ذَلِك عَن مَالك قَالَ ابْن مديني فِي منسكه روينَا عَن معن بن عِيسَى قَالَ سَمِعت مَالِكًا يَقُول إِنَّمَا أَنا بشر أخطئ وَأُصِيب فانظروا فِي رَأْيِي كل مَا وَافق الْكتاب وَالسّنة فَخُذُوا بِهِ وَمَا لم يُوَافق الْكتاب وَالسّنة فاتركوه اه وَنقل الأَجْهُورِيّ والخوش هَذَا الْكَلَام وَأَقَرَّاهُ فِي شرحيهما على مُخْتَصر خَلِيل وَقد روى ذَلِك عَن مَالك جمَاعَة من أهل مذْهبه وَغَيرهم
стр. 39
وَأما الإِمَام الشَّافِعِي فقد تَوَاتر عَنهُ ذَلِك تواترا لَا يخفى على الْقصر فضلا عَن كَامِل فَإِنَّهُ نقل عَنهُ غَالب أَتْبَاعه وَنَقله أَيْضا عَنهُ جَمِيع المترجمين لَهُ إِلَّا من شَذَّ
وَمن جملَة من روى ذَلِك الْبَيْهَقِيّ فَإِنَّهُ سَاق إِسْنَادًا إِلَى الرّبيع قَالَ سَمِعت الشَّافِعِي وَسَأَلَهُ رجل عَن مَسْأَلَة فَقَالَ يرْوى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ كَذَا فَقَالَ لَهُ السَّائِل يَا أَبَا عبد الله أنقول بِهَذَا فارتعد الشَّافِعِي واصفر وَحَال لَونه وَقَالَ وَيحك وَأي أَرض تُقِلني وَأي سَمَاء تُظِلنِي إِذا رويت عَن رَسُول الله ﷺ شَيْئا وَلم أقل بِهِ يعم على الرَّأْس وَالْعين نعم على الرَّأْس وَالْعين
وروى الْبَيْهَقِيّ أَيْضا عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ إِذا وجدْتُم فِي كتابي خلاف سنة رَسُول الله ﷺ فَقولُوا بِسنة رَسُول الله ﷺ ودعوا مَا قلت
وروى الْبَيْهَقِيّ عَنهُ أَيْضا قَالَ إِذا حدث الثِّقَة عَن الثِّقَة حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَهُوَ ثَابت عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا يتْرك لرَسُول الله ﷺ حَدِيث أبدا إِلَّا حَدِيث وجد عَن رَسُول الله ﷺ حَدِيث يُخَالِفهُ
وروى الْبَيْهَقِيّ أَيْضا عَنهُ أَنه قَالَ لَهُ رجل وَقد روى حَدِيثا أنأخذ بِهِ فَقَالَ مَتى رويت عَن رَسُول الله
стр. 40
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيثا صَحِيحا فَلم آخذ بِهِ فأشهدكم أَن عَقْلِي قد ذهب
وَحكى ابْن الْقيم فِي أَعْلَامه الموقعين أَن الرّبيع قَالَ سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول كل مَسْأَلَة يَصح فِيهَا الْخَبَر عَن رَسُول الله ﷺ عِنْد أهل النَّقْل بِخِلَاف مَا قلت فَأَنا رَاجع عَنْهَا فِي حَياتِي وَبعد مماتي
وَقَالَ حَرْمَلَة بن يحيى قَالَ الشَّافِعِي مَا قلت وَكَانَ النَّبِي ﷺ قد قَالَ بِخِلَاف قولي فَمَا صَحَّ من حَدِيث النَّبِي ﷺ أولى وَلَا تقلدوني
وَقَالَ الْحميدِي سَأَلَ الرجل الشَّافِعِي عَن مَسْأَلَة فأفتاه وَقَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ الرجل أَتَقول بِهَذَا يَا أَبَا عبد الله فَقَالَ الشَّافِعِي أَرَأَيْت فِي وسطي زنارا أَترَانِي خرجت من الْكَنِيسَة أَقُول قَالَ النَّبِي ﷺ وَتقول لي أَتَقول بِهَذَا أروي عَن النَّبِي ﷺ وَلَا أَقُول بِهِ اه
وَنقل إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي نهايته عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ إِذا صَحَّ خبر يُخَالف مذهبي فَاتَّبعُوهُ وَاعْلَمُوا أَنه مذهبي أه
وَقد روى نَحْو ذَلِك الْخَطِيب وَكَذَلِكَ الذَّهَبِيّ فِي تَارِيخ الْإِسْلَام والنبلاء وَغير هَؤُلَاءِ مِمَّن لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْحصْر
следующие страницы →