Полный текст (93 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
غَيره وَإِنَّمَا ينتمي إِلَى الْإِسْلَام جملَة وَيفْعل كَمَا يَفْعَله أهل بَلَده فِي صلَاته وَسَائِر عباداته ومعاملاته فَهَذَا قد أراح نَفسه من محنة التعصب الَّتِي يَقع فِيهَا المقلدون وَكفى الله أهل الْعلم شَره فَهُوَ لَا وازع لَهُ من نَفسه يحملهُ على التعصب عَلَيْهِم بل رُبمَا نفخ فِيهِ بعض شياطين المقلدة وسعى إِلَيْهِ بعلماء الِاجْتِهَاد فَحَمله على أَن يجهل عَلَيْهِم بِمَا يوبقه فِي حَيَاته وَبعد مماته
وَأما أَن يكون مرتفعا عَن هَذِه الطَّبَقَة قَلِيلا فَيكون غير مشتغل بِطَلَب الْعلم لكنه يسْأَل أهل الْعلم عَن أَمر عِبَادَته ومعاملته وَله بعض تَمْيِيز فَهَذَا هُوَ تبع لمن يسْأَله من أهل الْعلم إِن كَانَ يسْأَل المقلدين فَهُوَ لَا يرى الْحق إِلَّا فِي التَّقْلِيد وَإِن كَانَ يسْأَل الْمُجْتَهدين فَهُوَ يعْتَقد أَن الْحق مَا يرشدونه إِلَيْهِ فَهُوَ مَعَ من غلب عَلَيْهِ من الطائفيين وَأما أَن يكون مِمَّن لَهُ اشْتِغَال بِطَلَب علم المقلدين وأكباب على حفظه وفهمه وَلَا يرفع رَأسه إِلَى سواهُ وَلَا يلْتَفت إِلَى غَيره فالغالب على هَؤُلَاءِ التعصب المفرط على عُلَمَاء الِاجْتِهَاد ورميهم بِكُل حجر ومدر وإيهام الْعَامَّة بِأَنَّهُم مخالفون لإِمَام الْمَذْهَب الَّذِي قد ضَاقَتْ أذهانهم عَن تصور عَظِيم قدره وامتلأت قُلُوبهم من هَيْبَة من تقرر عِنْدهم أَنه فِي دَرَجَة لم تبلغها الصَّحَابَة فضلا عَمَّن بعدهمْ وَهَذَا وَأَن لم يصرحوا بِهِ فَهُوَ مَا تكنه صُدُورهمْ وَلَا تنطق بِهِ
стр. 37
ألسنتهم فَمَعَ مَا قد صَار عِنْدهم من هَذَا الِاعْتِقَاد فِي ذَلِك الإِمَام إِذا بَلغهُمْ أَن أحد عُلَمَاء الِاجْتِهَاد الْمَوْجُودين يُخَالِفهُ فِي مَسْأَلَة من الْمسَائِل كَانَ هَذَا الْمُخَالف قد ارْتكب أمرا شنيعا وَخَالف عِنْدهم شَيْئا قَطْعِيا وَأَخْطَأ خطئا لَا يكفره شَيْء وَإِن اسْتدلَّ على مَا ذهب إِلَيْهِ بِالْآيَاتِ القرآنية وَالْأَحَادِيث المتواترة لم يقبل مِنْهُ ذَلِك وَلم يرفع لما جَاءَ بِهِ رَأْسا كَائِنا من كَانَ وَلَا يزالون منتقصين لَهُ بِهَذِهِ الْمُخَالفَة انتقاصا شَدِيدا على وَجه لَا يستحلونه من الفسقة وَلَا من أهل الْبدع الْمَشْهُورَة كالخوارج وَالرَّوَافِض ويبغضونه بغضا شَدِيدا فَوق مَا يبغضون أهل الذِّمَّة من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَمن أنكر هَذَا فَهُوَ غير مُحَقّق لأحوال هَؤُلَاءِ
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ عِنْدهم ضال مضل وَلَا ذَنْب لَهُ إِلَّا أَنه عمل بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ واقتدى بعلماء الْإِسْلَام فِي أَن الْوَاجِب على كل مُسلم تَقْدِيم كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ على قَول كل عَالم كَائِنا من كَانَ
стр. 38
أَقْوَال الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فِي النَّهْي عَن التَّقْلِيد
وَمن المصرحين بِهَذِهِ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فَإِنَّهُ قد صَحَّ عَن كل وَاحِد مِنْهُم هَذَا الْمَعْنى من طرق مُتعَدِّدَة قَالَ صَاحب الْهِدَايَة فِي رَوْضَة الْعلمَاء أَنه قيل لأبي حنيفَة إِذا قلت قولا وَكتاب الله يُخَالِفهُ قَالَ اتْرُكُوا قولي بِخَبَر رَسُول الله ﷺ فَقيل لَهُ إِذا كَانَ قَول الصَّحَابِيّ يُخَالِفهُ فَقَالَ اتْرُكُوا قولي بقول الصَّحَابِيّ اه وَقد روى عَنهُ هَذِه الْمقَالة جمَاعَة من أَصْحَابه وَغَيرهم وَذكر نور الدّين السنهوري نَحْو ذَلِك عَن مَالك قَالَ ابْن مديني فِي منسكه روينَا عَن معن بن عِيسَى قَالَ سَمِعت مَالِكًا يَقُول إِنَّمَا أَنا بشر أخطئ وَأُصِيب فانظروا فِي رَأْيِي كل مَا وَافق الْكتاب وَالسّنة فَخُذُوا بِهِ وَمَا لم يُوَافق الْكتاب وَالسّنة فاتركوه اه وَنقل الأَجْهُورِيّ والخوش هَذَا الْكَلَام وَأَقَرَّاهُ فِي شرحيهما على مُخْتَصر خَلِيل وَقد روى ذَلِك عَن مَالك جمَاعَة من أهل مذْهبه وَغَيرهم
стр. 39
وَأما الإِمَام الشَّافِعِي فقد تَوَاتر عَنهُ ذَلِك تواترا لَا يخفى على الْقصر فضلا عَن كَامِل فَإِنَّهُ نقل عَنهُ غَالب أَتْبَاعه وَنَقله أَيْضا عَنهُ جَمِيع المترجمين لَهُ إِلَّا من شَذَّ
وَمن جملَة من روى ذَلِك الْبَيْهَقِيّ فَإِنَّهُ سَاق إِسْنَادًا إِلَى الرّبيع قَالَ سَمِعت الشَّافِعِي وَسَأَلَهُ رجل عَن مَسْأَلَة فَقَالَ يرْوى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ كَذَا فَقَالَ لَهُ السَّائِل يَا أَبَا عبد الله أنقول بِهَذَا فارتعد الشَّافِعِي واصفر وَحَال لَونه وَقَالَ وَيحك وَأي أَرض تُقِلني وَأي سَمَاء تُظِلنِي إِذا رويت عَن رَسُول الله ﷺ شَيْئا وَلم أقل بِهِ يعم على الرَّأْس وَالْعين نعم على الرَّأْس وَالْعين
وروى الْبَيْهَقِيّ أَيْضا عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ إِذا وجدْتُم فِي كتابي خلاف سنة رَسُول الله ﷺ فَقولُوا بِسنة رَسُول الله ﷺ ودعوا مَا قلت
وروى الْبَيْهَقِيّ عَنهُ أَيْضا قَالَ إِذا حدث الثِّقَة عَن الثِّقَة حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَهُوَ ثَابت عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا يتْرك لرَسُول الله ﷺ حَدِيث أبدا إِلَّا حَدِيث وجد عَن رَسُول الله ﷺ حَدِيث يُخَالِفهُ
وروى الْبَيْهَقِيّ أَيْضا عَنهُ أَنه قَالَ لَهُ رجل وَقد روى حَدِيثا أنأخذ بِهِ فَقَالَ مَتى رويت عَن رَسُول الله
стр. 40
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيثا صَحِيحا فَلم آخذ بِهِ فأشهدكم أَن عَقْلِي قد ذهب
وَحكى ابْن الْقيم فِي أَعْلَامه الموقعين أَن الرّبيع قَالَ سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول كل مَسْأَلَة يَصح فِيهَا الْخَبَر عَن رَسُول الله ﷺ عِنْد أهل النَّقْل بِخِلَاف مَا قلت فَأَنا رَاجع عَنْهَا فِي حَياتِي وَبعد مماتي
وَقَالَ حَرْمَلَة بن يحيى قَالَ الشَّافِعِي مَا قلت وَكَانَ النَّبِي ﷺ قد قَالَ بِخِلَاف قولي فَمَا صَحَّ من حَدِيث النَّبِي ﷺ أولى وَلَا تقلدوني
وَقَالَ الْحميدِي سَأَلَ الرجل الشَّافِعِي عَن مَسْأَلَة فأفتاه وَقَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ الرجل أَتَقول بِهَذَا يَا أَبَا عبد الله فَقَالَ الشَّافِعِي أَرَأَيْت فِي وسطي زنارا أَترَانِي خرجت من الْكَنِيسَة أَقُول قَالَ النَّبِي ﷺ وَتقول لي أَتَقول بِهَذَا أروي عَن النَّبِي ﷺ وَلَا أَقُول بِهِ اه
وَنقل إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي نهايته عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ إِذا صَحَّ خبر يُخَالف مذهبي فَاتَّبعُوهُ وَاعْلَمُوا أَنه مذهبي أه
وَقد روى نَحْو ذَلِك الْخَطِيب وَكَذَلِكَ الذَّهَبِيّ فِي تَارِيخ الْإِسْلَام والنبلاء وَغير هَؤُلَاءِ مِمَّن لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْحصْر
стр. 41
وَقَالَ الْحَافِظ بن حجر فِي توالي التأسيس قد اشْتهر عَن الشَّافِعِي إِذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مذهبي وَحكى عَن السُّبْكِيّ أَن لَهُ مصنفا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة
وَأما الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل فَهُوَ أَشد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة تنفيرا عَن الرَّأْي وأبعدهم عَنهُ وألزمهم إِلَى السّنة وَقد نقل عَنهُ ابْن الْقيم فِي مؤلفاته كأعلام الموقعين مَا فِيهِ التَّصْرِيح بِأَنَّهُ لَا عمل على الرَّأْي أصلا وَهَكَذَا نقل عَنهُ ابْن الْجَوْزِيّ وَغَيره من أَصْحَابه وَإِذا كَانَ من الْمُخَالفين للرأي المنفرين عَنهُ فَهُوَ قَائِل بِمَا قَالَه الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة المنقولة نصوصهم على أَن الحَدِيث مَذْهَبهم وَيزِيد عَلَيْهِم بِأَنَّهُم سوغوا الرَّأْي فِيمَا لَا يُخَالف النَّص وَهُوَ مَنعه من الأَصْل وَقد حكى الشعراني فِي الْمِيزَان أَن الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة كلهم قَالُوا إِذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مَذْهَبنَا وَلَيْسَ لأحد قِيَاس وَلَا حجَّة اه
إِجْمَاع الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة على تَقْدِيم النَّص وَإِذا تقرر لَك إِجْمَاع أَئِمَّة الْمذَاهب الْأَرْبَعَة على تَقْدِيم النَّص على آرائهم عرفت أَن الْعَالم الَّذِي عمل بِالنَّصِّ وَترك قَول أهل الْمذَاهب هُوَ الْمُوَافق لما قَالَه أَئِمَّة الْمذَاهب والمقلد الَّذِي قدم أَقْوَال
стр. 42
أهل الْمذَاهب على النَّص هُوَ الْمُخَالف لله وَلِرَسُولِهِ ولإمام مذْهبه وَلغيره من سَائِر عُلَمَاء الْإِسْلَام
ولعمري إِن الْقَلَم مبري بِهَذِهِ النقول على وَجل من الله وحياء من رَسُول الله ﷺ فيا لله الْعجب أيحتاج الْمُسلم فِي تَقْدِيم قَول الله أَو رَسُوله ﷺ على قَول أحد من عُلَمَاء أمته إِلَى أَن يعتضد بِهَذِهِ النقول يَا لله الْعجب أَي مُسلم يلتبس عَلَيْهِ مثل هَذَا حَتَّى يحْتَاج إِلَى نقل هَؤُلَاءِ الْعلمَاء ﵏ فِي أَن أَقْوَال الله وأقوال رَسُوله ﷺ مُقَدّمَة على أَقْوَالهم فَإِن التَّرْجِيح فرع التَّعَارُض وَمن ذَاك الَّذِي يُعَارض قَوْله قَول الله أَو قَول رَسُوله ﷺ حَتَّى نرْجِع إِلَى التَّرْجِيح والتقديم سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم فَلَا حَيا الله هَؤُلَاءِ المقلدة الَّذين ألجأوا الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة إِلَى التَّصْرِيح بِتَقْدِيم أَقْوَال الله وَرَسُوله على أَقْوَالهم لما شاهدوهم عَلَيْهِ من الغلو المشابه لغلو الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ
وَهَؤُلَاء الَّذين ألجؤونا إِلَى نقل هَذِه الْكَلِمَات وَإِلَّا فَالْأَمْر وَاضح لَا يلتبس على أحد وَلَو فَرضنَا وَالْعِيَاذ بِاللَّه أَن عَالما من عُلَمَاء الْإِسْلَام يَجْعَل قَوْله كَقَوْل الله أَو قَول رَسُوله
стр. 43
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَكَانَ كَافِرًا مُرْتَدا فضلا على أَن يَجْعَل قَوْله أقدم من قَول الله وَرَسُوله فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون مَا صنعت هَذِه الْمذَاهب بِأَهْلِهَا وَإِلَى أَي مَوضِع أخرجتهم وليت هَؤُلَاءِ المقلدة الجناة الأجلاف نظرُوا بِعَين الْعقل إِذْ حرمُوا النّظر بَين الْعلم ووازنوا بَين رَسُول الله ﷺ وَبَين أَئِمَّة مذاهبهم وتصوروا وقوفهم بَين يَدي رَسُول الله ﷺ فَهَل يخْطر ببال من بقيت فِيهِ بَقِيَّة من عقل هَؤُلَاءِ المقلدين أَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة المتبوعين عِنْد وقوفهم المعروض بَين يَدي رَسُول الله ﷺ كَانُوا يردون عَلَيْهِ قَوْله أَو يخالفونه بأقوالهم كلا وَالله بل هم أتقى لله وأخشى لَهُ فقد كَانَ أكَابِر الصَّحَابَة يتركون سُؤَاله ﷺ فِي كثير من الْحَوَادِث هَيْبَة وتعظيما وَكَانَ يعجبهم الرجل الْعَاقِل من أهل الْبَادِيَة إِذا وصل يسْأَل رَسُول الله ﷺ ليستفيدوا بسؤاله كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح وَكَانُوا يقفون بَين يَدَيْهِ كَأَن على رؤوسهم الطير يرْمونَ بِأَبْصَارِهِمْ إِلَى مَا بَين أَيْديهم وَلَا يرفعونها إِلَى رَسُول الله ﷺ احتشاما وتكريما وَكَانُوا أَحْقَر وَأَقل عِنْد أنفسهم من أَن يعارضوا رَسُول الله ﷺ بآرائهم وَكَانَ التابعون يتأدبون مَعَ الصَّحَابَة بقريب من هَذَا الْأَدَب وَكَذَلِكَ تابعوا التَّابِعين كَانُوا يتأدبون من قريب من آدَاب التَّابِعين مَعَ الصَّحَابَة فَمَا ظَنك أَيهَا الْمُقَلّد لَو
стр. 44
حضر إمامك بَين يَدي رَسُول الله ﷺ فَإِذا فاتك يَا مِسْكين الاهتداء بهدى الْعلم فَلَا يفوتنك الاهتداء بهدى الْعقل فَإنَّك إِذا استضأت بنوره خرجت من ظلمات جهلك إِلَى نور الْحق فَإِذا عرفت مَا نَقَلْنَاهُ عَن أَئِمَّة الْمذَاهب الْأَرْبَعَة من تَقْدِيم النَّص على آرائهم فقد قدمنَا لَك أَيْضا حِكَايَة الْإِجْمَاع على مَنعهم التَّقْلِيد وحكينا لَك مَا قَالَه الإِمَام أَبُو حنيفَة وَمَا قَالَه إِمَام دَار الْهِجْرَة مَالك بن أنس من ذَلِك أَو لَاحَ لَك مِمَّا نَقَلْنَاهُ قَرِيبا مَا يَقُوله الإِمَام مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي من منع التَّقْلِيد وَقد قَالَ الْمُزنِيّ فِي أول مُخْتَصره مَا نَصه اختصرت هَذَا من علم الشَّافِعِي وَمن معنى قَوْله لأقراه على من أَرَادَهُ مَعَ إِعْلَامه بنهيه عَن تَقْلِيده وتقليد غَيره لينْظر فِيهِ لدينِهِ ويحتاط فِيهِ لنَفسِهِ اه فَانْظُر مَا نَقله هَذَا الإِمَام الَّذِي هُوَ من أعلم النَّاس بِمذهب الشَّافِعِي ﵀ من تصريحه بِمَنْع تَقْلِيده وتقليد غَيره
وَأما الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل فالنصوص عَنهُ فِي منع التَّقْلِيد كَثِيرَة قَالَ أَبُو دَاوُد قلت لِأَحْمَد الْأَوْزَاعِيّ أتبع أم مَالك فَقَالَ لَا تقلد دينك أحدا من هَؤُلَاءِ مَا جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه فَخذ بِهِ وَقَالَ أَبُو دَاوُد سمعته يَعْنِي أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول الِاتِّبَاع أَن يتبع الرجل مَا جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه من هُوَ من التَّابِعين بِخَير اه
стр. 45
فَانْظُر كَيفَ فرق بَين التَّقْلِيد والإتباع وَقَالَ لي أَحْمد لَا تقلدني وَلَا مَالِكًا وَلَا الشَّافِعِي وَلَا الْأَوْزَاعِيّ وَلَا الثَّوْريّ وَخذ من حَيْثُ أخذُوا وَقَالَ من قلَّة فقه الرجل أَن يُقَلّد دينه الرِّجَال قَالَ ابْن الْقيم وَلأَجل هَذَا لم يؤلف الإِمَام أَحْمد كتابا فِي الْفِقْه وَإِنَّمَا دون أَصْحَابه مذْهبه من أَقْوَاله وأفعاله وأجوبته وَغير ذَلِك
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تلبيس إِبْلِيس أعلم أَن الْمُقَلّد على غير ثِقَة فِيمَا قلد وَفِي التَّقْلِيد إبِْطَال مَنْفَعَة الْعقل ثمَّ أَطَالَ الْكَلَام فِي ذَلِك
وَبِالْجُمْلَةِ فنصوص أَئِمَّة الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فِي الْمَنْع من التَّقْلِيد وَفِي تَقْدِيم النَّص على آرائهم وآراء غَيرهم لَا تخفى على عَارِف من أتباعهم وَغَيرهم وَأما نُصُوص سَائِر الْأَئِمَّة المتبوعين على ذَلِك الْأَئِمَّة من أهل الْبَيْت ﵈ فَهِيَ مَوْجُودَة فِي كتبهمْ مَعْرُوفَة قد نقلهَا العارفون بمذاهبهم عَنْهُم وَمن أحب النّظر فِي ذَلِك فليطالع مؤلفاتهم وَقد جمع مِنْهَا السَّيِّد الْعَلامَة الإِمَام مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْوَزير فِي مؤلفاته مَا يشفي وَيَكْفِي لَا سِيمَا فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالقواعد فَإِنَّهُ نقل الْإِجْمَاع عَنْهُم وَعَن سَائِر عُلَمَاء الْمُسلمين سَلام على تَحْرِيم تَقْلِيد الْأَمْوَات وَأطَال فِي ذَلِك وأطاب وناهيك بِالْإِمَامِ الْهَادِي يحيى بن الْحُسَيْن فَإِنَّهُ الإِمَام الَّذِي صَار أهل الديار اليمنية مقلدين لَهُ متبعين لمذهبه من عصره وَهُوَ
стр. 46
آخر الْمِائَة الثَّالِثَة إِلَى الْآن مَعَ أَنه قد اشْتهر عِنْد أَتْبَاعه والمطلعين على مذْهبه أَنه صرح تَصْرِيحًا لَا يبْقى عِنْده شكّ وَلَا شُبْهَة بِمَنْع التَّقْلِيد لَهُ وَهَذِه مقَالَة مَشْهُورَة فِي الديار اليمنية يعلمهَا مقلدوه فضلا عَن غَيرهم وَلَكنهُمْ قلدوه شَاءَ أم أَبى
وَقَالُوا قد قلدوه وَإِن كَانَ لَا يجوز ذَلِك عملا بِمَا قَالَه بعض الْمُتَأَخِّرين أَنه يجوز تَقْلِيد الإِمَام الْهَادِي وَإِن منع من التَّقْلِيد وَهَذَا من أغرب مَا يطْرق سَمعك إِن كنت مِمَّن ينصف وَبِهَذَا تعرف أَن مؤلفات أَتبَاع الإِمَام الْهَادِي فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَإِن حرمُوا فِي بَعضهم بِجَوَاز التَّقْلِيد فَهُوَ على غير مَذْهَب إمَامهمْ وَهَذَا كَمَا وَقع لغَيرهم من أهل الْمذَاهب
القَوْل بإنسداد بَاب الِاجْتِهَاد بِدعَة شنيعة
وَقد كَانَ أَتبَاع هَذَا الإِمَام فِي العصور السَّابِقَة وَكَذَلِكَ أَتبَاع الإِمَام الْأَعْظَم زيد بن عَليّ ﵇ فيهم أَنْصَاف لَا سِيمَا فِي فتح الِاجْتِهَاد ولتسويغ دَائِرَة بَاب التَّقْلِيد وَعدم قصر الْجَوَاز على إِمَام معِين كَمَا يعرف ذَلِك من مؤلفاتهم بِخِلَاف غَيرهم من المقلدة فَإِنَّهُم أوجبوا على أنفسهم تَقْلِيد الْمعِين واستروحوا إِلَى أَن بَاب الِاجْتِهَاد قد انسد
стр. 47
وَانْقطع التفضل من الله بِهِ على عباده ولقنوا الْعَوام الَّذين هم مشاركون لَهُم فِي الْجَهْل بالمعارف العلمية ودونوا لَهُم فِي معرفَة مسَائِل التَّقْلِيد بِأَنَّهُ لَا اجْتِهَاد بعد اسْتِقْرَار الْمذَاهب وانقراض أئمتها فضموا إِلَى بدعتهم بِدعَة وشنعوا شنعتهم بشنعة وسجلوا على أنفسهم الْجَهْل فَإِن من يتجارى على مثل هَذِه الْمقَالة وَحكم على الله سُبْحَانَهُ بِمثل هَذَا الحكم المتضمن تعجيزه عَن التفضل على عباده بِمَا أرشدهم إِلَيْهِ من تعلم الْعلم وتعليمه لَا يعجز عَن التجارؤ على أَن يحكم على عباده بِالْأَحْكَامِ الْبَاطِلَة ويجازف فِي إِيرَاده وإصداره وَيَا لله الْعجب مَا قنع هَؤُلَاءِ الجهلة الندكاء بِمَا هم عَلَيْهِ من بِدعَة التَّقْلِيد الَّتِي هِيَ أم الْبدع وَرَأس الشنع حَتَّى سدوا على أمة مُحَمَّد ﷺ بَاب معرفَة الشَّرِيعَة من كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ وَأَنه لَا سَبِيل إِلَى ذَلِك وَلَا طَرِيق حَتَّى كَأَن الأفهام البشرية قد تَغَيَّرت والعقول الإنسانية قد ذهبت وكل هَذَا حرص مِنْهُم على أَن تعم بِدعَة التَّقْلِيد كل الْأمة وَأَن لَا يرْتَفع عَن طبقتهم السافلة أحد من عباد الله وَكَأن هَذِه الشَّرِيعَة الَّتِي بَين أظهرنَا من كتاب الله وَسنة رَسُوله قد صَارَت مَنْسُوخَة والناسخ لَهَا مَا ابتدعوه من التَّقْلِيد فِي دين الله فَلَا يعْمل النَّاس بِشَيْء مِمَّا فِي الْكتاب وَالسّنة بل لَا شَرِيعَة لَهُم إِلَّا مَا قدرته فِي الْمذَاهب أذهبها الله فَإِن يُوَافِقهَا مَا فِي الْكتاب وَالسّنة فبها ونعمت وَالْعَمَل على الْمذَاهب لَا على مَا وافقها
стр. 48
مِنْهُمَا وَإِن يُخَالِفهَا أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا فَلَا عمل عَلَيْهِ وَلَا يحل التَّمَسُّك بِهِ هَذَا حَاصِل قَوْلهم وَمفَاده وَبَيت قصيدهم وَمحل نشيدهم وَلَكنهُمْ رَأَوْا التَّصْرِيح بِمثل هَذَا يستنكره قُلُوب الْعَوام فضلا عَن الْخَواص وتقشعر مِنْهُ جُلُودهمْ وترجف لَهُ أفئدتهم فعدلوا عَن هَذِه الْعبارَة الكفرية والمقالة الْجَاهِلِيَّة إِلَى مَا يلاقيها فِي المُرَاد ويوافقها فِي المفاد وَلكنه ينْفق على الْعَوام بعض نفاق فَقَالُوا قد أنسد بَاب الِاجْتِهَاد وَمعنى هَذَا الانسداد المفترى وَالْكذب البحت أَنه لم يبْق فِي أهل هَذِه الْملَّة الإسلامية من يفهم الْكتاب وَالسّنة وَإِذا لم يبْق من هُوَ كَذَلِك لم يبْق سَبِيل إِلَيْهِمَا وَإِذا انْقَطع السَّبِيل إِلَيْهِمَا فكم حكم فيهمَا لَا عمل عَلَيْهِ وَلَا الْتِفَات إِلَيْهِ سَوَاء وَافق الْمَذْهَب أَو خَالفه لِأَنَّهُ لم يبْق من يفهمهُ وَيعرف مَعْنَاهُ إِلَى آخر الدَّهْر فكذبوا على الله وَادعوا عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ أَنه لَا يتَمَكَّن من أَن يخلق خلقا يفهمون
стр. 49
مَا شَرعه لَهُم وتعبدهم بِهِ حَتَّى كَأَن مَا شَرعه لَهُم من كِتَابه وعَلى لِسَان رَسُوله ﷺ لَيْسَ بشرع مُطلق بل شرع مُقَيّد مُؤَقّت إِلَى غَايَة هِيَ قيام هَذِه الْمذَاهب وَبعد ظُهُورهَا لَا كتاب وَلَا سنة بل قد حدث من يشرع لهَذِهِ الْأمة شَرِيعَة جَدِيدَة وَيحدث لَهَا دينا آخر وينسخ بِمَا رَآهُ من الرَّأْي وَمَا ظَنّه من الظَّن مَا يقدمهُ من الْكتاب وَالسّنة وَهَذَا وَإِن أنكروه بألسنتهم فَهُوَ لَازم لَهُم لَا محيص لَهُم عَنهُ وَلَا مهرب وَإِلَّا فَأَي معنى لقَولهم قد انسد بَاب الِاجْتِهَاد وَلم يبْق إِلَّا مخرج التَّقْلِيد فَإِنَّهُم أَن أقرُّوا بِأَنَّهُم قَائِلُونَ بِهَذَا لَزِمَهُم الْإِقْرَار بِمَا ذَكرْنَاهُ وَعند ذَلِك نتلو عَلَيْهِم ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله﴾ وَأَن أَنْكَرُوا القَوْل بذلك وَقَالُوا بَاب الِاجْتِهَاد مَفْتُوح والتمسك بالتقليد غير حتم لَهُم فَمَا بالكم يَا لوكاء ترمون كل من عمل بِالْكتاب وَالسّنة وَأخذ دينه مِنْهُمَا بِكُل حجر ومدر وتستحلون عرضه وعقوبته وتجلبون عَلَيْهِ بخيلكم ورجلكم
وَقد علمُوا وَعلم كل من يعرف مَا هم عَلَيْهِ أَنهم مصممون على تغليق بَاب الِاجْتِهَاد وَانْقِطَاع السبل إِلَى معرفَة الْكتاب وَالسّنة فلزمهم مَا ذَكرْنَاهُ بِلَا تردد فَانْظُر أَيهَا الْمنصف مَا حدث بِسَبَب بِدعَة التَّقْلِيد من البلايا الدِّينِيَّة والرزايا الشيطانية فَإِن هَذِه الْمقَالة بخصوصها أَعنِي انسداد بَاب
стр. 50
الِاجْتِهَاد وَلَو لم يحدث من مفاسد التَّقْلِيد إِلَّا هِيَ لَكَانَ فِيهَا كِفَايَة وَنِهَايَة فَإِنَّهَا حَادِثَة رفعت الشَّرِيعَة بأسرها واستلزمت نسخ كَلَام الله وَرَسُوله وَتَقْدِيم غَيرهمَا واستبدال غَيرهمَا بهما
يَا ناعي الْإِسْلَام قُم وانعه ... قد زَالَ عرف وبدا مُنكر
وَمَا ذكرنَا فِيمَا سبق من أَنه كَانَ فِي الزيدية والهدوية فِي الديار اليمنية انصاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِفَتْح بَاب الِاجْتِهَاد فَذَلِك إِنَّمَا هُوَ فِي الأزمنه السَّابِقَة كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا سلف وَأما فِي هَذِه الْأَزْمِنَة فقد أدركنا مِنْهُم من هُوَ أَشد تعصبا من غَيرهم فَإِنَّهُم إِذا سمعُوا بِرَجُل يَدعِي الِاجْتِهَاد وَيَأْخُذ دينه من كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ قَامُوا عَلَيْهِ قيَاما تبْكي عَلَيْهِ عُيُون الْإِسْلَام وَاسْتَحَلُّوا مِنْهُ مَا لَا يستحلونه من أهل الذِّمَّة من الطعْن واللعن والتفسيق والتنكير والهجم عَلَيْهِ إِلَى دياره ورجمه بالأحجار والاستظهار وتهتك حرمته وَتعلم يَقِينا لَوْلَا ضبطهم سَوط هَيْبَة الْخلَافَة أعز الله أَرْكَانهَا وشيد سلطانها لاستحلوا إِرَاقَة دِمَاء الْعلمَاء المنتمين إِلَى الْكتاب وَالسّنة وفعلوا بهم مَا لَا يَفْعَلُونَهُ بِأَهْل الذِّمَّة وَقد شاهدنا من هَذَا مَا لَا يَتَّسِع الْمقَام لبسطه
стр. 51
وَالسَّبَب فِي بلوغهم هَذَا الْمبلغ الَّذِي مَا بلغ غَيرهم أَن جمَاعَة من شياطين المقلدين الطالبين لفوائد الدُّنْيَا بِعلم الدّين يوهمون الْعَوام الَّذين لَا يفهمون من الأجناد والسوقة وَنَحْوهم بِأَن الْمُخَالف لما قد تقرر بَينهم من الْمسَائِل الَّتِي قد قلدوا فِيهَا هُوَ من المنحرفين عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه وَأَنه من جملَة المبغضين لَهُ الدافعين تفضله وفضائله المعاندين لَهُ وللأئمة من أَوْلَاده فَإِذا سمع مِنْهُم الْعَاميّ هَذَا مَعَ مَا قد ارتكز فِي ذهنه من كَون هَؤُلَاءِ المقلدة هم الْعلمَاء المبرزون لما يبهره من زيهم والاجتماع عَلَيْهِم وتصدرهم للفتيا وَالْقَضَاء حسب مَا ذَكرْنَاهُ سَابِقًا فَلَا يشك أَن هَذِه الْمقَالة صَحِيحَة وَأَن ذَلِك الْعَالم الْعَامِل بِالْكتاب وَالسّنة من أَعدَاء الْقَرَابَة فَيقوم بحمية جَاهِلِيَّة صادرة عَن واهمة دينية قد أَلْقَاهَا إِلَيْهِ من قدمنَا ذكرهم ترويجا لبدعتهم وتنفيقا لجهلهم وقصورهم على من هُوَ أَجْهَل مِنْهُم وَإِنَّمَا أوهموا على الْعَوام بِهَذِهِ الدقيقة الإبليسية لما يعلمونه من أَن طبائعهم مجبولة على التشجيع إِلَى حد يقصر عَنهُ الْوَصْف حَتَّى لَو أَن أحدهم سمع التنقص
стр. 52
بالجناب الإلهي والجناب النَّبَوِيّ لم يغْضب لَهُ عشر معشار مَا يغضبه إِذا سمع التنقص بالجناب الْعلوِي بِمُجَرَّد الْوَهم وَالْإِيهَام الَّذِي لَا حَقِيقَة لَهُ
فبهذه الذريعة الشيطانية والدسيسة الابليسية صَار عُلَمَاء الِاجْتِهَاد فِي الْقطر اليمني فِي محنة شَدِيدَة بالعامة والذنب كل الذَّنب على شياطين المقلدة فَإِنَّهُم هم الدَّاء العضال والسم الْقِتَال وَلَو كَانَ للعامة عقول لم يخف عَلَيْهِم بطلَان تلبيس شياطين المقلدة عَلَيْهِم فَإِن من عمل شَيْئا من عباداته ومعاملاته بِنَصّ الْكتاب وَالسّنة لَا يخْطر ببال من لَهُ عقل أَن ذَلِك يسْتَلْزم الانحراف وَأَيْنَ هَذَا من ذَلِك وَلَكِن الْعَامَّة قد ضمُّوا إِلَى فقدان الْعلم فقدان الْعقل لَا سِيمَا فِي أَبْوَاب الدّين وَعند تلبيس الشَّيَاطِين فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون مَا للعامة الَّذين قد أظلمت قُلُوبهم لفقدان نور الْعلم وللاعتراض على الْعلمَاء وَالْحكم عَلَيْهِم وَمَا بَال هَذِه الْأَزْمِنَة جَاءَت بِمَا لم يكن فِي الْحساب فَإِن الْمَعْرُوف من خلق الْعَامَّة فِي جَمِيع الْأَزْمِنَة أَنهم يبالغون فِي تَعْظِيم الْعلمَاء إِلَى حد يقصر عَنهُ الْوَصْف وَرُبمَا ازدحموا عَلَيْهِم للتبرك بتقبيل أَطْرَافهم ويستجيبون مِنْهُم الدُّعَاء ويقرون بِأَنَّهُم حجج الله على عباده فِي بِلَاده ويطيعونهم فِي كل مَا يأمرونهم بِهِ ويبذلون أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بَين أَيْديهم لَا جرم حملهمْ على هَذِه الأضاليل الشيطانية
стр. 53
والأخلاق الْجَاهِلِيَّة أباليس المقلدة للأربعة الَّتِي أسلفنا بَيَانهَا فَانْظُر هَل هَذِه الْأَفْعَال الصادرة من مقلدة الْيمن هِيَ أَفعَال من يعْتَرف بِأَن بَاب الِاجْتِهَاد مَفْتُوح إِلَى قيام السَّاعَة وَأَن تَقْلِيد الْمُجْتَهدين لَا يجوز لمن بلغ مرتبَة الِاجْتِهَاد وَأَن رُجُوع الْعَالم إِلَى اجْتِهَاد نَفسه بعد إحرازه الِاجْتِهَاد وَلَو فِي فن وَاحِد وَمَسْأَلَة وَاحِدَة كَمَا صرح لَهُم بذلك المؤلفون لفقه الْأَئِمَّة وحرروه فِي الْكتب الْأُصُولِيَّة والفروعية كلا وَالله بل هُوَ صنع من يعادي كتاب الله وَسنة رَسُوله الطَّالِب لَهما والراغب فيهمَا وَيمْنَع الِاجْتِهَاد وَيُوجب التَّقْلِيد ويحول بَين المتشرعين والشريعة ويحيلها عَلَيْهِم فهما وإدراكا كَمَا صنعه غَيرهم من مقلدة سَائِر الْمذَاهب بل زادوا عَلَيْهِ فِي الغلو والتعصب بِمَا تقدم ذكره
وَمَعَ هَذَا فالأئمة قد صَرَّحُوا فِي كتبهمْ الفروعية والأصولية بتعداد عُلُوم الِاجْتِهَاد وَأَنَّهَا خَمْسَة وَأَنه يَكْفِي الْمُجْتَهد فِي كل فن مُخْتَصر من المختصرات وَهَؤُلَاء المقلدة يعلمُونَ أَن كثيرا من الْعلمَاء الْعَالمين بِالْكتاب وَالسّنة المعاصرين لَهُم يعْرفُونَ من كل فن من الْفُنُون الْخَمْسَة أَضْعَاف الْقدر الْمُعْتَبر ويعرفون علوما غير هَذِه الْعُلُوم وهم وَإِن كَانُوا جُهَّالًا لَا يعْرفُونَ شَيْئا من المعارف
стр. 54
لكِنهمْ يسْأَلُون أهل الْعلم عَن مقادير الْعلمَاء فيفيدونهم ذَلِك
وَبِهَذَا تعرف انه لَا حَامِل لَهُم على ذَلِك إِلَّا مُجَرّد التعصب لمن قلدوه وَتجَاوز الْحَد فِي تَعْظِيمه وامتثال رَأْيه على حد لَا يُوصف عِنْدهم للصحابة بل لَا يُوجد عِنْدهم لكَلَام الله وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 55
إبِْطَال التَّقْلِيد
أخرج الْبَيْهَقِيّ وَابْن عبد الْبر عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان أَنه قيل لَهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله﴾ أكانوا يَعْبُدُونَهُمْ فَقَالَ لَا وَلَكِن يحلونَ لَهُم الْحَرَام فيحلونه ويحرمون عَلَيْهِم الْحَلَال فيحرمونه فصاروا بذلك أَرْبَابًا وَقد روى نَحْو ذَلِك مَرْفُوعا من حَدِيث ابْن حَاتِم كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَأخرج نَحْو هَذَا التَّفْسِير ابْن عبد الْبر عَن بعض الصَّحَابَة بِإِسْنَاد مُتَّصِل بِهِ قَالَ أما أَنهم لَو أمروهم أَن يعبدوهم مَا أطاعوهم وَلَكنهُمْ أمروهم فَجعلُوا حَلَال الله حَرَامًا وَحَرَامه حَلَالا فأطاعوهم فَكَانَت تِلْكَ الربوبية وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ مَا أرسلنَا من قبلك فِي قَرْيَة من نَذِير إِلَّا قَالَ مترفوها إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مقتدون قَالَ أولو جِئتُكُمْ بأهدى مِمَّا وجدْتُم عَلَيْهِ آبَاءَكُم﴾ فآثروا الإقتداء بآبائهم قَالُوا ﴿إِنَّا بِمَا أرسلتم بِهِ كافرون﴾ وَقَالَ ﴿إِذْ تَبرأ الَّذين اتبعُوا من الَّذين اتبعُوا وَرَأَوا الْعَذَاب وتقطعت بهم الْأَسْبَاب وَقَالَ الَّذين اتبعُوا لَو أَن لنا كرة فنتبرأ مِنْهُم كَمَا تبرؤوا منا كَذَلِك يُرِيهم الله أَعْمَالهم حسرات عَلَيْهِم وَمَا هم بِخَارِجِينَ من النَّار﴾
стр. 56
وَقَالَ الله ﴿مَا هَذِه التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون قَالُوا وجدنَا آبَاءَنَا لَهَا عابدين﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّا أَطعْنَا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا﴾ فَهَذِهِ الْآيَات وَغَيرهَا مِمَّا ورد فِي مَعْنَاهُ ناعية على المقلدين مَا هم فِيهِ وَهِي وَإِن كَانَ تنزيلها فِي الْكفَّار لكنه قد صَحَّ تَأْوِيلهَا فِي المقلدين لِاتِّحَاد الْعلَّة وَقد تقرر فِي الْأُصُول أَن الِاعْتِبَار بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص السَّبَب وَإِن الحكم يَدُور مَعَ الْعلَّة وجودا وعدما
وَقد احْتج أهل الْعلم بِهَذِهِ الْآيَات على إبِْطَال التَّقْلِيد وَلم يمنعهُم من ذَلِك كَونهَا نازلة فِي الْكفَّار
وَأخرج ابْن عبد الْبر بِإِسْنَاد مُتَّصِل عَن معَاذ ﵁ أَنه قَالَ وراءكم فَتْرَة يكثر فِيهَا المَال وَيفتح فِيهَا الْقُرْآن حَتَّى يقرأه الْمُؤمن وَالْمُنَافِق وَالْمَرْأَة وَالصَّبِيّ وَالْأسود والأحمر فيوشك أحدكُم أَن يَقُول قد قَرَأت فِي الْقُرْآن فَمَا أَظن يتبعوني حَتَّى ابتدع لَهُم غَيره فإياكم وَمَا ابتدع فَإِن كل بِدعَة ضَلَالَة
وَأخرج أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ
стр. 57
ويل للأتباع من عثرات الْعَالم قيل كَيفَ ذَلِك قَالَ يَقُول الْعَالم شَيْئا بِرَأْيهِ ثمَّ يجد من هُوَ أعلم برَسُول الله ﷺ مِنْهُ فَيتْرك قَوْله ثمَّ يمْضِي الأتباع
وَأخرج أَيْضا عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه قَالَ يَا كل أَن هَذِه الْقُلُوب أوعية فَخَيرهَا أوعى للخير وَالنَّاس ثَلَاثَة فعالم رباني ومتعلم على سَبِيل نجاة وهمج رعاع أَتبَاع كل ناعق لم يستضيئوا بِنور الْعلم وَلم يلجأوا إِلَى ركن وثيق
وَأخرج عَنهُ أَيْضا أَنه قَالَ إيَّاكُمْ والاستنان بِالرِّجَالِ فَإِن الرجل يعْمل بِعَمَل أهل الْجنَّة ثمَّ يَنْقَلِب لعلم الله فِيهِ بِعَمَل أهل النَّار فَيَمُوت وَهُوَ من أهل النَّار
وَأخرج عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ أَلا لَا يقلدن أحدكُم دينه أَن آمن آمن وَأَن كفر كفرفإنه لاأسوة فِي الشَّرّ
وروى ابْن عبد الْبر بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَوْف بن مَالك الاشجعي قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تفترق أمتِي على بضع وَسبعين فرقة أعظمها فتْنَة قوم يقيسون الدّين برأيهم يحرمُونَ مَا أحل الله وَيحلونَ بِهِ مَا حرم الله
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ أَيْضا قَالَ ابْن الْقيم بعد إِخْرَاجه من
стр. 58
طرق هَؤُلَاءِ بِعَين رجال إِسْنَاده كلهم ثِقَات حفاظ إِلَّا جرير بن عُثْمَان فَإِنَّهُ كَانَ منحرفا عَن عَليّ ﵁ وَمَعَ هَذَا احْتج بِهِ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَقد روى عَنهُ أَنه تَبرأ مِمَّا نسب إِلَيْهِ من الانحراف
وروى ابْن عبد الْبر بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي هُرَيْرَة ﵁ فَقَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تعْمل هَذِه الْأمة بُرْهَة بِكِتَاب الله وبرهة بِسنة رَسُول الله ﷺ ثمَّ يعْملُونَ بِالرَّأْيِ فَإِذا فعلوا ذَلِك فقد ضلوا وَأخرجه أَيْضا بِإِسْنَاد آخر فِيهِ جبارَة ابْن الْمُغلس وَفِيه مقَال وروى أَيْضا بِإِسْنَاد إِلَى عمر بن الْخطاب أَنه قَالَ وَهُوَ على الْمِنْبَر يَا أَيهَا النَّاس إِن الرَّأْي إِنَّمَا كَانَ من رَسُول الله ﷺ يَقِينا لِأَن الله كَانَ يرِيه وَإِنَّمَا هُوَ منا بِالظَّنِّ والتكلف
وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل وروى ابْن عبد الْبر بِإِسْنَادِهِ إِلَى عمر أَيْضا أَنه قَالَ أهل الرَّأْي أَعدَاء السّنَن أعيتهم الْأَحَادِيث أَن يعوها ووتفلتت عَنْهُم أَن يرووها فَاتَّقُوا الرَّأْي
وروى ابْن عبد الْبر بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ أَيْضا قَالَ اتَّقوا الرَّأْي فِي دينكُمْ وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا قَالَ إِن أَصْحَاب الرَّأْي أَعدَاء السّنَن أعيتهم أَن يحفظوها وتفلتت عَنْهُم
стр. 59
أَن يعوها واستحيوا حِين يسْأَلُوا أَن يَقُولُوا لَا نعلم فعارضوا السّنَن برأيهم فإياكم وإياهم وَأخرج ابْن عبد الْبر بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن مَسْعُود قَالَ لَيْسَ عَام إِلَّا الَّذِي بعده شَرّ مِنْهُ لَا أَقُول عَام أَبتر من عَام وَلَا عَام أخصب من عَام ولأمير خير من أَمِير وَلَكِن ذهَاب خياركم وعلمائكم ثمَّ يحدث قوم يقيسون الْأُمُور برأيهم فيهدم الْإِسْلَام وينثلم وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد رِجَاله ثِقَات
وَأخرج أَيْضا ابْن عبد الْبر عَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِنَّمَا هُوَ كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ فَمن قَالَه بعد ذَلِك بِرَأْيهِ فَمَا أدرى أَفِي حَسَنَاته أم فِي سيئاته
وَأخرج أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ تمتّع رَسُول الله ﷺ فَقَالَ عُرْوَة نهى أَبُو بكر وَعمر ﵄ عَن الْمُتْعَة فَقَالَ ابْن عَبَّاس أَرَاهُم سيهلكون نقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ وَتقول قَالَ أَبُو بكر وَعمر
وَأخرج أَيْضا عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ أَنه قَالَ من يعذرني من مُعَاوِيَة أحدثه عَن رَسُول الله ﷺ ويخبرني بِرَأْيهِ وَمثله عَن عبَادَة ﵁
وَأخرج أَيْضا عَن عمر ﵁ قَالَ السّنة مَا سنه رَسُول الله ﷺ لَا تجْعَلُوا خطأ الرَّأْي سنة للْأمة
стр. 60
وَأخرج أَيْضا عَن عُرْوَة بن الزبير أَنه قَالَ لم يزل أَمر بني إِسْرَائِيل مُسْتَقِيمًا حَتَّى أدْركْت فيهم المولدون أَبنَاء سَبَايَا الْأُمَم فَأخذُوا فيهم بِالرَّأْيِ فأضلوا بني إِسْرَائِيل
وَأخرج أَيْضا عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ إيَّاكُمْ والمقايسة فو الَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَئِن أَخَذْتُم بالمقايسة لتحلن الْحَرَام ولتحرمن الْحَلَال وَلَكِن مَا بَلغَكُمْ مِمَّن حفظ عَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فاحفظوه وروى ابْن عبد الْبر أَيْضا فِي ذمّ الرَّأْي والتبري مِنْهُ والتنفير عَنهُ بِكَلِمَات تقَارب هَذِه الْكَلِمَات عَن مَسْرُوق وَابْن سِيرِين وَعبد الله بن الْمُبَارك وسُفْيَان وَشُرَيْح وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَابْن شهَاب
وَذكر الطَّبَرِيّ فِي كتاب تَهْذِيب الْآثَار لَهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى مَالك قَالَ قَالَ مَالك قبض رَسُول الله ﷺ وَقد تمّ هَذَا الْأَمر واستكمل فَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن تتبع آثَار رَسُول الله ﷺ وَلَا تتبع الرَّأْي فَإِنَّهُ مَتى اتبع الرَّأْي جَاءَ رجل آخر اقوى فِي الرَّأْي مِنْك فاتبعته فَأَنت كلما جَاءَ رجل عَلَيْك اتبعته أرى هَذَا لَا يتم
وروى ابْن عبد الْبر عَن مَالك بن دِينَار أَنه قَالَ لِقَتَادَة أَتَدْرِي أَي علم رعوت قُمْت بَين الله وعباده فَقلت هَذَا لَا يصلح وَهَذَا يصلح وروى ابْن عبد الْبر
стр. 61
أَيْضا عَن الاوزاعي أَنه قَالَ عَلَيْك بآثار من سلف وَإِن رفضك النَّاس وَإِيَّاك وآراء الرِّجَال وَإِن زخرفوا لَك القَوْل
وَرُوِيَ أَيْضا عَن مَالك أَنه قَالَ مَا عَلمته فَقل بِهِ وَدلّ عَلَيْهِ وَمَا لم تعلم فاسكت وَإِيَّاك أَن تقلد النَّاس قلادة سوء
وَرُوِيَ أَيْضا القعْنبِي أَنه دخل على مَالك فَوَجَدَهُ يبكي فَقَالَ وَمَا الَّذِي يبكيك فَقَالَ يَا ابْن قعنب أَنا لله على مَا فرط مني لَيْتَني جلدت بِكُل كلمة تَكَلَّمت بهَا فِي هَذَا الْأَمر سَوْطًا وَلم يكن فرط مني مَا فرط مني من هَذَا الرَّأْي وَهَذِه الْمسَائِل وَقد كَانَ لي سَعَة فِيمَا سبقت إِلَيْهِ
وَرُوِيَ أَيْضا عَن سَحْنُون أَنه قَالَ مَا أَدْرِي مَا هَذَا الرَّأْي الَّذِي سفكت بِهِ الدِّمَاء واستحلت بِهِ الْفروج واستحقت بِهِ الْحُقُوق
وَرُوِيَ أَيْضا عَن أَيُّوب أَنه قيل لَهُ مَالك لَا تنظر فِي الرَّأْي فَقَالَ أَيُّوب قيل للحمار مَا لَك لَا تجتر قَالَ أكره مضغ الْبَاطِل وَرُوِيَ عَن الشّعبِيّ أَيْضا أَنه قَالَ وَالله لقد بغض إِلَيّ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الْمَسْجِد حَتَّى لَهو أبْغض إِلَيّ
стр. 62
من كناسَة دَاري قيل لَهُ من هم قَالَ هَؤُلَاءِ الارائيون وَكَانَ فِي ذَلِك الْمَسْجِد الحكم وَحَمَّاد وأصحابهما وَذكر ابْن وهب أَنه سمع مَالِكًا يَقُول لم يكن من أَمر النَّاس وَلَا من مضى من سلفنا وَلَا أدْركْت أحدا اقْتدى بِهِ يَقُول فِي شَيْء هَذَا حرَام وَهَذَا حَلَال مَا كَانُوا يجترؤن على ذَلِك وَإِنَّمَا كَانُوا يَقُولُونَ نكره هَذَا ونرى هَذَا حسنا وَيَنْبَغِي هَذَا وَلَا نرى هَذَا وَزَاد بعض أَصْحَاب مَالك عَنهُ فِي هَذَا الْكَلَام أَنه قَالَ وَلَا يَقُولُونَ هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام أما سَمِعت قَول الله ﴿قل أَرَأَيْتُم مَا أنزل الله لكم من رزق فجعلتم مِنْهُ حَرَامًا وحلالا قل آللَّهُ أذن لكم أم على الله تفترون﴾ الْحَلَال مَا أحله الله وَرَسُوله وَالْحرَام مَا حرمه الله وَرَسُوله وروى ابْن عبد الْبر أَيْضا عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ رَأْي الاوزاعي ورأي مَالك ورأي أبي حنيفَة كُله رَأْي وَهُوَ عِنْدِي سَوَاء وَإِنَّمَا الْحجَّة فِي الْآثَار وَرُوِيَ أَيْضا عَن سهل بن عبد الله التسترِي أَنه قَالَ مَا أحدث أحد شَيْئا من الْعلم إِلَّا سُئِلَ عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة فَإِن وَافق السّنة سلم وَإِلَّا فَهُوَ العطب وَقَالَ الشَّافِعِي فِي تَفْسِير الْبِدْعَة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث الثَّابِت فِي الصَّحِيح من قَوْله ﷺ خير الحَدِيث كتاب الله وَخير الْهدى هدى مُحَمَّد ﷺ وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل بِدعَة ضَلَالَة أَن المحدثات من الْأُمُور ضَرْبَان أَحدهمَا مَا أحدث يُخَالف كتابا أَو سنة أَو أثرا
стр. 63
أَو إِجْمَاعًا فَهَذِهِ الْبِدْعَة الضَّلَالَة وَالثَّانيَِة مَا أحدث من الْخَيْر لَا خلاف فِيهِ لوَاحِد من هَذِه الْأمة وَهَذِه محدثة غير مذمومة وَقد قَالَ عمر ﵁ فِي قيام شهر رَمَضَان نعمت الْبِدْعَة هَذِه وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ اتبعُوا وَلَا تبتدعوا فقد كفيتم وَأخرج أَيْضا عَن عبَادَة ابْن الصَّامِت قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يكون بعدِي رجال يعرفونكم مَا تنكرون وَيُنْكِرُونَ عَلَيْكُم مَا تعرفُون فَلَا طَاعَة لمن عصى الله وَلَا تعملوا برأيكم وَأخرج عَن عمر أَنه قَالَ اتَّقوا الرَّأْي فِي دينكُمْ وَأخرج عَنهُ أَيْضا بِسَنَد رِجَاله ثِقَات أَنه قَالَ يَا أَيهَا النَّاس اتهموا الرَّأْي على الدّين وَأخرج أَيْضا عَن عَليّ بن أبي طَالب أَنه قَالَ لَو كَانَ الدّين بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِن الْخُفَّيْنِ أَحَق بِالْمَسْحِ من ظاهرهما وَلَكِن رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يمسح على ظاهرهما وَهُوَ أثر مَشْهُور أخرجه غير الْبَيْهَقِيّ أَيْضا
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ أَيْضا مَا يُفِيد الْإِرْشَاد إِلَى إتباع الْأَثر والتنفير عَن إتباع الرَّأْي عَن ابْن عمر وَابْن سِيرِين وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَابْن عَوْف والاوزاعي وسُفْيَان وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَابْن الْمُبَارك وَعبد الْعَزِيز أبن أبي سَلمَة وَأبي حنيفَة وَيحيى أبن آدم وَمُجاهد وَأخرج أَبُو دَاوُد وأبن ماجة وَالْحَاكِم من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 64
قَالَ الْعلم ثَلَاثَة فَمَا سوى ذَلِك فضل آيَة محكمَة وَسنة قَائِمَة وفريضة عادلة وَفِي إِسْنَاده عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد الافريقي وَعبد الرَّحْمَن بن رَافع وَفِيهِمَا مقَال قَالَ ابْن عبد الْبر السّنة الْقَائِمَة الثَّابِتَة الدائمة المحافظ عَلَيْهَا مَعْمُولا بهَا لقِيَام إسنادها وَالْفَرِيضَة العادلة المساوية لِلْقُرْآنِ فِي وجوب الْعَمَل بهَا وَفِي كَونهَا صدقا وصوابا وَأخرج الديلمي فِي مُسْند الفردوس وَأَبُو نعيم وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط والخطيب وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْن عبد الْبر عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵄ مَوْقُوفا الْعلم ثَلَاثَة أَشْيَاء كتاب نَاطِق وَسنة مَاضِيَة وَلَا أَدْرِي وَإِسْنَاده حسن وَأخرج ابْن عبد الْبر عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِنَّمَا الْأُمُور ثَلَاثَة أَمر تبين لَك رشده فَاتبعهُ وَأمر تبين لَك زيفه فاجتنبه وَأمر اخْتلف فِيهِ فكله إِلَى عالمه
وَالْحَاصِل أَن كَون الرَّأْي لَيْسَ من الْعلم لَا خلاف فِيهِ بَين الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم قَالَ ابْن عبد الْبر وَلَا أعلم بَين مُتَقَدِّمي عُلَمَاء هَذِه الْأمة وسلفها خلافًا أَن الرَّأْي لَيْسَ بِعلم حَقِيقَة قَالَ أما أصُول الْعلم فالكتاب وَالسّنة اه
وَقَالَ ابْن عبد الْبر حد الْعلم عِنْد الْعلمَاء والمتكلمين فِي
стр. 65
هَذَا الْمَعْنى هُوَ مَا استيقنته وتبينته وكل من استيقن شَيْئا وتبينه فقد علمه وعَلى هَذَا من لم يستيقن الشَّيْء وَقَالَ بِهِ تقليدا فَلم يعلم والتقليد عِنْد جمَاعَة الْعلمَاء غير الإتباع لِأَن الإتباع هُوَ أَن تتبع الْقَائِل على مَا بِأَن لَك من فضل قَوْله وَصِحَّة مذْهبه والتقليد أَن تَقول بقوله وَأَنت لَا تعرفه وَلَا وَجه القَوْل وَلَا مَعْنَاهُ وتأبى من سواهُ وَإِن تبين لَك خطأه فتتبعه مهابة خِلَافه وَأَنت قد بَان لَك فَسَاد قَوْله وَهَذَا يحرم القَوْل بِهِ فِي دين الله اه
وَمِمَّا يدل على مَا أجمع عَلَيْهِ السّلف من أَن الرَّأْي لَيْسَ بِعلم قَول الله ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح وَمَيْمُون بن مهْرَان وَغَيرهمَا الرَّد إِلَى الله هُوَ الرَّد إِلَى كِتَابه وَالرَّدّ إِلَى رَسُوله ﷺ هُوَ الرَّد إِلَى سنته بعد مَوته وَعَن عَطاء فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول﴾ قَالَ طَاعَة الله وَرَسُوله إتباع الْكتاب وَالسّنة ﴿وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ قَالَ أولُوا الْعلم وَالْفِقْه وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَيدل على ذَلِك من السّنة حَدِيث الْعِرْبَاض بن سَارِيَة وَهُوَ ثَابت فِي السّنَن وَرِجَاله رجال الصَّحِيح قَالَ وعظنا رَسُول الله ﷺ موعظة ذرفت مِنْهَا الْعُيُون ووجلت مِنْهَا الْقُلُوب فَقُلْنَا يَا رَسُول الله إِن هَذِه موعظة مُودع
стр. 66
فَمَاذَا تعهد إِلَيْنَا فَقَالَ تركتكم على الْبَيْضَاء لَيْلهَا كنهارها لَا يزِيغ عَنْهَا بعدِي إِلَّا هَالك وَمن يَعش مِنْكُم فسيرى اخْتِلَافا كثيرا فَعَلَيْكُم بِمَا عرفتكم من سنتي وَسنة الْخُلَفَاء المهديين الرَّاشِدين وَعَلَيْكُم بِالطَّاعَةِ وَإِن كَانَ عبدا حَبَشِيًّا عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ إِنَّمَا الْمُؤمن كَالْجمَلِ الْأنف كلما قيد انْقَادَ وَأخرجه أَيْضا ابْن عبد الْبر بِإِسْنَاد صَحِيح وَزَاد وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور فَإِن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة
وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة جدا وَيَكْفِي من رفع الرَّأْي وَأَنه لَيْسَ من الدّين قَول الله ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ فَإِذا كَانَ الله قد أكمل دينه قبل أَن يقبض نبيه ﷺ فَمَا هَذَا الرَّأْي الَّذِي أحدثه أَهله بعد أَن أكمل الله دينه إِن كَانَ من الدّين فِي اعْتِقَادهم فَهُوَ لم يكمل عِنْدهم إِلَّا برأيهم وَهَذَا فِيهِ رد لِلْقُرْآنِ وَإِن لم يكن من الدّين فَأَي فَائِدَة من الِاشْتِغَال بِمَا لَيْسَ من الدّين
وَهَذِه حجَّة قاهرة وَدَلِيل عَظِيم لَا يُمكن صَاحب الرَّأْي أَن يَدْفَعهُ بدافع أبدا فَاجْعَلْ هَذِه الْآيَة الشَّرِيفَة أول
стр. 67
مَا تصك بِهِ وُجُوه أهل الرَّأْي وترغم بِهِ آنافهم وتدحض بِهِ حججهم فقد أخبرنَا الله فِي مُحكم كِتَابه أَنه أكمل دينه وَلم يمت رَسُول الله ﷺ إِلَّا بعد أَن أخبرنَا بِهَذَا الْخَبَر عَن الله فَمن جَاءَنَا بالشَّيْء من عِنْد نَفسه وَزعم أَنه من ديننَا قُلْنَا لَهُ الله أصدق مِنْك فَاذْهَبْ فَلَا حَاجَة لنا فِي رَأْيك
وليت المقلدة فَهموا هَذِه الْآيَة حق الْفَهم حَتَّى يستريحوا ويتركوا وَمَعَ هَذَا فقد أخبرنَا فِي كِتَابه أَنه أحَاط بِكُل شَيْء علما فَقَالَ ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ونزلنا عَلَيْك الْكتاب تبيانا لكل شَيْء وَهدى وَرَحْمَة﴾ ثمَّ أَمر عباده بالحكم بكتابه فَقَالَ ﴿وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهواءهم﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّا أنزلنَا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ لتَحكم بَين النَّاس بِمَا أَرَاك الله وَلَا تكن للخائنين خصيما﴾ وَقَالَ ﴿إِن الحكم إِلَّا لله يقص الْحق وَهُوَ خير الفاصلين﴾ وَقَالَ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ وَأمر عباده أَيْضا فِي مُحكم كِتَابه بِاتِّبَاع مَا جَاءَ بِهِ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله ﴿وَقَالَ﴾ وَأَطيعُوا الله وَالرَّسُول لَعَلَّكُمْ ترحمون ﴿وَقَالَ﴾ أطِيعُوا الله وَالرَّسُول فَإِن توَلّوا فَإِن
стр. 68
الله لَا يحب الْكَافرين ﴿وَقَالَ﴾ وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴿وَقَالَ﴾ وَمن يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله وَمن تولى فَمَا أَرْسَلْنَاك عَلَيْهِم حفيظا ﴿وَقَالَ﴾ يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا ﴿وَقَالَ﴾ وَمن يطع الله وَرَسُوله يدْخلهُ جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْز الْعَظِيم وَمن يعْص الله وَرَسُوله ويتعد حُدُوده يدْخلهُ نَارا خَالِدا فِيهَا وَله عَذَاب مهين ﴿وَقَالَ﴾ وَأَطيعُوا الله وَرَسُوله وَلَا تنازعوا فتقشلوا وَتذهب ريحكم واصبروا إِن الله مَعَ الصابرين ﴿وَقَالَ﴾ قل أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول فَإِن توَلّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حمل وَعَلَيْكُم مَا حملتم وَأَن تطيعوه تهتدوا وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين ﴿وَقَالَ﴾ ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأَطيعُوا الرَّسُول لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾ ﴿وَقَالَ﴾ ﴿وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد فَازَ فوزا عَظِيما﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا كَانَ قَول الْمُؤمنِينَ إِذا دعوا إِلَى الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم أَن يَقُولُوا سمعنَا وأطعنا وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ وَقَالَ ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ والاستنكار على الِاسْتِدْلَال على وجوب طَاعَة الله
стр. 69
وَرَسُوله لَا يَأْتِي بفائدة فَلَيْسَ أحد من الْمُسلمين يُخَالف ذَلِك وَمن أنكرهُ فَهُوَ كَافِر خَارج عَن حزب الْمُسلمين
وَإِنَّمَا أوردنا هَذِه الْآيَات الشَّرِيفَة لقصد تليين قلب الْمُقَلّد الَّذِي قد جمد وَصَارَ كالجلمد فَإِنَّهُ إِذا سمع مثل هَذِه الْأَوَامِر رُبمَا امتثلها وَأخذ دينه عَن كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ طَاعَة لأوامر الله تَعَالَى فَإِن هَذِه الطَّاعَة وَإِن كَانَت مَعْلُومَة لكل مُسلم كَمَا تقدم لَكِن الْإِنْسَان يذهل عَن القوارع القرآنية والزواجر النَّبَوِيَّة فَإِذا ذكرتها زجر وَلَا سِيمَا من نَشأ على التَّقْلِيد وَأدْركَ سلفه ثابتين عَلَيْهِ غير متزحزحين عَنهُ فَإِنَّهُ يَقع فِي قلبه أَن دين الْإِسْلَام هُوَ هَذَا الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ وَمَا كَانَ مُخَالفا لَهُ فَلَيْسَ من الْإِسْلَام فِي شَيْء فَإِذا رَاجع نَفسه رَجَعَ وَلِهَذَا تَجِد الرجل إِذا نَشأ على مَذْهَب من هَذِه الْمذَاهب ثمَّ سمع قبل أَن يتمرن بِالْعلمِ وَيعرف مَا قَالَه النَّاس خلافًا يُخَالف ذَلِك المألوف استنكره وأباه قلبه وَنَفر عَنهُ طبعه وَقد رَأينَا وَسَمعنَا من هَذَا الْجِنْس من لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْحصْر وَلَكِن إِذا وازن الْعَاقِل بعقله بَين من اتبع أحد أَئِمَّة الْمذَاهب فِي مَسْأَلَة من مسَائِله الَّتِي رَوَاهَا عَنهُ الْمُقَلّد وَلَا مُسْتَند لذَلِك الْعَالم فِيهَا بل قَالَهَا بمحض الرَّأْي لعدم وُقُوفه على الدَّلِيل وَبَين من تمسك فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة بخصوصها بِالدَّلِيلِ الثَّابِت فِي الْقُرْآن أَو السّنة أَفَادَهُ الْعقل أَن بَينهمَا مسافات
стр. 70
أتنقطع فِيهَا أَعْنَاق الْإِبِل بل لَا جَامع بَينهمَا أَن من تمسك بِالدَّلِيلِ أَخذ بِمَا أوجب الله عَلَيْهِ الْأَخْذ بِهِ وَاتبع مَا شَرعه الشَّارِع بِجمع الْأمة أَولهَا وَآخِرهَا وحيها وميتها وَأَخذهم هَذَا الْعَالم الَّذِي تمسك الْمُقَلّد لَهُ بمحض رَأْيه هُوَ مَحْكُوم عَلَيْهِ بالشريعة لَا أَنه حَاكم فِيهَا وَهُوَ تَابع لَهَا لَا متبوع فِيهَا فَهُوَ كمن اتبعهُ فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا فَرْضه الْأَخْذ بِمَا جَاءَ عَن الشَّارِع لَا فرق بَينهمَا إِلَّا من كَون الْمَتْبُوع عَالما وَالتَّابِع جَاهِلا فالعالم يُمكنهُ الْوُقُوف على الدَّلِيل من دون أَن يرجع إِلَى غَيره لِأَنَّهُ قد استعد لذَلِك بِمَا اشْتغل بِهِ من الطّلب وَالْوُقُوف بَين يَدي أهل الْعلم والتحرج لَهُم فِي معارف الِاجْتِهَاد وَالْجَاهِل يُمكنهُ الْوُقُوف على الدَّلِيل بسؤال عُلَمَاء الشَّرِيعَة على طَريقَة طلب الدَّلِيل واسترواء النَّص وَكَيف حكم بِهِ فِي مُحكم كتاب الله أَو على لِسَان رَسُوله ﷺ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة فيفيدونه النَّص أَن كَانَ مِمَّن يعقل الْحجَّة إِذا دلّ عَلَيْهَا أَو يفيدونه مَضْمُون النَّص بالتعبير عَنهُ بِعِبَارَة يفهمها فهم رُوَاة وَهُوَ مسترو وَهَذَا عَامل بالرواية لَا بِالرَّأْيِ والمقلد عَامل بِالرَّأْيِ لَا بالرواية لِأَنَّهُ يقبل قَول الْغَيْر من دون أَن يُطَالِبهُ بِحجَّة وَذَلِكَ هُوَ فِي سُؤَاله لَهُ مطَالب بِالْحجَّةِ لَا بِالرَّأْيِ فَهُوَ قبل رِوَايَة الْغَيْر لَا رَأْيه وهما من هَذِه الْحَيْثِيَّة
стр. 71
متقابلان
فَانْظُر كم الْفرق بَين المنزلتين فَإِن الْعَالم الَّذِي قَلّدهُ غَيره إِذا كَانَ قد اجهد نَفسه فِي طلب الدَّلِيل وَلم يجده ثمَّ اجهد رَأْيه فَهُوَ مَعْذُور وَهَكَذَا إِذا اخطأ فِي اجْتِهَاده فَهُوَ مَعْذُور بل مأجور للْحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ اجران وَإِن اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ اجْرِ فَإِذا وقف بَين يَدي الله وَتبين خطأه كَانَ بِيَدِهِ هَذِه الْحجَّة الصَّحِيحَة بِخِلَاف المقلدة فَإِنَّهُ لَا يجد حجَّة يُدْلِي بهَا عِنْد السُّؤَال فِي موقف الْحساب لِأَنَّهُ قلد فِي دين الله من هُوَ مُخطئ وَعدم مُؤَاخذَة الْمُجْتَهد على خطأه لَا يسْتَلْزم عدم مُؤَاخذَة من قَلّدهُ فِي ذَلِك الْخَطَأ لَا عقلا وَلَا شرعا وَلَا عَادَة
معنى أَن كل مُجْتَهد مُصِيب
فَإِن استروح الْمُقَلّد إِلَى مَسْأَلَة تصويب الْمُجْتَهد فالقائل بهَا إِنَّمَا قَالَ إِنَّمَا الْمُجْتَهد مُصِيب بِمَعْنى أَنه لَا يَأْثَم بالْخَطَأ بل يُؤجر على الْخَطَأ بعد تَوْفِيَة الِاجْتِهَاد حَقه وَلم يقل أَنه مُصِيب للحق الَّذِي هُوَ حكم الله فِي الْمَسْأَلَة فَإِن هَذَا خلاف مَا
стр. 72
نطق بِهِ رَسُول الله ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث حَيْثُ قَالَ إِن اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِن أَخطَأ فَلهُ أجر فَانْظُر هَذِه الْعبارَة النَّبَوِيَّة فِي هَذَا الحَدِيث الصَّحِيح الْمُتَّفق عَلَيْهِ عِنْد أهل الصَّحِيح والملتقى بِالْقبُولِ بَين جَمِيع الْفرق فَإِنَّهُ قَالَ وَإِن اجْتهد فَأَخْطَأَ فقسم مَا يصدر عَن الْمُجْتَهد فِي الِاجْتِهَاد فِي مسَائِل الدّين إِلَى قسمَيْنِ أَحدهمَا هُوَ مُصِيب فِيهِ وَالْآخر هُوَ مُخطئ فَكيف يَقُول قَائِل أَنه مُصِيب للحق سَوَاء أصَاب أَو أَخطَأ وَقد سَمَّاهُ رَسُول الله ﷺ مخطئا فَمن زعم أَن مُرَاد الْقَائِل بتصويب الْمُجْتَهد من الْإِصَابَة للحق مُطلقًا فقد غلط عَلَيْهِم غَلطا بَينا وَنسب إِلَيْهِم مَا هم مِنْهُ برَاء وَلِهَذَا أوضح جمَاعَة من الْمُحَقِّقين مُرَاد الْقَائِلين بتصويب الْمُجْتَهدين بِأَن مقصودهم أَنهم مصيبون من الصَّوَاب الَّذِي لَا يُنَافِي الْخَطَأ لَا من الْإِصَابَة الَّتِي هِيَ مُقَابلَة للخطأ فَإِن لم يُخطئ فَهَذَا لَا بقول بِهِ عَالم وَمن لم يفهم هَذَا الْمَعْنى فَعَلَيهِ أَن يتهم نَفسه ويحيل الذَّنب على قصوره وَيقبل مَا أوضحه لَهُ من هُوَ اعرف مِنْهُ بفهم كَلَام الْعلمَاء وَإِن استروح الْمُقَلّد إِلَى الِاسْتِدْلَال بقوله تَعَالَى ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ فَهُوَ يقْتَصر على سُؤال أهل الْعلم عَن الحكم الثَّابِت فِي كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ حَتَّى يبينون لَهُ كَمَا أَخذ الله عَلَيْهِم من بَيَان أَحْكَامه لِعِبَادِهِ فَإِن معنى هَذَا
стр. 73
السُّؤَال الَّذِي شرع الله هُوَ السُّؤَال عَن الْحجَّة الشَّرْعِيَّة وطلبها من الْعَالم فَيكون رَاوِيا وَهَذَا السَّائِل مسترويا والمقلد يقر على نَفسه بِأَنَّهُ يقبل قَول الْعَالم وَلَا يُطَالِبهُ بِالْحجَّةِ
فالآية هِيَ دَلِيل الإتباع لَا دَلِيل التَّقْلِيد وَقد أوضحنا الْفرق بَينهمَا فِيمَا سلف هَذَا على فرض أَن المُرَاد بهَا السُّؤَال الْعَام وَقد قدمنَا أَن السِّيَاق يُفِيد أَن المُرَاد بهَا السُّؤَال الْخَاص لِأَن الله يَقُول ﴿وَمَا أرسلنَا قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وَقد قدمنَا طرقا من تَفْسِير أهل الْعلم لهَذِهِ الْآيَة وَبِهَذَا يظْهر لَك أَن هَذِه الْحجَّة الَّتِي احْتج بهَا الْمُقَلّد هِيَ حجَّة داحضة على فرض أَن المُرَاد الْمَعْنى الْخَاص وَهِي عَلَيْهِ لَا لَهُ على أَن المُرَاد الْمَعْنى الْعَام
أسئلة للمقلدين
ثمَّ نقُول للمقلد أَيْضا أَنْت فِي تقليدك الْعَالم فِي مسَائِل الْعِبَادَات والمعاملات إِمَّا أَن تكون فِي أصل مَسْأَلَة جَوَاز التَّقْلِيد مقلد أَو مُجْتَهد إِن كنت مقلد فقد قلدت فِي مَسْأَلَة لَا يُجِيز إمامك التَّقْلِيد فِيهَا لِأَنَّهَا مَسْأَلَة أصولية والتقليد إِنَّمَا هُوَ فِي مسَائِل الْفُرُوع فَمَاذَا صنعت فِي نَفسك يَا مِسْكين وَكَيف وَقعت فِي هَذِه الهوة الْمظْلمَة وَأَنت تَجِد عَنْهَا فرجا
стр. 74
ومخرجا وَإِن كنت فِي أصل هَذِه الْمَسْأَلَة مُجْتَهدا فَلَا يجوز لَك التَّقْلِيد لِأَنَّك لَا تقدر على الِاجْتِهَاد فِي مثل هَذِه الْأُصُولِيَّة المتشعبة المشكلة إِلَّا وَأَنت مِمَّن علمه علما نَافِعًا تخرج بِهِ من الظُّلُمَات إِلَى النُّور فَمَا بالك توقع نَفسك فِيمَا لَا يجوز تقلد الرِّجَال فِي دين الله بعد أَن أراحك الله مِنْهُ وأقدرك على الْخُرُوج مِنْهُ هَذَا على مَا هُوَ الْحق من أَن الِاجْتِهَاد لَا يَتَبَعَّض وَأَنه لَا يقدر على الِاجْتِهَاد فِي بعض الْمسَائِل إِلَّا من قدر على الِاجْتِهَاد فِي جَمِيعهَا لِأَن الِاجْتِهَاد هُوَ ملكة تحصل للنَّفس عِنْد الاحاطة بمعارفها الْمُعْتَبرَة وملكة لمن لم يعرف إِلَّا الْوَعْظ من ذَلِك
فَإِن استروحت إِلَى أَن الِاجْتِهَاد يَتَبَعَّض أعدنا عَلَيْك السُّؤَال فَنَقُول هَل عرفت أَن الِاجْتِهَاد يَتَبَعَّض بِالِاجْتِهَادِ أم بالتقليد فَإِن كنت عرفت ذَلِك بالتقليد فَالْمَسْأَلَة أصولية لَا يجوز التَّقْلِيد فِيهَا باعترافك واعتراف إمامك وَإِن كنت عرفت ذَلِك بِالِاجْتِهَادِ فَهَذِهِ أَيْضا مَسْأَلَة أُخْرَى من مسَائِل الْأُصُول أقدرك الله على الِاجْتِهَاد فِيهَا فَهَلا صنعت هَذَا الصنع فِي مسَائِل الْفُرُوع فَإنَّك على الِاجْتِهَاد فِيهَا أقدر مِنْك على الِاجْتِهَاد فِي مسَائِل الْأُصُول فَاصْنَعْ فِي مسَائِل الْفُرُوع هَكَذَا واستكثر من عُلُوم الِاجْتِهَاد حَتَّى تصير من أَهله ويفرج الله عَنْك هَذِه الْغُمَّة ويكشف الله
стр. 75
عَنْك بِمَا علمك هَذِه الظلمَة فَإنَّك إِذا رفعت نَفسك إِلَى الِاجْتِهَاد الْأَكْبَر فالمسافة قريبَة وَمن قدر على الْبَعْض قدر على الْكل وَمن عرف الْحق فِي المدارك الْأُصُولِيَّة عرفه فِي الْمسَائِل الفروعية وستعرف بعد أَن تعرف عُلُوم الِاجْتِهَاد كَمَا يَنْبَغِي بطلَان مَا تظنه الْآن من جَوَاز التَّقْلِيد وَمن تبعض الِاجْتِهَاد بل لَو طرحت عَنْك العصبية وجردت نَفسك لفهم مَا حررته لَك فِي هَذِه الورقات من أَوله إِلَى آخِره لقادك عقلك وفهمك إِلَى أَنه الصَّوَاب قبل أَن تجمع معارف الِاجْتِهَاد فالفهم قد تفضل الله بِهِ على غَالب عباده وَالْحق لَا يحتجب عَن أهل التَّوْفِيق والإنصاف شَاهد صدق على وجدان الْحق وَلِهَذَا قَالَ ﷺ أعلم النَّاس أبصرهم بِالْحَقِّ إِذا اخْتلف النَّاس وَهُوَ حَدِيث أخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَصَححهُ وَأخرجه أَيْضا غَيره فَإِن طَال بك اللجاج وسلكت من جهالتك فِي فجاج وتوقحت غيرمحتشم وأقدمت غير محجم فَقلت أَن مَسْأَلَة جَوَاز التَّقْلِيد هِيَ وَأَن كَانَت مَسْأَلَة أصولية وَقد أطبق النَّاس على أَنه لَا يجوز التَّقْلِيد فِي مسَائِل الْأُصُول وَصَارَ هَذَا مَعْرُوفا عِنْد أبنائي جنس من المقلدين لكني أَقُول بِأَن التَّقْلِيد فِيهَا وَفِي سَائِر مسَائِل الْأُصُول جَائِز
فَنَقُول وَمن أَيْن عرفت جَوَاز التَّقْلِيد فِي مسَائِل الْأُصُول هَل كَانَ هَذَا مِنْك تقليدا أَو اجْتِهَادًا فَإِن قلت تقليدا
следующие страницы →