← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6359

القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد

الشوكاني

Полный текст (93 стр.). Показаны 71–93 · переход к 76.

стр. 71

متقابلان فَانْظُر كم الْفرق بَين المنزلتين فَإِن الْعَالم الَّذِي قَلّدهُ غَيره إِذا كَانَ قد اجهد نَفسه فِي طلب الدَّلِيل وَلم يجده ثمَّ اجهد رَأْيه فَهُوَ مَعْذُور وَهَكَذَا إِذا اخطأ فِي اجْتِهَاده فَهُوَ مَعْذُور بل مأجور للْحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ اجران وَإِن اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ اجْرِ فَإِذا وقف بَين يَدي الله وَتبين خطأه كَانَ بِيَدِهِ هَذِه الْحجَّة الصَّحِيحَة بِخِلَاف المقلدة فَإِنَّهُ لَا يجد حجَّة يُدْلِي بهَا عِنْد السُّؤَال فِي موقف الْحساب لِأَنَّهُ قلد فِي دين الله من هُوَ مُخطئ وَعدم مُؤَاخذَة الْمُجْتَهد على خطأه لَا يسْتَلْزم عدم مُؤَاخذَة من قَلّدهُ فِي ذَلِك الْخَطَأ لَا عقلا وَلَا شرعا وَلَا عَادَة معنى أَن كل مُجْتَهد مُصِيب فَإِن استروح الْمُقَلّد إِلَى مَسْأَلَة تصويب الْمُجْتَهد فالقائل بهَا إِنَّمَا قَالَ إِنَّمَا الْمُجْتَهد مُصِيب بِمَعْنى أَنه لَا يَأْثَم بالْخَطَأ بل يُؤجر على الْخَطَأ بعد تَوْفِيَة الِاجْتِهَاد حَقه وَلم يقل أَنه مُصِيب للحق الَّذِي هُوَ حكم الله فِي الْمَسْأَلَة فَإِن هَذَا خلاف مَا

стр. 72

نطق بِهِ رَسُول الله ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث حَيْثُ قَالَ إِن اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِن أَخطَأ فَلهُ أجر فَانْظُر هَذِه الْعبارَة النَّبَوِيَّة فِي هَذَا الحَدِيث الصَّحِيح الْمُتَّفق عَلَيْهِ عِنْد أهل الصَّحِيح والملتقى بِالْقبُولِ بَين جَمِيع الْفرق فَإِنَّهُ قَالَ وَإِن اجْتهد فَأَخْطَأَ فقسم مَا يصدر عَن الْمُجْتَهد فِي الِاجْتِهَاد فِي مسَائِل الدّين إِلَى قسمَيْنِ أَحدهمَا هُوَ مُصِيب فِيهِ وَالْآخر هُوَ مُخطئ فَكيف يَقُول قَائِل أَنه مُصِيب للحق سَوَاء أصَاب أَو أَخطَأ وَقد سَمَّاهُ رَسُول الله ﷺ مخطئا فَمن زعم أَن مُرَاد الْقَائِل بتصويب الْمُجْتَهد من الْإِصَابَة للحق مُطلقًا فقد غلط عَلَيْهِم غَلطا بَينا وَنسب إِلَيْهِم مَا هم مِنْهُ برَاء وَلِهَذَا أوضح جمَاعَة من الْمُحَقِّقين مُرَاد الْقَائِلين بتصويب الْمُجْتَهدين بِأَن مقصودهم أَنهم مصيبون من الصَّوَاب الَّذِي لَا يُنَافِي الْخَطَأ لَا من الْإِصَابَة الَّتِي هِيَ مُقَابلَة للخطأ فَإِن لم يُخطئ فَهَذَا لَا بقول بِهِ عَالم وَمن لم يفهم هَذَا الْمَعْنى فَعَلَيهِ أَن يتهم نَفسه ويحيل الذَّنب على قصوره وَيقبل مَا أوضحه لَهُ من هُوَ اعرف مِنْهُ بفهم كَلَام الْعلمَاء وَإِن استروح الْمُقَلّد إِلَى الِاسْتِدْلَال بقوله تَعَالَى ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ فَهُوَ يقْتَصر على سُؤال أهل الْعلم عَن الحكم الثَّابِت فِي كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ حَتَّى يبينون لَهُ كَمَا أَخذ الله عَلَيْهِم من بَيَان أَحْكَامه لِعِبَادِهِ فَإِن معنى هَذَا

стр. 73

السُّؤَال الَّذِي شرع الله هُوَ السُّؤَال عَن الْحجَّة الشَّرْعِيَّة وطلبها من الْعَالم فَيكون رَاوِيا وَهَذَا السَّائِل مسترويا والمقلد يقر على نَفسه بِأَنَّهُ يقبل قَول الْعَالم وَلَا يُطَالِبهُ بِالْحجَّةِ فالآية هِيَ دَلِيل الإتباع لَا دَلِيل التَّقْلِيد وَقد أوضحنا الْفرق بَينهمَا فِيمَا سلف هَذَا على فرض أَن المُرَاد بهَا السُّؤَال الْعَام وَقد قدمنَا أَن السِّيَاق يُفِيد أَن المُرَاد بهَا السُّؤَال الْخَاص لِأَن الله يَقُول ﴿وَمَا أرسلنَا قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وَقد قدمنَا طرقا من تَفْسِير أهل الْعلم لهَذِهِ الْآيَة وَبِهَذَا يظْهر لَك أَن هَذِه الْحجَّة الَّتِي احْتج بهَا الْمُقَلّد هِيَ حجَّة داحضة على فرض أَن المُرَاد الْمَعْنى الْخَاص وَهِي عَلَيْهِ لَا لَهُ على أَن المُرَاد الْمَعْنى الْعَام أسئلة للمقلدين ثمَّ نقُول للمقلد أَيْضا أَنْت فِي تقليدك الْعَالم فِي مسَائِل الْعِبَادَات والمعاملات إِمَّا أَن تكون فِي أصل مَسْأَلَة جَوَاز التَّقْلِيد مقلد أَو مُجْتَهد إِن كنت مقلد فقد قلدت فِي مَسْأَلَة لَا يُجِيز إمامك التَّقْلِيد فِيهَا لِأَنَّهَا مَسْأَلَة أصولية والتقليد إِنَّمَا هُوَ فِي مسَائِل الْفُرُوع فَمَاذَا صنعت فِي نَفسك يَا مِسْكين وَكَيف وَقعت فِي هَذِه الهوة الْمظْلمَة وَأَنت تَجِد عَنْهَا فرجا

стр. 74

ومخرجا وَإِن كنت فِي أصل هَذِه الْمَسْأَلَة مُجْتَهدا فَلَا يجوز لَك التَّقْلِيد لِأَنَّك لَا تقدر على الِاجْتِهَاد فِي مثل هَذِه الْأُصُولِيَّة المتشعبة المشكلة إِلَّا وَأَنت مِمَّن علمه علما نَافِعًا تخرج بِهِ من الظُّلُمَات إِلَى النُّور فَمَا بالك توقع نَفسك فِيمَا لَا يجوز تقلد الرِّجَال فِي دين الله بعد أَن أراحك الله مِنْهُ وأقدرك على الْخُرُوج مِنْهُ هَذَا على مَا هُوَ الْحق من أَن الِاجْتِهَاد لَا يَتَبَعَّض وَأَنه لَا يقدر على الِاجْتِهَاد فِي بعض الْمسَائِل إِلَّا من قدر على الِاجْتِهَاد فِي جَمِيعهَا لِأَن الِاجْتِهَاد هُوَ ملكة تحصل للنَّفس عِنْد الاحاطة بمعارفها الْمُعْتَبرَة وملكة لمن لم يعرف إِلَّا الْوَعْظ من ذَلِك فَإِن استروحت إِلَى أَن الِاجْتِهَاد يَتَبَعَّض أعدنا عَلَيْك السُّؤَال فَنَقُول هَل عرفت أَن الِاجْتِهَاد يَتَبَعَّض بِالِاجْتِهَادِ أم بالتقليد فَإِن كنت عرفت ذَلِك بالتقليد فَالْمَسْأَلَة أصولية لَا يجوز التَّقْلِيد فِيهَا باعترافك واعتراف إمامك وَإِن كنت عرفت ذَلِك بِالِاجْتِهَادِ فَهَذِهِ أَيْضا مَسْأَلَة أُخْرَى من مسَائِل الْأُصُول أقدرك الله على الِاجْتِهَاد فِيهَا فَهَلا صنعت هَذَا الصنع فِي مسَائِل الْفُرُوع فَإنَّك على الِاجْتِهَاد فِيهَا أقدر مِنْك على الِاجْتِهَاد فِي مسَائِل الْأُصُول فَاصْنَعْ فِي مسَائِل الْفُرُوع هَكَذَا واستكثر من عُلُوم الِاجْتِهَاد حَتَّى تصير من أَهله ويفرج الله عَنْك هَذِه الْغُمَّة ويكشف الله

стр. 75

عَنْك بِمَا علمك هَذِه الظلمَة فَإنَّك إِذا رفعت نَفسك إِلَى الِاجْتِهَاد الْأَكْبَر فالمسافة قريبَة وَمن قدر على الْبَعْض قدر على الْكل وَمن عرف الْحق فِي المدارك الْأُصُولِيَّة عرفه فِي الْمسَائِل الفروعية وستعرف بعد أَن تعرف عُلُوم الِاجْتِهَاد كَمَا يَنْبَغِي بطلَان مَا تظنه الْآن من جَوَاز التَّقْلِيد وَمن تبعض الِاجْتِهَاد بل لَو طرحت عَنْك العصبية وجردت نَفسك لفهم مَا حررته لَك فِي هَذِه الورقات من أَوله إِلَى آخِره لقادك عقلك وفهمك إِلَى أَنه الصَّوَاب قبل أَن تجمع معارف الِاجْتِهَاد فالفهم قد تفضل الله بِهِ على غَالب عباده وَالْحق لَا يحتجب عَن أهل التَّوْفِيق والإنصاف شَاهد صدق على وجدان الْحق وَلِهَذَا قَالَ ﷺ أعلم النَّاس أبصرهم بِالْحَقِّ إِذا اخْتلف النَّاس وَهُوَ حَدِيث أخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَصَححهُ وَأخرجه أَيْضا غَيره فَإِن طَال بك اللجاج وسلكت من جهالتك فِي فجاج وتوقحت غيرمحتشم وأقدمت غير محجم فَقلت أَن مَسْأَلَة جَوَاز التَّقْلِيد هِيَ وَأَن كَانَت مَسْأَلَة أصولية وَقد أطبق النَّاس على أَنه لَا يجوز التَّقْلِيد فِي مسَائِل الْأُصُول وَصَارَ هَذَا مَعْرُوفا عِنْد أبنائي جنس من المقلدين لكني أَقُول بِأَن التَّقْلِيد فِيهَا وَفِي سَائِر مسَائِل الْأُصُول جَائِز فَنَقُول وَمن أَيْن عرفت جَوَاز التَّقْلِيد فِي مسَائِل الْأُصُول هَل كَانَ هَذَا مِنْك تقليدا أَو اجْتِهَادًا فَإِن قلت تقليدا

стр. 76

فَنَقُول وَمن ذَاك الَّذِي قلدته فَإنَّا قد حكينا لَك فِيمَا سبق أَن أَئِمَّة الْمذَاهب يمْنَعُونَ التَّقْلِيد كَمَا يمنعهُ غَيرهم فِي مسَائِل الْفُرُوع فضلا عَن مسَائِل الْأُصُول فَإِن قلت قلدتهم أَو قلدت وَاحِدًا مِنْهُم وَهُوَ الَّذِي التزمت مذْهبه فِي جَمِيع مَا قَالَه من دون أَن تطالبه بِحجَّة فقد كذبت عَلَيْهِ وعللت نَفسك بالأباطيل فَإِن غَيْرك مِمَّن هُوَ أعلم مِنْك بمذهبه واعرف بنصوصه قد نقل عَنهُ أَنه يمْنَع التَّقْلِيد وَإِن قلت قلدت غَيره فَمن هُوَ ثمَّ كَيفَ سمحت لنَفسك فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بخصوصها بِالْخرُوجِ عَن مذْهبه وتقليد غَيره وَبِالْجُمْلَةِ فَمن تلاعب بِدِينِهِ وبنفسه إِلَى هَذَا الْحَد فَهُوَ بالبهيمة أشبه وليت أَن هَؤُلَاءِ المقلدة قلدوا أئمتهم فِي جَمِيع مَا تقولوه فَإِنَّهُم لَو فعلوا ذَلِك لَزِمَهُم أَن يقلدوهم فِي مَسْأَلَة التَّقْلِيد وهم يَقُولُونَ بِعَدَمِ جَوَازه كَمَا عرفت سَابِقًا وَحِينَئِذٍ يقتدون بهم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَلَا يتم لَهُم ذَلِك إِلَّا بترك التَّقْلِيد فِي جَمِيع الْمسَائِل فيريحون أنفسهم ويخلصونها من هَذِه الشبكة بالوقوع فِي حَبل من حبالها ثمَّ نقُول لهَذَا الْمُقَلّد أَيْضا من أَيْن عرفت أَنه جَامع لعلوم الِاجْتِهَاد فَنَقُول لَهُ وَمن أَيْن لَك هَذِه الْمعرفَة يَا مِسْكين فَأَنت تقر على نَفسك بِالْجَهْلِ وتكذبها فِي هَذِه الدَّعْوَى وَلَوْلَا جهلك لم تقلد غَيْرك وَإِن قَالَ عرفتها بأخبار أهل الْعلم إِن إمامي قد جمع عُلُوم الِاجْتِهَاد

стр. 77

فَنَقُول هَذَا الَّذِي أخْبرك هَل هُوَ مقلد أَو مُجْتَهد فَإِن قلت هُوَ مقلد فَمن أَيْن للمقلد هَذِه الْمعرفَة وَهُوَ مقرّ على نَفسه بِمَا أَقرَرت بِهِ على نَفسك من الْجَهْل وَإِن قلت أخْبرك بذلك رجل مُجْتَهد فَنَقُول لَك من أَيْن عرفت أَنه مُجْتَهد وَأَنت مقرّ على نَفسك بِالْجَهْلِ ثمَّ نعود عَلَيْك بالسؤال الأول إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ ثمَّ نقُول للمقلد من أَيْن عرفت أَن الْحق بيد الإِمَام الَّذِي قلدته وَأَنت تعلم أَن غَيره من الْعلمَاء قد خَالفه فِي كل مَسْأَلَة من مسَائِل الْخلاف إِن قلت عرفت ذَلِك تقليدا فَمن أَيْن للمقلد معرفَة الْحق والمحقين وَهُوَ مقرّ على نَفسه بِأَنَّهُ لَا يُطَالب بِالْحجَّةِ وَلَا يَعْقِلهَا إِذا جَاءَتْهُ فمالك يَا مِسْكين وَالْكذب على نَفسك بِمَا يشْهد عَلَيْك بِبُطْلَانِهِ لسَانك بل يشْهد عَلَيْك كل مقلد ومجتهد بِخِلَاف دعوتك وَإِن قلت عرفت ذَلِك بِالِاجْتِهَادِ فلست حِينَئِذٍ مُقَلدًا وَلَا من أهل التَّقْلِيد بل التَّقْلِيد عَلَيْك حرَام فمالك تغمط نعْمَة الله عَلَيْك وتنكرها وَالله يَقُول ﴿وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث﴾ وَرَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الله يحب أَن يرى أثر نعْمَته على عَبده وَأثر نعْمَة الْعلم أَن يعْمل الْعَالم بِعِلْمِهِ وَيَأْخُذ مَا تعبده الله بِهِ من الْجِهَة الَّتِي أمره الله بِالْأَخْذِ مِنْهَا فِي مُحكم كِتَابه وعَلى لِسَان رَسُوله ﷺ وَتلك الْجِهَة هِيَ الْكتاب وَالسّنة كَمَا تقدم سرد أَدِلَّة ذَلِك وَهُوَ أَمر مُتَّفق عَلَيْهِ لَا خلاف فِيهِ وعَلى كل حَال فَأَنت بتقليدك مَعَ كونك قاصرا عَمَّن عمل فِي دين الله بِغَيْر بَصِيرَة وَترك مَا لاشك فِيهِ إِلَى مَا فِيهِ الشَّك وتستبدل

стр. 78

الْحق شَيْئا لَا تَدْرِي مَا هُوَ وَإِن كنت مُجْتَهدا فَأَنت مِمَّن أضلّهُ الله على علم وَختم على سَمعه وَقَلبه وَجعل على بَصَره غشاوة فَلم يَنْفَعهُ علمه وَصَارَ مَا علمه حجَّة عَلَيْهِ وَرجع من النُّور إِلَى الظُّلُمَات وَمن الْيَقِين إِلَى الشَّك وَمن الثريا إِلَى الثرى بل لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ هَذَا وَإِن كَانَ ذَلِك الْمُقَلّد يَدعِي إِن إِمَامه على حق فِي جَمِيع مَا قَالَه وَإِن كَانَ يقر أَن فِي قَوْله الْحق وَالْبَاطِل وَإنَّهُ بشر يُخطئ ويصيب وَلَا سِيمَا فِي مَحْض الرَّأْي الَّذِي هُوَ على شفا جرف هار فَنَقُول لَهُ إِن كنت قَائِلا بِهَذَا فقد أصبت وَهُوَ الَّذِي يَقُوله إمامك لَو سَأَلَهُ سَائل عَن مذْهبه وَجمع مَا دونه من مسَائِله وَلَكِن أخبرنَا مَا حملك أَن تجْعَل مَا هُوَ مُشْتَمل على الْحق وَالْبَاطِل قلادة فِي عُنُقك تلتزمه وَتَدين بِهِ غير تَارِك لشَيْء مِنْهُ فَإِن الْخَطَأ من إمامك قد عذره الله فِيهِ بل جعل لَهُ أجرا فِي مُقَابلَته كَمَا تقدم تَقْرِيره لِأَنَّهُ مُجْتَهد وللمجتهد أَن أَخطَأ أجر كَمَا صرح بذلك رَسُول الله ﷺ فَأَنت من أخْبرك بأنك مَعْذُور من إتباع الْخَطَأ وَأي حجَّة قَامَت لَك على ذَلِك فَإِن قلت إِنَّك لَو تركت التَّقْلِيد وَسَأَلت أهل الْعلم عَن النُّصُوص لَكُنْت غير قَاطع بِالصَّوَابِ بِأَن يحْتَمل أَن الَّذِي أخذت بِهِ وَسَأَلت عَنهُ هُوَ حق وَيحْتَمل أَنه بَاطِل والمفروض أَنَّك

стр. 79

ستسأل عَن دينك فِي عباداتك ومعاملاتك عُلَمَاء الْكتاب وَالسّنة وهم أتقى لله من أَن يفتوك بِغَيْر مَا سَأَلت عَنهُ فَإنَّك إِنَّمَا سَأَلتهمْ من كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ فِي ذَلِك الحكم الَّذِي أردْت الْعَمَل بِهِ وهم بل جَمِيع الْمُسلمين يعلمُونَ أَن كتاب الله وَسنة رَسُوله حق لَا بَاطِل وَهَذَا الْفَاصِل لَهُ وَلَو فَرضنَا أَن المسؤول قصر فِي الْبَحْث فأفتاك مثلا بِحَدِيث ضَعِيف وَترك الصَّحِيح أَو بِآيَة مَنْسُوخَة وَترك المحكمة لم يكن عَلَيْك فِي ذَلِك بَأْس فَإنَّك قد فعلت مَا هُوَ فرضك واسترويت أهل الْعلم عَن الشَّرِيعَة المطهرة لَا عَن آراء الرِّجَال وَلَيْسَ للمقلد أَن يَقُول كمقالك هَذَا فيزعم أَن إِمَامه أتقى لله من أَن يَقُول بقول بَاطِل لأَنا نقُول هُوَ معترف أَن بعض رَأْيه خطأ وَلم يَأْمُرك بِأَن تتبعه فِي خطئه بل نهاك عَن تَقْلِيده ومنعك عَن ذَلِك كَمَا تقدم تحريره عَن أَئِمَّة الْمذَاهب وَعَن سَائِر الْمُسلمين بِخِلَاف من سَأَلته عَن الْكتاب وَالسّنة فأفتاك بذلك فَإِنَّهُ يعلم أَن جَمِيع مَا فِي الْكتاب وَالسّنة حق وَصدق وَهدى وَنور وَأَنت لم تسْأَل إِلَّا عَن ذَلِك ثمَّ نقُول لَك أَيهَا الْمُقَلّد مَا بالك تعترف فِي كل مَسْأَلَة من مسَائِل الْفُرُوع الَّتِي أَنْت مقلد فِيهَا بأنك لَا تَدْرِي مَا هُوَ الْحق فِيهَا ثمَّ لما أرشدناك إِلَى أَن مَا أَنْت عَلَيْهِ من التَّقْلِيد غير جَائِز فِي دين الله أَقمت نَفسك مقَاما لَا تستحقه ونصبت نَفسك فِي منصب لم

стр. 80

تتأهل لَهُ فَأخذت فِي الْمُخَاصمَة وَالِاسْتِدْلَال بِجَوَاز التَّقْلِيد وَجئْت بِالشُّبْهَةِ الساقطة الَّتِي قدمنَا دَفعهَا فِي هَذَا الْمُؤلف فَهَلا نزلت نَفسك فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الْأُصُولِيَّة الْعَظِيمَة المتشعبة تِلْكَ الْمنزلَة الَّتِي كنت تنزلها فِي مسَائِل الْفُرُوع فَمَا لَك وللنزول فِي منَازِل الفحول والسلوك فِي مسالك أهل الْأَيْدِي المتبالغة فِي الطول فَمَا هلك أمرؤ عرف قدر نَفسه فَقل هَهُنَا لَا أَدْرِي إِنَّمَا سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فقلته فَنَقُول هَكَذَا سَيكون جوابك لمنكر وَنَكِير بعد أَن تقبر وَيُقَال لَك لَا دَريت وَلَا تليت كَمَا ثَبت بذلك النَّص الصَّحِيح وَإِذا كنت معترفا بأنك لَا تَدْرِي فشفاء العي السُّؤَال فسل من تثق بِدِينِهِ وَعلمه وإنصافه فِي مَسْأَلَة التَّقْلِيد حَتَّى تكون على بَصِيرَة وَلَو كَانَ إمامك الَّذِي تقلده حَيا لأرشدناك إِلَيْهِ وأمرناك بالتعويل عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أول ناه لَك عَن التَّقْلِيد كَمَا عرفناك فِيمَا سبق وَلكنه قد صَار رهين البلى وَتَحْت أطباق الثرى فاسأل غَيره من الْعلمَاء الْمَوْجُودين وهم بِحَمْد الله فِي كل صقع من بِلَاد الْإِسْلَام فَالله سُبْحَانَهُ حَافظ دينه بهم وحجته قَائِمَة على عباده بوجودهم وَإِن

стр. 81

كتموا الْحق فِي بعض الْأَحْوَال أما لتقية مسوغة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا أَن تتقوا مِنْهُم تقاة﴾ أَو بمداهنة أَو طمع فِي جاه أَو مَال وَلَكنهُمْ على كل حَال إِذا عرفُوا من هُوَ طَالب للحق رَاغِب فِيهِ سَائل عَن دينه سالك مسالك الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم لم يكتموا عَلَيْهِ الْحق وَلَا زاغوا مِنْهُ فَإِن كنت لَا تثق بِأحد من الْعلمَاء وثوقك بإمامك الَّذِي نشأت على مذْهبه فَارْجِع إِلَى نصوصه الَّتِي قدمنَا إِلَيْك الْإِشَارَة إِلَى بَعْضهَا وفيهَا مَا ينفع الْغلَّة ويشفي الْعلَّة نصيحة بليغة لمن يتصدر للفتيا وَالْقَضَاء من المقلدين وَاعْلَم أرشدك الله أَيهَا الْمُقَلّد إِنَّك أَن أنصفت من نَفسك وخليت بَين عقلك وفهمك وَبَين مَا حررناه فِي هَذَا الْمُؤلف لم يبْق مَعَك شكّ فِي إِنَّك على خطر عَظِيم هَذَا إِن كنت مُقْتَصرا فِي التَّقْلِيد على مَا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَتك مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ أَمر عبادتك ومعاملتك إِمَّا إِذا كنت مَعَ كونك فِي هَذِه الرُّتْبَة الساقطة مرشحا نَفسك لفتيا السَّائِلين وللقضاء بَين المتخاصمين فَاعْلَم إِنَّك ممتحن وممتحن بك ومبتلي ومبتلى بك لِأَنَّك تريق الدِّمَاء بأحكامك وتنقل الْأَمْلَاك والحقوق من أَهلهَا وتحلل الْحَرَام وَتحرم الْحَلَال وَتقول على الله مَا لم يقل

стр. 82

غير مُسْتَند إِلَى كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ بل بِشَيْء لَا تَدْرِي أَحَق هُوَ أم بَاطِل باعترافك على نَفسك بأنك كَذَلِك فَمَاذَا يكون جوابك بَين يَدي الله فَإِن الله إِنَّمَا أَمر حكام الْعباد أَن يحكموا بَينهم بِمَا أنزل الله وَأَنت لَا تعرف مَا أنزل الله على الْوَجْه الَّذِي يُرَاد بِهِ وَأمرهمْ أَن يحكموا بِالْحَقِّ وَأَنت لَا تَدْرِي الْحق وَإِنَّمَا سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فقلته وَأمرهمْ أَن يحكموا بَينهم الْعدْل وَأَنت لَا تَدْرِي الْعدْل من الْجور لِأَن الْعدْل هُوَ مَا وَافق مَا شَرعه الله والجور مَا خَالفه فَهَذِهِ الْأَوَامِر لم تتَنَاوَل مثلك بل الْمَأْمُور بهَا غَيْرك فَكيف قُمْت بِشَيْء لم تُؤمر بِهِ وَلَا ندبت إِلَيْهِ وَكَيف أقدمت على أصُول فِي الحكم بِغَيْر مَا أنزل الله حَتَّى تكون مِمَّن قَالَ فِيهِ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ فَهَذِهِ الْآيَات الْكَرِيمَة متناولة لكل من لم يحكم بِمَا انْزِلْ الله فَإنَّك لَا تَدعِي أَنَّك حكمت بِمَا أنزل الله بل تقر بأنك حكمت بقول الْعَالم الْفُلَانِيّ وَلَا تَدْرِي هَل ذَلِك الحكم الَّذِي حكم بِهِ هَل هُوَ من مَحْض رَأْيه أم من الْمسَائِل الَّتِي اسْتدلَّ عَلَيْهَا بِالدَّلِيلِ ثمَّ لَا تَدْرِي أهوَ أصَاب فِي الِاسْتِدْلَال أم أَخطَأ وَهل أَخذ بِالدَّلِيلِ الْقوي أم الضَّعِيف فَانْظُر يَا مِسْكين مَا صنعت بِنَفْسِك فَإنَّك لم يكن جهلك مَقْصُورا عَلَيْك بل جهلت على عباد الله فأرقت الدِّمَاء وأقمت الْحُدُود

стр. 83

وهتكت الْحرم بِمَا لَا تَدْرِي فقبح الله الْجَهْل وَلَا سِيمَا إِذا جعله صَاحبه شرعا ودينا لَهُ وللمسلمين فَإِنَّهُ طاغوت عِنْد التَّحْقِيق وَإِن ستر من التلبيس بستر رَقِيق فيا أَيهَا القَاضِي الْمُقَلّد أخبرنَا أَي الْقُضَاة الثَّلَاثَة أَنْت الَّذين قَالَ فيهم رَسُول الله ﷺ الْقُضَاة ثَلَاثَة قاضيان فِي النَّار وقاض فِي الْجنَّة فالقاضيان اللَّذَان فِي النَّار قَاض قضى بِغَيْر الْحق وقاض قضى بِالْحَقِّ وَهُوَ لَا يعلم أَنه الْحق وَالَّذِي فِي الْجنَّة قَاض قضى بِالْحَقِّ وَهُوَ يعلم أَنه الْحق فبالله عَلَيْك هَل قضيت بِالْحَقِّ وَأَنت تعلم أَنه الْحق إِن قلت نعم فَأَنت وَسَائِر أهل الْعلم يشْهدُونَ بأنك كَاذِب لِأَنَّك معترف بأنك لَا تعلم بِالْحَقِّ وَكَذَلِكَ سَائِر النَّاس يحكمون عَلَيْك بِهَذَا من غير فرق بَين مُجْتَهد ومقلد وَإِن قلت إِنَّك قضيت بِمَا قَالَه إمامك وَلَا تَدْرِي أَحَق هُوَ أم بَاطِل كَمَا هُوَ شَأْن كل مقلد على وَجه الأَرْض فَأَنت بإقرارك هَذَا أحد رجلَيْنِ إِمَّا قضيت بِالْحَقِّ وَأَنت لَا تعلم بِأَنَّهُ الْحق أَو قضيت بِغَيْر الْحق لِأَن ذَلِك الحكم الَّذِي حكمت بِهِ هُوَ لَا يَخْلُو عَن أحد الْأَمريْنِ إِمَّا أَن يكون حَقًا وَإِمَّا أَن يكون غير حق وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ فَأَنت من قُضَاة النَّار بِنَصّ الْمُخْتَار وَهَذَا مَا أَظن بتردد فِيهِ أحد من أهل الْفَهم بأمرين أَحدهمَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 84

قد جعل الْقُضَاة ثَلَاثَة وَبَين صفة كل وَاحِد مِنْهُم بَيَانا يفهمهُ المقصر والكامل والعالم وَالْجَاهِل الثَّانِي أَن الْمُقَلّد لَا يَدعِي أَنه يعلم بِمَا هُوَ حق من كَلَام إِمَامه وَلَا بِمَا هُوَ بَاطِل بل يقر على نَفسه أَنه يقبل قَول الْغَيْر وَلَا يُطَالِبهُ بِحجَّة ويقر على نَفسه أَنه لَا يعقل الْحجَّة إِذا جَاءَتْهُ فَأفَاد هَذَا أَنه حكم بِشَيْء لَا يدْرِي مَا هُوَ فَإِن وَافق الْحق فَهُوَ الَّذِي قضى بِغَيْر علم وَإِن لم يُوَافق فَهُوَ الَّذِي قضى بِغَيْر الْحق وَهَذَانِ هما القاضيان اللَّذَان فِي النَّار فَالْقَاضِي الْمُقَلّد على كلتا حالتيه يتقلب فِي نَار جَهَنَّم فَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر خذا بطن هرشي أوقفاها فَإِنَّهُ ... كلا جَانِبي هرشي لَهُنَّ طَرِيق وكما تَقول الْعَرَب لَيْسَ فِي الشَّرّ خِيَار وَلَقَد خَابَ وخسر من لَا ينجو على كل حَال من النَّار فيا أَيهَا القَاضِي الْمُقَلّد مَا الَّذِي أوقعك فِي هَذِه الورطة وألجأك إِلَى هَذِه الْعهْدَة الَّتِي صرت فِيهَا على كل حَال من أهل النَّار إِذا دمت على قضائك وَلم تتب فَإِن أهل الْمعاصِي والبطالة على اخْتِلَاف أنواعهم هم أَرْجَى لله مِنْك وأخوف لَهُ لأَنهم يقدمُونَ على الْمعاصِي وهم على عزم التَّوْبَة والإقلاع وَالرُّجُوع وكل وَاحِد مِنْهُم يسْأَل الله الْمَغْفِرَة وَالتَّوْبَة وَيَلُوم نَفسه على

стр. 85

مَا فرط مِنْهُ وَيُحب أَن لَا يَأْتِيهِ الْمَوْت إِلَّا بعد أَن تطهر نَفسه من ادران كل مَعْصِيّة وَلَو دَعَا لَهُ دَاع بِأَن الله يبقيه على مَا هُوَ متلبس بِهِ من البطالة وَالْمَعْصِيَة إِلَى الْمَوْت يعلم هُوَ وكل سامع أَنه يَدْعُو عَلَيْهِ لَا لَهُ وَلَو علم أَنه يبْقى على مَا هُوَ عَلَيْهِ إِلَى الْمَوْت ويلقى الله وَهُوَ متلبس بِهِ لضاقت عَلَيْهِ الأَرْض بِمَا رَحبَتْ لِأَنَّهُ يعلم أَن هَذَا الْبَقَاء هُوَ من مُوجبَات النَّار بِخِلَاف هَذَا القَاضِي الْمِسْكِين فَإِنَّهُ رُبمَا دَعَا الله فِي خلواته وَبعد صلواته أَن يديم عَلَيْهِ تِلْكَ النِّعْمَة ويحرسها عَن الزَّوَال وَيصرف عَنهُ كيد الكائدين وحسد الحاسدين حَتَّى لَا يقدروا على عَزله وَلَا يتمكنوا من فَصله وَقد يبْذل المخذول فِي استمراره على ذَلِك نفائس الْأَمْوَال وَيدْفَع الرشا والبراطيل والرغائب لمن كَانَ لَهُ فِي أمره مدْخل فَجمع بَين خسراني الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وتسمح نَفسه بهما جَمِيعًا فِي حُصُول ذَلِك فيشتري بهَا النَّار وَالْعلَّة الغائبة الْمَقْصد الْأَسْنَى وَالْمطلب الْأَبْعَد لهَذَا المغبون لَيْسَ إِلَّا اجْتِمَاع الْعَامَّة وصراخهم بَين يَدَيْهِ وَلَو عقل لعلم أَنه لم يكن فِي رياسة عالية وَلَا فِي مَكَان رفيع وَلَا فِي مرتبَة جليلة فَإِنَّهُ يُشَارِكهُ فِي اجْتِمَاع هَؤُلَاءِ الْعَوام وتطاولهم إِلَيْهِ وتزاحمهم عَلَيْهِ كل من يُرَاد إهانته إِمَّا بِإِقَامَة حد عَلَيْهِ أَو قصاص أَو تَعْزِير فَإِنَّهُ يجمع على وَاحِد من هَؤُلَاءِ مَا

стр. 86

لَا يجْتَمع على القَاضِي عشر معشاره بل يجْتَمع على أهل اللّعب والمجون والسخرية وَأهل الزمر والرقص وَالضَّرْب بالطبل أصضعاف أَضْعَاف من يجْتَمع على القَاضِي وَهُوَ ذُو زهو لركوب دَابَّة أَو مشي خَادِم أَو خادمين فِي ركابه فَليعلم أَن العَبْد الْمَمْلُوك والجندي الْجَاهِل وَالْولد من أَبنَاء الْيَهُود وَالنَّصَارَى تركب دَوَاب أنزه من دَابَّته وَيَمْشي مَعَه من الخدم أَكثر مِمَّن يمشي مَعَه وَإِذا كَانَ وُقُوعه فِي هَذَا الْعَمَل الَّذِي هُوَ من أَسبَاب النَّار على كل حَال من طلب المعاش واستدرار مَا يدْفع إِلَيْهِ من الجراية من السُّحت فَليعلم أَن أهل المهن الدِّينِيَّة كالحائك والحجام والجزار والاسكافي أنعم مِنْهُ عَيْشًا وأسكن مِنْهُ قلبا لأَنهم أمنُوا من مرَارَة الْعَزْل غير مهتمين بتحويل الْحَال فهم يتلذذون بدنياهم ويتمتعون بنفوسهم ويتقبلون فِي تنعمهم هَذَا بِاعْتِبَار الْحَيَاة الدُّنْيَا وَأما بِاعْتِبَار الْآخِرَة فخواطرهم مطمئنة لأَنهم لَا يَخْشونَ الْعقُوبَة بِسَبَب من الْأَسْبَاب الَّتِي هِيَ قوام المعاش ونظام الْحَيَاة لِأَن مكسبهم حَلَال وأيديهم مَكْفُوفَة عَن الظُّلم فَلَا يخَافُونَ السُّؤَال عَن دم أَو مَال بل قُلُوبهم مُتَعَلقَة بالرجاء وكل وَاحِد مِنْهُم يَرْجُو الِانْتِقَال من دَار شقوة وكدر إِلَى دَار نعْمَة

стр. 87

وتفضل وَأما ذَلِك القَاضِي الْمُقَلّد فَهُوَ منغص الْعَيْش منكد النِّعْمَة مكدر اللَّذَّة لِأَنَّهُ لما يرد عَلَيْهِ من خُصُومَة الْخُصُوم ومعارضة المعارضين ومصادرة الممتنعين من قبُول أَحْكَامه وامتثال حلّه وإبرامه فِي هموم وغموم ومكابدة ومناهدة ومجاهدة وَمَعَ هَذَا فَهُوَ متوقع لتحويل الْحَال والاستبدال بِهِ وغروب شمسه وركود رِيحه وَذَهَاب سعده عِنْد نحسه وشماتة أعدائه ومساءة أولياءه فَلَا تصفو لَهُ رَاحَة وَلَا تخلص لَهُ نعْمَة بل هُوَ مَا دَامَ فِي الْحَيَاة فِي أَشد الْغم وَأعظم النكد كَمَا قَالَ المتنبي أَشد الْغم عِنْدِي فِي سرُور ... تنقل عَنهُ صَاحبه انتقالا وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ محسودا مُعَارضا من أَمْثَاله فَإِنَّهُ لَا يطْرق سَمعه إِلَّا مَا يكدره فحينا يُقَال لَهُ النَّاس يتحدثون أَنَّك غَلطت وجهلت وحينا يُقَال لَهُ قد خالفك القَاضِي الْفُلَانِيّ أَو الْمُفْتِي الْفُلَانِيّ فنقض حكمك وَهدم علمك وغض من قدرك وَحط من رتبتك وَقد يَأْتِيهِ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ فَيَقُول لَهُ جهارا أَو كفاحا لَا أعمل على حكمك وَنَحْو ذَلِك من الْعبارَات الخشنة فَإِن قَامَ وناضل عَن حكمه ودافع فَهِيَ قومة جَاهِلِيَّة ومدافعة شيطانية

стр. 88

طاغوتية قد تكون لحراسة المنصب وَحفظ الْمرتبَة والفرار من انحطاط الْقدر وَسُقُوط الجاه وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ لَا يدْرِي هَل الْحق بِيَدِهِ أم بيد من نقض عَلَيْهِ حكمه لِأَن الْمِسْكِين لَا يدْرِي بِالْحَقِّ بِإِقْرَارِهِ وَجَمِيع المتخاصمين إِلَيْهِ بَين متسرع إِلَى ذمَّة والتشكي مِنْهُ وَهُوَ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ يَدعِي أَنه حكم بَاطِل وارتشى من خَصمه أَو داهنه ويتقرر هَذَا عِنْده بِمَا يلقيه إِلَيْهِ من ينافر هَذَا الْمُقَلّد من أَبنَاء جنسه من المقلدة الطامعين فِي منصة أَو الراجين لرفده أَو النِّيَابَة عَنهُ فِي بعض مَا يتَصَرَّف فِيهِ فَإِنَّهُ يذهب يستفتيهم ويشكو عَلَيْهِم فيطلبون غرائب الْوُجُوه ونوادر الْخلاف ويكتبون خطوطهم بمخالفة مَا حكم بِهِ القَاضِي وَقد يعبرون فِي مكاتبتهم بعبارات تؤلم القَاضِي وتوحشه فَيَزْدَاد لذَلِك ألمه وَيكثر عِنْده همه وغمه هَذَا يَفْعَله أَبنَاء جنسه من المقلدين وَأما الْعلمَاء المجتهدون فهم يَعْتَقِدُونَ أَنه مُبْطل فِي جَمِيع مَا يَأْتِي بِهِ لِأَنَّهُ من قُضَاة النَّار فَلَا يعْرفُونَ لما يصدر عَنهُ من الْأَحْكَام رَأْسا وَلَا يَعْتَقِدُونَ أَنه قَاض لِأَنَّهُ قد قَامَ الدَّلِيل عِنْدهم على أَن القَاضِي لَا يكون إِلَّا مُجْتَهدا وَأَن الْمُقَلّد وَإِن بلغ فِي الْوَرع والعفاف وَالتَّقوى إِلَى مبلغ الْأَوْلِيَاء فَهُوَ عِنْدهم بِنَفس استمراره على الْقَضَاء مصر على الْمعْصِيَة

стр. 89

وينزلون جَمِيع مَا يصدر عَنهُ منزلَة مَا يصدر عَن الْعَامَّة الَّذين لَيْسُوا بقضاة وَلَا مفتين فَجَمِيع مسجلاته الَّتِي يكْتب عَلَيْهَا اسْمه ويحلل فِيهَا الْحَرَام وَيحرم الْحَلَال بَاطِلَة لَا تعد شَيْئا بل لَو كَانَت مُوَافقَة للصَّوَاب لم تعد عِنْدهم شَيْئا لِأَنَّهَا صادرة من قَاض حكم بِالْحَقِّ وَهُوَ لَا يعلم بِهِ فَهُوَ من أهل النَّار فِي الْآخِرَة وَمِمَّنْ لَا يسْتَحق اسْم الْقُضَاة فِي الدُّنْيَا وَلَا يحل تَنْزِيله منزلَة الْقُضَاة الْمُجْتَهدين فِي شَيْء وَبعد هَذَا كُله فَهَذَا القَاضِي المشئوم يحْتَاج إِلَى مداهنة السُّلْطَان وأعوانه المقبولين لَدَيْهِ ويهين نَفسه لَهُم ويخضع لَهُم ويتردد إِلَى أَبْوَابهم ويتمرغ على عتابتهم وَإِذا لم يفعل ذَلِك على الدَّوَام والاستمرار ناكدوه مناكدة تحرج عذره وتوهن قدره وَمَعَ هَذَا فأعوانه الَّذين هم مستدرون لفوائده والمقتنصون للأموال على يَده وَإِن عظموه وفخموه وَقَامُوا بقيامه وقعدوا بقعوده أضرّ عَلَيْهِ من أعدائه لأَنهم يتكالبون على أَمْوَال النَّاس وَيتم لَهُم ذَلِك بِقُوَّة يَده وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ مغفلا غير حَازِم وَلَا مطلع للأمور فتعظم الْمقَالة على القَاضِي وينسب دينهم إِلَيْهِ وَيحمل جَوْرهمْ عَلَيْهِ فَتَارَة ينْسب إِلَى التَّقْصِير فِي الْبَحْث وَتارَة إِلَى التغفيل وَعدم التيقظ وَتارَة إِلَى أَن مَا أَخذه الأعوان فَلهُ فيهم مَنْفَعَة تعود إِلَيْهِ وَلَوْلَا ذَلِك لم يُطلق لَهُم الرسن ولأخلي بَينهم وَبَين النَّاس وَأَيْضًا أعظم من

стр. 90

يذمه ويستحل عرضه هَؤُلَاءِ الأعوان فَإِن كل وَاحِد مِنْهُم يطْمع فِي أَن يكون كل الْفَوَائِد فَإِذا عرضت فَائِدَة فِيهَا نفع لَهُم من قسْمَة تَرِكَة أَو نظر مَكَان مشتجر فِيهِ فَالْقَاضِي الْمِسْكِين لَا بُد أَن يصيره إِلَى أحدهم فيوغر بذلك صُدُور جَمِيعهم وَيخرجُونَ وصدورهم قد ملئت غيظا فينطقون بذمه فِي المحافل وَلَا سِيمَا بَين أعدائه والمنافسين لَهُ وينعون عَلَيْهِ مَا قضى فِيهِ من الْخُصُومَات الْوَاقِعَة لَدَيْهِ بمحضرهم ويحرفون الْكَلَام وينسبونه إِلَى الْغَلَط تَارَة وَالْجهل أُخْرَى والتكالب على المَال حينا والمداهنة حينا وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ لَا يقدر على إرضاء الْجَمِيع بل لَا بُد لَهُم من ثلبه على كل حَال وَهَؤُلَاء يَسْتَغْنِي عَنْهُم فيناله مِنْهُم محن وبلايا هَذَا وهم أهل مودته وبطانته والمستفيدون بأَمْره وَنَهْيه والمنتفعون بِقَضَائِهِ وَمَا أحقهم بِمَا كَانَ يَقُول بعض الْقُضَاة الْمُتَقَدِّمين فَإِنَّهُ كَانَ لَا يسمهم إِلَّا مناصل سهل وَلَا يخرج من هَذِه الْأَوْصَاف إِلَّا الْقَلِيل النَّادِر مِنْهُم فَإِن الزَّمن قد يتنفس فِي بعض الْأَحْوَال بِمن لَا يَتَّصِف بِهَذِهِ الصّفة فَهَذَا حَال القَاضِي الْمُقَلّد فِي دُنْيَاهُ وَأما حَاله فِي أخراه فقد عرفت أَنه أحد القاضيين اللَّذين فِي النَّار وَلَا مخرج لَهُ عَن ذَلِك بِحَال من الْأَحْوَال كَمَا سبق تَحْقِيقه وَتَقْرِيره فَهُوَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا ذَكرْنَاهُ

стр. 91

سَابِقًا من القلاقل والزلازل فِي نقمة بِاعْتِبَار مَا يخافه من الأخرة من أَحْكَامه فِي دِمَاء الْعباد وَأَمْوَالهمْ بِلَا برهَان وَلَا قُرْآن وَلَا سنة بل مُجَرّد جهل وتقليد وَعدم بَصِيرَة فِي جَمِيع مَا يَأْتِي ويذر ويصدر ويورد مَعَ وُرُود الْقُرْآن الصَّحِيح الصَّرِيح بِالنَّهْي عَن الْعَمَل بِمَا لَيْسَ بِعلم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى وَفِي النَّهْي عَن إتباع الظَّن كَثِيرَة جدا والمقلد لَا علم لَهُ وَلَا ظن صَحِيح وَلَو لم يكن من الزواجر إِلَّا مَا قدمنَا من الْآيَات القرآنية فِي قَوْله ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ مَعَ مَا فِي الْآيَات الْأُخْرَى من الْأَمر بالحكم بِمَا أنزل الله وبالحق وبالعدل وَمَعَ مَا ثَبت من أَن من حكم بِغَيْر الْحق أَو بِالْحَقِّ وَهُوَ لَا يعلم أَنه الْحق أَنه من قُضَاة النَّار فَإِن قلت إِذا كَانَ الْمُقَلّد لَا يصلح للْقَضَاء المبرم وَلَا يحل لَهُ أَن يتَوَلَّى ذَلِك وَلَا لغيره أَو يوليه فَمَا تَقول فِي الْمُفْتِي الْمُقَلّد أَقُول أَن كنت تسْأَل عَن القيل والقال ومذاهب الرِّجَال فَالْكَلَام فِي شُرُوط الْمُفْتِي وَمَا يعْتَبر فِيهِ مَبْسُوط فِي كتب الْأُصُول وَالْفِقْه وَإِن كنت تسْأَل عَن الَّذِي

стр. 92

اعتقده وَأرَاهُ جَوَابا فعندي أَن الْمُفْتِي الْمُقَلّد لَا يحل لَهُ أَن يُفْتِي من يسْأَله عَن حكم الله أَو حكم رَسُوله أَو عَن الْحق أَو عَن الثَّابِت فِي الشَّرِيعَة أَو عَمَّا يحل لَهُ أَو يحرم عَلَيْهِ لِأَن الْمُقَلّد لَا يدْرِي بِوَاحِد من هَذِه الْأُمُور على التَّحْقِيق بل لَا يعرفهَا إِلَّا الْمُجْتَهد هَكَذَا إِن سَأَلَهُ السَّائِل سؤالا مُطلقًا من غير أَن يُقَيِّدهُ بِأحد الْأُمُور الْمُتَقَدّمَة فَلَا يحل للمقلد أَن يفتيه بِشَيْء من ذَلِك لِأَن السُّؤَال الْمُطلق ينْصَرف إِلَى الشَّرِيعَة المطهرة لَا إِلَى قَول قَائِل أَو رَأْي صَاحب رَأْي وَأما إِذا سَأَلَهُ سَائل عَن قَول فلَان أَو رَأْي فلَان أَو مَا ذكره فلَان فَلَا بَأْس بِأَن ينْقل لَهُ الْمُقَلّد ذَلِك وَيَرْوِيه لَهُ إِن كَانَ عَارِفًا بِمذهب الْعَالم الَّذِي وَقع السُّؤَال عَن قَوْله أَو رَأْيه أَو مذْهبه لِأَنَّهُ سُئِلَ عَن أَمر يُمكنهُ نَقله وَلَيْسَ ذَلِك من التقول على الله بِمَا لم يقل وَلَا من التَّعْرِيف بِالْكتاب وَالسّنة وَهَذَا التَّفْصِيل هُوَ الصَّوَاب الَّذِي لَا يُنكره منصف فَإِن قلت هَل يجوز للمجتهد أَن يُفْتِي من سَأَلَهُ عَن مَذْهَب رجل معِين وينقله لَهُ قلت يجوز ذَلِك بِشَرْط أَن يَقُول بعد نقل ذَلِك الرَّأْي أَو الْمَذْهَب إِذا كَانَا على غير الصَّوَاب مقَالا يُصَرح بِهِ أَو يلوح أَن الْحق خلاف ذَلِك

стр. 93

فَإِن الله أَخذ على الْعلمَاء الْبَيَان للنَّاس وَهَذَا مِنْهُ لَا سِيمَا إِذا كَانَ يعرف أَن السَّائِل سيعتقد ذَلِك الرَّأْي أَو الْمَذْهَب الْمُخَالف للصَّوَاب وَأَيْضًا فِي نقل هَذَا الْعَالم لذَلِك الْمَذْهَب الْمُخَالف للصَّوَاب وسكوته عَن اعتراضه إِيهَام للمغترين بِأَنَّهُ حق وَفِي هَذَا مفْسدَة عَظِيمَة فَإِن كَانَ يخْشَى على نَفسه من بَيَان فَسَاد ذَلِك الْمَذْهَب فَليدع الْجَواب ويحيل على غَيره فَإِنَّهُ لم يسْأَل عَن شَيْء يجب عَلَيْهِ بَيَانه فَإِن ألجأته الضَّرُورَة وَلم يتَمَكَّن من التَّصْرِيح بِالصَّوَابِ فَعَلَيهِ أَن يُصَرح تَصْرِيحًا لَا يبْقى فِيهِ شكّ لمن يقف عَلَيْهِ إِن هَذَا مَذْهَب فلَان أَو رَأْي فلَان الَّذِي سَأَلَ عَنهُ السَّائِل وَلم يسْأَله عَن غَيره