← Акыда

Акыда · id 6362

توضيح المقاصد شرح نونية ابن القيم الكافية الشافية

أحمد بن عيسى

Полный текст (1 130 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم]ـ المؤلف: أحمد بن إبراهيم بن حمد بن محمد بن حمد بن عبد الله بن عيسى (المتوفى: ١٣٢٧هـ) المحقق: زهير الشاويش الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت الطبعة: الثالثة، ١٤٠٦ عدد الأجزاء: ٢ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه نستعين رب يسر وأعن يَا كريم حمدا لَك اللَّهُمَّ على مَا منحت من الالهام وَفتحت من الافهام وأزحت من الشكوك والاوهام ولطفت بِنَا فِي ركُوب أَعْنَاق الْكَلَام عَن مُوجبَات التوبيخ والملام وأوردتنا من مناهل كتابك الْهدى وَسنة رَسُولك الْمُصْطَفى منهلا يشفي الاوام ويبرىء الْعِلَل والاسقام وأوضحت لنا فِي ظلمات الفلسفة نورا نستضيء بِهِ فِي حنادش ذَلِك الظلام وحفظتنا من خيالات المتصوفة وشطحاتهم الفظيعة ودعاويهم الطَّوِيلَة العريضة الَّتِي هِيَ كسراب بقيعة فعياذا بك اللَّهُمَّ من تِلْكَ المقالات ولياذا بك يَا من لَا نَأْمَن تِلْكَ الضلالات الَّتِي هِيَ رمد جفن الدّين وكمد نفوس المهتدين وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لاشريك لَهُ شَهَادَة يُمْسِي بهَا الْعَمَل الصَّالح مَرْفُوعا ويضحي بهَا الزلل الفاضح مَوْضُوعا وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ إِلَى الْحق هاديا وبشيرا وَنزل عَلَيْهِ الْفرْقَان ليَكُون للْعَالمين نذيرا فهداهم بِهِ إِلَى الْحق وهم فِي ضلال مُبين وسلك بهم مَسْلَك الْهِدَايَة حَتَّى أَتَاهُم الْيَقِين ﷺ وعَلى آله البررة وَصَحبه الخيره مصابيح الامم ومفاتيح الْكَرم وخلفاء الدّين وحلفاء الْيَقِين الَّذين بلغُوا من محَاسِن الْفَضَائِل الْغَايَة ووصلوا من مَكَارِم الفواضل نِهَايَة النِّهَايَة وعَلى من تَبِعَهُمْ بِإِحْسَان صَلَاة وَسلَامًا دائمين مَا تناوب النيرَان وتعاقب الملوان وَبعد فَإِن الْمَنْظُومَة الْمَشْهُورَة فِي الطَّرِيقَة السّنيَّة والعقيدة الحنيفية

стр. 3

الْمُسَمَّاة ب (الكافية الشافية فِي الِانْتِصَار للفرقة النَّاحِيَة (لم ينسج ناسج على منوالها وَلم تسمح الدهور بشكلها وأمثالها نظم الشَّيْخ الإِمَام والعمدة الْقدْوَة الْهمام شيخ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين الْقَائِم بِبَيَان الْحق وَنصر الدّين العابد الناسك الْوَرع الزَّاهِد شمس الدّين أبي عبد الله مُحَمَّد بن ابي بكر بن ايوب بن سعد الْمَعْرُوف بإبن قيم الجوزية أسْكنهُ الله الغرف الْعلية وَلكنهَا من عهد مؤلفها وَهِي عروس لم يمط لثامها وخود بكر لم يفتض ختامها وَلَيْسَ يخفى مَا تضمنته من أصُول الْفُصُول واشتملت عَلَيْهِ من قَوَاعِد العقائد الَّتِي هِيَ الْحَاصِل والمحصول واحتوت عليبه من الرَّد على أهل الْبدع والضلالة والأقوال الْبَاطِلَة المحالة والمحدثات المضلة المخذولة والخزعبيلات المرذولة كالوجودية والجهمية والمعتزلة والرافضة والحرورية والكلابية والمرجئة والمجبرة وَغَيرهم من أهل الضلالات والأقوال المحالات وقمع أباطيلهم وردع اضاليلهم بالحجج الظَّاهِرَة والبراهين الباهرة من صَحِيح الْمَنْقُول وصريح الْمَعْقُول وموضوعاها المحاكمة بَين الطوائف وَإِثْبَات صِفَات البارئ سُبْحَانَهُ على رغم كل مُخَالف وَلما كنت قد نبغت فِي هَذِه الْفُنُون قَدِيما وصبغت بهَا أديما وَكنت للكتب وأرباب الْعُلُوم سميرا ونديما وبرعت فِي تِلْكَ الْعُلُوم وكرعت من رحيقها الْمَخْتُوم عَن لي أَن أَضَع عَلَيْهَا شرحا يفتح فعلقها ويقيد مُطلقهَا ويكحل جفونها ويسهل حزونها وَذَلِكَ مَعَ تراكم الأشغال وتبلبل الأفكار والبال وَعدم معِين فِي هَذِه الْأُمُور الثقال ونزارة من يسْتَدلّ بِهِ فِي مثل هَذِه المطالب الْعَالِيَة الَّتِي تقصر فِيهَا الْخَطَأ ويتيه فِي مطاويها القطا وَعدم شرح لَهَا يستضاء بنبراسه فِي دياجي المشكلات وَيَبْنِي على أساسه فِي الْأُمُور المعضلات وَمَعَ ذَلِك فَإِن تَحْرِير هَذَا الشَّرْح فِي حَال غيبتي عَن كتبي الَّتِي هِيَ رَأس مَالِي وعيبتي إِلَّا أَن الله

стр. 4

سُبْحَانَهُ بفضله اعان وأمد بِأَسْبَاب لم تخطر على الأذهان فدونك شرحا يشْرَح الصُّدُور وتضيئ من غضونه شموس وبدور وتتحلى بجواهره اللبات والنحور فَهُوَ كتاب جمع فأوعى وحوى من كل شييء جِنْسا ونوعا وَمَعَ ذَلِك لم أوثر الإطالة خوفًا من السَّآمَة والملالة وَهَذَا حِين الشُّرُوع فِي الْمَقْصُود مستعينا بِالْملكِ المعبود فَأَقُول وَبِاللَّهِ أَحول وأصول فصل فِي تَرْجَمَة النَّاظِم فِي ذكر تَرْجَمَة النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى هُوَ الْعَلامَة شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي بكر بن أَيُّوب بن سعد الزرعي ثمَّ الدِّمَشْقِي الْفَقِيه الْمُفَسّر النَّحْوِيّ الأصولي الْمُتَكَلّم الشهير بإبن قيم الجوزية قَالَ فِي (الشذرات (بل هُوَ الْمُجْتَهد الْمُطلق قَالَ الْحَافِظ ابْن رَجَب فِي (طَبَقَات الْحَنَابِلَة (فِي تَرْجَمته ولد شَيخنَا سنة ٦٩١ ولازم الشَّيْخ تَقِيّ الد ين بن تَيْمِية وَأخذ عَنهُ وتفنن فى كَافَّة عُلُوم اللإسلام وَكَانَ عَارِفًا فى التَّفْسِير لايجارى فِيهِ وبأصول الدّين واليه الْمُنْتَهى فِيهَا وَبِالْحَدِيثِ ومعانيه وفقهه ودقائق الاستنباط مِنْهُ لَا يلْحق فِي ذَلِك وبالفقه وَالْأُصُول والعربية وَله فِيهَا الْيَد الطُّولى وبعلم الْكَلَام والتصوف وَحبس مُدَّة لإنكار شدّ الرحيل إِلَى قبر الْخَلِيل وَكَانَ ذَا عبَادَة وتهجد وَطول صَلَاة إِلَى الْغَايَة القصوى لم أشاهد مثله فِي عِبَادَته وَعلمه بِالْقُرْآنِ والْحَدِيث وحقائق الْإِيمَان وَلَيْسَ هُوَ بالمعصوم وَلَكِن لم أر فِي مَعْنَاهُ مثله وَقد امتحن وأوذي مَرَّات وَحبس مَعَ شَيْخه شيخ

стр. 5

الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين فِي الْمرة الْأَخِيرَة بالقلعة مُنْفَردا عَنهُ وَلم يفرج عَنهُ إِلَّا بعد موت الشَّيْخ وَكَانَ فِي مُدَّة حَبسه مشتغلا بِتِلَاوَة الْقُرْآن بالتدبر والتفكر فَفتح عَلَيْهِ من ذَلِك خير كثير وَحصل لَهُ جَانب عَظِيم من الأذواق والمواجيد الصَّحِيحَة وتسلط بِسَبَب ذَلِك على الْكَلَام فِي عُلُوم أهل المعارف والخوض فِي غوامضهم وتصانيفه ممتلئة بذلك وَحج مَرَّات كَثِيرَة وجاور بِمَكَّة وَكَانَ أهل مَكَّة يتعجبون من كَثْرَة طَوَافه وعبادته وَسمعت عَلَيْهِ قصيدته النونية فِي السّنة وَأَشْيَاء من تصانيفه غَيرهَا وَأخذ عَنهُ الْعلم خلق كثير فِي حَيَاة شَيْخه وَإِلَى أَن مَاتَ وانتفعوا بِهِ قَالَ القَاضِي برهَان الدّين الزرعي مَا تَحت أَدِيم السَّمَاء أوسع علما مِنْهُ ودرس بالصدرية وَأم بالجوزية وَكتب بِخَطِّهِ مَالا يُوصف كَثْرَة وصنف تصانيف كَثِيرَة جدا فِي انواع الْعُلُوم وَحصل لَهُ من الْكتب مَا لم يحصل لغيره وَقَالَ الْحَافِظ عماد الدّين ابْن كثير فِي (تَارِيخه (مُحَمَّد بن أبي بكر ابْن إيوب الزرعي إِمَام الجوزية وَابْن قيمها سمع الحَدِيث واشتغل بِالْعلمِ فبرع فِي عُلُوم مُتعَدِّدَة لَا سِيمَا علم التَّفْسِير والْحَدِيث والاصلين وَلما عَاد الشَّيْخ تَقِيّ الدّين من الديار المصرية فِي سنة ثِنْتَيْ عشرَة وَسَبْعمائة لَازمه إِلَى أَن مَاتَ فَأخذ عَنهُ علما جما مَعَ مَا سلف لَهُ من الِاشْتِغَال فَصَارَ فريدا فِي بَابه فِي فنون كَثِيرَة مَعَ كَثْرَة الطّلب لَيْلًا وَنَهَارًا وَكَثْرَة الصَّلَوَات والابتهال وَكَانَ حسن الْقِرَاءَة والخلق مَعَ كَثْرَة التودد لَا يحْسد أحدا وَلَا يُؤْذِيه وَلَا يستغيبه وَلَا يحقد على أحد وَله من التصانيف الْكِبَار وَالصغَار شَيْء كثير وَكتب بِخَطِّهِ الْحسن شَيْئا كثيرا واقتنى من الْكتب مَالا يتهيأ لغيره تَحْصِيل عشرَة من كتب السّلف وَالْخلف وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ قَلِيل النظير بل عديم النظير فِي مَجْمُوعه وأموره وأحواله وَالْغَالِب عَلَيْهِ

стр. 6

الْخَيْر والاخلاق الصَّالِحَة وَكَانَ متصديا للافتاء بِمَسْأَلَة الطَّلَاق الَّتِي اخْتَارَهَا الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية ﵀ وَجَرت لَهُ بِسَبَبِهَا فُصُول يطول شرحها مَعَ قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ وَغَيره وَقد كَانَت جنَازَته حافلة وشهدها الْقُضَاة والاعيان والصالحون من الْخَاصَّة والعامة وتزاحم النَّاس على نعشه وكمل لَهُ من الْعُمر سِتُّونَ سنة رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالَ غَيره فِي تَرْجَمته ولد فِي سنة ٦٩١ وَسمع على جمَاعَة كثيرين مثل سُلَيْمَان ابْن حَمْزَة الْحَاكِم وابي بكر ابْن عبد الدَّائِم وَعِيسَى الْمطعم وابي نصر مُحَمَّد بن كَمَال الدّين الشِّيرَازِيّ وَابْن مَكْتُوم والبهاء بن عَسَاكِر وعلاء الدّين الْكِنْدِيّ والوداعي وَمُحَمّد بن أبي الْفَتْح البعلي ثمَّ قَرَأَ على الشَّيْخ مجد الدّين التّونسِيّ قِطْعَة من (الْمغرب ( وَأما الْفِقْه فَأَخذه عَن جمَاعَة مِنْهُم الشَّيْخ اسماعيل بن مُحَمَّد الْحَرَّانِي قَرَأَ عَلَيْهِ (مُخْتَصر (ابي الْقَاسِم الْخرقِيّ (وَالْمقنع (لِابْنِ قدامَة وَمِنْهُم ابْن أبي الْفَتْح البعلي وَمِنْهُم الشَّيْخ الامام الْعَلامَة تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية قَرَأَ عَلَيْهِ قِطْعَة من (الْمُحَرر (تأليف جده وَأَخُوهُ الشَّيْخ شرف الدّين وَأخذ الْفَرَائِض أَولا عَن وَالِده ثمَّ على الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية وَأما الاصول فَأَخذهَا عَن جمَاعَة مِنْهُم الشَّيْخ صفي الدّين الْهِنْدِيّ واسماعيل بن مُحَمَّد قَرَأَ عَلَيْهِ أَكثر (الرَّوْضَة (لِابْنِ قدامَة وَمِنْهُم شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية قَرَأَ عَلَيْهِ قِطْعَة من (الْمَحْصُول (وَمن كتاب (الاحكام (للسيف الْآمِدِيّ وَقَرَأَ أصُول الدّين على الشَّيْخ صفي الدّين الْهِنْدِيّ مثل (الاربعين (و (المحصل (وَقَرَأَ على شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية كثيرا من تصانيفه واشتغل كثيرا وناظر واجتهد وأكب على الطّلب وصنف وَصَارَ من الائمة الْكِبَار فِي علم التَّفْسِير والْحَدِيث والاصول فقها وكلاما وَالْفُرُوع وَلم يخلف الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية مثله

стр. 7

وَمن مصنفاته (تَهْذِيب سنَن ابي دَاوُد (وايضاح مشكلاته وَالْكَلَام على مَا فِيهِ من الاحاديث المعلولة مجلده كتاب (سفر الهجرتين وَبَاب السعادتين (مُجَلد ضخم كتاب (مراحل السائرين بَين منَازِل إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين (مجلدان وَهُوَ شرح (منَازِل السائرين (لشيخ الاسلام الانصاري كتاب جليل الْقدر كتاب (عقد مُحكم الاخاء بَين الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح الْمَرْفُوع ألى رب السَّمَاء (مُجَلد ضخم كتاب (شرح اسماء الْكتاب الْعَزِيز (مُجَلد كتاب (زَاد الْمُسَافِرين الى منَازِل السُّعَدَاء فِي هدي خَاتم الانبياء (كتاب (زَاد الْمعَاد فِي هدي خير الْعباد (أَربع مجلدات وَهُوَ كتاب عَظِيم جدا كتاب (جلاء الافهام فِي ذكر الصَّلَاة وَالسَّلَام على خير الانام (وَبَيَان أحاديثها وعللها مُجَلد كتاب (بَيَان الدَّلِيل على اسْتغْنَاء الْمُسَابقَة عَن التَّحْلِيل (كتاب (نقد الْمَنْقُول والمحك الْمُمَيز بَين الْمَرْدُود والمقبول (مُجَلد كتاب (اعلام الموقعين عَن رب الْعَالمين (ثَلَاث مجلدات كتاب (بَدَائِع الْفَوَائِد (مجلدان (الشافية الكافية فِي الِانْتِصَار للفرقة النَّاجِية (وَهِي القصيدة النونية فِي السّنة مُجَلد كتاب (الصَّوَاعِق الْمنزلَة على الْجَهْمِية والمعطلة (فِي مجلدات كتاب (حادي الارواح إِلَى بِلَاد الافراح (وَهُوَ كتاب صفة الْجنَّة مُجَلد كتاب (نزهة المشتافين وروضة المحبين (مُجَلد كتاب (الدَّاء والدواء (مُجَلد كتاب (تحفة المودود فِي احكام الْمَوْلُود (مُجَلد كتاب (مِفْتَاح دَار السَّعَادَة (مُجَلد ضخم كتاب (اجْتِمَاع الجيوش الاسلامية على غَزْو الْفرْقَة الْجَهْمِية (مُجَلد (رفع الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة (مُجَلد (نِكَاح الْمحرم (مُجَلد (تَفْضِيل مَكَّة على الْمَدِينَة (مُجَلد (نِكَاح الْمحرم (مُجَلد (تَفْضِيل مَكَّة على الْمَدِينَة (مُجَلد (فضل الْعلم (مُجَلد (عدَّة الصابرين (مُجَلد كتاب (الْكَبَائِر (مُجَلد (حكم تَارِك الصَّلَاة (مُجَلد كتا ب (نور الْمُؤمن وحياته (مُجَلد كتاب (إغمام هِلَال رَمَضَان (التَّحْرِير فِيمَا يحل وَيحرم من لِبَاس الْحَرِير (جوابات عابدي الصلبان وَأَن مَا هم عَلَيْهِ من دين

стр. 8

الشَّيْطَان (بطلَان الكيمياء من اربعين وَجها (مُجَلد (الْفرق بَين الْخلَّة والمحبة ومناظرة الْخَلِيل لِقَوْمِهِ (مُجَلد (الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح (مُجَلد لطيف (الْفَتْح الْقُدسِي (التُّحْفَة المكية (كتاب (امثال الْقُرْآن (شرح الاسماء الْحسنى (أَيْمَان الْقُرْآن ((الْمسَائِل الطرابلسية (ثَلَاث مجلدات (الصِّرَاط الْمُسْتَقيم فِي أَحْكَام أهل الْجَحِيم (مجلدان كتاب (الطَّاعُون (مُجَلد لطيف توفّي رَحمَه الله تَعَالَى وَقت عشَاء الاخرة لَيْلَة الْخَمِيس ثَالِث عشْرين رَجَب سنة احدى وَخمسين وَسَبْعمائة وَصلي عَلَيْهِ من الْغَد بالجامع عقب الظّهْر ثمَّ بِجَامِع جراح وَدفن بمقبرة الْبَاب الصَّغِير وشيعه خلق كثير وَرويت لَهُ منامات كَثِيرَة حَسَنَة ﵁ وَكَانَ قد رأى قبل مَوته بِمدَّة الشَّيْخ تَقِيّ الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فِي النّوم وَسَأَلَهُ عَن مَنْزِلَته فَأَشَارَ إِلَى علوها فَوق بعض الاكابر ثمَّ قَالَ وَأَنت كدت تلْحق بِنَا وَلَكِن انت الان فِي طبقَة ابْن خُزَيْمَة ثمَّ قَالَ ابْن رَجَب قرىء على شَيخنَا الامام الْعَلامَة ابي عبد الله مُحَمَّد بن أبي بكر بن ايوب وانا اسْمَع هَذِه القصيدة من نظمه فِي اول كتاب صفة الْجنَّة وَذكر بعض الميمية الْمَشْهُورَة وَقَالَ الْحَافِظ السخاوي فِي حَقه الْعَلامَة الْحجَّة الْمُتَقَدّم فِي سَعَة الْعلم وَمَعْرِفَة الْخلاف وَقُوَّة الْجنان الْمجمع عَلَيْهِ بَين الْمُوَافق والمخالف وَصَاحب التصانيف السائرة والمحاسن الجمة

стр. 9

قَوْله بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ابْتَدَأَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ب (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (اقْتِدَاء بِالْكتاب الْعَزِيز وتأسيا بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي مكاتباته للملوك وَغَيرهم وامتثالا لقَوْله ﷺ (كل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِي ب بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَهُوَ أقطع (رَوَاهُ عبد الْقَادِر الرهاوي فِي (الاربعين البلدانية (وَكَذَا الْخَطِيب من حَدِيث ابي هُرَيْرَة ﵁ وَمعنى ذِي بَال أَي حَال شرِيف يحتفل لَهُ ويهتم بِهِ وَبَين يَدي كل الامور المهمة وَقَوله اقْطَعْ أَي نَاقص الْبركَة وَقد يكون غير مُعْتَد بِهِ وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (كل كَلَام لَا يبْدَأ فِيهِ بِالْحَمْد لله فَهُوَ أَجْذم (اسناده صَحِيح تَنْبِيه اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا اذا كَانَ الْكتاب كُله شعرًا فجَاء عَن الشّعبِيّ ﵀ منع ذَلِك وَعَن الزُّهْرِيّ ﵀ قَالَ مَضَت السّنة أَن لَا يكْتب فِي الشّعْر (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (وَعَن سعيد بن جُبَير ﵀ جَوَاز ذَلِك وَتَابعه على ذَلِك الْجُمْهُور

стр. 10

وَقَالَ الْخَطِيب وَهُوَ الْمُخْتَار انْتهى وَلَا سِيمَا ان كَانَ المنظوم من نفائس الْعُلُوم قَالَ بعض الْعلمَاء الرَّاجِح عِنْد الْجُمْهُور طلب الْبَسْمَلَة فِي ابْتِدَاء الشّعْر مَا لم يكن محرما اَوْ مَكْرُوها قَالَ واما مَا تعلق بالعلوم فَمحل اتِّفَاق قَوْله بِسم الله أَي باسم مُسَمّى هَذَا اللَّفْظ الاعظم الْمَوْصُوف بأوصاف الْكَمَال فالباء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف وَتَقْدِيره فعلا خَاصّا مُؤَخرا اولى من تَقْدِيره اسْما عَاما مقدما أما اولوية كَونه فعلا فَلِأَنَّهُ الاصل فِي الْعَمَل وَحِينَئِذٍ فَمحل الْجَار وَالْمَجْرُور النصب على المفعولية بِالْفِعْلِ الْمُقدر واما أَوْلَوِيَّة كَونه خَاصّا فَلِأَنَّهُ أدل على الْمَطْلُوب فتقدير الف عِنْد التَّأْلِيف أولى من ابتدائي وَكَذَا عِنْد الْقِرَاءَة وَنَحْو ذَلِك فَيقدر عِنْد كل أَمر مَا يُنَاسِبه واما أَوْلَوِيَّة تَقْدِيره مُؤَخرا فلأمرين احدهما الاهتمام بِالِابْتِدَاءِ باسم الله تَعَالَى لفظا وتقديرا لانه تَعَالَى يقدم ذاتا فَقدم ذكرا ليُوَافق الِاسْم الْمُسَمّى وَالثَّانِي لافادة التَّخْصِيص كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ لَا يُقَال الاولى مُلَاحظَة قَوْله تَعَالَى ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ لانا نقُول الْمَطْلُوب الاهم ثمَّ الْقِرَاءَة لانها أول مَا نزل عَلَيْهِ ﷺ واول مَا طرق المسامع الشَّرِيفَة من الْوَحْي فَكَانَ الانسب تَقْدِيم الْقِرَاءَة لمزيد الاعتناء بهَا والاهتمام وَالله أعلم فَائِدَة الِاسْم فِي الْمَخْلُوق غير الْمُسَمّى وَفِي حق الْخَالِق تَعَالَى لَا غير وَلَا عين قَالَ الامام الْمُحَقق ناظم هَذِه الْمَنْظُومَة فِي كِتَابه (بَدَائِع الْفَوَائِد (اسماء الله الْحسنى فِي الْقُرْآن من كَلَامه تَعَالَى وَكَلَامه غير مَخْلُوق وَلَا يُقَال هِيَ غَيره وَلَا هِيَ هُوَ وَهَذَا الْمَذْهَب مُخَالف لمَذْهَب الْمُعْتَزلَة الَّذين يَقُولُونَ اسماؤه غَيره وَهِي مخلوقة انْتهى و (الله (علم على رَبنَا سُبْحَانَهُ قَالَ الْكسَائي وَالْفراء أَصله الاله حذفوا

стр. 11

الْهمزَة وادغموا اللَّام فصارتا لاما وَاحِدَة مُشَدّدَة مفخمة قَالَ النَّاظِم فِي (بَدَائِع الْفَوَائِد (زعم السُّهيْلي وَشَيْخه ابْن الْعَرَبِيّ أَن اسْم الله غير مُشْتَقّ لَان الِاشْتِقَاق يسْتَلْزم مَادَّة يشتق مِنْهَا واسْمه سُبْحَانَهُ قديم لَا مَادَّة لَهُ فيستحيل الِاشْتِقَاق وَلَا ريب أَنه ان اريد بالاشتقاق هَذَا الْمَعْنى فَهُوَ بَاطِل وَلَكِن من قَالَ بالاشتقاق لم يرد هَذَا الْمَعْنى وَلَا ألم بِقَلْبِه وانما اراد انه دَال على صفة لَهُ تَعَالَى وَهِي الالهية كَسَائِر اسمائه الْحسنى من الْعَلِيم والقدير فانها مُشْتَقَّة من مصادرها بِلَا ريب وَهِي قديمَة وَالْقَدِيم لَا مَادَّة لَهُ فَمَا كَانَ جوابكم عَن هَذِه الاسماء كَانَ جَوَاب من قَالَ بالاشتقاق فِي الله تَعَالَى ثمَّ الْجَواب عَن الْجَمِيع أَنا لَا نعني بالاشتقاق الا أَنَّهَا ملاقية لمصادرها فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى لَا أَنَّهَا مُتَوَلّدَة مِنْهَا تولد الْفَرْع من أَصله وَتَسْمِيَة النُّحَاة الْمصدر والمشتق مِنْهُ أصلا وفرعا لَيْسَ مَعْنَاهُ أَن أَحدهمَا تولد من الآخر وانما هُوَ بِاعْتِبَار أَن احدهما مُتَضَمّن للْآخر وَزِيَادَة فالاشتقاق هُنَا لَيْسَ هُوَ اشتقاقا ماديا وانما هُوَ اشتقاق تلازم يُسمى المتضمن فِيهِ بِالْكَسْرِ مشتقا والمتضمن بِالْفَتْح مشتقا مِنْهُ وَلَا مَحْذُور فِي اشتقاق أَسمَاء الله تَعَالَى بِهَذَا الْمَعْنى انْتهى وَقَالَ أَبُو جَعْفَر بن جرير (الله (أَصله الاله أسقطت الْهمزَة الَّتِي هِيَ فَاء الِاسْم فالتقت اللَّام الَّتِي هِيَ عين الِاسْم وَاللَّام الزَّائِدَة وَهِي سَاكِنة فأدغمت فِي الاخرى فصارتا فِي اللَّفْظ لاما وَاحِدَة مُشَدّدَة انْتهى وَأما تَأْوِيل الله فانه على مَا رُوِيَ لنا عَن عبد الله بن عَبَّاس قَالَ هُوَ الَّذِي يألهه كل شَيْء ويعبده كل خلق وسَاق بِسَنَدِهِ عَن الضَّحَّاك عَن عبد الله ابْن عَبَّاس قَالَ الله ذُو الالوهية والعبودية على خلقه أَجْمَعِينَ فان قَالَ لنا قَائِل وَمَا دلّ على أَن الالوهية هِيَ الْعِبَادَة وَأَن الاله هُوَ المعبود وَأَن لَهُ

стр. 12

اصلا فِي فعل وَيفْعل وَذكر بَيت رؤبة بن العجاج ... لله در الغانيات المده ... سبحن واسترجعن من تاله ... يَعْنِي من تعبدي وطلبي الله بعملي ولاشك أَن التأله التفعل من أَله يأله وَقد جَاءَ مِنْهُ مصدر يدل على أَن الْعَرَب قد نطقت مِنْهُ ب فعل يفعل بِغَيْر زِيَادَة وَذَلِكَ مَا حَدثنَا بن سُفْيَان بن وَكِيع وسَاق السَّنَد إِلَى ابْن عَبَّاس أَنه قَرَأَ ﴿ويذرك وإلاهتك﴾ الاعراف ١٢٧ قَالَ عبادتك وَيَقُول انه كَانَ يعبد وَلَا يعبد وَذكر مثله عَن مُجَاهِد فقد تبين قَول ابْن عَبَّاس وَمُجاهد أَن أَله عبد وَأَن الالهة مصدره وسَاق حَدِيثا عَن أبي سعيد مَرْفُوعا أَن عِيسَى أسلمته امهِ الى الْكتاب ليعلمه فَقَالَ الْمعلم اكْتُبْ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَقَالَ عِيسَى اتدري مَا الله الله إِلَه الْآلهَة الرَّحْمَن الرَّحِيم اسمان مشتقان من رحم بجعله لَازِما بنقله الى بَاب فعل بِضَم الْعين وبتنزيله منزلَة اللَّازِم إِذْ هما صفتان مشبهتان وَهِي لَا تشتق من مُتَعَدٍّ والرحمن أبلغ من الرَّحِيم لَان زِيَادَة الْبناء تدل على زِيَادَة الْمَعْنى غَالِبا كَمَا فِي قطع وَقطع وَمن غير الْغَالِب قد يُفِيد نَاقص الْبناء مَا لَا يُفِيد زائده من الْمُبَالغَة كحذر وحاذر فان (حذر (أبلغ من (حاذر (فالرحمن صفة فِي الاصل بِمَعْنى كثير الرَّحْمَة جدا ثمَّ غلب على الْبَالِغ فِي الرَّحْمَة غايتها وَهُوَ الله والرحيم ذُو الرَّحْمَة الْكَثِيرَة قَالَ النَّاظِم فِي (بَدَائِع الْفَوَائِد (أَسمَاء الرب تَعَالَى اسماء ونعوت فا نها دَالَّة على صِفَات كَمَاله فَلَا تنَافِي فِيهَا بَين العلمية والوصفية فالرحمن اسْمه

стр. 13

تَعَالَى وَوَصفه لَا يُنَافِي اسميته وصفيته فَمن حَيْثُ هُوَ صفة جرى تَابعا على اسْم الله من حَيْثُ هُوَ اسْم ورد فِي الْقُرْآن غير تَابع يَعْنِي كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن علم الْقُرْآن﴾ الرَّحْمَن ١ ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ ﴿أم من هَذَا الَّذِي هُوَ جند لكم ينصركم من دون الرَّحْمَن﴾ الْملك ٢٠ وَهَذَا شَأْن الِاسْم الْعلم وَلما كَانَ هَذَا الِاسْم مُخْتَصًّا بِهِ تَعَالَى حسن مَجِيئه مُنْفَردا غير تَابع كمجيء اسْمه الله كَذَلِك وَهَذَا لَا يُنَافِي دلَالَته على صفة الرَّحْمَن كاسم الله فَإِنَّهُ دَال على صفة الالوهية وَلم يجىء قطّ تَابعا لغيره بل متبوعا بِخِلَاف الْعَلِيم والقدير والسميع والبصير وَلِهَذَا لَا تَجِيء هَذِه وَنَحْوهَا مُفْردَة بل تَابِعَة قَالَ ﵀ وَأما الْجمع بَين الرَّحْمَن والرحيم فَفِيهِ معنى بديع وَهُوَ أَن الرَّحْمَن دَال على الصّفة الْقَائِمَة بِهِ سُبْحَانَهُ والرحيم دَال على تعلقهَا بالمرحوم وَكَأن الاول الْوَصْف وَالثَّانِي الْفِعْل فالاول دَال على أَن الرَّحْمَن صفته أَي صفة ذَات لَهُ سُبْحَانَهُ وَالثَّانِي دَال على أَنه يرحم خلقه برحمته أَي صفة فعل لَهُ سُبْحَانَهُ فَإِذا أردْت فهم هَذَا فَتَأمل قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ الاحزاب ٤٣ ﴿إِنَّه بهم رؤوف رَحِيم﴾ سُورَة التَّوْبَة ١١٧ وَلم يجىء قطّ رَحْمَن بهم فَعلمت أَن رَحْمَن هُوَ الْمَوْصُوف بِالرَّحْمَةِ وَرَحِيم هُوَ الراحم برحمته قَالَ ﵀ وَهَذِه النُّكْتَة لَا تكَاد تجدها فِي كتاب وَإِن تنفست عِنْدهَا مرْآة قَلْبك لم تنجل لَك صورتهَا انْتهى وَرَحْمَة الله تَعَالَى جلّ شَأْنه وَتَعَالَى سُلْطَانه صفة قديمَة قَائِمَة بِذَاتِهِ تَعَالَى تَقْتَضِي التفضل والانعام وَأما تَفْسِيرهَا برقة فِي الْقلب تَقْتَضِي التفضل فالتفضل غايتها فيراد مِنْهَا غايتها كَمَا يَقُوله من يَقُوله من المتكلمة كالزمخشري فِي (كشافه (وَغَيره من النظار فَهَذَا إِنَّمَا يَلِيق برحمة الْمَخْلُوق لَا برحمة الْخَالِق تَعَالَى وتقدس وَبَينهمَا بون وَنَظِير ذَلِك (الْعلم (فَإِن حَقِيقَة علمه تَعَالَى الْقَائِمَة بِهِ لَيست مثل الْحَقِيقَة الْقَائِمَة بالمخلوق بل نفس الارادة الَّتِي يرد بَعضهم الرَّحْمَة

стр. 14

إِلَيْهَا هِيَ فِي حَقه تَعَالَى لارادة الْمَخْلُوق إِذْ هِيَ فِي الْمَخْلُوق ميل الْقلب إِلَى الْفِعْل أَو التّرْك وَالله منزه عَن ذَلِك وَكَذَلِكَ رد الزَّمَخْشَرِيّ لَهَا فِي حَقه تَعَالَى إِلَى الْفِعْل بِمَعْنى الإنعام والتفضيل فَإِن فعل العَبْد الِاخْتِيَارِيّ إِنَّمَا يكون لجلب نفع للْفَاعِل أَو دفع ضَرَر عَنهُ وَلَا كَذَلِك فعله تَعَالَى فَمَا فر مِنْهُ أهل التَّأْوِيل مَوْجُود فِي مَا فروا إِلَيْهِ من الْمَحْذُور وَبِهَذَا ظهر أَنه لَا حَاجَة إِلَى دَعْوَى الْمجَاز فِي رَحمته تَعَالَى فَإِنَّهُ خلاف الاصل وَهُوَ إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ عِنْد تعذر حمل الْكَلَام على الْحَقِيقَة وَلَا تعذر هُنَا كَمَا لَا يخفى وَأَيْضًا معيار الْمجَاز صِحَة نَفْيه كَمَا إِذا قيل زيد أَسد أَو بَحر أَو قمر لشجاعته أَو كرمه أَو حسنه فَإِنَّهُ يَصح أَن تَقول زيد لَيْسَ بأسد أَو لَيْسَ ببحر أَو لَيْسَ بفمر وَهَذَا مِمَّا لَا خلاف فِيهِ بَينهم وَلَا يَصح أَن يُقَال الله لَيْسَ برحيم فَلَو كَانَت الرَّحْمَة مجَازًا فِي حَقه تَعَالَى لصَحَّ ذَلِك وَلَا ريب أَن الرَّحْمَة صفة كَمَال وَسَائِر الْكتب السماوية مَمْلُوءَة بذكرها وإطلاقها عَلَيْهِ تَعَالَى وَمن الْعجب أَن تكون هَذِه الصّفة الْعَظِيمَة حَقِيقَة فِي حق الْمَخْلُوق مجَاز فِي حق الْخَالِق وَالْحَاصِل أَن الصّفة تَارَة تعْتَبر من حَيْثُ هِيَ هِيَ وَتارَة تعْتَبر من حَيْثُ قِيَامهَا بِهِ تَعَالَى وَتارَة من حَيْثُ قِيَامهَا بِغَيْرِهِ تَعَالَى وَلَيْسَت الاعتبارات متماثلة إِذْ لَيْسَ كمثله شيئ لَا فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته وَلَا فِي أَفعاله وَالْكَلَام على الصِّفَات فرع عَن الْكَلَام فِي الذَّات كَمَا أَنا نثبت ذاتا لَيست كالذوات فلنثبت رَحْمَة لَيست كرحمة الْمَخْلُوق كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِك وَقَررهُ وَنبهَ عَلَيْهِ وحرره النَّاظِم فِي (بَدَائِع الْفَوَائِد ( قَوْله الْحَمد لله الَّذِي شهِدت لَهُ بربوبيته جَمِيع مخلوقات وأقرت لَهُ بالعبودية جَمِيع مصنوعاته وَأَدت لَهُ الشَّهَادَة جَمِيع الكائنات أَنه الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ بِمَا أودعها من لطيف صنعه وبديع آيَاته وَسُبْحَان الله

стр. 15

وَبِحَمْدِهِ عدد خلقه ورضا نَفسه وزنة عَرْشه ومداد كَلِمَاته وَلَا إِلَه إِلَّا الله الْأَحَد الصَّمد لَا شريك لَهُ فِي ربوبيته وَلَا شَبيه لَهُ فِي أَفعاله وَلَا فِي صِفَاته وَلَا فِي ذَاته وَالله أكبر عدد مَا أحَاط بِهِ علمه وَجرى بِهِ قلمه وَنفذ فِيهِ حكمه من جَمِيع برياته وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه تَفْوِيض عبد لَا يملك لنَفسِهِ ضرا وَلَا نفعا وَلَا موتا وَلَا حَيَاة وَلَا نشورا بل هُوَ باللهوإلى الله فِي مبادئ أمره ونهاياته الْحَمد لُغَة هُوَ الثَّنَاء بِاللِّسَانِ على الْجَمِيل الِاخْتِيَارِيّ على جِهَة التَّعْظِيم والتبجيل وَعرفا فعل يُنبئ عَن تَعْظِيم الْمُنعم على الحامد وَغَيره وَالشُّكْر لُغَة هُوَ الْحَمد اصْطِلَاحا وَعرفا صرف العَبْد جَمِيع مَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ فِيمَا خلق لأَجله فَبين الْحَمد وَالشُّكْر عُمُوم وخصوص من وَجه يَجْتَمِعَانِ فِيمَا إذاكان بِاللِّسَانِ فِي مُقَابلَة نعْمَة وينفرد الْحَمد فِيمَا إِذا كَانَ بِاللِّسَانِ لَا فِي مُقَابلَة نعْمَة وينفرد الشُّكْر فِيمَا إِذا كَانَ بِغَيْر اللِّسَان فِي مُقَابلَة نعْمَة وَاخْتَارَ الْجُمْلَة الاسمية الدَّالَّة على الدَّوَام والثبوت على الْجُمْلَة الفعلية الدَّالَّة على التجدد والحدوث لِأَنَّهُ مَعَ كَونه على نسق الْكتاب الْعَظِيم أليق بالْمقَام وتفاؤلا بذلك وَهِي وَإِن كَانَت خبرية لفظا فَهِيَ إنشائية معنى (وأل (فِي الْحَمد للاستغراق أَو الْجِنْس أَو الْعَهْد أَي كل الْحَمد مُسْتَحقّ أَو جنسه مُخْتَصّ ومملوك لله وعلامة (أل (الاستغراقية أَن يخلفها كل وَنَحْوهَا و (أل (الجنسية إِذا تعقبتها لَام الِاخْتِصَاص كَانَ الْمَعْنى جنس الْحَمد مُخْتَصّ ومملوك لَهُ تَعَالَى فتفيد مَا أفادته ال الإستغراقية ضمنا وَإِن كَانَت (أل (للْعهد فالمعهود ثَنَاء الله على نَفسه وثناء مَلَائكَته وَرُسُله وأنبيائه وخواص خلقه وَلَا نظر لغير ثنائهم و (اللَّام (فِي الله للْملك والاستحقاق أَو الِاخْتِصَاص وَلما ابْتَدَأَ بالبسملة ابْتَدَأَ حَقِيقا وَهُوَ الاتيان بهَا قبل كل شييء أعقبها

стр. 16

بِالْحَمْد لَهُ ابْتِدَاء إضافيا أَي بِالنِّسْبَةِ لما بعْدهَا وَهُوَ مَا يقدم على الشُّرُوع فِي الْمَقْصُود فِي الذَّات جمعا بَين حَدِيثي الْبَسْمَلَة والحمدلة وَلم يعكس لموافقة الْكتاب الْعَزِيز فَإِن ألصحابة افتتحوا كِتَابَته فِي ألإمام الْكَبِير بِالتَّسْمِيَةِ والحمدلة تلوها وتبعهم جَمِيع من كتب الْمُصحف بعدهمْ فِي جَمِيع الْأَمْصَار سَوَاء فِي ذَلِك من يَقُول بِأَن الْبَسْمَلَة آيَة وَمن لَا يَقُول ذَلِك فَكَانَ أولى قَوْله شهِدت لَهُ بربوبيته جَمِيع مخلوقاته الخ الْمَخْلُوق هُوَ الْمَصْنُوع وَمعنى شَهَادَة الْمَخْلُوقَات بربوبيته سُبْحَانَهُ أَن الْعقل الصَّرِيح يقطع بِأَن الْمَخْلُوق لَا بُد لَهُ من خَالق والمصنوع لَا بُد لَهُ من صانع والحادث لَا بُد لَهُ من مُحدث لِاسْتِحَالَة حُدُوث الْحَادِث بِنَفسِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى (أم خلقُوا من غير شييء أم هم الْخَالِقُونَ) الطّور ٣٥ يَقُول سُبْحَانَهُ أحدثو من غير مُحدث أم هم أَحْدَثُوا أنفسهم وَمَعْلُوم أَن الْمُحدث لَا يُوجد بِنَفسِهِ فطريق الْعلم بذلك أَن يُقَال الْمَوْجُود وَإِمَّا حا وَإِمَّا قديم والحادث لَا بُد لَهُ من قديم فَيلْزم ثُبُوت الْقَدِيم على كل حَال وَذَلِكَ أَن الْفقر وَالْحَاجة لكل حَادث وممكن وصف لَازم لَهما فَهِيَ مفتقرة إِلَيْهِ دَائِما حَال الْحُدُوث وَحَال الْبَقَاء وَمن زعم من أهل الْكَلَام أَن افتقارهما إِلَيْهِ فِي حَال الْحُدُوث فَقَط كَمَا يَقُوله من يَقُوله من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم أَو فِي حَال الْبَقَاء فَقَط كَمَا يَقُوله من يَقُوله من المتفلسفة الْقَائِلين بمساوات الْعَالم لَهُ وكلا الْقَوْلَيْنِ خطأ كَمَا قَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى فِي شرح (شرح عقيدة شمس الدّين الاصبهاني (فالإمكان والحدوث متلازمان فَكل مُحدث مُمكن وكل مُمكن مُحدث والفقر ملازم لَهما فَلَا تزَال مفتقره إِلَيْهِ لَا تَسْتَغْنِي عَنهُ لَحْظَة عين وَهُوَ الصَّمد الَّذِي يصمد إِلَيْهِ جَمِيع الْمَخْلُوقَات وَلَا يصمد هُوَ إِلَى شييء بل هُوَ سُبْحَانَهُ الْغَنِيّ بِنَفسِهِ

стр. 17

الْمُغنِي لما سواهُ وَله ﵀ فِي هذاالمعنى والفقر لي وصف ذَات لَازم أبدا كَمَا الْغنى أبدا وصف لَهُ ذاني قَالَ ابْن المعتز ... فيا عجبا كَيفَ بعصى الاله ... أم كَيفَ يجحده الجاحد وَللَّه فِي كل تحريكة ... وتسكينة أبدا شَاهد وَفِي كل شييء آيَة ... تدل على أَنه وَاحِد ... وَسُئِلَ أَبُو نواس عَن وجود الصَّانِع فَأَنْشد ... تَأمل فِي نَبَات الأَرْض وَانْظُر ... إِلَى آثَار مَا صنع المليك عُيُون من لجين ناظرات ... بأحداق هِيَ الذَّهَب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات ... بِأَن الله لَيْسَ لَهُ شريك ... قَوْله وَأَدت لَهُ الشَّهَادَة جَمِيع الكائنات الخ فِي هَذِه البراعة الْإِشَارَة إِلَى تَوْحِيد الربوبية وتوحيد الألوهية وَسَيَأْتِي بسط الْكَلَام على ذَلِك فِي تَوْحِيد الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ قَوْله الكائنات قَالَ فِي (الْقَامُوس (الْكَوْن الْحَدث كالكينونة والكائنة كالحادثة وَكَونه الله خلقه وَالله الْأَشْيَاء أوجدها قَوْله وَسُبْحَان الله الخ سُبْحَانَ اسْم بِمَعْنى التَّسْبِيح الَّذِي هُوَ التَّنْزِيه وانتصابه بِفعل مَتْرُوك إِظْهَاره قَوْله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه أَي لَا تحول من حَال إِلَى حَال وَلَا قدرَة على ذَلِك إِلَّا بِاللَّه وَقيل لَا حول عَن مَعْصِيّة الله إِلَّا بمعونة الله وَلَا قُوَّة على طَاعَة الله إِلَّا بِتَوْفِيق الله وَالْمعْنَى الأول أجمع وأشمل قَوْله

стр. 18

وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَلَا صَاحِبَة لَهُ وَلَا ولد لَهُ وَلَا وَالِد وَلَا كُفْء لَهُ الَّذِي هُوَ كَمَا اثنى على نَفسه وَفَوق مَا يثنى عَلَيْهِ أحد من جَمِيع برياته وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وأمينه على وحيه وَخيرته من بريته وسفيره بَينه وَبَين عباده وحجته على خلقه أرْسلهُ بِالْهدى وَدين الْحق بَين يَدي السباعة بشيرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا أرْسلهُ على حِين فَتْرَة من الرُّسُل وطموس من السبل ودروس من الْكتب وَالْكفْر قد اضطرمت ناره وتطايرت فِي الْآفَاق شرارة وَقد اسْتوْجبَ أهل الأَرْض أَن يحل بهم الْعقَاب وَقد نظر الْجَبَّار ﵎ إِلَيْهِم فمقتهم عربهم وعجمهم إِلَى بقايا من أهل الْكتاب وَقد اسْتندَ كل قوم إِلَى ظلم آرائهم وحكموا على الله سُبْحَانَهُ بمقالاتهم الْبَاطِلَة وأهوائهم وليل الْكفْر مدلهم ظلامه شَدِيد قتامة وسبل الْحق عَافِيَة آثارها مطموسة أعلامها ففلق الله سُبْحَانَهُ بِمُحَمد صلى اله عَلَيْهِ وَسلم صبح الْإِيمَان فأضاء حَتَّى مَلأ الْآفَاق نورا وأطلع بِهِ شمس الرسَالَة فِي حنادس الظُّلم سِرَاجًا منيرا فهدى الله بِهِ من الضَّلَالَة وَعلم بِهِ من الْجَهَالَة وبصر بِهِ المعمى وأرشد بِهِ من الغي وَكثر بِهِ بعد الْقلَّة وأعز بِهِ بعد الذلة وأغنى بِهِ بعد الْعيلَة واستنقد بِهِ بعد الهلكة وَفتح بِهِ أعينا عميا وآذانا صمًّا وَقُلُوبًا غلقا فَبلغ الرسَالَة ودى وَأدّى الْأَمَانَة ونصح الْأمة وكشف الْغُمَّة وجاهد فِي الله حق جهاده وَعبد الله حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِين من ربه وَشرح الله لَهُ صَدره وَرفع لَهُ ذكره وَوضع عَنهُ وزره وَجعل الذلة وَالصغَار على من خَالف أمره وَأقسم بحياته فِي كِتَابه الْمُبين وَقرن اسْمه باسمه فَإِذا ذكر ذكر مَعَه كَمَا فِي الْخطب وَالتَّشَهُّد والتأذين فَلَا يَصح لأحد خطْبَة وَلَا تشهد وَلَا أَذَان وَلَا صَلَاة حَتَّى يشْهد أَنه عَبده وَرَسُوله شَهَادَة الْيَقِين فصلى الله

стр. 19

وَمَلَائِكَته وأنبياؤه وَرُسُله وَجَمِيع خلقه عَلَيْهِ كَمَا عرفنَا بِاللَّه وهدانا إِلَيْهِ وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا أَي أخبر أَنِّي قَاطع بالوحدانية قَوْله وسفيره قَالَ فِي (الْقَامُوس (وسفره تسفيرا أرْسلهُ إِلَى السّفر قَوْله وطموس من السبل الطموس الدُّرُوس الإمحاء يطمس ويطمس طمسا محوته والشييء استأصلت أَثَره وَمِنْه (فَإِذا النُّجُوم طمست (المرسلات ٨ قَالَه فِي (الْقَامُوس (قَوْله قتامه القتام كسحاب الْغُبَار قَالَه فِي (لقاموس (قَوْله عَافِيَة آثارها قَالَ فِي (الْقَامُوس (عَفا شعر الْبَعِير كثور طَال فَغطّى وبره وَقد عفيته وأعفيته قَوْله حنادس الظُّلم قَالَ فِي (الْقَامُوس (الحندس بِالْكَسْرِ اللَّيْل المظلم والظلمة جمع حنادس وتحندس اللَّيْل أظلم قَوْله الصغار قَالَ فِي (الْقَامُوس (صغر ككرم وَفَرح صغارة صغرا كعنب وَكَذَا صغَارًا وصغارة بفتحهما وصغرا وصغرانا بضَمهَا وأصغره جعله صاغرا انْتهى قَوْله وَقرن اسْمه باسمه الخ قَوْله كَمَا فِي الْخطب وَالتَّشَهُّد وتأذين هَذَا ظَاهر وَهَذَا كَمَا قَالَ حسان بن ثَابت رضى الله عَنهُ ... أغر عَلَيْهِ للنبوة خَاتم ... من الله مَيْمُون يلوح وَيشْهد وَضم إِلَّا لَهُ اسْم النَّبِي إِلَى اسْمه ... إِذا قَالَ فِي الْخمس الْمُؤَذّن أشهد وشق لَهُ من اسْمه ليجة ... فذو الْعَرْش مَحْمُود وَهَذَا مُحَمَّد ... قَوْله فصلى الله وَمَلَائِكَته الخ الصَّلَاة من الله تَعَالَى الرَّحْمَة وَمن الْمَلَائِكَة الاسْتِغْفَار وَمن غَيرهم التضرع وَالدُّعَاء بِخَير هَذَا هوالمشهور والجاري على أَلْسِنَة الْجُمْهُور وَلم يرتض هَذَا النَّاظِم فِي كِتَابه (جلاء الأفهام (و (بَدَائِع الْفَوَائِد (وَغَيرهمَا ورده من وجوده مِنْهَا أَن الله تَعَالَى غاير

стр. 20

بَينهمَا فِي قَوْله تَعَالَى (صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة) الْبَقَرَة ١٥٧ الثَّانِي أنسؤال الرَّحْمَة يشرع لكل مُسلم وَالصَّلَاة تخْتَص بِالنَّبِيِّ ﷺ وإله فَهِيَ حق لَهُ وَلَا لَهُ وَلِهَذَا الْمَعْنى منع كثير من الْعلمَاء الصَّلَاة على معِين غَيره يعْنى وَغير سَائِر الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة وَلم يمْنَع اُحْدُ من الترحم على معِين من الْمُسلمين الثَّالِث أَن رَحْمَة الله عَامَّة وسعت كل شَيْء وَصلَاته خَاصَّة لخواص عباده وَقَوْلهمْ الصَّلَاة من الْعباد بِمَعْنى الدُّعَاء مُشكل ايضا من وَجه أَحدهَا أَن الدُّعَاء يكون بِالْخَيرِ وَالشَّر وَالصَّلَاة لَا تكون إِلَّا فِي الْخَيْر الثَّانِي أَن دَعَوْت يعدي بَالَام وَصليت لَا يتَعَدَّى إِلَّا ب (على (و (دُعَاء (المعدى ب (على لَيْسَ بِمَعْنى صلى وَهَذَا يدل على أَن الصَّلَاة لَيست بِمَعْنى الدُّعَاء الثَّالِث أَن فعل الدُّعَاء يَقْتَضِي مدعوا ومدعوا لَهُ تَقول دَعَوْت الله لَك بِخَير وَفعل الصَّلَاة لَا يَقْتَضِي ذَلِك لَا تَقول صليت الله عَلَيْك وَلَا لَك فَدلَّ على انه لَيْسَ بِمَعْنَاهُ فَأَي تبَاين اظهر من هَذَا قَالَ وَلَكِن التَّقْلِيد يعمي عَن إِدْرَاك الْحَقَائِق فإياك والإخلاد إِلَى ارضه قَالَ فِي (الْبَدَائِع (وَرَأَيْت لأبي الْقَاسِم السُّهيْلي رَحمَه الله تَعَالَى كلَاما حسنا فِي اشتقاق الصَّلَاة فَذكر مَا ملخصه أَن معنى اللَّفْظَة حَيْثُ تصرفت ترجع إِلَى الحنو والعطف إِلَّا أَن ذَلِك يكون محسوسا ومعقولا فالمحسوس مِنْهُ صِفَات الْأَجْسَام والمعقول صفة ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام وَهَذَا الْمَعْنى كثير مَوْجُود فِي الصِّفَات وَالْكثير يكون صفة للمحسوسات وَصفَة للمعقولات وَهُوَ من أَسمَاء الرب تَعَالَى وتقدس عَن مشابهة الْأَجْسَام وصفات الْأَنَام فَمَا يُضَاف إِلَيْهِ تَعَالَى من هَذِه الْمعَانِي معقولة غير محسوسة فَإِذا ثَبت هَذَا فَالصَّلَاة كَمَا قُلْنَا حنو وَعطف من قَوْلك صليت أَي حنيت صلاك وعطفته فأخلق بِأَن تكون الرَّحْمَة كَمَا سمي

стр. 21

عطفا وحنوا تَقول اللَّهُمَّ اعطف علينا أَي ارحمنا قَالَ الشَّاعِر ... وَمَا زلت فِي ليني لَهُ وتعطفي ... عَلَيْهِ كَمَا تحنو على الْوَلَد الْأُم ... وَأما رَحْمَة الْعباد فرقة فِي الْقلب إِذا وجدهَا الراحم من نَفسه انعطف على المرحوم وانثنى عَلَيْهِ وَرَحْمَة الله للعباد جود وَفضل فَإِذا صلى عَلَيْهِ فقد أفضل عَلَيْهِ وأنعم وَهَذِه الْأَفْعَال إِذا كَانَت من الله وَمن الْعباد فَهِيَ متعدية ب (على (مَخْصُوصَة بِالْخَيرِ لَا تخرج عَنهُ إِلَى غَيره فَرَجَعت كلهَا إِلَى معنى وَاحِد إِلَّا أَنَّهَا فِي معنى الدُّعَاء وَالرَّحْمَة صَلَاة معقولة أَي إنحناء مَعْقُول غير محسوس ثمَّ هُوَ من العَبْد الدُّعَاء لِأَنَّهُ لَا يقدر على اكثر مِنْهُ وثمرثه من الله الْإِحْسَان والإنعام فَلم تخْتَلف الصَّلَاة فِي مَعْنَاهَا وَإِنَّمَا اخْتلفت ثَمَرَتهَا الصادرة عَنْهَا وَالصَّلَاة الَّتِي هِيَ الرُّكُوع وَالسُّجُود انحناء محسوس فَلم يخْتَلف الْمَعْنى فِيهَا إِلَّا من جِهَة الْمَعْقُول وَلَيْسَ ذَلِك باخْتلَاف فِي الْحَقِيقَة وَلذَلِك تعدت كلهَا ب (على (واتفقت فِي اللَّفْظ الْمُشْتَقّ من الصَّلَاة وَلم يجز صليت على الْعَدو أَي دَعَوْت عَلَيْهِ فقد صَار بِمَعْنى الصَّلَاة أرق وأبلغ من معنى الرَّحْمَة وَإِن كَانَ رَاجعا إِلَيْهِ إِذْ لَيْسَ كل رَاحِم ينحني على المرحوم ويتعطف عَلَيْهِ من شدَّة الرَّحْمَة انْتهى قَوْله وَسلم السَّلَام بِمَعْنى التَّحِيَّة والسلامة من النقائص والرذائل وَفِي (المطلع (قَالَ الازهري فِي قَوْلك السَّلَام عَلَيْك قَولَانِ أَحدهمَا اسْم السَّلَام وَمَعْنَاهُ اسْم الله عَلَيْك وَمِنْه قَول لبيد إِلَى الْحول ثمَّ اسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا وَمن يبك حولا كَامِلا فقد اعتذر وَالثَّانِي سلم الله عَلَيْك تَسْلِيمًا وَسلَامًا وَمن سلم الله عَلَيْهِ سلم من الْآفَات كلهَا قَالَ الْحَافِظ ابْن الْجَزرِي فِي مِفْتَاح (الْحصن (واما الْجمع بَين الصَّلَاة وَالسَّلَام فَهُوَ الاولى ولاكمل والافضل لقَوْله تَعَالَى ﴿صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾ الْأَحْزَاب ٥٦

стр. 22

وَلَو اقْتصر على أَحدهمَا جَازَ من غير كَرَاهَة فقد جرى عَلَيْهِ جمع مِنْهُم مُسلم فِي (صَحِيحه (خلافًا للشَّافِعِيَّة وَفِي كَلَام بَعضهم لَا اعْلَم أحدا نَص على الْكَرَاهَة حَتَّى إِن الامام الشَّافِعِي نَفسه اقْتصر على الصَّلَاة دون التَّسْلِيم فِي خطْبَة (الرسَالَة (وَالله اعْلَم قَوْله وَقد نضر الْجَبَّار ﵎ الخ يُشِير الى حَدِيث عِيَاض بن حمَار الْمُجَاشِعِي الَّذِي رَوَاهُ مُسلم فِي (صَحِيحه (أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ذَات يَوْم فِي خطبَته (أَلا إِن رَبِّي أَمرنِي أَن أعلمكُم مَا جهلتم مِمَّا عَلمنِي فِي يومي هَذَا كل مَال نحلته عبَادي حَلَال واني خلقت عبَادي حنفَاء كلهم وانهم أَتَتْهُم الشَّيَاطِين فَاجْتَالَتْهُمْ عَن دينهم وَحرمت عَلَيْهِم مَا أحللت لَهُم وأمرتهم أَن يشركوا بِي مَا لم أنزل بِهِ سُلْطَانا وَإِن الله نظر ألى أهل الارض فمقتهم عربهم وعجمهم إِلَّا بقايا من أهل الْكتاب الحَدِيث أما بعد فَإِن الله جلّ ثَنَاؤُهُ وتقدست اسماؤه إِذا اراد أَن يكرم عَبده بمعرفته وَيجمع قلبه على محبته شرح صَدره لقبُول صِفَاته العلى وتلقيها من مشكاة الْوَحْي فاذا ورد عَلَيْهِ شَيْء مِنْهَا قابله بِالْقبُولِ وتلقاه بالرضى وَالتَّسْلِيم وأذعن لَهُ بالانقياد فَاسْتَنَارَ بِهِ قلبه واتسع لَهُ صَدره وأمتلأ بِهِ سُرُورًا ومحبة فَعلم أَنه تَعْرِيف من تعريفات الله تَعَالَى تعرف بِهِ إِلَيْهِ على لِسَان رَسُوله فَأن نزل تِلْكَ الصّفة من قبله منزلَة الْغَدَاء اعظم مَا كَانَ إِلَيْهِ فاقة ومنزلة الشِّفَاء أَشد مَا كَانَ اليه حَاجَة فَاشْتَدَّ بهَا فرحه وَعظم بهَا غناؤه وقويت بهَا مَعْرفَته واطمأنت إِلَيْهَا نَفسه وَسكن إِلَيْهَا قلبه فجال من الْمعرفَة فِي ميادينها وأسام عين بصيرته فِي رياضها وبساتينها لتيقنه بِأَن شرف الْعلم تَابع لشرف معلومه وَلَا مَعْلُوم أعظم وَأجل مِمَّن هَذِه صفته وَهُوَ ذُو الاسماء الْحسنى وَالصِّفَات العلى وان شرفه أَيْضا

стр. 23

بِحَسب الْحَاجة أليه وَلَيْسَت حَاجَة الارواح قطّ الى شَيْء أعظم مِنْهَا إِلَى معرفَة بارئها وفاطرها ومحبته وَذكره والابتهاج بِهِ وَطلب الْوَسِيلَة إِلَيْهِ والزلفى عِنْده وَلَا سَبِيل إِلَى هَذَا إِلَّا بِمَعْرِِفَة أَوْصَافه وأسمائه فَكلما كَانَ العَبْد بهَا أعلم كَانَ بِاللَّه اعرف وَله أطلب وَإِلَيْهِ أقرب وَكلما كَانَ لَهَا أنكر كَانَ بِاللَّه أَجْهَل وَإِلَيْهِ أكره وَمِنْه أبعد وَالله ينزل العَبْد من نَفسه حَيْثُ ينزله العَبْد من نَفسه فَمن كَانَ لذكر أَسْمَائِهِ وَصِفَاته مبغضا وعنها نافرا ومنفرا فا لله لَهُ أَشد بغضا وَعنهُ أعظم إعْرَاضًا وَله أكبر مقتا حَتَّى تعود الْقُلُوب إِلَى قلبين قلب ذكر الاسماء وَالصِّفَات قوته وحياته ونعيمه وقرة عينه لَو فَارقه ذكرهَا طرفَة عين ومحبتها لحظات لاستغاث يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبت قلبِي على دينك فلسان حَاله يَقُول ... يُرَاد من الْقلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على النَّاقِل ... وَيَقُول ... وَإِذا تقاضيت الْفُؤَاد تناسيا ... ألفيت أحشائي بِذَاكَ شحاحا وَيَقُول إذامرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذّكر أَحْيَانًا فتنتكس ... وَمن الْمحَال أَن يذكر الْقلب من هُوَ محَارب لصفاته نافر من سماعهَا معرض بكليته عَنْهَا زاعم أَن السَّلامَة فِي ذَلِك كلا وَالله إِن هُوَ إِلَّا الْجَهَالَة والخذلان وإلاعراض عَن الْعَزِيز الرَّحِيم فَلَيْسَ الْقلب الصَّحِيح قطّ إِلَى شَيْء أشوق مِنْهُ إِلَى معرفَة ربه تَعَالَى وَصِفَاته وأفعاله وأسمائه وَلَا أفرح بِشَيْء قطّ كفرحه بذلك وَكفى بِالْعَبدِ عمى وخذلانا أَن يضْرب على قلبه

стр. 24

سرادق الاعراض عَنْهَا والنفرة والتنفير والاشتغال بِمَا لَو كَانَ حَقًا لم ينفع إِلَّا بعد معرفَة الله والايمان بِهِ وبصفاته وأسمائه وَالْقلب الثَّانِي قلب مَضْرُوب بسياط الْجَهَالَة فَهُوَ عَن معرفَة ربه ومحبته مصدود وَطَرِيق معرفَة أَسْمَائِهِ وَصِفَاته كَمَا أنزلت عَلَيْهِ مسدود وَقد قمش شبها من الْكَلَام الْبَاطِل وارتوى من مَاء آجن غير طائل تعج مِنْهُ آيَات الصِّفَات وأحاديثها إِلَى الله عجيجا وتضج مِنْهُ الى منزلهَا ضَجِيجًا مِمَّا يسومها تحريفا وتعطيلا ويؤول مَعَانِيهَا تحريفا وتبديلا قد اعد لدفعها انواعا من الْعدَد وهيأ لردها ضروبا من القوانين قَوْله من القوانين القانون مقياس كل شَيْء جمعه قوانين قَالَه فِي (الْقَامُوس (واذا دعِي الى تحكيمها ابى واستكبر وَقَالَ تِلْكَ ادلة لفظية لَا تفِيد شَيْئا من الْيَقِين قد اعد التَّأْوِيل جنَّة يتترس بهَا من مواقع سِهَام السّنة وَالْقُرْآن وَجعل اثبات صِفَات ذِي الْجلَال تجسيما وتشبيها يصد بِهِ الْقُلُوب عَن طَرِيق الْعلم والايمان مزجي البضاعة قَوْله مزجي البضاعة قَالَ فِي (الْقَامُوس (وبضاعة مزجاة أَي قَليلَة من الْعلم النافع الْمَوْرُوث عَن خَاتم الرُّسُل والانبياء لكنه مَلِيء بالشكوك والشبه والجدال والمراء قَوْله الْجِدَال والمراء قَالَ ابْن الاثير فِي (النِّهَايَة (فِي معنى حَدِيث مَا اوتي قوم الجدل الا ضلوا (الجدل مقابلى الْحجَّة بِالْحجَّةِ والمجادلة المناظرة والمخاصمة وَالْمرَاد بِهِ فِي الحَدِيث الجدل على الْبَاطِل وَطلب

стр. 25

المغالبة واما الجدل لاظهار الْحق فَإِن ذَلِك مَحْمُود لقَوْله تَعَالَى ﴿وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ انْتهى وَفِي (مُخْتَصر الصِّحَاح (للقرطبي جدل بِالْكَسْرِ جدلا أحكم الْخُصُومَة وجادله مجادلة وجدالا خاصمه انْتهى والمراء الْجِدَال والمخاصمة قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي (مُخْتَصر الصِّحَاح (ماريته اماريه مراء جادلته انْتهى وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي التَّرْغِيب والرهيب من المراء والجدال وَهُوَ الْمُخَاصمَة والمحاجبة وَطلب الْقَهْر بالغلبة والترهيب فِي تَركه للمحق والمبطل انْتهى فَعلمنَا أَن الْجِدَال والمراء مُتَرَادِفَانِ وَأَن الْعَطف فيهمَا عطف المترادفين انْتهى خلع عَلَيْهِ الْكَلَام الْبَاطِل خلعه الْجَهْل والتجهيل فَهُوَ يتعثر بأذيال التَّكْفِير لاهل الحَدِيث والتبديع لَهُم والتضليل قد طَاف على أَبْوَاب الآراء والمذاهب يَتَكَفَّف أَرْبَابهَا فانثنى بأخسر الْمَوَاهِب والمطالب عدل عَن الابواب الْعَالِيَة الكفيلة بنهاية المُرَاد وَغَايَة الاحسان فابتلي بِالْوُقُوفِ على الابواب السافلة المليئة بالخيبة والحرمان وَقد لبس حلَّة منسوجة من الْجَهْل والتقليد والشبهة والعناد فَإِذا بذلت لَهُ النَّصِيحَة ودعي إِلَى الْحق أَخَذته الْعِزَّة بالاثم فحسبه جَهَنَّم ولبئس المهاد فَمَا أعظم الْمُصِيبَة بِهَذَا وَأَمْثَاله على الْإِيمَان وَمَا أَشد الْجِنَايَة بِهِ على السّنة وَالْقُرْآن وَمَا أحب جهاده بِالْقَلْبِ وَالْيَد وَاللِّسَان إِلَى الرَّحْمَن وَمَا اثقل اجْرِ ذَلِك الْجِهَاد فِي الْمِيزَان وَالْجهَاد بِالْحجَّةِ وَاللِّسَان مقدم على الْجِهَاد بِالسَّيْفِ والسنان وَلِهَذَا امْر بِهِ تَعَالَى فِي السُّور المكية حَيْثُ لَا جِهَاد بِالْيَدِ انذارا وتعذيرا فَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا تُطِع الْكَافرين وجاهدهم بِهِ جهادا كَبِيرا﴾ الْفرْقَان ٥٢ وامر تَعَالَى بجهاد الْمُنَافِقين والغلظة عَلَيْهِم مَعَ كَونهم بَين اظهر الْمُسلمين فِي الْمقَام والمسير فَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي جَاهد الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم ومأواهم جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير﴾

стр. 26

التَّوْبَة ٧٣ فالجهاد بِالْعلمِ وَالْحجّة جِهَاد أنبيائه وَرُسُله وخاصته من عباده المخصوصين بالهداية والتوفيق والاتفاق و (من مَاتَ وَلم يغز وَلم يحدث نَفسه بالغزو مَاتَ على شُعْبَة من النِّفَاق (وَكفى بِالْعَبدِ عمى وخذلانا ان يرى عَسَاكِر الايمان وجنود السّنة وَالْقُرْآن وَقد لبسوا للحرب لامته واعدوا لَهُ عدته واخذوا مَصَافهمْ ووقفوا مواقفهم وَقد حمي الْوَطِيس ودارت رحى الْحَرْب وَاشْتَدَّ الْقِتَال وتنادت الاقران النزال النزال وَهُوَ فِي الملجأ والمغارات والمدخل مَعَ الْخَوَالِف كمين واذا ساعد الْقدر وعزم على الْخُرُوج قعد على التل مَعَ الناظرين ينظر لمن الدائرة ليَكُون اليهم من المتحيزين ثمَّ ياتيهم وَهُوَ يقسم بِاللَّه جهد أيمانه أَنِّي كنت مَعكُمْ وَكنت أَتَمَنَّى أَن تَكُونُوا انتم الغالبين فحقيق بِمن لنَفسِهِ عِنْده قدر وَقِيمَة أَن لايبيعها بأبخس الاثمان وَأَن لَا يعرضهَا غَدا بَين يَدي الله وَرَسُوله لمواقف الخزي والهوان وَأَن يثبت قَدَمَيْهِ فِي صُفُوف أهل الْعلم والايمان وَأَن لَا يتحيز الى مقَالَة سوى مَا جَاءَ فِي السّنة وَالْقُرْآن فَكَأَن قد كشف الغطاء وانجلى الْغُبَار وَأَبَان عَن وُجُوه أهل السّنة مسفرة ضاحكة مستبشرة وَعَن وُجُوه اهل الْبِدْعَة عَلَيْهَا غبرة ترهقها قترة يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه قَالَ ابْن عَبَّاس تبيض وُجُوه اهل السّنة وَتسود وُجُوه اهل الْبِدْعَة والفرقة الضَّالة فوَاللَّه لمفارقة اهل الاهواء والبدع فِي هَذِه الدَّار اسهل من مرافقتهم اذا قيل ﴿احشروا الَّذين ظلمُوا وأزواجهم﴾ الصافات ٢٢ قَالَ امير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب وَبعده الامام احْمَد ازواجهم اشباههم ونظراؤهم قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا النُّفُوس زوجت﴾ التكوير ٧ قَالُوا فَيجْعَل صَاحب الْحق مَعَ نَظِيره فِي دَرَجَته وَصَاحب الْبَاطِل مَعَ نَظِيره فِي دَرَجَته هُنَالك وَالله يعَض الظَّالِم على يَدَيْهِ اذا حصلت لَهُ حَقِيقَة مَا كَانَ فِيهِ هَذِه الدَّار عَلَيْهِ (يَقُول ياليتني اتَّخذت

стр. 27

مَعَ الرَّسُول سَبِيلا يَا ويلتى لَيْتَني لم اتخذ فلَانا خَلِيلًا لقد اضلني عَن الذّكر بعد اذ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَان للانسان خذولا (الْفرْقَان ٢٧ ٢٩ شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي حِكَايَة مناظرة حصلت بَينه وَبَين بعض المعطلة فَقَالَ فصل وَكَانَ من قدر الله وقضائه ان جمع مجْلِس المذاكرة بَين مُثبت للصفات والعلو وَبَين معطل لذَلِك فاستطعم الْمُعَطل الْمُثبت الحَدِيث استطعام غير جَائِع اليه وَلَكِن غَرَضه عرض بضاعته عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مَا تَقول فِي الْقُرْآن وَمَسْأَلَة الاسْتوَاء فَقَالَ الْمُثبت نقُول فِيهَا مَا قَالَه رَبنَا ﵎ وَمَا قَالَه نَبينَا ﷺ نصف الله تَعَالَى بِمَا وصف بِهِ نَفسه وَبِمَا وَصفه بِهِ رَسُوله من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَمن غير تَشْبِيه وَلَا تَمْثِيل بل نثبت لَهُ سُبْحَانَهُ مَا أثْبته لنَفسِهِ من الاسماء وَالصِّفَات وننفي عَنهُ النقائص والعيوب ومشابهة الْمَخْلُوقَات اثباتا بِلَا تَمْثِيل وتنزيها بِلَا تَعْطِيل فَمن شبه الله بخلقه فقد كفر وَمن جحد مَا وصف الله بِهِ نَفسه فقد كفر وَلَيْسَ مَا وصف الله بِهِ نَفسه اَوْ وَصفه بِهِ رَسُولا تَشْبِيها فالمشبه يعبد صنما والمعطل يعبد عدما والموحد يعبد إِلَهًا وَاحِدًا صمدا ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ الشورى ١١ وَالْكَلَام فِي الصِّفَات كَالْكَلَامِ فِي الذَّات فَكَمَا أَنا نثبت ذاتا لَا تشبه الذوات فَكَذَلِك نقُول فِي صِفَاته انها لَا تشبه الصِّفَات فَلَيْسَ كمثله شَيْء لَا فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته وَلَا فِي أَفعاله فَلَا تشبه صِفَات الله بِصِفَات المخلوقين وَلَا نزيل عَنهُ سُبْحَانَهُ صفة من صِفَاته لاجل شناعة

стр. 28

المشنعين وتلقيب المفترين كَمَا أَنا لَا نبغض اصحاب رَسُول الله ﷺ لتسمية الروافض لنا نواصب وَلَا نكذب بِقدر الله وَلَا نجحد كَمَال مَشِيئَته وَقدرته لتسمية الْقَدَرِيَّة لنا مجبرة فَلَا تجحد صِفَات رَبنَا ﵎ لتسمية الْجَهْمِية والمعتزلة لنا مجسمة مشبهة حشوية وَرَحْمَة الله على الْقَائِل ... فان كَانَ تجسيما ثُبُوت صِفَاته ... فَانِي بِحَمْد الله لَهَا مُثبت ... الى ... فان كَانَ تجسيما ثُبُوت صِفَاته ... لديكم فَانِي الْيَوْم عبد مجسم وَرَضي الله عَن الشَّافِعِي حَيْثُ قَالَ ... ان كَانَ رفضا حب آل مُحَمَّد فليشهد الثَّقَلَان أَنِّي رَافِضِي ... وَقدس الله روح الْقَائِل وَهُوَ شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية اذ يَقُول ... ان كَانَ نصبا حب صحب مُحَمَّد ... فليشهد الثَّقَلَان اني ناصبي ... فصل وَأما الْقُرْآن فَانِي اقول إِن كَلَام الله منزل غير مَخْلُوق مِنْهُ بَدَأَ واليه يعود تكلم الله بِهِ صدقا وسَمعه مِنْهُ جِبْرِيل حَقًا وبلغه مُحَمَّدًا ﷺ وَحيا وان ﴿كهيعص﴾ و ﴿حم عسق﴾ و ﴿الر﴾ و ﴿ق﴾ و ﴿ن﴾ عين كَلَام الله حَقِيقَة وان الله تكلم بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيّ الَّذِي سَمعه الصحابه من النَّبِي ﷺ وان جمعيه كَلَام الله وَلَيْسَ قَول الْبشر وَمن قَالَ انه قَول الْبشر فقد كفر وَالله يصليه

стр. 29

سقر وَمن قَالَ لَيْسَ لله بَيْننَا فِي الارض كَلَام فقد جحد رِسَالَة مُحَمَّد ﷺ فَإِن الله بَعثه ليبلغ عَنهُ كَلَامه وَالرَّسُول انما يبلغ كَلَام مرسله فاذا انْتَفَى كَلَام الْمُرْسل انْتَفَت رِسَالَة الرَّسُول ونقول ان الله فَوق سمواته مستو على عَرْشه بَائِن من خلقه لَيْسَ فِي مخلوقاته شَيْء من ذَاته وَلَا فِي ذَاته شَيْء من مخلوقاته وانه تَعَالَى اليه يصعد الْكَلم الطّيب وتعرج الْمَلَائِكَة وَالروح اليه وانه يدبر الامر من السَّمَاء الى الارض ثمَّ يعرج اليه وان الْمَسِيح رفع بِذَاتِهِ الى الله وان رَسُول الله ﷺ عرج بِهِ الى الله حَقِيقَة وان ارواح الْمُؤمنِينَ تصعد الى الله عِنْد الْوَفَاة فتعرض عَلَيْهِ وتقف بَين يَدَيْهِ وانه تَعَالَى هُوَ القاهر فَوق عباده وَهُوَ الْعلي الاعلى وان الْمُؤمنِينَ وَالْمَلَائِكَة المقربين يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم وان ايدي السَّائِلين ترفع اليه وحوائجهم تعرض عَلَيْهِ فانه سُبْحَانَهُ هُوَ الْعلي الاعلى بِكُل اعْتِبَار فَلَمَّا سمع الْمُعَطل مِنْهُ ذَلِك امسك ثمَّ اسرها فِي نَفسه وخلي بشياطينه وَبني جنسه واوحى بَعضهم الى بعض زخرف القَوْل غرُورًا واصناف الْمَكْر والاحتيال وراموا امرا يستحمدون بِهِ الى نظرائهم من اهل الْبدع والضلال وعقدوا مَجْلِسا بيتوا فِي مسَاء يَوْمه مَالا يرضاه الله من القَوْل وَالله بِمَا يعْملُونَ مُحِيط واتوا فِي مجلسهم يما قدرُوا عَلَيْهِ من الهذيان واللغط والتخليط وراموا استدعاء الْمُثبت الى مجلسهم الَّذِي عقدوه ليجعلوا نزله عِنْد قدومه عَلَيْهِم مالفقوه من الْمَكْر وتمموه فحبس الله سُبْحَانَهُ عَن ايديهم والسنتهم فَلم يتجاسروا عَلَيْهِ ورد الله كيدهم فِي نحورهم فَلم يصلوا بالسوء اليه وخذلهم المطاع فمزقوا مَا كتبوه من المحاضر وقلب الله قُلُوب أوليائه وجنده عَلَيْهِم من كل باد وحاضر واخرج النَّاس لَهُم من المخبآت كمائنها قَوْله المخبات خبأه كمنعه ستره كخبأه واختبأه قَالَه فِي (الْقَامُوس (قَوْله كمائنها قَالَ فِي (الْقَامُوس (

стр. 30

كمن لَهُ كنصر وَسمع كمونا استخفى واكمنته والكمين كأمير الْقَوْم يكمنون فِي الْحَرْب وَمن الجوائف والمنقلات قَوْله وَمن الجوائف هِيَ جمع جَائِفَة وَهِي طعنة تبلغ الْجوف قَوْله وَمن المنقلات جمع منقلة وَهِي مَا توضح الْعظم وتهشمه وتنقل عِظَامه دفائنها وقوى الله جأش عقد الْمُثبت وَثَبت قلبه وَلسَانه وشيد بِالسنةِ المحمدية بُنْيَانه فسعى فِي عقد مجْلِس بَينه وَبَين خصومه عِنْد السُّلْطَان وَحكم على نَفسه كتب شُيُوخ الْقَوْم السالفين وأئمتهم الْمُتَقَدِّمين وانه لَا يستنصر من اهل مذْهبه بِكِتَاب وَلَا انسان وانه جعل بَينه وَبَيْنكُم اقوال من قلدتموه ونصوص من على غَيره من الائمة قدمتموه وصرخ الْمُثبت بذلك بَين ظهرانيهم حَتَّى بلغه دانيهم لقاصيهم فَلم يذعنوا لذَلِك واستعفوا من عقدَة فطالبهم الْمُثبت بِوَاحِدَة من خلال ثَلَاث مناظرة فِي مجْلِس عَالم على شريطة الْعلم والانصاف تحضر فِيهِ النُّصُوص النَّبَوِيَّة والاثار السلفية وَكتب ائمتكم الْمُتَقَدِّمين من اهل الْعلم وَالدّين فَقيل لَهُم لَا مراكب لكم تسابقون بهَا فِي هَذَا الميدان وَمَا لكم بمقاومة فرسانه يدان فَدَعَاهُمْ الى مُكَاتبَته فِيمَا يَدعُوهُ اليه فَإِن كَانَ حَقًا قبله وشكركم عَلَيْهِ وان كَانَ غير ذَلِك سَمِعْتُمْ جَوَاب الْمُثبت وَتبين لكم حَقِيقَة مَا لَدَيْهِ فَأَبَوا ذَلِك اشد الاباء وَا ستعفوا غَايَة الاستعفاء فَدَعَاهُمْ الى الْقيام بَين الرُّكْن وَالْمقَام قيَاما فِي موقف الابتهال حاسري الرؤوس نسْأَل الله ان ينزل بأسه بِأَهْل الْبدع والضلال وَظن الْمُثبت وَالله أَن الْقَوْم يديبونه إِلَى هَذَا فوطن نَفسه عَلَيْهِ غَايَة التوطين وَبَات يُحَاسب نَفسه ويعرض مَا يُثبتهُ وينفيه عَن كَلَام رب الْعَالمين وعَلى سنة خَاتم الانبياء وَالْمُرْسلِينَ ويتجرد من كل هوى يُخَالف الْوَحْي الْمُبين ويهوي بِصَاحِبِهِ الى أَسْفَل سافلين فَلم يجيبوا الى ذَلِك ايضا واتوا من

стр. 31

الِاعْتِذَار بِمَا دله على أَن الْقَوْم لَيْسُوا من اولي الأبدي والابصار فَحِينَئِذٍ شمر الْمُثبت عَن سَاق عزمه وَعقد لله مَجْلِسا بَينه وَبَين خَصمه يشهده الْقَرِيب والبعيد وَيقف على مضمونه الذكي والبليد وَجعله عقد مجْلِس التَّحْكِيم بَين الْمُعَطل الجاحد والمثبت المرمي بالتجسيم وَقد خَاصم فِي هَذَا الْمجْلس بِاللَّه وحاكم إِلَيْهِ وبرىء الى الله من كل هوى وبدعة وضلالة وتحيز إِلَى فِئَة غير رَسُول الله ﷺ وَمَا كَانَ اصحابه عَلَيْهِ وَالله سُبْحَانَهُ هُوَ المسؤول ان لَا يكله الى نَفسه وَلَا الى شَيْء مِمَّا لَدَيْهِ وان يوفقه فِي جَمِيع حالاته لما يُحِبهُ ويرضاه فَإِن ازمة الامور بيدَيْهِ وَهُوَ يرغب الى من يقف على هَذِه الْحُكُومَة ان يقوم لله قيام متجرد عَن هَوَاهُ قَاصد لرضى مَوْلَاهُ ثمَّ يقْرؤهَا متفكرا وَيُعِيدهَا ويبديها متدبرا ثمَّ يحكم فِيهَا بِمَا يُرْضِي الله وَرَسُوله وعباده الْمُؤمنِينَ وَلَا يقابلها بالسب والشتم كَفعل الْجَاهِلين والمعاندين فَإِن رأى حَقًا قبله وشكر عَلَيْهِ وَإِن رأى بَاطِلا رده على قَائِله وَأهْدى الصَّوَاب اليه فَإِن الْحق لله وَرَسُوله وَالْقَصْد أَن تكون كلمة السّنة هِيَ الْعليا جهادا فِي الله وَفِي سَبيله وَالله عِنْد لِسَان كل قَائِل وَقَلبه وَهُوَ المطلع على نِيَّته وَكَسبه وَمَا كَانَ اهل التعطيل أولياءه إِن أولياؤه الا المتقون الْمُؤْمِنُونَ المصدقون ﴿وَقل اعْمَلُوا فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله والمؤمنون وستردون إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة فينبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ التَّوْبَة ١٠٥

стр. 32

فصل وَهَذِه امثال حسان مَضْرُوبَة للمعطل والمشبه والموحد ذكرتها قبل الشُّرُوع فِي الْمَقْصُود فَإِن ضرب الامثال مِمَّا يأنس بِهِ الْعقل لتقر // يبها الْعُقُول من الْمَشْهُود وَقد قَالَ تَعَالَى وَكَلَامه الْمُشْتَمل على اعظم الْحجَج وقواطع الْبَرَاهِين ﴿وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾ العنكبوت ٤٣ ة قد اشْتَمَل مِنْهَا على بضعَة وَأَرْبَعين مثلا وَكَانَ بعض السّلف اذا قَرَأَ مثلا لم يفهمهُ يشْتَد بكاؤه وَيَقُول لست من الْعَالمين وسنفرد لَهَا ان شَاءَ الله كتابا مُسْتقِلّا متضمنا لاسرارها ومعانيها وَمَا تضمنه من كنوز الْعلم وحقائق الايمان وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان الْمثل الاول ثِيَاب الْمُعَطل ملطخة بعذرة التحريف وَشَرَابه متغير بِنَجَاسَة التعطيل وَثيَاب الْمُشبه مضمخة بِدَم التَّشْبِيه وَشَرَابه متغير بِدَم التَّمْثِيل والموحد طَاهِر الثَّوْب وَالْقلب وَالْبدن يخرج شرابه من بَين فرث وَدم لَبَنًا خَالِصا سائغا للشاربين الْمثل الثَّانِي شَجَرَة الْمُعَطل مغروسة على شفا جرف هار وشجرة الْمُشبه قد اجتثت من فَوق الارض مَا لَهَا من قَرَار وشجرة الموحد اصلها ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء تؤتي اكلها كل حِين باذن رَبهَا وَيضْرب الله الامثال للنَّاس لَعَلَّهُم يتذكرون الْمثل الثَّالِث شَجَرَة الْمُعَطل شَجَرَة الزقوم فالحلوق السليمة لَا تبلعها

стр. 33

وشجرة الْمُشبه شَجَرَة الحنظل فالنفوس المستقيمة لَا تتبعها وشجرة الموحد طُوبَى يَسِيرا الرَّاكِب فِي ظلها مائَة عَام لَا يقطعهَا الْمثل الرَّابِع الْمُعَطل قد أعد قلبه لوقاية الْحر وَالْبرد كبيت العنكبوت والمشبه قد خسف بعقله فَهُوَ يتجلجل فِي أَرض التَّشْبِيه إِلَى البهموت وقلب الموحد يطوف حول الْعرس نَاظرا إِلَى الَّذِي لَا يَمُوت الْمثل الْخَامِس مِصْبَاح الْمُعَطل قد عصفت عَلَيْهِ أهوية التعطيل فطفئ وَمَا أنار ومصباح الْمُشبه قد غرقت فتيلته فِي عكر التَّشْبِيه فَلَا تقتبس مِنْهُ الْأَنْوَار العكر بِفتْحَتَيْنِ دردي الزَّيْت وَغَيره وَقد عكرت المسرجة من بَاب طرب اجْتمع فِيهَا الدردي وعكر الشَّرَاب وَالْمَاء والدهن آخِره خاثره وَقد عكر فَهُوَ عكر وأعكره غَيره وعكره تعكيرا جعل فِيهِ العكر قَالَه فِي (مُخْتَار الصِّحَاح (ومصباح الموحد يرقد من شَجَرَة مباركة زيتونة لَا شرقية وَلَا غربية يكَاد زيتها يضيئ وَلَو لم تمسسه نَار الْمثل السَّادِس قلب الْمُعَطل مُتَعَلق بِالْعدمِ فَهُوَ أَحْقَر الحقير وقلب الْمُشبه عَابِد للصنم الَّذِي قد نحت بالتصوير وَالتَّقْدِير والموحد قلبه متعبد لمن لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير الْمثل السَّابِع نقود الْمُعَطل كلهَا زيوف فَلَا تروج علينا وبضاعة الْمُشبه كاسدة فَلَا تنْفق لدينا وتجارة الموحد يُنَادي عَلَيْهَا يَوْم الْعرض على رُؤُوس الأشهاد هَذِه بضاعتنا ردَّتْ إِلَيْنَا الْمثل الثَّامِن الْمُعَطل كنافخ الْكِير إِمَّا أَن يحرق ثِيَابك وَإِمَّا أَن تَجِد مِنْهُ ريحًا خبيثة والمشبه كبائع الْخمر إِمَّا أَن يسكرك وَإِمَّا أَن ينجسك والموحد كبائع الْمسك إِمَّا أَن يحذيك وَإِمَّا أَن يبيعك وَإِمَّا أَن تَجِد مِنْهُ رَائِحَة طيبَة

стр. 34

الْمثل التَّاسِع الْمُعَطل قد تخلف عَن سفينة النجَاة وَلم يركبهَا فأدركه الطوفان والمشبه قد انْكَسَرت بِهِ فِي اللجة فَهُوَ يُشَاهد الْغَرق بالعيان والموحد قد ركب سفينة نوح وَقد صَاح بِهِ الربان اركبوا فِيهَا باسم الله مجْراهَا وَمرْسَاهَا ان رَبِّي لغَفُور رَحِيم الْمثل الْعَاشِر منهل الْمُعَطل كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حَتَّى إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا فَرجع خاسئا حسيرا ومشرب الْمُشبه من مَاء قد تغير طعمه ولونه وريحه بِالنَّجَاسَةِ تغييرا ومشرب الموحد من كأس كَانَ مزاجها كافورا عينا يشرب بهَا عباد الله يفجرونها تفجيرا وَقد سميتها ب (الكافية الشافية فِي الِانْتِصَار للفرقة النَّاجِية (وَهَذَا حِين الشُّرُوع فِي المحاكمة وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم قَوْله (أما بعد) أَي أما بعد مَا ذكر من حمد الله وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُوله (أما) نائبة عَن (مهما) ولتضمنها معنى الشَّرْط لَزِمت الْفَاء فِي جوابها و (بعد) من الظروف المبينة مَا لم تضف لفظا وَمعنى أَو ينوى ثُبُوت لفظ الْمُضَاف إِلَيْهَا أَو تقطع عَن الْإِضَافَة رَأْسا فتعرب حِينَئِذٍ فِي الثَّلَاثَة وَإِن حذف الْمُضَاف إِلَيْهَا ونوي ثُبُوت مَعْنَاهُ على الضَّم وَهَذِه الْكَلِمَة يُؤْتى بهَا للإنتقال من أسلوب إِلَى غَيره أَي بعد الْبَسْمَلَة والحمدلة وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله ﷺ وَيسْتَحب الْإِتْيَان بهَا فِي الْخطب والمكاتبات لِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَأْتِي بهَا فِي خطبه ومكاتباته للملوك وَغَيرهم وَاخْتلف فِي اول من نطق بهَا فَقيل دَاوُد ﵇ وَعَن الشّعبِيّ أَنَّهَا فصل الْخطاب الَّذِي أوتيه لِأَنَّهَا تفصل بَين الْمُقدمَات والمقاصد وَقيل أول من نطق بهَا يَعْقُوب وَقيل أَيُّوب وَقيل سُلَيْمَان عَلَيْهِم السَّلَام

стр. 35

وَقيل قيس بن سَاعِدَة الأيادي وَقيل كَعْب بن لؤَي وَقيل يعرب بن قحطان وَالْقَوْل الأول وَهُوَ أَن أول من نطق بهَا دَاوُد ﵇ أشبه كَمَا قَالَه الْحَافِظ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي وَغَيره قَوْله فَإِن لله جلّ ثَنَاؤُهُ الخ الْفَاء فِي جَوَاب (أما) النائبة عَن (مهما) لتضمنها معنى الشَّرْط قَوْله قد قمش قَالَ فِي (٠ الْقَامُوس) القمش جمع القماش وَهُوَ مَا على وَجه الأَرْض من فتات الْأَشْيَاء حَتَّى يُقَال لرذالة النَّاس قماش وَمَا أَعْطَانِي إِلَّا قماشا أَي أرادأ مَا وجده قَوْله آجن الآجن المَاء الْمُتَغَيّر الطّعْم والون آجن كضرب وَفَرح وَنصر أجنا وأجنا وجنونا قَالَه فِي (الْقَامُوس (قَوْله تعج مِنْهُ آيَات الصِّفَات الخ قَالَ فِي الْقَامُوس عج يعج ويعج كنميل عجا وعجيجا صَاح وَرفع صَوته قَوْله وتضج الخ قَالَ فِي (الْقَامُوس (أضج الْقَوْم إضجاجا صاحوا وأجلبوا فَإِذا جزعوا وغلبوا فضجوا يضجون ضَجِيجًا قَوْله الْوَطِيس الطيس هُوَ التَّنور ة الْآن حمي الْوَطِيس أَي اشْتَدَّ الْحَرْب قَالَه فِي (الْقَامُوس ( قَوْله جنَّة الْجنَّة بِالضَّمِّ قَالَ فِي (الْقَامُوس (جنه اللَّيْل وَعَلِيهِ جنا وجنونا وأجنه ستره وكل مَا ستر عَنْك فقد جن عَنْك وأجن عَنهُ واستجن أستتر قَوْله جأش الْمُثبت قَالَ فِي (الْقَامُوس (الجأش رواع الْقلب إِذا اضْطربَ عِنْد الْفَزع وَنَفس الانسان وَقد لَا يهمز جمع جؤوش قَوْله فِي مَوَاقِف الابتهال قَالَ ابْن هِشَام فِي (تَهْذِيب السِّيرَة (نبتهل فَنَجْعَل لعنة الله على الْكَاذِبين نَدْعُو باللعنة قَالَ أعشى بني قيس بن ثَعْلَبَة

стр. 36

.. لَا تعقدن وَقد أكلتها حطبا ... نَعُوذ من شَرها يَوْمًا ونبتهل ... يَقُول نَدْعُو باللعنة وَتقول الْعَرَب بهل الله فلَانا أَي لَعنه وَعَلِيهِ بهلة الله أَي لعنة الله وَيُقَال بهله الله أَي لَعنه ونبتهل أَيْضا نجتهد فِي الدُّعَاء انْتهى وَأما حكم المباهلة فقد كتب بعض الْعلمَاء رِسَالَة فِي شُرُوطهَا المستنبطة من الْكتاب وَالسّنة والْآثَار وَكَلَام الْأَئِمَّة وَحَاصِل كَلَامه فِيهَا أَنَّهَا لَا تجوز إِلَّا فِي أمرمهم شرعا وَقع فِيهِ اشْتِبَاه وعناد لَا يَتَيَسَّر دَفعه إِلَّا بالمباهلة فَيشْتَرط كَونهَا بعد إِقَامَة الْحجَّة وَالسَّعْي فِي إِزَالَة الشّبَه وَتَقْدِيم النصح والإنذار وَعدم نفع ذَلِك ومساس الضَّرُورَة إِلَيْهَا انْتهى وَهَذَا حِين الشُّرُوع فِي شرح (النّظم (فَأَقُول وَالله الْمُوفق بَحر هَذِه الْمَنْظُومَة الْمُبَارَكَة هُوَ الْكَامِل وَهُوَ مَبْنِيّ من سِتَّة أَجزَاء متغاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... حكم الْمحبَّة ثَابت الْأَركان مَا للصدود بفسح ذَاك يدان ... إِنِّي وقاضي الْحس نفذ حكمهَا فَلِذَا أقرّ بذلك الخصمان ... وَأَتَتْ شُهُود الْوَصْل تشهد أَنه حَقًا جرى فِي مجْلِس الْإِحْسَان ... فتأكد الحكم الْعَزِيز فَلم تَجِد فسخ الوشاة إِلَيْهِ من سُلْطَان ... وَلأَجل ذَا حكم العذول تداعت ال أَرْكَان مِنْهُ فَخر للأذقان ... وأتى الوشاة فصادفوا الحكم الَّذِي حكمُوا بِهِ مُتَيَقن الْبطلَان

стр. 37

.. مَا صَادف الحكم الْمحل وَلَا هواس توفّي الشُّرُوط فَصَارَ ذَا بطلَان ... فلذاك قَاضِي الْحسن أثبت محضرا بِفساد حكم الهجر والسلوان ... وَحكى لَك الحكم الْمحَال ونقضه فَأَسْمع إِذا يَا من لَهُ أَذَان ... حكم الوشاة بِغَيْر مَا برهَان إِن الْمحبَّة والصدود لدان ... وَالله مَا هَذَا بِحكم مقسط أَيْن الغرام وَصد ذِي هجران ... شتان بَين الْحَالَتَيْنِ فَإِن ترد جمعا فَمَا الضدان يَجْتَمِعَانِ افْتتح النَّاظِم ﵀ هَذِه الْمَنْظُومَة بِشَيْء من النسيب وَهُوَ التغزل والتشبيب كلهَا بِمَعْنى وَاحِد وَأما الْغَزل فَهُوَ إلْف النِّسَاء والتخلق بِمَا وافقهن وَلَيْسَ مِمَّا ذكر فِي شيئ فَمن جعله بِمَعْنى التغزل فقد اخطأ وَقد نبه على ذَلِك قدامه وأوضحه فِي كِتَابه (نقد الشّعْر ( قَوْله حكم الْمحبَّة ثَابت الْأَركان ركن الشيئ جَانِبه الْأَقْوَى أَي ولثبوت أَرْكَانه وشدتها لَا يُطيق الصدود فَسخه قَوْله إِنِّي وقاضي الْحسن أَي كَيفَ يقدر الصدود على فَسخه وَقد ثَبت وتوطدت أَرْكَانه وَذَلِكَ ان قَاضِي الْحسن نفد حكمهَا أَي نفذ حكم الْمحبَّة وَفِي بعض النّسخ (نفذ حكمه (وَالْمعْنَى وَاحِد وَفِي قَوْله قَاضِي الْحسن وَهُوَ الْجمال اسْتِعَارَة وَذَلِكَ انه شبه الْحسن فِي قوته وسلطنته على المحبوب وقهره لَهُ بسلطنة القَاضِي الْحسي وقهره للخصوم ونفاذ حكمه فَكَذَلِك حسن هَذِه المحبوبة حكم على محبها بالمحبة وَفِي قَوْله

стр. 38

حكم الْمحبَّة الخ براعة الاستهلال وَهُوَ أَن يكون الِابْتِدَاء مناسبا للمقصود لِأَن الْمَنْظُومَة الْمَذْكُورَة فِي المحاكمة بَين الطوائف قَوْله فَلِذَا أقرّ بذلك الخصمان أَي لما حكم قَاضِي الْحسن بالمحبة أقرّ الخصمان بهَا قَوْله وَأَتَتْ شُهُود الْوَصْل ألخ أَي لما حصل وصل هَذِه المحبوبة وَشهِدت بِهِ الشُّهُود تَأَكد الحكم فَلم يبْق سَبِيل للوشاة إِلَى فَسخه وَهَذَا معنى قَوْله فتأكد الحكم الْعَزِيز وَقَوله فسخ الوشاة هَذَا من الْكَلَام المقلوب وَالْمعْنَى لم تَجِد الوشاة إِلَى فَسخه من سُلْطَان هَذَا إِن كَانَ لفظ تَجِد بِالتَّاءِ وَإِن كَانَ اللَّفْظ يجد بالتحتية فَهُوَ ظَاهر وَفسخ فَاعل يجد وَفسخ مُضَاف والوشاة مُضَاف إِلَيْهِ قَوْله وَلأَجل ذَا حكم العذول تداعت الْأَركان مِنْهُ الخ أَي لما شهِدت شُهُود الْوَصْل بِثُبُوت حكم الْمحبَّة خر حكم العذول وَسَقَطت أَرْكَانه وَقَوله وأتى الوشاة فصادفوا إِلَخ أَي لما اتى الوشاة صادفوا حكمهم بَاطِلا وَهُوَ مَا ذكره بقوله حكم الوشاة الخ أَي حكم الوشاة أَن الْمحبَّة والصدود لدان أَي سَوَاء وَذَلِكَ حكم جَائِر لَيْسَ بمقسط وَأَشَارَ إِلَى ذَلِك بقوله أَيْن الغرام وَهُوَ شدَّة الْمحبَّة والصدود أَي ليسَا بِسَوَاء قَوْله فلذاك قَاضِي الْحسن أثبت محْضر الخ أَي إِن قَاضِي الْحسن أثبت محضرا بِفساد حكم الهجر والسلوان والمحضر السّجل والمشهد قَالَه فِي (الْقَامُوس (أَي لما حصل الْوِصَال حكم قَاضِي الْحسن بِفساد حكم الهجر والسلوان قَوْله شتان بَين الْحَالَتَيْنِ الخ أَي افْتَرَقت الحالتان وشتان بَينهمَا

стр. 39

قَوْله الصدود هُوَ إسم مصدر صد يصد صدودا قَالَ فِي (مُخْتَار الصِّحَاح (صد يصد بِضَم الصَّاد صدودا أعرض عَنهُ وصده عَن الْأَمر مَنعه وَصَرفه (عَنهُ) من بَاب رد انْتهى قَوْله يدان المُرَاد بِالْيَدِ هُنَا الْقُدْرَة تَسْمِيَة للشيئ بِسَبَبِهِ لِأَن الْقُدْرَة هِيَ تحرّك الْيَد يُقَال فلَان لَهُ يَد فِي كَذَا وَكَذَا وَمِنْه قَول زِيَاد لمعاوية إِنِّي قد أَمْسَكت الْعرَاق بِإِحْدَى يَدي وَالْأُخْرَى فارغة قَوْله الوشاة جمع واش يُقَال وشى كَلَامه أَي كذب ووشى بِهِ إِلَى السُّلْطَان وشاية أَي سعى (مُخْتَار الصِّحَاح (قَالَ الْعَيْنِيّ الوشاة جمع واش من وشى بِهِ بشي وشاية إِذا نم عَلَيْهِ وسعى بِهِ فَهُوَ واش قَوْله لدان اللدة كعدة الترب جمع لدات قَالَه فِي (الْقَامُوس (والترب بِالْكَسْرِ اللدة وَالسّن وَمن ولد مَعَك قَالَه فِي (الْقَامُوس ( قَوْله وَالله مَا هَذَا بِحكم مقسط الْقسْط بِالْكَسْرِ الْعدْل تَقول مِنْهُ أقسط الرجل فَهُوَ مقسط وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (إِن الله يحب المقسطين) الحجرات ٩ أَي مَا هَذَا بِحكم عَادل قَوْله الغرام الغرام هُوَ الْحبّ اللَّازِم للقلب الَّذِي لَا يُفَارِقهُ بل يلازمه كملازمة الْغَرِيم لغريمه وَمِنْه سمي عَذَاب النَّار غراما للزومه لأَهله وَعدم مُفَارقَته لَهُم قَالَ الله تَعَالَى إِن عَذَابهَا كَانَ غراما الْفرْقَان ٦٥ قَوْله فَمَا الضدان الضدان هما اللَّذَان لَا يَجْتَمِعَانِ وَقد يرتفعان كالسواد وَالْبَيَاض قَالَ النَّاظِم ... يَا والها هَانَتْ عَلَيْهِ نَفسه إِذْ بَاعهَا غبنا بِكُل هوان ... أتبيع من تهواه نَفسك طَائِعا بالصد والتعذيب والهجران ...

стр. 40

.. أجهلت أَوْصَاف الْمَبِيع وقدرة أَن كنت ذَا جهل بِذِي الْأَثْمَان ... واها لقلب لَا يُفَارق طيره ال أَغْصَان قَائِمَة على الكثبان ... ويظل يسجع فَوْقهَا وَلغيره مِنْهَا الثِّمَار وكل قطف دَان ... ويبيت يبكي والمواصل ضَاحِك ويظل يشكو وَهُوَ ذُو هجران ... هَذَا وَلَو أَن الْجمال مُعَلّق بِالنَّجْمِ هم إِلَيْهِ بالطيران ... لله زائرة بِاللَّيْلِ لم تخف عسس الْأَمِير ومرصد السجان ... قطعت بِلَاد الشَّام ثمَّ تيممت من أَرض طيبَة مطلع الْإِيمَان ... وَأَتَتْ على وَادي العقيق فجاوزت مِيقَاته حلا بِلَا نكران ... ٥ وَأَتَتْ على وَادي الاراك وَلم يكن قصدا لَهَا فألا بِأَن ستراني ... وَأَتَتْ على عَرَفَات ثمَّ محسر وَمنى فكم نَحرته من قرْبَان ... وَأَتَتْ على الجمرات ثمَّ تيممت ذَات الستور وربة الاركان ... هَذَا وَمَا طافت وَلَا استلمت وَلَا رمت الْجمار وَلَا سعت لقران ... ورقت على أَعلَى الصَّفَا فَتَيَمَّمت دَارا هُنَالك للمحب العاني ... أَتَرَى الدَّلِيل أعارها أثوابه وَالرِّيح أعطتها من الخفقان ... وَالله لَو أَن الدَّلِيل مَكَانهَا مَا كَانَ ذَلِك مِنْهُ فِي إِمْكَان ... هَذَا وَلَو سَارَتْ مسير الرّيح مَا وصلت بِهِ لَيْلًا إِلَى نعْمَان ... سَارَتْ وَكَانَ دليلها فِي سَيرهَا سعد السُّعُود وَلَيْسَ بالدبران ...
следующие страницы →