← Акыда

Акыда · id 6362

توضيح المقاصد شرح نونية ابن القيم الكافية الشافية

أحمد بن عيسى

Полный текст (1 130 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

.. لَا تعقدن وَقد أكلتها حطبا ... نَعُوذ من شَرها يَوْمًا ونبتهل ... يَقُول نَدْعُو باللعنة وَتقول الْعَرَب بهل الله فلَانا أَي لَعنه وَعَلِيهِ بهلة الله أَي لعنة الله وَيُقَال بهله الله أَي لَعنه ونبتهل أَيْضا نجتهد فِي الدُّعَاء انْتهى وَأما حكم المباهلة فقد كتب بعض الْعلمَاء رِسَالَة فِي شُرُوطهَا المستنبطة من الْكتاب وَالسّنة والْآثَار وَكَلَام الْأَئِمَّة وَحَاصِل كَلَامه فِيهَا أَنَّهَا لَا تجوز إِلَّا فِي أمرمهم شرعا وَقع فِيهِ اشْتِبَاه وعناد لَا يَتَيَسَّر دَفعه إِلَّا بالمباهلة فَيشْتَرط كَونهَا بعد إِقَامَة الْحجَّة وَالسَّعْي فِي إِزَالَة الشّبَه وَتَقْدِيم النصح والإنذار وَعدم نفع ذَلِك ومساس الضَّرُورَة إِلَيْهَا انْتهى وَهَذَا حِين الشُّرُوع فِي شرح (النّظم (فَأَقُول وَالله الْمُوفق بَحر هَذِه الْمَنْظُومَة الْمُبَارَكَة هُوَ الْكَامِل وَهُوَ مَبْنِيّ من سِتَّة أَجزَاء متغاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... حكم الْمحبَّة ثَابت الْأَركان مَا للصدود بفسح ذَاك يدان ... إِنِّي وقاضي الْحس نفذ حكمهَا فَلِذَا أقرّ بذلك الخصمان ... وَأَتَتْ شُهُود الْوَصْل تشهد أَنه حَقًا جرى فِي مجْلِس الْإِحْسَان ... فتأكد الحكم الْعَزِيز فَلم تَجِد فسخ الوشاة إِلَيْهِ من سُلْطَان ... وَلأَجل ذَا حكم العذول تداعت ال أَرْكَان مِنْهُ فَخر للأذقان ... وأتى الوشاة فصادفوا الحكم الَّذِي حكمُوا بِهِ مُتَيَقن الْبطلَان

стр. 37

.. مَا صَادف الحكم الْمحل وَلَا هواس توفّي الشُّرُوط فَصَارَ ذَا بطلَان ... فلذاك قَاضِي الْحسن أثبت محضرا بِفساد حكم الهجر والسلوان ... وَحكى لَك الحكم الْمحَال ونقضه فَأَسْمع إِذا يَا من لَهُ أَذَان ... حكم الوشاة بِغَيْر مَا برهَان إِن الْمحبَّة والصدود لدان ... وَالله مَا هَذَا بِحكم مقسط أَيْن الغرام وَصد ذِي هجران ... شتان بَين الْحَالَتَيْنِ فَإِن ترد جمعا فَمَا الضدان يَجْتَمِعَانِ افْتتح النَّاظِم ﵀ هَذِه الْمَنْظُومَة بِشَيْء من النسيب وَهُوَ التغزل والتشبيب كلهَا بِمَعْنى وَاحِد وَأما الْغَزل فَهُوَ إلْف النِّسَاء والتخلق بِمَا وافقهن وَلَيْسَ مِمَّا ذكر فِي شيئ فَمن جعله بِمَعْنى التغزل فقد اخطأ وَقد نبه على ذَلِك قدامه وأوضحه فِي كِتَابه (نقد الشّعْر ( قَوْله حكم الْمحبَّة ثَابت الْأَركان ركن الشيئ جَانِبه الْأَقْوَى أَي ولثبوت أَرْكَانه وشدتها لَا يُطيق الصدود فَسخه قَوْله إِنِّي وقاضي الْحسن أَي كَيفَ يقدر الصدود على فَسخه وَقد ثَبت وتوطدت أَرْكَانه وَذَلِكَ ان قَاضِي الْحسن نفد حكمهَا أَي نفذ حكم الْمحبَّة وَفِي بعض النّسخ (نفذ حكمه (وَالْمعْنَى وَاحِد وَفِي قَوْله قَاضِي الْحسن وَهُوَ الْجمال اسْتِعَارَة وَذَلِكَ انه شبه الْحسن فِي قوته وسلطنته على المحبوب وقهره لَهُ بسلطنة القَاضِي الْحسي وقهره للخصوم ونفاذ حكمه فَكَذَلِك حسن هَذِه المحبوبة حكم على محبها بالمحبة وَفِي قَوْله

стр. 38

حكم الْمحبَّة الخ براعة الاستهلال وَهُوَ أَن يكون الِابْتِدَاء مناسبا للمقصود لِأَن الْمَنْظُومَة الْمَذْكُورَة فِي المحاكمة بَين الطوائف قَوْله فَلِذَا أقرّ بذلك الخصمان أَي لما حكم قَاضِي الْحسن بالمحبة أقرّ الخصمان بهَا قَوْله وَأَتَتْ شُهُود الْوَصْل ألخ أَي لما حصل وصل هَذِه المحبوبة وَشهِدت بِهِ الشُّهُود تَأَكد الحكم فَلم يبْق سَبِيل للوشاة إِلَى فَسخه وَهَذَا معنى قَوْله فتأكد الحكم الْعَزِيز وَقَوله فسخ الوشاة هَذَا من الْكَلَام المقلوب وَالْمعْنَى لم تَجِد الوشاة إِلَى فَسخه من سُلْطَان هَذَا إِن كَانَ لفظ تَجِد بِالتَّاءِ وَإِن كَانَ اللَّفْظ يجد بالتحتية فَهُوَ ظَاهر وَفسخ فَاعل يجد وَفسخ مُضَاف والوشاة مُضَاف إِلَيْهِ قَوْله وَلأَجل ذَا حكم العذول تداعت الْأَركان مِنْهُ الخ أَي لما شهِدت شُهُود الْوَصْل بِثُبُوت حكم الْمحبَّة خر حكم العذول وَسَقَطت أَرْكَانه وَقَوله وأتى الوشاة فصادفوا إِلَخ أَي لما اتى الوشاة صادفوا حكمهم بَاطِلا وَهُوَ مَا ذكره بقوله حكم الوشاة الخ أَي حكم الوشاة أَن الْمحبَّة والصدود لدان أَي سَوَاء وَذَلِكَ حكم جَائِر لَيْسَ بمقسط وَأَشَارَ إِلَى ذَلِك بقوله أَيْن الغرام وَهُوَ شدَّة الْمحبَّة والصدود أَي ليسَا بِسَوَاء قَوْله فلذاك قَاضِي الْحسن أثبت محْضر الخ أَي إِن قَاضِي الْحسن أثبت محضرا بِفساد حكم الهجر والسلوان والمحضر السّجل والمشهد قَالَه فِي (الْقَامُوس (أَي لما حصل الْوِصَال حكم قَاضِي الْحسن بِفساد حكم الهجر والسلوان قَوْله شتان بَين الْحَالَتَيْنِ الخ أَي افْتَرَقت الحالتان وشتان بَينهمَا

стр. 39

قَوْله الصدود هُوَ إسم مصدر صد يصد صدودا قَالَ فِي (مُخْتَار الصِّحَاح (صد يصد بِضَم الصَّاد صدودا أعرض عَنهُ وصده عَن الْأَمر مَنعه وَصَرفه (عَنهُ) من بَاب رد انْتهى قَوْله يدان المُرَاد بِالْيَدِ هُنَا الْقُدْرَة تَسْمِيَة للشيئ بِسَبَبِهِ لِأَن الْقُدْرَة هِيَ تحرّك الْيَد يُقَال فلَان لَهُ يَد فِي كَذَا وَكَذَا وَمِنْه قَول زِيَاد لمعاوية إِنِّي قد أَمْسَكت الْعرَاق بِإِحْدَى يَدي وَالْأُخْرَى فارغة قَوْله الوشاة جمع واش يُقَال وشى كَلَامه أَي كذب ووشى بِهِ إِلَى السُّلْطَان وشاية أَي سعى (مُخْتَار الصِّحَاح (قَالَ الْعَيْنِيّ الوشاة جمع واش من وشى بِهِ بشي وشاية إِذا نم عَلَيْهِ وسعى بِهِ فَهُوَ واش قَوْله لدان اللدة كعدة الترب جمع لدات قَالَه فِي (الْقَامُوس (والترب بِالْكَسْرِ اللدة وَالسّن وَمن ولد مَعَك قَالَه فِي (الْقَامُوس ( قَوْله وَالله مَا هَذَا بِحكم مقسط الْقسْط بِالْكَسْرِ الْعدْل تَقول مِنْهُ أقسط الرجل فَهُوَ مقسط وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (إِن الله يحب المقسطين) الحجرات ٩ أَي مَا هَذَا بِحكم عَادل قَوْله الغرام الغرام هُوَ الْحبّ اللَّازِم للقلب الَّذِي لَا يُفَارِقهُ بل يلازمه كملازمة الْغَرِيم لغريمه وَمِنْه سمي عَذَاب النَّار غراما للزومه لأَهله وَعدم مُفَارقَته لَهُم قَالَ الله تَعَالَى إِن عَذَابهَا كَانَ غراما الْفرْقَان ٦٥ قَوْله فَمَا الضدان الضدان هما اللَّذَان لَا يَجْتَمِعَانِ وَقد يرتفعان كالسواد وَالْبَيَاض قَالَ النَّاظِم ... يَا والها هَانَتْ عَلَيْهِ نَفسه إِذْ بَاعهَا غبنا بِكُل هوان ... أتبيع من تهواه نَفسك طَائِعا بالصد والتعذيب والهجران ...

стр. 40

.. أجهلت أَوْصَاف الْمَبِيع وقدرة أَن كنت ذَا جهل بِذِي الْأَثْمَان ... واها لقلب لَا يُفَارق طيره ال أَغْصَان قَائِمَة على الكثبان ... ويظل يسجع فَوْقهَا وَلغيره مِنْهَا الثِّمَار وكل قطف دَان ... ويبيت يبكي والمواصل ضَاحِك ويظل يشكو وَهُوَ ذُو هجران ... هَذَا وَلَو أَن الْجمال مُعَلّق بِالنَّجْمِ هم إِلَيْهِ بالطيران ... لله زائرة بِاللَّيْلِ لم تخف عسس الْأَمِير ومرصد السجان ... قطعت بِلَاد الشَّام ثمَّ تيممت من أَرض طيبَة مطلع الْإِيمَان ... وَأَتَتْ على وَادي العقيق فجاوزت مِيقَاته حلا بِلَا نكران ... ٥ وَأَتَتْ على وَادي الاراك وَلم يكن قصدا لَهَا فألا بِأَن ستراني ... وَأَتَتْ على عَرَفَات ثمَّ محسر وَمنى فكم نَحرته من قرْبَان ... وَأَتَتْ على الجمرات ثمَّ تيممت ذَات الستور وربة الاركان ... هَذَا وَمَا طافت وَلَا استلمت وَلَا رمت الْجمار وَلَا سعت لقران ... ورقت على أَعلَى الصَّفَا فَتَيَمَّمت دَارا هُنَالك للمحب العاني ... أَتَرَى الدَّلِيل أعارها أثوابه وَالرِّيح أعطتها من الخفقان ... وَالله لَو أَن الدَّلِيل مَكَانهَا مَا كَانَ ذَلِك مِنْهُ فِي إِمْكَان ... هَذَا وَلَو سَارَتْ مسير الرّيح مَا وصلت بِهِ لَيْلًا إِلَى نعْمَان ... سَارَتْ وَكَانَ دليلها فِي سَيرهَا سعد السُّعُود وَلَيْسَ بالدبران ...

стр. 41

.. وَردت جفار الدمع وَهِي غزيرة فلذاك مَا احْتَاجَت وُرُود الضان ... وعلت على متن الْهوى وتزودت ذكرى الحبيب وَوَصله المتدان ... قَوْله واها هِيَ كلمة يَقُولهَا المتعجب قَالَ الْجَوْهَرِي اذا تعجبت من طيب الشَّيْء قلت واها لَهُ مَا أطيبه وَكَذَلِكَ فِي التفجيع واها وواه ايضا انْتهى قَوْله لَا يُفَارق طيره الاغصان المُرَاد بالاغصان القدود كَقَوْلِه أأغصان بَان مَا أرى أم شمائل قَوْله قَائِمَة على الكثبان أَي الارداف لَان ذَلِك يُسمى الْكَثِيب والنقا وَاعْلَم أَن للشعر ألفاظا صَارَت بَينهم حقائق عرفية وان كَانَت فِي الاصل مجَازًا لِكَثْرَة دورانها فِي كَلَامهم وتعاطيهم استعمالاتها لانهم ألفوا ذَلِك من تداولها وتكرارها على مسامعهم فَمن ذَلِك الْغُصْن إِذا أَطْلقُوهُ فَهموا مِنْهُ القوام والكثيب إِذا أَطْلقُوهُ فَهموا مِنْهُ الردف والورد إِ ذَا اطلقوه فَهموا مِنْهُ الْوَجْه والاقاح إِذا أَطْلقُوهُ فَهموا مِنْهُ الثغر والراح إِذا أَطْلقُوهُ فَهموا مِنْهُ الرِّيق والنرجس إِذا أَطْلقُوهُ فَهموا مِنْهُ الْعُيُون وَكَذَا السَّيْف والسهم وَالْبَحْر والبنفسج وَالريحَان العذار كل هَذِه انْتَقَلت عَن وَضعهَا الاصلي وَصَارَت حقائق عرفية نقلهَا الِاصْطِلَاح قَوْله يسجع قَالَ فِي (مُخْتَار الصِّحَاح (السجع الْكَلَام المقفى وَجمعه أسجاع وأساجيع وَقد سجع الرجل من بَاب قطع وسجع أَيْضا تسجيعا وَكَلَام مسجع وأساجيع وسجعت الْحَمَامَة هدرت وسجعت النَّاقة مدت حنينها على جِهَة وَاحِدَة انْتهى

стр. 42

قَوْله لله زائرة بلَيْل الخ قَوْلهم لله فلَان أَصله لله در فلَان بِفَتْح الدَّال وَهُوَ اللَّبن فَيحْتَمل أَنه كِنَايَة عَن فعل الممدوح أَو يُرَاد بِهِ لبن ارتضاعه أَي مَا أعجب هَذَا اللَّبن الَّذِي نَشأ بِهِ مثل هَذَا الْمَوْلُود الْكَامِل فِي هَذِه الصّفة وعَلى كل حَال فاضفته لله للتعظيم لانه منشىء الْعَجَائِب قَوْله عسس الامير قَالَ فِي (مُخْتَار الصِّحَاح (عس من بَاب رد طَاف بِاللَّيْلِ وعسسا أَيْضا وَهُوَ نفض اللَّيْل عَن أهل الرِّيبَة فَهُوَ عاس وَقوم عسس كخادم وخدم وطالب وَطلب وأعتس مثل عس انْتهى قَوْله من أَرض طيبَة هِيَ الْمَدِينَة المنورة قَوْله وَادي العقيق قَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد طَاهِر الفتني فِي (مجمع الْبحار (هُوَ وَادي من أَوديَة الْمَدِينَة وَورد أَنه وَاد مبارك وَمِنْه أَتَانِي آتٍ بالعقيق والآتي جِبْرِيل وَورد أَن العقيق مِيقَات أهل الْعرَاق وَهُوَ مَوضِع قريب من ذَات عرق وَهُوَ اسْم مَوَاضِع كَثِيرَة وكل مَوضِع شققته من الارض فَهُوَ عقيق انْتهى وَفِي (منسك شيخ الاسلام (أَن ذَا الحليفة يُسمى وَادي العقيق ... وَأَتَتْ على وَادي الاراك وَلم يكن ... قصدا لَهَا فألا بِأَن ستراني ... الاراك كالارك بِالْكَسْرِ شجر من الحمض يستاك بِهِ وإبل أراكية ترعاه قَالَه فِي (الْقَامُوس (أَي إِن هَذِه الْعَرُوس أَتَت على وَادي الاراك وَلَيْسَ هُوَ طَرِيقا لَهَا وَلَكِن فعلت ذَلِك تفاؤلا بِأَن ترى محبها قَوْله سَارَتْ وَكَانَ دليلها فِي سَيرهَا الخ قَالَ الْعَلامَة الْعَيْنِيّ فِي (شرح الشواهد الْكُبْرَى (فِي شرح قَول الشَّاعِر

стр. 43

.. اذا دبران مِنْك يَوْمًا لَقيته ... أُؤَمِّل أَن أَلْقَاك غدوا بِأَسْعَد ... قَالَ دبران علم على الْكَوْكَب الَّذِي بدبر الثريا وَهُوَ خَمْسَة كواكب فِي الثور يُقَال انها سنامه الى أَن قَالَ وَالْحَاصِل ان ذكر الدبران الَّتِي هِيَ علم للكواكب الْخَمْسَة وكنى بهَا عَن الادبار الَّذِي هُوَ ضد الاقبال والسعد وَذكر الاسعد الَّتِي هِيَ سعود النُّجُوم وكنى بهَا عَن السعد الَّذِي هُوَ ضد النحس وَالْمعْنَى اذا رَأَيْت مِنْك ادبارا يَوْمًا يَعْنِي شَيْئا أكرهه فَلَا أقطع رجائي مِنْك وَلَكِن أُؤَمِّل حُصُول خيرك من بعد ذَلِك بِأَن أَلْقَاك فِي سعد وإقبال انْتهى أَي لَان هَذِه الْعَرُوس جَاءَت من الشَّام وألجائي من الشَّام يتَيَمَّم جِهَة مطلع سعد السُّعُود لانه فِي جِهَة الْجنُوب وَلَو اسْتدلَّ بالدبران لما اهْتَدَى وَيحْتَمل أَن مُرَاد النَّاظِم التفاؤل باسم سعد السُّعُود لَان النَّبِي ﷺ (كَانَ يُعجبهُ الفأل (وَكَانَ يَقُول (إِذا بعثتم إِلَيّ بريدا فابعثوه حسن الِاسْم حسن الْوَجْه (اَوْ كَمَا قَالَ قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وعدت بزورتها فأوفت بِالَّذِي وعدت وَكَانَ بملتقى الاجفان ... لم يفجأ المشتاق الا وَهِي دا خلة الستور بِغَيْر مَا اسْتِئْذَان ... قَالَت وَقد كشفت نقاب الْحسن مَا بِالصبرِ لي عَن ان أَرَاك يدان ... فتحدثت عِنْدِي حَدِيثا خلته صدقا وَقد كذبت بِهِ العينان ... فعجبت مِنْهُ وَقلت من فرحي بِهِ طَمَعا وَلَكِن الْمَنَام دهاني ... ان كنت كَاذِبَة الَّذِي حَدَّثتنِي فَعَلَيْك إِثْم الْكَاذِب الفتان ... جهم بن صَفْوَان وشيعته الالى جحد واصفات الْخَالِق الديَّان ...

стр. 44

قَوْله وعدت بزورتها فأوفت بِالَّذِي الخ أَي أَنَّهَا وعدت بالزيارة فأوفت بهَا فِي الْمَنَام وَلِهَذَا قَالَ وَكَانَ بملتقى الاجفان وكما قَالَ قبل ذَلِك لله زائرة بلَيْل قَوْله نقاب قَالَ فِي (الْقَامُوس (بِالْكَسْرِ الرجل الْعَلامَة وَمَا تنتقب بِهِ الْمَرْأَة وَالطَّرِيق فِي الْغَلَط قَوْله إِن كنت كَاذِبَة الَّذِي حَدَّثتنِي الخ هَذَا يُسمى حسن التَّخَلُّص عِنْد اهل البديع قَوْله جهم ابْن صَفْوَان هُوَ على مَا قَالَ الذَّهَبِيّ فِي (الْمِيزَان (جهم بن صَفْوَان ابو مُحرز السَّمرقَنْدِي الضال المبتدع رَأس الْجَهْمِية هلك فِي زمَان التَّابِعين وَمَا عَلمته روى شَيْئا لكنه زرع شرا عَظِيما وَقَالَ البُخَارِيّ فِي (رِسَالَة خلق أَفعَال الْعباد (حَدثنِي أَبُو جَعْفَر قَالَ حَدثنِي يحيى بن أَيُّوب قَالَ سَمِعت ابا نعيم الْبَلْخِي قَالَ كَانَ رجل من أهل مرو صديقا لجهم ثمَّ قطعه وجفاه فَقيل لَهُ لم جفوته فَقَالَ احتملت مِنْهُ مَا لايحتمل قَرَأت يَوْمًا آيَة كَذَا وَكَذَا أنسيها يحيى فَقَالَ مَا كَانَ أظرف مُحَمَّدًا فاحتملتها ثمَّ قَرَأَ سُورَة ﴿طه﴾ فَلَمَّا قَالَ ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ قَالَ أما وَالله لَو وجدت سَبِيلا الى حكها لحككتها من الْمَصَاحِف فاحتملتها ثمَّ قَرَأَ سُورَة ﴿الْقَصَص﴾ فَلَمَّا انْتهى الى ذكر مُوسَى قَالَ مَا هُنَا ذكر قصَّته فِي مَوضِع فَلم يُتمهَا ثمَّ رمى بالمصحف من حجر برجليه فَوَثَبت عَلَيْهِ حَدثنِي أَبُو جَعْفَر قَالَ سَمِعت يحي بن أَيُّوب قَالَ كُنَّا ذَات يَوْم عِنْد مَرْوَان بن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ فَسَأَلَهُ رجل عَن حَدِيث الرُّؤْيَة فَلم يحدث بِهِ قَالَ ان لم تُحَدِّثنِي بِهِ فَأَنت جهمي فَقَالَ مَرْوَان تَقول لي جهمي وجهم مكث اربعين يَوْمًا لَا يعرف ربه وَقَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب (خلق أَفعَال الْعباد (بَلغنِي أَن جهما كَانَ يَأْخُذ من الْجَعْد بن دِرْهَم وَكَانَ خَالِد الْقَسرِي أَمِير الْعرَاق خطب فَقَالَ إِنِّي مضح بالجعد بن دِرْهَم لانه زعم أَن الله لم يتَّخذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا وَلم يكلم

стр. 45

مُوسَى تكليما وَنقل البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن مقَاتل قَالَ قَالَ عبد الله ابْن الْمُبَارك ... وَلَا أَقُول بقول الجهم إِن لَهُ ... قولا يضارع أهل الشّرك أَحْيَانًا ... وَعَن عبد الله بن شَوْذَب قَالَ ترك الجهم الصَّلَاة اربعين يَوْمًا على وَجه الشَّك وَذكر الطَّبَرِيّ فِي (تَارِيخه (فِي حوادث سنة ثَمَان وَعشْرين (بعد الْمِائَة) أَن الْحَارِث بن سُرَيج خرج على نصر بن سيار عَامل خُرَاسَان لبني امية وحاربه والْحَارث حِينَئِذٍ يَدْعُو الى الْعَمَل بِالْكتاب وَالسّنة وَكَانَ جهم حِينَئِذٍ كَاتبه ثمَّ تراسلا بِالصُّلْحِ وتراضيا بِحكم مقَاتل بن حَيَّان والجهم فاتفقا على أَن الامر يكون شُورَى حَتَّى يتراضى أهل خُرَاسَان على أَمِير يحكم بَينهم بِالْعَدْلِ فَلم يقبل نصر ذَلِك وَاسْتمرّ على محاربة الْحَارِث إِلَى أَن قتل الْحَارِث فِي سنة ثَمَان وَعشْرين (بعد الْمِائَة) فِي خلَافَة مَرْوَان الْحمار فَيُقَال ان الجهم قتل فِي المعركة وَمُقَاتِل أسر فَأمر نصر بن سيار سَالم بن أحوز بقتْله فَادّعى جهم الامان فَقَالَ لَهُ سَالم لَو كنت فِي بَطْني لشققته حَتَّى أَقْتلك فَقتله وَأخرج ابْن ابي حَاتِم من طَرِيق مُحَمَّد بن صَالح مولى بني هَاشم قَالَ قَالَ سَالم حِين أَخذه يَا جهم إِنِّي لست اقتلك لانك قاتلتني أَنْت عِنْدِي أَحْقَر من ذَلِك وَلَكِنِّي سَمِعتك تكلم بِكَلَام أَعْطَيْت الله عهدا أَن لَا أملكك إِلَّا قتلتك فَقتله وَمن طَرِيق مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن خَلاد الطفَاوِي بلغ سَالم ابْن احوز وَكَانَ على شرطة خُرَاسَان أَن جهم بن صَفْوَان يُنكر ان الله كلم مُوسَى تكليما فَقتله وَمن طَرِيق بكر بن مَعْرُوف قَالَ رَأَيْت سَالم بن احوز حِين ضرب عنق جهم فاسود وَجه جهم وَأسْندَ أَبُو الْقَاسِم اللالكائي فِي كتاب (السّنة (لَهُ أَن قتل جهم كَانَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَالْمُعْتَمد مَا ذكره الطَّبَرِيّ أَنه كَانَ فِي سنة ثَمَان وَعشْرين (بعد الْمِائَة)

стр. 46

وَأخرج ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق صَالح بن احْمَد بن حَنْبَل قَالَ قَرَأت كتاب دَاوُد بن هِشَام بن عبد الْملك الى نصر بن سيار عَامل خُرَاسَان أما بعد فقد نجم قبلك رجل يُقَال لَهُ جهم من الدهرية قَالَ فَإِن ظَفرت بِهِ فاقتله وَقد ذكر الامام احْمَد ﵀ بعض حَال الجهم كَمَا سَيَأْتِي فِي شرح قَول النَّاظِم ولذاك لم يقر الجهم بالارواح خَارِجَة عَن الابدان وَقَالَ عَليّ بن الْحسن سَمِعت ابْن مُصعب يَقُول كفرت الْجَهْمِية فِي غير مَوضِع من كتاب الله قَوْلهم إِن الْجنَّة تفنى وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن هَذَا لرزقنا مَا لَهُ من نفاد﴾ ص ٥٤ فَمن قَالَ انها تنفد فقد كفر وقا ل ﴿لَا مَقْطُوعَة وَلَا مَمْنُوعَة﴾ الْوَاقِعَة ٣٣ فَمن قَالَ انها تَنْقَطِع فقد كفر وَقَالَ بلغُوا الْجَهْمِية أَنهم كفار وَأَن نِسَاءَهُمْ طَوَالِق وَقَالَ زُهَيْر البابي سَمِعت سَلام ابْن أبي مُطِيع يَقُول الْجَهْمِية كفار وَقَالَ وَكِيع أَحْدَثُوا هَؤُلَاءِ المرجئة الْجَهْمِية والجهمية كفار وَقَالَ ابْن الاسود سَمِعت ابْن مهْدي يَقُول ليحيى بن سعيد لَو أَن جهميا بيني وَبَينه قرَابَة مَا استحللت من مِيرَاثه شَيْئا وَقَالَ يزِيد بن هَارُون الجهمي أضرّ من مِائَتي شَيْطَان قَالَ أَبُو عبد الله مَا أُبَالِي صليت خلف الجهمي والرافضي ام صليت خلف الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَلَا يسلم عَلَيْهِم وَلَا يعادون وَلَا يناكحون وَلَا يشْهدُونَ وَلَا تُؤْكَل ذبائهم وَسُئِلَ وَكِيع عَن مثنى الانماطي فَقَالَ كَافِر وَقَالَ عبد الله بن دَاوُد لَو كَانَ لي على الْمثنى الانماطي سَبِيل لنزعت لِسَانه من قَفاهُ وَكَانَ جهميا وحذر يزِيد بن هَارُون من الْجَهْمِية وَقَالَ من زعم أَن الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى على خلاف مَا يقر فِي قُلُوب الْعباد فَهُوَ جهمي وَقَالَ ضَمرَة بن ربيعَة عَن صدورة سَمِعت سُلَيْمَان التَّيْمِيّ يَقُول لَو سُئِلت عَن الله لَقلت فِي السَّمَاء فَإِن قَالَ فَأَيْنَ عَرْشه قبل السَّمَاء لَقلت على المَاء فَإِن قَالَ فَأَيْنَ

стр. 47

كَانَ عَرْشه قبل المَاء قلت لَا اعْلَم قَالَ أَبُو عبد الله وَذَلِكَ لقَوْله ﴿وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ الْبَقَرَة ٢٥٥ يَعْنِي إِلَّا بِمَا بَين وَقَالَ مُحَمَّد بن يُوسُف من قَالَ ان الله لَيْسَ على عَرْشه فَهُوَ كَافِر وَمن زعم أَن الله لم يكلم مُوسَى فَهُوَ كَافِر وَقيل لمُحَمد بن يُوسُف ادركت النَّاس فَهَل سَمِعت أحدا يَقُول الْقُرْآن مَخْلُوق فَقَالَ الشَّيْطَان تكلم بِهَذَا وَمن تكلم فِي هَذَا والجهمي كَافِر وَقَالَ ابْن الْمُبَارك لَا نقُول كَمَا قَالَ الْجَهْمِية ان الله فِي الارض هَهُنَا بل على الْعَرْش اسْتَوَى وَقيل لَهُ كَيفَ نَعْرِف رَبنَا قَالَ فَوق سماواته على عَرْشه وَقَالَ لرجل مِنْهُم أبطنك خَال مِنْهُ فبهت الآخر وَقَالَ سعيد بن عَامر الْجَهْمِية شَرّ قولا من الْيَهُود وَالنَّصَارَى قد اجمعت الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَأهل الاديان على ان الله على الْعَرْش وَقَالُوا هم لَيْسَ على الْعَرْش وَقَالَ حَمَّاد بن زيد الْقُرْآن كَلَام الله نزل بِهِ جِبْرِيل مَا يحاولون الا انه لَيْسَ فِي السَّمَاء إِلَه وَقَالَ عَليّ ان الَّذين قَالُوا ان لله ولدا أكفر من الَّذين قَالُوا إِن الله لَا يتَكَلَّم وَقَالَ احذر من المريسي واصحابه فان كَلَامهم اشْتَمَل على الزندقة وَأَنا كلمت استاذهم جهما فَلم يثبت لي أَن فِي السَّمَاء إِلَهًا وَقَالَ الفضيل بن عِيَاض اذا قَالَ لَك الجهمي انا أكفر بِرَبّ يَزُول عَن مَكَانَهُ فَقل انا أُؤْمِن بِرَبّ يفعل مَا يَشَاء وحَدثني ابو جَعْفَر قَالَ سَمِعت الْحسن بن مُوسَى الاشيب فنال مِنْهُم ثمَّ قَالَ دخل رَأس من رُؤَسَاء الزَّنَادِقَة يُقَال لَهُ شمعلة على الْمهْدي فَقَالَ دلَّنِي على اصحابك فَقَالَ أَصْحَابِي اكثر من ذَلِك فَقَالَ دلَّنِي عَلَيْهِم فَقَالَ صنفان مِمَّن ينتحل الْقبْلَة الْجَهْمِية والقدرية الجهمي اذا غلا قَالَ لَيْسَ ثمَّ شَيْء وَأَشَارَ الاشيب الى السَّمَاء والقدري إِذا غلا قَالَ هما اثْنَان خَالق خير وخالق شَرّ فَضرب عُنُقه وصلبه قَالَ وَكِيع الرافضة شَرّ من الْقَدَرِيَّة والحرورية شَرّ مِنْهُمَا والجهمية شَرّ هَذِه الاصناف قَالَ الله ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ النِّسَاء ١٦٤

стр. 48

يَقُولُونَ لم يتَكَلَّم وَيَقُولُونَ الايمان بِالْقَلْبِ قَالَ ابْن عَبَّاس لما كلم الله مُوسَى كَانَ النداء من السَّمَاء وَكَانَ الله فِي السَّمَاء وَقَالَ عَن النَّبِي ﷺ ان الله على عَرْشه فَوق سمواته وسمواته فَوق ارضه مثل الْقبَّة وَقَالَ ابْن مَسْعُود فِي قَوْله ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش قَالَ الْعَرْش على المَاء وَالله فَوق الْعَرْش وَهُوَ يعلم مَا انتم عَلَيْهِ وَقَالَ قَتَادَة فِي قَوْله وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الارض إِلَه قَالَ يعبد فِي السَّمَاء ويعبد فِي الارض وَقَالَ بعض أهل الْعلم إِن الْجَهْمِية هم المشبهة لأَنهم شبهوا فِي رَبهم بالصمم والاصم والابكم الَّذِي لَا يسمع وَلَا يبصر انْتهى ملتقط من مَوَاضِع وَقَالَ شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية الخ مَا ذكره فِي الحموية (ثمَّ اصل هَذِه الْمقَالة إِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذ عَن تلامذة الْيَهُود وَالْمُشْرِكين وضلال الصابئين فان اول من حفظ عَنهُ انه قَالَ هَذِه المق الة الْإِسْلَام هُوَ الْجَعْد بن دِرْهَم وَأَخذهَا عَنهُ الجهم بن صَفْوَان وأظهرها فنسبت مقَالَة الجهمة إِلَيْهِ وَقيل أَن الْجَعْد أَخذ مقَالَته عَن أبان بن سمْعَان واخذها أبان عَن طالوت بن أُخْت لبيد بن الاعصم الْيَهُودِيّ وَأَخذهَا طالوت عَن لبيد بن الاعصم الْيَهُودِيّ السَّاحر الَّذِي سحر النَّبِي ﷺ وَكَانَ الْجَعْد بن دِرْهَم هَذَا فِيمَا قيل من أهل حران وَكَانَ فيهم خلق كثير من الصائبة والفلاسفة بقايا اهل دين النمرود والكنعانيين الَّذين صنف بعض الْمُتَأَخِّرين فِي سحرهم وَكَذَلِكَ أَبُو نصر الفارابي دخل حران وَأخذ عَن فلاسفة الصابئين تَمام فلسفته واخذها الجهم أَيْضا فِيمَا ذكره الامام احْمَد وَغَيره لما نَاظر السمنية (عَن) بعض فلاسفة الْهِنْد وهم الَّذين يجحدون من الْعُلُوم مَا سوى الحسيات فَهَذِهِ أَسَانِيد جهم ترجع الى الْيَهُود وَالصَّابِئِينَ وَالْمُشْرِكين والفلاسفة الضَّالّين إِمَّا عَن الصائبين وَإِمَّا من الْمُشْركين انْتهى وَالْمَقْصُود

стр. 49

الْكَلَام على قَول النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى جهم بن صَفْوَان وشيعته الألى والألى اسْم مَوْصُول بِمَعْنى الَّذين جَحَدُوا صِفَات الْخَالِق الديَّان الْمَعْنى ان جهما وشيعته جَحَدُوا صِفَات البارىء عَن قَوْلهم والجهم هُوَ أعظم النَّاس نفيا للصفات بل وللاسماء الْحسنى قَوْله من جنس قَول الباطنية القرامطة حَتَّى ذكرُوا عَنهُ أَنه لَا يُسَمِّي الله شَيْئا وَلَا غير ذَلِك من الاسماء الَّتِي يُسمى بهَا الْمَخْلُوق لَان ذَلِك بِزَعْمِهِ من التَّشْبِيه الْمُمْتَنع وَهَذَا قَول القرامطة الباطنية وَحكي عَنهُ أَنه لَا يُسَمِّيه إِلَّا قَادِرًا فَاعِلا لَان العَبْد عِنْده لَيْسَ بِقَادِر وَلَا فَاعل إِذا كَانَ هُوَ رَأس الْمُجبرَة ... قَالَ النَّاظِم ﵀ ... بل عطلوا مِنْهُ السَّمَوَات العلى ... وَالْعرش أخلوه من الرَّحْمَن وَنَفَوْا كَلَام الرب ﷻ ... وقضوا لَهُ بالخلق والحدثان قَالُوا وَلَيْسَ لربنا سمع وَلَا ... بصر وَلَا وَجه فَكيف يدان وكذاك لَيْسَ لربنا من قدرَة ... وَإِرَادَة أَو رَحْمَة وحنان كلا وَلَا وصف يقوم بِهِ سوى ... ذَات مُجَرّدَة بِغَيْر معَان وحياته هِيَ نَفسه وَكَلَامه ... هُوَ غَيره فاعجب لذا الْبُهْتَان وكذاك قَالُوا مَاله من خلقه ... أحد يكون خَلِيله النفسان وخليله الْمُحْتَاج عِنْدهم وَفِي ... ذَا الْوَصْف يدْخل عابدو الاوثان فَالْكل مفتقر اليه لذاته ... فِي أسر قَبضته ذليل عان ولاجل ذَا ضحى بجعد خَالِد الْقَسرِي ... يَوْم ذَبَائِح القربان إِذْ قَالَ ابراهيم الْيَسْ خَلِيله ... كلا وَلَا مُوسَى الكليم الدان ...

стр. 50

.. شكر الضحية كل صَاحب سنة ... لله دَرك من أخي قرْبَان ... قَوْله وَكَلَامه هُوَ غَيره أَي ان كَلَامه مَخْلُوق من جملَة الْمَخْلُوقَات لَان كَلَامه غَيره وَمَا كَانَ غَيره فَهُوَ مَخْلُوق قَوْله وكذاك قَالُوا مَاله من خلقه أحد الخ أَي ان الْجَهْمِية يُنكرُونَ الْخلَّة والمحبة وأنما يثبتون الْخلَّة بِمَعْنى الْفقر وَالْحَاجة فهم يُنكرُونَ أَن الله سُبْحَانَهُ يحب أَو يحب أَي فَكل فَقير لله فَهُوَ خَلِيله بِهَذَا الْمَعْنى وَلِهَذَا الزمهم النَّاظِم بِهَذَا الالزام أَي ان النَّاس كلهم فُقَرَاء الى الله تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس أَنْتُم الْفُقَرَاء إِلَى الله﴾ الْآيَة فاطر ١٥ فَيلْزم على قَول الْجَهْمِية أَن جَمِيع الْخلق أخلاء الله حَتَّى عابدو الاوثان والاصنام قَوْله كلا وَلَا وصف يقوم بِهِ الخ أَي إِن الْبَارِي تَعَالَى وتقدس عِنْدهم لَا يُوصف الا بِأَنَّهُ الْوُجُود الْمُطلق والوجود الْمُطلق وانما يكون فِي الاذهان لَا فِي الاعيان قَوْله وحياته هِيَ نَفسه أَي ان الصِّفَات ترجع الى مُجَرّد الذَّات المقدسة فَهَذَا حَال الْجَهْمِية الاولين وهم الْجَهْمِية الذُّكُور وَأما الْجَهْمِية الْمُتَأَخّرُونَ الَّذين سماهم شيخ الاسلام ابو اسماعيل الانصاري صَاحب (منَازِل السائرين (الْجَهْمِية الاناث فقد قَالَ شيخ الاسلام الْمَذْكُور فِي كِتَابه (ذمّ الْكَلَام (بَاب فِي ذكر كَلَام الاشعرية وَلما نظر المبرزون من عُلَمَاء هَذِه الامة وَأهل الْفَهم من أهل السّنة طاويا كَلَام الْجَهْمِية وَمَا أودعته من رموز الفلاسفة وَلم تقف مِنْهُم الا على التعطيل البحت وَأَن قطب مَذْهَبهم ومنتهى عقيدتهم مَا صرحت بِهِ رُؤُوس الزَّنَادِقَة قبلهم أَن الْفلك دوار وَالسَّمَاء خَالِيَة وَأَن قَوْلهم إِنَّه تَعَالَى فِي كل مَوضِع وَفِي كل شَيْء مَا استثنوا جَوف كلب وَلَا خِنْزِير وَلَا حَشا فرار من الاثبات وَذَهَاب عَن التَّحْقِيق

стр. 51

وان قَوْلهم سميع بِلَا سمع بَصِير بِلَا بصر عليم بِلَا علم قدير بِلَا قدرَة إِلَه بِلَا نفس وَلَا شخص وَلَا صُورَة ثمَّ قَالُوا لَا حَيَاة لَهُ ثمَّ قَالُوا لَا شَيْء فانه لَو كَانَ شَيْئا لاشبه الاشياء حاموا حول مقَال رُؤُوس الزَّنَادِقَة القدماء إِذْ قَالُوا الْبَارِي لَا صفة وَلَا لَا صفة خَافُوا على قُلُوب ضعفى الْمُسلمين وَأهل الْغَفْلَة وقلن الْفَهم مِنْهُم إِذْ كَانَ ظَاهر تعلقهم بِالْقُرْآنِ وَإِن كَانَ اعتصاما بِهِ من السَّيْف واجتنانا بِهِ مِنْهُم وَإِذ هم يرَوْنَ التَّوْحِيد ويخاوضون الْمُسلمين ويحملون الطيالسة فأفصحوا بمعانيهم وصاحوا بِسوء ضمائرهم وَنَادَوْا على خبايا نكثهم فيا طول مَا لقوا فِي ايامهم من سيوف الْخُلَفَاء وألسن الْعلمَاء وهجران الدهماء فقد شحنت كتاب تَكْفِير الْجَهْمِية من مقالات عُلَمَاء الاسلام فيهم ودأب الْخُلَفَاء فيهم ودق عَامَّة أهل السّنة عَلَيْهِم وأجماع الْمُسلمين على اخراجهم من الْملَّة ثقلت عَلَيْهِم الوحشة وطالت عَلَيْهِم الذلة واعيتهم الْحِيلَة إِلَّا ان يظهروا الْخلاف لاولاهم وَالرَّدّ عَلَيْهِم ويصبغوا كَلَامهم صبغا يكون ألوح للافهام وانجع فِي الْعَوام من أساس أَوَّلهمْ ليجدوا بذلك المساغ ويتخلصوا من خزي الشناعة فَجَاءَت مخاريق ترَاءى للغبي بِغَيْر مَا فِي الحشايا ينظر الناضر الْفَهم فِي جذورها فَيرى مح الفلسفة يكسى لحاء السّنة وَعقد الْجَهْمِية ينْحل ألقاب الْحِكْمَة ويردون على الْيَهُود قَوْلهم يَد الله مغلولة فينكرون الغل وَيُنْكِرُونَ الْيَد فيكونون أَسْوَأ حَالا من الْيَهُود لِأَن الله اثْبتْ الصّفة وَنفى الْعَيْب وَالْيَهُود أَثْبَتَت الصّفة وأثبتت الْعَيْب وَهَؤُلَاء نفوا الصّفة كَمَا نفوا الْعَيْب ويردون على النَّصَارَى فِي مقالهم فِي عِيسَى وَأمه فَيَقُولُونَ لَا يكون فِي الْمَخْلُوق غير الْمَخْلُوق فيبطلون الْقُرْآن فَلَا يخفى على ذَوي الالباب أَن كَلَام اولاهم وَكَلَام أخراهم كخيظ السحارة فَاسْمَعُوا يَا أولي الالباب وانظروا مَا فضل هَؤُلَاءِ على أؤلئك

стр. 52

أُولَئِكَ قَالُوا قبح الله مقالتهم إِن الله مَوْجُود بِكُل مَكَان وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ لَيْسَ هُوَ فِي مَكَان وَلَا يُوصف بأين وَقد قَالَ الْمبلغ عَن الله لجارية مُعَاوِيَة بن الحكم أَيْن الله وَقَالُوا هُوَ من فَوق كَمَا هُوَ من تَحت لَا يدْرِي أَيْن هُوَ وَلَا يُوصف بمَكَان وَلَيْسَ هُوَ فِي السَّمَاء وَلَيْسَ هُوَ فِي الأَرْض وأنكروا أَي الْجِهَة وَالْحَد وَقَالَ أُولَئِكَ لَيْسَ لَهُ كَلَام إِنَّمَا خلق كلَاما وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ تكلم مرّة فَهُوَ مُتَكَلم بِهِ مُنْذُ تكلم لم يَنْقَطِع الْكَلَام وَلَا يُوجد كَلَامه فِي مَوضِع لَيْسَ هُوَ بِهِ ثمَّ قَالُوا لَيْسَ هُوَ صَوت وَلَا حُرُوف وَقَالُوا هَذَا زاج وورق وَهَذَا صوف وخشب وَهَذَا إِنَّمَا قصد بِهِ النقش وَأُرِيد بِهِ النقر وَهَذَا صَوت الْقَارئ أما ترى أَن مِنْهُ خسنا وَمِنْه قبيحا وَهَذَا لَفظه أما ترَاهُ يجازي بِهِ حَتَّى قَالَ رَأس من رؤوسهم أَو يكون قُرْآن من لبد وَقَالَ آخر من خشب فراغوا فَقَالُوا هَذَا حِكَايَة عبر بهَا عَن الْقُرْآن وَالله تكلم مرّة وَلَا يتَكَلَّم بعد ذَلِك ثمَّ قَالُوا غير مَخْلُوق وَمن قَالَ مَخْلُوق فَهُوَ كَافِر وَهَذَا من فخوخهم يصطادون بِهِ قُلُوب عوام أهل السّنة وَإِنَّمَا إعتقادهم أَن الْقُرْآن غير مَوْجُود لفظته الْجَهْمِية الذُّكُور بِمرَّة والأشعرية الْإِنَاث بِعشر مَرَّات وأؤلئك قَالُوا لَا صفة وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ وَجه كَمَا يُقَال وَجه النَّهَار وَوجه الْأَمر وَوجه الحَدِيث وَعين كعين الْمَتَاع وَسمع كأذن الْجِدَار وبصر كَمَا يُقَال جدارهما يتراءيان وَيَد كيد الْمِنَّة والعطية والأصابع كَقَوْلِهِم خُرَاسَان بَين إصبعي الْأَمِير وَالْقَدَمَانِ كَقَوْلِهِم جعلت الْخُصُومَة تَحت قدمي والقبضة كَمَا قيل فلَان فِي قبضتي أَي أَنا أملك أمره وَقَالُوا الْكُرْسِيّ الْعلم وَالْعرش الْملك والضحك الرضى والإستواء الِاسْتِيلَاء وَالنُّزُول الْقبُول والهرولة متله فشبهوا من وَجه وأنكروا من وَجه وخالفوا السّلف وتعدوا الظَّاهِر وردوا الأَصْل

стр. 53

وَلم يثبتوا شَيْئا وَلم ينفوا مَوْجُودا وَلم يفرقُوا بَين التَّفْسِير والعبارة بالألسنة فَقَالُوا لَا نفسرها نجربها عَرَبِيَّة كَمَا وَردت وَقد تأولوا وَا تِلْكَ التأويلات الخبيثة أَرَادوا بِهَذِهِ المخرقة أَن يكون عوام الْمُسلمين أبعد غيابا وأعيا ذَهَابًا مِنْهَا ليكونوا أوحش عِنْد ذكرهَا وأشمس عِنْد سماعهَا وكذبوا بل التَّفْسِير أَن يُقَال وَجه ثمَّ يُقَال كَيفَ وَلَيْسَ كَيفَ فِي هَذَا الْبَاب من مقَال الْمُسلمين فَأَما الْعبارَة فقد قَالَ الله تَعَالَى وَقَالَت الْيَهُود يَد الله مغلولة الْمَائِدَة ٦٤ وَإِنَّمَا قَالُوا هم بالعبرانية فحكاها عَنْهُم بِالْعَرَبِيَّةِ وَكَانَ يكْتب رَسُول الله ﷺ (كِتَابه) بِالْعَرَبِيَّةِ فِيهَا أَسمَاء الله وَصِفَاته فيعبر بالألسنة عَنْهَا وَيكْتب إِلَيْهِ بالسُّرْيَانيَّة فيعبر لَهُ زيد بن ثَابت ﵁ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالله تَعَالَى يدعى بِكُل لِسَان بأسمائه فيجيب وَيحلف بهَا فَيلْزم وينشد فيجار ويوصف فَيعرف ثمَّ قَالُوا لَيْسَ ذَات الرَّسُول بحية وَقَالُوا مَا هُوَ بعد مَا مَاتَ بمبلغ فَلَا تلْزم بِهِ الْحجَّة فَسقط من أقاويلهم ثَلَاثَة أَشْيَاء أَن لَيْسَ فِي السَّمَاء رب وَلَا فِي الرَّوْضَة رَسُول وَلَا فِي الأَرْض كتاب كَمَا سَمِعت يحيى بن عمار يحكم بِهِ عَلَيْهِم وَإِن كَانُوا موهوها ووروا عَنْهَا واستوحشوا من تصريحها فَإِن حقائقها لَازِمَة لَهُم وأبطلوا التَّقْلِيد فَكَفرُوا آبَاءَهُم وأمهاتهم وأزواجهم وعوام الْمُسلمين وأوجبوا النّظر فِي الْكَلَام واضطروا إِلَيْهِ (الدّين) بزعمهم فَكَفرُوا السّلف (وَقَالَت الطَّائِفَة مِنْهُم الْفَرْض لَا يتَكَرَّر) فأبطلت الشَّرَائِع وَسموا الْإِثْبَات تَشْبِيها فعابوا الْقُرْآن وضللوا الرَّسُول ﷺ فَلَا تكَاد ترى مِنْهُم رجلا ورعا وَلَا للشريعة مُعظما وَلَا لِلْقُرْآنِ مُحْتَرما وَلَا للْحَدِيث موقرا سلبوا التَّقْوَى ورقة الْقلب وبركة التَّعَبُّد ووقار الْخُشُوع واستفضلوا الرَّسُول فَانْظُر إِلَى أحدهم فَلَا هُوَ

стр. 54

طَالب آثاره وَلَا متتبع أخباره وَلَا مناضل عَن سنته وَلَا هُوَ رَاغِب فِي أسوته يتقلب بمرتبة الْعلم وَمَا عرف حَدِيثا وَاحِدًا ترَاهُ يهزأ بِالدّينِ وَيضْرب لَهُ الْأَمْثَال ويتلعب بِأَهْل السّنة ويخرجهم اصلا من الْعلم لَا تنقر لَهُم عَن بطانة إِلَّا خانتك وَلَا عَن عقيدة الا أرابتك ألبسوا ظلمَة الهزء وسلبوا هَيْبَة الْهدى فتنبو عَنْهُم الْأَعْين وتشمئز مِنْهُم الْقُلُوب انْتهى قَوْله وَلأَجل ذَا ضحى بجعد خَالِد الْقَسرِي الخ أَي وَلأَجل إِنْكَار الْخلَّة وَالْكَلَام ضحى خَالِد بن عبد اله الْقَسرِي بالجعد بن دِرْهَم يَوْم الْأَضْحَى وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... شكر الضحية كل صَاحب سنة ... لله دَرك من أخي قرْبَان ... وَهُوَ خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي بِفَتْح الْقَاف قَالَ فِي (تَهْذِيب الْكَمَال (خَالِد بن عبد الله بن يزِيد بن كرز بن عَامر البَجلِيّ الْقَسرِي أَمِير مَكَّة للوليد بن عبد الْملك وَسليمَان بن عبد الْملك وأمير العراقين لهشام بن عبد الْملك وَقَالَ البُخَارِيّ كَانَ خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي البَجلِيّ الْيَمَانِيّ بواسط ثمَّ قتل بِالْكُوفَةِ وَقَالَ أَبُو الْمليح الرقيسمعت خَالِد بن عبد الله يَقُول على الْمِنْبَر قد اجْتمع من فيئكم هَذ األفا ألف لم يظلم فِيهَا مُسلم وَلَا معاهد وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن زيد ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن مَنْصُور ثَنَا الْأَصْمَعِي قَالَ حَدثنَا عبد الله بن نوح قَالَ سَمِعت خَالِد بن عبد الله يَقُول الْأَصْمَعِي قَالَ حَدثنَا عبد الله بن نوح قَالَ سَمِعت خَالِد بن عبد الله يَقُول إِنِّي لأعشي كل لَيْلَة تَمرا وسويقا سِتَّة وَثَلَاثِينَ ألفا وَقَالَ الْأَصْمَعِي دخل أَعْرَابِي على خَالِد بن عبد الله فَقَالَ إِنِّي قد أنشدت فِيك بَيْتَيْنِ وَلست أنشدهما إِلَّا بِعشْرَة آلَاف وخادم فَقَالَ لَهُ خَالِد قل فَأَنْشَأَ يَقُول ... لَزِمت نعم حَتَّى كَأَنَّك لم تكن ... سَمِعت من الْأَشْيَاء شَيْئا سوى نعم

стр. 55

وَأنْكرت لَا حَتَّى كَأَنَّك لم تكن ... سَمِعت بهَا فِي سالف الدَّهْر والامم ... فَقَالَ خَالِد يَا غُلَام عشرَة آلَاف وخادم فحملها قَالَ وَدخل عَلَيْهِ أَعْرَابِي فَقَالَ إِنِّي قد قلت فِيك شعرًا وَأَنْشَأَ يَقُول ... أخالد إِنِّي لم أزرك لحَاجَة ... سوى أنني عاف وَأَنت جواد ... أخالد إِن الحمدو الْأجر حَاجَتي فَأَيّهمَا يَأْتِي وَأَنت عماد ... فَقَالَ لَهُ سل يَا أَعْرَابِي قَالَ قد جعلت الْمَسْأَلَة إِلَيّ أصلح الله الْأَمِير مائَة ألف دِرْهَم قَالَ أكثرت ياأعرابي قَالَ أفأحطك أصلح الله الْأَمِير قَالَ نعم قَالَ حططتك سبعين ألفا فَقَالَ لَهُ خَالِد ياأعرابي نَا أَدْرِي من أَي أَمر يَك أعجب فَقَالَ لَهُ إِنَّك لما جعلت الْمَسْأَلَة لي سَأَلتك على قدرك وَمَا تستحقه فِي نَفسك فَلَمَّا سَأَلتنِي أَن أحطك حططتك على قدري وَمَا أستاهله فَقَالَ لَهُ خَالِد وَالله يَا أَعْرَابِي لَا تغلبني يَا غُلَام مائَة ألف فَدَفعهَا إِلَيْهِ قَالَ خَليفَة قتل خَالِد سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة وَهُوَ ابْن نَحْو سِتِّينَ سنة انْتهى مُخْتَصرا وَقد تقدّمت تَرْجَمَة الجهم وَأما الْجَعْد فَهُوَ ابْن دِرْهَم قَالَ بِخلق الْقُرْآن وَهُوَ الَّذِي كَانَ ينْسب إِلَيْهِ مَرْوَان الْجَعْدِي أَصله من حران وَيُقَال إِنَّه من موَالِي بني مَرْوَان وَسكن دمشق قَالَ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر وَقد أَخذ بدعته عَن بَيَان بن سمْعَان وَأَخذهَا بَيَان عَن طالوت بن أُخْت لبيد بن أعصم وَزوج ابْنَته عَن لبيد ابْن أعصم السَّاحر لَعنه الله وَأخذ عَن الْجَعْد الجهم بن صَفْوَان الْجريرِي وَقيل التِّرْمِذِيّ وَأقَام ببلخ وَكَانَ يُصَلِّي مَعَ مقَاتل بن سُلَيْمَان فِي مَسْجده ويتناظران حَتَّى نفي إِلَى ترمذ ثمَّ قتل بأصبهان وَقيل بمرو

стр. 56

وَقَتله نائبها مُسلم بن أحور ﵀ وجزاه عَن الْمُسلمين خيرا وَأخذ بشر المرسي عَن الجهم وَأخذ أَحْمد بن أبي دؤاد عَن بشر وَأما الْجَعْد فَإِنَّهُ أَقَامَ بِدِمَشْق حَتَّى أظهر القَوْل بِخلق الْقُرْآن فتطلبه بَنو أُميَّة فهرب مِنْهُم فسكن الْكُوفَة فَلَقِيَهُ بهَا الجهم بن صَفْوَان فتقلد عَنهُ هَذَا القَوْل ثمَّ قَتله خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي يَوْم الْأَضْحَى بِالْكُوفَةِ وَقد روى البُخَارِيّ فِي كتاب (خلق أَفعَال الْعباد (وَابْن أبي حَاتِم فِي كتاب (السّنة (وَغير وَاحِد مِمَّن صنف فِي كتب السّنة كالطبراني وَابْن أبي عَاصِم وَعبد الله بن أَحْمد ان خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي خطب النَّاس فِي عيد أضحى فَقَالَ أَيهَا النَّاس ضحوا تقبل اله ضَحَايَاكُمْ فَإِنِّي مضح بالجعد بن دِرْهَم أَنه زعم أَن الله لم يتَّخذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا وَلم يكلم مُوسَى تكليما تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الْجَعْد بن دِرْهَم علوا كَبِيرا ثمَّ نزل فذبحه فِي أصل الْمِنْبَر قَالَ غير وَاحِد من الْأَئِمَّة كَانَ الْجَعْد بن دِرْهَم من أهل الشَّام وَهُوَ مؤدب مَرْوَان الْحمار وَلِهَذَا يُقَال لَهُ مَرْوَان الْجَعْدِي نِسْبَة إِلَيْهِ وَذكره الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فِي (التَّارِيخ (وَذكر أَنه كَانَ يتَرَدَّد إِلَى وهب بن مُنَبّه وَأَنه كَانَ كلما رَاح إِلَى وهب يغْتَسل وَيَقُول إِنَّه أجمع لِلْعَقْلِ وَكَانَ يسْأَل وهبا عَن مَاهِيَّة الله فَقَالَ لَهُ وهب يَوْمًا وَيلك يَا جعد أنقص الْمَسْأَلَة إِنِّي لأظنك من الهالكين لَو لم يخبرنا الله فِي كِتَابه أَن لَهُ يدا مَا قُلْنَا ذَلِك وَأَن لَهُ عينا مَا قُلْنَا ذَلِك قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَالْعَبْد عِنْدهم فَلَيْسَ بفاعل بل فعله كتحرك الرجفان ... وهبوب ريح أَو تحرّك نَائِم وتحرك الْأَشْجَار للميلان ... وَالله يصليه على ماليس من أَفعاله حر الْحَمِيم الْآن ...

стр. 57

.. لَكِن يُعَاقِبهُ على أَفعاله فِيهِ تَعَالَى الله ذُو الْإِحْسَان ... وَالظُّلم عِنْدهم الْمحَال لذاته أَنى ينزه عَنهُ ذُو السُّلْطَان ... وَيكون مدحا ذَلِك التَّنْزِيه مَا هَذَا بمعقول لذِي الأذهان ... أَي وَالْعَبْد عِنْد الْجَهْمِية لَيْسَ بفاعل بل هُوَ مجبور على أَفعاله وَلذَلِك قَالَ النَّاظِم بل فعله كتحرك الرجفان أَو تحرّك الْأَشْجَار عِنْد عِنْد هبوب الرّيح وَقَوله الْمحَال لذاته وَذَلِكَ كالجمع بَين الضدين وَجعل الْجِسْم الْوَاحِد فِي مكانين وَأما الْمحَال لغيره فَهُوَ كَإِيمَانِ من علم الله تَعَالَى أَنه لَا يُؤمن وَذَلِكَ لِأَن الله تَعَالَى أنزل الْكتب وَبعث الرُّسُل بِطَلَب الْإِيمَان والاسلام من كل وَاحِد وكلفهم ذَلِك وَعلم أَن بَعضهم لَا يُؤمن وَفِي الحَدِيث الْقُدسِي حَدِيث أبي ذَر فِي (صَحِيح مُسلم (عَن رَسُول الله ﷺ فِيمَا يروي عَن ربه قَالَ (يَا عبَادي إِنِّي حرمت الظُّلم على نَفسِي الخ (وَفِيه مَسْأَلَتَانِ إِحْدَاهمَا فِي الظُّلم الَّذِي حرمه الله تَعَالَى على نَفسه ونفاه عَن نَفسه لقَوْله ﴿وَمَا ظلمناهم﴾ هود ١٠١ وَقَوله ﴿وَلَا يظلم رَبك أحدا﴾ الْكَهْف ٤٩ وَقَوله ﴿وَمَا أَنا بظلام للعبيد﴾ ق ٢٩ وَقَوله ﴿إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة﴾ النِّسَاء ٤٠ فان النَّاس تنازعوا فِي معنى هَذَا الظُّلم تنَازعا صَارُوا فِيهِ بَين طرفين متباعدين ووسط بَينهمَا وَخيَار الامور أوساطها وَذَلِكَ بِسَبَب الْبَحْث ومجامعته للشَّرْع اذ الْخَوْض فِي ذَلِك بِغَيْر علم تَامّ أوجب ضلال عَامَّة الامم وَلِهَذَا نهى النَّبِي ﷺ أَصْحَابه عَن التَّنَازُع فِيهِ فَذهب المكذبون بِالْقدرِ الْقَائِلُونَ بِأَن الله لم يخلق أَفعَال الْعباد وَلم يرد أَن يكون إِلَّا مَا أَمر بِأَن يكون وغلاتهم المكذبون بتقدم علم الله وَكِتَابَة بِمَا سَيكون من أَفعَال الْعباد من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم إِلَى أَن الظُّلم مِنْهُ هُوَ نَظِير

стр. 58

الظُّلم من ألآدميين بَعضهم لبَعض وشبهوه ومثلوه بالافعال بِأَفْعَال عباده حَتَّى كَانُوا ممثلة الافعال وضربوا لله الامثال وَلم يجْعَلُوا لَهُ الْمثل الاعلى بل أوجبوا عَلَيْهِ وحرموا مَا رَأَوْا أَنه يجب على الْعباد وَيحرم بقياسه على الْعباد وَإِثْبَات حكم فِي الاصل بِالرَّأْيِ وَقَالُوا عَن هَذَا إِذا أَمر العَبْد وَلم يعنه بِجَمِيعِ مَا يقدر عَلَيْهِ من وُجُوه الاعانة كَانَ ظَالِما لَهُ فالتزموا أَنه لَا يقدر على أَن يهدي ضَالًّا كَمَا قَالُوا إِنَّه لَا يقدر أَن يضل مهتديا وَقَالُوا عَن هَذَا إِذا أَمر اثْنَيْنِ بِأَمْر وَاحِد وَخص أَحدهمَا بإعانته على فعل الْمَأْمُور كَانَ ظَالِما إِلَى أَمْثَال ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي هِيَ من بَاب الْفضل وَالْإِحْسَان جعلُوا تَركه لَهُ ظلما وَكَذَلِكَ ظنُّوا أَن التعذيب لمن قَامَ بِهِ سَبَب اسْتِحْقَاق ذَلِك وَمن لم يقم وان كَانَ ذَلِك الِاسْتِحْقَاق قد خلقه لحكمة أُخْرَى عَامَّة أَو خَاصَّة وَهَذَا الْموضع زلت فِيهِ أَقْدَام وضلت فِيهِ أفهام فعارض هَؤُلَاءِ أخرون من أهل الْكَلَام المثبتين للقدر فَقَالُوا لَيْسَ للظلم مِنْهُ حَقِيقَة يُمكن وجودهَا بل هُوَ من الامور الممتنعة لذاتها فَلَا يجوز أَن يكون مَقْدُورًا وَلَا أَن يُقَال إِنَّه تَارِك لَهُ بِاخْتِيَارِهِ ومشيئته وَإِن مَا هُوَ من بَاب الْجمع بَين الضدين وَجعل الْجِسْم الْوَاحِد فِي مكانين وقلب الْقَدِيم مُحدثا والمحدث قَدِيما وَإِلَّا فمهما قدر وجوده فِي الذَّهَب وَكَانَ وجوده مُمكنا وَالله قَادر فَلَيْسَ بظُلْم سَوَاء فعله أَو لم يَفْعَله وتلقي هَذَا القَوْل عَن هَذِه الطوائف من أهل الاثبات من الْفُقَهَاء وَأهل الحَدِيث من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَغَيرهم وَرُبمَا تعلقوا بِظَاهِر أَقْوَال مأثورة كَمَا روينَا عَن إِيَاس بن مُعَاوِيَة أَنه قَالَ مَا ناظرت أحدا بعقلي كُله إِلَّا الْقَدَرِيَّة قلت لَهُم مَا الظُّلم قَالُوا أَن تَأْخُذ مَا لَيْسَ لَك أَو تتصرف فِيمَا لَيْسَ لَك قلت فَللَّه كل شَيْء وَهَذَا مَا إِيَاس ليبين أَن التَّصَرُّفَات الْوَاقِعَة فِي ملكه فَلَا يكون ظلما بِمُوجب حَدهمْ وَهَذَا لانزاع بَين أهل

стр. 59

الاثبات فِيهِ فانهم متفقون مَعَ الايمان بِالْقدرِ على ان كل مَا فعله الله فَهُوَ عدل وَفِي حَدِيث الكرب الَّذِي رَوَاهُ الامام أَحْمد عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا أصَاب عبد قطّ هم وَلَا حزن فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبدك وَابْن عَبدك وَابْن أمتك ناصيتي بِيَدِك مَاض فِي حكمك عدل فِي قضاؤك اسألك بِكُل اسْم هُوَ لَك سميت بِهِ نَفسك أَو انزلته فِي كتابك أَو عَلمته أحدا من خلقك أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك أَن تجْعَل الْقُرْآن الْعَظِيم ربيع قلبِي وَنور صَدْرِي وجلاء حزني وَذَهَاب غمي وهمي إِلَّا إِلَّا أذهب الله غمه وهمه وأبدله مَكَانَهُ فَرحا (قَالُوا يَا رَسُول الله أَفلا نتعلمهن قَالَ (بلَى يَنْبَغِي لمن سمعهن أَن يتعلمهن (فقد بَين ان كل قَضَائِهِ فِي عَبده عدل وَلِهَذَا يُقَال كل نعْمَة مِنْهُ فضل وكل نقمة مِنْهُ عدل وَيُقَال أطعتك بِفَضْلِك والْمنَّة لَك وعصيتك بعدلك وَالْحجّة لَك فأسألك بِوُجُوب حجتك عَليّ وَانْقِطَاع حجتي الا مَا غفرت لي وَهَذِه المناظرة من إِيَاس كَمَا قَالَ ربيعَة بن عبد الرَّحْمَن لغيلان حِين قَالَ لَهُ غيلَان ناشدتك الله أَتَرَى الله يحب أَن يعْصى فَقَالَ ناشدتك الله أَتَرَى الله يعْصى قهرا فَكَأَنَّمَا ألقمه حجرا فان قَوْله يجب ان يعْصى لفظ فِيهِ إِجْمَال وَقد لَا يَتَأَتَّى فِيهِ المناظرة تَفْسِير المجملات خوفًا من لدد الْخصم فَيُؤتى بالواضحات فَقَالَ أفتراه يعْصى قهرا فان هَذَا إِلْزَام لَهُ بِالْعَجزِ الَّذِي هُوَ لَازم الْقَدَرِيَّة وَلمن هُوَ شَرّ مِنْهُم من الدهرية الفلاسفة وَغَيرهم فَكَذَلِك إِيَاس رأى أَن هَذَا الْجَواب المطابق لحدهم خَاصم لَهُم وَلم يدْخل مَعَهم فِي التَّفْصِيل الَّذِي يطول وبالجملى فَقَوله تَعَالَى ﴿وَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن فَلَا يخَاف ظلما وَلَا هضما﴾ طه ١١٢ قَالَ أهل التَّفْسِير من السّلف لَا يخَاف أَن يظلم فَيحمل عَلَيْهِ سيئات غَيره وَلَا يهضم فينقص من حَسَنَاته وَلَا يجوز أَن يكون هَذَا الظُّلم هُوَ شَيْء مُمْتَنع غير مَقْدُور عَلَيْهِ فَيكون التَّقْدِير وَلَا يخَاف مَا هُوَ مُمْتَنع لذاته خَارج

стр. 60

عَن الممكنات والمقدورات فان مثل هَذَا إِذا لم يكن وجوده مُمكنا حَتَّى تقولا إِنَّه غير مَقْدُور وَلَو أَرَادَهُ لخلق الْمثل فَكيف يعقل وجوده فضلا عَن أَن يتَصَوَّر خَوفه حَتَّى ينفى خَوفه ثمَّ أَي فَائِدَة فِي نفي خوف هَذَا وَقد علم من سِيَاق الْكَلَام أَن الْمَقْصُود بَيَان أَن هَذَا الْعَامِل المحسن يجزى على حَسَنَاته بِلَا ظلم وَلَا هضم فَعلم ان الظُّلم الْمَنْفِيّ يتَعَلَّق بالجزاء كَمَا ذكره أهل التَّفْسِير وَأَن الله لَا يجْزِيه الا بِعَمَلِهِ الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة ان النَّاس لَهُم فِي افعال الله بِاعْتِبَار مَا يصلح مِنْهُ وَمَا يجوز مِنْهُ وَمَا لَا يجوز مِنْهُ ثَلَاثَة اقوال طرفان ووسط فالطرف الْوَاحِد طرف الْقَدَرِيَّة وهم الَّذين حجروا عَلَيْهِ أَن لَا يفعل إِلَّا مَا ظنُّوا بعقولهم أَنه الْجَائِز لَهُ حَتَّى وضعُوا لَهُ شَرِيعَة التَّعْدِيل والتجويز فأوجبوا عَلَيْهِ بعقولهم امورا كَثِيرَة وحرموا عَلَيْهِ بعقولهم أمورا كَثِيرَة لَا بِمَعْنى أَن الْعقل آمُر لَهُ وناه فَإِن هَذَا لَا يَقُوله عَاقل بل بِمَعْنى ان تِلْكَ الافعال علم بِالْعقلِ وُجُوبهَا وتحريمها وَلَكِن أدخلُوا فِي ذَلِك من الْمُنْكَرَات مَا بنوه على تكذيبهم بِالْقدرِ وتوابع ذَلِك والطرف الثَّانِي طرف الغلاة فِي الرَّد عَلَيْهِم وهم الَّذين قَالُوا لَا ينزه الله عَن فعل من الافعال وَلَا يعلم وَجه امْتنَاع جعل مِنْهُ الا من جِهَة خَبره أَنه لَا يَفْعَله المطابق لعلمه أَنه لَا يَفْعَله وَهَؤُلَاء منعُوا حَقِيقَة مَا أخبر من أَنه كتب على نَفسه الرَّحْمَة وَحرم على نَفسه الظُّلم قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا جَاءَك الَّذين يُؤمنُونَ بِآيَاتِنَا فَقل سَلام عَلَيْكُم كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة﴾ الانعام ٥٤ وَفِي (الصَّحِيحَيْنِ (عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِن الله لما قضى الْخلق كتب على نَفسه كتابا فَهُوَ مَوْضُوع عِنْده فَوق الْعَرْش إِن رَحْمَتي تغلب عضبي (أَو لم يعلم هَؤُلَاءِ أَن الْخَبَر الْمُجَرّد المطابق للْعلم لَا يبين وَجه فعله وَتَركه إِذْ الْفِعْل يُطَابق الْمَعْلُوم فَعلمه بِأَنَّهُ يفعل هَذَا وانه لَا يفعل هَذَا لَيْسَ فِيهِ تعَارض لِأَنَّهُ

стр. 61

كتب هَذَا على نَفسه وَحرم هَذَا على نَفسه كَمَا لَو أخبر عَن كَائِن من كَانَ أَنه يفعل كَذَا أَولا يفعل كَذَا لم يكن فِي هَذَا بَيَان لكَونه مَحْمُودًا ممدوحا على فعل هَذَا وَترك هَذَا وَلَا فِي ذَلِك مَا يبين قيام الْمُقْتَضِي لهَذَا وَالْمَانِع من هَذَا فَإِن الْخَبَر الْمُصَفّى كاشف عَن الْمخبر عَنهُ لَيْسَ فِيهِ بَيَان مَا يَدْعُو الى الْفِعْل وَلَا الى التّرْك بِخِلَاف قَوْله كتب على نَفسه الرَّحْمَة وَحرم على نَفسه الظُّلم فان التَّحْرِيم مَانع من الْفِعْل وكتابته على نَفسه دَاعِيَة من الْفِعْل وَهَذَا بَين وَاضح اذ لَيْسَ المُرَاد بذلك مُجَرّد كِتَابَته أَنه يفعل وَهُوَ كِتَابَة التَّقْدِير كَمَا ثَبت فِي (الصَّحِيح ((انه قدر مقادير الْخَلَائق قبل أَن يخلق السَّمَوَات والارض بِخَمْسِينَ الف سنة وعرشه على المَاء (فانه قَالَ كتب على نَفسه الرَّحْمَة وَلَو أُرِيد كِتَابَة التَّقْدِير لَكَانَ قد كتب على نَفسه الْغَضَب كَمَا كتب على نَفسه الرَّحْمَة إِذْ كَانَ المُرَاد مُجَرّد الْخَبَر عَمَّا سَيكون ولكان قد حرم على نَفسه كل مَا لم يَفْعَله من الاحسان كَمَا حرم الظُّلم فَفرق بَين فعله سُبْحَانَهُ وَبَين مَا هُوَ مفعول مَخْلُوق لَهُ وَلَيْسَ فِي مخلوقه مَا هُوَ ظلم مِنْهُ وان كَانَ بِالنِّسْبَةِ الى فَاعله الَّذِي هُوَ الانسان هُوَ ظلم كَمَا أَن أَفعَال الانسان هِيَ بِالنِّسْبَةِ أليه تكون سَرقَة وزنا وَصَلَاة وصوما وَالله تَعَالَى خَالِقهَا بمشيئته وَلَيْسَ بِالنِّسْبَةِ أليه كَذَلِك إِذْ هَذِه الاحكام هِيَ للْفَاعِل الَّذِي قَامَ بِهِ هَذَا الْفِعْل كَمَا أَن الصِّفَات هِيَ صِفَات للموصوف الَّذِي قَامَت بِهِ لَا للخالق الَّذِي خلقهَا وَجعلهَا صِفَات وَالله تَعَالَى خَالق كل صانع وصنعته كَمَا جَاءَ ذَلِك فِي الحَدِيث وَهُوَ خَالق كل مَوْصُوف وَصفته ثمَّ صِفَات الْمَخْلُوقَات لَيست صِفَات لَهُ كالألوان والطعوم والروائح لعدم قيام ذَلِك بِهِ وَكَذَلِكَ حركات الْمَخْلُوقَات لَيست حركات لَهُ وَلَا أَفعَال لَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَار لكَونهَا مفعولات هُوَ خلقهَا وَبِهَذَا الْفرق تَزُول شبه كَثِيرَة والامر الَّذِي كتبه على نَفسه يسْتَحق عَلَيْهِ الْحَمد وَالثنَاء وَهُوَ

стр. 62

مقدس عَن ترك هَذَا الَّذِي لَو تَركه لَكَانَ تَركه نقصا وَكَذَلِكَ الامر الَّذِي حرمه على نَفسه يسْتَحق الْحَمد وَالثنَاء على تَركه وَهُوَ مقدس عَن فعله الَّذِي لَو كَانَ لاوجب نقصا وَهَذَا بَين وَللَّه الْحَمد عِنْد الَّذين أُوتُوا الْعلم والايمان وَهُوَ أَيْضا مُسْتَقر فِي عُمُوم الْمُؤمنِينَ وَلَكِن الْقَدَرِيَّة شبهوا على النَّاس بشبههم فقابلهم من قابلهم بِنَوْع من الْكَلَام الْبَاطِل كَالْكَلَامِ الَّذِي كَانَ السّلف والائمة يذمونه وَذَلِكَ أَن المعتزله قَالُوا قد حصل الِاتِّفَاق على أَن الله لَيْسَ بظالم كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة والظالم من فعل الظُّلم كَمَا أَن الْعَادِل من فعل الْعدْل هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف عِنْد النَّاس من مُسَمّى هَذَا الِاسْم سمعا وعقلا قَالُوا وَلَو كَانَ الله خَالِقًا لافعال الْعباد الَّتِي هِيَ الظُّلم لَكَانَ ظَالِما فعارضهم هَؤُلَاءِ بِأَن قَالُوا لَيْسَ الظَّالِم من فعل الظُّلم بل الظَّالِم من قَامَ بِهِ الظُّلم وَقَالَ بَعضهم الظَّالِم من اكْتسب الظُّلم وَكَانَ مَنْهِيّا عَنهُ وَقَالَ بَعضهم الظَّالِم من فعل محرما عَلَيْهِ أَو مَنْهِيّا عَنهُ وَمِنْهُم من قَالَ من فعل الظُّلم لنَفسِهِ وَهَؤُلَاء يعنون أَن يكون لَهُ وَالْمحرم عَلَيْهِ غَيره الَّذِي يجب عَلَيْهِ طَاعَته وَلِهَذَا كَانَ تصور الظُّلم مِنْهُ مُمْتَنعا عِنْدهم لذاته كامتناع أَن يكون فَوْقه آمُر لَهُ ومساو وَيمْتَنع عِنْد الطَّائِفَتَيْنِ أَن يعود إِلَى الرب تَعَالَى من أَفعاله حكم لنَفسِهِ وَهَؤُلَاء لم يُمكنهُم أَن ينازعوا أُولَئِكَ فِي أَن الْعَادِل من فعل الْعدْل بل سلمُوا ذَلِك لَهُم وَإِن نازعهم بعض النَّاس مُنَازعَة عنادية وَالَّذِي يكْشف تلبيس الْمُعْتَزلَة ان يُقَال لَهُم الظَّالِم والعادل الَّذِي يعرفهُ النَّاس وَإِن كَانَ فَاعِلا للظلم وَالْعدْل فَذَلِك قَائِم بِهِ أَيْضا وَلَا يعرف النَّاس من يُسمى ظَالِما وَلم يقم بِهِ الْفِعْل الَّذِي صَار بِهِ ظَالِما بل لَا يعْرفُونَ ظَالِما إِلَّا من قَامَ بِهِ الْفِعْل الَّذِي فعله وَبِه صَار ظَالِما وَإِن كَانَ فعله مُتَعَلقا بِغَيْرِهِ وَله مفعول مُنْفَصِل عَنهُ لَكِن لَا يعْرفُونَ الظَّالِم إِلَّا بِأَن يكون قد قَامَ بِهِ ذَلِك فكونكم

стр. 63

أَخَذْتُم فِي حد الظَّالِم أَنه من فعل الظُّلم وعنيتم بذلك من فعله فِي غَيره فَهَذَا تلبيس وإفساد للشَّرْع وَالْعقل واللغة كَمَا فَعلْتُمْ فِي مُسَمّى الْمُتَكَلّم حَيْثُ قُلْتُمْ هُوَ من فعل الْكَلَام وَلَو فِي غَيره فجعلتم من أحدث كلَاما مُنْ فَصِل ا عَنهُ قَائِما بِغَيْرِهِ متكلما وان لم يقم بِهِ هُوَ كَلَام أصلا وَهَذَا من أعظم الْبُهْتَان والقرمطة والسفسطة وَلِهَذَا ألزمهم السّلف أَن يكون مَا أحدثه من الْكَلَام فِي الجمادات كَلَامه وَكَذَلِكَ أَيْضا مَا خلقه فِي الْحَيَوَانَات وَلَا يفرق حِينَئِذٍ بَين نطق وأنطق وَإِنَّمَا قَالَت الْجُلُود أنطقنا الله الَّذِي أنطق كل شَيْء وَلم تقل نطق الله بذلك وَلِهَذَا قَالَ من قَالَ من السّلف كسليمان بن دَاوُد الْهَاشِمِي وَغَيره مَا مَعْنَاهُ إِنَّه على هَذَا يكون الْكَلَام الَّذِي خلق فِي فِرْعَوْن حِين قَالَ ﴿أَنا ربكُم الْأَعْلَى﴾ النازعات ٢٤ كَالْكَلَامِ الَّذِي خلقه فِي الشَّجَرَة حَتَّى قَالَت ﴿إِنَّنِي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا﴾ فإمَّا أَن يكون فِرْعَوْن محقا وَإِمَّا أَن تكون الشَّجَرَة كفرعون والى هَذَا الْمَعْنى تنحو الاتحادية من الْجَهْمِية وينشدون ... وكل كَلَام فِي الْوُجُود كَلَامه ... سَوَاء علينا نثره ونظامه ... وَالْمَقْصُود الْكَلَام على قَول النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى وَالْعَبْد عِنْدهم فَلَيْسَ بفاعل وَسَيَأْتِي لهَذَا الْمقَام زِيَادَة بسط بحول الله تَعَالَى فِي الْكَلَام على قَوْله وَقضى بِأَن الله لَيْسَ بفاعل الخ فصل ... وكذاك قَالُوا مَاله من حِكْمَة ... هِيَ غَايَة للامر والاتقان ...

стр. 64

.. مَا ثمَّ غير مَشِيئَة قد رجحت مثلا على مثل بِلَا رُجْحَان ... هَذَا وَمَا تِلْكَ الْمَشِيئَة وَصفه بل ذَاته أَو فعله قَولَانِ ... وَكَلَامه مذكان غيرا كَانَ مخ لوقا لَهُ من جملَة الاكوان ... قَالُوا وَإِقْرَار الْعباد بِأَنَّهُ خلاقهم هُوَ مُنْتَهى الايمان ... وَالنَّاس فِي الايمان شَيْء وَاحِد كالمشط عِنْد تماثل الاسنان ... فاسأل أَبَا جهل وشيعته وَمن ولاهم من عابدي الاوثان ... وسل الْيَهُود وكل أقلف مُشْرك عبد الْمَسِيح مقبل الصلبان ... واسأل ثَمُود وَعَاد بل سل قبلهم أَعدَاء نوح أمة الطوفان ... واسأل أَبَا الْجِنّ اللعين اتعرف ال خلاق أم أَصبَحت ذَا نكران ... واسأل شرار الْخلق أَعنِي أمة لوطية هم ناكحو الذكران ... واسأل كَذَاك إِمَام كل معطل فِرْعَوْن مَعَ قَارون مَعَ هَارُون ... هَل كَانَ فيهم مُنكر للخالق الرب الْعَظِيم مكون الا كوان ... فليبشروا مَا فيهم من كَافِر هم عِنْد جهم كاملو الايمان ... أَي ان الْجَهْمِية نفت الْحِكْمَة فِي خلقه تَعَالَى فعندهم أَنه لَا حِكْمَة فِي الامر وَالنَّهْي بل مَا ثمَّ الا التَّرْجِيح بِمُجَرَّد الْمَشِيئَة بل خلق الْمَخْلُوقَات وَأمر بالمأمورات لمحض الْمَشِيئَة وَصرف الارادة وَهَذَا قَول جُمْهُور من

стр. 65

يثبت الْقدر وينتسب الى السّنة من أهل الْكَلَام وَالْفِقْه وَغَيرهم وَهُوَ قَول ابي الْحسن الاشعري وَأَصْحَابه وَهُوَ قَول كثير من نفاة الْقيَاس فِي الْفِقْه من الظَّاهِرِيَّة كَابْن حزم وَأَمْثَاله قَالَ شيخ الاسلام لأهل السّنة فِي تَعْلِيل أَفعَال الله تَعَالَى واحكامه قَولَانِ والاكثرون على التَّعْلِيل وَالْحكمَة وَهل هِيَ مُنْفَصِلَة عَن الرب لَا تقوم بِهِ اَوْ قَائِمَة مَعَ ثُبُوت الحكم الْمُنْفَصِل لَهُم فِيهِ أَيْضا قَولَانِ وَهل يتسلسل الحكم أَولا يتسلسل اَوْ يتسلسل فِي الْمُسْتَقْبل دون الْمَاضِي فِيهِ أَقْوَال قَالَ احْتج المثبتون للحكمة وَالْعلَّة بقوله تَعَالَى ﴿من أجل ذَلِك كتبنَا على بني إِسْرَائِيل﴾ الْبَقَرَة ١٤٣ وَقَوله ﴿كي لَا يكون دولة﴾ الْحَشْر ٧ وَقَوله ﴿وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا إِلَّا لنعلم﴾ الْبَقَرَة ١٤٣ ونظائرها ولانه تَعَالَى حَكِيم شرع الاحكام لحكمة ومصلحة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين﴾ الانبياء ١٠٧ والاجماع وَاقع على اشْتِمَال الافعال على الحكم والمصالح جَوَازًا عِنْد أهل السّنة ووجوبا عِنْد الْمُعْتَزلَة فيفعل مَا يُرِيد بِحِكْمَتِهِ وَقد أَطَالَ النَّاظِم ﵀ فِي كِتَابه (شرح منَازِل السائرين ((ومفتاح دَار السَّعَادَة (وَغَيرهمَا فمما احْتج بِهِ فِي (مِفْتَاح دَار السَّعَادَة (قَوْله تَعَالَى ﴿أم حسب الَّذين اجترحوا السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء محياهم ومماتهم سَاءَ مَا يحكمون﴾ الجاثية ٢١ فَدلَّ على أَن هَذَا حكم بِشَيْء يتنزه الله عَنهُ فَأنكرهُ من جِهَة كَونه أَنه لَا يكون وَمن هَذَا إِنْكَاره تَعَالَى على من جوز أَن يتْرك عباده سدى لَا يَأْمُرهُم وَلَا ينهاهم وَلَا يثيبهم وَلَا يعاقبهم وان هَذَا الحسبان بَاطِل وَالله متعال عَنهُ لمنافاته لحكمته فَقَالَ تَعَالَى ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى﴾

стр. 66

الْقِيَامَة ٣٦ فَأنْكر سُبْحَانَهُ على من زعم أَنه يتْرك سدى إِنْكَار من جعل فِي الْعقل استقباح ذَلِك واستهجانه وانه لَا يَلِيق أَن ينْسب ذَلِك الى أحكم الْحَاكِمين وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا وأنكم إِلَيْنَا لَا ترجعون فتعالى الله الْملك الْحق لَا إِلَه إِلَّا هُوَ رب الْعَرْش الْكَرِيم﴾ الْمُؤْمِنُونَ ١١٥ فنزه نَفسه سُبْحَانَهُ وباعدها عَن هَذَا الحسبان وَأَنه متعال عَنهُ فَلَا يَلِيق بِهِ لقبحه ومنافاته الْحِكْمَة وَهَذَا يدل على اثبات الْمعَاد بِالْعقلِ كَمَا يدل على اثباته بِالسَّمْعِ ثمَّ انه ﵀ بسط القَوْل ووسع الْعبارَة فِي أَزِيد من عشرَة كراريس وَفِي (منهاج السّنة النَّبَوِيَّة (لشيخ الاسلام قَالَ اجْمَعْ الْمُسلمُونَ على أَن الله تَعَالَى مَوْصُوف بالحكمة وَلَكِن تنازعوا فِي تَفْسِير ذَلِك فَقَالَت طَائِفَة الْحِكْمَة ترجع إِلَى علمه بِأَفْعَال الْعباد وإقاعها على الْوَجْه الَّذِي أَرَادَهُ وَلم يثبتوا إِلَّا الْعلم والارادة وَالْقُدْرَة وَقَالَ الْجُمْهُور من أهل السّنة وَغَيرهم بل هُوَ حَكِيم فِي خلقه وَأمره وَالْحكمَة لَيست مُطلق الْمَشِيئَة اذ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ كل مُرِيد حكيما وَمَعْلُوم أَن الارادة تَنْقَسِم الى محمودة ومذمومة بل تَتَضَمَّن تَتَضَمَّن مَا فِي خلقه وَأمره من العواقب المحمودة والغايات المحبوبة وَالْقَوْل باثبات هَذِه الْحِكْمَة لَيْسَ هُوَ قَول الْمُعْتَزلَة وَمن وافقهم من الشِّيعَة فَقَط بل هُوَ قَول جَمَاهِير طوائف الْمُسلمين من أهل التَّفْسِير وَالْفِقْه والْحَدِيث والتصوف وَالْكَلَام وَغَيرهم فأئمة الْفُقَهَاء متفقون على إِثْبَات الْحِكْمَة والمصالح فِي احكامه الشَّرْعِيَّة انما تنَازع فِي ذَلِك طَائِفَة من نفاة الْقدر وَغير نفاته وَكَذَلِكَ مَا فِي خلقه من الْمَنَافِع وَالْحكم والمصالح لِعِبَادِهِ مَعْلُوم واصحاب القَوْل الاول كجهم بن صَفْوَان وموافقيه كالاشعري وَمن وَافقه من الْفُقَهَاء من اصحاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَغَيرهم يَقُولُونَ لَيْسَ فِي الْقُرْآن لَام فِي تَعْلِيل أَفعَال الله بل لَيْسَ فِيهِ الا لَام الْعَاقِبَة اما الْجُمْهُور فَيَقُولُونَ

стр. 67

لَام التَّعْلِيل دَاخِلَة فِي أَفعَال الله واحكامه وَالْقَاضِي ابو يعلى وابو الْحسن ابْن الزَّعْفَرَانِي وَنَحْوهمَا من اصحاب احْمَد وَإِن كَانُوا قد يَقُولُونَ بِالْأولِ فهم يَقُولُونَ بِالثَّانِي أَيْضا فِي غير مَوضِع وَكَذَلِكَ امثالهم من الْفُقَهَاء أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهمَا واما ابْن عقيل فِي بعض الْمَوَاضِع وَالْقَاضِي ابو حَازِم ابْن القَاضِي ابي يعلي وابو الْخطاب فيصرحون بِالتَّعْلِيلِ وَالْحكمَة فِي أَفعَال الله مُوَافقَة لمن قَالَ ذَلِك من اهل النّظر وَالْحَنَفِيَّة هم من أهل السّنة الْقَائِلين بِالْقدرِ وجمهورهم يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيلِ والمصالح والكرامية وامثالهم هم أَيْضا من الْقَائِلين بِالْقدرِ والمثبتين لخلافة الْخُلَفَاء المفضلين لأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وهم ايضا يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيلِ وَالْحكمَة وَكثير من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيلِ وَالْحكمَة بل وبالتحسين والتقبيح العقليين كَأبي بكر الْقفال وَأبي عَليّ ابْن أبي هُرَيْرَة وَغَيرهم من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأبي الْحسن التَّمِيمِي وَأبي الْخطاب من اصحاب أَحْمد انْتهى كَلَامه قَوْله وَكَلَامه مذ كَانَ الخ أَي إِن كَلَام الله غَيره عِنْدهم وَمَا كَانَ غير الله فَهُوَ مَخْلُوق بَائِن عَنهُ خلقه الله فِي بعض الاجسام نَحْو ذَلِك الْجِسْم ابْتِدَاء وَلَا يقوم عِنْدهم بِاللَّه كَلَام بل وَلَا ارادة قَول وَقد حقق النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ذَلِك بِمَا يزِيل اللّبْس والايهام فَقَالَ فِي كِتَابه (بَدَائِع الْفَوَائِد اللَّفْظ (الْمُؤلف من الزاء وَالْيَاء وَالدَّال مثلا لَهُ حَقِيقَة متميزة متحصلى فَاسْتحقَّ ان يوضع لَهُ لفظ يدل عَلَيْهِ لانه شَيْء مَوْجُود فِي اللِّسَان مسموع الآذان فاللفظ الْمُؤلف من همزَة الْوَصْل وَالسِّين وَالْمِيم عبارَة عَن اللَّفْظ الْمُؤلف من الزَّاي وَالْيَاء وَالدَّال مثلا وَاللَّفْظ الْمُؤلف من الزاء وَالْيَاء وَالدَّال عبارَة عَن الشَّخْص الْمَوْجُود فِي الاعيان والاذهان وَهُوَ الْمُسَمّى وَالْمعْنَى وَاللَّفْظ الدَّال عَلَيْهِ هُوَ الِاسْم وَهَذَا اللَّفْظ ايضا قد صَار مُسَمّى من حَيْثُ كَانَ لفظ الْهمزَة وَالسِّين وَالْمِيم عبارَة عَنهُ فقد بَان لَك أَن الِاسْم فِي أصل الْوَضع لَيْسَ

стр. 68

هُوَ الْمُسَمّى وَلِهَذَا تَقول سميت هَذَا الشَّخْص بِهَذَا الِاسْم كَمَا تَقول حليته بِهَذِهِ الْحِلْية فالحلية غير الْمحلى فَكَذَلِك الِاسْم غير الْمُسَمّى وَقد صرح بذلك سِيبَوَيْهٍ وَأَخْطَأ من نسب إِلَيْهِ غير هَذَا وَادّعى أَن مذْهبه اتحادهما قَالَ النَّاظِم وَمَا قَالَ نحوي قطّ وَلَا عَرَبِيّ ان الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى وَيَقُولُونَ أجل مُسَمّى وَلَا يَقُولُونَ أجل اسْم وَيَقُولُونَ مُسَمّى هَذَا الِاسْم كَذَا وَلَا يَقُول أحد اسْم هَذَا الِاسْم كَذَا وَيَقُولُونَ بِسم الله وَلَا يَقُولُونَ بمسمى الله وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما (وَلَا يَصح أَن يُقَال تِسْعَة وَتسْعُونَ مُسَمّى ونظائره كَثِيرَة جدا وَقَالَ واذا ظهر الْفرق بَين الِاسْم والمسمى فَبَقيَ هُنَا التَّسْمِيَة وَهِي الَّتِي اغْترَّ بهَا من قَالَ باتحاد الِاسْم والمسمى وَالتَّسْمِيَة عبارَة عَن فعل الْمُسَمّى وَوَضعه الِاسْم للمسمى كَمَا أَن التحلية عبارَة عَن فعل الْمحلي وَوَضعه الْحِلْية على الْمحلى فَهُنَا ثَلَاث حقائق اسْم ومسمى وَتَسْمِيَة كحلية ومحلى وتحلية وعلامة ومعلم وَتَعْلِيم وَلَا سَبِيل إِلَى جعل اللَّفْظَيْنِ مِنْهَا مترادفين على معنى وَاحِد لتباين حقائقها فاذا جعل الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى بَطل وَاحِد من هَذِه الْحَقَائِق الثَّلَاثَة ولابد فان قيل مَا شُبْهَة من قَالَ باتحادهما فَالْجَوَاب شبهته أَشْيَاء مِنْهَا أَن الله تَعَالَى هُوَ وَحده الْخَالِق وَمَا سواهُ مَخْلُوق فَلَو كَانَت مخلوقة للَزِمَ أَن لَا يكون لَهُ اسْم فِي الازل وَلَا صفة لَان أسماءه صِفَات وَهَذَا أعظم مَا قاد متكلمي الاثبات الى القَوْل باتحادهما وَالْجَوَاب عَن كشف هَذِه الشُّبْهَة أَن منشأ الْغَلَط فِي هَذَا الْبَاب من إِطْلَاق أَلْفَاظ مجملة مُحْتَملَة لمعنيين حق وباطل فَلَا ينْفَصل النزاع الا بتفصيل تِلْكَ الْمعَانِي وتنزيل أَلْفَاظه عَلَيْهَا وَلَا ريب أَن الله تَعَالَى لم يزل وَلَا يزَال مَوْصُوفا بِصِفَات الْكَمَال المشتقة أسماؤه مِنْهَا فَلم يزل بصفاته وأسمائه وَهُوَ إِلَه وَاحِد لَهُ الاسماء الْحسنى وَالصِّفَات العلى

стр. 69

وَصِفَاته وأسماؤه دَاخِلَة فِي مُسَمّى اسْمه وان كَانَ لَا يُطلق على الصّفة أَنَّهَا إِلَه يخلق ويرزق فَلَيْسَتْ صِفَاته وأسماؤه غَيره وَلَيْسَت هِيَ نفس الاله وبلاء الْقَوْم من لَفظه الْغَيْر فانها يُرَاد بهَا مَعْنيانِ أَحدهمَا المغاير لتِلْك الذَّات المسمات بِاللَّه وكل مَا غاير الله مُغَايرَة مَحْضَة بِهَذَا الِاعْتِبَار فَلَا يكون الا مخلوقا وَيُرَاد بِهِ مُغَايرَة الصّفة للذات اذا جردت عَنْهَا فاذا قيل علم الله وَكَلَام الله غَيره بِمَعْنى أَنه غير الذَّات الْمُجَرَّدَة عَن الْعلم وَالْكَلَام كَانَ الْمَعْنى صَحِيحا وَلَكِن الاطلاق بَاطِل فاذا اريدان الْعلم وَالْكَلَام مُغَاير لحقيقتة المختصة الَّتِي امتاز بهَا عَن غَيره كَانَ بَاطِلا لفظا وَمعنى وَبِهَذَا أجَاب اهل السّنة الْمُعْتَزلَة الْقَائِلين بِخلق الْقُرْآن وَقَالُوا كَلَامه تَعَالَى دَاخل فِي مُسَمّى اسْمه فَالله تَعَالَى اسْم للذات الموصوفة بِصِفَات الْكَمَال وَمن تِلْكَ الصِّفَات صفة الْكَلَام كَمَا أَن علمه وَقدرته وحياته ومسمعه وبصره غير مخلوقة وَإِذا كَانَ الْقُرْآن كَلَامه وَهُوَ صفة من صِفَاته فَهُوَ مُتَضَمّن لاسمائه الْحسنى فاذا كَانَ الْقُرْآن غير مَخْلُوق وَلَا يُقَال انه غير الله فَكيف يُقَال ان بعض مَا تضمنه وَهُوَ أمساؤه مخلوقة وَهِي غَيره فقد حصحص الْحق بِحَمْد الله وانحسم الاشكال وَإِن اسماءه الْحسنى الَّتِي فِي الْقُرْآن من كَلَامه وَكَلَامه غير مَخْلُوق وَلَا يُقَال هُوَ غَيره وَلَا هُوَ هُوَ وَهَذَا الْمَذْهَب مُخَالف لمَذْهَب الْمُعْتَزلَة الَّذين يَقُولُونَ أسماؤه غَيره وَهِي مخلوقة ولمذهب من رد عَلَيْهِم مِمَّن يَقُول اسْمه نفس ذَاته لَا غَيره وبالتفصيل تَزُول الشُّبْهَة ويتبين الصَّوَاب ثمَّ ذكر حجج الْقَائِلين بِأَن الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى وَأجَاب عَنْهَا وَأطَال وأطاب رَحمَه الله تَعَالَى وَالله أعلم قَوْله وَإِقْرَار الْعباد بِأَنَّهُ خلاقهم هُوَ مُنْتَهى الايمان هَذَا بَيَان لمَذْهَب جهم واتباعه فِي الايمان وَذَلِكَ أَن مَذْهَبهم ان الايمان هُوَ الْمعرفَة والتصديق أَي الاقرار بِاللَّه تَعَالَى وَبِأَنَّهُ خَالق الْعَالم والاقوال والاعمار عِنْدهم لَيست من الايمان وَهَذَا مَذْهَب الصَّالِحِي وَالشَّيْخ ابي الْحسن الاشعر فِي الْمَشْهُور من قوليه

стр. 70

وَعِنْدهم أَن ايمان النَّاس سَوَاء وَأَن الايمان لَا يتفاضل بل ايمان أصدق النَّاس وأبرهم كَإِيمَانِ افسقهم وأفجرهم وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم ... وَالنَّاس فِي الايمان شَيْء وَاحِد ... كالمشط عِنْد تماثل الاسنان ... ثمَّ قَالَ على سَبِيل الالزام فاسأل ابا جهل وشيعته واسأل الْيَهُود وَثَمُود وَعَاد وَقوم نوح وابليس وَقوم لوط وَفرْعَوْن وَقَارُون وهامان أَي إِن جَمِيع هَؤُلَاءِ معترفون بالخالق فاذا كَانَ الايمان هُوَ التَّصْدِيق كَمَا زعمت الْجَهْمِية فليبشر هَؤُلَاءِ أَن لَيْسَ فيهم كَافِر على مَذْهَب الْجَهْمِية لأَنهم مصدقون بِاللَّه سُبْحَانَهُ وَالله أعلم فصل ... وَقضى بِأَن الله كَانَ معطلا وَالْفِعْل مُمْتَنع بِلَا إِمْكَان ... ثمَّ اسْتَحَالَ وَصَارَ مَقْدُورًا لَهُ من غير أَمر قَامَ بالديان ... بل حَاله سُبْحَانَهُ فِي ذَاته قبل الْحُدُوث وَبعده سيان ... قَوْله وَقضى الخ قَالَ فِي (النِّهَايَة (قد تكَرر فِي الحَدِيث ذكر الْقَضَاء وَأَصله الْفَصْل وَالْقطع يُقَال قضى يقْضِي قَضَاء فَهُوَ قَاض إِذا حكم وَفصل وَقَضَاء الشَّيْء احكامه وامضاءه والفراغ مِنْهُ فَيكون بِمَعْنى الْخلق وَقَالَ الازهري الْقَضَاء فِي اللُّغَة على وُجُوه مرجعها الى انْقِطَاع الشَّيْء واتمامه وكل مَا أحكم علمه أَو أتم أَو حتم أَو أُدي أَو أوجب أَو أعلم أَو أنفذ اَوْ امْضِي قَالَ وَقد جَاءَت هَذِه الْوُجُوه كلهَا فِي الاحاديث

стр. 71

وَمِنْه الْقَضَاء المقرون بِالْقدرِ فالقضاء وَالْقدر أَمْرَانِ متلازمان لَا يَنْفَكّ أَحدهمَا عَن الآخر لِأَن أَحدهمَا بِمَنْزِلَة الأساس وَهُوَ الْقدر وَالْآخر بِمَنْزِلَة الْبناء وَهُوَ الْقَضَاء فَمن رام الْفَصْل بَينهمَا فقد رام هدم الْبناء ونقضه انْتهى أَي وَقضى جهم وَحكم بِأَن الله كَانَ معطلا فِي الْأَزَل تَعَالَى الله عَن ذَلِك لَا يفعل شَيْئا ثمَّ فعل من غير أَمر قَامَ بِهِ سُبْحَانَهُ وَذَلِكَ فرار من القَوْل بدوام فاعلية الرب ولنبسط الْكَلَام على هَذِه الْمَسْأَلَة بحول الله تَعَالَى فَنَقُول قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي الْمَسْأَلَة المصرية فِي الْقُرْآن أعلم أَن الْمُتَكَلِّمين من الْجَهْمِية والمعتزلة وَمن تَبِعَهُمْ سلكوا فِي إِثْبَات حُدُوث الْعَالم وَإِثْبَات الصَّانِع طَريقَة مبتدعة فِي الشَّرْع مضطربة فِي الْعقل وأوجبوها وَزَعَمُوا أَنه لَا يُمكن معرفَة الصَّانِع إِلَّا بهَا وَتلك الطَّرِيق فِيهَا مُقَدمَات لَهَا نتائج مجملة فغلط كثير من سالكيها فِي مَقْصُود الشَّارِع وَمُقْتَضى الْعقل فَلم يفهموا مَا جَاءَت بِهِ النُّصُوص النَّبَوِيَّة وَلم يحرروا مَا اقتضته الدَّلَائِل الْعَقْلِيَّة وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا لَا يُمكن معرفَة الصَّانِع إِلَّا باثبات حُدُوث الْعَالم وَلَا يُمكن إِثْبَات حُدُوث الْعَالم الا بِإِثْبَات حُدُوث الْأَجْسَام قَالُوا وَالطَّرِيق إِلَى ذَلِك هُوَ الإستدلال بحدوث الْأَعْرَاض على حُدُوث مَا قَامَت بِهِ الْأَعْرَاض فَمنهمْ من احْتج بالحركة والسكون فَقَط وَمِنْهُم من احْتج بالاكوان الَّتِي هِيَ عِنْدهم الِاجْتِمَاع والإفتراق وَالْحَرَكَة والسكون وَمِنْهُم من احْتج بِالْإِعْرَاضِ مُطلقًا وَبني الدَّلِيل على أَن مَالا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث لِامْتِنَاع حوادث لَا أول لَهَا فَقَالَ لَهُم المعارضون لَهُم من أهل الْملَل وَغَيرهم أَنْتُم أثبتتم حُدُوث الْعَالم بطرِيق وحدوث الْعَالم لَا يتم إِلَّا مَعَ

стр. 72

نقيض مَا أثبتموه فَمَا جعلتموه دَلِيلا على حُدُوث الْعَالم لَا يدل على حُدُوثه بل وَلَا يسْتَلْزم حُدُوثه وَالدَّلِيل لَا بُد أَن يكون مستلزما للمدلول بِحَيْثُ يلْزم من تحقق الدَّلِيل تحقق الْمَدْلُول بل هُوَ منَاف لحدوث الْعَالم مُنَاقض لَهُ وَهُوَ يَقْتَضِي امْتنَاع حُدُوث الْعَالم بل امْتنَاع حُدُوثه شَيْء من الْأَشْيَاء وَهَذَا يَقْتَضِي بُطْلَانه فِي نَفسه وَأَنه لَو صَحَّ لم يدل إِلَّا على نقيض الْمَطْلُوب ونقيض مَا يَقُوله كل عَاقل فَإِن كل عَاقل يعلم يعلم حُدُوث الْحَوَادِث فِي الْجُمْلَة سَوَاء قيل بقدم الأفلاك أَو لم يقل بذلك وَذَلِكَ أَن مبْنى دليلكم على أَن الْقَادِر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بِلَا مُرَجّح الْإِرَادَة الأزلية الَّتِي نسبتها إِلَى جَمِيع المرادات على السوَاء ترجح مرَادا على مُرَاد بِلَا مُرَجّح غير الْمُرَجح الَّذِي نسبته إِلَى جَمِيع المرحجات نِسْبَة وَاحِدَة لَا تتفاضل وَمن الْمَعْلُوم أَن تَرْجِيح وجود الْمُمكن على عَدمه بِلَا مُرَجّح أَو تَرْجِيح أحد المتماثلين على الآخر بِلَا سَبَب يَقْتَضِي ذَلِك بَاطِل فِي بديهة الْعقل وَلَو قيل إِن ذَلِك صَحِيح لبطل الدَّلِيل الَّذِي يسْتَدلّ بِهِ على ثُبُوت الصَّانِع وحدوث الْعَالم فَإِن مبْنى الدَّلِيل على أَن الْمُحدث لَا بُد لَهُ من مُحدث وَذَلِكَ يسْتَلْزم أَن تَرْجِيح الْحُدُوث على الْعَدَم لَا بُد لَهُ من مرحج وَلَا بُد أَن يكون للمحدث مُرَجّح قد حدث مِنْهُ مَا يسْتَلْزم وجود الْمُحدث الَّذِي جعله مَوْجُودا وَإِلَّا إِذا لم يلْزم وجوده كَانَ وجوده جَائِزا مُمكنا كَانَ مُحْتملا للوجود والعدم فترجيح الْوُجُود على الْعَدَم لَا بُد لَهُ من مُرَجّح مُحدث لَهُ وكل مَا أمكن حُدُوثه إِن لم يحصل لَهُ مَا يسْتَلْزم حُدُوثه لم يحصل فَمَا شَاءَ الله كَانَ لَا محَالة وَوَجَب وجوده بِمَشِيئَة الله وَمَا لم يَشَأْ لم يكن بل يمْتَنع وجوده مَعَ عدم مَشِيئَة الله تَعَالَى فَمَا شَاءَ الله حُدُوثه كَانَ لَازم الْحُدُوث وَاجِب الْحُدُوث بمشيئته لَا بِنَفسِهِ وَمَا لم يَشَأْ حُدُوثه كَانَ مُمْتَنع الْحُدُوث لَازم الْعَدَم وَاجِب الْعَدَم لِأَنَّهُ لَا يُوجد

стр. 73

بِمَشِيئَة الله المستلزمة لحدوثه ثمَّ إِن الفلاسفة الدهرية الْقَائِلين بقدم الْعَالم قَالُوا مَا ذكرتموه من الدَّلِيل لَا يدل على الْحُدُوث بل يَقْتَضِي عدم الْحُدُوث لِأَن حُدُوث الْحَوَادِث عَن ذَات لم تزل معطلة عَن الْفِعْل بَاطِل فَيكون الْعَالم قَدِيما وعبروا عَن ذَلِك بِأَن جَمِيع الْأُمُور الْمُعْتَبرَة فِي كَونه فَاعِلا إِن وجدت فِي الْأَزَل لزم وجود الْفِعْل فِي الْأَزَل وَإِلَّا لزم تخلف الْمُقْتَضِي التَّام وَحِينَئِذٍ فَإِذا وجدت بعد ذَلِك لزم التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح وَإِن لم تُوجد فِي الْأَزَل فوجودها بعد ذَلِك أَمر حَادث فَيَقْتَضِي أمرا حَادِثا وَإِلَّا لزم الْحُدُوث بِلَا مُحدث وَحِينَئِذٍ فَيلْزم تسلسل الْحَوَادِث فَإِن القَوْل فِي هَذَا الْحَادِث كالقول فِي غَيره وَهَذَا مِمَّا يُنكره الْمُعْتَزلَة وموافقوهم المتكلمون قَالُوا فَأنْتم بَين أَمريْن إِمَّا إِثْبَات التسلسل فِي الْحَوَادِث وَإِمَّا إِثْبَات التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح وَكِلَاهُمَا مُمْتَنع عنْدكُمْ ثمَّ زعم هَؤُلَاءِ الفلاسفة أَن الْعَالم الْقَدِيم بِنَاء على هَذِه الْحجَّة وَمن سلك سَبِيل السّلف وَالْأَئِمَّة أثبت مَا أثْبته الرَّسُول من حُدُوث الْعَالم بِالدَّلِيلِ الْعقلِيّ الَّذِي لَا يحْتَمل النقيض وَبَين خطأ الْمُتَكَلِّمين من الْمُعْتَزلَة وَنَحْوهم الَّذين خالفوا السّلف وَالْأَئِمَّة بابتداع بِدعَة مُخَالفَة للشَّرْع وَالْعقل وَبَين أَن ضلال الفلاسفة الْقَائِلين بقدم الْعَالم ومخالفتهم لِلْعَقْلِ وَالشَّرْع أعظم من ضلال أُولَئِكَ وَبَيَان الِاسْتِدْلَال على حُدُوث الْعَالم لَا يحْتَاج إِلَى الطَّرِيق الَّتِي سلكها أُولَئِكَ المتكلمون بل يُمكن إِثْبَات حُدُوثه بطرِيق أُخْرَى صَحِيحَة لَا يعارضها عقل صَرِيح وَلَا نقل صَحِيح وَثَبت بذلك أَن كل مَا سوى الله فَإِنَّهُ مُحدث كَانَ بعد أَن لم يكن سَوَاء سمي جسما أَو عقلا أَو نفسا أَو غير ذَلِك فَإِن أُولَئِكَ الْمُتَكَلِّمين من الْمُعْتَزلَة وأتباعهم لما لم يكن فِي حجتهم إِلَّا إِثْبَات حُدُوث أجسام الْعَالم قَالَت الفلاسفة وَمن وفقهم من الْمُتَأَخِّرين كالشهرستاني والرازي والآمدي وَغَيرهم أَنكُمْ لم تُقِيمُوا دَلِيلا على نفي

стр. 74

مَا سوى الْأَجْسَام وَحِينَئِذٍ فإثبات حُدُوث أجسام الْعَالم لَا يَقْتَضِي حُدُوث مَا سوى الله إِن لم تبينوا أَن كل مَا سواهُ جسم وَأَنْتُم لم تثبتوا ذَلِك وَلِهَذَا صَار بعض الْمُتَأَخِّرين كالأرموي وَمن وَافقه إِلَى أَن أجسام الْعَالم محدثه وَأما الْعُقُول والنفوس فتوقفوا عَن حدوثها أَو قَالُوا بقدومها وَإِن كَانَ حَقِيقَة قَوْلهم إِنَّه مُوجب بِالذَّاتِ لَهَا وَإنَّهُ مُحدث للأجسام بِسَبَب حُدُوث لبَعض التصورات والإرادات الَّتِي تحدث للنفوس فَيصير ذَلِك سَببا لحدوث الْأَجْسَام وَهَذَا القَوْل كَمَا أَنه مَعْلُوم الْبطلَان فِي الشَّرْع فَهُوَ أَيْضا مَعْلُوم الْبطلَان فِي الْعقل كَمَا سنبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَنَقُول الدَّلِيل الدَّال على أَن كل مَا سوى الله مُحدث يتَنَاوَل هَذَا وَهَذَا وَأَيْضًا فَإِذا كَانَ مُوجبا بِالذَّاتِ كَانَ إختصاص حُدُوث أجسام الْعَالم بذلك الْوَقْت دون مَا قبله وَمَا بعده يفْتَقر إِلَى مُخَصص والموجب بِذَاتِهِ لَا يصدر عَنهُ مَا يخْتَص بِوَقْت دون وَقت إِذْ اَوْ جَازَ ذَلِك لم يكن مُوجبا بِذَاتِهِ ولجاز حُدُوث الْعَالم عَنهُ وَلِأَن النُّفُوس الَّتِي يثبتها الفلاسفة هِيَ عِنْد جمهورهم عرض قَائِم بجسم الْفلك فَيمْتَنع وجودهَا بِدُونِ الْفلك وَعند ابْن سينا وَطَائِفَة أَنَّهَا جَوْهَر قَائِم بِنَفسِهِ لَكِنَّهَا مُتَعَلقَة بالجسم تعلق التَّدْبِير والتصريف وَحِينَئِذٍ فَلَو وجدت وَلَا تعلق لَهَا بالجسم لم تكن نفسا بل كَانَت عقلا فَعلم أَن وجود النَّفس مُسْتَلْزم لوُجُود الْجِسْم فَإِذا قَالَ هَؤُلَاءِ إِن النَّفس أزلية دون الْأَجْسَام كَانَ هَذَا القَوْل بَاطِلا بِصَرِيح الْعقل مَعَ أَنه لم يعرف بِهِ قَائِل من الْعُقَلَاء من قبل كَانَ هَؤُلَاءِ وَإِنَّمَا الجأ هَؤُلَاءِ إِلَى هَذَا ظنهم صِحَة دَلِيل الْمُتَكَلِّمين على حُدُوث الْأَجْسَام وَصِحَّة قَول الفلاسفة بِوُجُود مَوْجُود مُمكن غير الْأَجْسَام وَإِثْبَات الْمُوجب بِالذَّاتِ فَلَمَّا بنوا قَوْلهم على الأَصْل الْفَاسِد لهَؤُلَاء ولهؤلاء لزم هَذَا مَعَ أَنهم متناقضون فِي الْجمع بَين هذَيْن فَإِن عُمْدَة الْمُتَكَلِّمين على إبِْطَال (حوادث لَا أَو ل لَهَا (وعمدة الفلاسفة على أَن المؤثرية من لَوَازِم

стр. 75

الْوَاجِب بِنَفسِهِ فَإِذا قَالُوا بقدم نفس لَهَا تصورات وإرادات لَا تتناهى لزم جَوَاز حوادث لَا تتناهى فَبَطل أصل قَول الْمُتَكَلِّمين الَّذِي بنوا عَلَيْهِ ٤ حُدُوث الْأَجْسَام فَكَانَ حِينَئِذٍ موافقتهم للمتكلمين بِلَا حجَّة عقلية فَعلم أَنهم جمعُوا بَين المتناقضين وَأَبُو عبد الله بن الْخَطِيب وَأَمْثَاله كَانُوا أفضل من هَؤُلَاءِ وَعرفُوا أَنه لَا يُمكن الْجمع بَين هَذَا وَهَذَا فَلم يَقُولُوا هَذَا القَوْل المتناقض وَلم يهتدوا إِلَى مَذْهَب السّلف وَالْأَئِمَّة وَإِن كَانُوا يذكرُونَ أُصُوله فِي مَوَاضِع أخر ويثبتون أَن جُمْهُور الْعُقَلَاء يلتزمونها فَلَو تفطنوا لما يقوم بِذَات الله من كَلَامه وفعاله الْمُتَعَلّق بمشيئته وَقدرته ودوام اتصافه بِصِفَات الْكَمَال خلصوا من هَذِه المحاورات وَنحن ننبه على بعض الطّرق الْعَقْلِيَّة الَّتِي يعلم بهَا حُدُوث كل مَا سوى الله تَعَالَى وَهِي أَن يُقَال لَو كَانَ فِيهَا شَيْء سوى الله قديم لَكَانَ صادرا عَن عِلّة تَامَّة مُوجبَة بذاتها مستلزمة لمعلولها سَوَاء ثَبت لَهُ مشيئه وَاخْتِيَار أَو لم يثبت فَإِن الْقَدِيم الأزلي الْمُمكن الَّذِي لَا يُوجد بِنَفسِهِ لَا يتَصَوَّر وجوده ان لم يكن لَهُ فِي الازل مُقْتَضى تَامّ يسْتَلْزم ثُبُوته وَهَذَا كَمَا أَنه مَعْلُوم بضرورة الْعقل فَلَا نزاع فِيهِ بَين الْعُقَلَاء فَلَا يَقُول أحد إِن الْقَدِيم الازلي صادر عَن مُؤثر لَا يلْزمه أَثَره وَلَا يَقُول انه صادر عَن عِلّة غير تَامَّة مستلزمة لمعلولها وَلَا يَقُول إِنَّه صادر عَن مُوجب بِذَاتِهِ لَا يقارنه مُوجبه وَمُقْتَضَاهُ وَلَا يَقُول إِنَّه صادر عَن فَاعل بِالِاخْتِيَارِ يُمكن أَن يتَأَخَّر مَفْعُوله فَإِنَّهُ إِذا أمكن تَأَخّر مَفْعُوله أمكن ان يكون ذَلِك الْقَدِيم الازلي قَدِيما أزليا فَيكون ثُبُوته فِي الازل فَإِن ثُبُوت الْمُمكن الازلي بِدُونِ مُقْتَض تَامّ مُسْتَلْزم لَهُ مُمْتَنع بضرورة الْعقل إِذْ قد علم بِصَرِيح الْعقل أَن شَيْئا من الممكنات لَا يكون حَتَّى يحصل الْمُقْتَضى التَّام المستلزم لثُبُوته وَمن نَازع فِي هَذَا من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم وَقَالَ انه لَا يَنْتَهِي الى
следующие страницы →