Полный текст (1 130 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
يَعْنِي أَن الشُّهَدَاء لَهُم خُصُوصِيَّة بِأَن أَرْوَاحهم تجْعَل فِي جَوف طير خضر كَمَا صرح بذلك فِي كَلَامه الْمُتَقَدّم بقوله ثمَّ خص الشُّهَدَاء بِأَن قَالَ هِيَ فِي جَوف طير وَالله أعلم
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... والقائلون بِأَنَّهَا عرض أَبَوا
ذَا كُله تَبًّا لذِي نكران ... واذا أَرَادَ الله اخراج الورى
بعد الْمَمَات الى الْمعَاد الثَّانِي ... ألْقى على الاض الَّتِي هم تحتهَا
وَالله مقتدر وَذُو سُلْطَان ... مَطَرا غليظا أبيضا مُتَتَابِعًا
عشرا وَعشرا بعْدهَا عشران ... فتظل تنْبت مِنْهُ أجسام الورى
ولحومهم كمنابت الريحان ... حَتَّى اذا مَا الام حَان ولادها
وتمخضت فنفاسها متدان ... أوحى لَهَا رب السما فتشققت
فَبَدَا الْجَنِين كأكمل الشبَّان ... وتخلت الام الْوَلُود فأخرجت
أثقالها انثى وَمن ذكران ... وَالله ينشىء خلقه فِي نشأة
اخرى كَمَا قد قَالَ فِي الْقُرْآن ... هَذَا الَّذِي جَاءَ الْكتاب وَسنة اله
ادي بِهِ فاحرص على الايمان ... مَا قَالَ إِن الله يعْدم خلقه
طرا كَقَوْل الْجَاهِل الحيران ...
قَوْله والقائلون بِأَنَّهَا عرض أَي إِن الْقَائِلين بِأَن الرّوح عرض أَبَوا ذاكله لانها عِنْدهم تعدم وتتلاشى وَعِنْدهم أَنَّهَا عرض من أَعْرَاض
стр. 107
الْبدن وَهُوَ الْحَيَاة وَهَذَا قَول الباقلاني وَمن تبعه وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْهُذيْل العلاف النَّفس عرض الاعراض وَقَالَ غَيرهم بِأَنَّهُ الْحَيَاة كَمَا عينه ابْن الباقلاني ثمَّ قَالَ هِيَ عرض كَسَائِر أَعْرَاض الْجِسْم وَهَؤُلَاء عِنْدهم أَن الْجِسْم إِذا مَاتَ عدمت روحه كَمَا تعدم سَائِر اعراضه الْمَشْرُوطَة بِالْحَيَاةِ وَمن يَقُول مِنْهُم إِن الْعرض لايبقى زمانين كَمَا يَقُوله أَكثر الاشعرية فَمن قَوْلهم إِن روح الانسان الْآن هِيَ غير روحه قبل وَهُوَ لَا يَنْفَكّ يحدث لَهُ روح ثمَّ تغير ثمَّ روح ثمَّ تغير هَكَذَا أبدا فيبدله ألف روح فَأكْثر فِي سَاعَة من الزَّمَان فَمَا دونهَا فَإِذا مَاتَ فَلَا روح تصعد الى السَّمَاء وتعود الى الْقَبْر وتقبضها الْمَلَائِكَة ويستفتحون لَهَا أَبْوَاب السَّمَوَات وَلَا تنعم وَلَا تعذب وانما ينعم ويعذب الْجَسَد إِذا شَاءَ الله تنعيمه اَوْ تعذيبه رد الْحَيَاة فِي وَقت يُرِيد نعيمه وعذابه والا فَلَا روح هُنَاكَ قَائِمَة بِنَفسِهَا الْبَتَّةَ وَقَالَ بعض أَرْبَاب هَذَا القَوْل ترد الْحَيَاة الى عجب الذَّنب فَهُوَ الَّذِي يعذب وينعم فَحسب وَهَذَا قَول يردهُ الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وأدلة الْعُقُول والفطرة وَهُوَ قَول من لم يعرف روحه فضلا عَن روح غَيره وَقد خَاطب الله سُبْحَانَهُ النَّفس بِالرُّجُوعِ وَالدُّخُول وَالْخُرُوج ودلت النُّصُوص الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة على انها تصعد وتنزل وتقبض وَتمسك وَترسل وتستفتح لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء وتسجد وتتكلم وَأَنَّهَا تخرج تسيل كَمَا تسيل القطرة وتكفن وتحنط فِي أكفان الْجنَّة اَوْ النَّار وان ملك الْمَوْت يَأْخُذهَا بِيَدِهِ ثمَّ يَتَنَاوَلهَا الْمَلَائِكَة من يَده ويشم لَهَا كأطيب نفحة مسك أَو كانتن جيفة وتشيع من سَمَاء الى سَمَاء ثمَّ تُعَاد الى الارض مَعَ الْمَلَائِكَة وَأَنَّهَا إِذا خرجت تبعها الْبَصَر حَيْثُ يَرَاهَا وَهِي خَارِجَة وَدلّ الْقُرْآن على أَنَّهَا تنْتَقل من مَكَان إِلَى مَكَان حَتَّى تبلغ الْحُلْقُوم فِي حركتها وَجَمِيع
стр. 108
مَا ورد من الادلة الدَّالَّة على تلاقي الارواح وتعارفها وانها أجناد مجندة الى غير ذَلِك يبطل هَذَا القَوْل وَقد شَاهد النَّبِي ﷺ الارواح لَيْلَة الاسراء عَن يَمِين آدم وشماله وَأخْبر النَّبِي ﷺ أَن نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة وَأَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طير خضر وَأخْبر تَعَالَى عَن أَرْوَاح آل فِرْعَوْن أَنَّهَا تعرض على النَّار غدوا وعشيا وَلما أورد ذَلِك على ابْن الباقلاني لج فِي الْجَواب وَقَالَ يخرج على هَذَا أحد وَجْهَيْن إِمَّا بِأَن يوضع عرض من الْحَيَاة فِي أول جُزْء من أَجزَاء الْجِسْم وَإِمَّا أَن يخلق لتِلْك الْحَيَاة وَالنَّعِيم وَالْعَذَاب جدير خير وَهَذَا قَول فِي غَايَة الْفساد مِنْهُ وُجُوه كَثِيرَة وَأي قَول أفسد من قَول من يَجْعَل روح الانسان عرضا من الاعراض تبدل كل سَاعَة ألوفا من المرات فَإِذا فَارقه هَذَا الْعرض لم يكن بعد الْمُفَارقَة روح تنعم وَلَا تعذب وَلَا تصعد وَلَا تنزل وَلَا تمسك وَلَا ترسل فَهَذَا قَول مُخَالف لِلْعَقْلِ ونصوص الْكتاب وَالسّنة والفطرة وَهُوَ قَول من لم يعرف نَفسه وَالله أعلم وَقَوله وَإِذا أَرَادَ الله إِخْرَاج الورى الخ أخرج الشَّيْخَانِ عَن ابي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (مَا بَين النفختين أَرْبَعُونَ قيل أَرْبَعُونَ يَوْمًا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة أَبيت قَالَ أَرْبَعُونَ شهرا قَالَ أَبيت قَالَ أَرْبَعُونَ سنة قَالَ أَبيت ثمَّ ينزل من السَّمَاء مَاء فينبتون كَمَا ينْبت البقل وَلَيْسَ من الانسان شَيْء إِلَّا يبْلى إِلَّا عظم وَاحِد وَهُوَ عظم الذَّنب مِنْهُ يركب الْخلق يَوْم الْقِيَامَة (وَفِي رِوَايَة الْمُسلم (إِن فِي الانسان عظما لَا تَأْكُله الأَرْض أبدا فِيهِ يركب الْخلق يَوْم الْقِيَامَة قَالُوا أَي عظم هُوَ يَا رَسُول الله قَالَ عجب الذَّنب (رَوَاهُ الامام مَالك وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِاخْتِصَار قَالَ كل ابْن آدم تَأْكُله الارض إِلَّا عجب الذَّنب مِنْهُ خلق
стр. 109
وَفِيه يركب (قَالَ الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ كَغَيْرِهِ عجب الذَّنب بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَإِسْكَان الْجِيم بعْدهَا بَاء مُوَحدَة أَو مِيم هُوَ الْعظم الْحَدِيد الَّذِي يكون فِي أَسْفَل الصلب وأصل الذَّنب من ذَوَات الاربع وَقد روى الامام احْمَد وَابْن حبَان فِي (صَحِيحه (من حَدِيث أبي سعيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (يَأْكُل التُّرَاب كل شَيْء من الانسان إِلَّا عجب ذَنبه قيل مَا هُوَ يَا رَسُول الله قَالَ مثل حَبَّة خَرْدَل مِنْهُ تنشؤون وروى الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِير سُورَة الاعراف وَابْن عَطِيَّة فِي تَفْسِيره عَن ابي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس ﵃ اذا مَاتَ النَّاس كلهم فِي النفخة الاولى يَعْنِي نفخة الصَّعق أمطر عَلَيْهِم أَرْبَعِينَ عَاما كمني الرِّجَال من مَاء تَحت الْعَرْش يدعى مَاء الْحَيَوَان فينبتون من قُبُورهم بذلك الْمَطَر كَمَا ينْبت الزَّرْع من المَاء حَتَّى إِذا استكملت أَجْسَادهم نفخ فيهم الرّوح ثمَّ يلقِي عَلَيْهِم نومَة فينامون فِي قُبُورهم فَإِذا نفخ فِي الصُّور النفخة الثَّانِيَة قَامُوا وهم يَجدونَ طعم النّوم فِي أَعينهم كَمَا يجده الْقَائِم إِذا اسْتَيْقَظَ من نَومه فَعِنْدَ ذَلِك يَقُولُونَ يَا ويلنا من بعثنَا من مرقدنا وَقَول أبي هُرَيْرَة ﵁ أَبيت فِيهِ ثَلَاث تأويلات أَحدهَا امْتنعت من بَيَان ذَلِك وَقيل أَبيت (اسْأَل النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك وَقيل نسيت وَقيل إِن سر ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى لِأَنَّهُ من أسرار الربوبية لَكِن فِي حَدِيث ان بَين النفختين أَرْبَعِينَ عَاما وَقَول النَّاظِم طرا هُوَ بِضَم الطَّاء أَي جَمِيعًا قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... وَقضى بِأَن الله لَيْسَ بفاعل ... فعلا يقوم بِهِ بِلَا برهَان ...
стр. 110
.. بل فعله الْمَفْعُول خَارج ذَاته
كالوصف غير الذَّات فِي الحسبان ... والجبر مذْهبه الَّذِي قرت بِهِ
عين العصاة وشيعة الشَّيْطَان ... كَانُوا على وَجل من الْعِصْيَان إِذْ
هُوَ فعلهم والذنب للانسان ... واللوم لَا يعدوه إِذْ هُوَ فَاعل
بِإِرَادَة وبقدرة الْحَيَوَان ... فأراحهم جهم وشيعته من الل
وم العنيف وَمَا قضوا بِأَمَان ... لكِنهمْ حملُوا ذنوبهم على
رب الْعباد بعزة وأمان ... وتبرؤوا مِنْهَا وَقَالُوا إِنَّهَا
أَفعاله مَا حِيلَة الانسان ... مَا كلف الْجَبَّار نفسا وسعهَا
أَنى وَقد جبرت على الْعِصْيَان ... وَكَذَا على الطَّاعَات أَيْضا قد غَدَتْ
مجبورة فلهَا إِذا جبران ... وَالْعَبْد فِي التَّحْقِيق شبه نعَامَة
قد كلفت بِالْحملِ والطيران ... إِذْ كَانَ صورتهَا تدل عَلَيْهِمَا
هَذَا وَلَيْسَ لَهَا بِذَاكَ يدان ...
تضمن كَلَام النَّاظِم رَحمَه تَعَالَى مَسْأَلَتَيْنِ عظيمتين إِحْدَاهمَا فِي أَفعاله الله تَعَالَى هَل لله تَعَالَى فعل يقوم بِهِ بمشيئته وَقدرته ام الْفِعْل هُوَ الْمَفْعُول والخلق هُوَ الْمَخْلُوق فالاول هُوَ الَّذِي ذكره الْفُقَهَاء من اصحاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَمَالك فِي كتبهمْ كَمَا ذكره فُقَهَاء الْحَنَفِيَّة كالطحاوي وابي مَنْصُور الماتريدي وَغَيرهم وكما ذكره الْبَغَوِيّ فِي (شرح السّنة (وكما ذكره أَصْحَاب أَحْمد كَأبي إِسْحَاق وَأبي بكر عبد الْعَزِيز وَالْقَاضِي ذكره فِي الْخلق هَل هُوَ الْمَخْلُوق أَو غَيره على قَوْلَيْنِ وَلَكِن اسْتَقر قَوْله على
стр. 111
ان الْخلق غير الْمَخْلُوق وان خَالف بن عقيل وكما ذكره ابو بكر مُحَمَّد بن اسحاق الكلاباذي فِي كتاب لَهُ وكما ذكره أَئِمَّة الحَدِيث وَالسّنة قَالَ البُخَارِيّ فِي آخر (الصَّحِيح (فِي كتاب الرَّد على الْجَهْمِية والزنادقة بَاب مَا جَاءَ فِي تخليق السَّمَوَات والارض وَنَحْوهَا من الْخَلَائق وَهُوَ فعل الرب وَأمره فالرب بصفاته وَفعله وَأمره وَكَلَامه هُوَ الْخَالِق المكون غير مَخْلُوق وَمَا كَانَ بِفِعْلِهِ وَأمره وتخليقه وتكوينه فَهُوَ مفعول مَخْلُوق مكون وَذَهَبت الْجَهْمِية والمعتزلة أَو أَكْثَرهم والكلابية والاشعرية الى أَن الْخلق هُوَ الْمَخْلُوق وَالْفِعْل هُوَ الْمَفْعُول وَلَيْسَ لهَؤُلَاء عِنْد الرب فعل وَلَا صنع يقوم بِهِ تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الجاحدون علوا كَبِيرا قَوْله والجبر مذْهبه الَّذِي قرت بِهِ الخ أَي إِن مَذْهَب جهم هُوَ الْجَبْر وَمعنى ذَلِك أَن النَّاس اخْتلفُوا فِي أَفعَال الْعباد هَل هِيَ مقدورة للرب وَالْعَبْد أم لَا فَقَالَ جهم واتباعه الجبرية إِن ذَلِك الْفِعْل مَقْدُور للرب لَا للْعَبد وَكَذَلِكَ قَالَ الاشعري وَأَتْبَاعه إِن الْمُؤثر فِيهِ قدرَة الرب دون قدرَة العَبْد وَقَالَ جُمْهُور الْمُعْتَزلَة إِن الرب لَا يقدر على عين مَقْدُور العَبْد وَاخْتلفُوا هَل يقدر على مثل مقدوره فأثبته البصريون كَأبي عَليّ وَأبي هَاشم ونفاه الكعبي وَأَتْبَاعه البغداديون وَاحْتج الْمُعْتَزلَة بِأَنَّهُ لَو كَانَ مَقْدُورًا لَهما للَزِمَ إِذا أَرَادَ أَحدهمَا شَيْئا اَوْ أمرا وَكَرِهَهُ الآخر مثل أَن يُرِيد الرب تحريكه ويكرهه العَبْد أَن يكون مَوْجُودا مَعْدُوما لَان الْمَقْدُور من شَأْنه أَن يُوجد عِنْد توفر دواعي الْقَادِر وَأَن يبْقى على الْعَدَم عِنْد توفر صارفه فَلَو كَانَ مَقْدُور العَبْد مَقْدُورًا لله لَكَانَ إِذا أَرَادَ الله وُقُوعه
стр. 112
وَكره العَبْد وُقُوعه لزم أَن يُوجد لتحَقّق الدَّوَاعِي وَلَا يُوجد لتحَقّق الصَّارِف وَهُوَ محَال وَقد أجَاب الجبرية عَن هَذَا بِمَا ذكره الرَّازِيّ وَهُوَ أَن الْبَقَاء على الْعَدَم عِنْد تحقق الصَّارِف مَمْنُوع مُطلقًا بل يجب إِذا لم يقم مقَامه سَبَب آخر مُسْتَقل وَهَذَا أول الْمَسْأَلَة وَهَذَا جَوَاب ضَعِيف فَإِن الْكَلَام فِي فعل العَبْد الْقَائِم بِهِ إِذا قَامَ بِقَلْبِه الصَّارِف عَنهُ دون الدَّاعِي إِلَيْهِ وَهَذَا يمْتَنع وجوده من العَبْد فِي هَذِه الْحَال وَمَا قدر وجوده بِدُونِ إِرَادَته لم يكن فعلا اختياريا بل يكون بِمَنْزِلَة حركه المرتعش فِي الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِي الِاخْتِيَارِيّ وَلَكِن الْجَواب منع هَذَا التَّقْدِير فَإِن مَا لم يردهُ العَبْد بأفعاله يمْتَنع أَن يكون الله مرِيدا لوُقُوعه إِذْ لَو شَاءَ وُقُوعه جعل العَبْد مرِيدا لَهُ فَإِذا لم يَجعله مرِيدا لَهُ علم أَنه لم يشأه وَلِهَذَا اتّفق عُلَمَاء الْمُسلمين على أَن الانسان لَو قَالَ وَالله لافعلن كَذَا وَكَذَا إِن شَاءَ الله ثمَّ لم يَفْعَله أَنه لَا يَحْنَث لانه لما لم يَفْعَله علم أَن الله لم يشأه إِذْ لَو شاءه لفعله العَبْد فَلَمَّا لم يَفْعَله علم أَن الله لم يشأه وَاحْتج الجبرية بِمَا ذكره الرَّازِيّ وَغَيره بقَوْلهمْ إِذا أَرَادَ الله تَحْرِيك جسم وَأَرَادَ العَبْد تسكينه فإمَّا أَن يمتنعا مَعًا وَهُوَ محَال لِأَن الْمَانِع من وُقُوع مُرَاد كل وَاحِد مِنْهُمَا هُوَ مَوْجُود مُرَاد الاخر فَلَو امتنعا مَعًا لوجدا مَعًا وَهُوَ محَال أَو يقعا وَهُوَ محَال أَيْضا اَوْ يَقع أَحدهمَا وَهُوَ بَاطِل لِأَن القدرتين متساويتان فِي الِاسْتِقْلَال بالتأثير فِي ذَلِك الْمَقْدُور الْوَاحِد وَالشَّيْء الْوَاحِد حَقِيقَة لَا تقبل التَّفَاوُت فَإِذا القدرتان بِالنِّسْبَةِ الى اقْتِضَاء وجود ذَلِك الْمَقْدُور على السوية ونما التَّفَاوُت فِي أُمُور خَارِجَة عَن هَذَا الْمَعْنى واذا كَانَ كَذَلِك امْتنع التَّرْجِيح فَيُقَال هَذِه الْحجَّة بَاطِلَة على المذهبين اما أهل السّنة فعندهم يمْتَنع أَن يُرِيد الله
стр. 113
تَحْرِيك جسم وَيجْعَل العَبْد مرِيدا لَا أَن يَجعله العَبْد سَاكِنا مَعَ قدرته على ذَلِك فَإِن الارادة الجازمة مَعَ الْقُدْرَة تَسْتَلْزِم وجود الْمَقْدُور فَلَو جعله الرب مرِيدا مَعَ قدرته لزم وجود مقدوره فَيكون العَبْد يَشَاء مَالا يَشَاء الله وجوده وَهَذَا مُمْتَنع بل مَا شَاءَ الله وجوده يَجْعَل الْقَادِر عَلَيْهِ مرِيدا لوُجُوده لَا يَجعله مرِيدا لما يُنَاقض مُرَاد الرب وَأما على قَول الْمُعْتَزلَة فعندهم تمْتَنع قدرَة الرب على عين مَقْدُور العَبْد فَيمْتَنع اخْتِلَاف الارادتين فِي شَيْء وَاحِد وكلا الحجتين بَاطِلَة فَإِنَّهُمَا مبنيتان على تنَاقض الإرادتين وَهَذَا مُمْتَنع فَإِن العَبْد إِذا شَاءَ ان يكون (شَيْء (لم يشأه حَتَّى يَشَاء الله مَشِيئَته كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾ وَمَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن فَإِذا شَاءَ الله جعل العَبْد شائيا لَهُ واذا جعل العَبْد كَارِهًا لَهُ غير مُرِيد لَهُ لم يكن هُوَ فِي هَذِه الْحَال شائيا لَهُ فهم بنوا الدَّلِيل على تَقْدِير مَشِيئَة الله لَهُ وَكَرَاهَة العَبْد لَهُ وَهَذَا تَقْدِير مُمْتَنع وَهَذَا تنَاقض من تَقْدِير ربين والهين وَهُوَ قِيَاس بَاطِل لِأَن العَبْد مَخْلُوق لله وَهُوَ وَجَمِيع مفعولاته لَيْسَ هُوَ مثلا لله ولاندا وَالله أعلم وَقَول النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... كَانُوا على وَجل من الْعِصْيَان ... اذ هُوَ فعلهم والذنب للانسان ...
أَي إِن أَفعَال الْعباد غير اختيارية بل هم مَجْبُورُونَ عَلَيْهَا كحركة المرتعش وتحريك الْهوى للاشجار وَنَحْو ذَلِك فَإِذا كَانَ أصل الْقَدَرِيَّة الْمُجبرَة أَن إِرَادَة الرب تَعَالَى هِيَ عين محبته وَرضَاهُ فَكل مَا شاءه فقد أحبه ورضيه وكل مَا لم يشأه فَهُوَ مسخوط لَهُ مبغوض فالمبغوض المسخوط هُوَ مَا لم يشأه والمحبوب المرضي هُوَ مَا شاءه هَذَا أصل الْقَدَرِيَّة الجبرية المنكرين
стр. 114
للْحكم وَالتَّعْلِيل والاسباب وتحسين الْعقل وتقبيحه وان الافعال كلهَا سَوَاء لَا يخْتَص بَعْضهَا بِمَا صَار حسنا لاجله وَبَعضهَا بِمَا صَار قبيحا لاجله وَيجوز فِي الْعقل ان يَأْمر بِمَا نهى عَنهُ وَينْهى عَمَّا أَمر بِهِ وَلَا يكون ذَلِك مناقضا للحكمة اذ الْحِكْمَة ترجع عِنْدهم الى مُطَابقَة الْعلم الازلي لمعلومه والارادة الازلية لمرادها وَالْقُدْرَة لمقدورها فاذا الافعال بِالنِّسْبَةِ الى الْمَشِيئَة والارادة مستوية لَا تُوصَف بِحسن وَلَا قبح فاذا تعلق بهَا الامر وَالنَّهْي صَارَت حِينَئِذٍ حَسَنَة وقبيحة وَلَيْسَ حسنها وقبحها زَائِدا على كَونهَا مَأْمُورا بهَا ومنهيا عَنْهَا
قَوْله وَالْعَبْد فِي التَّحْقِيق شبه نعَامَة الخ أَي لاجل أَن لَهَا اجنحة فتشبه الطير من هَذَا الْوَجْه وَلها اخفاف تشبه اخفاف النَّاقة فَلهَذَا قَالَ قد كلفت بِالْحملِ والطيران
قَوْله وَلَيْسَ لَهَا بِذَاكَ يدان المُرَاد بِالْيَدِ هُنَا الْقُدْرَة تَسْمِيَة للشَّيْء باسم سَببه لِأَن الْقُدْرَة هِيَ تَحْرِيك الْيَد يُقَال فلَان لَهُ بِهِ فِي كَذَا وَكَذَا قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... فلذاك قَالَ بِأَن طاعات الورى
وكذاك مَا فَعَلُوهُ من عصيان ... هِيَ عين فعل الرب لَا أفعالهم
فَيَصِيح عَنْهُم عِنْد ذَا نفيان ... نفي لقدرتهم عَلَيْهَا أَو لَا
وصدورها مِنْهُم بِنَفْي ثَان ... فَيُقَال مَا صَامُوا وَلَا صلوا وَلَا
زكوا وَلَا ذَبَحُوا من القربان ... وَكَذَلِكَ مَا شربوا وَمَا قتلوا وَمَا ... سرقوا وَلَا فيهم غوي زَان ... وكذاك لم يَأْتُوا اخْتِيَارا ... وكذاك لم يَأْتُوا اخت مِنْهُم
بالْكفْر وَالْإِسْلَام والايمان ...
стр. 115
.. الا على وَجه الْمجَاز لِأَنَّهَا
قَامَت بهم كالطعم والالوان ... جبروا على مَا شاءه خلاقهم
مَا ثمَّ ذُو عون وَغير معَان ... وَالْكل مجبور وَغير ميسر
كالميت أدرج دَاخل الأكفان ... وكذاك أَفعَال الْمُهَيْمِن لم تقم
أَيْضا بِهِ خوفًا من الْحدثَان ... فاذا جمعت مقالتيه أنتجا
كذبا وزورا وَاضح الْبُهْتَان ... إِذْ لَيست الافعال فعل إلهنا
والرب لَيْسَ بفاعل الْعِصْيَان ... فاذا انْتَفَت صفة الْإِلَه وَفعله
وَكَلَامه وفعائل الانسان ... فهناك لَا خلق وَلَا أَمر وَلَا
وَحي وَلَا تَكْلِيف عبد فان ...
لما فرغ النَّاظِم ﵀ من الْكَلَام على القَوْل بالجبر وَذكر بعض مَا يلْزم أَهله شرع ايضا فِي بَيَان مَا يلْزمهُم من وَجه آخر من الشناعات فَقَالَ وكذاك افعال الْمُهَيْمِن الخ أَي أَن مَذْهَب الْجَهْمِية وَمن وافقهم ان الرب تَعَالَى لَا تقوم بِهِ الافعال الاختيارية بل الْفِعْل هُوَ الْمَفْعُول والخلق هُوَ الْمَخْلُوق كَمَا تقدم حِكَايَة ذَلِك عَنْهُم لأَنهم على زعمهم اذا قَالُوا بذلك لزم قيام الْحَوَادِث بِذَات الرب ﵎ فَيلْزم حُدُوثه تَعَالَى وتقدس كَمَا أَن مَا قَامَت بِهِ الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث وَالْعَبْد عِنْدهم أَيْضا لَيْسَ بفاعل بالإختيار بل هُوَ مجبور وَغير ميسر وحركته كحركة المرتعش اَوْ كالميت أدرج دَاخل الاكفان فَإِذا كَانَ فعل الرب تَعَالَى غير قَائِم بِهِ عِنْدهم بل الْمَفْعُول هُوَ الْمَفْعُول وَالْعَبْد عِنْدهم لَيْسَ بفاعل فَلذَلِك
стр. 116
قَالَ النَّاظِم فَإِذا جمعت مقالتيه انتجا الخ أَي إِذا كَانَ الْفِعْل لَيْسَ فعلا للرب وَالْعَبْد مجبور لَا فعل لَهُ فِي الْحَقِيقَة بل تسمى أفعالا لَهُ مجَاز كَانَ نِسْبَة ذَلِك الى الرب تَعَالَى كذبا لإن الرب لَيْسَ بفاعل للمعاصي وَصَارَ نسبته للْعَبد أَيْضا كذبا لِأَنَّهُ لَيْسَ بفاعل وانما هُوَ مجبور فَإِذا انْتَفَت صفة الْفِعْل وَالْكَلَام فِي حق الرب تَعَالَى فهناك لَا خلق وَلَا أَمر وَلَا وَحي وَلَا تَكْلِيف كَمَا ألزمهم بِهِ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى قَوْله الْكل مجبور الخ قَالَ النَّاظِم فِي شرح (منَازِل السائرين (مشْهد أَصْحَاب الْجَبْر وهم الَّذين يشْهدُونَ انهم مَجْبُورُونَ على أفعالهم وَأَنَّهَا وَاقعَة بِغَيْر قدرتهم واختيارهم بل لَا يشْهدُونَ انها افعالهم الْبَتَّةَ وَيَقُولُونَ ان أحدهم غير فَاعل فِي الْحَقِيقَة وَلَا قَادر وَأَن الْفَاعِل فِيهِ والمحرك لَهُ سواهُ وَأَنه آلَة مَحْضَة وحركاته بِمَنْزِلَة هبوب الرِّيَاح وحركات الاشجار وَهَؤُلَاء اذا أنْكرت عَلَيْهِم أفعالهم احْتَجُّوا بِالْقدرِ وحملوا ذنوبهم عَلَيْهِ وَقد يغلون فِي ذَلِك حَتَّى يورا افعالهم كلهَا طاعات خَيرهَا وشرها لموافقتها الْمَشِيئَة وَالْقدر وَيَقُولُونَ كَمَا ان مُوَافقَة الامر طَاعَة فموافقة الْمَشِيئَة طَاعَة كَمَا حكى الله تَعَالَى عَن الْمُشْركين اخوانهم انهم جعلُوا مَشِيئَة الله لافعالهم دَلِيلا على أمره بهَا وَرضَاهُ بهَا قَالَ وَهَؤُلَاء شَرّ من الْقَدَرِيَّة النفاة وَأَشد عَدَاوَة لله ومناقضة لكتبه وَرُسُله وَدينه حَتَّى إِن من هَؤُلَاءِ من يعْتَذر عَن ابيلس لَعنه الله ويتوجع لَهُ وَيُقِيم عِنْده بِجهْدِهِ وينسب ربه إِلَى ظلمَة بِلِسَان الْحَال والقال وَيَقُول مَا ذَنبه وَقد صان وَجهه عَن السُّجُود لغير خالقه وَقد وَافق حكمه ومشيئته فِيهِ وارادته مِنْهُ ثمَّ كَيفَ يُمكنهُ السُّجُود وَهُوَ الَّذِي مَنعه مِنْهُ وَحَال بَينه وَبَينه وَهل كَانَ فِي ترك سُجُوده لغيرك محسنا وَلَكِن
стр. 117
.. إِذا كَانَ الْمُحب قَلِيل حَظّ ... فَمَا حَسَنَاته الا نوب ...
قَالَ ﵀ وَهَؤُلَاء أَعدَاء الله حَقًا وأولياء إِبْلِيس وأحبابه واخوانه وَإِذا ناح مِنْهُم نائح على إِبْلِيس رَأَيْت من الْبكاء والحنين أمرا عجيبا وَرَأَيْت من تظلم الاقدار واتهام الْجَبَّار مَا يَبْدُو على فلتات السنتهم وصفحات وُجُوههم وَتسمع من أحدهم من التظلم والتوجع مَا تسمعه من الْخصم المغلوب الْعَاجِز عَن خَصمه قَالَ فَهَؤُلَاءِ هم الَّذين قَالَ فيهم شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية فِي تائيته
... ويدعى خصوم الله يَوْم معادهم ... الى النَّار طرا فرقة الْقَدَرِيَّة ...
يعْنى الجبرية انْتهى وَقَول النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى وَغير ميسر اشارة الى أَنهم خالفوا مَا ثَبت فِي (الصَّحِيحَيْنِ (عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (مَا مِنْكُم من أحد الا وَقد علم مَقْعَده من الْجنَّة ومقعده من النَّار قَالُوا يَا رسو ل الله أَفلا نَدع الْعَمَل ونتكل على الْكتاب فَقَالَ لَا اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ وَفِي (الصَّحِيح (أَيْضا انه قيل يَا رَسُول الله أَرَأَيْت مَا يكدح النَّاس فِيهِ الْيَوْم ويعملون شَيْء قضي عَلَيْهِم وَمضى ام فِيمَا يستقبلون مِمَّا آتَاهُم فِيهِ الْحجَّة فَقَالَ بل شَيْء قضي عَلَيْهِم وَمضى فيهم قَالُوا يَا رَسُول الله أَفلا نَدع الْعَمَل ونتكل على كتَابنَا فَقَالَ لَا اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ (قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
... وَقضى على أَسْمَائِهِ بحدوثها ... وبخلقها من جملَة الاكوان ...
стр. 118
.. فَانْظُر الى تعطيله الاوصاف وَال
أَفعَال والاسماء للرحمن ... مَاذَا الَّذِي فِي ضمن ذَا التعطيل من
نفي وَمن جحد وَمن كفران ... لكنه أبدى الْمقَالة هَكَذَا
فِي قالب التَّنْزِيه للرحمن ... وأتى الى الْكفْر الْعَظِيم فصاغه
عجلا ليفتن أمة الثيران ... وكساه أَنْوَاع الْجَوَاهِر والحلي
من لُؤْلُؤ صَاف وَمن عقيان ... فَرَآهُ ثيران الورى فَأَصَابَهُمْ
كمصاب إِخْوَتهم قديم زمَان ... عجلَان قد فتن الْعباد بِصَوْتِهِ إِحْدَاهمَا وبحرفه ذَا الثان
وَالنَّاس أَكْثَرهم فَأهل ظواهر ... تبدو لَهُم لَيْسُوا بِأَهْل معَان
فهم القشور وبالقشور قوامهم ... واللب حَظّ خُلَاصَة الانسان
وَلذَا تقسمت الطوائف قَوْله ... وتوارثوه إِرْث ذِي السهْمَان
لم ينج من أَقْوَاله طرا سوى ... أهل الحَدِيث وشيعة الْقُرْآن
فتبرؤوا مِنْهَا بَرَاءَة حيدر ... وَبَرَاءَة الْمَوْلُود من عمرَان
من كل شيعي خبيبث وَصفه ... وصف الْيَهُود محللي الْحيتَان ...
أَي إِن جهما وَأَتْبَاعه ذَهَبُوا الى حُدُوث أَسمَاء الرب تَعَالَى وَقَالُوا أَسمَاء الله تَعَالَى غَيره فَإِن أَسمَاء الله من كَلَامه وَكَلَامه غَيره ثمَّ قَالُوا وَمَا كَانَ غير الله فَهُوَ مَخْلُوق بَائِن عَنهُ وَقَول النَّاظِم فَانْظُر إِلَى تعطيله الاوصاف والافعال والاسماء للرحمن أَي لانه يَقُول بحدوث أَسمَاء الله
стр. 119
تَعَالَى وَأَنَّهَا مخلوقه وتعطيله الاوصاف أَي أَنه نفي صِفَات الْبَارِي سُبْحَانَهُ وتعطيل الافعال أَي بِأَنَّهُ يَقُول الْفِعْل هُوَ الْمَفْعُول والخلق هُوَ الْمَخْلُوق فَانْظُر الى مَا تضمنه هَذَا من الْجحْد والتعطيل والكفران وَقَوله لكنه ابدى الْمقَالة هَكَذَا فِي قالب التَّنْزِيه للرحمن أَقُول قَالَ الْعَلامَة تَقِيّ الدّين احْمَد بن عَليّ المقريزي فِي كتاب (الخطط (بعد كَلَام سبق ثمَّ حدث بعد عصر الصَّحَابَة ﵃ مَذْهَب جهم بن صَفْوَان بِبِلَاد الْمشرق فعظمت الْفِتْنَة بِهِ فَإِنَّهُ نفى أَن يكون لله تَعَالَى صفة وَأورد على أهل الاسلام شكوكا أثرت فِي الْملَّة الاسلامية آثارا قبيحة تولد عَنْهَا بلَاء كَبِير وَكَانَ قبيل الْمِائَة من سني الْهِجْرَة فَكثر أَتْبَاعه على أَقْوَاله الَّتِي تؤول الى التعطيل فأكبر أهل الاسلام بدعته وتمالؤوا على انكارها وتضليل أَهلهَا وحذروا من الْجَهْمِية وعادوهم فِي الله وذموا من جلس إِلَيْهِم وَكَتَبُوا فِي الرَّد عَلَيْهِم مَا هُوَ مَعْرُوف عِنْد أَهله انْتهى كَلَامه وَقد تقدم فِي كَلَام الامام احْمَد وَالْبُخَارِيّ وَعبد الله بن الْمُبَارك وَغَيرهم ﵃ أَشْيَاء من أَحْوَال جهم وَأَتْبَاعه والتحذير من بدعهم وَلَقَد زرع هَذَا الْخَبيث فِي الاسلام شرا عَظِيما لَا يَزُول إِلَى قيام السَّاعَة نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان قَوْله فتبرؤوا مِنْهَا بَرَاءَة حيدر هُوَ لقب عَليّ بن أبي طَالب ﵁ والمولود من عمرَان هُوَ مُوسَى ﵇ يَعْنِي أَن أهل الحَدِيث وَالسّنة تبرؤوا من مَذْهَب الجهم وشيعته كَمَا تَبرأ مُوسَى ﵇ من بني إِسْرَائِيل الَّذين عبدُوا الْعجل وكما تَبرأ عَليّ ﵁ من الشِّيعَة الَّذين تبرؤوا من اصحاب رَسُول الله ﷺ بل ادّعى بَعضهم فِيهِ الالهية فاستتابهم فَلم يتوبوا فخدد لَهُم الاخاديد وأضرم فِيهَا النَّار وَأَحْرَقَهُمْ فِيهَا
стр. 120
قَالَ إِنِّي اذا شاهدت امرا مُنْكرا أججت نَارِي ودعوت قنبرا والقصة مَعْرُوفَة قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل فِي مُقَدّمَة نافعة قبل التَّحْكِيم
... يَا أَيهَا الرجل المريد نجاته ... إسمع مقَالَة نَاصح معوان
كن فِي أمورك كلهَا متمسكا ... بِالْوَحْي لَا بزخارف الهذيان
وانصر كتاب الله وَالسّنَن الَّتِي ... جَاءَت عَن الْمَبْعُوث بالفرقان
وَاضْرِبْ بِسيف الْوَحْي كل معطل ... ضرب الْمُجَاهِد فَوق كل بنان
واحمل بعزم الصدْق حَملَة مخلص ... متجرد لله غير جبان
واثبت بصبرك تَحت ألوية الْهدى ... فَإِذا أصبت فَفِي رضى الرَّحْمَن
وَاجعَل كتاب الله وَالسّنَن الَّتِي ... ثبتَتْ سِلَاحك ثمَّ صَحَّ بجنان
من ذَا يبارز فليقدم نَفسه ... أومن يسابق يبد فِي الميدان
واصدح بِمَا قَالَ الرَّسُول وَلَا تخف ... من قلَّة الانصار والاعوان
فَالله نَاصِر دينه وَكتابه ... وَالله كَاف عَبده بِأَمَان
لَا تخش من كيد الْعَدو ومكرهم ... فقتالهم بِالْكَذِبِ والبهتان ...
стр. 121
.. فجنود اتِّبَاع الرَّسُول ملائك ... وجنودهم فعساكر الشَّيْطَان
شتان بَين العسكرين فَمن يكن ... متحيزا فَلْينْظر الفئتان
واثبت وَقَاتل تَحت رايات الْهدى ... واصبر فنصر الله رَبك دَان
وَاذْكُر مقاتلهم لفرسان الْهدى ... لله در مقَاتل الفرسان
وادرء بِلَفْظ النَّص فِي نحر العدى ... وارجمهم بثواقب الشهبان
لَا تخش كثرتهم فهم همج الورى ... وذبابه أتخاف من ذبان
واشغلهم عِنْد الْجِدَال ببعضهم ... بَعْضًا فَذَاك الحزم للفرسان
واذا هم حملو عَلَيْك فَلَا تكن ... فَزعًا لحملتهم وَلَا بجبان
واثبت وَلَا تحمل بِلَا جند فَمَا ... هَذَا بمحمود لَدَى الشجعان
فَإِذا رَأَيْت عِصَابَة الاسلام قد ... وافت عساكرها مَعَ السُّلْطَان
فهناك فاخترق الصُّفُوف وَلَا تكن ... بالعاجز الواني وَلَا الفزعان ...
هَذَا شُرُوع فِي وَصِيَّة نافعة ومقدمة جَامِعَة قبل الشُّرُوع فِي المحاكمة بَين الطوائف أوصى بهَا المُصَنّف قدس الله روحه وَنور ضريحه لمن يعقل عَن الله وَذَلِكَ أَن الانسان لم يخلق سدى مهملا بل خلقه الله لامر عَظِيم وخطب جسيم خلقه الله سُبْحَانَهُ لعبادته الجامعة لمحبته وخشيته والذل والخضوع لَهُ وهيأ دارين دَار جَزَاء للمحسنين وَدَار عِقَاب للمخالفين فَتعين على من طلب نجاة نَفسه التهيؤ والا ستعداد لما يقربهُ من رضى ربه وينجيه
стр. 122
من عِقَابه وعذابه وَلَا سَبِيل إِلَى ذَلِك الا مُتَابعَة الرَّسُول ﷺ فِي الدق والجل وَتَقْدِيم طَاعَته على طَاعَة غَيره فَلهَذَا قَالَ يَا ايها الرجل المريد نجاته الخ وكما قَالَ المُصَنّف فِيمَا يَأْتِي يَا من يُرِيد نجاته يَوْم الْحساب من الْجَحِيم وموقد النيرَان اتبع رَسُول الله فِي الاعمال والاقوال الخ قَوْله مُقَدّمَة بِكَسْر الدَّال كمقدمة الْجَيْش أول مَا يتَقَدَّم مِنْهُ وَبِفَتْحِهَا على قلَّة وَقَوله معوان هُوَ اسْم فَاعل وعاونه معاونة وعوانا أَعَانَهُ والمعوان الْحسن المعونة اَوْ كثيرها قَالَه فِي (الْقَامُوس (قَوْله اضْرِب بِسيف الْوَحْي اسْتعَار اسْم السَّيْف للوحي اشارة الى قطعه المنازع لِأَن الْوَحْي دَلِيل قَاطع سَمْعِي عَقْلِي وَالْوَحي هُوَ الْعلم النافع وَالدَّلِيل الْقَاطِع لازخارف الْمُتَكَلِّمين وهذيان الفلاسفة والمتصوفين القاطعة عَن الله وَرَسُوله من تبعها وقدمها على الْوَحْي الْمُبين والمنهج الْوَاضِح المستبين وَهُوَ كتاب الله المتين وَسنة رَسُوله الصَّادِق الامين فقد ضل سَوَاء السَّبِيل وَللَّه در الْقَائِل
... الْعلم قَالَ الله قَالَ رَسُوله ... قَالَ الصَّحَابَة لَيْسَ خلف فِيهِ
مَا الْعلم نصبك للْخلاف سفاهة ... بَين الرَّسُول وَبَين رَأْي سَفِيه
كلا وَلَا نصب الْخلاف جَهَالَة ... بَين النُّصُوص وَبَين رَأْي فَقِيه
كلا وَلَا رد النُّصُوص تعمدا ... حذرا من التجسيم والتشبيه
مَا شا النُّصُوص من الَّذِي رميت بِهِ ... من فرقة التعطيل والتمويه ...
قَوْله وأدر بِلَفْظ النَّص فِي نحر العدى الدرء الدّفع وبابه قطع
стр. 123
قَوْله همج الهمج بِفتْحَتَيْنِ جمع همجة وَهِي ذُبَاب صَغِير كالبعوض يسْقط على وُجُوه الْغنم وَالْحمير وأعينها وَيُقَال للرعاع الحمقى انما هم همج (مُخْتَار الصِّحَاح (قَوْله ذُبَاب الذب الْمَنْع وَالدَّفْع وبابه رد والذبانة بِالضَّمِّ وَتَشْديد الْبَاء وَنون قبل الْهَاء وَاحِدَة الذُّبَاب وَلَا تقل ذبانة بِالْكَسْرِ وَجمع الذُّبَاب فِي الْقلَّة أذبة وَالْكثير ذبان كغراب وأغربة وغربان (مُخْتَار الصِّحَاح (قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... وتعر من ثَوْبَيْنِ من يَلْبسهُمَا ... يلقى الردى بمذمة وهوان
ثوب من الْجَهْل الْمركب فَوْقه ... ثوب التعصب بئست الثوبان
وَتحل بالانصاف أَفْخَر حلَّة ... زينت بهَا الاعطاف والكتفان
وَاجعَل شعارك خشيَة الرَّحْمَن مَعَ ... نصح الرَّسُول فحبذ الامران
وتمسكن بحبله وبوحه ... وتوكلن حَقِيقَة التكلان
فَالْحق وصف الرب وَهُوَ صراطه ال ... هادي اليه لصَاحب الايمان
وَهُوَ الصِّرَاط عَلَيْهِ رب الْعَرْش أَي ... ضا ذَا وَذَا قد جَاءَ فِي الْقُرْآن
وَالْحق مَنْصُور وممتحن فَلَا ... تعجب فهذي سنة الرَّحْمَن
وبذاك يظْهر حزبه من حزبه ... وَلَا جلّ ذَاك النَّاس طَائِفَتَانِ
ولاجل ذَاك الْحَرْب بَين الرُّسُل وَال ... كفار مذ قَامَ الورى سجلان ...
стр. 124
.. لكنما العقبى لأهل الْحق إِن ... فَاتَت هُنَا كَانَت لَدَى الديَّان ...
قَوْله تعره فعل أَمر من التعري يُقَال عري من ثِيَابه بِالْكَسْرِ عريا بِالضَّمِّ فَهُوَ عَار وعريان وَالْمَرْأَة عُرْيَانَة وَمَا كَانَ على فعلان فمؤنثه بِالْهَاءِ قَالَه فِي (مُخْتَار الصِّحَاح (قَوْله الْجَهْل الْمركب هُوَ تصور الشَّيْء على غير مَا هيته وَذَلِكَ أَن حكم الْعقل بِأَمْر على أَمر جازم غير مُطَابق فِي الْخَارِج هُوَ الإعتقاد الْفَاسِد وَهُوَ الْجَهْل الْمركب لتركبه من عدم الْعلم بالشَّيْء واعتقاد غير مُطَابق فَهُوَ أَن يجهل الْحق ويجهل جَهله بِهِ وَالْجهل الْبَسِيط عدم الْعلم وَقيل عدم معرفَة الْمُمكن بِالْفِعْلِ لَا بِالْقُوَّةِ قَوْله فَالْحق وصف الرب وَهُوَ صراطه الْهَادِي اليه لصَاحب الايمان اما اشتقاق الصِّرَاط فَالْمَشْهُور أَنه من صرطت الشَّيْء أصرطه إِذا بلعته بلعا سهلا فَسُمي الطَّرِيق صراطا لِأَنَّهُ يصترط الْمَارَّة فِيهِ والصراط مَا جمع خَمْسَة أَوْصَاف أَن يكون طَرِيقا مُسْتَقِيمًا سهلا مسلوكا وَاسِعًا موصلا إِلَى الْمَقْصُود فَلَا تسمي الْعَرَب الطَّرِيق المعوج صراطا وَلَا الصعب الْمشق وَلَا المسدود غير الْموصل وَمن تَأمل موارد الصِّرَاط فِي لسانهم واستعمالهم تبين ذَلِك قَالَ
... امير الْمُؤمنِينَ على صِرَاط ... إِذا أَعْوَج الْوَارِد مُسْتَقِيم ...
وبنوا الصِّرَاط على زنة فعال لِأَنَّهُ يشْتَمل على سالكه اشْتِمَال الْحق على الشَّيْء المسروط وَهَذَا الْوَزْن كثير فِي المشتملات على الاشياء كاللحاف والخمار والرداء والغطاء والفراش كَذَا أَفَادَهُ النَّاظِم قَوْله فَالْحق وصف الرب وَهُوَ صراطه الْهَادِي إِن الرب تَعَالَى يُوصف بِأَنَّهُ الْحق كَمَا فِي الحَدِيث
стр. 125
الصَّحِيح فِي (صَحِيح البُخَارِيّ (من حَدِيث عبد الله بن عَبَّاس (اللَّهُمَّ أَنْت الْحق وَوَعدك حق ولقاؤك حق (الحَدِيث وَقَوله وَهُوَ الصِّرَاط عَلَيْهِ رب الْعَرْش يُشِير الى قَوْله تَعَالَى ﴿إِن رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ هود ٥٦ أَي هُوَ على الْحق وَا لعدل
قَوْله وَهُوَ صراطه الخ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله﴾ الانعام ١٥٣ قَالَ ابْن مَسْعُود خطّ رَسُول الله ﷺ خطا بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ هَذَا سَبِيل الله مُسْتَقِيمًا ثمَّ خطّ خُطُوطًا عَن يَمِينه وشماله وَقَالَ هَذِه سبل وعَلى كل سَبِيل شَيْطَان يَدْعُو إِلَيْهِ ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ وَهَذَا لِأَن الطَّرِيق الموصلة الى الله وَاحِدَة وَهُوَ مَا بعث بِهِ رسله وَأنزل بِهِ كتبه لَا يصل اليه أحد الا من هَذِه الطَّرِيق وَلَو اتى النَّاس من كل طَرِيق واستفتحوا من كل بَاب فالطرق عَلَيْهِم مسدودة والابواب عَلَيْهِم مغلقة الا من هَذَا الطَّرِيق الْوَاحِد فَإِنَّهُ مُتَّصِل بِاللَّه موصل إِلَى الله قَالَ تَعَالَى ﴿هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم﴾ الْحجر ٤١ قَالَ الْحسن مَعْنَاهُ صِرَاط إِلَيّ مُسْتَقِيم وَهَذَا يحْتَمل أَمريْن ان يكون أَرَادَ بِهِ أَنه من بَاب إِقَامَة الادوات بَعْضهَا مقَام بعض فَقَامَتْ أَدَاة (عَليّ) مقَام (إِلَيّ) وَالثَّانِي أَنه أَرَادَ التَّفْسِير على الْمَعْنى وَهُوَ الاشبه بطرِيق السّلف أَي صِرَاط موصل إِلَيّ وَقَالَ مُجَاهِد الْحق يرجع الى الله وَعَلِيهِ طَرِيقه لَا يعرج على شَيْء وَمثل قَول الْحسن وَأبين مِنْهُ وَهُوَ من أصح مَا قيل فِي الاية وَقيل (على) فِيهِ للْوُجُوب أَي عَليّ بَيَانه
стр. 126
وتعريفه وَالدّلَالَة عَلَيْهِ وَالْقَوْلَان نَظِير الْقَوْلَيْنِ فِي آيَة النَّحْل وَهِي ﴿وعَلى الله قصد السَّبِيل﴾ النَّحْل ٩ وَالصَّحِيح فِيهَا كَالصَّحِيحِ فِي آيَة الْحجر أَن السَّبِيل القاصد وَهُوَ الْمُسْتَقيم المعتدل يرجع الى الله ويوصل اليه قَالَ طفيل الغنوي
... مضوا سلفا قصد السَّبِيل عَلَيْهِم ... وَصرف المنايا بِرِجَال تقلب ...
أَي مرورنا عَلَيْهِم واليهم وصولنا وَقَالَ الاخر
... فهن المنايا أَي وَاد سلكته ... عَلَيْهَا طريقي أَو عَليّ طريقها ...
افاده المُصَنّف فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَات قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... وَاجعَل لقلبك هجرتين وَلَا تنم ... فهما على كل امرء فرضان
فالهجرة الاولى إِلَى الرَّحْمَن بَال ... إخلاص فِي سرو وَفِي إعلان
فالقصد وَجه الله بالاقوال وَال ... أَعمال والطاعات والشكران
فبذاك ينجو العَبْد من إشراكه ... وَيصير حَقًا عَابِد الرَّحْمَن
وَالْهجْرَة الاخرى الى الْمَبْعُوث بَال ... حق الْمُبين وواضح الْبُرْهَان
فيدور مَعَ قَول الرَّسُول وَفعله ... نفيا واثباتا بِلَا روغان
وَيحكم الْوَحْي الْمُبين على الَّذِي ... قَالَ الشُّيُوخ فَعنده حكمان
لَا يحكمان بباطل أبدا وكل ... الْعدْل قد جَاءَت بِهِ الحكمان ...
стр. 127
.. وهما كتاب الله أعدل حَاكم ... فِيهِ الشفا وهداية الحيران
وَالْحَاكِم الثَّانِي كَلَام رَسُوله ... مَا ثمَّ غَيرهمَا لذِي ايمان
فَإِذا دعوك لغير حكمهمَا فَلَا ... سمعا لداعي الْكفْر والعصيان
قل لَا كَرَامَة لَا وَلَا نعما وَلَا ... طَوْعًا لمن يَدْعُو الى طغيان
واذا دعيت الى الرَّسُول فَقل لَهُم ... سمعا وطوعا لست ذَا عصيان
واذا تكاثرت الْخُصُوم وصيحوا ... فَاثْبتْ فصيحتهم كَمثل دُخان
يرقى الى الاوج الرفيع وَبعده ... يهوي الى قَعْر الحضيض الداني ...
شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي ذكر الهجرتين فالهجرة الاولى الى الله تَعَالَى باخلاص الْأَعْمَال والتوجه اليه بامتثال أمره وَاجْتنَاب نَهْيه وَالْهجْرَة الثَّانِيَة الى الرَّسُول ﷺ باتباعه وَتَقْدِيم قَوْله فِي الدق والجل وَترك قَول غَيره لقَوْله وللمصنف رَحمَه الله تَعَالَى كتاب سَمَّاهُ (سفر الهجرتين وَطَرِيق السعادتين (اتى بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ فَرَاجعه إِن شِئْت وَقَوله إِلَى الاوج الرفيع الاوج مُعرب أوك وَهُوَ كلمة أَعْجَمِيَّة مَعْنَاهَا الْعُلُوّ والحضيض الْقَرار من الارض عِنْد مُنْقَطع الْجَبَل وَفِي الحَدِيث انه أهدي إِلَى رَسُول الله ﷺ هَدِيَّة فَلم يجد شَيْئا يَضَعهُ عَلَيْهِ فَقَالَ (ضَعْهُ بالحضيض فَإِنَّمَا انا عبد آكل كَمَا يَأْكُل العَبْد (يعْنى ضَعْهُ بالارض قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 128
.. هَذَا وان قتال حزب الله بَال ... أَعمال لَا بكتائب الشجعان
وَالله مَا فتحُوا الْبِلَاد بِكَثْرَة أَنى وأعداهم بِلَا حسبان ... وكذاك مَا فتحو الْقُلُوب بِهَذِهِ ال
آراء بل بِالْعلمِ والايمان ... وشجاعة الفرسان نفس الزّهْد فِي
نفس وَذَا مَحْذُور كل جبان ... وشجاعة الْحُكَّام وَالْعُلَمَاء زه
د فِي الثنامن كل ذِي بطلَان ... فاذا هما اجْتمعَا لقلب صَادِق
شدت ركائبه الى الرَّحْمَن ... واقصد الى الأقران لَا أطرافها
فالعز تَحت مقَاتل الاقران ... واسمع نصيحة من لَهُ خبر بِمَا
عِنْد الورى من كَثْرَة الجولان ... مَا عِنْدهم وَالله خير غير مَا
أَخَذُوهُ عَمَّن جَاءَ بِالْقُرْآنِ ... وَالْكل بعد فبدعة أَو فِرْيَة
اَوْ بحث تشكيك ورأي فلَان ... فَاصْدَعْ بِأَمْر الله لَا تخش الورى
فِي الله اخشاه تفز بِأَمَان ... واهجر وَلَو كل الورى فِي ذَاته
لَا فِي هَوَاك ونخوة الشَّيْطَان ... واصبر بِغَيْر تسخط وشكاية
واسفح بِغَيْر عتاب من هُوَ جَان ... واهجرهم الهجر الْجَمِيل بِلَا أَذَى
ان لم يكن بُد من الهجران ...
стр. 129
قَوْله وَالله مَا فتحُوا الْبِلَاد بِكَثْرَة الخ أَي ان الاسلام فِي بدايته كَانَ غَرِيبا كَمَا قَالَ ﷺ (بَدَأَ الْإِسْلَام غَرِيبا وَسَيَعُودُ غَرِيبا كَمَا بَدَأَ (وكما فِي حَدِيث عَمْرو بن عبسة لما قدم على النَّبِي ﷺ وَهُوَ مستخف بِمَكَّة فَقَالَ لَهُ من مَعَك على هَذَا قَالَ حر وَعبد يَعْنِي أَبَا بكر وبلالا ﵄ ثمَّ فتح الله عَلَيْهِ وعَلى أَصْحَابه من بعده مَا هُوَ مَعْرُوف فِي كتب السّير والكتائب جمع كَتِيبَة وَهُوَ الْجَمَاعَة من الْخَيل والجيش
قَوْله وَالْكل بعد فبدعة أَو فِرْيَة الْبِدْعَة هِيَ مَا أحدث مِمَّا يُخَالف كتاب أَو سنة والفرية الْكَذِب يُقَال فرى كذبا خلقه وَالِاسْم الْفِرْيَة وَقَوله تَعَالَى ﴿شَيْئا فريا﴾ مَرْيَم ٢٧ أَي مصنوعا مختلقا وَقَوله الجولان جال من بَاب قَالَ وجولانا أَيْضا بِفَتْح الْوَاو والجولان بِسُكُون الْوَاو جبل بِالشَّام وتجاولوا فِي الْحَرْب جال بَعضهم على بعض (مُخْتَار الصاح (
قَوْله نخوة الشَّيْطَان النخوة الْكبر وَالْعَظَمَة يُقَال انتخى فلَان علينا أَي افتخر وتعظم قَالَه فِي (مُخْتَار الصِّحَاح (
قَوْله واهجرهم الهجر الْجَمِيل الخ قَالَ النَّاظِم فِي (بَدَائِع الْفَوَائِد (سَمِعت شيخ الاسلام يَقُول ذكر الله الصَّبْر الْجَمِيل والصفح الْجَمِيل والهجر الْجَمِيل فالصبر الْجَمِيل الَّذِي لَا شكوى مَعَه والهجر الْجَمِيل الَّذِي لَا أَذَى مَعَه والصفح الْجَمِيل الَّذِي لَا عتاب مَعَه انْتهى
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 130
.. وَانْظُر الى الاقدار جَارِيَة بِمَا
قد شَاءَ من غي وَمن ايمان ... وَاجعَل لقلبك مقلتين كِلَاهُمَا
بِالْحَقِّ فِي ذَا الْخلق ناظرتان ... فَانْظُر بِعَين الحكم وارحمهم بهَا
اذ لَا ترد مَشِيئَة الديَّان ... وَانْظُر بِعَين الامر واحملهم على
احكامه فهما إِذا نظران ... وَاجعَل لوجهك مقلتين كِلَاهُمَا
من خشيَة الرَّحْمَن باكيتان ... لوشاء رَبك كنت أَيْضا مثله
فالقلب بَين أَصَابِع الرَّحْمَن ... وَاحْذَرْ كمائن نَفسك اللَّاتِي مَتى
خرجت عَلَيْك كسرت كسر مهان ... واذا انتصرت لَهَا فَأَنت كمن بغى
طفي الدُّخان بموقد النيرَان ... وَالله أخبر وَهُوَ أصدق قَائِل
أَن سَوف ينصر عَبده بِأَمَان ... من يعْمل السوآء سيجزى مثلهَا
اَوْ يعْمل الْحسنى يفز بجنان ... هذي وَصِيَّة نَاصح ولنفسه
وصّى وَبعد لسَائِر الاخوان ...
مُرَاد المُصَنّف رَحمَه الله تَعَالَى بِهَذِهِ الابيات أَن يبين الحكم الكوني القدري وَالْحكم الديني الامري الشَّرْعِيّ فَإِن جَمِيع أَفعَال الْخلق من الطَّاعَات والايمان وَالْكفْر والايمان لَا تخرج عَن حكم الرب تَعَالَى الكوني القدري فان جَمِيع الاشياء خلقه تَعَالَى بقدرته ومشيئته وَلَكِن مَعَ ذَلِك لَا بُد من النّظر الى الحكم الديني الشَّرْعِيّ فَمَعْنَى كَلَامه انك اذا نظرت الى الْخلق بِعَين الحكم رحمتهم لَان مشيئه الله تَعَالَى لَا ترد وَمَا شَاءَ
стр. 131
الله كَانَ ومالم يَشَأْ لم يكن وَلَكِن مَعَ ذَلِك انْظُر الى عين الامر واحملهم عَلَيْهَا أَي فحد الزَّانِي واقطع السَّارِق واجلد الْقَاذِف واقتل الْقَاتِل وَنَحْو ذَلِك مِمَّا أَمر الله وَرَسُوله بِهِ وَهَذَا معنى قَوْله فَانْظُر بِعَين الحكم وارحهم بهَا الخ وَمعنى قَوْله وَانْظُر بِعَين الامر واحملهم على الخ قَالَ المُصَنّف رَحمَه الله تَعَالَى فِي (شرح منَازِل السائرين (فِي منزلَة الفكرة لما تكلم على الفناء الَّذِي يذكرهُ الصُّوفِيَّة فصل وأصل هَذَا الفناء الِاسْتِغْرَاق فِي تَوْحِيد الربوبية وَهُوَ رُؤْيَة تفرد الله بِخلق الاشياء وملكها واختراعها وَأَنه لَيْسَ فِي الْوُجُود قطّ الا مَا شاءه وَكَونه فَيشْهد مَا اشتركت فِيهِ الْمَخْلُوقَات من خلق الله اياها ومشيئته لَهَا وَقدرته عَلَيْهَا وشمول قيوميته وربوبيته لَهَا وَلَا يشْهد مَا افْتَرَقت فِيهِ من محبَّة الله لهَذَا وبغضه لهَذَا وَأمره ٢ بِمَا أَمر بِهِ وَنَهْيه عَمَّا نهى عَنهُ وموالاته لقوم ومعاداته لآخرين فَلَا ٢ يشْهد التَّفْرِقَة فِي الْجمع وَهِي تَفْرِقَة الْخلق والامر فِي جمع الربوبية وتفرقه مُوجب الالهية فِي جمع الربوبية وتفرقة الارادة الدِّينِيَّة فِي جمع الارادة الكونية وتفرقه مَا يُحِبهُ ويرضاه فِي جمع مَا قدره وقضاه وَلَا يشْهد الْكَثْرَة فِي الْوُجُود وَهِي كَثْرَة مَعَاني الاسماء الْحسنى وَالصِّفَات العلى واقتضاؤها لآثارها فِي وحدة الذَّات الموصوفة بهَا فَلَا يشْهد كَثْرَة دلالات أَسمَاء الرب تَعَالَى وَصِفَاته على وحدة ذَاته فَهُوَ الله الَّذِي لَا اله الا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار المتكبر وكل اسْم لَهُ صفة وللصفة حكم فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَاحِد الذَّات كثير الاسماء وَالصِّفَات فَهَذِهِ كَثْرَة فِي وحدة وَالْفرق بَين مأموره ومنهيه ومحبوبه ومبغوضه ووليه وعدوه تفرقه فِي جمع فَمن لم يَتَّسِع شُهُوده لهَذِهِ الامور الاربعة فَلَيْسَ من خَاصَّة اولياء الله العارفين بل لَو ضَاقَ شُهُوده عَنْهَا مَعَ اعترافه بهَا فَهُوَ مُؤمن نَاقص وان جَحدهَا أَو شَيْئا مِنْهَا فَكفر صَرِيح أَو بِتَأْوِيل
стр. 132
مثل أَن يجْحَد تَفْرِقَة الْأَمر وَالنَّهْي أَو جمع الْقَضَاء وَالْقدر أَو كَثْرَة مَعَاني الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ووحدة الذَّات فليتدبر اللبيب السالك هَذَا الْمَوْضُوع حق التدبر وليعرف قدره فَإِنَّهُ مجامع طرق الْعَالمين وأصل تفرقهم قد ضبطت لَك معاقده وأحكمت لَك قَوَاعِده وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَإِنَّمَا يعرف قدر هَذَا من اجتاز القفار واقتحم الْبحار وَعرض لَهُ مَا يعرض لسالك القفر وراكب الْبَحْر وَمن لم يُسَافر وَيخرج عَن وَطن طبعه ومرباه وَمَا ألف عَلَيْهِ أَصْحَابه وَأهل زَمَانه فَهُوَ بمعزل عَن هَذَا فَإِن عرف قدره وَكفى النَّاس شَره فَهَذَا يُرْجَى لَهُ السَّلامَة وَإِن عدا طوره وَأنكر مَا لم يعرفهُ وَكذب بِمَا لم يحط بِهِ علما ثمَّ تجَاوز إِلَى تَكْفِير من خَالفه وَلم يُقَلّد شُيُوخه ويرضى بِمَا رَضِي هُوَ بِهِ لنَفسِهِ فَذَلِك هُوَ الظَّالِم الْجَاهِل الَّذِي مَا ضرّ إِلَّا نَفسه وَلَا أضاع إِلَّا حَظه انْتهى وَالله أعلم
فصل وَهَذَا أول عقد مجْلِس التَّحْكِيم
... فاجلس إِذا فِي مجْلِس الْحكمَيْنِ للرحمن
لَا للنَّفس والشيطان ... الأول النَّقْل الصَّحِيح وَبعده ال
عقل الصَّرِيح وفطرة الرَّحْمَن ... واحكم إِذا فِي رفْقَة قد سافروا
يَبْغُونَ فاطر هَذِه الأكوان ... فترافقوا فِي سيرهم وتفارقوا
عِنْد افْتِرَاق الطّرق الحيران ...
стр. 133
.. فَأتى فريق ثمَّ قَالَ وجدته
هَذَا الْوُجُود بِعَيْنِه وعيان ... مَا ثمَّ وجود سواهُ وَإِنَّمَا
غلط اللِّسَان فَقَالَ موجودان ... فَهُوَ السَّمَاء بِعَينهَا ونجومها
وَكَذَلِكَ الأفلاك والقمران وَهُوَ الْغَمَام بِعَيْنِه والثلج وَال ... أمطار مَعَ برد وَمَعَ حسبان
وَهُوَ الْهَوَاء بِعَيْنِه وَالْمَاء والت ... ترب الثقيل وَنَفس ذِي النيرَان
هذي بسائطه وَمِنْه تركبت ... هذي الْمظَاهر مَا هُنَا شَيْئَانِ
وَهُوَ الْفَقِير لَهَا لأجل ظُهُوره ... فِيهَا كفقر الرّوح للأبدان
وَهِي الَّتِي افْتَقَرت إِلَيْهِ لِأَنَّهُ ... هُوَ ذَاتهَا ووجودها الحقان
ة تظل تلبسه وتخلعه وَذَا فِي ال ... إِيجَاد والإعدام كل أَوَان
ويظل يلبسهَا ويخلعها وَذَا ... حكم الْمظَاهر كي يرى بعيان
وتكثر الْمَوْجُود كالأعضاء فِي ال ... محسوس من بشر وَمن حَيَوَان
أَو كالقوى فِي النَّفس ذَلِك وَاحِد ... متكثر قَامَت بِهِ الْأَمْرَانِ
فَيكون كلا هَذِه أجزاؤه ... هذي مقَالَة مدعي الْعرْفَان
أَو أَنَّهَا كتكثر الْأَنْوَاع فِي ... جنس كَمَا قَالَ الْفَرِيق الثان
فَيكون كليا وجزيائاته ... هَذَا الْوُجُود فَهَذِهِ قَولَانِ
إِحْدَاهمَا نَص (الفصوص (وَبعده ... قَول ابْن سبعين وَمَا الْقَوْلَانِ
стр. 134
.. عِنْد الْعَفِيف التلمساني الَّذِي
هُوَ غَايَة فِي الْكفْر والبهتان ... إِلَّا من الأغلاط فِي حس وَفِي
وهم وَتلك طبيعة الأنسان ... وَالْكل شَيْء وَاحِد فِي نَفسه
مَا للتعدد فِيهِ من سُلْطَان ... فالضيف والمأكول شَيْء وَاحِد
وَالوهم يحْسب هَا هُنَا شَيْئَانِ وَكَذَلِكَ الموطوء عين الْوَطْء وَال ... وهم الْبعيد يَقُول ذان اثْنَان
تَقْسِيم الْكل إِلَى أَجْزَائِهِ كانقسام السكنجبين إِلَى خل وَعسل وتقسيم الْكُلِّي إِلَى جزئياته كانقسام الْحَيَوَان إِلَى إِنْسَان وَفرس
... ولربما قَالَ مقَالَته كَمَا
قد قَالَ قَوْلهمَا بِلَا فرقان ... وأبى سواهُم ذَا وَقَالَ مظَاهر
تجلوه ذَات توَحد ومثان ... فَالظَّاهِر المجلو شَيْء وَاحِد
لَكِن مظاهره بِلَا حسبان ... هذي عِبَارَات لَهُم مضمونها
مَا ثمَّ غير قطّ فِي الْأَعْيَان ... فالقوم مَا صانوه عَن إنس وَلَا
جن وَلَا شجر وَلَا حَيَوَان ... كلا وَلَا علو وَلَا سفل وَلَا
وَاد وَلَا جبل وَلَا كُثْبَان ... كلا وَلَا طعم وَلَا ريح وَلَا
صَوت وَلَا لون من الألوان ... لكنه المطعوم والملبوس وَال
مشموم والمسموع بالآذان ... وكذاك قَالُوا أَنه المنكوح وَال
مَذْبُوح بل عين الغوي الزَّانِي ...
стр. 135
.. وَالْكفْر عِنْدهم هدى وَلَو أَنه
دين الْمَجُوس وعابدي الْأَوْثَان ... قَالُوا وَمَا عبدُوا سواهُ وَإِنَّمَا
ضلوا بِمَا خصوا من الْأَعْيَان ... وَلَو أَنهم عموا وَقَالُوا كلهَا
معبودة مَا كَانَ من كفران ... فالكفر ستر حَقِيقَة المعبود
بالتسخصيص عِنْد مُحَقّق رباني ... قَالُوا وَلم يَك كَافِرًا فِي قَوْله
أَنا ربكُم فِرْعَوْن ذُو الطغيان ... بل كَانَ حَقًا قَوْله إِذْ كَانَ عي
ن الْحق مضطلعا بِهَذَا الشان ... وَلذَا غَدا تغريقة فِي الْبَحْر تط
هيرا من الأوهام والحسبان ... قَالُوا وَلم يَك مُنْكرا مُوسَى لما
عبدوه من عجل لذِي الخوران ... الاعلى من كَانَ لَيْسَ بعابد
مَعَهم وَأصْبح ضيق الأعطان ... ولذاك جر بلحية الْأَخ حَيْثُ لم
يَك وَاسِعًا فِي قومه لبطان ... بل فرق الانكار مِنْهُ بَينهم ... لما سرى فِي وهمه غيران
وَلَقَد رأى إِبْلِيس عارفهم فأه ... وى بِالسُّجُود هُوَ ذِي خضعان
قَالُوا لَهُ مَاذَا صنعت فَقَالَ هَل ... غير الْإِلَه وأنتما عُمْيَان
مَا ثمَّ غير فاسجدوا إِن شِئْتُم ... للشمس والأصنام والشيطان
فا لكل عين الله عِنْد مُحَقّق ... وَالْكل معبود لذِي الْعرْفَان
هَذَا هوالمعبود عِنْدهم فَقل ... سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ذَا السبحان ...
стр. 136
.. يَا أمة معبودها موطوؤها ... أَيْن الأله وثغرة الطعان
يَا أمة قد صَار من كفرانها ... جُزْء يسير جملَة الكفران ...
أَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِيمَا وضع لَهُ الْكتاب وَهُوَ المحاكمة بَين الطوائف فَبَدَأَ بمقالة الوجودية الَّذين هم أكفر أهل الأَرْض نَعُوذ بِاللَّه من الزيغ
قَوْله فَيكون كلا هَذِه أجزاؤه أَي أَن أحد قوليهم إِنَّه كالأعضاء فِي الصُّورَة الحيوانية أَو كالقوى المعنوية فِي النَّفس فَيكون كلا وأجزاؤه الاعضاء أَو القوى وعَلى القَوْل الثَّانِي لَهُم إِنَّه كتكثر الْأَنْوَاع فِي الْجِنْس فَتكون الموجودات جزئياته وَهُوَ كلي لَهَا تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الزائغون علوا كَبِيرا وَالْأول نَص (الفصوص (وَالثَّانِي قَول ابْن سبعين وَلَكِن عِنْد الْعَفِيف التلمساني الْقَوْلَانِ من الأغلاط وَالْكل عِنْده شيئ وَاحِد فِي نَفسه وَرُبمَا قَالَا مقَالَته أَي ابْن سبعين وَابْن عَرَبِيّ رُبمَا قولا مقَالَته وَهُوَ قد يَقُول قَوْلهمَا نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك
وَقد ذكر شيخ الْإِسْلَام بِأَن تَيْمِية فِي كِتَابه الْمُسَمّى ب (السبعينية (أَقْوَال هَؤُلَاءِ فَذكر أَن كَلَام صَاحب (الفصوص (يَدُور على أصلين أَحدهمَا أَن الْأَشْيَاء كلهَا ثَابِتَة فِي الْعَدَم مستغنية بِنَفسِهَا وَذَات الْمَخْلُوق إِذْ لَيْسَ عِنْده ذَات واجبه متميزة بوجودها عَن الذوات الممكنة وَأَن كَانَ قد يتناقض فِي ذَلِك قَوْلهم فَإِنَّهُم كلهم يتناقضون وكل من خَالف الرُّسُل فَلَا بُد أَنه يتناقض قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّكُم لفي قَول مُخْتَلف يؤفك عَنهُ من أفك﴾ الذاريات ٨ ٩ وَقَالَ ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ النِّسَاء ٨٢
стр. 137
الأَصْل الثَّانِي أَن الْوُجُود الَّذِي لهَذِهِ الذوات الثَّابِتَة هُوَ عين وجود الْحق الْوَاجِب وَلِهَذَا قَالَ فِي أول (الفصوص (فِي الشيشية وَمن هَؤُلَاءِ يعْنى الَّذين لَا يسْأَلُون الله من يعلم أَن علم الله بِهِ فِي جَمِيع أَحْوَاله هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ من حَال ثُبُوت عينه قبل وجودهَا وَيعلم أَن الْحق لَا يُعْطِيهِ إِلَّا مَا أعطَاهُ عينه من الْعلم بِهِ وَهُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَال ثُبُوته فَيعلم علم الله بِهِ من أَيْن حصل وَمَا ثمَّ صنف من أهل الله أَعلَى وأكشف من هَذَا الصِّنْف فهم الواقفون على سر الْقدر وهم على قسمَيْنِ مِنْهُم من يعلم ذَلِك مُجملا وَمِنْهُم من يعلم ذَلِك مفصلا وَالَّذِي يُعلمهُ مفصلا أَعلَى وَأتم من الَّذِي يُعلمهُ مُجملا فَإِنَّهُ يعلم مَا فِي علم الله فِيهِ وَإِمَّا بإعلام الله إِيَّاه بِمَا أعطَاهُ عينه من الْعلم بِهِ وَإِمَّا بِأَن يكْشف لَهُ عَن عينه الثَّابِتَة وانتقالات الْأَحْوَال عَلَيْهَا إِلَى مَالا يتناهى وَهُوَ أَعلَى فَإِنَّهُ يكون فِي علمه بِنَفسِهِ بِمَنْزِلَة علم الله بِهِ لِأَن الْأَخْذ من مَعْدن وَاحِد هَذَا لَفظه وَقد كشف شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية عَن مقالات رُؤُوس هَؤُلَاءِ الإتحادية وأوضح كَلَام كل وَاحِد مِنْهُم فِي رسَالَته إِلَى الشَّيْخ نصر المنبجي قَالَ فِيهَا وَأما مَا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ من الإتحاد الْعَام فَمَا علمت أحدا سبقهمْ إِلَيْهِ إِلَّا من أنكر وجود الصَّانِع مثل فِرْعَوْن والقرامطة وَذَلِكَ أَن حَقِيقَة أَمرهم أَنهم يرَوْنَ أَن عين وجود الْحق هُوَ عين وجود الْخلق وان وجود ذَات الله خَالق السَّمَوَات وَالْأَرْض هِيَ نفس وجود الْمَخْلُوقَات وَلَا أَنه غَنِي وَمَا سواهُ فَقير لَكِن تفَرقُوا على ثَلَاثَة طرق وَأكْثر من ينظر فِي كَلَامهم لَا يفهم حَقِيقَة أَمرهم لِأَنَّهُ أَمر مُبْهَم الأول أَن يَقُولُوا إِن الذوات بأسرها كَانَت ثَابِتَة فِي الْعَدَم وَإِن ذَاتهَا أبدية أزلية حَتَّى ذَوَات الْحَيَوَان والنبات والمعادن والحركات
стр. 138
والسكنات وَإِن وجود الْحق فاض على تِلْكَ الذوات فوجودها وجود الْحق وذواتها لَيست ذَات الْحق ويفرقون بَين الْوُجُود والثبوت فَمَا كنت بِهِ فِي ثبوتك ظَهرت بِهِ فِي وجودك وَيَقُولُونَ إِن الله سُبْحَانَهُ لم يُعْط أحدا شَيْئا وَلَا أغْنى أحدا وَلَا اسعده وَلَا أشقاه وَإِنَّمَا وجوده فاض على الذوات فَلَا تحمد إِلَّا نَفسك وَلَا تذم إِلَّا نَفسك وَيَقُولُونَ إِن هَذَا هُوَ سر الْقدر وَأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا علم الْأَشْيَاء من جِهَة رُؤْيَته لَهَا ثَابِتَة فِي الْعَدَم خَارِجا عَن نَفسه المقدسة وَيَقُولُونَ إِن الله تَعَالَى لَا يقدر أَن يُغير ذرة من الْعَالم وَأَنَّهُمْ قد يعلمُونَ الْأَشْيَاء من حَيْثُ علمهَا الله سُبْحَانَهُ فَيكون علمهمْ وَعلم الله تَعَالَى من مَعْدن وَاحِد وَأَنَّهُمْ يكونُونَ أفضل من خَاتم الرُّسُل من بعض الْوُجُوه لأَنهم ياخذون من الْمَعْدن الَّذِي أَخذ مِنْهُ الْملك الَّذِي يُوحى بِهِ إِلَى الرُّسُل وَيَقُولُونَ إِنَّهُم لم يعبدوا غير الله وَلَا يتَصَوَّر أَن يعبدوا غير الله تَعَالَى وَأَن عباد الْأَصْنَام مَا عبدُوا إِلَّا الله سُبْحَانَهُ وَأَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَقضى رَبك أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه﴾ الْإِسْرَاء ٢٣ بِمَعْنى حكم لَا بِمَعْنى أَمر فَمَا عبد غير الله فِي كل معبود فَإِن الله تَعَالَى مَا قضى بشيئ إِلَّا وَقع وَيَقُولُونَ إِن الدعْوَة إِلَى الله تَعَالَى مكر بالمدعو فَإِنَّهُ مَا عدم من الْبِدَايَة فيدعى إِلَى الْغَايَة وَأَن قوم نوح قَالُوا لَا تذرن آلِهَتكُم وَلَا تذرن ودا وَلَا سواعا لأَنهم لَو تركوهم لتركوا من الْحق بِقدر مَا تركُوا مِنْهُم لِأَن للحق فِي كل معبود وَجها يعرفهُ من عرفه وينكره من أنكرهُ وَأَن التَّفْرِيق وَالْكَثْرَة كالأعضاء فِي الصُّورَة المحسوسة وكالقوى المعنوية فِي الصُّورَة الروحانية وَأَن الْعَارِف مِنْهُم يعرف من عبد وَفِي أَي صُورَة ظهر حَتَّى عبد فَإِن الْجَاهِل يَقُول هَذَا حجر وَشَجر والعارف يَقُول هَذَا مجلى إلهي يَنْبَغِي تَعْظِيمه فَلَا تقتصر وَأَن
стр. 139
النَّصَارَى إِنَّمَا كفرُوا لأَنهم خصصوا وَأَن عباد الْأَصْنَام مَا أخطؤوا إِلَّا من حَيْثُ اقتصارهم على عبَادَة بعض الْمظَاهر والعارف يعبد كل شيئ وَالله أَيْضا يعبد كل شيئ لِأَن الْأَشْيَاء غذاؤه بالأسماء والاحكام وَهُوَ غذاؤها بالوجود وَهُوَ فَقير إِلَيْهَا وَهِي فقيرة إِلَيْهِ وَهُوَ خَلِيل كل شيئ بهذاالمعنى ويجعلون أسم الله الْحسنى هِيَ مُجَرّد نِسْبَة وَإِضَافَة بَين الْوُجُود والثبوت وَلَيْسَت إِلَّا أُمُور عدمية وَيَقُولُونَ من أَسْمَائِهِ الْحسنى (الْعلي) عَن مَاذَا وَمَا ثمَّ إِلَّا هُوَ وعَلى مَاذَا وَمَا ثمَّ غَيره فالمسمى محدثات هِيَ الْعلية لذاتها وَلَيْسَت إِلَّا هُوَ وَمَا نكح إِلَّا نَفسه وَمَا ذبح سوى نَفسه والمتكلم هُوَ عين المستمع وَأَن مُوسَى إِنَّمَا عتب على هَارُون حَيْثُ نَهَاهُم عَن عبَادَة الْعجل لضيقة وَعدم اتساعه وَإِن مُوسَى كَانَ أوسع فِي الْعلم فَعلم أَنهم لم يعبدوا إِلَّا الله وَأَن أَعلَى مَا عبد الْهوى وَأَن كل من اتخذ إلهه هَوَاهُ فَمَا عبد إِلَّا الله وَفرْعَوْن كَانَ عِنْدهم من أعظم العارفين وَقد صدقه السَّحَرَة فِي قَوْله ﴿أَنا ربكُم الْأَعْلَى﴾ النازعات ٢٤ وَفِي قَوْله ﴿مَا علمت لكم من إِلَه غَيْرِي﴾ الْقَصَص ٣٨ وَكنت أخاطب بكشف أَمرهم لبَعض الْفُضَلَاء وَأَقُول إِن حَقِيقَة أَمرهم هُوَ حَقِيقَة قَول فِرْعَوْن الْمُنكر لوُجُود الصَّانِع حَتَّى حَدثنِي بعض الثِّقَات عَن كثير من كبرائهم أَنهم يعترفون وَيَقُولُونَ نَحن على قَول فِرْعَوْن وَهَذِه الْمعَانِي كلهَا هِيَ قَول صَاحب (الفصوص (وَالله تَعَالَى أعلم بِمَا مَاتَ الرجل عَلَيْهِ وَالله يغْفر لجَمِيع الْمُسلمين وَالْمُسلمَات وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات الْأَحْيَاء مِنْهُ والأموات رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤوف رَحِيم
وَالْمَقْصُود أَن هَذَا حَقِيقَة مَا تضمنه كتاب (الفصوص (الْمُضَاف إِلَى النَّبِي ﷺ أَنه جَاءَ بِهِ وَهُوَ مَا إِذا فهمه الْمُسلم علم بالاضطرار أَن جَمِيع
стр. 140
الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَجَمِيع الْأَوْلِيَاء وَالصَّالِحِينَ بل وَجَمِيع عوام أهل الْملَل من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ يبرؤون إِلَى الله تَعَالَى من بعض هَذَا القَوْل فَكيف مِنْهُ كُله وَيعلم أَن الْمُشْركين عباد الْأَوْثَان وَالْكفَّار أهل الْكتاب يعترفون بِوُجُود الصَّانِع الْخَالِق البارئ المصور الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور رَبهم وَرب آبَائِهِم الْأَوَّلين رب الْمشرق وَالْمغْرب وَلَا يَقُول أحد مِنْهُم إِنَّه عين الْمَخْلُوقَات وَلَا نفس المصنوعات كَمَا يَقُوله هَؤُلَاءِ حَتَّى إِنَّهُم يَقُولُونَ لَو زَالَت السَّمَوَات وَالْأَرْض زَالَت حَقِيقَة الله وَهَذَا مركب من أصلين أَحدهمَا أَن الْمَعْدُوم شَيْء ثَابت فِي الْعَدَم كَمَا يَقُوله كثير من الْمُعْتَزلَة والرافضة وَهُوَ مَذْهَب بَاطِل بِالْعقلِ الْمُوَافق للْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَكثير من متكلمة أهل الْإِثْبَات كَالْقَاضِي أبي بكر كفر من يَقُول بِهَذَا وَإِنَّمَا غلط هَؤُلَاءِ من حَيْثُ لم يفرقُوا بَين علم الله بالأشياء قبل كَونهَا وَأَنَّهَا مثبتة عِنْده فِي أم الْكتاب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَبَين ثُبُوتهَا فِي الْخَارِج عَن علم الله تَعَالَى فَإِن مَذْهَب الْمُسلمين أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن الله يعلم الْأَشْيَاء بِعِلْمِهِ الْقَدِيم الأزلي وَأَنه كتب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ مقادير الْخَلَائق قبل أَن يخلقها فيفرقون بَين الْوُجُود العلمي الْكِتَابِيّ وَبَين الْوُجُود الْعَيْنِيّ الْخَارِجِي وَلِهَذَا كَانَ أول مَا نزل على رَسُوله الله ﷺ سُورَة ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم﴾ العلق ١ ٥ فَذكر الْمَرَاتِب الْأَرْبَعَة وَهِي الْوُجُود الْعَيْنِيّ الَّذِي خلقه وَذكر الْوُجُود الرسمي المطابق اللَّفْظِيّ الدَّال على العلمي وَبَين أَن الله تَعَالَى علمه وَلِهَذَا ذكر أَن التَّعْلِيم بالقلم فَإِنَّهُ مُسْتَلْزم للمراتب الثَّلَاثَة وَهَذَا القَوْل أَعنِي قَول من يَقُول أَن الْمَعْدُوم شيئ ثَابت فِي نَفسه خَارج عَن علم الله تَعَالَى وَأَن كَانَ بَاطِلا ودلالته وَاضِحَة لكنه قد ابتدع فِي
стр. 141
الْإِسْلَام من نَحْو أَرْبَعمِائَة سنة وَابْن عَرَبِيّ وَافق أَصْحَابه وَهُوَ أحد أُصَلِّي مذْهبه الَّذِي فِي (القصوص (
وَالْأَصْل الثَّانِي أَن وجود المحدثات الْمَخْلُوقَات هُوَ عين وجود الْخَالِق لَيْسَ غَيره وَلَا سواهُ وَهَذَا هُوَ الَّذِي ابتدعه وَانْفَرَدَ بِهِ عَن جَمِيع من تقدمه من الْمَشَايِخ وَالْعُلَمَاء وَهُوَ قَول بَقِيَّة الاتحادية لَكِن ابْن عَرَبِيّ أقربهم إِلَى الْإِسْلَام وَأحسن أما فِي مَوَاضِع كَثِيرَة فَإِنَّهُ يفرق بَين الظَّاهِر والمظاهر فَيقر الْأَمر وَالنَّهْي والشرائع على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَيَأْمُر فِي السلوك بِكَثِير مِمَّا أَمر بِهِ الْمَشَايِخ من الْأَخْلَاق والعبادات وَلِهَذَا كثير من الْعباد يَأْخُذُونَ من كَلَامه سلوكه فينتفعون وَإِن كَانُوا لَا يفقهُونَ حقائقه وَمن فهمها مِنْهُم وَوَافَقَهُ فقد تبين قَوْله وَأما صَاحبه الصَّدْر الرُّومِي فَإِنَّهُ كَانَ متفلسفا فَهُوَ أبعد عَن الشَّرِيعَة والاسلام وَلِهَذَا كَانَ الْفَاجِر التلمساني الملقب بالعفيف يَقُول كَانَ شَيْخي الْقَدِيم متروحنا متفلسفا وَالْآخر فيلسوفا متروحنا يَعْنِي الصَّدْر الرُّومِي فَإِنَّهُ كَانَ قد أَخذ عَنهُ وَلم يدْرك ابْن عَرَبِيّ وَهُوَ فِي كتاب (مِفْتَاح غيب الْجمع والوجود (وَغَيره يَقُول إِن الله تَعَالَى هُوَ الْوُجُود الْمُطلق الساري فِي الكائنات فَإِذا تعين لم يقل إِنَّه هُوَ وَيفرق بَين الْمُطلق والمعين كَمَا يفرق بَين الْحَيَوَان الْمُطلق
وَالْحَيَوَان الْمعِين والجسم الْمُطلق والجسم الْمعِين وَالْمُطلق لَا يُوجد فِي الْخَارِج مُطلقًا لَا يُوجد الْمُطلق إِلَّا فِي الْأَعْيَان الخارجية فحقيقة قَوْله أَنه لَيْسَ لله سُبْحَانَهُ وجود أصلا وَلَا حَقِيقَة وَلَا ثُبُوت إِلَّا نفس الْوُجُود الْقَائِم بالمخلوقات وَلِهَذَا يَقُول هُوَ وَشَيْخه إِن الله تَعَالَى لَا يرى أصلا وَإنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَقِيقَة اسْم وَلَا صفة ويصرحون بِأَن ذَات الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَالْبَوْل والعذرة عين وجوده تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ
стр. 142
وَأما الْفَاجِر التلمساني فَهُوَ أَخبث الْقَوْم وأعمقهم فِي الْكفْر فَإِنَّهُ لَا يفرق بَين الْوُجُود والثبوت كَمَا يفرق ابْن عَرَبِيّ وَلَا يفرق بَين الْمُطلق والمعين كَمَا يفرق الرُّومِي وَلَكِن عِنْده مَا ثمَّ غير وَلَا سوى بِوَجْه من الْوُجُوه وَأَن العَبْد إِنَّمَا يشْهد السوى مَا دَامَ محجوبا فَإِذا انْكَشَفَ حجابه وَرَأى أَنه مَا ثمَّ غير يتَبَيَّن لَهُ الْأَمر وَلِهَذَا كَانَ يسْتَحل جَمِيع الْمُحرمَات حَتَّى حكى عَنهُ الثِّقَات أَنه كَانَ يَقُول الْبِنْت وَالأُم والأجنبية شيئ وَاحِد لَيْسَ فِي ذَلِك حرَام علينا وَإِنَّمَا هَؤُلَاءِ المحجوبون قَالُوا حرَام فَقُلْنَا حرَام عَلَيْكُم وَكَانَ يَقُول الْقُرْآن كُله شرك لَيْسَ فِيهِ تَوْحِيد وَإِنَّمَا التَّوْحِيد فِي كلامنا وَكَانَ يَقُول أَنا مَا أتمسك شَرِيعَة وَاحِدَة وَإِذا أحسن القَوْل يَقُول الْقُرْآن يُوصل إِلَى الْجنَّة وكلامنا يُوصل إِلَى الله تَعَالَى وَشرح الْأَسْمَاء الْحسنى على هَذَا الأَصْل الَّذِي لَهُ ولد ديوَان شعر قد صنع فِيهِ أَشْيَاء وشعره فِي صناعَة الشّعْر جيد وَلكنه كَمَا قيل لحم خِنْزِير فِي طبق صيني وصنف للنصيرية عقيدة وَحَقِيقَة أَمرهم أَن الْحق بِمَنْزِلَة الْبَحْر وأجزاء الموجودات بِمَنْزِلَة أمواجه وَأما ابْن سبعين فَإِنَّهُ فِي البدء والاحاطة يَقُول أَيْضا بوحدة الْوُجُود وَأَنه مَا ثمَّ غير وَكَذَلِكَ ابْن الفارض فِي آخر نظم السلوك لَكِن لم يُصَرح هَل يَقُول بِمثل قَول التلمساني أَو قَول الرُّومِي أَو قَول ابْن عَرَبِيّ وَهُوَ إِلَى كَلَام التلمساني أقرب لَكِن مَا رَأَيْت فيهم من كفر هَذَا الْكفْر الَّذِي مَا كفره اُحْدُ قطّ مثل التلمساني وَآخر يُقَال لَهُ البلناني من مَشَايِخ شيراز وَمن أشعارهم
... وَفِي كل شَيْء لَهُ آيَة ... تدل على أَنه عينه ...
стр. 143
وَأَيْضًا
... وَمَا انت غير الْكَوْن بل أَنْت عينه ... وَيفهم هَذَا السِّرّ من هُوَ ذائق ...
وَأَيْضًا
... وتلتذ إِن مرت على جَسَدِي يَدي ... لاني فِي التَّحْقِيق لست سواكم ...
وَأَيْضًا
... مَا بَال عَيْنك لَا يقر قَرَارهَا ... والى م ظلك لايني متنقلا
فلسوف تعلم أَن سيرك لم يكن ... إِلَّا اليك اذا بلغت المنزلا ...
وَأَيْضًا
... مَا الامر الا نسق وَاحِد ... مَا فِيهِ من حمد وَلَا ذمّ
وانما الْعَادة قد خصصت ... والطبع والشارع بالحكم ...
وَأَيْضًا
... يَا عاذلي أَنْت تنهاني وتأمرني ... والوجد أصدق نهاء وأمار
فان أطعك وأعص الوجد نلْت عمى ... عَن العيان الى أَوْهَام أَخْبَار
فعين مَا أَنْت تَدعُونِي اليه اذا ... حققته تره الْمنْهِي يَا جَار ...
وَأَيْضًا
... وَمَا الْبَحْر الا الموج لَا شَيْء غَيره ... وان فرقته كَثْرَة المتعدد ...
ألى أَمْثَال هَذِه الاشعار وَفِي النثر مَالا يُحْصى ويوهمون الْجُهَّال أَنهم مَشَايِخ الاسلام وأئمة الْهدى الَّذين جعل الله تَعَالَى لَهُم لِسَان صدق فِي الامة مثل سعيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَمَالك
стр. 144
ابْن انس والاوزاعي وابراهيم بن أدهم وسُفْيَان الثَّوْريّ والفضيل بن عِيَاض ومعروف الْكَرْخِي وَالشَّافِعِيّ وَأبي سُلَيْمَان الدَّارَانِي وَأحمد ابْن حَنْبَل وَبشر الحافي وَعبد الله ابْن الْمُبَارك وشقيق الْبَلْخِي وَمن لَا يُحْصى كَثْرَة إِلَى مثل الْمُتَأَخِّرين مثل الْجُنَيْد بن مُحَمَّد القواريري وَسَهل ابْن عبد الله التسترِي وَعَمْرو بن عُثْمَان الْمَكِّيّ وَمن بعدهمْ الى أبي طَالب الْمَكِّيّ الى مثل الشَّيْخ عبد الْقَادِر الكيلاني وَالشَّيْخ عدي وَالشَّيْخ ابي الْبَيَان وَالشَّيْخ أبي مَدين وَالشَّيْخ عقيل وَالشَّيْخ أبي الْوَفَاء وَالشَّيْخ رسْلَان وَالشَّيْخ عبد الرحيم وَالشَّيْخ عبد الله اليونيني وَالشَّيْخ الْقرشِي وأمثال هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ الَّذين كَانُوا بالحجاز وَالشَّام وَالْعراق ومصر وَالْمغْرب وخراسان من الاولين والآخرين كل هَؤُلَاءِ متفقون على تَكْفِير هَؤُلَاءِ وَمن هُوَ أرجح مِنْهُم فان الله لَيْسَ هُوَ خلقه وَلَا جُزْءا من خلقه وَلَا صفة لخلقه بل هُوَ سُبْحَانَهُ متميز بِنَفسِهِ المقدسة بَائِن بِذَاتِهِ المعظمة عَن مخلوقاته وَبِذَلِك جَاءَت الْكتب الاربعة الالهية من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور وَالْقُرْآن وَعَلِيهِ فطر الله تَعَالَى عباده وعَلى ذَلِك دلّت الْعُقُول وَكَثِيرًا مَا كنت أَظن أَن ظُهُور مثل هَؤُلَاءِ أكبر اسباب ظُهُور التتار واندراس شَرِيعَة الاسلام وَأَن هَؤُلَاءِ مُقَدّمَة الدَّجَّال الاعور الْكذَّاب الَّذِي يزْعم أَنه هُوَ الله فان هَؤُلَاءِ عِنْدهم كل شَيْء هُوَ الله وَلَكِن بعض الاشياء أكبر من بعض وَأعظم أما على رَأْي صَاحب (الفصوص (فَإِن بعض الْمظَاهر والمستجليات يكون أعظم لعظم ذَاته الثابته فِي الْعَدَم وَأما على رَأْي الرُّومِي فان بعض المتعينات يكون أكبر فان بعض جزئيات الْكُلِّي أكبر من بعض وَأما على رَأْي الْبَقِيَّة فَالْكل أَجزَاء مِنْهُ وَبَعض الاجزاء أكبر من بعض فالدجال عِنْد
стр. 145
هَؤُلَاءِ مثل فِرْعَوْن من كبار العارفين وأكبر من الرُّسُل بعد نَبينَا مُحَمَّد ﷺ وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى ﵈ فموسى قَاتل فِرْعَوْن الَّذِي يَدعِي الربوبية ويسلط الله تَعَالَى مسيح الْهدى الَّذِي قيل فِيهِ إِنَّه الله تَعَالَى وَهُوَ بَرِيء من ذَلِك على مسيح الظلالة الَّذِي قَالَ إِنَّه الله وَلِهَذَا كَانَ بعض النَّاس يعجب من كَون النَّبِي ﷺ قَالَ (إِنَّه أَعور (وَكَونه قَالَ (وَاعْلَمُوا أَن أحدا مِنْكُم لن يرى ربه حَتَّى يَمُوت (وَابْن الْخَطِيب أنكر أَن يكون النَّبِي ﷺ قَالَ هَذَا لِأَن ظُهُور دَلَائِل الْحُدُوث وَالنَّقْص على الدَّجَّال أبين من أَن يسْتَدلّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَعور فَلَمَّا رَأينَا حَقِيقَة قَول هَؤُلَاءِ الاتحادية وتدبرنا مَا وَقعت فِيهِ النَّصَارَى الحلولية ظهر سر دلَالَة النَّبِي ﷺ لامته بِهَذِهِ الْعَلامَة فانه بعث رَحْمَة للْعَالمين فاذا كَانَ كثير من الْخلق يجوز ظُهُور الرب فِي الْبشر اَوْ يَقُول إِنَّه هُوَ الْبشر كَانَ الِاسْتِدْلَال على ذَلِك بالعور دَلِيلا على انْتِفَاء الآلهية عَنهُ وَقد خاطبني قَدِيما شخص من خِيَار أَصْحَابنَا كَانَ يمِيل الى الِاتِّحَاد ثمَّ تَابَ مِنْهُ وَذكر هَذَا الحَدِيث فبينت لَهُ وَجهه وَجَاء الينا شخص كَانَ يَقُول إِنَّه خَاتم الاولياء فَزعم أَن الحلاج لما قَالَ أَنا الْحق كَانَ الله تَعَالَى هُوَ الْمُتَكَلّم على لِسَانه كَمَا يتَكَلَّم الجني على لِسَان المصروع وَأَن الصَّحَابَة لما سمعُوا كَلَام الله تَعَالَى من النَّبِي ﷺ كَانَ من هَذَا الْبَاب فبينت لَهُ فَسَاد هَذَا وَأَنه لَو كَانَ كَذَلِك كَانَ الصَّحَابَة بمنزل مُوسَى بن عمرَان وَكَانَ من خاطبه من هَؤُلَاءِ أعظم من مُوسَى لِأَن مُوسَى سمع الْكَلَام الالهي من الشَّجَرَة وَهَؤُلَاء يسمعُونَ من الْحَيّ النَّاطِق وَهَذَا يَقُوله قوم من الاتحادية لَكِن أَكْثَرهم جهال لَا يفرقون بَين الِاتِّحَاد الْعَام الْمُطلق الَّذِي يذهب اليه الْفَاجِر التلمساني وذووه وَبَين الِاتِّحَاد الْمعِين الَّذِي يذهب اليه النَّصَارَى والغالية وَقد كَانَ سلف
следующие страницы →