← Акыда

Акыда · id 6362

توضيح المقاصد شرح نونية ابن القيم الكافية الشافية

أحمد بن عيسى

Полный текст (1 130 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَمِنْه الْقَضَاء المقرون بِالْقدرِ فالقضاء وَالْقدر أَمْرَانِ متلازمان لَا يَنْفَكّ أَحدهمَا عَن الآخر لِأَن أَحدهمَا بِمَنْزِلَة الأساس وَهُوَ الْقدر وَالْآخر بِمَنْزِلَة الْبناء وَهُوَ الْقَضَاء فَمن رام الْفَصْل بَينهمَا فقد رام هدم الْبناء ونقضه انْتهى أَي وَقضى جهم وَحكم بِأَن الله كَانَ معطلا فِي الْأَزَل تَعَالَى الله عَن ذَلِك لَا يفعل شَيْئا ثمَّ فعل من غير أَمر قَامَ بِهِ سُبْحَانَهُ وَذَلِكَ فرار من القَوْل بدوام فاعلية الرب ولنبسط الْكَلَام على هَذِه الْمَسْأَلَة بحول الله تَعَالَى فَنَقُول قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي الْمَسْأَلَة المصرية فِي الْقُرْآن أعلم أَن الْمُتَكَلِّمين من الْجَهْمِية والمعتزلة وَمن تَبِعَهُمْ سلكوا فِي إِثْبَات حُدُوث الْعَالم وَإِثْبَات الصَّانِع طَريقَة مبتدعة فِي الشَّرْع مضطربة فِي الْعقل وأوجبوها وَزَعَمُوا أَنه لَا يُمكن معرفَة الصَّانِع إِلَّا بهَا وَتلك الطَّرِيق فِيهَا مُقَدمَات لَهَا نتائج مجملة فغلط كثير من سالكيها فِي مَقْصُود الشَّارِع وَمُقْتَضى الْعقل فَلم يفهموا مَا جَاءَت بِهِ النُّصُوص النَّبَوِيَّة وَلم يحرروا مَا اقتضته الدَّلَائِل الْعَقْلِيَّة وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا لَا يُمكن معرفَة الصَّانِع إِلَّا باثبات حُدُوث الْعَالم وَلَا يُمكن إِثْبَات حُدُوث الْعَالم الا بِإِثْبَات حُدُوث الْأَجْسَام قَالُوا وَالطَّرِيق إِلَى ذَلِك هُوَ الإستدلال بحدوث الْأَعْرَاض على حُدُوث مَا قَامَت بِهِ الْأَعْرَاض فَمنهمْ من احْتج بالحركة والسكون فَقَط وَمِنْهُم من احْتج بالاكوان الَّتِي هِيَ عِنْدهم الِاجْتِمَاع والإفتراق وَالْحَرَكَة والسكون وَمِنْهُم من احْتج بِالْإِعْرَاضِ مُطلقًا وَبني الدَّلِيل على أَن مَالا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث لِامْتِنَاع حوادث لَا أول لَهَا فَقَالَ لَهُم المعارضون لَهُم من أهل الْملَل وَغَيرهم أَنْتُم أثبتتم حُدُوث الْعَالم بطرِيق وحدوث الْعَالم لَا يتم إِلَّا مَعَ

стр. 72

نقيض مَا أثبتموه فَمَا جعلتموه دَلِيلا على حُدُوث الْعَالم لَا يدل على حُدُوثه بل وَلَا يسْتَلْزم حُدُوثه وَالدَّلِيل لَا بُد أَن يكون مستلزما للمدلول بِحَيْثُ يلْزم من تحقق الدَّلِيل تحقق الْمَدْلُول بل هُوَ منَاف لحدوث الْعَالم مُنَاقض لَهُ وَهُوَ يَقْتَضِي امْتنَاع حُدُوث الْعَالم بل امْتنَاع حُدُوثه شَيْء من الْأَشْيَاء وَهَذَا يَقْتَضِي بُطْلَانه فِي نَفسه وَأَنه لَو صَحَّ لم يدل إِلَّا على نقيض الْمَطْلُوب ونقيض مَا يَقُوله كل عَاقل فَإِن كل عَاقل يعلم يعلم حُدُوث الْحَوَادِث فِي الْجُمْلَة سَوَاء قيل بقدم الأفلاك أَو لم يقل بذلك وَذَلِكَ أَن مبْنى دليلكم على أَن الْقَادِر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بِلَا مُرَجّح الْإِرَادَة الأزلية الَّتِي نسبتها إِلَى جَمِيع المرادات على السوَاء ترجح مرَادا على مُرَاد بِلَا مُرَجّح غير الْمُرَجح الَّذِي نسبته إِلَى جَمِيع المرحجات نِسْبَة وَاحِدَة لَا تتفاضل وَمن الْمَعْلُوم أَن تَرْجِيح وجود الْمُمكن على عَدمه بِلَا مُرَجّح أَو تَرْجِيح أحد المتماثلين على الآخر بِلَا سَبَب يَقْتَضِي ذَلِك بَاطِل فِي بديهة الْعقل وَلَو قيل إِن ذَلِك صَحِيح لبطل الدَّلِيل الَّذِي يسْتَدلّ بِهِ على ثُبُوت الصَّانِع وحدوث الْعَالم فَإِن مبْنى الدَّلِيل على أَن الْمُحدث لَا بُد لَهُ من مُحدث وَذَلِكَ يسْتَلْزم أَن تَرْجِيح الْحُدُوث على الْعَدَم لَا بُد لَهُ من مرحج وَلَا بُد أَن يكون للمحدث مُرَجّح قد حدث مِنْهُ مَا يسْتَلْزم وجود الْمُحدث الَّذِي جعله مَوْجُودا وَإِلَّا إِذا لم يلْزم وجوده كَانَ وجوده جَائِزا مُمكنا كَانَ مُحْتملا للوجود والعدم فترجيح الْوُجُود على الْعَدَم لَا بُد لَهُ من مُرَجّح مُحدث لَهُ وكل مَا أمكن حُدُوثه إِن لم يحصل لَهُ مَا يسْتَلْزم حُدُوثه لم يحصل فَمَا شَاءَ الله كَانَ لَا محَالة وَوَجَب وجوده بِمَشِيئَة الله وَمَا لم يَشَأْ لم يكن بل يمْتَنع وجوده مَعَ عدم مَشِيئَة الله تَعَالَى فَمَا شَاءَ الله حُدُوثه كَانَ لَازم الْحُدُوث وَاجِب الْحُدُوث بمشيئته لَا بِنَفسِهِ وَمَا لم يَشَأْ حُدُوثه كَانَ مُمْتَنع الْحُدُوث لَازم الْعَدَم وَاجِب الْعَدَم لِأَنَّهُ لَا يُوجد

стр. 73

بِمَشِيئَة الله المستلزمة لحدوثه ثمَّ إِن الفلاسفة الدهرية الْقَائِلين بقدم الْعَالم قَالُوا مَا ذكرتموه من الدَّلِيل لَا يدل على الْحُدُوث بل يَقْتَضِي عدم الْحُدُوث لِأَن حُدُوث الْحَوَادِث عَن ذَات لم تزل معطلة عَن الْفِعْل بَاطِل فَيكون الْعَالم قَدِيما وعبروا عَن ذَلِك بِأَن جَمِيع الْأُمُور الْمُعْتَبرَة فِي كَونه فَاعِلا إِن وجدت فِي الْأَزَل لزم وجود الْفِعْل فِي الْأَزَل وَإِلَّا لزم تخلف الْمُقْتَضِي التَّام وَحِينَئِذٍ فَإِذا وجدت بعد ذَلِك لزم التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح وَإِن لم تُوجد فِي الْأَزَل فوجودها بعد ذَلِك أَمر حَادث فَيَقْتَضِي أمرا حَادِثا وَإِلَّا لزم الْحُدُوث بِلَا مُحدث وَحِينَئِذٍ فَيلْزم تسلسل الْحَوَادِث فَإِن القَوْل فِي هَذَا الْحَادِث كالقول فِي غَيره وَهَذَا مِمَّا يُنكره الْمُعْتَزلَة وموافقوهم المتكلمون قَالُوا فَأنْتم بَين أَمريْن إِمَّا إِثْبَات التسلسل فِي الْحَوَادِث وَإِمَّا إِثْبَات التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح وَكِلَاهُمَا مُمْتَنع عنْدكُمْ ثمَّ زعم هَؤُلَاءِ الفلاسفة أَن الْعَالم الْقَدِيم بِنَاء على هَذِه الْحجَّة وَمن سلك سَبِيل السّلف وَالْأَئِمَّة أثبت مَا أثْبته الرَّسُول من حُدُوث الْعَالم بِالدَّلِيلِ الْعقلِيّ الَّذِي لَا يحْتَمل النقيض وَبَين خطأ الْمُتَكَلِّمين من الْمُعْتَزلَة وَنَحْوهم الَّذين خالفوا السّلف وَالْأَئِمَّة بابتداع بِدعَة مُخَالفَة للشَّرْع وَالْعقل وَبَين أَن ضلال الفلاسفة الْقَائِلين بقدم الْعَالم ومخالفتهم لِلْعَقْلِ وَالشَّرْع أعظم من ضلال أُولَئِكَ وَبَيَان الِاسْتِدْلَال على حُدُوث الْعَالم لَا يحْتَاج إِلَى الطَّرِيق الَّتِي سلكها أُولَئِكَ المتكلمون بل يُمكن إِثْبَات حُدُوثه بطرِيق أُخْرَى صَحِيحَة لَا يعارضها عقل صَرِيح وَلَا نقل صَحِيح وَثَبت بذلك أَن كل مَا سوى الله فَإِنَّهُ مُحدث كَانَ بعد أَن لم يكن سَوَاء سمي جسما أَو عقلا أَو نفسا أَو غير ذَلِك فَإِن أُولَئِكَ الْمُتَكَلِّمين من الْمُعْتَزلَة وأتباعهم لما لم يكن فِي حجتهم إِلَّا إِثْبَات حُدُوث أجسام الْعَالم قَالَت الفلاسفة وَمن وفقهم من الْمُتَأَخِّرين كالشهرستاني والرازي والآمدي وَغَيرهم أَنكُمْ لم تُقِيمُوا دَلِيلا على نفي

стр. 74

مَا سوى الْأَجْسَام وَحِينَئِذٍ فإثبات حُدُوث أجسام الْعَالم لَا يَقْتَضِي حُدُوث مَا سوى الله إِن لم تبينوا أَن كل مَا سواهُ جسم وَأَنْتُم لم تثبتوا ذَلِك وَلِهَذَا صَار بعض الْمُتَأَخِّرين كالأرموي وَمن وَافقه إِلَى أَن أجسام الْعَالم محدثه وَأما الْعُقُول والنفوس فتوقفوا عَن حدوثها أَو قَالُوا بقدومها وَإِن كَانَ حَقِيقَة قَوْلهم إِنَّه مُوجب بِالذَّاتِ لَهَا وَإنَّهُ مُحدث للأجسام بِسَبَب حُدُوث لبَعض التصورات والإرادات الَّتِي تحدث للنفوس فَيصير ذَلِك سَببا لحدوث الْأَجْسَام وَهَذَا القَوْل كَمَا أَنه مَعْلُوم الْبطلَان فِي الشَّرْع فَهُوَ أَيْضا مَعْلُوم الْبطلَان فِي الْعقل كَمَا سنبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَنَقُول الدَّلِيل الدَّال على أَن كل مَا سوى الله مُحدث يتَنَاوَل هَذَا وَهَذَا وَأَيْضًا فَإِذا كَانَ مُوجبا بِالذَّاتِ كَانَ إختصاص حُدُوث أجسام الْعَالم بذلك الْوَقْت دون مَا قبله وَمَا بعده يفْتَقر إِلَى مُخَصص والموجب بِذَاتِهِ لَا يصدر عَنهُ مَا يخْتَص بِوَقْت دون وَقت إِذْ اَوْ جَازَ ذَلِك لم يكن مُوجبا بِذَاتِهِ ولجاز حُدُوث الْعَالم عَنهُ وَلِأَن النُّفُوس الَّتِي يثبتها الفلاسفة هِيَ عِنْد جمهورهم عرض قَائِم بجسم الْفلك فَيمْتَنع وجودهَا بِدُونِ الْفلك وَعند ابْن سينا وَطَائِفَة أَنَّهَا جَوْهَر قَائِم بِنَفسِهِ لَكِنَّهَا مُتَعَلقَة بالجسم تعلق التَّدْبِير والتصريف وَحِينَئِذٍ فَلَو وجدت وَلَا تعلق لَهَا بالجسم لم تكن نفسا بل كَانَت عقلا فَعلم أَن وجود النَّفس مُسْتَلْزم لوُجُود الْجِسْم فَإِذا قَالَ هَؤُلَاءِ إِن النَّفس أزلية دون الْأَجْسَام كَانَ هَذَا القَوْل بَاطِلا بِصَرِيح الْعقل مَعَ أَنه لم يعرف بِهِ قَائِل من الْعُقَلَاء من قبل كَانَ هَؤُلَاءِ وَإِنَّمَا الجأ هَؤُلَاءِ إِلَى هَذَا ظنهم صِحَة دَلِيل الْمُتَكَلِّمين على حُدُوث الْأَجْسَام وَصِحَّة قَول الفلاسفة بِوُجُود مَوْجُود مُمكن غير الْأَجْسَام وَإِثْبَات الْمُوجب بِالذَّاتِ فَلَمَّا بنوا قَوْلهم على الأَصْل الْفَاسِد لهَؤُلَاء ولهؤلاء لزم هَذَا مَعَ أَنهم متناقضون فِي الْجمع بَين هذَيْن فَإِن عُمْدَة الْمُتَكَلِّمين على إبِْطَال (حوادث لَا أَو ل لَهَا (وعمدة الفلاسفة على أَن المؤثرية من لَوَازِم

стр. 75

الْوَاجِب بِنَفسِهِ فَإِذا قَالُوا بقدم نفس لَهَا تصورات وإرادات لَا تتناهى لزم جَوَاز حوادث لَا تتناهى فَبَطل أصل قَول الْمُتَكَلِّمين الَّذِي بنوا عَلَيْهِ ٤ حُدُوث الْأَجْسَام فَكَانَ حِينَئِذٍ موافقتهم للمتكلمين بِلَا حجَّة عقلية فَعلم أَنهم جمعُوا بَين المتناقضين وَأَبُو عبد الله بن الْخَطِيب وَأَمْثَاله كَانُوا أفضل من هَؤُلَاءِ وَعرفُوا أَنه لَا يُمكن الْجمع بَين هَذَا وَهَذَا فَلم يَقُولُوا هَذَا القَوْل المتناقض وَلم يهتدوا إِلَى مَذْهَب السّلف وَالْأَئِمَّة وَإِن كَانُوا يذكرُونَ أُصُوله فِي مَوَاضِع أخر ويثبتون أَن جُمْهُور الْعُقَلَاء يلتزمونها فَلَو تفطنوا لما يقوم بِذَات الله من كَلَامه وفعاله الْمُتَعَلّق بمشيئته وَقدرته ودوام اتصافه بِصِفَات الْكَمَال خلصوا من هَذِه المحاورات وَنحن ننبه على بعض الطّرق الْعَقْلِيَّة الَّتِي يعلم بهَا حُدُوث كل مَا سوى الله تَعَالَى وَهِي أَن يُقَال لَو كَانَ فِيهَا شَيْء سوى الله قديم لَكَانَ صادرا عَن عِلّة تَامَّة مُوجبَة بذاتها مستلزمة لمعلولها سَوَاء ثَبت لَهُ مشيئه وَاخْتِيَار أَو لم يثبت فَإِن الْقَدِيم الأزلي الْمُمكن الَّذِي لَا يُوجد بِنَفسِهِ لَا يتَصَوَّر وجوده ان لم يكن لَهُ فِي الازل مُقْتَضى تَامّ يسْتَلْزم ثُبُوته وَهَذَا كَمَا أَنه مَعْلُوم بضرورة الْعقل فَلَا نزاع فِيهِ بَين الْعُقَلَاء فَلَا يَقُول أحد إِن الْقَدِيم الازلي صادر عَن مُؤثر لَا يلْزمه أَثَره وَلَا يَقُول انه صادر عَن عِلّة غير تَامَّة مستلزمة لمعلولها وَلَا يَقُول إِنَّه صادر عَن مُوجب بِذَاتِهِ لَا يقارنه مُوجبه وَمُقْتَضَاهُ وَلَا يَقُول إِنَّه صادر عَن فَاعل بِالِاخْتِيَارِ يُمكن أَن يتَأَخَّر مَفْعُوله فَإِنَّهُ إِذا أمكن تَأَخّر مَفْعُوله أمكن ان يكون ذَلِك الْقَدِيم الازلي قَدِيما أزليا فَيكون ثُبُوته فِي الازل فَإِن ثُبُوت الْمُمكن الازلي بِدُونِ مُقْتَض تَامّ مُسْتَلْزم لَهُ مُمْتَنع بضرورة الْعقل إِذْ قد علم بِصَرِيح الْعقل أَن شَيْئا من الممكنات لَا يكون حَتَّى يحصل الْمُقْتَضى التَّام المستلزم لثُبُوته وَمن نَازع فِي هَذَا من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم وَقَالَ انه لَا يَنْتَهِي الى

стр. 76

حد الْوُجُوب بل يكون الْعقل بِالْوُجُوب أولى مِنْهُ بِالْعدمِ فَإِنَّهُ لم يُنَازع فِي أَن الْقَادِر الْمُخْتَار يمْتَنع ان يكون مقدوره الْمعِين أزليا مُقَارنًا لَهُ بل هَذَا مِمَّا لَا يُنَازع فِيهِ لَا هَؤُلَاءِ وَلَا غَيرهم فَتبين أَنه لَو كَانَ شَيْء مِمَّا سوى الله أزليا للَزِمَ ان يكون لَهُ مُؤثر تَامّ مُسْتَلْزم لَهُ فِي الازل سَوَاء سمي عِلّة تَامَّة أَو مُوجبا بِالذَّاتِ أَو قدر أَنه فَاعل بالارادة وَأَن مُرَاده الْمعِين يكون أزليا مُقَارنًا لَهُ وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَنَقُول ثُبُوت عِلّة تَامَّة أزلية مُمْتَنع لَان الْعلَّة التَّامَّة الازلية تَسْتَلْزِم معلولها لَا يتَخَلَّف عَنْهَا شَيْء من معلولها فانه إِن تخلف عَنْهَا لم تكن عِلّة تَامَّة لمعلولها فَيمْتَنع فِي الشَّيْء الْوَاحِد أَن يكون مُوجبا بِذَاتِهِ وَأَن يتَخَلَّف عَنهُ مُوجبه اَوْ شَيْء من مُوجبه فان الْمُوجب بِالذَّاتِ لشَيْء لابد أَن يكون ذَلِك الْمُوجب جَمِيعه مُقَارنًا لذاته وَالْعلَّة التَّامَّة هِيَ الَّتِي يقارنها معلولها وَلَا يتَأَخَّر عَنْهَا شَيْء من معلولها فَلَو تَأَخّر عَنْهَا شَيْء من معلولها لم تكن عِلّة تَامَّة كَذَلِك الْمُتَأَخّرُونَ من الفلاسفة يسلمُونَ أَن لَيْسَ عِلّة تَامَّة فِي الازل لجَمِيع الْحَوَادِث الَّتِي تحدث شَيْء بعد شَيْء فان ذَلِك جمع بَين النقيضين إِذْ يمْتَنع أَن يكون عِلّة تَامَّة أزلية لامر حَادث عَنهُ غير أزلي وان شِئْت قلت يمْتَنع أَن يكون مُوجبا بِذَاتِهِ فِي الازل لامر حَادث لَيْسَ بأزلي سَوَاء كَانَ ايجابه لَهُ بِوَاسِطَة أَو بِغَيْر وَاسِطَة فان تِلْكَ الْوَاسِطَة إِن كَانَت أزلية كَانَ اللَّازِم لَهَا أزليا وان كَانَت حَادِثَة كَانَ القَوْل فِيهَا كالقول فِي الْحَادِث بتوسطها وَهَذَا الَّذِي سلموه مَعْلُوم ايضا بِصَرِيح الْعقل فالمقدمة برهانية مسلمة لَكِن يَقُولُونَ انه عِلّة تَامَّة لما هُوَ قديم كالافلاك عِنْدهم وَلَيْسَ عِلّة تَامَّة للحوادث وَهَذَا أَيْضا بَاطِل وَذَلِكَ أَن كل مَا يُقَال إِنَّه قديم كالافلاك إِمَّا أَن يجب أَن يكون مُقَارنًا للحوادث كَمَا يَقُولُونَ فِي الْفلك إِنَّه يجب لَهُ لُزُوم الْحَرَكَة وَإنَّهُ لم يزل متحركا وَإِمَّا أَنه لَا يجب أَن يكون مُقَارنًا لشَيْء من الْحَوَادِث

стр. 77

فان كَانَ الاول لزم ان يكون عِلّة تَامَّة للحوادث وَكَونه عِلّة تَامَّة للحوادث محَال لَان مَا قارنته الْحَوَادِث وَلم يخل مِنْهَا بل هِيَ لَازِمَة لَهُ امْتنع صدوره عَن الْمُوجب بِدُونِهَا وَوُجُود الْمَلْزُوم بِدُونِ اللَّازِم محَال فالموجب بِذَاتِهِ الَّذِي هُوَ عِلّة تَامَّة للفلك يجب ان يكون عِلّة تَامَّة مُوجبَة للوازمه وَعلة تَامَّة فِي الازل بحركته لَكِن الْعلَّة التَّامَّة الازلية لَا يجوز ان تكون عِلّة تَامَّة أزلية للحوادث لَا الْحَرَكَة وَلَا غَيرهَا لانه يجب وجود معلولها الَّذِي هُوَ مُوجبهَا ومقتضاها فِي الازل وان لَا يتَأَخَّر عَنْهَا شَيْء من مُوجبهَا ومقتضاها ومعلولها وَالْحَرَكَة الَّتِي تُوجد شَيْئا فَشَيْئًا هِيَ وَغَيرهَا من الْحَوَادِث الَّتِي تحدث شَيْئا بعد شَيْء لَيْسَ كل وَاحِد مِنْهَا قَدِيما بل كل مِنْهَا حَادث مَسْبُوق بآخر فَيمْتَنع أَن يكون شَيْء مِنْهَا معلولا لِلْعِلَّةِ التَّامَّة الازلية لِامْتِنَاع أَن يكون حَادث من الْحَوَادِث قَدِيما وَيمْتَنع وجود مَجْمُوع الْحَوَادِث فِي الازل وَيمْتَنع وجود المستلزم للحوادث إِلَّا مَعَ حَادث من الْحَوَادِث الْحَوَادِث أَو مَعَ مَجْمُوع الْحَوَادِث واذا كَانَ كِلَاهُمَا يمْتَنع ان يكون لشَيْء من الْحَوَادِث أَو مَا يسْتَلْزم الْحَوَادِث عِلّة تَامَّة قديمَة فَامْتنعَ صُدُور الْحَوَادِث أَو شَيْء مِنْهَا أَو من ملزوماتها عَن عِلّة تَامَّة قديمَة فَامْتنعَ أَن يكون شَيْء لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث صادرا عَن عِلّة تَامَّة أزلية فَامْتنعَ أَن يكون الْفلك الْمُقَارن للحوادث عِلّة تَامَّة أزلية قديمَة وَلَو كَانَ قَدِيما لصدر عَن عِلّة تَامَّة قديمَة فَإِذا لم يكن قَدِيما أَلا إِذا كَانَ الْمُقْتَضى التَّام ثَابتا فِي الازل فثبوت الْمُقْتَضى التَّام لَهُ مُمْتَنع كَمَا أَن قدمه مُمْتَنع وَأما إِن قيل إِن الْمُمْتَنع شَيْء غير مُقَارن للحوادث وَلَا مُسْتَلْزم لَهَا مثل ان يُقَال الْقَدِيم إعيان سَاكِنة هِيَ الْمَعْلُول الاول فَيُقَال ذَلِك إِمَّا أَن يجوز حُدُوث حَال من الاحوال إِمَّا فِيهِ اَوْ عَنهُ أَو غير ذَلِك وَإِمَّا أَن لَا يجوز فَإِن جَازَ حُدُوث حَال من الاحوال لَهُ امْتنع حُدُوث ذَلِك الْحَادِث عَن عِلّة

стр. 78

تَامَّة أزلية وَهُوَ الْمُوجب بِالذَّاتِ كَمَا تقدم وكما هُوَ مَعْلُوم ومتفق عَلَيْهِ بَين الْعُقَلَاء فَلَا بُد لَهُ من مُحدث والمحدث ان كَانَ سوى الله فَالْقَوْل فِي حُدُوثه إِن كَانَ مُحدثا أَو فِي حُدُوث ذَلِك الْأَحْدَاث لَهُ بعد ان لم يكن كالقول فِي حُدُوث ذَلِك الْحَادِث وان كَانَ هُوَ الله تَعَالَى امْتنع أَن يكون مُوجبا بِالذَّاتِ لَهُ اذ الْقَدِيم لَا يكون مُوجبا بِالذَّاتِ لحادث كَمَا بَين فَامْتنعَ ثُبُوت الْعلَّة الْقَدِيمَة وَإِذا لم يكن الصَّانِع مُوجبا بِالذَّاتِ فَلَا يكون عِلّة تَامَّة امْتنع قدم شَيْء من الْعَالم لِأَنَّهُ لَا يكون قديم إِلَّا عَن عِلّة تَامَّة وَإِن قيل إِنَّه لَا يجوز حُدُوث لما فرض قَدِيما معلولا للاول فَهَذَا مَعَ أَنه لم يقل بِهِ أحدا من الْعُقَلَاء فَهُوَ بَاطِل لوجوه أَحدهمَا ان وَاجِب الْوُجُود يحدث لَهُ النّسَب والاضافات بِاتِّفَاق الْعُقَلَاء فحدوث ذَلِك الْغَيْر أولى الثَّانِي ان الْحَوَادِث مَشْهُودَة فِي الْعَالم الْعلوِي والسفلي وَهَذِه الْحَوَادِث صادرة عَن الله اما بِوَاسِطَة اَوْ بِغَيْر وَاسِطَة فان كَانَت بوسط فَتلك الوسائط حدثت عَنْهَا أُمُور بعد ان لم تكن فَلَزِمَ حُدُوث الاحوال للقديم سَوَاء كَانَ هُوَ الصَّانِع اَوْ كَانَ هُوَ الوسائط للصانع وان قيل الْقَدِيم هُوَ شَيْء لَيْسَ بِوَاسِطَة فِي شَيْء آخر قيل لابد أَن يكون ذَلِك قَابلا لحدوث الاحوال فَإِنَّهُ يُمكن حُدُوث النّسَب والاضافات لله بِالضَّرُورَةِ واتفاق الْعُقَلَاء فإمكان ذَلِك لغيره أولى واذا كَانَ قَابلا لَهَا أمكن أَن تحدث لَهُ الاحوال كَمَا تحدث لغيره من الممكنات فان الله لَا يمْتَنع حُدُوث الْحَوَادِث عَنهُ اما بِوَاسِطَة اَوْ بِغَيْر وَاسِطَة فَإِذا كَانَ ذَلِك قَابلا وصدور ذَلِك عَن الصَّانِع مُمكن أمكن حُدُوث الْحَوَادِث عَنهُ أَو فِيهِ بعد ان لم يكن وَحِينَئِذٍ فَالْقَوْل فِي حدوثها كالقول فِي حُدُوث سَائِر مَا يحدث عَنهُ وَذَلِكَ محَال من الْعلَّة التَّامَّة المستلزمة لمعلولها فقد تبين بِهَذَا الْبُرْهَان الباهر أَن كَون

стр. 79

الاول عِلّة تَامَّة لشَيْء من الْعَالم محَال لَا فرق فِي ذَلِك بَين الْفلك وَغَيره سَوَاء قدر ذَلِك الْغَيْر جسما اَوْ غير جسم وَسَوَاء قدر مستلزما للحوادث فِيهِ أَو عَنهُ كَمَا يَقُول الفلاسفة الدهرية كالفارابي وَابْن سينا وامثالهما وسلفهما من اليونان فَإِنَّهُم يَقُولُونَ الْفلك مُسْتَلْزم للحوادث الْقَائِمَة بِهِ والعقول والنفوس مستلزمة للحوادث الَّتِي تحدث عَنْهَا وكل مِنْهَا مُقَارن للحوادث لَا يجوز تقدمه عَلَيْهَا مَعَ كَون ذَلِك جَمِيعه معلولا للموجب بِذَاتِهِ فاذا تبين أَن الْمُوجب بِذَاتِهِ يمْتَنع أَن يصدر عَنهُ فِي الازل حَادث اَوْ مُسْتَلْزم لحادث بَطل كَون صانع الْعَالم عِلّة تَامَّة فِي الازل وَمَتى بَطل كَونه عِلّة تَامَّة فِي الازل امْتنع أَن يكون فِيمَا سواهُ شَيْء قديم بِعَيْنِه فَبِهَذَا تبين أَن كل مَا سوى الله مُحدث كَائِن بعد أَن لم يكن سَوَاء قيل بِجَوَاز دوَام الْحَوَادِث أَو قيل بامتناع ذَلِك وَإِن قيل بِجَوَاز دوَام الْحَوَادِث لزم حُدُوث كل مَا لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث وَإِن قيل بِجَوَاز دوَام الْحَوَادِث فَكل مِنْهَا حَادث بعد أَن لم يكن مَسْبُوقا بِالْعدمِ وكل من الْعَالم مُسْتَلْزم لحادث بعد أَن لم يكن مَسْبُوقا بِالْعدمِ وكل مَا كَانَ مصنوعا وَهُوَ مُسْتَلْزم للحوادث امْتنع أَن يكون صانعه عِلّة تَامَّة قديمَة مُوجبَة لَهُ فاذا امْتنع ذَلِك امْتنع ان يكون من الْعَالم مَا هُوَ قديم بِعَيْنِه وَالله اعْلَم وَإِذا أحطت خَبرا بِهَذَا الْمقَام واتضح لديك مَا تقدم من الْكَلَام فاسمع كَلَام بعض أَئِمَّة الفلاسفة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهِي القَوْل بِجَوَاز تراخي الاثر عَن الْمُؤثر قَالَ أَبُو الْوَلِيد ابْن رشد فِي كتاب (تهافت التهافت (بعد مَا حكى قَول الامام أبي حَامِد الْغَزالِيّ حاكيا حجَّة الفلاسفة فِي قدم الْعَالم قَالَ قَوْلهم يسْتَحل صُدُور حَادث من قديم مُطلق لأَنا لَو فَرضنَا الْقَدِيم وَلم يصدر مِنْهُ الْعَالم مثلا ثمَّ صدر فانما لم يصدر لِأَنَّهُ لم يكن للوجود مُرَجّح بل وجود الْعَالم مُمكن عَنهُ امكانا صرفا

стр. 80

فَإِذا حدث لم يخل أَن يَتَجَدَّد مُرَجّح أَولا يَتَجَدَّد فَإِن لم يَتَجَدَّد مُرَجّح بَقِي الْعَالم على الامكان الصّرْف كَمَا كَانَ قبل ذَلِك وان تجدّد مُرَجّح انْتقل الْكَلَام الى ذَلِك الْمُرَجح لم رجح الْآن وَلم يرجح قبل فإمَّا أَن يمر الامر الى غير نِهَايَة اَوْ يَنْتَهِي الامر الى مُرَجّح لم يزل مرجحا قَالَ أَبُو حَامِد الِاعْتِرَاض من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يُقَال لم تنكرون على من يَقُول إِن الْعَالم حدث بارادة قديمَة اقْتَضَت وجوده فِي الْوَقْت الَّذِي وجد فِيهِ وَأَن يسْتَمر عَدمه إِلَى الْغَايَة الَّتِي يسْتَمر عَلَيْهَا وَأَن يبتدىء الْوُجُود من حَيْثُ بَدَأَ وَأَن الْوُجُود قبل لم يكن مرَادا فَلم يحدث لذَلِك وَأَنه فِي وقته الَّذِي حدث فِيهِ مُرَاد بالارادة الْقَدِيمَة فَحدث فَمَا الْمَانِع لهَذَا الِاعْتِقَاد وَمَا الْمُحِيل لَهُ قَالَ ابْن رشد قلت هَذَا قَول سفسطائي وَذَلِكَ أَنه لما لم يُمكنهُ أَن يَقُول بِجَوَاز تراخي فعل الْمَفْعُول عَن فعل الْفَاعِل لَهُ وعزمه على الْفِعْل اذا كَانَ فَاعِلا مُخْتَارًا قَالَ بِجَوَاز تراخيه عَن ارادة الْفَاعِل وتراخي الْمَفْعُول عَن ارادة الْفَاعِل جَائِز وَأما تراخيه عَن فعل الْفَاعِل لَهُ فَغير جَائِز وَكَذَلِكَ تراخي الْفِعْل عَن الْعَزْم على الْفِعْل فِي الْفَاعِل المريد فالشك بَاقٍ بِعَيْنِه وانما كَانَ يجب أَن يلقاه بِأحد أَمريْن إِمَّا لَان فعل الْفَاعِل لَيْسَ يُوجب فِي الْفَاعِل تغيرا فَيجب أَن يكون لَهُ مغير فِي الْخَارِج أَو أَن من التغييرات مَا يكون من ذَات الْمُتَغَيّر من غير حَاجَة الى مغير يلْحقهُ مِنْهُ وَأَن من التغييرات مَا يجوز أَن يلْحق الْقَدِيم من غير مغير وَذَلِكَ أَن الَّذِي يتَمَسَّك بِهِ الْخُصُوم هَا هُنَا هُوَ شَيْئَانِ أَحدهمَا أَن فعل الْفَاعِل يلْزمه التَّغَيُّر وَأَن كل تغير فَلهُ مغير والاصل الثَّانِي أَن الْقَدِيم لَا يتَغَيَّر بِضَرْب من ضروب التَّغَيُّر وَهَذَا كُله عسير الْبَيَان وَالَّذِي لَا مخلص للاشعرية مِنْهُ هُوَ إِنْزَال فَاعل أول وإنزال فعل لَهُ أول لانهم لَا يُمكنهُم أَن يصفوا أَن حَالَة الْفَاعِل من الْمَفْعُول الْمُحدث تكون فِي وَقت الْفِعْل هِيَ بِعَينهَا حَالَته فِي وَقت عدم

стр. 81

الْفِعْل هُنَالك وَلَا بُد من حَال متجددة أَو نِسْبَة لم تكن وَذَلِكَ ضَرُورَة إِمَّا فِي الْفَاعِل أَو فِي الْمَفْعُول أَو فِي كليهمَا واذا كَانَ كَذَلِك فَتلك الْحَال المتجددة إِذا أَوجَبْنَا أَن لكل حَال متجددة فَاعِلا فَلَا بُد أَن يكون الْفَاعِل لَهَا إِمَّا فَاعل آخر فَلَا يكون ذَلِك الْفَاعِل هُوَ الاول وَلَا يكون مكتفيا بِفِعْلِهِ بِنَفسِهِ بل بِغَيْرِهِ وَإِمَّا أَن يكون الْفَاعِل لتِلْك الْحَال الَّتِي هِيَ شَرط فِي فعله هُوَ نَفسه وَلَا يكون ذَلِك الْفِعْل الَّذِي فرض صادرا عَنهُ أَولا بل يكون فعله لتِلْك الْحَال الَّتِي هِيَ شَرط فِي الْمَفْعُول قبل فعله الْمَفْعُول وَهَذَا لَازم كَمَا ترى ضَرُورَة الا أَن يجوز مجوز أَن من الاحوال الْحَادِثَة فِي الفاعلين مَا لَا يحْتَاج الى مُحدث وَهَذَا بعيد إِلَّا على قَول من يجوز أَن هَهُنَا أَشْيَاء تحدث من تلقائها وَهُوَ قَول الاوائل من القدماء الَّذين أَنْكَرُوا الْفَاعِل وَهُوَ قَول بَين سُقُوطه بِنَفسِهِ انْتهى كَلَامه وَالْمَقْصُود من كَلَامه مَا ذكره فِي رد حجَّة الْمُتَكَلِّمين على جَوَاز تراخي الاثر عَن الْمُؤثر قَالَ النَّاظِم ﵀ ... وَقضى بِأَن النَّار لم تخلق وَلَا جنَّات عدن بل هما عدمان ... فاذا هما خلقا ليَوْم معادنا فهما على الاوقات فانيتان ... وتلطف العلاف من أَتْبَاعه فَأتى بضحكة جَاهِل مجان ... قَالَ الْغناء يكون فِي الحركات لَا فِي الذَّات وَاعجَبا لذا الهذيان ... أيصير أهل الْخلد فِي جناتهم وجحيمهم كحجارة الْبُنيان ...

стр. 82

.. مَا حَال من قد كَانَ يغشى أَهله عِنْد انْقِضَاء تحرّك الْحَيَوَان ... وكذاك مَا حَال الَّذِي رفعت يدا هـ أَكلَة من صَحْفَة وخوان ... فتناهت الحركات قبل وصولها للفم عِنْد تفتح الاسنان ... وكذاك مَا حَال الَّذِي امتدت يَد مِنْهُ الى قنو من القنوان ... فتناهت الحركات قبل الاخذ هَل يبْقى كَذَلِك سَائِر الازمان ... تَبًّا لهاتيك الْعُقُول فانها وَالله قد مسخت على الابدان ... تَبًّا لمن اضحى بقدمها على ال آثَار والاخبار وَالْقُرْآن ... أَي وَحكم الجهم بِأَن الْجنَّة وَالنَّار لم تخلقا وانما يخلقان يَوْم الْمعَاد ثمَّ إِذا خلقتا يَوْم الْمعَاد فهما لابد فانيتان وانما قَالَ هَذَا الجهم طردا للدليل وَهُوَ الدَّلِيل الْمُسَمّى ب دَلِيل الاكوان اذ مبناه على قطع التسلسل وَهُوَ منع حوادث لَا أول لَهَا فَكَذَا يمْتَنع حوادث لَا آخر لَهَا وَفِي (الغنية (للشَّيْخ عبد الْقَادِر رَحمَه الله تَعَالَى وَأما الْجَهْمِية فمنسوبة الى جهم بن صَفْوَان وَكَانَ يَقُول الايمان هُوَ الْمعرفَة بِاللَّه وَرُسُله وَجَمِيع مَا جاؤوا بِهِ من عِنْده فَقَط ويزعمون أَن الْقُرْآن مَخْلُوق وَأَن الله تَعَالَى لم يكلم مُوسَى وَأَنه تَعَالَى لم يتَكَلَّم وَلَا يرى وَلَا يعرف لَهُ مَكَان وَلَيْسَ لَهُ عرش وَلَا كرْسِي وَلَا هُوَ على الْعَرْش وَأنكر الْمِيزَان وَعَذَاب الْقَبْر وَكَون الْجنَّة وَالنَّار مخلوقتين وَادعوا أَنَّهُمَا إِذا خلقتا تقنيان وان الله تَعَالَى لَا يكلم خلقه وَلَا ينظر اليه يَوْم الْقِيَامَة وَلَا ينظر أهل الْجنَّة اليه وَلَا يرونه فِيهَا وان الايمان معرفَة الْقلب دون إِقْرَار اللِّسَان

стр. 83

وأنكروا جَمِيع صِفَات الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا قَوْله وتلطف العلاف هُوَ أَبُو الْهُذيْل مُحَمَّد بن الْهُذيْل العلاف الْبَصْرِيّ المعتزلي قَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تَارِيخ الاسلام (أَبُو الْهُذيْل العلاف الْبَصْرِيّ الْمُتَكَلّم واسْمه مُحَمَّد بن الْهُذيْل كَانَ من أجلاء الْقَوْم ورؤوسهم وانكر الصِّفَات المقدسة يرْوى أَن الْمَأْمُون قَالَ لحاجبه من بِالْبَابِ قَالَ ابو الْهُذيْل العلاف وَعبد الله بن أباض الْخَارِجِي وَهِشَام بن الْكَلْبِيّ الرافضي فَقَالَ مَا بَقِي من رُؤُوس جَهَنَّم اُحْدُ إِلَّا وَقد حضر أَخذ الاعتزال عَن عُثْمَان بن خَالِد الظويل صَاحب وَاصل بن عَطاء وَقد طَال عمره وصنف الْكتب ونيف على التسعين مَاتَ سنة ٢٢٦ أَي وتلطف العلاف بِأَن قَالَ الفناء يكون فِي الحركات لَا فِي الذوات وَذَلِكَ لاجل الْتِزَام دَلِيل الاكوان ثمَّ قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى على طَرِيق التهكم بمقاله أبي الْهُذيْل هَذِه أيصير اهل الْخلد فِي جنانهم وجحيمهم كحجارة الْبُنيان إِلَى آخر كَلَامه يَقُول مَا حَال الَّذِي ذكر تناهي الحركات يغشى أَهله وَكَذَا الَّذِي رفعت يَدَاهُ أَكلَة من صَحْفَة وَتَنَاهَتْ الحركات قبل فَرَاغه من أَهله وَقبل وُصُول يَد الْآكِل لفمه وَكَذَا تناهت الحركات للَّذي قدم يَده إِلَى قنو من القنوان قبل الاخذ ايصيرون هَكَذَا أَبَد الابد كالحجارة قَوْله وخوان الخوان كغراب وَكتاب مَا يُؤْكَل عَلَيْهِ قَالَه فِي (القا موس (وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم تَبًّا لمن أضحى يقدمهَا على الْآثَار والاخبار وَالْقُرْآن تَبًّا بِفَتْح التَّاء والتباب الْهَلَاك وَمِنْه قَوْلهم أشابة ام تابة أَي هالكة من الْهَرم والتعجيز قَالَ فِي (الْقَامُوس (التب والتبب النَّقْص والخسارة وتبا لَهُ وتبا تبيبا مُبَالغَة وتببه قَالَ لَهُ ذَلِك قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى

стр. 84

فصل ... وَقضى بِأَن الله يَجْعَل خلقه عدما ويقلبه وجودا ثَان ... الْعَرْش والكرسي والارواح وَال أَمْلَاك والقمران ... والارض وَالْبَحْر الْمُحِيط وَسَائِر ال أكوان من عرض وَمن جثمان ... كل سيفينة الفناء الْمَحْض لَا يبْقى لَهُ أثر كظل فان ... وَيُعِيد ذَا الْمَعْدُوم أَيْضا ثَانِيًا مَحْض الْوُجُود إِعَادَة بِزَمَان ... هَذَا الْمعَاد وَذَلِكَ المبدا الَّذِي جهم وَقد نسبوه لِلْقُرْآنِ ... هَذَا القَوْل مَبْنِيّ على اثبات الْجَوَاهِر قَالَ شيخ الاسلام فِي كَلَامه على سُورَة الاخلاص بعد كَلَام سبق وَالْمَقْصُود هُنَا أَن هَؤُلَاءِ لما كَانَ ذَا أصلهم فِي ابْتِدَاء الْخلق وَهُوَ القَوْل باثبات الْجَوْهَر الْفَرد كَانَ أصلهم فِي الْمعَاد مَبْنِيا عَلَيْهِ فصاروا على قَوْلَيْنِ مِنْهُم من قَالَ تعدم الْجَوَاهِر ثمَّ تُعَاد وَمِنْهُم من قَالَ تفرق الاجزاء ثمَّ تَجْتَمِع فأورد عَلَيْهِم الانسان الَّذِي يَأْكُلهُ حَيَوَان وَذَلِكَ الْحَيَوَان أكله إِنْسَان آخر فَإِن أُعِيدَت تِلْكَ الاجزاء من هَذ الم تعد من هَذَا وَأورد عَلَيْهِم أَن الانسان يتَحَلَّل دَائِما فَمَا الَّذِي يُعَاد اهو الَّذِي كَانَ وَقت الْمَوْت فان قيل بذلك لزم ان يُعَاد على صُورَة ضَعِيفَة وَهُوَ خلاف مَا جَاءَت بِهِ النُّصُوص وَأَن كَانَ غير ذَلِك فَلَيْسَ بعض الابدان اولى من بعض فَادّعى بَعضهم ان فِي الانسان

стр. 85

اجزاء اصلية لَا تتحلل وَلَا يكون فِيهَا شَيْء من ذَلِك الْحَيَوَان الَّذِي أكله الثَّانِي والعقلاء يعلمُونَ أَن بدن الانسان نَفسه كُله يتَحَلَّل لَيْسَ فِيهِ شَيْء بَاقٍ فَصَارَ مَا ذَكرُوهُ فِي الْمعَاد مِمَّا قوى شُبْهَة المتفلسفة فِي انكار معاد الابدان وَأوجب ان صَار طَائِفَة من النظار إِلَى أَن الله يخلق بدنا آخر تعود الرّوح اليه وَالْمَقْصُود تنعيم الرّوح وتعذيبها سَوَاء كَانَ فِي هَذَا الْبدن اَوْ فِي غَيره وَهَذَا ايضا مُخَالف للنصوص الصَّرِيحَة بِإِعَادَة هَذَا الْبدن وَهَذَا الْمَذْكُور فِي كتب الرَّازِيّ فَلَيْسَ فِي كتبه وَكتب امثاله فِي مسَائِل اصول الدّين الْكِبَار القَوْل الصَّحِيح الَّذِي يُوَافق الْمَنْقُول والمعقول الَّذِي بعث الله بِهِ الرَّسُول وَكَانَ عَلَيْهِ سلف الامة وأئمتها بل يذكر المتفلسفة الْمَلَاحِدَة وبحوث الْمُتَكَلِّمين المبتدعة الَّذين ينوا على اصول الْجَهْمِية والقدرية فِي مسَائِل الْخلق والبعث والمبدأ والمعاد وكلا الطَّرِيقَيْنِ فَاسِدَة إِذْ بنوه على مُقَدمَات فَاسِدَة وَالْقَوْل الَّذِي عَلَيْهِ السّلف وَجُمْهُور الْعُقَلَاء من أَن الْأَجْسَام تنْقَلب من حَال إِلَى حَال إِنَّمَا يذكر عَن الفلاسفة والأطباء هَذَا القَوْل وَهُوَ القَوْل فِي خلق الله للأجسام الَّتِي يُشَاهد حدوثها أَنه يقلبها ويحيلها من جسم إِلَى جسم هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ السّلف وَالْفُقَهَاء قاطبة وَالْجُمْهُور انْتهى قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ٢ ... هَذَا الَّذِي قاد ابْن سينا والالى قَالُوا مقَالَته الى الكفران ... لم تقبل الاذهان ذَا وتوهموا أَن الرَّسُول عناه بالايمان ... هَذَا كتاب الله أَنى قَالَ ذَا أَو عَبدة الْمَبْعُوث بالبرهان ... اَوْ صَحبه من بعده أَو تَابع لَهُم على الايمان والاحسان ... بل صرح الْوَحْي الْمُبين بِأَنَّهُ حَقًا مغير هَذِه الاكوان ...

стр. 86

.. فيبدل الله السَّمَاوَات العلى والارض ايضا ذَات تبديلان ... وهما كتبديل الْجُلُود لساكني النيرَان عِنْد النضج من نيران ... وكذاك يقبض أرضه وساءه بيدَيْهِ مَا العدمان مقبوضان ... وتحدث الارض الَّتِي كُنَّا بهَا أَخْبَارهَا فِي الْحَشْر للرحمن ... وتظل تشهد وَهِي عدل بِالَّذِي من فَوْقهَا قد أحدث الثَّقَلَان ... أفيشهد الْعَدَم الَّذِي هُوَ كاسمه لَا شَيْء هَذَا لَيْسَ فِي الامكان ... لَكِن تسوى ثمَّ تبسط ثمَّ تسهد ثمَّ تبدل وَهِي ذَات كيان ... وتمد ايضا مثل مد أديمنا من غير أَوديَة وَلَا كُثْبَان ... وتقيء يَوْم الْعرض من أكبادها كالاسطوان نفائس الاثمان كل يرَاهُ بِعَيْنِه وعيانه ... مَا لامرىء بِالْأَخْذِ مِنْهُ يدان ... أَرَادَ المُصَنّف أَن ابْن سينا وَالَّذين قَالُوا مقَالَته ونكروا الْمعَاد وظنوا أَن هَذَا الَّذِي اعْتقد جهم فِي الْمعَاد هُوَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ فَلذَلِك كفرُوا بالمعاد لَان هَذَا شَيْء لَا تقبله الْعُقُول ثمَّ بَين النَّاظِم أَمر الْمعَاد على مَا جَاءَ بِهِ فِي كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ بقوله بل صرح الْوَحْي الْمُبين الخ قَالَ الله تعلى ﴿يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَاوَات﴾ ابراهيم ٤٨ والتبديل قد يكون فِي الذَّات كَمَا فِي بدلت الدَّرَاهِم بِالدَّنَانِيرِ وَقد يكون فِي الصِّفَات كَمَا بدلت الْحلقَة خَاتمًا وَالْآيَة تحْتَمل الامرين وَبِالثَّانِي قَالَ الاكثر وتبدل السَّمَوَات غير السَّمَوَات لدلَالَة مَا قبله عَلَيْهِ

стр. 87

على الإختلاف الَّذِي مر وَتَقْدِيم تَبْدِيل الارض لقربانها وَلكَون تبديلها أعظم أثرا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا وروى مُسلم وَغَيره من حَدِيث ثَوْبَان قَالَ جَاءَ رجل من الْيَهُود الى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَيْن يكون النَّاس يَوْم تبدل الارض غير الارض فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (فِي الظلمَة دون الجسر (وروى مُسلم أَيْضا وَغَيره من حَدِيث عَائِشَة قَالَت أَنا أول من سَأَلَ رَسُول الله ﷺ عَن هَذِه الْآيَة قلت ايْنَ النَّاس يَوْمئِذٍ قَالَ (على الصِّرَاط (وَفِي (الصَّحِيحَيْنِ (من حَدِيث سهل بن سعد قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة على أَرض بَيْضَاء عفراء كقرصة النقي لَيْسَ فِيهَا علم لَاحَدَّ (وَفِيهِمَا أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (تكون الارض يَوْم الْقِيَامَة خبْزَة وَاحِدَة يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّار بِيَدِهِ (الحَدِيث وَقد أَطَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي بَيَان ذَلِك فِي (تَفْسِيره (وتذكرته (وَحَاصِله أَن هَذِه الاحاديث نَص فِي ان الارض وَالسَّمَوَات تبدل وتزال ويخلق الله ارضا اخرى يكون عَلَيْهَا النَّاس بعد كَونهم على الجسر وَهُوَ الصِّرَاط قَوْله وكذاك يقبض أرضه وسماءه الخ دليلة مَا فِي الصَّحِيح عَن ابْن عمر قَالَ لما قَرَأَ النَّبِي ﷺ على الْمِنْبَر ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبضته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾ الزمر ٩٧ قَالَ يقبض الله سمواته بِيَدِهِ والارضين بِيَدِهِ الاخرى ثمَّ يمجد نَفسه قيقول أَنا الْملك أَنا القدوس أَنا السَّلَام أَنا الْمُؤمن أَنا الْمُهَيْمِن أَنا الْجَبَّار أَنا المتكبر أَنا الَّذِي بدأت الدُّنْيَا وَلم تَكُ شَيْئا انا الَّذِي أعدتها

стр. 88

ايْنَ الْمُلُوك ايْنَ الجبارون ايْنَ المتكبرون اَوْ كَمَا قَالَ وَقَوله وتحدث الارض الَّتِي كُنَّا بهَا دَلِيله قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْمئِذٍ تحدث أَخْبَارهَا﴾ الزلزلة ٤ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَرَأَ رَسُول الله ﷺ ﴿يَوْمئِذٍ تحدث أَخْبَارهَا﴾ قَالَ (أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارهَا قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ فَإِن أَخْبَارهَا أَن تشهد على كل عبد أَو أمة بِمَا عمل على ظهرهَا وَتقول عمل كَذَا وَكَذَا فَهَذِهِ أَخْبَارهَا رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وصححه وَالنَّسَائِيّ وَعَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (إِن الارض لتجيىء يَوْم الْقِيَامَة بِكُل عمل عمل على ظهرهَا وَقَرَأَ رَسُول الله ﷺ ﴿إِذا زلزلت الأَرْض زِلْزَالهَا﴾ حَتَّى بلغ ﴿يَوْمئِذٍ تحدث أَخْبَارهَا﴾ اخرجه ابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ قَوْله وتقيء يَوْم الْعرض من أكبادها الخ قَالَ تَعَالَى ﴿وأخرجت الأَرْض أثقالها﴾ الزلزلة ٢ أَي مَا فِي جوفها من الاموات والدفائن والاثقال جمع ثقل قَالَ أَبُو عُبَيْدَة الْأَخْفَش إِذا كَانَ الْمَيِّت فِي بطن الأَرْض فَهُوَ ثقل لَهَا واذا كَانَ فَوْقهَا فَهُوَ ثقل عَلَيْهَا قَالَ مُجَاهِد أثقالها موتاها تخرجهم فِي النفخة الثَّانِيَة وَقد قيل للجن والانس الثَّقَلَان وَإِظْهَار الارض فِي مَوضِع الاضمار لزِيَادَة التَّقْرِير قَالَ ابْن عَبَّاس أثقالها الْمَوْتَى والكنوز وروى مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ عَن ابي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (تقيء الارض أفلاذ كَبِدهَا أَمْثَال ألاسطوان من الذَّهَب وَالْفِضَّة فَيَجِيء الْقَاتِل فَيَقُول فِي هَذَا قتلت وَيَجِيء

стр. 89

الْقَاطِع فَيَقُول فِي هَذَا قطعت رحمي وَيَجِيء السَّارِق فَيَقُول فِي هَذَا قطعت يَدي ثمَّ يَدعُونَهُ فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئا (وَهَذَا معنى قَول النَّاظِم مَا لامرىء بالاخذ مِنْهُ يدان قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَكَذَا الْجبَال تفت فتا محكما فتعود مثل الرمل ذِي الكثبان ... وَتَكون كالعهن الَّذِي ألوانه وصباغة من سَائِر الالوان ... وتبس بسا مثل ذَاك فتنثني مثل الهباء لناظر الانسان ... قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِذا رجت الأَرْض رجا وبست الْجبَال بسا﴾ الْوَاقِعَة ٤ ٥ أَي إِذا حركت حَرَكَة شَدِيدَة يُقَال رجه يرجه رجا إِذا حركه والرجة الِاضْطِرَاب وَارْتجَّ الْبَحْر وَغَيره اضْطربَ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ ترتج كَمَا يرتج الصَّبِي فِي المهد حَتَّى ينهدم كل مَا عَلَيْهَا وينكسر كل شَيْء من الْجبَال وَغَيرهَا وبست الْجبَال بسا البس الفت يُقَال بس الشَّيْء إِذا فته حَتَّى يصير فتاتا وَيُقَال بس السويق إِذا لته بالسمن أَو بالزيت قَالَ مُجَاهِد وَمُقَاتِل الْمَعْنى ان الْجبَال فتت فتا وَبِه قَالَ ابْن عَبَّاس وَقَالَ السّديّ كسرت كسرا وَقَالَ الْحسن قلعت من أَصْلهَا وَقَالَ مُجَاهِد أَيْضا بست كَمَا يبس الدَّقِيق بالسمن أَو بالزيت وَالْمعْنَى أَنَّهَا خلطت فَصَارَت كالدقيق الملتوت وَقَوله تَعَالَى ﴿فَكَانَت هباء منبثا﴾ الْوَاقِعَة ٦ أَي غبارا متقرقا منتشرا بِنَفسِهِ من غير حَاجَة الى هَوَاء يفرقه وَقَالَ مُجَاهِد الهباء الشعاع الَّذِي يكون فِي الكوة كَهَيئَةِ الْغُبَار وَقيل هُوَ الرهج الَّذِي يسطع من حوافر الدَّوَابّ ثمَّ يذهب وَقيل مَا تطاير من النَّار اذا اضطرمت

стр. 90

قَوْله وَتَكون كالعهن الَّذِي أَي كالصوف الْمَصْبُوغ وَلَا يُقَال للصوف عهن إِلَّا إِذا كَانَ مصبوغا قَالَ الْحسن تكون الْجبَال كالصوف الاحمر وَهُوَ أَضْعَف الصُّوف وَقيل العهن الصُّوف والالوان فَشبه الْجبَال بِهِ فِي تكونها الوانا كَمَا فِي قَوْله ﴿جدد بيض وحمر مُخْتَلف ألوانها وغرابيب سود﴾ فاطر ٢٠ فاذا بست وطيرت فِي الْهَوَاء اشبهت العهن المنفوش إِذا طيرته الرّيح وَهَذِه الاقوال فِي معنى العهن فِي الللغة وَأول مَا تَتَغَيَّر الْجبَال تصير رملا مهيلا ثمَّ عهنا منفوشا ثمَّ هباء منثورا قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَكَذَا الْبحار فَإِنَّهَا مسجورة قد فجرت تفجير ذِي سُلْطَان ... وَكَذَلِكَ القمران يَأْذَن رَبنَا لَهما فيجتمعان يَلْتَقِيَانِ ... هذي مكورة وَهَذَا خاسف وَكِلَاهُمَا فِي النَّار مطروحان ... وكواكب الافلاك تنثر كلهَا كلآلىء نثرت على ميدان ... وَكَذَا السَّمَاء تشق شقا ظَاهرا وتمور ايضا أَيّمَا موران ... وَتصير بعد الانشقاق كَمثل هـ ذَا الْمهل اَوْ تَكُ وردة كدهان ... قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذا الْبحار سجرت﴾ التكوير ٦ أَي اوقدت فَصَارَت نَارا تضطرم وَقَالَ الْفراء ملئت بِأَن صَارَت بحرا وَاحِدًا وَكثر مَاؤُهَا وَبِه قَالَ الرّبيع بن خَيْثَم والكلبي وَمُقَاتِل وَالْحسن الضَّحَّاك وَقيل أرسل عذبها على مالحها ومالحها على عذبها حَتَّى

стр. 91

امْتَلَأت وَقيل فجرت فَصَارَت بحرا وَاحِدًا وَقَالَ الْقشيرِي هُوَ من سجرت التَّنور أسجره سجرا إِذا أحميته قَالَ ابْن يزِيد وعطية وسُفْيَان ووهب وَغَيرهم أوقدت فَصَارَت نَارا وَقَالَ ابْن عَبَّاس تسجر حَتَّى تصير نَارا وَقَالَ أَيْضا سجرت أَي اخْتَلَط مَاؤُهَا بِمَاء الارض قَوْله هذي مكورة وَهَذَا خاسف التكوير الْجمع وَهُوَ مَأْخُوذ من كار الْعِمَامَة على رَأسه يكورها قَالَ الزّجاج لفت كَمَا تلف الْعِمَامَة يُقَال كورت الْعِمَامَة على رَأْسِي أكورها كورا وكورتها تكويرا إِذا لففتها قَالَ أَبُو عُبَيْدَة كورت مثل تكوير الْعِمَامَة تلف فتجمع قَالَ الرّبيع بن خَيْثَم كورت أَي رمي بهَا وَمِنْه كورته فتكور أَي سقط وَقَالَ مقَاتل وَقَتَادَة والكلبي ذهب ضوؤها وَقَالَ مُجَاهِد اضمحلت قَالَ الواحدي قَالَ الْمُفَسِّرُونَ تجمع الشَّمْس بَعْضهَا الى بعض ثمَّ تلف ويرمى بهَا فَالْحَاصِل أَن التكوير لَهَا بِمَعْنى لف جرمها اَوْ لف ضوئها اَوْ الرَّمْي بهَا قَالَ ابْن ابي حَاتِم ثَنَا أَبُو صَالح ثَنَا مُعَاوِيَة بن صَالح عَن أبي بكر ابْن ابي مَرْيَم عَن أَبِيه أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي قَوْله ﴿إِذا الشَّمْس كورت﴾ التكوير ١ قَالَ (كورت فِي جَهَنَّم ﴿وَإِذا النُّجُوم انكدرت﴾ قَالَ انكدرت فِي جَهَنَّم وكل من عبد من دون الله فَهُوَ فِي جَهَنَّم إِلَّا مَا كَانَ من عِيسَى وَأمه فَلَو رَضِيا ان يعبدا لدخلاها قَالَ الْحَافِظ ابْن رَجَب غَرِيب جدا وابو بكر ابْن ابي مَرْيَم فِيهِ ضعف وَرُوِيَ أَن الشَّمْس وَالْقَمَر يكوران فِي النَّار رَوَاهُ عبد الْعَزِيز ابْن الْمُخْتَار عَن عبد الله الداناج قَالَ سَمِعت أَبَا سَلمَة يحدث عَن ابي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِن الشَّمْس وَالْقَمَر ثوران عقيران فِي النَّار يَوْم الْقِيَامَة (أخرجه الْبَزَّار وَغَيره وخرجه البُخَارِيّ مُخْتَصرا عَن ابي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 92

(الشَّمْس وَالْقَمَر مكوران يَوْم الْقِيَامَة (أخرجه البُخَارِيّ قَوْله وَهَذَا خاسف خسف الْقَمَر ذهب ضوؤه وأظلم وَيُقَال خسف إِذا ذهب جَمِيع ضوئه وكسف إِذا ذهب بعض ضوئه قَوْله وكواكب الافلاك تنثر كلهَا الخ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا النُّجُوم انكدرت﴾ التكوير ٢ أَي تهافتت وتساقطت وَانْقَضَت وتناثرت يُقَال انكدر الطَّائِر من الْهوى إِذا انقض والاصل فِي الانكدار الانصباب قَالَ الْخَلِيل يُقَال انكدر عَلَيْهِم الْقَوْم إِذا جاؤوا أَرْسَالًا فانصبوا عَلَيْهِم قَالَ أَبُو عُبَيْدَة انصب كَمَا ينصب الْعقَاب قَالَ الْكَلْبِيّ وَعَطَاء تمطر السَّمَاء يَوْمئِذٍ نجوما فَلَا يبْقى نجم فِي السَّمَاء إِلَّا وَقع على الارض وَقيل انكدارها طمس نورها وَقَالَ ابْن عَبَّاس تَغَيَّرت قَوْله وَكَذَا السَّمَاء تشق شقا ظَاهرا الخ قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ الانشقاق ١ أَي انصدعت وتفطرت فِيهِ حذف وَالتَّقْدِير إِذا انشقت السَّمَاء انشقت لَان إِذا الشّرطِيَّة يخْتَص دُخُولهَا بالجمل الفعلية وَمَا جَاءَ من هَذَا وَنَحْوه فمؤول مُحَافظَة على قَاعِدَة الِاخْتِصَاص وَالسَّمَاء فَاعل لفعل مَحْذُوف قَالَ الواحدي قَالَ الْمُفَسِّرُونَ انشقاقها من عَلَامَات الْقِيَامَة وَمعنى انشقاقها انفطارها بالغمام الابيض كَمَا فِي قَوْله ﴿وَيَوْم تشقق السَّمَاء بالغمام﴾ الْفرْقَان ٢٥ وَقيل تَنْشَق من المجرة وَبِه قَالَ عَليّ بن ابي طَالب والمجرة بَاب السَّمَاء وَأهل الْهَيْئَة يَقُولُونَ انها نُجُوم صغَار مختلطة غير متميزة فِي الْحس وَاخْتلف فِي جَوَاب اذا فَقَالَ الْفراء إِنَّه أَذِنت وَالْوَاو زَائِد وَكَذَلِكَ أَلْقَت قَالَ ابْن الانباري هَذَا غلط لِأَن الْعَرَب لَا تقحم الْوَاو الا مَعَ حَتَّى كَقَوْلِه ﴿حَتَّى إِذا جاؤوها وَفتحت أَبْوَابهَا﴾ الزمر ٧١ وَمَعَ لما كَقَوْلِه ﴿فَلَمَّا أسلما وتله للجبين وناديناه﴾

стр. 93

الصافات ١٠٣ وَلَا تقحم مَعَ غير هذَيْن وَقيل إِن الْجَواب فِي قَوْله ﴿فملاقيه﴾ أَي فَأَنت ملاقيه وَبِه قَالَ الاخفش قَوْله وتمور أَيْضا أَيّمَا موران قَالَ تَعَالَى ﴿يَوْم تمور السَّمَاء مورا﴾ الطّور ٩٠ المور الإضطراب وَالْحَرَكَة قَالَ أهل اللُّغَة مار الشَّيْء يمور مورا إِذا تحرّك وَدَار وَجَاء وَذهب قَالَه الاخفش وابو عُبَيْدَة وَقَالَ ابْن عَبَّاس تحرّك وَقَالَ الضَّحَّاك يموج بَعْضهَا فِي بعض وَقَالَ مُجَاهِد تَدور دورا وَقيل تجْرِي جَريا وَقيل تتكفأ قَالَه الاخفش قَالَ الْبَغَوِيّ والمور يجمع هَذِه الْمعَانِي إِذْ هُوَ فِي اللُّغَة الذّهاب والمجيىء والتردد والدوران والإضطراب وَيُطلق المور على الموج وَمِنْه نَاقَة موارة الْيَد أَي سريعة تموج فِي مشيها موجا وَمعنى الْآيَة أَن الْعَذَاب يَقع بالعصاة وَلَا يَدْفَعهُ عَنهُ دَافع فِي هَذَا الْيَوْم الَّذِي تكون فِيهِ السَّمَاء هَكَذَا وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة قَوْله وَتصير بعد الانشقاق كَمثل هَذَا الْمهل الخ قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِذا انشقت السَّمَاء فَكَانَت وردة كالدهان﴾ الرَّحْمَن ٣٧ انشقت أَي انصدعت بنزول الْمَلَائِكَة يَوْم الْقِيَامَة وانفك بَعْضهَا من بعض لقِيَام السَّاعَة وَقيل انفجرت فَصَارَت أبوابا لنزول الْمَلَائِكَة لتحيط بالعالم من سَائِر جِهَات الارض لِئَلَّا يهرب بَعضهم من الْمَحْشَر وَقيل المُرَاد مِنْهُ خراب السَّمَاء وَفِيه تهويل وتعظيم للامر ﴿فَكَانَت وردة﴾ أَي كوردة حَمْرَاء أَو محمرة مثلهَا قَالَ سعيد بن جُبَير وَقَتَادَة الْمَعْنى فَكَانَت حَمْرَاء وَقيل فَكَانَت كلون الْفرس الْورْد قَالَه ابْن عَبَّاس وَهُوَ الابيض الَّذِي يضْرب الى الْحمرَة والصفرة كالدهان قَالَ الْفراء وَأَبُو عبيد تصير السَّمَاء كالاديم لشدَّة حر النَّار وَقَالَ ابْن عَبَّاس

стр. 94

كالاديم الاحمر أَي على خلاف الْعَهْد بهَا وَهُوَ الزرقة وَقَالَ الْفراء أَيْضا شبه تلون السَّمَاء بتلون الْورْد من الْخَيل وَشبه الْورْد فِي ألوانها بالدهن وَاخْتِلَاف ألوانه والدهان جمع دهن نَحْو قرظ وقراظ ورمح ورماح وَقيل إِنَّه اسْم مُفْرد أَي اسْم لما يدهن بِهِ كالحزام والادام قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ وَقيل الْمَعْنى تصير السَّمَاء مثل الدّهن لذوبانها وَقَالَ الْحسن كالدهان أَي كصبيب الدّهن فَإنَّك إِذا صببته ترى فِيهِ الوانا وَقَالَ زيد بن أسلم تصير كعصير الزَّيْت وَقَالَ الزّجاج وَقَتَادَة إِنَّهَا الْيَوْم خضراء وسيكون لَهَا لون أَحْمَر حَكَاهُ الثَّعْلَبِيّ قَالَ الْمَاوَرْدِيّ زعم المتقدمون أَن أصل لون السَّمَاء الْحمرَة وَأَنَّهَا لِكَثْرَة الحوائل والحواجز وَبعد الْمسَافَة وَاعْتِرَاض الْهَوَاء بَيْننَا وَبَينهَا ترى بِهَذَا اللَّوْن الازرق كَمَا يرى الدَّم فِي الْعُرُوق أَزْرَق وَلَا هَوَاء هُنَاكَ يمْنَع من اللَّوْن الاصلي ذكره الْكَرْخِي والعمادي والكازروني والمهل مَا أذيب من النّحاس والرصاص وَالْفِضَّة وَقَالَ مُجَاهِد هُوَ الْقَيْح من الصديد وَالدَّم وَقَالَ عِكْرِمَة وَغَيره هُوَ دردي الزَّيْت وَبِه قَالَ ابْن عَبَّاس قَالَ النَّاظِم ... وَالْعرش والكرسي لَا يفنيهما أَيْضا وإنهما لمخلوقان ... والحور لَا تفنى كَذَلِك جنَّة ال مأوى وَمَا فِيهَا من الْولدَان ... ولاجل هَذَا قَالَ جهم إِنَّهَا عدم وَلم تخلق الى ذَا الْآن ... والانبياء فَإِنَّهُم تَحت الثرى أجسامهم حفظت من الديدان ... مَا للبلى بلحومهم وجسومهم أبدا وهم تَحت التُّرَاب يدان ...

стр. 95

.. وكذاك عجب الظّهْر لَا يبْلى بلَى ... مِنْهُ تركب خلقَة الانسان ... قَوْله وَالْعرش والكرسي الخ الْمُسْتَثْنى من الْهَلَاك فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه﴾ الْقَصَص ٨٨ ثَمَانِيَة أَشْيَاء نظمها الْجلَال السُّيُوطِيّ فَقَالَ ... ثَمَانِيَة حكم الْبَقَاء يعمها من الْخلق وَالْبَاقُونَ فِي حيّز الْعَدَم ... هِيَ الْعَرْش والكرسي ونار وجنة وَعجب وأرواح كَذَا اللَّوْح والقلم ... وَقد زَاد النَّاظِم على ذَلِك الْحور فِي قَوْله والحور لَا تفنى الخ قَالَ الامام احْمَد فِي رِوَايَة ابْنه عبد الله فَأَما السَّمَاء والارض فقد زالتا لَان أَهلهَا صَارُوا إِلَى الْجنَّة والى النَّار وَأما الْعَرْش فَلَا يبيد وَلَا يذهب لانه سقف الْجنَّة وَالله عَلَيْهِ فَلَا يهْلك وَلَا يبيد واما قَوْله ﴿كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه﴾ وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى أنزل ﴿كل من عَلَيْهَا فان﴾ فَقَالَت الْمَلَائِكَة هلك أهل الارض فَعَلمُوا فِي الْبَقَاء فَأخْبر الله تَعَالَى عَن أهل السَّمَوَات وَأهل الارض انهم يموتون فَقَالَ ﴿كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه﴾ يَعْنِي كل شَيْء ميت إِلَّا وَجهه لانه حَيّ لَا يَمُوت فأيقنت الْمَلَائِكَة عِنْد ذَلِك بِالْمَوْتِ انْتهى كَلَامه وَقَالَ فِي رِوَايَة أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن جَعْفَر ابْن يَعْقُوب الاصطرخري ذكره ابو الْحُسَيْن فِي كتاب (الطباقات (قَالَ قَالَ أَبُو عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل هَذِه مَذَاهِب أهل الْعلم وَأَصْحَاب الاثر وَأهل السّنة المتمسكين بعروتها المعروفين بهَا المقتدى بهم فِيهَا من لدن أَصْحَاب النَّبِي ﷺ الى يَوْمنَا هَذَا وادركت من أدْركْت من الْعلمَاء أهل الْحجاز وَالشَّام وَغَيرهم عَلَيْهَا فَمن خَالف شَيْئا من هَذِه الْمذَاهب اَوْ طعن

стр. 96

فِيهَا اَوْ عَابَ قَائِلهَا فَهُوَ مُخَالف مُبْتَدع خَارج عَن الْجَمَاعَة زائل عَن مَنْهَج السّنة وسبيل الْحق وسَاق أَقْوَالهم الى ان قَالَ وَقد خلقت الْجنَّة وَمَا فِيهَا وخلقت النَّار وَمَا فِيهَا خلقهَا الله وَخلق لَهما أَهلا وَلَا يفنيان وَلَا يفنى مَا فيهمَا أبدا فَإِن احْتج مُبْتَدع اَوْ زنديق بقول الله ﴿كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه﴾ وَبِنَحْوِ هَذَا من متشابه الْقُرْآن قيل لَهُ كل شَيْء مِمَّا كتب الله عَلَيْهِ الفناء والهلاك هَالك وَالْجنَّة وَالنَّار خلقتا للبقاء لَا للفناء وَلَا للهلاك وهما من الْآخِرَة لَا من الدُّنْيَا والحور الْعين لَا يمتن عِنْد قيام السَّاعَة وَلَا عِنْد النفخة وَلَا أبدا لَان الله خَلقهنَّ للبقاء لَا للفناء وَلم يكْتب عَلَيْهِنَّ الْمَوْت فَمن قَالَ خلاف ذَلِك فَهُوَ مُبْتَدع وَقد ضل عَن سَوَاء السَّبِيل وَأطَال الامام أَحْمد ﵀ الْكَلَام قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... ولاجل ذَلِك لم يقر الجهم بَال أَرْوَاح خَارِجَة عَن الابدان ... لَكِنَّهَا من بعض أَعْرَاض بهَا قَامَت وَذَا فِي غَايَة الْبطلَان ... فالشأن للارواح بعد فراقها أبدانها وَالله أعظم شان ... إِمَّا عَذَاب أَو نعيم دَائِم قد نعمت بِالروحِ وَالريحَان ... وَتصير طيرا سارحا مَعَ شكلها تجني الثِّمَار بجنة الْحَيَوَان ... وتظل وَارِدَة لأنهار بهَا حَتَّى تعود لذَلِك الجثمان ... لَكِن أَرْوَاح الَّذين اسْتشْهدُوا فِي جَوف طير أَخْضَر رَيَّان ...

стр. 97

.. فَلهم بِذَاكَ مزية فِي عيشهم ونعيمهم بِالروحِ والابدان ... بذلوا الجسوم لرَبهم فأعاضهم أجسام تِلْكَ الطير بالاحسان ... وَلها قناديل اليها تَنْتَهِي مأوى لَهَا كمساكن الانسان ... فالروح بعد الْمَوْت أكمل حَالَة مِنْهَا بهذي الدَّار فِي جثمان ... وَعَذَاب أشقاها اشد من الَّذِي قد عَايَنت أبصارها بعيان ... قَوْله وَلذَلِك لم يقر الجهم الخ أَي إِن الجهم بن صَفْوَان يَقُول إِن الرّوح لَا دَاخل الْبدن وَلَا خَارِجَة وَلَا مُتَّصِلَة بِهِ وَلَا مُنْفَصِلَة عَنهُ كَمَا ذكر ذَلِك عَنهُ الامام احْمَد ﵀ فِي كتاب (الرَّد على الْجَهْمِية (قَالَ وَكَذَلِكَ الجهم وشيعته دعوا للنَّاس الى الْمُتَشَابه من الْقُرْآن والْحَدِيث فضلوا وأضلوا بكلامهم بشرا كثيرا فَكَانَ مِمَّا بلغنَا عَن الجهم عَدو الله أَنه كَانَ من أهل خُرَاسَان من أهل ترمذ وَكَانَ صَاحب خصومات وَكَلَام وَكَانَ اكثر كَلَامه فِي الله ﵎ فلقي نَاسا من الْمُشْركين يُقَال لَهُم السمنية فعرفوا الجهم فَقَالُوا لَهُ نكلمك فان ظَهرت حجتنا عَلَيْك دخلت فِي ديننَا وَإِن ظَهرت حجتك علينا دَخَلنَا فِي دينك وَكَانَ مِمَّا كلموا بِهِ الجهم أَن قَالُوا لَهُ أَلَسْت تزْعم أَن لَك إِلَهًا قَالَ الجهم نعم فَقَالُوا لَهُ فَهَل رَأَيْت إلهك قَالَ لَا فَقَالُوا لَهُ هَل سَمِعت كَلَامه قَالَ لَا قَالُوا فشممت لَهُ رَائِحَة قَالَ لَا قَالُوا فَوجدت لَهُ حسا قَالَ لَا قَالُوا فَوجدت لَهُ لمسا قَالَ لَا قَالُوا فَمَا يدْريك انه إِلَه قَالَ فتحير الجهم فَلم يدر من يعبد أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ أَنه استدرك حجَّة من جنس حجَّة

стр. 98

الزَّنَادِقَة من النَّصَارَى وَذَلِكَ ان زنادقة النَّصَارَى يَزْعمُونَ ان الرّوح الَّذِي فِي عِيسَى هِيَ من روح الله من ذَات الله وَإِذا أَرَادَ ان يحدث امرا دخل فِي بعض خلقه فَتكلم على بعض لِسَان خلقه وَيَأْمُر بِمَا يَشَاء وَينْهى عَمَّا يَشَاء وَهُوَ روح غَائِب عَن الابصار فاستدرك الجهم حجَّة مثل هَذِه الْحجَّة فَقَالَ للسمني أَلَسْت تزْعم أَن فِيك روحا فَقَالَ نعم قَالَ فَهَل رَأَيْت روحك قَالَ لَا قَالَ فَسمِعت كَلَامه قَالَ لَا قَالَ فَوجدت لَهُ حسا قَالَ لَا قَالَ كَذَلِك الله فَلَا يرى لَهُ وَجه وَلَا يسمع لَهُ صَوت وَلَا يشم لَهُ رَائِحَة وَهُوَ غَائِب عَن الابصار فَلَا يكون فِي مَكَان دون مَكَان قَالَ وَوجد ثَلَاث آيَات فِي الْقُرْآن من الْمُتَشَابه قَوْله ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ الشورى ١١ ﴿وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات وَفِي الأَرْض﴾ الانعام ٣ و ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ الانعام ١٠٣ فَبنى أصل كَلَامه على هَؤُلَاءِ الْآيَات وَتَأَول الْقُرْآن على غير تَأْوِيله وَكذب بِأَحَادِيث رَسُول الله ﷺ وَزعم أَن من وصف شَيْئا مِمَّا وصف الله بِهِ نَفسه فِي كِتَابه اَوْ حدث عَنهُ رَسُول الله ﷺ كَانَ كَافِرًا وَكَانَ من المشبهة وأضل بشرا كثيرا وَتَبعهُ على قَوْله رجال من أَصْحَاب أبي حنيفَة وَأَصْحَاب عَمْرو بن عبيد بِالْبَصْرَةِ وَوضع دين الْجَهْمِية فَهَذَا الَّذِي ذكره الامام أَحْمد من مبدأ حَال جهم إِمَام الْمُتَكَلِّمين فَإِنَّهُ لما نَاظر من ناظره من الْمُشْركين السمنية من الْهِنْد وجحدوا الْإِلَه لكَون الجهم لم يُدْرِكهُ بِشَيْء من حواسه لَا بسمعه وَلَا ببصره وَلَا بشمه وَلَا بذوقه وَلَا بحسه كَانَ مَضْمُون هَذَا الْكَلَام أَن كل مَا لَا يحسه الانسان بحواسه الْخمس فَإِنَّهُ يُنكره وَلَا يقربهُ فأجابهم الجهم بِأَنَّهُ قد يكون فِي

стр. 99

الْوُجُود مَا لَا يُمكن الاحساس بِهِ بِشَيْء من هَذِه الْحَواس وَهِي الرّوح الَّتِي فِي العَبْد وَزعم أَنَّهَا لَا تخْتَص بِشَيْء من الامكنة وَهَذَا الَّذِي قَالَه هُوَ قَول الصائبة الفلاسفة الْمَشَّائِينَ وَحَاصِل هَذِه الابيات فِي شَأْن الارواح بعد الْمُفَارقَة بِالْمَوْتِ وَمَا لَهَا من النَّعيم وَالْعَذَاب وذ كرّ أَرْوَاح الشُّهَدَاء وَمَا أعد الله لَهُم من النَّعيم الْمُقِيم قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَأَما إِن كَانَ من المقربين فَروح وَرَيْحَان وجنة نعيم وَأما إِن كَانَ من أَصْحَاب الْيَمين فسلام لَك من أَصْحَاب الْيَمين وَأما إِن كَانَ من المكذبين الضَّالّين فَنزل من حميم وتصلية جحيم﴾ الْوَاقِعَة ٨٨ ٩٤ فقسم سُبْحَانَهُ الارواح الى ثَلَاثَة أَقسَام مقربين وَأخْبر أَنَّهَا فِي جنَّة النَّعيم وَأَصْحَاب يَمِين وَحكم لَهَا بِالسَّلَامِ وَهُوَ يتَضَمَّن سلامتها من الْعَذَاب ومكذبة ضَالَّة وَأخْبر أَن لَهَا نزلا من حميم وتصلية جحيم وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية فادخلي فِي عبَادي وادخلي جنتي﴾ الْفجْر ٢٧ ٢٩ قَالَ غير وَاحِد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ان هَذَا يُقَال لَهَا عِنْد خُرُوجهَا من الدُّنْيَا يبشرها الْملك بذلك وَلَا يُنَافِي ذَلِك قَول من قَالَ ان هَذَا يُقَال لَهَا فِي الْآخِرَة فانه يُقَال لَهَا عِنْد الْمَوْت وَعند الْبَعْث وَهَذَا من الْبُشْرَى الَّتِي قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا تتنزل عَلَيْهِم الْمَلَائِكَة أَلا تخافوا وَلَا تحزنوا وَأَبْشِرُوا بِالْجنَّةِ الَّتِي كُنْتُم توعدون﴾ فصلت ٣٠ وَهَذَا التنزل يكون عِنْد الْمَوْت وَيكون فِي الْقَبْر وَيكون عِنْد الْبَعْث وَأول بِشَارَة الاخرة عِنْد الْمَوْت وَفِي حَدِيث الْبَراء بن عَازِب ان الْملك يَقُولهَا عِنْد قبضهَا ابشري بِروح وَرَيْحَان وَهَذَا من الْجنَّة وروى مَالك فِي (الْمُوَطَّأ (عَن ابْن شهَاب عَن عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك أَنه اخبره أَن اباه كَعْب بن

стр. 100

مَالك كَانَ يحدث ان رَسُول الله ﷺ قَالَ إِنَّمَا نسمَة الْمُؤمن طَائِر تعلق فِي شجر الْجنَّة حَتَّى يرجعه الله الى جسده يَوْم يَبْعَثهُ قَالَ الْحَافِظ ابو عمر ابْن عبد الْبر وَاخْتلف الْعلمَاء فِي معنى هَذَا الحَدِيث فَقَالَ قَائِلُونَ مِنْهُم أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ عِنْد الله فِي الْجنَّة شُهَدَاء كَانُوا أم غير شُهَدَاء اذا لم يحبسهم عَن الْجنَّة كَبِيرَة وَلَا دين وتلقاهم رَبهم بِالْعَفو عَنْهُم وَالرَّحْمَة لَهُم وَاحْتَجُّوا بِأَن هَذَا الحَدِيث لم يخص فِيهِ شَهِيدا من غير شَهِيد وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَن ابي هُرَيْرَة أَن أَرْوَاح الابرار فِي عليين وأرواح الْفجار فِي سِجِّين وَعَن عبد الله ابْن عمر وَمثل ذَلِك قَالَ ابو عمر وَهَذَا قَول يُعَارضهُ من السّنة مَالا مدفع فِي صِحَة نَقله وَهُوَ قَوْله (اذا مَاتَ احدكم عرض عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ والعشي إِن كَانَ من اهل الْجنَّة فَمن أهل الْجنَّة وان كَانَ من اهل النَّار فَمن أهل النَّار يُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك حَتَّى يَبْعَثك الله اليه بوم الْقِيَامَة (وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا معنى هَذَا الحَدِيث فِي الشُّهَدَاء دون غَيرهم لَان الْقُرْآن وَالسّنة إِنَّمَا يدلان على ذَلِك اما الْقُرْآن فَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين بِمَا آتَاهُم الله من فَضله﴾ الاية آل عمرَان ١٦٩ ١٧٠ وَأما الْآثَار فَذكر حَدِيث ابي سعيد الْخُدْرِيّ من طَرِيق بَقِي بن مخلد مَرْفُوعا (الشُّهَدَاء يَغْدُونَ وَيَرُوحُونَ ثمَّ يكون مأواهم الى قناديل معلقَة بالعرش فَيَقُول لَهُم الرب ﵎ هَل تعلمُونَ كَرَامَة أفضل من كَرَامَة أكرمتكموها فَيَقُولُونَ لَا غير أَنا وَدِدْنَا أَنَّك أعدت أَرْوَاحنَا فِي أَجْسَادنَا حَتَّى نُقَاتِل

стр. 101

مرّة أُخْرَى فنقتل فِي سَبِيلك (رَوَاهُ عَن هناد عَن اسماعيل بن الْمُخْتَار عَن عَطِيَّة ثمَّ سَاق حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لما أُصِيب اخوانكم يَعْنِي يَوْم أحد جعل الله أَرْوَاحهم فِي أَجْوَاف طير خضر ترد أَنهَار الْجنَّة وتأكل من ثمارها وتأوي الى قناديل من ذهب فِي ظلّ الْعَرْش فَلَمَّا وجدوا طيب مَأْكَلهمْ وَمَشْرَبهمْ وَمَقِيلهمْ قَالُوا من يبلغ اخواننا أننا احياء فِي الْجنَّة نرْزق لِئَلَّا ينكلُوا عَن الْحَرْب وَلَا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَاد قَالَ فَقَالَ الله أَنا أبلغهم عَنْكُم فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾ آل عمرَان ١٦٩ والْحَدِيث فِي (مُسْند الامام أَحْمد (و (سنَن ابي دَاوُد (ثمَّ ذكر حَدِيث الاعمش عَن عبد الله بن مرّة عَن مَسْرُوق قَالَ سَأَلنَا عبد الله بن مَسْعُود عَن هَذِه الاية ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾ آل عمرَان ١٦٩ فَقَالَ أما إِنَّا قد سَأَلنَا عَن ذَلِك فَقَالَ أَرْوَاحهم فِي أَجْوَاف طير خضر تسرح فِي الْجنَّة فِي أَيهَا شَاءَت تأوي الى تِلْكَ الْقَنَادِيل فَاطلع عَلَيْهِم رَبك اطلاعة فَقَالَ هَل تشتهون شَيْئا قَالُوا وَأي شَيْء نشتهي وَنحن نَسْرَح من الْجنَّة حَيْثُ شِئْنَا فَفعل ذَلِك بهم ثَلَاث مَرَّات فَلَمَّا رَأَوْا أَنهم لن يتْركُوا من ان يسْأَلُوا قَالُوا يَا رب نُرِيد أَن ترد أَرْوَاحنَا فِي أَجْسَادنَا حَتَّى نقْتل فِي سَبِيلك مرّة اخرى فَلَمَّا رأى أَن لَيْسَ لَهُم حَاجَة تركُوا والْحَدِيث فِي (صَحِيح مُسلم ( قلت وَفِي (صَحِيح البُخَارِيّ (عَن أنس أَن أم الرّبيع بنت الْبَراء وَهِي أم حَارِثَة بن سراقَة أَتَت النَّبِي ﷺ فَقَالَت يَا رَسُول الله أَلا

стр. 102

تُحَدِّثنِي عَن حَارِثَة وَكَانَ قتل يَوْم بدر أَصَابَهُ سهم غرب فان كَانَ فِي الْجنَّة صبرت وان كَانَ غير ذَلِك اجتهدت عَلَيْهِ فِي الْبكاء قَالَ يَا أم حَارِثَة إِنَّهَا جنان وَإِن ابْنك أصَاب الفردوس الاعلى ثمَّ سَاق ابْن عبد الْبر من طَرِيق بَقِي بن مخلد ثَنَا يحيى بن علدالحميد ثَنَا ابْن عُيَيْنَة عَن عبيد الله بن أبي يزِيد سمع ابْن عَبَّاس يَقُول أَرْوَاح الشُّهَدَاء تجول فِي اجواف طير خضر تعلق فِي ثَمَر الْجنَّة ثمَّ ذكر عَن معمر عَن قَتَادَة قَالَ بلغنَا أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي صور طير بيض تَأْكُل من ثمار الْجنَّة وَمن طَرِيق أبي عَاصِم النَّبِيل عَن ثَوْر بن يزِيد عَن خَالِد بن معدان عَن عبد الله بن عَمْرو أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي طير كالزازير يَتَعَارَفُونَ وَيُرْزَقُونَ من ثَمَر الْجنَّة قَالَ أَبُو عَمْرو هَذِه الْآثَار كلهَا تدل على أَنهم الشُّهَدَاء دون غَيرهم وَفِي بَعْضهَا فِي صور طير وَفِي بَعْضهَا فِي اجواف طير وَفِي بَعْضهَا كطير خضر قَالَ وَالَّذِي يشبه عِنْدِي وَالله أعلم أَن يكون القَوْل قَول من قَالَ كطير أَو صور طير لمطابقته لحديثنا الْمَذْكُور يُرِيد حَدِيث كَعْب بن مَالك وَقَوله فِيهِ نسمَة الْمُؤمن كطائر وَلم يقل فِي جَوف طَائِر قَالَ وروى عِيسَى بن يُونُس حَدِيث ابْن مَسْعُود عَن الاعمش عَن عبد الله ابْن مرّة عَن مَسْرُوق عَن عبد الله كطير خضر قلت وَالَّذِي فِي (صَحِيح مُسلم (فِي اجواف طير خضر قَالَ أَبُو عمر فعلى هَذَا التَّأْوِيل فَكَأَنَّهُ ﷺ قَالَ (انما نسمَة الْمُؤمن من الشُّهَدَاء طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة (قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب (الرّوح (قلت لاتنا فِي بَين قَوْله ﷺ (نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة (وَبَين قَوْله (إِن أحدكُم إِذا مَاتَ عرض عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ والعشي إِن كَانَ من اهل الْجنَّة فَمن أهل الْجنَّة وَإِن كَانَ من أهل النَّار فَمن

стр. 103

أهل النَّار (وَهَذَا الْخطاب يتَنَاوَل الْمَيِّت على فرَاشه والشهيد كَمَا أَن قَوْله (نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة (يتَنَاوَل الشَّهِيد وَغَيره وَمَعَ كَونه يعرض عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ والعشي ترد روحه أَنهَار الْجنَّة وتأكل من ثمارها وَأما المقعد الْخَاص بِهِ وَالْبَيْت الَّذِي أعد لَهُ فانه إِنَّمَا يدْخلهُ يَوْم الْقِيَامَة وَيدل عَلَيْهِ أَن منَازِل الشُّهَدَاء ودورهم وقصورهم الَّتِي أعد الله لَهُم لَيست هِيَ تِلْكَ الْقَنَادِيل الَّتِي تأوي اليها أَرْوَاحهم فِي البرزخ قطعا فهم يرَوْنَ مَنَازِلهمْ ومقاعدهم من الْجنَّة وَيكون مستقرهم فِي تِلْكَ الْقَنَادِيل الْمُعَلقَة بالعرش فان الدُّخُول التَّام الْكَامِل إِنَّمَا يكون يَوْم الْقِيَامَة وَدخُول الارواح فِي الْجنَّة فِي البرزخ أَمر دون ذَلِك وَنَظِير هَذَا أهل الشَّقَاء تعرض أَرْوَاحهم على النَّار غدوا وعشيا فاذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة دخلُوا مَنَازِلهمْ ومقاعدهم الَّتِي كَانُوا يعرضون عَلَيْهَا فِي البرزخ فتنعم الارواح بِالْجنَّةِ فِي البرزخ شَيْء وتنعمها مَعَ الابدان بهَا يَوْم الْقِيَامَة شَيْء آخر فغذاء الرّوح من الْجنَّة فِي البرزخ دو غذائها مَعَ بدنهَا يَوْم الْبَعْث وَلِهَذَا قَالَ تعلق فِي شجر الْجنَّة أَي تَأْكُله الْعلقَة واما تَمام الْأكل وَالشرب واللبس والتمتع فانما يكون إِذا ردَّتْ الى أجسادها يَوْم الْقِيَامَة فَظهر أَنه لَا يُعَارض هَذَا القَوْل من السّنة شَيْء وانما تعاضده السّنة وتوافقه وَأما قَول من قَالَ ان حَدِيث كَعْب فِي الشُّهَدَاء دون غَيرهم فتخصيص لَيْسَ فِي اللَّفْظ مَا يدل عَلَيْهِ وَهُوَ حمل اللَّفْظ الْعَام على اقل مسمياته فَإِن الشُّهَدَاء بِالنِّسْبَةِ الى عُمُوم الْمُؤمنِينَ قَلِيل جدا وَالنَّبِيّ ﷺ علق هَذَا الْجَزَاء بِوَصْف الايمان فَهُوَ الْمُقْتَضِي لَهُ وَلم يعلقه بِوَصْف الشَّهَادَة أَلا ترى أَن الحكم الَّذِي اخْتصَّ بِالشُّهَدَاءِ علق بِوَصْف الشَّهَادَة كَقَوْلِه فِي حَدِيث الْمِقْدَام

стр. 104

ابْن معدي كرب (للشهيد عِنْد الله سِتّ خِصَال يغْفر لَهُ فِي أول دفقة من دَمه وَيرى مَقْعَده من الْجنَّة ويحلى حلَّة الايمان ويزوج من الْحور الْعين ويجار من عَذَاب الْقَبْر ويأمن من الْفَزع الاكبر وَيُوضَع على رَأسه تَاج الْوَقار الياقوته خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ويزوج اثْنَيْنِ وَسبعين من الْحور الْعين ويشفع فِي سبعين انسانا من أَقَاربه (فَلَمَّا كَانَ هَذَا يخْتَص بالشهيد قَالَ ان للشهيد وَلم يقل ان لِلْمُؤمنِ وَكَذَلِكَ قَوْله فِي حَدِيث قيس الْحزَامِي يعْطى الشَّهِيد سِتّ خِصَال وَكَذَلِكَ سَائِر الاحاديث والنصوص الَّتِي علق فِيهَا الْجَزَاء بِالشَّهَادَةِ واما مَا علق فِيهِ الْجَزَاء بالايمان فانه يتَنَاوَل كل مُؤمن شَهِيدا كَانَ اَوْ غير شَهِيد وَأما النُّصُوص والْآثَار الَّتِي ذكرت فِي رزق الشُّهَدَاء وَكَون أَرْوَاحهم فِي الْجنَّة فَكلهَا حق وَهِي لَا تدل على انْتِفَاء دُخُول أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ الْجنَّة وَلَا سِيمَا الصديقين الَّذين هم أفضل من الشُّهَدَاء بِلَا نزاع بَين النَّاس فَيُقَال لهَؤُلَاء مَا تَقولُونَ فِي أَرْوَاح الصديقين هَل هِيَ فِي الْجنَّة أم لَا فَإِن قَالُوا إِنَّهَا فِي الْجنَّة وَلَا يسوغ لَهُم غير هَذَا القَوْل قيل فَثَبت أَن هَذِه النُّصُوص لَا تدل على اخْتِصَاص أَرْوَاح الشُّهَدَاء بذلك وَإِن قَالُوا لَيست فِي الْجنَّة لَزِمَهُم من ذَلِك أَن تكون أَرْوَاح سَادَات الصَّحَابَة كَأبي بكر الصّديق وَأبي بن كَعْب وعبد الله بن مَسْعُود وَأبي الدَّرْدَاء وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان وأشباههم لَيست فِي الْجنَّة وأرواح شُهَدَاء زَمَاننَا فِي الْجنَّة وَهَذَا مَعْلُوم الْبطلَان ضَرُورَة فَإِن قيل فَإِذا كَانَ هَذَا حكما لَا يخْتَص بِالشُّهَدَاءِ فَمَا الْمُوجب لتخصيصهم بِالذكر فِي هَذِه النُّصُوص قيل الْمُوجب لذَلِك التَّنْبِيه على فضل الشَّهَادَة وعلو درجتها وان هَذَا مَضْمُون لاهلها ولابد وَأَن لَهُم أوفر

стр. 105

نصيب فَنصِيبهُمْ من هَذَا النَّعيم فِي البرزخ أكمل من نصيب غَيرهم من الاموات على فرشهم وان كَانَ الْمَيِّت على فرَاشه أَعلَى دَرَجَة مِنْهُم فَلهُ نعيم يخنص بِهِ لَا يُشَارِكهُ فِيهِ من هُوَ دونه وَيدل على هَذَا أَن الله سُبْحَانَهُ جعل ارواح الشُّهَدَاء فِي أَجْوَاف طير خضر فانهم لما بذلوا أنفسهم لله حَتَّى أتلفهَا أعداؤه فِيهِ أعاضهم مِنْهَا فِي البرزخ ابدانا خيرا مِنْهَا تكون فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَيكون نعيمها بِوَاسِطَة تِلْكَ الابدان اكمل من نعيم الْمُجَرَّدَة عَنْهَا وَلِهَذَا كَانَت نسمَة الْمُؤمن فِي صرة طير أَو كطير ونسمة الشَّهِيد فِي جَوف طير وَتَأمل لفظ الْحَدِيثين فَإِنَّهُ قَالَ نسمَة الْمُؤمن طير فَهَذَا يعم الشَّهِيد وَغَيره ثمَّ خص الشُّهَدَاء قَالَ هِيَ فِي جَوف طير وَمَعْلُوم أَنَّهَا اذا كَانَت فِي جَوف طير صدق عَلَيْهَا انها طير فصلوات الله وَسَلَامه على من يصدق كَلَامه بعضه بَعْضًا وَيدل على أَنه حق من عِنْد الله وَهَذَا الْجمع أحسن من جمع ابي عمر وترجيحه رِوَايَة من روى ارواحهم كطير خضر بل الرِّوَايَتَانِ حق وصواب فَهِيَ كطير أَخْضَر وَفِي أَجْوَاف طير خضر انْتهى كَلَام النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى قَوْله حَتَّى تعود الى ذَلِك الجثمان الجثمان هُوَ الْجِسْم قَالَ الْجَوْهَرِي قَالَ أَبُو زيد الْجِسْم الْجَسَد وَكَذَلِكَ الجسمان الجثمان وَقَالَ الاصمعي الْجِسْم والجسمان الْجَسَد والجثمان الشَّخْص قَالَ وجمعة جسم الانسان ايضا يُقَال لَهُ الجسمان مثل ذِئْب وذؤبان انْتهى وَقَول النَّاظِم ... لَكِن أَرْوَاح الَّذين اسْتشْهدُوا ... فِي جَوف طير أَخْضَر رَيَّان ...

стр. 106

يَعْنِي أَن الشُّهَدَاء لَهُم خُصُوصِيَّة بِأَن أَرْوَاحهم تجْعَل فِي جَوف طير خضر كَمَا صرح بذلك فِي كَلَامه الْمُتَقَدّم بقوله ثمَّ خص الشُّهَدَاء بِأَن قَالَ هِيَ فِي جَوف طير وَالله أعلم قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... والقائلون بِأَنَّهَا عرض أَبَوا ذَا كُله تَبًّا لذِي نكران ... واذا أَرَادَ الله اخراج الورى بعد الْمَمَات الى الْمعَاد الثَّانِي ... ألْقى على الاض الَّتِي هم تحتهَا وَالله مقتدر وَذُو سُلْطَان ... مَطَرا غليظا أبيضا مُتَتَابِعًا عشرا وَعشرا بعْدهَا عشران ... فتظل تنْبت مِنْهُ أجسام الورى ولحومهم كمنابت الريحان ... حَتَّى اذا مَا الام حَان ولادها وتمخضت فنفاسها متدان ... أوحى لَهَا رب السما فتشققت فَبَدَا الْجَنِين كأكمل الشبَّان ... وتخلت الام الْوَلُود فأخرجت أثقالها انثى وَمن ذكران ... وَالله ينشىء خلقه فِي نشأة اخرى كَمَا قد قَالَ فِي الْقُرْآن ... هَذَا الَّذِي جَاءَ الْكتاب وَسنة اله ادي بِهِ فاحرص على الايمان ... مَا قَالَ إِن الله يعْدم خلقه طرا كَقَوْل الْجَاهِل الحيران ... قَوْله والقائلون بِأَنَّهَا عرض أَي إِن الْقَائِلين بِأَن الرّوح عرض أَبَوا ذاكله لانها عِنْدهم تعدم وتتلاشى وَعِنْدهم أَنَّهَا عرض من أَعْرَاض

стр. 107

الْبدن وَهُوَ الْحَيَاة وَهَذَا قَول الباقلاني وَمن تبعه وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْهُذيْل العلاف النَّفس عرض الاعراض وَقَالَ غَيرهم بِأَنَّهُ الْحَيَاة كَمَا عينه ابْن الباقلاني ثمَّ قَالَ هِيَ عرض كَسَائِر أَعْرَاض الْجِسْم وَهَؤُلَاء عِنْدهم أَن الْجِسْم إِذا مَاتَ عدمت روحه كَمَا تعدم سَائِر اعراضه الْمَشْرُوطَة بِالْحَيَاةِ وَمن يَقُول مِنْهُم إِن الْعرض لايبقى زمانين كَمَا يَقُوله أَكثر الاشعرية فَمن قَوْلهم إِن روح الانسان الْآن هِيَ غير روحه قبل وَهُوَ لَا يَنْفَكّ يحدث لَهُ روح ثمَّ تغير ثمَّ روح ثمَّ تغير هَكَذَا أبدا فيبدله ألف روح فَأكْثر فِي سَاعَة من الزَّمَان فَمَا دونهَا فَإِذا مَاتَ فَلَا روح تصعد الى السَّمَاء وتعود الى الْقَبْر وتقبضها الْمَلَائِكَة ويستفتحون لَهَا أَبْوَاب السَّمَوَات وَلَا تنعم وَلَا تعذب وانما ينعم ويعذب الْجَسَد إِذا شَاءَ الله تنعيمه اَوْ تعذيبه رد الْحَيَاة فِي وَقت يُرِيد نعيمه وعذابه والا فَلَا روح هُنَاكَ قَائِمَة بِنَفسِهَا الْبَتَّةَ وَقَالَ بعض أَرْبَاب هَذَا القَوْل ترد الْحَيَاة الى عجب الذَّنب فَهُوَ الَّذِي يعذب وينعم فَحسب وَهَذَا قَول يردهُ الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وأدلة الْعُقُول والفطرة وَهُوَ قَول من لم يعرف روحه فضلا عَن روح غَيره وَقد خَاطب الله سُبْحَانَهُ النَّفس بِالرُّجُوعِ وَالدُّخُول وَالْخُرُوج ودلت النُّصُوص الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة على انها تصعد وتنزل وتقبض وَتمسك وَترسل وتستفتح لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء وتسجد وتتكلم وَأَنَّهَا تخرج تسيل كَمَا تسيل القطرة وتكفن وتحنط فِي أكفان الْجنَّة اَوْ النَّار وان ملك الْمَوْت يَأْخُذهَا بِيَدِهِ ثمَّ يَتَنَاوَلهَا الْمَلَائِكَة من يَده ويشم لَهَا كأطيب نفحة مسك أَو كانتن جيفة وتشيع من سَمَاء الى سَمَاء ثمَّ تُعَاد الى الارض مَعَ الْمَلَائِكَة وَأَنَّهَا إِذا خرجت تبعها الْبَصَر حَيْثُ يَرَاهَا وَهِي خَارِجَة وَدلّ الْقُرْآن على أَنَّهَا تنْتَقل من مَكَان إِلَى مَكَان حَتَّى تبلغ الْحُلْقُوم فِي حركتها وَجَمِيع

стр. 108

مَا ورد من الادلة الدَّالَّة على تلاقي الارواح وتعارفها وانها أجناد مجندة الى غير ذَلِك يبطل هَذَا القَوْل وَقد شَاهد النَّبِي ﷺ الارواح لَيْلَة الاسراء عَن يَمِين آدم وشماله وَأخْبر النَّبِي ﷺ أَن نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة وَأَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طير خضر وَأخْبر تَعَالَى عَن أَرْوَاح آل فِرْعَوْن أَنَّهَا تعرض على النَّار غدوا وعشيا وَلما أورد ذَلِك على ابْن الباقلاني لج فِي الْجَواب وَقَالَ يخرج على هَذَا أحد وَجْهَيْن إِمَّا بِأَن يوضع عرض من الْحَيَاة فِي أول جُزْء من أَجزَاء الْجِسْم وَإِمَّا أَن يخلق لتِلْك الْحَيَاة وَالنَّعِيم وَالْعَذَاب جدير خير وَهَذَا قَول فِي غَايَة الْفساد مِنْهُ وُجُوه كَثِيرَة وَأي قَول أفسد من قَول من يَجْعَل روح الانسان عرضا من الاعراض تبدل كل سَاعَة ألوفا من المرات فَإِذا فَارقه هَذَا الْعرض لم يكن بعد الْمُفَارقَة روح تنعم وَلَا تعذب وَلَا تصعد وَلَا تنزل وَلَا تمسك وَلَا ترسل فَهَذَا قَول مُخَالف لِلْعَقْلِ ونصوص الْكتاب وَالسّنة والفطرة وَهُوَ قَول من لم يعرف نَفسه وَالله أعلم وَقَوله وَإِذا أَرَادَ الله إِخْرَاج الورى الخ أخرج الشَّيْخَانِ عَن ابي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (مَا بَين النفختين أَرْبَعُونَ قيل أَرْبَعُونَ يَوْمًا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة أَبيت قَالَ أَرْبَعُونَ شهرا قَالَ أَبيت قَالَ أَرْبَعُونَ سنة قَالَ أَبيت ثمَّ ينزل من السَّمَاء مَاء فينبتون كَمَا ينْبت البقل وَلَيْسَ من الانسان شَيْء إِلَّا يبْلى إِلَّا عظم وَاحِد وَهُوَ عظم الذَّنب مِنْهُ يركب الْخلق يَوْم الْقِيَامَة (وَفِي رِوَايَة الْمُسلم (إِن فِي الانسان عظما لَا تَأْكُله الأَرْض أبدا فِيهِ يركب الْخلق يَوْم الْقِيَامَة قَالُوا أَي عظم هُوَ يَا رَسُول الله قَالَ عجب الذَّنب (رَوَاهُ الامام مَالك وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِاخْتِصَار قَالَ كل ابْن آدم تَأْكُله الارض إِلَّا عجب الذَّنب مِنْهُ خلق

стр. 109

وَفِيه يركب (قَالَ الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ كَغَيْرِهِ عجب الذَّنب بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَإِسْكَان الْجِيم بعْدهَا بَاء مُوَحدَة أَو مِيم هُوَ الْعظم الْحَدِيد الَّذِي يكون فِي أَسْفَل الصلب وأصل الذَّنب من ذَوَات الاربع وَقد روى الامام احْمَد وَابْن حبَان فِي (صَحِيحه (من حَدِيث أبي سعيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (يَأْكُل التُّرَاب كل شَيْء من الانسان إِلَّا عجب ذَنبه قيل مَا هُوَ يَا رَسُول الله قَالَ مثل حَبَّة خَرْدَل مِنْهُ تنشؤون وروى الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِير سُورَة الاعراف وَابْن عَطِيَّة فِي تَفْسِيره عَن ابي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس ﵃ اذا مَاتَ النَّاس كلهم فِي النفخة الاولى يَعْنِي نفخة الصَّعق أمطر عَلَيْهِم أَرْبَعِينَ عَاما كمني الرِّجَال من مَاء تَحت الْعَرْش يدعى مَاء الْحَيَوَان فينبتون من قُبُورهم بذلك الْمَطَر كَمَا ينْبت الزَّرْع من المَاء حَتَّى إِذا استكملت أَجْسَادهم نفخ فيهم الرّوح ثمَّ يلقِي عَلَيْهِم نومَة فينامون فِي قُبُورهم فَإِذا نفخ فِي الصُّور النفخة الثَّانِيَة قَامُوا وهم يَجدونَ طعم النّوم فِي أَعينهم كَمَا يجده الْقَائِم إِذا اسْتَيْقَظَ من نَومه فَعِنْدَ ذَلِك يَقُولُونَ يَا ويلنا من بعثنَا من مرقدنا وَقَول أبي هُرَيْرَة ﵁ أَبيت فِيهِ ثَلَاث تأويلات أَحدهَا امْتنعت من بَيَان ذَلِك وَقيل أَبيت (اسْأَل النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك وَقيل نسيت وَقيل إِن سر ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى لِأَنَّهُ من أسرار الربوبية لَكِن فِي حَدِيث ان بَين النفختين أَرْبَعِينَ عَاما وَقَول النَّاظِم طرا هُوَ بِضَم الطَّاء أَي جَمِيعًا قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَقضى بِأَن الله لَيْسَ بفاعل ... فعلا يقوم بِهِ بِلَا برهَان ...

стр. 110

.. بل فعله الْمَفْعُول خَارج ذَاته كالوصف غير الذَّات فِي الحسبان ... والجبر مذْهبه الَّذِي قرت بِهِ عين العصاة وشيعة الشَّيْطَان ... كَانُوا على وَجل من الْعِصْيَان إِذْ هُوَ فعلهم والذنب للانسان ... واللوم لَا يعدوه إِذْ هُوَ فَاعل بِإِرَادَة وبقدرة الْحَيَوَان ... فأراحهم جهم وشيعته من الل وم العنيف وَمَا قضوا بِأَمَان ... لكِنهمْ حملُوا ذنوبهم على رب الْعباد بعزة وأمان ... وتبرؤوا مِنْهَا وَقَالُوا إِنَّهَا أَفعاله مَا حِيلَة الانسان ... مَا كلف الْجَبَّار نفسا وسعهَا أَنى وَقد جبرت على الْعِصْيَان ... وَكَذَا على الطَّاعَات أَيْضا قد غَدَتْ مجبورة فلهَا إِذا جبران ... وَالْعَبْد فِي التَّحْقِيق شبه نعَامَة قد كلفت بِالْحملِ والطيران ... إِذْ كَانَ صورتهَا تدل عَلَيْهِمَا هَذَا وَلَيْسَ لَهَا بِذَاكَ يدان ... تضمن كَلَام النَّاظِم رَحمَه تَعَالَى مَسْأَلَتَيْنِ عظيمتين إِحْدَاهمَا فِي أَفعاله الله تَعَالَى هَل لله تَعَالَى فعل يقوم بِهِ بمشيئته وَقدرته ام الْفِعْل هُوَ الْمَفْعُول والخلق هُوَ الْمَخْلُوق فالاول هُوَ الَّذِي ذكره الْفُقَهَاء من اصحاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَمَالك فِي كتبهمْ كَمَا ذكره فُقَهَاء الْحَنَفِيَّة كالطحاوي وابي مَنْصُور الماتريدي وَغَيرهم وكما ذكره الْبَغَوِيّ فِي (شرح السّنة (وكما ذكره أَصْحَاب أَحْمد كَأبي إِسْحَاق وَأبي بكر عبد الْعَزِيز وَالْقَاضِي ذكره فِي الْخلق هَل هُوَ الْمَخْلُوق أَو غَيره على قَوْلَيْنِ وَلَكِن اسْتَقر قَوْله على
следующие страницы →