← Акыда

Акыда · id 6362

توضيح المقاصد شرح نونية ابن القيم الكافية الشافية

أحمد بن عيسى

Полный текст (1 130 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

.. وَقَالَ سيأتينا من الصين خَاتم ... من الاولياء الاولياء الاكابر لَهُ رُتْبَة فَوق النَّبِي ورتبة ... لَهُ دونه فاعجب لهَذَا التنافر فرتبته الْعليا يَقُول لانه ... من التابعية فِي الامور الظَّوَاهِر وَقَالَ اتِّبَاع الْمُصْطَفى لَيْسَ وَاضِعا ... لمقداره الاعلى وَلَيْسَ بحاقر فَإِن يدن عَنهُ لاتباع فانه ... يرى مِنْهُ أعلا من وُجُوه أَوَاخِر ترى خَال نقصا فِي (جوب) اتِّبَاعه ... لاحمد حَتَّى جا بهذي المعاذر فَلَا قدس الرَّحْمَن شخصا بحبه ... على مَا يرى من قبح هذي المخابر وَقَالَ بِأَن الانبياء جَمِيعهم ... بمشكاة هَذَا تستضىء فِي الدياجر ... الى ان قَالَ ... فَهَل أَبْصرت يَا ابْن الاحاير ... بأكذب من هَذَا وأكفر فِي الورى وأجرى على غشيان هذي البواطن ... فَلَا يَدعِي من صدقوه ولَايَة وَقد ختمت فليؤخذوا بالاقادر ... فيا لعباد الله مَا ثمَّ ذُو حجى لَهُ بعض تَمْيِيز بقلب وناظر اذا كَانَ ذُو كفر مُطيعًا كمؤمن ... وَلَا فرق فِينَا بَين بر وَفَاجِر كَمَا قَالَ هَذَا إِن كل أوَامِر ... من الله جَاءَت فَهِيَ وفْق المقادر فَلم بعثت رسل وسنت شرائع ... وَأنزل قُرْآن بهذي الزواجر ...

стр. 177

.. ايخلع مِنْكُم ربقة الدّين عَاقل ... لقَوْل غريق فِي الضَّلَالَة حائر وَيتْرك مَا جائت بِهِ الرُّسُل من هدى ... لاقوال هَذَا الفيلسوف المغادر فيا محسني ظن بِمَا فِي (فصوصه ( ... وَمَا فِي (فتوحات الشرور (الدَّوَائِر عَلَيْكُم بدين الله لَا تصبحوا غَدا ... مساعر نَار قبحت من مساعر فَلَيْسَ عَذَاب الله عذبا كَمثل مَا ... يمينكم بعض الشُّيُوخ المدابر وَلَكِن أَلِيم مثل مَا قَالَ رَبنَا ... بِهِ الْجلد ينضج ان يُبدل بآخر غَدا تعلمُونَ الصَّادِق القَوْل مِنْهُمَا ... اذا لم يتوبوا الْيَوْم علم مبَاشر وييبدو لكم غير الَّذِي يعدونكم ... بِأَن عَذَاب الله لَيْسَ بضائر وَيحكم رب الْعَرْش بَين مُحَمَّد ... وَمن سنّ علم الْبَاطِن المتهاتر وَمن جا بدين مفتر غير دينه ... فَأهْلك أَغْمَارًا بِهِ كالاباقر فَلَا تخذلن الْمُسلمين عَن الْهدى ... وَمَا للنَّبِي الْمُصْطَفى من مآثر ... ٢ ... وَلَا تؤثروا غير النَّبِي على النَّبِي ... فَلَيْسَ كنور الصُّبْح ظلم الدياجر دعوا كل ذِي قَول لقَوْل مُحَمَّد ... فَمَا آمن فِي دينه كمخاطر وَأما رجالات (الفصوص (فانهم ... يعومون فِي بَحر من الْكفْر ظَاهر إِذا رَاح بِالرِّيحِ المتابع أحمدا ... على هَدْيه راحوا بصفقة خاسر سيحكي لَهُم فِرْعَوْن فِي دَار خلده ... باسلامه المقبول عِنْد التحاور ...

стр. 178

.. وَيَا أَيهَا الصُّوفِي خف من (فصوصه ( ... خَوَاتِم سوء غَيرهَا فِي الخناصر فلاسفة باسم التصوف أبرزوا ... عقائد كفر بالمهيمن ظَاهر كَلَام (الفصوص (احذره فَهُوَ كَمَا ترى ... وَتسمع لَا تعدل بِهِ كفر كَافِر وحاربه فِي الْبَارِي فقد ضل واعتدى ... وَكَانَ على الْإِسْلَام أجور جَائِر وَفِي بعض مَا أمليته من كَلَامه ... غنى بعضه كَاف لأهل البصائر وَيَا عُلَمَاء الدّين مَا الْعذر فِي غَد ... من الله إِن عوتبتم فِي التدابر أما أَخذ الْمِيثَاق فِي أَن تبينوا ... علومكم للنَّاس عِنْد التذاكر وَأوجب لعنا مِنْهُ فِي معشر عصوا ... وَلم يتناهوا عَن فعال المناكر يسب إِلَه الْعَرْش فِيكُم وكلكم ... حُضُور ألالا قدست من محَاضِر يُقَال بِأَن الرب عبد وَعَبده ... هُوَ الرب والتكليف لَيْسَ بِظَاهِر وَإِن رَسُول الله يَأْتِي وَرَاءه ... من الصين من يعلوه عِنْد التفاخر ويطرق سمعا بَيْنكُم مثل هَذِه ... وينهيكم طعم الْكرَى فِي المحاجر أيدعى بمحيى الدّين هَذَا افتسكتوا ... بَرِئت إِلَى الرَّحْمَن من كل غادر أما لكم فِي الله وَالرسل غيرَة ... أما رجل مِنْكُم شَدِيد المرائر أعيذكم أَن تسمعوا فيهم الْأَذَى ... وتبدون حلم الموجع المتصابر ...

стр. 179

.. فَإِن لم تصبكم فِي الْإِلَه حمية ... وتفتوا بِمَا دونتم فِي الدفاتر وَإِلَّا فَلَا أبدت لكم صفحاتها وَلَا وضعت أقلامكم فِي المحابر ... لمن تحفظون الْعلم أَو تدخرونه إِذا لم تقوموا عِنْد هذي الجرائر ... أَفِي الله أوفي الْمُصْطَفى ذُو صداقة تحابونه أوذوا وداد معاشر ... وَهل من عَزِيز عنْدكُمْ تؤثرونه على الله وَالْمُخْتَار عِنْد التضافر ... تبَاع وتقرأ هَذِه الْكتب فِيكُم وَأَنْتُم سَوَاء وَالَّذِي فِي الْمَقَابِر ... فَإِن قُلْتُمْ لم تنه فِينَا علومه فها أَنا قد أنهيت هَل من مبازر ... أما أحرقت فِي مصر وَالشَّام كتبه باجماع أهل الْعلم باد وحاضر ... أما رجعُوا فِيهَا إِلَى ملك أَرضهم فَشد لنصر الله عقد المآزر ... وذب عَن الدّين الحنيفي بِسَيْفِهِ برغم عرانين الأنوف الصواغر ... فَمَا الْعذر إِن لم تنهضوا وتناصروا على مَا أمرْتُم عِنْده بالتناصر ... وللطير فِي الْخطب اجْتِمَاع وضجة فَهَل أَنْتُم فِي الضعْف دون العصافر ... إِلَى أَن قَالَ فِي مُخَاطبَة بعض من حاوره فِي ابْن عَرَبِيّ

стр. 180

.. فَإِن قلت دين ابْن العرابي ديننَا وتكفيره تكفيرنا فالتحاذر ... أقل إِنَّك الْآن الْمُكَفّر نَفسه وَأَنت الَّذِي ألقيتها فِي التهاتر ... فَذَلِك دين غير دين مُحَمَّد وَكفر لجوج فِي الضَّلَالَة ماهر ... اتى بمحال لَو عقلت رفضته وَكنت لَهُ فِي الله أول هَاجر ... كَلَام كأقوال المجانين بثه إِلَيْكُم على جرف من الْكفْر هائر ... أضلّ بِهِ من يقتفيه من الورى فَمَا مِنْكُم للمقتفين بعاذر ... تجنيت لي ذَنبا بذمي (فصوصكم ( وَذَلِكَ عِنْد الله إِحْدَى ذخائري ... هلا الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ عنْدك غيبَة وَهل سبّ عرضا من نهى عَن مناكر ... وَهِي طَوِيلَة نَحْو مِائَتَيْنِ وَثَلَاث وَأَرْبَعين بَيْتا وَأما ابْن سبعين فَهُوَ عبد الْحق بن إِبْرَاهِيم قَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تَارِيخ الْإِسْلَام) عبد الْحق بن إِبْرَاهِيم الشَّيْخ الضال أَبُو مُحَمَّد المريسي الصُّوفِي الفيلسوف وَله كَلَام فِي الْحَقِيقَة على طَريقَة الِاتِّحَاد مَاتَ بِمَكَّة سنة ٦٦٩ وَسبب نُزُوله مَكَّة أَنه ظهر مِنْهُ كَلَام أوجب للْعُلَمَاء الْفَتْوَى بقتْله فهرب إِلَيْهَا وَأظْهر لأبي نمي يَعْنِي الشريف صَاحب مَكَّة اشياء من السيماء والكيمياء حَتَّى صَار عِنْده فِي الذرْوَة وأحدث لَهُ ابْن سبعين هَذِه الْخطْبَة الَّتِي يخْطب فِيهَا الْمُؤَذّن على قبَّة زَمْزَم وَيذكر نسبه إِلَى عَليّ بن أبي طَالب

стр. 181

رَضِي الله عَنهُ وَقَالَ ابْن سبعين لأبي نمي دَعْنِي أخرب هَذَا الرُّكْن الْأسود وأستخرج لَك من تَحْتَهُ سرا لَيْسَ عنْدك ملك مثله قَالَ فحكاها لخطيب مَكَّة فَزَاد فِيهَا أَنه قَالَ وأحفر دَاخل الْبَيْت عَن دفائن وخبايا وَكَانَ يعيب الطائفين وَيَقُول لماذا يَدُور احدهم حول الْبَيْت وَكَانَ يخرج إِلَى مفازة ظَاهر مَكَّة فَيسْجد للشمس وَكَانَ يسْجد للقطب الشمالي وَلما مَاتَ لم يشيعه إِلَّا نفر قَلِيل جدا فَإِن النَّاس شكوا فِي أمره وَظهر عَنهُ أَعمال من جنس السحر انْتهى قَالَ الذَّهَبِيّ قلت مَا زَالَ ابْن سبعين بِحَمْد الله تَعَالَى ممقوتا عِنْد عُلَمَاء الْإِسْلَام إِلَّا من كَانَ على خَبِيث نحلته قَالَ والسبعينية فُقَهَاء زنادقة يتركون الصَّلَاة ويفعلون العظائم وَلَهُم رموز وإشارات أكره أَن أتفوه بهَا ثمَّ قَالَ إِن فتحنا بَاب التَّأْوِيل عَن المقالات والضلالات بطلت دواوين الْملَل والنحل لِأَن أَبَا حَامِد ذكر فِي (مشاكة الْأَنْوَار (فصلا فِي حَال الْحُسَيْن الحلاج وَأخذ يعْتَذر عَمَّا صدر مِنْهُ من الاطلاقات الكفرية وَأَقْبل يحملهَا على محامل بعيدَة وَقَالَ هَذَا من شدَّة الوجد كَمَا قيل ... أَنا من أَهْوى ... وَمن أَهْوى أَنا ... قَالَ الذَّهَبِيّ قلت كَانَ البدريون أَشد حبا لله فَمَا نطقوا بِهَذَا وَقد يَقُول الْعَارِف كلَاما لَا بَأْس بالاعتذار عَنهُ أما من يَقُول إِن هَذَا الْعَالم هُوَ حَقِيقَة الله فَهَذَا لعين وَالْمُسلم إِذا تَأمل كتب هَؤُلَاءِ وأمعن النّظر فِيهَا حصل لَهُ مَا لَا ينْدَفع أَنهم فرقة مارقة عَن الْإِسْلَام وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِن الْخَالِق هُوَ عين المخلوقين تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا لَكِن من لطف الله تَعَالَى أَن هَؤُلَاءِ الباطنية خاملون لَا يجسرون أَن يعلنوا

стр. 182

بإفكهم فِي مَسَاجِد الْإِسْلَام وَلَا فِي بِلَاد الْكتاب وَالسّنة فسل رَبك الثَّبَات على كلمة التَّقْوَى انْتهى كَلَامه وَذكره ابْن عبد الْملك فِي (التكملة (وَقَالَ فِيهِ كثر اتِّبَاعه على مذ ٤ هبه الَّذِي كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ من التصوف نحلة ارتسموا بهَا من غير تَحْصِيل لَهَا وصنف فِي ذَلِك أوضاعا كَثِيرَة تلقوها مِنْهُ ونقلوها عَنهُ وبثوها فِي الْبِلَاد شرقا وغربا لَا يخلى أحد مِنْهَا بطائل وَهِي إِلَى وساوس المخبولين وهذيان الممرورين أقرب مِنْهَا إِلَى مُنَازع أهل الْعلم وَلَفظه غير بلد وصقع لما كَانَ يرْمى بِهِ من بلايا الله أعلم بحقيقتها ومطلع على سَرِيرَته فِيهَا وَتعقبه بعض عُلَمَاء السّنة من المغاربة فَقَالَ كَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يُثبتهُ فِي مُصَنفه فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَن يذكر مَعَ أهل الْعلم وَالتَّفْسِير وَلَا كَرَامَة وَلَا وَالله مَعَ أهل التَّوْحِيد وَأما الْعَفِيف التلمساني فَهُوَ سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله التلمساني الأديب قَالَ الذَّهَبِيّ من فحول الشُّعَرَاء وكبار الاتحادية يدعى الْعرْفَان لَهُ شعر رائق وَكَانَ كَاتبا على سوق الْغنم بِدِمَشْق لَهُ هَيْئَة وَحُرْمَة وَكَانَ يتعاطى الْخمر ويتملطخ بمعايب نسْأَل الله الْعَفو وَكَانَ قد دخل الرّوم وَعمل الْخلْوَة وجاع وَشرح (مَوَاقِف النفري (وَهُوَ الْقَائِل

стр. 183

.. إِلَى الراح هبوا حِين تَدْعُو المثالث فَمَا الراح للأرواح الابواعث ... هِيَ الْجَوْهَر الصّرْف الْقَدِيم فَإِن بَدَت لَهَا حبب زينت بهَا وَهُوَ حَادث مَاتَ سنة ٦٠٩ وَذكره ابو حَيَّان فَقَالَ وَرَأَيْت بِالْقَاهِرَةِ الْعَفِيف أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن عَليّ بن ثَابت الْكُوفِي وَكَانَ يحضر عِنْدِي ١ فِي بَيْتِي فِي الْمدرسَة الصالحية وَينظر فِي شَيْء من النَّحْو وَأنْشد لي قطعا من شعره وَكَانَ قد تزوج بنت ابْن سبعين وأولدها ولدا يُسمى مُحَمَّدًا وَكَانَ شَاعِرًا ظريفا وَمَات وَهُوَ شَاب وَلما حضر مَعنا للْقِرَاءَة على الشَّيْخ شمس الدّين مُحَمَّد بن مَحْمُود الْأَصْبَهَانِيّ سَأَلَهُ من أَنْت فَقَالَ أَنا ابْن مملوكك الْعَفِيف التلمساني فَتَبَسَّمَ وَقَالَ أَنْت عريق فِي الألوهية وأمك بنت سبعين وَأَبُوك الْعَفِيف التلمساني وَكَانَ التلمساني متقلبا فِي احواله فَتَارَة يكون شيخ زَاوِيَة وَتارَة يشْتَغل فِي ديوَان الخدم قدم علينا الْقَاهِرَة فَنزل فِي (خانكاة سعيد السُّعَدَاء (فِي أيالة شيخ الشُّيُوخ إِذْ ذَاك وَأقَام أشهرا ثمَّ حُكيَ عَنهُ أَنه حضر مجْلِس أنس وَمَعَهُمْ مغن مليح فشاع عَنهُ أَنه قبل الْمُغنِي وَقَالَ أَنْت الله فَرمى الصَّبِي الطار من يَده ووجم لمقالة الْعَفِيف وَأصْبح أهل الْمجْلس يتحدثون بِمَا قَالَه الْعَفِيف فخاف على نَفسه وَخرج فَارًّا قبل الظّهْر إِلَى الشَّام قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية رَحمَه الله تَعَالَى وحَدثني الشَّيْخ الْعَالم الْعَارِف كَمَال الدّين المراغي شيخ زَمَانه أَنه لما قدم وبلغه كَلَام هَؤُلَاءِ فِي التَّوْحِيد قَالَ قرات على الْعَفِيف التلمساني من كَلَامهم شَيْئا فرأيته

стр. 184

مُخَالفا للْكتاب وَالسّنة فَلَمَّا ذكرت ذَلِك لَهُ قَالَ الْقُرْآن لَيْسَ فِيهِ تَوْحِيد بل الْقُرْآن كُله شرك وَمن اتبع الْقُرْآن لم يصل إِلَى التَّوْحِيد قَالَ قلت لَهُ مَا الْفرق عنْدكُمْ بَين الزَّوْجَة والأجنبية وَالْأُخْت الْكل وَاحِد قَالَ لَا فرق بَين ذَلِك عندنَا وانما هَؤُلَاءِ المحجوبون اعتقدوه حَرَامًا فَقُلْنَا هُوَ حرَام عَلَيْهِم عِنْدهم وَأما عندنَا فَمَا ثمَّ حرَام وحَدثني كَمَال الدّين ابْن المراغي أَنه لما تحدث مَعَ التلمساني فِي هَذَا الْمَذْكُور قَالَ وَكنت أَقرَأ عَلَيْهِ فِي ذَلِك فَإِنَّهُم كَانُوا قد عظموه عندنَا وَنحن مشتاقون إِلَى معرفَة (فصوص الحكم (فَلَمَّا صَار يشرحه إِلَيّ أَقُول هَذَا خلاف الْقُرْآن والآحاديث فَقَالَ ارْمِ هَذَا كُله خلف الْبَاب وأحضر بقلب صَاف حَتَّى تتلقى هَذَا التَّوْحِيد أَو كَمَا قَالَ ثمَّ خَافَ أَن أشيع ذَلِك عَنهُ فجَاء إِلَيّ باكيا وَقَالَ اسْتُرْ عني مَا سمعته مني قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فصل فِي قدوم ركب آخر ... وأتى فريق ثمَّ قَالَ وجدته بِالذَّاتِ مَوْجُودا بِكُل مَكَان ... هُوَ كالهواء بِعَيْنِه لَا عينه مَلأ الْخُلُو وَلَا يرى بعيان ... وَالْقَوْم مَا صانوه عَن بِئْر وَلَا قبر وَلَا حش وَلَا أعطان ...

стр. 185

.. بل مِنْهُم من قد رأى تشبيهه بِالروحِ دَاخل هَذِه الْأَبدَان ... مَا فيهم من قَالَ لَيْسَ بداخل أَو خَارج عَن جملَة الأكوان ... لكِنهمْ حاموا على هَذَا وَلم يتجاسروا من عَسْكَر الْإِيمَان ... وَعَلَيْهِم رد الْأَئِمَّة أَحْمد وصحابه من كل ذِي عرفان ... فهم الْخُصُوم لكل صَاحب سنة وهم الْخُصُوم لمنزل الْقُرْآن ... وَلَهُم مقالات ذكرت أُصُولهَا لما ذكرت الجهم فِي الاوزان ... أَقُول هَذَا الَّذِي ذكره النَّاظِم هُوَ قَول النجارية وَهُوَ أَن الله تَعَالَى بِذَاتِهِ فِي كل مَكَان وَأما الْجَهْمِية الفحول فهم يَقُولُونَ إِنَّه تَعَالَى لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم وَعَلَيْهِم رد الْأَئِمَّة أَحْمد الخ أَي أَن كَلَام الإِمَام أَحْمد وَأَصْحَابه إِنَّمَا هُوَ فِي الرَّد على الْقَائِلين بِأَن الله فِي كل مَكَان قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي كتاب (الْإِيمَان (كَلَام السّلف كَانَ فِيمَا يظْهر لَهُم ويصل إِلَيْهِم من كَلَام أهل الْبدع كَمَا تجدهم فِي الْجَهْمِية إِنَّمَا يحكون عَنْهُم أَن الله فِي كل مَكَان وَهَذَا قَول طَائِفَة مِنْهُم كالنجارية ٢ وَهُوَ قَول عوامهم وعبادهم وَأما جُمْهُور نظارهم من الْجَهْمِية والمعتزلة والضرارية وَغَيرهم فَإِنَّمَا يَقُولُونَ هَؤُلَاءِ دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا هُوَ فَوق الْعَالم انْتهى قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى

стр. 186

فصل فِي قدوم ركب آخر ... وأتى فريق ثمَّ قَارب وَصفه هَذَا وَلَكِن جد فِي الكفران ... فَأسر قَول معطل ومكذ ب فِي قالب التَّنْزِيه للرحمن ... إِذْ قَالَ لَيْسَ بداخل فِينَا وَلَا هُوَ خَارج عَن جملَة الأكوان ... بل قَالَ لَيْسَ ببائن عَنْهَا وَلَا فِيهَا وَلَا هُوَ عينهَا بِبَيَان ... كلا وَلَا فَوق السَّمَوَات العلى وَالْعرش من رب وَلَا رَحْمَن ... وَالْعرش لَيْسَ عَلَيْهِ معبود سوى الْعَدَم الَّذِي لَا شيئ فِي الْأَعْيَان ... بل حَظه من ربه حَظّ الثرى مِنْهُ وحظ قَوَاعِد الْبُنيان ... لَو كَانَ فَوق الْعَرْش كَانَ كهذه ال أجسام سُبْحَانَ الْعَظِيم الشان ... وَلَقَد وجدت لفاضل مِنْهُم مقا مَا قامه فِي النَّاس مُنْذُ زمَان ... قَالَ اسمعوا يَا قوم إِن نَبِيكُم قد قَالَ قولا وَاضح الْبُرْهَان ... لَا تحكموا بِالْفَضْلِ لي اصلا على ذِي النُّون يُونُس ذَلِك الغضبان ...

стр. 187

.. هَذَا يرد على المجسم على قَوْله الله فَوق الْعَرْش والأكوان ... وَيدل أَن إلهنا سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ يلقى بِكُل مَكَان ... قَالُوا لَهُ بَين لنا هَذَا فَلم يفعل فَأَعْطوهُ من الْأَثْمَان ... ألفا من الذَّهَب الْعَتِيق فَقَالَ فِي تبيانه فاسمع لذا التِّبْيَان ... قد كَانَ يُونُس فِي قَرَار الْبَحْر تَحت المَاء فِي قبر من الْحيتَان ... وَمُحَمّد صعد السَّمَاء وَجَاوَزَ ال سبع الطباق وَجَاز كل عنان ... وَكِلَاهُمَا فِي قربه من ربه سُبْحَانَهُ إِذْ ذَاك مستويان ... فالعلو والسفل اللَّذَان كِلَاهُمَا فِي بعده من ضِدّه طرفان ... إِن ينسبا لله نزه عَنْهُمَا بالإختصاص بلَى هما سيان ... فِي قرب من أضحى مُقيما فيهمَا من ربه فكلاهما مثلان ... فلأجل هَذَا خص يُونُس دونهم بِالذكر تَحْقِيقا لهَذَا الشان فَأتى النثار عَلَيْهِ من أَصْحَابه ... من كل نَاحيَة بِلَا حسبان فاحمد إلهك أَيهَا السّني إِذْ ... عافاك من تَحْرِيف ذِي بهتان وَالله مَا يرضى بِهَذَا خَائِف ... من ربه أَمْسَى على الْإِيمَان هَذَا هُوَ الْإِلْحَاد حَقًا بل هُوَ الت ... حريف مَحْضا أبرد الهذيان وَالله مَا بلي المجسم قطّ ذِي ال ... بلوى وَلَا أَمْسَى بِذِي الخذلان ...

стр. 188

.. أَمْثَال ذَا التَّأْوِيل أفسد هَذِه ال ... أَدْيَان حِين سرى إِلَى الْأَدْيَان وَالله لَوْلَا الله حَافظ دينه ... لتهدمت مِنْهُ قوى الْأَركان ... اقول هَذَا الركب هم الأشاعرة وَقَوله وَلَقَد وجدت لفاضل مِنْهُم الخ هذاالفاضل هُوَ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي عبد الْملك ابْن أبي مُحَمَّد عبد الله بن يُوسُف الْجُوَيْنِيّ إِمَام الْحَرَمَيْنِ مولده كَمَا فِي (الْكَامِل (سنة عشر وَأَرْبَعمِائَة وَفِي (تَارِيخ ابْن أبي الدَّم (سنة تسع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة (إِمَام الْعلمَاء فِي وقته فَحل الْمَذْهَب سَافر إِلَى بَغْدَاد ثمَّ إِلَى الْحجاز وَأقَام بِمَكَّة وَالْمَدينَة أَربع سِنِين يدرس ويفتي ويصنف وَأم فِي الْحَرَمَيْنِ الشريفين وَبِذَلِك لقب ثمَّ رَجَعَ إِلَى نيسابور وَجعل إِلَيْهِ الخطابة ومجلس الذّكر والتدريس ثَلَاثِينَ سنة وحظي عِنْد نظام الْملك وَمن تلاميذه الغز ٢ الي وَأَبُو الْقَاسِم الْأنْصَارِيّ وَأَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ الكيا الهراسي وَادّعى إِمَام الْحَرَمَيْنِ الإجتهاد الْمُطلق لِأَن أَرْكَانه حَاصِلَة لَهُ ثمَّ عَاد إِلَى اللَّائِق بِهِ وتقليد الإِمَام الشَّافِعِي وَلما مرض حمل إِلَى قَرْيَة مَوْصُوفَة باعتدال الْهوى وخفة المَاء إسمها (بشنقان (فَمَاتَ بهَا وَنقل إِلَى نيسابور تِلْكَ اللَّيْلَة وَدفن من الْغَد فِي دَاره ثمَّ نقل بعد سِتّ سِنِين إِلَى مَقْبرَة الْحُسَيْن فَدفن بِجنب أَبِيه وَصلى عَلَيْهِ وَلَده أَبُو الْقَاسِم فأغلقت ألأسواق يَوْم مَوته وَكسر منبره فِي الْجَامِع وَقعد النَّاس لعزائه ورثوه كثيرا وَمِنْه ... قُلُوب الْعَالمين على المقالي ... وَأَيَّام الورى شبه اللَّيَالِي ايثمر غُصْن أهل الْفضل يَوْمًا ... وَقد مَاتَ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي ...

стр. 189

وَكَانَت تلامذته يَوْمئِذٍ نَحْو أَرْبَعمِائَة وَمن مصنفاته (نِهَايَة الْمطلب فِي دراية الْمَذْهَب و (الشَّامِل (و (الْإِرْشَاد (كِلَاهُمَا فِي أصُول الدّين و (الرسَالَة النظامية فِي الْأَركان الإسلامية (و (الْبُرْهَان (فِي أصُول الْفِقْه وَغَيرهَا توفّي رَحمَه الله تَعَالَى فِي ربيع الآخر سنة ثَمَان وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب (النبلاء (فِي تَرْجَمَة الإِمَام ابي الْمَعَالِي كَانَ هَذَا الامام مَعَ فرط ذكائه وإمامته فِي الْفُرُوع وأصول الْمَذْهَب وَقُوَّة مناظرته لَا يدْرِي الحَدِيث كَمَا يَلِيق بِهِ لامتنا وَلَا إِسْنَادًا ذكر فِي كتاب الْبُرْهَان حَدِيث معَاذ فِي الْقيَاس فَقَالَ هُوَ مدون فِي الصِّحَاح مُتَّفق على صِحَّته قلت بل مَدَاره على الْحَارِث ابْن عَمْرو وَفِيه جَهَالَة عَن رجال من أهل حمص عَن معَاذ فإسناده صَالح انْتهى وقصة مقَامه الْمَذْكُور ذكرهَا الإِمَام أَبُو عبد الله الْقُرْطُبِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي (تَذكرته (فَقَالَ فصل قَوْله ﷺ (وَمن قَالَ أَنا خير من يُونُس بن مَتى فقد كذب (للْعُلَمَاء فِيهِ تأويلات أحْسنهَا وأجملها مَا ذكره القَاضِي أَبُو بكر ابْن الْعَرَبِيّ قَالَ أَخْبرنِي غير وَاحِد من أَصْحَابنَا عَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ أبي الْمَعَالِي عبد الْملك بن عبد الله بن يُوسُف الْجُوَيْنِيّ أَنه سُئِلَ هَل الْبَارِي فِي جِهَة فَقَالَ لَا هُوَ يتعالى عَن ذَلِك قيل لَهُ فَمَا الدَّلِيل عَلَيْهِ قَالَ الدَّلِيل قَول النَّبِي ﷺ (لَا تفضلُونِي على يُونُس بن مَتى (فَقيل لَهُ مَا وَجه الدَّلِيل من هَذَا الْخَبَر فَقَالَ لَا أقوله حَتَّى ياخذ ضَيْفِي هَذَا ألف دِينَار يقْضِي بهَا دينا فَقَامَ رجلَانِ فَقَالَا هِيَ علينا

стр. 190

فَقَالَ لَا يتبع بهَا إثنين لِأَنَّهُ يشق عَلَيْهِ فَقَالَ وَاحِد هِيَ عَليّ فَقَالَ إِن يُونُس بن مَتى ﷺ رمى بِنَفسِهِ فِي الْبَحْر فالتقمه الْحُوت وَصَارَ فِي قَعْر الْبَحْر فِي ظلمات ثَلَاثَة ونادى ﴿لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين﴾ الْأَنْبِيَاء ٨٧ كَمَا أخبر الله وَلم يكن مُحَمَّد حِين جلس على الرفرف الْأَخْضَر وارتقى بِهِ صعدا حَتَّى انْتهى بِهِ إِلَى مَوضِع يسمع فِيهِ صريف الأقلام وناجاه ربه بِمَا ناجى بِهِ وأوحي إِلَيْهِ مَا أُوحِي بأقرب إِلَى الله من يُونُس فِي ظلمَة الْبَحْر انْتهى سِيَاق ال ٦ قرطبي قلت كَانَ هَذَا الإِمَام مَعَ فرط ذكائه وغزارة علمه تتلون آراؤه فَفِي كتاب (الشَّامِل (وَكتاب (الارشاد (مَشى على تَأْوِيل الصفحات الخبرية وَفِي كتاب الرسَالَة النظامية مَشى على أَن التَّأْوِيل محرم قَالَ فِي (الرسَالَة النظامية (اخْتلف مسالك الْعلمَاء فِي هَذِه الظَّوَاهِر فَرَأى بَعضهم تَأْوِيلهَا وَالْتزم ذَلِك فِي آي الْكتاب وَمَا يَصح من السّنَن وَذهب أَئِمَّة السّلف إِلَى الانكفاف عَن التَّأْوِيل وإجراء الظَّوَاهِر على مواردها وتفويض مَعَانِيهَا إِلَى الرب وَالَّذِي نرتضيه دينا وندين الله بِهِ عقيدة اتِّبَاع سلف الْأمة وَالدَّلِيل الْقَاطِع السمعي فِي ذَلِك وَأَن إِجْمَاع الْأمة حجَّة متبعة فَلَو كَانَ تَأْوِيل هَذِه الظَّوَاهِر مسوغا أَو محتوما لَأَوْشَكَ أَن يكون أهتمامهم بهَا فَوق إهتمامهم بِفُرُوع الشَّرِيعَة إِذا انصرم عصر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ على الإضراب عَن التَّأْوِيل كَانَ ذَلِك هُوَ الْوَجْه المتبع فلتجر آيَة الاسْتوَاء وَآيَة المجي وَقَوله (لما خلقت بيَدي ص ٧٥ على ذَلِك قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي كتاب (الْعُلُوّ (قَالَ الْحَافِظ الْحجَّة عبد الْقَادِر الرهاوي سَمِعت عبد الرَّحِيم ابْن أبي الْوَفَاء الحاجي يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن

стр. 191

طَاهِر الْمَقْدِسِي يَقُول سَمِعت الأديب أَبَا الْحسن القيرواني بنيسابور يَقُول وَكَانَ يخْتَلف إِلَى دروس الاستاذ أبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ يقْرَأ عَلَيْهِ الْكَلَام يَقُول سَمِعت الاستاذ أَبَا الْمَعَالِي الْيَوْم يَقُول يَا أَصْحَابنَا لَا تشتغلوا بالْكلَام فَلَو عرفت أَن الْكَلَام يبلغ بِي إِلَى مَا بلغ مَا اشتغلت بِهِ وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو عبد الله الرستمي الَّذِي أجَاز لكريمة حكى لنا الامام أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن عَليّ الْفَقِيه قَالَ دَخَلنَا على الامام أبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ نعوده فِي مرض مَوته فَقعدَ فَقَالَ لنا اشْهَدُوا على أَنِّي قد رجعت عَن كل مقَالَة قلتهَا أُخَالِف فِيهَا مَا قَالَ السّلف الصَّالح وَإِنِّي أَمُوت على مَا تَمُوت عَلَيْهِ عَجَائِز نيسابور قَالَ أَبُو مَنْصُور بن الْوَلِيد الْحَافِظ فِي رِسَالَة لَهُ إِلَى الزنجاني أنبأ عبد الْقَادِر الْحَافِظ بحران أنبأ الْحَافِظ أَبُو الْعَلَاء أنبأ أَبُو جَعْفَر بن أبي عَليّ الْحَافِظ قَالَ سَمِعت أَبَا الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ وَقد سُئِلَ عَن قَوْله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ فَقَالَ كَانَ الله وَلَا عرش وَجعل يتخبط فِي الْكَلَام فَقلت قد علمنَا مَا أَشرت إِلَيْهِ فَهَل عنْدك للضرورات من حِيلَة فَقَالَ مَا تُرِيدُ بِهَذَا القَوْل وَمَا تَعْنِي بِهَذِهِ الْإِشَارَة فَقلت مَا قَالَ عَارِف قطّ يارباه إِلَّا قبل أَن يَتَحَرَّك لِسَانه قَامَ من بَاطِنه قصد لَا يلْتَفت يمنة وَلَا يسرة يقْصد الفوق فَهَل لهَذَا الْقَصْد الضَّرُورِيّ عنْدك حِيلَة فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت وبكيت وَبكى الْخلق فَضرب الاستاذ بكمه على السرير وَصَاح بِالْحيرَةِ وخرق مَا كَانَ عَلَيْهِ وَصَارَت قِيَامَة فِي الْمَسْجِد وَنزل وَلم يجبني إِلَّا يَا حَبِيبِي الْحيرَة الْحيرَة والدهشة الدهشة فَسمِعت بعد ذَلِك أَصْحَابه يَقُولُونَ

стр. 192

سمعناه يَقُول حيرني الهمذاني توفّي إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي سنة ثَمَان وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَله سِتُّونَ سنة وَكَانَ من بحور الْعلم فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع يتوقد ذكاء لَكِن قَول النَّاظِم يرحمه الله تَعَالَى عَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي حِكَايَة مذْهبه وَيدل أَن إلهنا سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ يلقى بِكُل مَكَان فِيهِ نظر فَإِن القَوْل بِأَن الله تَعَالَى فِي كل مَكَان هُوَ القَوْل النجارية وَأما الأشاعرة فَقَوْلهم إِن الله تَعَالَى لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا فَوْقه وَلَا تَحْتَهُ وَلَا يُوصف بِأَن لَهُ مَكَانا فضلا عَن أَن يُقَال إِنَّه بِكُل مَكَان كَمَا ذكره النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي أول الأبيات وَلِهَذَا ذكر شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية رَحمَه الله تَعَالَى فِي التسعينية قَالَ لما نوظر ابْن فورك قُدَّام مَحْمُود بن سبكتكين أَمِير الْمشرق فَقيل لَهُ لَو وصف الْمَعْدُوم لم يُوصف إِلَّا بِمَا وصفت بِهِ الرب من كَونه لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه كتب إِلَى أبي إِسْحَاق الاسفراييني فِي ذَلِك وَلم يكن جوابهم إِلَّا أَنه لَو كَانَ خَارج الْعَالم للَزِمَ أَن يكون جسما انْتهى قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فصل فِي قدوم ركب آخر ... وأتى فريق ثمَّ قَارب وَصفه ... هَذَا وَزَاد عَلَيْهِ فِي الْمِيزَان قَالَ اسمعوا ياقوم لَا تلهيكم ... هذي الْأَمَانِي هن شَرّ أماني ...

стр. 193

.. اتعبت رَاحِلَتي وكلت مهجتي ... وبذلت مجهودي وَقد أعياني فتشت فَوق وَتَحْت ثمَّ أمامنا ... ووراء ثمَّ يسَار مَعَ أَيْمَان مَا دلَّنِي اُحْدُ عَلَيْهِ هُنَاكُم ... كلا وَلَا بشر إِلَيْهِ هَدَانِي الا طوائف بِالْحَدِيثِ تمسكت ... تعزى مذاهبها إِلَى الْقُرْآن قالواالذي نبغيه فَوق عباده ... فَوق السَّمَاء وَفَوق كل مَكَان وَهُوَ الَّذِي حَقًا على الْعَرْش اسْتَوَى ... لكنه استولى على الأكوان وَإِلَيْهِ يصعد كل قَول طيب ... وَإِلَيْهِ يرفع سعي ذِي الشكران وَالروح والأملاك مِنْهُ تنزلت ... وَإِلَيْهِ تعرج عِنْد كل أَوَان وَإِلَيْهِ أَيدي السَّائِلين تَوَجَّهت ... نَحْو الْعُلُوّ بفطرة الرَّحْمَن وَإِلَيْهِ قد عرج الرَّسُول فقدرت ... من قربه من ربه قوسان وَإِلَيْهِ قد رفع الْمَسِيح حَقِيقَة ... ولسوف ينزل كي يرى بعيان وَإِلَيْهِ تصعد روح كل مُصدق ... عِنْد الْمَمَات فتنثني بِأَمَان وَإِلَيْهِ آمال الْعباد تَوَجَّهت ... نَحْو الْعُلُوّ بِلَا تواص ثَان بل فطْرَة الله الَّتِي لم يفطروا ... الاعليها الْخلق والثقلان ... يُشِير النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى أَن هَذَا الركب أقرُّوا بِمَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة وَأجْمع عَلَيْهِ سلف الْأمة وأئمتها من العقائد الَّتِي تضمنها

стр. 194

هَذَا الْفَصْل وَذكر نُصُوص الْفَوْقِيَّة والعلو والاستواء والصعود كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ االاعراف ٥٤ ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ فصلت ١١ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ﴾ فاطر ١٠ وَقَوله تَعَالَى ﴿تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ﴾ المعارج ٤ وَقَوله تَعَالَى ﴿تنزل الْمَلَائِكَة وَالروح فِيهَا بِإِذن رَبهم من كل أَمر سَلام هِيَ حَتَّى مطلع الْفجْر﴾ الْقدر ٤ ٥ وَذكر مِعْرَاج الرَّسُول ﷺ إِلَى الله الَّذِي تَوَاتَرَتْ بِهِ الاحاديث وَأجْمع عَلَيْهِ سلف الامة وأئمتها عَن أنس ان مَالك بن صعصعة حَدثهُ أَن نَبِي الله حَدثهُ عَن لَيْلَة أسرِي بِهِ قَالَ (بَينا أَنا فِي الْحطيم وَرُبمَا قَالَ قَتَادَة فِي الْحجر مُضْطَجعا إِذْ اتاني آتٍ (فَذكر الحَدِيث وَفِيه قَالَ (ثمَّ أتيت بِدَابَّة دون الْبَغْل وَفَوق الْحمار أَبيض يَقع خطوه عِنْد أقْصَى طرفه قَالَ فَحملت عَلَيْهِ فَانْطَلق بِي جِبْرِيل حَتَّى أَتَى بِي السَّمَاء الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ فَقيل من هَذَا قَالَ جِبْرِيل قيل وَمن مَعَك قَالَ مُحَمَّد قيل أوقد أرسل اليه قَالَ نعم قيل مرْحَبًا بِهِ ولنعم الْمَجِيء جَاءَ قَالَ فَفتح فَلَمَّا خلصت إِذا فِيهَا آدم قَالَ هَذَا أَبوك آدم فَسلم عَلَيْهِ فَسلمت عَلَيْهِ فَرد السَّلَام ثمَّ قَالَ مرْحَبًا بالابن الصَّالح وَالنَّبِيّ الصَّالح قَالَ ثمَّ صعد حَتَّى أَتَى

стр. 195

السَّمَاء الثَّانِيَة (فَاسْتَفْتَحَ قيل من هَذَا قَالَ جِبْرِيل قيل وَمن مَعَك قَالَ مُحَمَّد قيل وَقد أرسل اليه قَالَ نعم قيل مرْحَبًا بِهِ وَنعم الْمَجِيء جَاءَ قَالَ فَفتح فَلَمَّا خلصت فَإِذا يحيى وَعِيسَى وهما ابْنا الْخَالَة قَالَ هَذَا يحيى وَعِيسَى فَسلم عَلَيْهِمَا فَسلمت فَردا السَّلَام وَقَالا مرْحَبًا بالاخ الصَّالح وَالنَّبِيّ الصَّالح ثمَّ صعد حَتَّى أَتَى السَّمَاء الثَّالِثَة فَاسْتَفْتَحَ فَقيل من هَذَا قَالَ جِبْرِيل قيل وَمن مَعَك قَالَ مُحَمَّد قيل وَقد أرسل قَالَ نعم قيل مرْحَبًا بِهِ وَنعم الْمَجِيء جَاءَ قَالَ فَفتح فَلَمَّا خلصت إِذا يُوسُف قَالَ هَذَا يُوسُف فَسلم عَلَيْهِ فَسلمت عَلَيْهِ فَرد السَّلَام ثمَّ قَالَ مرْحَبًا بالأخ الصَّالح وَالنَّبِيّ الصَّالح ثمَّ صعد حَتَّى أَتَى السَّمَاء الرَّابِعَة فَاسْتَفْتَحَ قيل من هَذَا قَالَ جِبْرِيل قيل وَمن مَعَك قَالَ مُحَمَّد قيل أوقد أرسل اليه قَالَ نعم قيل مرْحَبًا بِهِ وَنعم الْمَجِيء جَاءَ قَالَ فَفتح فَلَمَّا خلصت فاذا إِدْرِيس قَالَ هَذَا ادريس فَسلم عَلَيْهِ فَسلمت عَلَيْهِ فَرد السَّلَام ثمَّ قَالَ مرْحَبًا بالاخ الصَّالح وَالنَّبِيّ الصَّالح قَالَ ثمَّ صعد حَتَّى أَتَى السَّمَاء الْخَامِسَة فَاسْتَفْتَحَ قيل من هَذَا قَالَ جِبْرِيل وَقيل من مَعَك قَالَ مُحَمَّد قيل وَقد أرسل اليه قَالَ نعم قَالَ مرْحَبًا بِهِ وَنعم الْمَجِيء جَاءَ قَالَ فَفتح فَلَمَّا خلصت فاذا هَارُون قَالَ هَذَا هَارُون فَسلم عَلَيْهِ قَالَ فَسلمت عَلَيْهِ فَرد السَّلَام قَالَ مرْحَبًا بالاخ الصَّالح وَالنَّبِيّ الصَّالح ثمَّ صعد حَتَّى أَتَى السَّمَاء السَّادِسَة فَاسْتَفْتَحَ قيل من هَذَا قَالَ جِبْرِيل قيل وَمن مَعَك قَالَ مُحَمَّد قيل وَقد أرسل اليه قَالَ نعم قَالَ مرْحَبًا بِهِ وَنعم الْمَجِيء جَاءَ فَفتح فَلَمَّا خلصت فاذا أَنا بمُوسَى قَالَ هَذَا مُوسَى فَسلم عَلَيْهِ فَسلمت فَرد السَّلَام ثمَّ قَالَ مرْحَبًا بالاخ الصَّالح وَالنَّبِيّ الصَّالح قَالَ فَلَمَّا تجاوزت بَكَى فَقيل مَا يبكيك

стр. 196

قَالَ أبْكِي لَان غُلَاما بعث بعدِي يدْخل الْجنَّة من امته اكثر مِمَّا يدخلهَا من أمتِي ثمَّ صعد حَتَّى أَتَى السَّمَاء السَّابِعَة فَاسْتَفْتَحَ فَقيل من هَذَا قَالَ جِبْرِيل قيل وَمن مَعَك قَالَ مُحَمَّد قيل وَقد أرسل اليه قَالَ نعم قَالَ مرْحَبًا بِهِ وَنعم الْمَجِيء جَاءَ قَالَ فَفتح فَلَمَّا خلصت فَإِذا إِبْرَاهِيم قَالَ هَذَا ابراهيم فَسلم عَلَيْهِ قَالَ فَسلمت فَرد السَّلَام ثمَّ قَالَ مرْحَبًا بالابن الصَّالح وَالنَّبِيّ الصَّالح قَالَ ثمَّ رفعت الى سِدْرَة الْمُنْتَهى ثمَّ رفع لي الْبَيْت الْمَعْمُور قَالَ ثمَّ فرضت عَليّ الصَّلَاة خمسين صَلَاة فِي كل يَوْم فَرَجَعت فمررت على مُوسَى فَقَالَ بِمَ أمرت فَقلت بِخَمْسِينَ صَلَاة كل يَوْم قَالَ إِن امتك لَا تَسْتَطِيع خمسين صَلَاة وَإِنِّي قد خبرت النَّاس قبلك وعالجت بني إِسْرَائِيل أَشد المعالجة فَارْجِع إِلَى رَبك فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيف لامتك قَالَ فَرَجَعت فَوضع عني عشرا فَرَجَعت إِلَى مُوسَى فَقَالَ بِمَ أمرت قلت بِأَرْبَعِينَ صَلَاة كل يَوْم قَالَ إِن أمتك لَا تَسْتَطِيع أَرْبَعِينَ صَلَاة كل يَوْم واني قد خبرت النَّاس قبلك وعالجت بني إِسْرَائِيل أَشد المعالجة فَارْجِع إِلَى رَبك فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيف لامتك فَرَجَعت فَوضع عني عشرا اخر فَرَجَعت الى مُوسَى فَقَالَ بِمَا أمرت قلت أمرت بِثَلَاثِينَ صَلَاة كل يَوْم قَالَ ان أمتك لَا تَسْتَطِيع ثَلَاثِينَ صَلَاة كل يَوْم وَإِنِّي قد خبرت النَّاس قبلك وعالجت بني إِسْرَائِيل أَشد المعالجة فَارْجِع الى رَبك فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيف لامتك فَرَجَعت فَوضع عني عشرا أخر فَرَجَعت الى مُوسَى فَقَالَ بِمَ أمرت

стр. 197

قلت بِعشْرين صَلَاة كل يَوْم قَالَ إِن امتك لَا تَسْتَطِيع عشْرين صَلَاة كل يَوْم واني قد خبرت النَّاس قبلك وعالجت بني إِسْرَائِيل أَشد المعالجة فَارْجِع الى رَبك فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيف لامتك قَالَ فَرَجَعت فَأمرت بِعشر صلوَات كل يَوْم فَرَجَعت الى مُوسَى فَقَالَ بِمَ أمرت فَقلت بِعشر صلوَات كل يَوْم قَالَ إِن أمتك لَا تَسْتَطِيع عشر صلوَات كل يَوْم وَإِنِّي قد خبرت النَّاس قبلك وعالجت بني اسرائيل أَشد المعالجة فَارْجِع الى رَبك فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيف لامتك فَرَجَعت فَأمرت بِخمْس صلوَات كل يَوْم فَرَجَعت إِلَى مُوسَى فَقَالَ بِمَ أمرت قلت أمرت بِخمْس صلوَات كل يَوْم قَالَ إِن أمتك لَا تَسْتَطِيع خمس صلوَات كل يَوْم وَإِنِّي قد خبرت النَّاس قبلك وعالجت بني إِسْرَائِيل أَشد المعالجة قلت قد سَأَلت رَبِّي حَتَّى استحييت وَلَكِنِّي أرْضى وَأسلم فَلَمَّا نفذت نَادَى مُنَاد قد أنفذت فريضتي وخففت عَن عبَادي (مُتَّفق عَلَيْهِ قَالَ النَّوَوِيّ ورحمه الله فِي (شرح مُسلم (نقلا عَن القَاضِي عِيَاض الْحق الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر النَّاس ومعظم السّلف وَعَامة الْمُتَأَخِّرين من الْفُقَهَاء والمحدثين والمتكلمين أَنه أسرى بجسده ﷺ والْآثَار تدل عَلَيْهِ لمن طالعها وَبحث عَنْهَا وَلَا يعدل عَن ظَاهرهَا إِلَّا بِدَلِيل وَلَا اسْتِحَالَة فِي حملهَا عَلَيْهِ فَيحْتَاج الى تَأْوِيل انْتهى قَوْله فقدرت من قربه من ربه قوسان يُشِير إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ دنا فَتَدَلَّى فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى﴾ النَّجْم ٨ ٩ وَهَذَا على أحد

стр. 198

التفسيرين فِي الْآيَة وَأَن الرب هُوَ الَّذِي دنا فَتَدَلَّى وَسَيَأْتِي بسط الْكَلَام على ذَلِك فِي شرح الدَّلِيل الْخَامِس من أَدِلَّة علو الرب تَعَالَى فَوق خلقه وَالله اعْلَم وَقَالَ تَعَالَى فِي حق الْمَسِيح صلوَات الله عَلَيْهِ ﴿بل رَفعه الله إِلَيْهِ﴾ النِّسَاء ١٥٨ الْآيَة وَقَوله واليه تصعد روح كل مُصدق الخ يَعْنِي ان روح الْمُؤمن الْمُصدق تصعد الى الله بعد الْمَوْت وَقد روى ابْن أبي ذِئْب عَن مُحَمَّد بن عَمْرو ابْن عَطاء عَن سعيد بن يسَار عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْمَيِّت تحضره الْمَلَائِكَة فاذا كَانَ الرجل الصَّالح قَالُوا اخْرُجِي أيتها النَّفس

стр. 199

الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب أَبْشِرِي بِروح وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان فَلَا يزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى تخرج ثمَّ يعرج بهَا الى السَّمَاء فيستفتح لَهَا فَيُقَال من هَذَا فَيُقَال فلَان فَيُقَال مرْحَبًا بِالنَّفسِ الطّيبَة فَلَا يزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى ينتهى بهَا الى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الله تَعَالَى وَذكر الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده (وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه (وَقَالَ هُوَ على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم وَرَوَاهُ أَئِمَّة عَن ابْن أبي ذِئْب وَقَوله فتنثني بِأَمَان يُشِير إِلَى مَا فِي حَدِيث الْبَراء بن عَازِب قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي جَنَازَة رجل من الانصار فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْر وَلما يلْحد فَجَلَسَ وَجَلَسْنَا حوله كَأَن على أكتافنا فلق الصخر وعَلى رؤوسنا الطير فأزم قَلِيلا والازمام السُّكُوت فَلَمَّا رفع رَأسه قَالَ (إِن الْمُؤمن إِذا كَانَ فِي قبل من الْآخِرَة ودبر من الدُّنْيَا نزل عَلَيْهِ مَلَائِكَة من السَّمَاء مَعَهم حنوط من الْجنَّة وكفن من الْجنَّة فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مد بَصَره وجاءه ملك الْمَوْت فَجَلَسَ عِنْد رَأسه ثمَّ يَقُول اخْرُجِي أيتها النَّفس الطّيبَة اخْرُجِي الى رَحْمَة الله ورضوانه فتسيل نَفسه كَمَا تقطر القطرة من السقاء فَإِذا خرجت نَفسه صلى عَلَيْهِ كل ملك بَين السَّمَاء والارض الا الثقلَيْن ثمَّ يصعد بِهِ الى السَّمَاء فتفتح لَهُ السَّمَاء ويشيعه مقربوها الى السَّمَاء الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وَالرَّابِعَة وَالْخَامِسَة وَالسَّادِسَة وَالسَّابِعَة الى الْعَرْش مقربو كل سَمَاء فاذا انْتهى الى الْعَرْش كتب كِتَابه فِي عليين فَيَقُول الرب ردوا عَبدِي إِلَى مضجعه فَانِي وعدتهم أَنِّي مِنْهَا خلقتهمْ وفيهَا أعيدهم وَمِنْهَا أخرجهم تَارَة اخرى فَيرد إِلَى مضجعه وَذكر الحَدِيث قَوْله واليه آمال الْعباد تَوَجَّهت الخ عَن سلمَان الْفَارِسِي قَالَ قَالَ

стр. 200

رَسُول الله ﷺ إِن ربكُم حييّ كريم يستحي من عَبده إِذا رفع يَدَيْهِ اليه يَدْعُو أَن يردهما صفرا لَيْسَ فيهمَا شَيْء (هَذَا حَدِيث مَشْهُور قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَنَظِير هَذَا أَنهم فطروا على ... إقرارهم لَا شكّ بالديان لَكِن أولو التعطيل مِنْهُم أَصْبحُوا ... مرضى بداء الْجَهْل والخذلان فَسَأَلت عَنْهُم رفقتي وأحبتي ... أَصْحَاب جهم حزب جنكسخان من هَؤُلَاءِ وَمن يُقَال لَهُم فقد ... جاؤوا بِأَمْر مَا لىء الآذان وَلَهُم علينا صولة مَا صالها ... ذُو بَاطِل بل صَاحب الْبُرْهَان أَو مَا سَمِعْتُمْ قَوْلهم وَكَلَامهم ... مثل الصواغر لَيْسَ ذَا لجبان جاؤوكم من فَوْقكُم وأتيتم ... من تَحْتهم مَا أَنْتُم نِسْيَان جاؤوكم بِالْوَحْي لَكِن جئْتُمْ ... بنحاة الافكار والاذهان ... قَالَ فِي (الْقَامُوس (نحته ينحته كيضربه وينصره ويعلمه براه والنحاته بِالضَّمِّ البراية ... قَالُوا مشبهة مجسمة فَلَا ... تسمع مقَال مجسم حَيَوَان والعنهم لعنا كَبِيرا واغزهم ... بعساكر التعطيل ...

стр. 201

.. واحكم بسفك دِمَائِهِمْ وبحبسهم ... أَولا فشردهم عَن الاوطان حذر صحابك مِنْهُم فهم أضلّ ... من الْيَهُود وعابدي الصلبان وَاحْذَرْ تجادلهم بقال الله أَو ... قَالَ الرَّسُول فتنثني بهوان أَنى وهم أولى بِهِ قد أنفذوا ... فِيهِ قوى الاذهان وألابدان فاذا ابْتليت بهم فغالطهم على الت ... أويل للاخبار وَالْقُرْآن وكذاك غالطهم على التَّكْذِيب لل ... آحَاد ذَا لصاحبنا أصلان أوصى بِهِ أشياخنا أَشْيَاخهم ... فاحفظهما بيديك والاسنان واذا اجْتمعت وهم بمشهد مجْلِس ... فابدر بايراد وشغل زمَان لَا يملكوه عَلَيْك بالآثار وَال ... أَخْبَار وَالتَّفْسِير للفرقان فَتَصِير إِن وَافَقت مثلهم وان ... عارضت زنديقا أَخا كفران واذا سكت يُقَال هَذَا جَاهِل ... فابدر وَلَو بالفشر والهذيان ... الفشار الَّذِي تستعمله الْعَامَّة بِمَعْنى الهذيان لَيْسَ من كَلَام الْعَرَب قَالَه فِي (الْقَامُوس ( ... هَذَا الَّذِي أوصى بِهِ أشياخنا ... فِي سالف الاوقات والازمان فَرَجَعت من سَفَرِي وَقلت لصاحبي ... ومطيتي قد آذَنت بحران ... قَالَ فِي (الْقَامُوس (حرنت الدَّابَّة كنصر وكرم حرانا

стр. 202

بِالْكَسْرِ وَالضَّم فَهِيَ حرون وَهِي الَّتِي اذا استدر جربها وقفت خَاص بذوات الْحَافِر ... عطل ركابك واسترح من سَيرهَا ... مَا ثمَّ شَيْء غير ذِي الاكوان لَو كَانَ للاكوان رب خَالق ... كَانَ المجسم صَاحب الْبُرْهَان اَوْ كَانَ رب بَائِن عَن ذِي الورى ... كَانَ المجسم صَاحب الايمان ولكان عِنْد النَّاس أولى الْخلق بَال ... إِسْلَام والايمان والاحسان ولكان هَذَا الحزب فَوق رؤوسهم ... لم يخْتَلف مِنْهُم عَلَيْهِ اثْنَان ... أَي لَو كَانَت هَذِه الاقوال حَقًا وَهِي اعْتِقَاد المجسمة بزعمهم لكانوا عِنْد الله أولى بالاسلام والايمان والاحسان ولكان هَذَا الحزب فَوق رُؤُوس النَّاس ولاجمعوا على أَنهم أهل الْحق وَلم يختف مِنْهُم اثْنَان ... فدع التكاليف الَّتِي حملتها ... واخلع عذارك وارم بالارسان ... خلع العذار كِنَايَة ... مَا ثمَّ فَوق الْعَرْش من رب وَلم ... يتَكَلَّم الرَّحْمَن بِالْقُرْآنِ لَو كَانَ فَوق الْعَرْش رب نَاظر ... لزم التحيز وافتقار مَكَان ... أَي لَو نقُول بِأَن الله فَوق الْعَرْش لزم أَن يكون متحيزا يكون لَهُ مَكَان ... لَو كَانَ ذَا الْقُرْآن عين كَلَامه ... حرفا وصوتا كَانَ ذَا جثمان فَذا انْتَفَى هَذَا وَهَذَا مَا الَّذِي ... يبْقى على ذَا النَّفْي من إِيمَان ...

стр. 203

أَي اذا نفوا علو الله سُبْحَانَهُ فَوق عَرْشه وَنَفَوْا أَن يكون هَذَا الْقُرْآن عين كَلَام الرب سُبْحَانَهُ فَكيف بَقَاء الايمان مَعَ ذَلِك ... فدع الْحَلَال مَعَ الْحَرَام لاهله ... فهما السياج لَهُم على الْبُسْتَان فاخرقه ثمَّ ادخل ترى فِي ضمنه ... قد هيئت لَك سَائِر الالوان وَترى بهَا مَا لَا يرَاهُ محجب ... من كل مَا تهوى بِهِ زوجان ... قَالَ فِي (الْقَامُوس (سياج ككتاب الْحَائِط وَمَا أحيط بِهِ على شَيْء مثل النّخل وَالْكَرم وَقد سيج حَائِطه تسييجا ... واقطع علائقك الَّتِي قد قيدت ... هَذَا الورى من سالف الازمان لتصير حرا لست تَحت أوَامِر ... كلا وَلَا نهي وَلَا فرقان لَكِن جعلت حجاب نَفسك اذ ترى ... فَوق السما للنَّاس من ديان لَو قلت مَا فَوق السَّمَاء مُدبر ... وَالْعرش تخليه من الرَّحْمَن وَالله لَيْسَ مكلما لِعِبَادِهِ ... كلا وَلَا متكلما بقرآن مَا قَالَ قطّ وَلَا يَقُول ولاله ... قَول بدا مِنْهُ الى انسان لَحللت طلسمه وفزت بكنزه ... وَعلمت أَن النَّاس فِي هذيان ... قَوْله مِنْهُ بدا قَالَ شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية رَحمَه الله تَعَالَى فِي (شرح عقيدة الاصفهاني (قد اتّفق سلف الامة وائمتها على أَن الله تَعَالَى مُتَكَلم بِكَلَام قَائِم بِهِ وَأَن كَلَامه تَعَالَى غير مَخْلُوق وانكروا على الْجَهْمِية وَمن وافقهم من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم فِي قَوْلهم إِن كَلَامه تَعَالَى مَخْلُوق خلقه

стр. 204

فِي غَيره وَأَنه كلم مُوسَى بِكَلَام خلقه فِي الشَّجَرَة فَكلم جِبْرِيل بِكَلَام خلقه فِي الْهَوَاء وَاتفقَ أَئِمَّة السّلف على أَن كَلَام الله منزل غير مَخْلُوق مِنْهُ بَدَأَ واليه يعود قَالَ وَمعنى قَوْلهم مِنْهُ بَدَأَ أَي هُوَ الْمُتَكَلّم بِهِ لم يخلقه فِي غَيره كَمَا قَالَت الْجَهْمِية وَمن وافقهم من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم بِأَنَّهُ بَدَأَ من بعض الْمَخْلُوقَات وَأَنه سُبْحَانَهُ لم يقم بِهِ كَلَام قَالَ وَلم يرد عَن السّلف أَنه كَلَام فَارق ذَاته فان الْكَلَام وَغَيره من الصِّفَات لَا يُفَارق الْمَوْصُوف بل صفة الْمَخْلُوق لَا تُفَارِقهُ وتنتقل الى غَيره فَكيف صفة الْخَالِق تُفَارِقهُ وتنتقل إِلَى غَيره وَلِهَذَا قَالَ الامام أَحْمد كَلَام الله لَيْسَ بَائِن مِنْهُ قَالَ شيخ الاسلام وَمعنى قَول السّلف واليه يعود مَا جَاءَ فِي الْآثَار أَن الْقُرْآن يسرى بِهِ حَتَّى لَا يبْقى فِي الْمَصَاحِف مِنْهُ حرف وَلَا فِي الْقُلُوب مِنْهُ أَيَّة وَمَا جَاءَت بِهِ الاثار عَن النَّبِي ﷺ وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان وَغَيرهم من أَئِمَّة الْمُسلمين كالحديث الَّذِي رَوَاهُ الامام احْمَد فِي (الْمسند (وَكتبه الى المتَوَكل فِي رسَالَته الَّتِي أرسل بهَا اليه عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (مَا تقرب الْعباد الى الله بِمثل مَا خرج بِهِ (يَعْنِي الْقُرْآن وَفِي لفظ (أحب اليه مِمَّا خرج مِنْهُ (وَقَول أبي بكر الصّديق ﵁ لما سمع كَلَام مُسَيْلمَة إِن هَذَا كَلَام لم يخرج من إل أَي من رب وَقَول ابْن عَبَّاس ﵄ لما سمع قَائِلا يَقُول لمَيت لما وضع فِي لحده اللَّهُمَّ رب الْقُرْآن اغْفِر لَهُ فَالْتَفت اليه ابْن عَبَّاس ﵄ فَقَالَ مَه الْقُرْآن كَلَام الله لَيْسَ بمربوب مِنْهُ بَدَأَ واليه يعود وَهَذَا الْكَلَام مَعْرُوف عَن ابْن عَبَّاس وَقَول السّلف الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق مِنْهُ بَدَأَ واليه يعود كَمَا استفاضت الْآثَار عَنْهُم بذلك كَمَا هُوَ مَنْقُول عَنْهُم فِي الْكتب المسطورة بِالْأَسَانِيدِ الْمَشْهُورَة

стр. 205

قَالَ شيخ الاسلام فِي (شرح الاصفهانية (وَهَذِه الرِّوَايَات لَا يدل شيءمنها على أَن الْكَلَام يُفَارق الْمُتَكَلّم وينتقل الى غَيره وَإِنَّمَا تدل على ان الله هُوَ الْمُتَكَلّم بِالْقُرْآنِ وَمِنْه سمع لَا أَنه خلقه فِي غَيره كَمَا فسره بذلك الامام أَحْمد وَغَيره من الائمة قَالَ ابو بكر الْخلال سُئِلَ الامام احْمَد عَن قَوْله الْقُرْآن كَلَام الله مِنْهُ خرج واليه يعود يَعْنِي مَا قدمنَا قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... لَكِن زعمت بَان رَبك بَائِن ... من خلقه إِذْ قلت موجودان وَزَعَمت أَن الله فَوق الْعَرْش وَال ... كرْسِي حَقًا فَوْقه القدمان وَزَعَمت أَن الله يسمع خلقه ... ويراهم من فَوق سِتّ ثَمَان وَزَعَمت أَن كَلَامه مِنْهُ بدا ... وَإِلَيْهِ يرجع آخر الازمان ووصفته بارادة وبقدرة ... وَكَرَاهَة ومحبة وحنان ووصفته بِالسَّمْعِ وَالْبَصَر الَّذِي ... لَا يَنْبَغِي إِلَّا لذِي الجثمان وَزَعَمت أَن الله يعلم كل مَا فِي الْكَوْن من سر وَمن أعلان ... وَالْعلم وصف زَائِد عَن ذَاته عرض يقوم بِغَيْر ذِي جثمان ... وَزَعَمت أَن الله كلم عَبده مُوسَى فأسمعه ندا الرَّحْمَن ... أفتسمع ألآذان غير الْحَرْف وَال صَوت الَّذِي خصت بِهِ الاذنان ... وَكَذَا النداء فانه صَوت باج ماع النُّحَاة واهل كل لِسَان ... لكنه صَوت رفيع وَهُوَ ضد للنجاء كِلَاهُمَا صوتان ...

стр. 206

.. فَزَعَمت ان الله ناداه ونا جاه وَفِي ذَا الزَّعْم محذوران ... قرب الْمَكَان وَبعده وَالصَّوْت بل نوعاه محذوران ممتنعان ... قَوْله ويراهم من فَوق سِتّ ثَمَان أَي السَّمَوَات السَّبع والارضين السَّبع قَوْله وَالْعلم وصف زَائِد عَن ذَاته لَا خُصُوصِيَّة للْعلم عَن سَائِر الصِّفَات فان مُرَاد أهل الاثبات بقَوْلهمْ نَحن نقُول باثبات صِفَات لله زَائِدَة على ذَاته فحقيقة ذَلِك أَنا نثبتها زَائِدَة على مَا أثْبته النفاة من الذَّات فان النفاة اعتقدوا ثُبُوت ذَات مُجَرّدَة عَن الصِّفَات فَقَالَ أهل الاثبات نَحن نقُول باثبات صِفَات زَائِدَة على مَا اثبته هَؤُلَاءِ وَأما الذَّات نَفسهَا الْمَوْجُودَة فَتلك لَا يتَصَوَّر أَن تتَحَقَّق بِلَا صفة أصلا بل هَذَا بِمَنْزِلَة من قَالَ اثْبتْ إنْسَانا لَا حَيَوَانا وَلَا ناطقا وَلَا قَائِما بِنَفسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ وَلَا لَهُ قدرَة وَلَا حَيَاة وَلَا حَرَكَة وَلَا سُكُون وَنَحْو ذَلِك أَو قَالَ أثبت نَخْلَة لَيْسَ لَهَا سَاق وَلَا جذع وَلَا لِيف وَلَا غير ذَلِك فان هَذَا يثبت مَالا حَقِيقَة لَهُ فِي الْخَارِج وَلَا يعقل وَلِهَذَا كَانَ السّلف والائمة يسمون نفاة الصِّفَات معطلة لَان حَقِيقَة قَوْلهم تَعْطِيل ذَات الله وان كَانُوا هم قد لَا يعلمُونَ ان قَوْلهم مُسْتَلْزم التعطيل وَالله أعلم وَهَذَا الركب الرَّابِع الَّذِي ذكر النَّاظِم قَوْلهم هُوَ فِيمَا يظْهر الْفَخر الرَّازِيّ والاسدي والشهر ستاني والاثير الابهري وَنَحْوهم مِمَّن خلط الْكَلَام بالفلسفة فان لَهُم كلَاما يشبه مَا ذكره النَّاظِم خُصُوصا الْفَخر الرَّازِيّ فانه قَالَ فِي كتاب اقسام اللَّذَّات لما ذكر ان هَذَا الْعلم أشرف الْعُلُوم وَأَنه ثَلَاث مقامات الْعلم بِالذَّاتِ وَالصِّفَات والافعال وعَلى كل مقَام عقدَة فَعلم الذَّات عَلَيْهِ عقدَة هَل

стр. 207

الْوُجُود هُوَ الْمَاهِيّة أَو زَائِد على الْمَاهِيّة وَعلم الصِّفَات عَلَيْهِ عقدَة هَل الصِّفَات زَائِدَة على الذَّات ام لَا وَعلم الافعال عَلَيْهِ عقدَة هَل الْفِعْل مُقَارن للذات أَو مُتَأَخّر عَنْهَا ثمَّ قَالَ وَمن الَّذِي وصل الى هَذَا الْبَاب أَو ذاق من هَذَا الشَّرَاب ثمَّ أنْشد ... نِهَايَة اقدام الْعُقُول عقال واكثر سعي الْعَالمين ضلال ... وأرواحنا فِي وَحْشَة من جسومنا وَحَاصِل دُنْيَانَا أَذَى ووبال ... وَلم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى ان جَمعنَا فِيهِ قيل وَقَالُوا ... لقد تَأَمَّلت الطّرق الكلامية والمناهج الفلسفية فَمَا رَأَيْتهَا تشفي عليلا وَلَا تروي غليلا وَرَأَيْت أقرب الطّرق طَريقَة الْقُرْآن اقْرَأ فِي الاثبات ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ﴾ فاطر ١٠ واقرأ فِي النَّفْي ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ الشورى ١١ ﴿وَلَا يحيطون بِهِ علما﴾ طه ١١٠ ﴿هَل تعلم لَهُ سميا﴾ مَرْيَم ٧ وَمن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي وَقَول النَّاظِم رَحمَه اله تَعَالَى وكذاك غالطهم على التَّكْذِيب للآحاد الخ يُشِير الى ان الْمُخَالفين للْكتاب وَالسّنة قد أعدُّوا لدفع الِاسْتِدْلَال بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله أصلين أَحدهمَا التَّأْوِيل للآيات والاحاديث وَالثَّانِي دَعْوَى أَن الاحاديث الصَّحِيحَة فِي ذَلِك أَخْبَار آحَاد وَهِي لَا تفِيد الْعلم وَالْيَقِين وللامام القَاضِي أبي يعلى مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الْفراء الْحَنْبَلِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي ذَلِك كتاب (إبِْطَال التَّأْوِيل (مُجَلد وَكَذَلِكَ للشَّيْخ الامام أبي مُحَمَّد موفق الدّين بن قدامَة الْمَقْدِسِي كتاب (ذمّ التَّأْوِيل (فِي جُزْء لطيف فَارْجِع اليهما إِن شِئْت

стр. 208

وَقَالَ شيخ الاسلام رَحمَه الله تَعَالَى فِي كَلَام لَهُ لهَذَا اعْترض عبد الْجَبَّار وَابْن خطيب الرّيّ على الحَدِيث وجعلوه من الْآحَاد لما رَأَوْا احاديث تخَالف الْعقل وَهِي فِي الاصل مَوْضُوعَة انْتهى وَيَنْبَغِي أَن نتكلم هُنَا على أَخْبَار الْآحَاد وَأَنَّهَا تفِيد الْعلم وَله أَدِلَّة كَثِيرَة ذكرهَا النَّاظِم فِي كتاب (الصَّوَاعِق ( الاول أَن الْمُسلمين لما أخْبرهُم الْعدْل الْوَاحِد وهم بقباء فِي صَلَاة الصُّبْح أَن الْقبْلَة قد حولت الى الْكَعْبَة قبلوا خَبره وَتركُوا الْجِهَة الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا واستداورا الى الْقبْلَة وَلم يُنكر عَلَيْهِم رَسُول الله ﷺ بل شكروا على ذَلِك وَكَانُوا على أَمر مَقْطُوع بِهِ من الْقبْلَة الاولى فلولا حُصُول الْعلم لَهُم بِخَبَر الْوَاحِد لم يتْركُوا الْمَقْطُوع بِهِ الْمَعْلُوم لخَبر لَا يُفِيد الْعلم وَغَايَة مَا يُقَال فِيهِ أَنه خبر اقْترن بِهِ قرينَة وَكثير مِنْهُم يَقُول لَا يُفِيد الْعلم بِقَرِينَة وَلَا غَيرهَا وَهَذَا فِي غَايَة المكابرة وَمَعْلُوم أَن قرينَة تلقي الامة لَهُ بِالْقبُولِ وَرِوَايَته قرنا بعد قرن من غير نَكِير من اقوى الْقَرَائِن وأظهرها فَأَي قرينَة فرضتها كَانَت تِلْكَ أقوى مِنْهَا الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الحجرات ٦ وَفِي الْقِرَاءَة الاخرى ﴿فتثبتوا﴾ وَهَذَا يدل على الْجَزْم بِقبُول خبر الْوَاحِد لانه يحْتَاج الى التثبت وَلَو كَانَ خَبره لَا يُفِيد الْعلم لامر بالتثبت حَتَّى يحصل الْعلم وَأَيْضًا فالسلف الصَّالح وأئمة الاسلام لم يزَالُوا يَقُولُونَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا وَفعل كَذَا وَأمر بِكَذَا وَنهى عَن كَذَا وَهَذَا مَعْلُوم فِي كَلَامهم بِالضَّرُورَةِ وَفِي (صَحِيح البُخَارِيّ (قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي عدَّة مَوَاضِع وَكثير من آحاديث الصَّحَابَة يَقُول فِيهَا أحدهم قَالَ رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا سَمعه من صَحَابِيّ غَيره

стр. 209

وَهَذِه شَهَادَة من الْقَائِل وَجزم على رَسُول الله ﷺ بِمَا نسبه اليه من قَول أَو فعل فَلَو كَانَ خبر الْوَاحِد لَا يُفِيد الْعلم لَكَانَ شَاهدا على رَسُول الله ﷺ بِغَيْر علم الثَّالِث أَن أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ لم يزَالُوا يَقُولُونَ صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ وَذَلِكَ جزم مِنْهُم بِأَنَّهُ قَالَه الرَّابِع قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون﴾ التَّوْبَة ١٢٢ والطائفة تقع على الْوَاحِد فَمَا فَوْقه فَأخْبر أَن الطَّائِفَة تنذر قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم فَلَو كَانَ خبر الْوَاحِد لَا يُفِيد الْعلم لَكَانَ ذَلِك الانذار أمرا بِمَا لَا فَائِدَة فِيهِ الْخَامِس قَوْله ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ الاسراء ٣٦ أَي لَا تتبعه وَلَا تعْمل بِهِ وَلم يزل الْمُسلمُونَ من عهد الصَّحَابَة يقفون أَخْبَار الْآحَاد ويعملون بهَا ويثبتون لله تَعَالَى بهَا الصِّفَات فلوا كَانَت لَا تفِيد علما لَكَانَ الصَّحَابَة والتابعون وتابعوهم وأئمة الاسلام كلهم قد قفوا مَا لَيْسَ لَهُم بِهِ علم السَّادِس قَوْله تَعَالَى ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ النَّحْل ٤٣ فَأمر من لم يعلم أَن يسْأَل أهل الذّكر وهم اولو الْكتاب وَالْعلم وَلَوْلَا أَن أخبارهم تفِيد الْعلم لم يَأْمر بسؤال من لَا يُفِيد خَبره علما وَهُوَ سُبْحَانَهُ لم يقل سلوا عدد التَّوَاتُر بل أَمر بسؤال أهل الذّكر مُطلقًا فَلَو كَانَ وَاحِدًا لَكَانَ سُؤَاله وَجَوَابه كَافِيا السَّابِع قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك وَإِن لم تفعل فَمَا بلغت رسَالَته﴾ الْمَائِدَة ٦٧ وَقَالَ ﴿وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾

стр. 210

الْمَائِدَة ٩٩ وَقَالَ النَّبِي ﷺ (بلغُوا عني (وَقَالَ لاصحابه فِي الْجمع الاعظم يَوْم عَرَفَة (أَنْتُم مسؤولون عني فَمَاذَا أَنْتُم قَائِلُونَ قَالُوا نشْهد أَنَّك بلغت وَأديت وَنَصَحْت (وَمَعْلُوم أَن الْبَلَاغ هُوَ الَّذِي تقوم بِهِ الْحجَّة على الْمبلغ وَيحصل بِهِ الْعلم فَلَو كَانَ خبر الْوَاحِد لَا يحصل بِهِ الْعلم لم يَقع بِهِ التَّبْلِيغ الَّذِي تقوم بِهِ حجَّة الله على العَبْد فان الْحجَّة انما تقوم بِمَا يحصل بِهِ الْعلم وَقد كَانَ رَسُول الله ﷺ يُرْسل الْوَاحِد من أَصْحَابه يبلغ عَنهُ فتقوم الْحجَّة على من بلغه وَكَذَلِكَ قَامَت حجَّته علينا بِمَا بلغنَا الْعُدُول الثِّقَات من أَقْوَاله وأفعاله وسنته وَلَو لم يفد الْعلم لم تقم علينا بذلك حجَّة وَلَا على من بلغه وَاحِد اَوْ اثْنَان أَو ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة أَو دون عدد التَّوَاتُر وَهَذَا من أبطل الْبَاطِل فَيلْزم من قَالَ إِن أَخْبَار رَسُول الله ﷺ لَا تفِيد الْعلم أحد أَمريْن إِمَّا أَن يَقُول إِن الرَّسُول لم يبلغ غير الْقُرْآن وَمَا رَوَاهُ عَنهُ عدد التَّوَاتُر وَمَا سوى ذَلِك لم تقم بِهِ حجَّة وَلَا تَبْلِيغ واما أَن يَقُول إِن الْحجَّة والبلاغ حاصلان بِمَا لَا يُوجب علما وَلَا يَقْتَضِي علما واذا بَطل هَذَانِ الامران بَطل القَوْل بِأَن أخباره ﷺ الَّتِي رَوَاهَا الثِّقَات الْعُدُول الْحفاظ وتلقتها الامة بِالْقبُولِ لَا تفِيد علما وَهَذَا ظَاهر لاخفاء بِهِ

стр. 211

الثَّامِن قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا﴾ الْبَقَرَة ١٤٣ وَقَوله ﴿وَفِي هَذَا ليَكُون الرَّسُول شَهِيدا عَلَيْكُم وتكونوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ الْحَج ٧٨ وَجه الِاسْتِدْلَال انه تَعَالَى أخبر أَنه جعل هَذِه الامة عُدُولًا خيارا ليشهدوا على النَّاس بِأَن رسلهم قد بلغوهم عَن الله رسَالَته وادوا عَلَيْهِم ذَلِك وَهَذَا يتَنَاوَل شَهَادَتهم على الامم الْمَاضِيَة وشهادتهم على أهل عصرهم وَمن بعدهمْ أَن رَسُول الله ﷺ أَمرهم بِكَذَا ونهاهم عَن كَذَا فهم حجَّة الله على من خَالف رَسُول الله ﷺ وَزعم أَنه لم يَأْتهمْ من الله مَا تقوم بِهِ عَلَيْهِ الْحجَّة وَيشْهد كل وَاحِد بِانْفِرَادِهِ بِمَا وصل اليه من الْعلم الَّذِي كَانَ بِهِ من أهل الشَّهَادَة فَلَو كَانَت أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ لَا تفِيد (الْعلم) لم يشْهد بِهِ الشَّاهِد وَلم تقم بِهِ الْحجَّة على الْمَشْهُود عَلَيْهِ التَّاسِع قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يملك الَّذين يدعونَ من دونه الشَّفَاعَة إِلَّا من شهد بِالْحَقِّ وهم يعلمُونَ﴾ الزخرف ٨٦ وَهَذِه الاخبار الَّتِي رَوَاهَا الثِّقَات الْحفاظ عَن رَسُول الله ﷺ إِمَّا أَن تكون حَقًا وَإِمَّا أَن تكون بَاطِلا اَوْ مشكوكا فِيهَا وَلَا يدْرِي هَل هِيَ حق أم بَاطِل فَإِن كَانَت بَاطِلا أَو مشكوكا فِيهَا وَجب اطراحها وَألا يلْتَفت اليها وَهَذَا انسلاخ من الاسلام بِالْكُلِّيَّةِ وان كَانَت حَقًا فَتجب الشَّهَادَة بهَا على الْبَتّ أَنَّهَا عَن رَسُول الله ﷺ وَكَانَ الشَّاهِد بذلك شَاهدا بِالْحَقِّ وَهُوَ يعلم صِحَة الْمَشْهُود بِهِ الْعَاشِر قَول النَّبِي ﷺ (على مثلهَا فاشهد (وَأَشَارَ الى الشَّمْس

стр. 212

وَلم تزل الصَّحَابَة والتابعون وأئمة الحَدِيث يشْهدُونَ عَلَيْهِ ﷺ على الْقطع أَنه قَالَ كَذَا وَأمر بِهِ وَنهى عَنهُ وَفعله لما بَلغهُمْ إِيَّاه الْوَاحِد والاثنان وَالثَّلَاثَة فَيَقُولُونَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا وَحرم كَذَا وأباح كَذَا وَهَذِه شَهَادَة جازمة يعلمُونَ أَن الْمَشْهُود بِهِ كَالشَّمْسِ فِي الوضوح وَلَا ريب أَن كل من لَهُ الْتِفَات إِلَى سنة رَسُول الله ﷺ واعتناء بهَا يشْهد شَهَادَة جازمة أَن الْمُؤمنِينَ يرَوْنَ رَبهم عيَانًا يَوْم الْقِيَامَة وَأَن قوما من أهل التَّوْحِيد يدْخلُونَ النَّار ثمَّ يخرجُون مِنْهَا بالشفاعة وَأَن الصِّرَاط حق وتكليم الله لِعِبَادِهِ يَوْم الْقِيَامَة كَذَلِك وَأَن الْوَلَاء لمن أعتق إِلَى غير أَضْعَاف أَضْعَاف ذَلِك بل يشْهد بِكُل خبر صَحِيح متلقى بِالْقبُولِ لم يُنكره أهل الحَدِيث شَهَادَة لَا يشك فِيهَا ٣ الْحَادِي عشر أَن هَؤُلَاءِ المنكرين لإِفَادَة أَخْبَار النَّبِي ﷺ للْعلم يشْهدُونَ شَهَادَة جازمة قَاطِعَة على أئمتهم بمذاهبهم وأقوالهم وَأَنَّهُمْ قَالُوا وَقيل لَهُم (وَلَو قيل لَهُم) إِنَّهَا لم تصح عَنْهُم لأنكروا ذَلِك غَايَة الْإِنْكَار وتعجبوا من جهل قَائِله وَمَعْلُوم أَن تِلْكَ الْمذَاهب لم يروها عَنْهُم إِلَّا الْوَاحِد والإثنان وَالثَّلَاثَة وَنَحْوهم لم يروها عَنْهُم عدد التَّوَاتُر وَهَذَا مَعْلُوم يَقِينا فَكيف حصل لَهُم الْعلم الضَّرُورِيّ أَو المقارب للضروري بِأَن أئمتهم وَمن قلدوهم دينهم أفتو بِكَذَا وذهبوا إِلَى كَذَا وَلم يحصل لَهُم الْعلم بِمَا أخبر بِهِ أَبُو بكر الصّديق وَعمر بن الْخطاب وَسَائِر الصَّحَابَة عَن رَسُول اله ﷺ وَلَا بِمَا رَوَاهُ عَنْهُم التابعون وشاع الْأمة وذاع وتعددت طرقه وتنوعت وَكَانَ حرصه عَلَيْهِ أعظم

стр. 213

بِكَثِير من حرص أُولَئِكَ على أَقْوَال متبوعهم إِن هَذَا لَهو الْعجب العجاب الثَّانِي عشر قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ﴾ الْأَنْفَال ٢٤ وَوجه الِاسْتِدْلَال أَن هَذَا أَمر لكل مُؤمن بلغته دَعْوَة الرَّسُول ﷺ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ودعوته نَوْعَانِ مُوَاجهَة وَنَوع بِوَاسِطَة الْمبلغ وَهُوَ مَأْمُور بإجابة الدعوتين فِي الْحَالَتَيْنِ وَقد علم أَن حَيَاته فِي تِلْكَ الدعْوَة والاستجابة لَهَا وَمن الْمُمْتَنع أَن يَأْمُرهُ الله تَعَالَى بالإجابة لما لَا يُفِيد علما أَو يجِيبه بِمَا لَا يُفِيد علما أَو يتوعد على ترك الإستجابة لما لَا يُفِيد علما بِأَنَّهُ ان لم يفعل عاقبه وَحَال بَينه وَبَين قلبه الثَّالِث عشر قَوْله تَعَالَى ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾ النُّور ٦٣ وَهَذَا يعم كل مُخَالف بلغه أمره ﷺ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَلَو كَانَ مَا بلغه لم يفد علما لما كَانَ متعرضا بمخالفة مَا لَا يُفِيد علما للفتنة وَالْعَذَاب الْأَلِيم فَإِن هَذَا إِنَّمَا يكون بعد قيام الْحجَّة القاطعة الَّتِي لَا يبْقى مَعهَا لمخالف أمره عذر الرَّابِع عشر قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول﴾ النِّسَاء ٥٩ إِلَى قَوْله ﴿وَالْيَوْم الآخر﴾ النِّسَاء ٩ ٥ وَوجد الِاسْتِدْلَال أَنه أَمر أَن يرد مَا تنَازع فِيهِ المسلون إِلَى الله وَرَسُوله وَالرَّدّ إِلَى الله هُوَ الرَّد إِلَى كِتَابه وَالرَّدّ إِلَى الرَّسُول هُوَ الرَّد إِلَيْهِ فِي حَيَاته وَإِلَى سنته بعد وَفَاته فلولا أَن الْمَرْدُود إِلَيْهِ يُفِيد الْعلم وَفصل النزاع لم يكن فِي الرَّد إِلَيْهِ فَائِدَة إِذْ كَيفَ يرد حكم الْمُتَنَازع فِيهِ إِلَى مَا لَا يُفِيد علما الْبَتَّةَ وَلَا يدْرِي أَحَق هُوَ أم بَاطِل وَهَذَا برهَان قَاطع بِحَمْد الله فَلهَذَا قَالَ من زعم أَن أَخْبَار رَسُول الله

стр. 214

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تفِيد علما إِنَّا نرد مَا تنازعنا فِيهِ إِلَى الْعُقُول والآراء والأقيسة فَإِنَّهَا تفِيد الْعلم الْخَامِس عشر مَا احْتج الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى فَإِنَّهُ قَالَ أخبرنَا سُفْيَان عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن أَبِيه عَن عبد الله بن مَسْعُود أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (نضر الله عبدا سمع مَقَالَتي فحفظها ووعاها وأداها فَرب حَامِل فقه إِلَى غير فَقِيه وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ ثَلَاث لَا يغل عَلَيْهِنَّ قلب مُسلم إخلاص لله والنصيحة للْمُسلمين وَلُزُوم جَمَاعَتهمْ

стр. 215

فَإِن دعوتهم تحيط من ورائهم قَالَ الشَّافِعِي فَلَمَّا ندب رَسُول الله ﷺ إِلَى اسْتِمَاع مقَالَته وحفظها وأدائها أَمر أَن يُؤَدِّيهَا وَلَو وَاحِد دلّ على أَنه لَا يَأْمر من يُؤَدِّي عَنهُ إِلَّا مَا تقوم بِهِ الْحجَّة على من أدّى إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي عَنهُ حَلَال يُؤْتى وَحرَام يتَجَنَّب وحد يُقَام وَمَال يُؤْخَذ وَيُعْطِي ونصيحة فِي دين وَدُنْيا وَدلّ على أَنه قد يحمل الْفِقْه غيرالفقيه يكون لَهُ حَافِظًا وَلَا يكون فِيهِ فَقِيها وَأمر رَسُول الله ﷺ بِلُزُوم جمَاعَة الْمُسلمين مِمَّا يحْتَج بِهِ فِي أَن إِجْمَاع الْمُسلمين لَازم انْتهى وَالْمَقْصُود أَن خبر الْوَاحِد الْعدْل لَو لم يفد علما لأمر رَسُول الله ﷺ أَن لَا يقبل من أدّى إِلَيْهِ إِلَّا من عدد التَّوَاتُر الَّذِي لَا يحصل الْعلم إِلَّا بخبرهم وَلم يدع للحامل الْمُؤَدِّي وَإِن كَانَ وَاحِدًا لِأَن لِأَن مَا حمله لَا يُفِيد الْعلم فَلم يفعل مَا يسْتَحق الدُّعَاء وَحده إِلَّا بانضمامه إِلَى أهل التَّوَاتُر وَهَذَا خلاف مَا اقْتَضَاهُ الحَدِيث وَمَعْلُوم أَن رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا ندب إِلَى ذَلِك وحث عَلَيْهِ وَأمر بِهِ لتقوم بِهِ الْحجَّة على من أدّى إِلَيْهِ فَلَو لم يفد الْعلم لم يكن فِيهِ حجَّة
следующие страницы →