← Акыда

Акыда · id 6362

توضيح المقاصد شرح نونية ابن القيم الكافية الشافية

أحمد بن عيسى

Полный текст (1 130 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الثَّامِن قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا﴾ الْبَقَرَة ١٤٣ وَقَوله ﴿وَفِي هَذَا ليَكُون الرَّسُول شَهِيدا عَلَيْكُم وتكونوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ الْحَج ٧٨ وَجه الِاسْتِدْلَال انه تَعَالَى أخبر أَنه جعل هَذِه الامة عُدُولًا خيارا ليشهدوا على النَّاس بِأَن رسلهم قد بلغوهم عَن الله رسَالَته وادوا عَلَيْهِم ذَلِك وَهَذَا يتَنَاوَل شَهَادَتهم على الامم الْمَاضِيَة وشهادتهم على أهل عصرهم وَمن بعدهمْ أَن رَسُول الله ﷺ أَمرهم بِكَذَا ونهاهم عَن كَذَا فهم حجَّة الله على من خَالف رَسُول الله ﷺ وَزعم أَنه لم يَأْتهمْ من الله مَا تقوم بِهِ عَلَيْهِ الْحجَّة وَيشْهد كل وَاحِد بِانْفِرَادِهِ بِمَا وصل اليه من الْعلم الَّذِي كَانَ بِهِ من أهل الشَّهَادَة فَلَو كَانَت أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ لَا تفِيد (الْعلم) لم يشْهد بِهِ الشَّاهِد وَلم تقم بِهِ الْحجَّة على الْمَشْهُود عَلَيْهِ التَّاسِع قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يملك الَّذين يدعونَ من دونه الشَّفَاعَة إِلَّا من شهد بِالْحَقِّ وهم يعلمُونَ﴾ الزخرف ٨٦ وَهَذِه الاخبار الَّتِي رَوَاهَا الثِّقَات الْحفاظ عَن رَسُول الله ﷺ إِمَّا أَن تكون حَقًا وَإِمَّا أَن تكون بَاطِلا اَوْ مشكوكا فِيهَا وَلَا يدْرِي هَل هِيَ حق أم بَاطِل فَإِن كَانَت بَاطِلا أَو مشكوكا فِيهَا وَجب اطراحها وَألا يلْتَفت اليها وَهَذَا انسلاخ من الاسلام بِالْكُلِّيَّةِ وان كَانَت حَقًا فَتجب الشَّهَادَة بهَا على الْبَتّ أَنَّهَا عَن رَسُول الله ﷺ وَكَانَ الشَّاهِد بذلك شَاهدا بِالْحَقِّ وَهُوَ يعلم صِحَة الْمَشْهُود بِهِ الْعَاشِر قَول النَّبِي ﷺ (على مثلهَا فاشهد (وَأَشَارَ الى الشَّمْس

стр. 212

وَلم تزل الصَّحَابَة والتابعون وأئمة الحَدِيث يشْهدُونَ عَلَيْهِ ﷺ على الْقطع أَنه قَالَ كَذَا وَأمر بِهِ وَنهى عَنهُ وَفعله لما بَلغهُمْ إِيَّاه الْوَاحِد والاثنان وَالثَّلَاثَة فَيَقُولُونَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا وَحرم كَذَا وأباح كَذَا وَهَذِه شَهَادَة جازمة يعلمُونَ أَن الْمَشْهُود بِهِ كَالشَّمْسِ فِي الوضوح وَلَا ريب أَن كل من لَهُ الْتِفَات إِلَى سنة رَسُول الله ﷺ واعتناء بهَا يشْهد شَهَادَة جازمة أَن الْمُؤمنِينَ يرَوْنَ رَبهم عيَانًا يَوْم الْقِيَامَة وَأَن قوما من أهل التَّوْحِيد يدْخلُونَ النَّار ثمَّ يخرجُون مِنْهَا بالشفاعة وَأَن الصِّرَاط حق وتكليم الله لِعِبَادِهِ يَوْم الْقِيَامَة كَذَلِك وَأَن الْوَلَاء لمن أعتق إِلَى غير أَضْعَاف أَضْعَاف ذَلِك بل يشْهد بِكُل خبر صَحِيح متلقى بِالْقبُولِ لم يُنكره أهل الحَدِيث شَهَادَة لَا يشك فِيهَا ٣ الْحَادِي عشر أَن هَؤُلَاءِ المنكرين لإِفَادَة أَخْبَار النَّبِي ﷺ للْعلم يشْهدُونَ شَهَادَة جازمة قَاطِعَة على أئمتهم بمذاهبهم وأقوالهم وَأَنَّهُمْ قَالُوا وَقيل لَهُم (وَلَو قيل لَهُم) إِنَّهَا لم تصح عَنْهُم لأنكروا ذَلِك غَايَة الْإِنْكَار وتعجبوا من جهل قَائِله وَمَعْلُوم أَن تِلْكَ الْمذَاهب لم يروها عَنْهُم إِلَّا الْوَاحِد والإثنان وَالثَّلَاثَة وَنَحْوهم لم يروها عَنْهُم عدد التَّوَاتُر وَهَذَا مَعْلُوم يَقِينا فَكيف حصل لَهُم الْعلم الضَّرُورِيّ أَو المقارب للضروري بِأَن أئمتهم وَمن قلدوهم دينهم أفتو بِكَذَا وذهبوا إِلَى كَذَا وَلم يحصل لَهُم الْعلم بِمَا أخبر بِهِ أَبُو بكر الصّديق وَعمر بن الْخطاب وَسَائِر الصَّحَابَة عَن رَسُول اله ﷺ وَلَا بِمَا رَوَاهُ عَنْهُم التابعون وشاع الْأمة وذاع وتعددت طرقه وتنوعت وَكَانَ حرصه عَلَيْهِ أعظم

стр. 213

بِكَثِير من حرص أُولَئِكَ على أَقْوَال متبوعهم إِن هَذَا لَهو الْعجب العجاب الثَّانِي عشر قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ﴾ الْأَنْفَال ٢٤ وَوجه الِاسْتِدْلَال أَن هَذَا أَمر لكل مُؤمن بلغته دَعْوَة الرَّسُول ﷺ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ودعوته نَوْعَانِ مُوَاجهَة وَنَوع بِوَاسِطَة الْمبلغ وَهُوَ مَأْمُور بإجابة الدعوتين فِي الْحَالَتَيْنِ وَقد علم أَن حَيَاته فِي تِلْكَ الدعْوَة والاستجابة لَهَا وَمن الْمُمْتَنع أَن يَأْمُرهُ الله تَعَالَى بالإجابة لما لَا يُفِيد علما أَو يجِيبه بِمَا لَا يُفِيد علما أَو يتوعد على ترك الإستجابة لما لَا يُفِيد علما بِأَنَّهُ ان لم يفعل عاقبه وَحَال بَينه وَبَين قلبه الثَّالِث عشر قَوْله تَعَالَى ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾ النُّور ٦٣ وَهَذَا يعم كل مُخَالف بلغه أمره ﷺ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَلَو كَانَ مَا بلغه لم يفد علما لما كَانَ متعرضا بمخالفة مَا لَا يُفِيد علما للفتنة وَالْعَذَاب الْأَلِيم فَإِن هَذَا إِنَّمَا يكون بعد قيام الْحجَّة القاطعة الَّتِي لَا يبْقى مَعهَا لمخالف أمره عذر الرَّابِع عشر قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول﴾ النِّسَاء ٥٩ إِلَى قَوْله ﴿وَالْيَوْم الآخر﴾ النِّسَاء ٩ ٥ وَوجد الِاسْتِدْلَال أَنه أَمر أَن يرد مَا تنَازع فِيهِ المسلون إِلَى الله وَرَسُوله وَالرَّدّ إِلَى الله هُوَ الرَّد إِلَى كِتَابه وَالرَّدّ إِلَى الرَّسُول هُوَ الرَّد إِلَيْهِ فِي حَيَاته وَإِلَى سنته بعد وَفَاته فلولا أَن الْمَرْدُود إِلَيْهِ يُفِيد الْعلم وَفصل النزاع لم يكن فِي الرَّد إِلَيْهِ فَائِدَة إِذْ كَيفَ يرد حكم الْمُتَنَازع فِيهِ إِلَى مَا لَا يُفِيد علما الْبَتَّةَ وَلَا يدْرِي أَحَق هُوَ أم بَاطِل وَهَذَا برهَان قَاطع بِحَمْد الله فَلهَذَا قَالَ من زعم أَن أَخْبَار رَسُول الله

стр. 214

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تفِيد علما إِنَّا نرد مَا تنازعنا فِيهِ إِلَى الْعُقُول والآراء والأقيسة فَإِنَّهَا تفِيد الْعلم الْخَامِس عشر مَا احْتج الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى فَإِنَّهُ قَالَ أخبرنَا سُفْيَان عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن أَبِيه عَن عبد الله بن مَسْعُود أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (نضر الله عبدا سمع مَقَالَتي فحفظها ووعاها وأداها فَرب حَامِل فقه إِلَى غير فَقِيه وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ ثَلَاث لَا يغل عَلَيْهِنَّ قلب مُسلم إخلاص لله والنصيحة للْمُسلمين وَلُزُوم جَمَاعَتهمْ

стр. 215

فَإِن دعوتهم تحيط من ورائهم قَالَ الشَّافِعِي فَلَمَّا ندب رَسُول الله ﷺ إِلَى اسْتِمَاع مقَالَته وحفظها وأدائها أَمر أَن يُؤَدِّيهَا وَلَو وَاحِد دلّ على أَنه لَا يَأْمر من يُؤَدِّي عَنهُ إِلَّا مَا تقوم بِهِ الْحجَّة على من أدّى إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي عَنهُ حَلَال يُؤْتى وَحرَام يتَجَنَّب وحد يُقَام وَمَال يُؤْخَذ وَيُعْطِي ونصيحة فِي دين وَدُنْيا وَدلّ على أَنه قد يحمل الْفِقْه غيرالفقيه يكون لَهُ حَافِظًا وَلَا يكون فِيهِ فَقِيها وَأمر رَسُول الله ﷺ بِلُزُوم جمَاعَة الْمُسلمين مِمَّا يحْتَج بِهِ فِي أَن إِجْمَاع الْمُسلمين لَازم انْتهى وَالْمَقْصُود أَن خبر الْوَاحِد الْعدْل لَو لم يفد علما لأمر رَسُول الله ﷺ أَن لَا يقبل من أدّى إِلَيْهِ إِلَّا من عدد التَّوَاتُر الَّذِي لَا يحصل الْعلم إِلَّا بخبرهم وَلم يدع للحامل الْمُؤَدِّي وَإِن كَانَ وَاحِدًا لِأَن لِأَن مَا حمله لَا يُفِيد الْعلم فَلم يفعل مَا يسْتَحق الدُّعَاء وَحده إِلَّا بانضمامه إِلَى أهل التَّوَاتُر وَهَذَا خلاف مَا اقْتَضَاهُ الحَدِيث وَمَعْلُوم أَن رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا ندب إِلَى ذَلِك وحث عَلَيْهِ وَأمر بِهِ لتقوم بِهِ الْحجَّة على من أدّى إِلَيْهِ فَلَو لم يفد الْعلم لم يكن فِيهِ حجَّة

стр. 216

السَّادِس عشر حَدِيث أبي رَافع الصَّحِيح عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (لَا أَلفَيْنِ أحدكُم مُتكئا على أريكته يَأْتِيهِ الْأَمر من أَمْرِي يَقُول لَا نَدْرِي مَا هَذَا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْقُرْآن إِلَّا وَإِنِّي أُوتيت الْكتاب وَمثله مَعَه (وَوجه الِاسْتِدْلَال أَن هَذَا نهي عَام لكل من بلغه حَدِيث صَحِيح عَن رَسُول الله ﷺ أَن يُخَالِفهُ أَو يَقُول لَا أقبل إِلَّا الْقُرْآن بل هُوَ أَمر لَازم وَفرض حتم بِقبُول أخباره وسننه وإعلام مِنْهُ ﷺ أَنَّهَا من الله أوحاها إِلَيْهِ فَلَو لم تفد علما لقَالَ من بلغته إِنَّهَا أَخْبَار آحَاد لَا تفِيد علما فَلَا يلْزَمنِي قبُول مَالا علم لي بِصِحَّتِهِ وَالله تَعَالَى لم يكلفني الْعلم بِمَا لم أعلم صِحَّته وَلَا اعْتِقَاده بل هَذَا بِعَيْنِه هُوَ الَّذِي حذر مِنْهُ رَسُول الله ﷺ أمته ونهاهم عَنهُ وَلما علم أَن فِي هَذِه الْأمة من يَقُول حذرهم مِنْهُ فَإِن الْقَائِل إِن أخباره لاتفيد الْعلم هَكَذَا يَقُول سَوَاء مَا نَدْرِي مَا هَذِه الْأَحَادِيث وَكَانَ سلف هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بَيْننَا وَبَيْنكُم الْقُرْآن وخلفهم يَقُولُونَ بَيْننَا وَبَيْنكُم أَدِلَّة الْعُقُول وَقد صَرَّحُوا بذلك وَقَالُوا نقدم الْعُقُول على هَذِه الاحاديث آحادها ومتواترها ونقدم الأقيسة عَلَيْهَا السَّابِع عشر مَا رَوَاهُ مَالك عَن اسحاق بن عبد الله ابْن أبي طَلْحَة عَن أنس بن مَالك قَالَ كنت أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَة ابْن الْجراح وَأَبا طَلْحَة الْأنْصَارِيّ وَأبي بن كَعْب شرابًا من فضيخ فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِن الْخمر قد حرمت فَقَالَ أَبُو طَلْحَة قُم يَا أنس إِلَى هَذِه الجرار فاكسرها فَقُمْت إِلَى مهراس لنا فضربتها بأسفله حَتَّى كسرتها وَجه الِاسْتِدْلَال أَن أَبَا طَلْحَة أقدم على قبُول خبر التَّحْرِيم حَيْثُ ثَبت بِهِ التَّحْرِيم لما كَانَ حَلَالا وَهُوَ يُمكنهُ أَن يسمع من رَسُول الله ﷺ شفاها

стр. 217

وأكد ذَلِك الْقبُول باتلاف الْإِنَاء وَمَا فِيهِ وَهُوَ مَال وَمَا كَانَ ليقدم على إِتْلَاف المَال بِخَبَر من لَا يُفِيد خبْرَة الْعلم وَرَسُول الله ﷺ إِلَى جنبه فَقَامَ خبر ذَلِك الْآتِي عِنْده وَعند من مَعَه مقَام السماع من رَسُول الله ﷺ بِحَيْثُ لم يشكوا وَلم يرتابوا فِي صدقه والمتكلفون يَقُولُونَ إِن مثل ذَلِك الْخَبَر لَا يُفِيد الْعلم لَا بِقَرِينَة وَلَا بِغَيْر قرينَة الثَّامِن عشر أَن خبر الْوَاحِد لَو لم يفد الْعلم لم يثبت بِهِ الصَّحَابَة التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم والاباحة والفروض وَيجْعَل ذَلِك دينا يدان بِهِ فِي الأَرْض إِلَى آخر الدَّهْر فَهَذَا الصّديق رضى الله عَنهُ زَاد فِي الْفُرُوض الَّتِي فِي الْقُرْآن فرض الْجدّة وَجعله شَرِيعَة مستمرة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة بِخَبَر مُحَمَّد ابْن مسلمة والمغيرة بن شُعْبَة فَقَط وَجعل حكم ذَلِك الْخَبَر فِي إِثْبَات هَذَا الْفَرْض حكم نَص الْقُرْآن فِي إِثْبَات فرض الْأُم ثمَّ اتّفق الصَّحَابَة والمسلمون بعدهمْ على إثْبَاته بِخَبَر الْوَاحِد وَأثبت عمر بن الْخطاب ﵁ بِخَبَر حمل بن مَالك دِيَة الْجَنِين وَجعلهَا فرضا لَازِما للْأمة وَأثبت مِيرَاث الْمَرْأَة من دِيَة زَوجهَا بِخَبَر الضَّحَّاك بن سُفْيَان الْكلابِي وَحده وَصَارَ ذَلِك شرعا مستمرا إِ لى يَوْم الْقِيَامَة وَأثبت عُثْمَان بن عَفَّان شَرِيعَة عَامَّة فِي سُكْنى الْمُتَوفَّى عَنْهَا بِخَبَر فريعة بنت مَالك وَحدهَا وهذاأكثر من أَن يذكر بل هُوَ إِجْمَاع مَعْلُوم مِنْهُم وَلَا يُقَال على هَذَا إِنَّمَا يدل على الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد فِي الظنيات وَنحن لَا ننكر ذَلِك لأَنا قد قدمنَا أَنهم أَجمعُوا على قبُوله وَالْعَمَل بِمُوجبِه وَلَو جَازَ أَن يكون كذبا أَو غَلطا فِي نفس الْأَمر لكَانَتْ الامة مجمعة على قبُول الْخَطَأ وَالْعَمَل بِهِ وَهَذَا قدح فِي الدّين وَالْأمة التَّاسِع عشر أَن الرُّسُل صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم كَانُوا يقبلُونَ خبر

стр. 218

الْوَاحِد ويقطعون بمضمونه فَقبله مُوسَى من الَّذِي جَاءَ من أقْصَى الْمَدِينَة قَائِلا لَهُ ﴿إِن الْمَلأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ الْقَصَص ٢٠ فَجزم بِخَبَرِهِ وَخرج هَارِبا من الْمَدِينَة وَقبل خبر ابْنة صَاحب مَدين لما قَالَت ﴿إِن أبي يَدْعُوك ليجزيك أجر مَا سقيت لنا﴾ الْقَصَص ٢٥ وَقبل خبر أَبِيهَا فِي قَوْله هَذِه ابْنَتي وَتَزَوجهَا بِخَبَرِهِ وَقبل يُوسُف الصّديق خبر الرَّسُول الَّذِي جَاءَهُ من عِنْد الْملك وَقَالَ لَهُ ﴿ارْجع إِلَى رَبك فَاسْأَلْهُ مَا بَال النسْوَة﴾ يُوسُف ٥٠ وَقبل النَّبِي ﷺ خبر الْآحَاد الَّذين كَانُوا يخبرونه بِنَقْض عهد المعاهدين لَهُ وعزاهم بخبرهم واستباح دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ وسبى ذَرَارِيهمْ ورسل الله صلواته وَسَلَامه عَلَيْهِم لم يرتبوا على تِلْكَ الْأَخْبَار أَحْكَامهَا وهم يجوزون أَن تكون كذبا وغلطا وَكَذَلِكَ الْأمة لم تثبت الشَّرَائِع الْعَامَّة الْكُلية بأخبار الْآحَاد وهم يجوزون أَن تكون كذبا على رَسُول الله ﷺ فِي نفس الْأَمر وَلم يخبروا عَن الرب ﵎ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وأفعاله بِمَا لَا علم لَهُم بِهِ بل يجوز أَن يكون كذبا وَخطأ فِي نفس ألأمر هَذَا مِمَّا يقطع بِبُطْلَانِهِ كل عَالم مستبصر الْعشْرُونَ أَن خبر الْعدْل الْوَاحِد المتلقى بِالْقبُولِ لَو لم يفد الْعلم لم تجز الشَّهَادَة على الله وَرَسُوله بمضمونه وَمن الْمَعْلُوم الْمُتَيَقن أَن الْأمة من عهد الصَّحَابَة إِلَى الْآن لم تزل تشهد على الله وعَلى رَسُوله بمضمون هَذِه الْأَخْبَار جازمين بِالشَّهَادَةِ فِي تصانيفهم وخطابهم فَيَقُولُونَ شرع الله كَذَا وَكَذَا على لِسَان رَسُوله ﷺ فَلَو لم يَكُونُوا عَالمين بِصدق تِلْكَ الْأَخْبَار جازمين بهَا لكانوا قد شهدُوا بِغَيْر علم وَكَانَت شَهَادَة زور وقولا على الله وَرَسُوله لغير علم لعمر الله هَذَا حَقِيقَة قَوْلهم وهم أولى بِشَهَادَة الزُّور من سَادَات الْأمة وعلمائها

стр. 219

قَالَ أَبُو عَمْرو ابْن الصّلاح وَقد ذكر الحَدِيث الصَّحِيح المتلقى بِالْقبُولِ الْمُتَّفق على صِحَّته وَهَذَا الْقسم جَمِيعه مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ وَالْعلم اليقيني النظري وَاقع بِهِ خلافًا لقَوْل من نفى ذَلِك محتجا بِأَنَّهُ لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن وَالظَّن قد يخطىء قَالَ وَقد كنت أميل إِلَى هَذَا وَأَحْسبهُ قَوِيا ثمَّ بَان لي الْمَذْهَب الَّذِي اخترناه هُوَ الصَّحِيح لِأَن ظن من هُوَ مَعْصُوم من الخطألا يخطىء وَالْأمة فِي إجماعها معصومة من الْخَطَأ وَلِهَذَا كَانَ الْإِجْمَاع الْمَبْنِيّ على الإجتهاد حجَّة مَقْطُوعًا بهَا وَأكْثر إجماعات الْعلمَاء كَذَلِك وَهَذِه نُكْتَة نفيسة نافعة انْتهى وَنقل النَّاظِم أَيْضا قَالَ قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية وَقد قسم الْأَخْبَار إِلَى تَوَاتر وآحاد فَقَالَ بعد ذكر التَّوَاتُر وَأما الْقسم الثَّانِي من الْأَخْبَار فَهُوَ مَا لايرويه إِلَّا الْوَاحِد الْعدْل وَنَحْوه وَلم يتواتر لَفظه وَلَا مَعْنَاهُ وَلَكِن تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ عملا بِهِ أَو تَصْدِيقًا لَهُ كَخَبَر عمر بن الْخطاب (إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ (وَخبر ابْن عمر (نهى عَن بيع الْوَلَاء وهبته (وَخبر أنس (دخل مَكَّة وعَلى رَأسه المغفر (وكخبر أبي هُرَيْرَة (لَا تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وَلَا على خَالَتهَا (وَكَقَوْلِه (يحرم من الرضَاعَة مَا يحرم من النّسَب (وَقَوله (إِذا جلس بَين شعبها الْأَرْبَع ثمَّ جهدها فقد وَجب الْغسْل وَقَوله فِي الْمُطلقَة ثَلَاثًا

стр. 220

(حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك (وَقَوله (لَا يقبل الله صَلَاة أحدكُم إِذا أحدث حَتَّى يتَوَضَّأ (وَقَوله (إِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق (وَقَوله يَعْنِي ابْن عمر فرض رَسُول الله ﷺ صدقه الْفطر فِي رَمَضَان على الصَّغِير وَالْكَبِير وَالذكر وَالْأُنْثَى وأمثال ذَلِك فَهَذَا يُفِيد الْعلم اليقيني عِنْد جَمَاهِير أمة مُحَمَّد ﷺ من الْأَوَّلين والآخرين أما السّلف فَلم يكن بَينهم فِي ذَلِك نزاع وَأما الْخلف فَهَذَا مَذْهَب الْفُقَهَاء الْكِبَار من أَصْحَاب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَالْمَسْأَلَة منقولة فِي كتب الْحَنَفِيَّة والمالكية وَالشَّافِعِيَّة والحنبلية مثل السَّرخسِيّ وَأبي بكر الرَّازِيّ من الْحَنَفِيَّة وَالشَّيْخ أبي الطّيب وَالشَّيْخ أبي إِسْحَاق من الشَّافِعِيَّة وَابْن خويز منداد وَغَيره من الْمَالِكِيَّة وَمثل القَاضِي أبي يعلى وَابْن أبي مُوسَى وَأبي الْخطاب وَغَيرهم من الحنبلية وَمثل إِسْحَق الأسفراييني وَابْن فورك وَأبي إِسْحَاق النظام من الْمُتَكَلِّمين وَإِنَّمَا نَازع فِي ذَلِك طَائِفَة كَابْن الباقلاني وَمن تبعه مثل أبي الْمَعَالِي وَالْغَزالِيّ وَابْن عقيل وَقد ذكر أَبُو عَمْرو ابْن الصّلاح القَوْل الأول وَصَححهُ وَاخْتَارَهُ وَلكنه لم يعلم كَثْرَة

стр. 221

الْقَائِلين بِهِ ليتقوى بهم وَإِنَّمَا قَالَه بِمُوجب الْحجَّة الصَّحِيحَة وَظن من اعْترض عَلَيْهِ من الْمَشَايِخ الَّذين لَهُم علم وَدين وَلَيْسَ لَهُم بِهَذَا الْبَاب خبْرَة تَامَّة أَن هَذَا الَّذِي قَالَه الشَّيْخ أَبُو عَمْرو انْفَرد بِهِ عَن الْجُمْهُور وَعذرهمْ أَنهم يرجعُونَ فِي هَذِه الْمسَائِل إِلَى مَا يجدونه من كَلَام ابْن الْحَاجِب وَإِن ارْتَقَوْا دَرَجَة صعدوا إِلَى السَّيْف الْآمِدِيّ وَإِلَى ابْن الْخَطِيب فَإِن علا سندهم صعدوا إِلَى الْغَزالِيّ والجويني والباقلاني قَالَ وَجَمِيع أهل الحَدِيث على مَا ذكره الشَّيْخ أَبُو عَمْرو وَالْحجّة على قَول الْجُمْهُور أَن تلقي الْأمة للْخَبَر تَصْدِيقًا وَعَملا إِجْمَاع مِنْهُم وَالْأمة لَا تَجْتَمِع على ضَلَالَة كَمَا لَو اجْتمعت على مُوجب عُمُوم أَو مُطلق أَو اسْم حَقِيقَة أَو على مُوجب قِيَاس فَإِنَّهَا لَا تَجْتَمِع على خطأ وَإِن كَانَ الْوَاحِد مِنْهُم لَو جرد النّظر إِلَيْهِ لم يُؤمن عَلَيْهِ الْخَطَأ فَإِن الْعِصْمَة ثبتَتْ بِالسنةِ الاجماعية كَمَا أَن خبر التَّوَاتُر يجوز الْخَطَأ وَالْكذب على وَاحِد من المخبرين بمفرد وَلَا يجوز على الْمَجْمُوع وَالْأمة معصومة من الْخَطَأ فِي رِوَايَتهَا ورأيها ورؤياها كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ (أرى رؤياكم قد تواطأت على أَنَّهَا فِي الْعشْر الْأَوَاخِر فَمن كَانَ متحريها فليتحرها فِي السَّبع الْأَوَاخِر فَجعل تواطأ الرُّؤْيَا دَلِيلا على صِحَّتهَا والآحاد فِي هَذَا الْبَاب قد يكون ظنونا بشروطها فَإِذا قويت صَارَت علوما وَإِذا ضعفت صَارَت أوهاما وخيالات فَاسِدَة قَالَ وَأَيْضًا فَلَا يجوز أَن يكون فِي نفس الْأَمر كذبا على الله وَرَسُوله وَلَيْسَ فِي الْأمة من يُنكره إِذْ هُوَ خلاف مَا وَصفهم الله تَعَالَى بِهِ فَإِن قيل أما الْجَزْم بصدقه فَلَا يُمكن مِنْهُم وَأما الْعَمَل بِهِ فَهُوَ الْوَاجِب عَلَيْهِم وَإِن لم يكن صَحِيحا

стр. 222

فِي الْبَاطِن وَهَذَا سُؤال ابْن الباقلاني قُلْنَا وَأما الْجَزْم بصدقه فَإِنَّهُ قد يحتف بِهِ من الْقَرَائِن مَا يُوجب الْعلم إِذْ الْقَرَائِن الْمُجَرَّدَة قد تفِيد الْعلم بمضمونها فَكيف إِذا احتفت بالْخبر والمنازع بني على هَذَا أَصله الواهي أَن الْعلم بِمُجَرَّد الْأَخْبَار لَا يحصل إِلَّا من جِهَة الْعدَد فَلَزِمَهُ ان يَقُول مَا دون الْعدَد لَا يُفِيد أصلا وَهَذَا غلط خَالفه فِيهِ حذاق أَتْبَاعه وَأما الْعَمَل بِهِ فَلَو جَازَ أَن يكون فِي الْبَاطِن كذبا وَقد وَجب علينا الْعَمَل بِهِ لَا نعقد الاجماع على مَا هُوَ كذب وَخطأ فِي نفس الْأَمر وَهَذَا بَاطِل فَإِذا كَانَ تلقي الْأمة لَهُ بِالْقبُولِ يدل على صدقه بِأَنَّهُ إِجْمَاع مِنْهُم على أَنه صدق مَقْبُول بِإِجْمَاع السّلف وَالصَّحَابَة أولى أَن يدل على صدقه فَإِنَّهُ لَا يُمكن أحد أَن يَدعِي إِجْمَاع الْأمة إِلَّا فِيمَا أجمع عَلَيْهِ سلفها من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَأما بعد ذَلِك فقد انتشرت انتشارا لَا ٢ تضبط أَقْوَال جَمِيعهَا قَالَ وَاعْلَم أَن جُمْهُور أَحَادِيث البُخَارِيّ وَمُسلم من هَذَا الْبَاب كَمَا ذكر الشَّيْخ أَبُو عَمْرو وَمن قبله الْعلمَاء كالحافظ أبي طَاهِر السلَفِي وَغَيره فَإِنَّمَا تَلقاهُ اهل الحَدِيث وعلماؤه بِالْقبُولِ والتصديق فَهُوَ مُحَصل للْعلم مُفِيد لليقين وَلَا عِبْرَة بِمن عداهم من الْمُتَكَلِّمين والأصوليين فَإِن الِاعْتِبَار فِي الاجماع على كل أَمر من الْأُمُور الدِّينِيَّة على أهل الْعلم بِهِ دون غَيرهم كَمَا لم يعْتَبر على الاجماع فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إِلَّا الْعلمَاء بهَا دون الْمُتَكَلِّمين والنحاة والأطباء وَكَذَلِكَ لَا يعْتَبر فِي الْإِجْمَاع على صدق الحَدِيث وَعدم صدقه إِلَّا أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ وطرقه وَعلله وهم عُلَمَاء أهل الحَدِيث الْعَالمُونَ بأحوال نَبِيّهم الضابطون لأقواله وأفعاله المعتنون بهَا اشد من عناية المقلدين بأقوال متبوعهم فَكَمَا أَن الْعلم بالتواتر يَنْقَسِم إِلَى عَام وخاص فيتواتر عِنْد الْخَاصَّة مَالا يكون مَعْلُوما لغَيرهم فضلا أَن يتواتر

стр. 223

عِنْدهم فَأهل الحَدِيث لشدَّة عنايتهم بِسنة نَبِيّهم وضبطهم لأقواله وأفعاله وأحواله يعلمُونَ من ذَلِك علما لَا يَشكونَ فِيهِ مِمَّا لَا شُعُور لغَيرهم بِهِ الْبَتَّةَ فخبر أبي بكر وَعمر بن الْخطاب ومعاذ بن جبل وَابْن مَسْعُود وَنَحْوهم يُفِيد الْعلم الْجَازِم الَّذِي يلْتَحق عِنْدهم بقسم الضروريات وَعند الْجَهْمِية والمعتزلة وَغَيرهم من أهل الْكَلَام لَا يُفِيد علما وَكَذَلِكَ يعلمُونَ بِالضَّرُورَةِ أَن رَسُول الله ﷺ لم يقل ذَلِك ويعلمون بِالضَّرُورَةِ ان نَبِيّهم ﷺ أخبر عَن خُرُوج قوم من النَّار بالشفاعة وَعند الْمُعْتَزلَة والخوارج لم يقل ذَلِك وَبِالْجُمْلَةِ فهم جازمون بِأَكْثَرَ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة قاطعون بِصِحَّتِهَا عَن وَغَيرهم لَا علم عِنْده بذلك وَالْمَقْصُود أَن هَذَا الْقسم من الْأَخْبَار يُوجب الْعلم عِنْد جُمْهُور الْعُقَلَاء انْتهى وَقد أَطَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى الْكَلَام فِي هَذَا الْمقَام وَأكْثر النقول عَن الْعلمَاء فِي أَن أَخْبَار الْآحَاد تفِيد الْعلم وَالْيَقِين وَلَكِن تَرَكْنَاهُ اختصارا وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة وَالله أعلم وَقَول النَّاظِم ... وَزَعَمت أَن الله كلم عَبده مُوسَى فأسمعه ندا الرَّحْمَن ... أفتسمع الْأَذَان غير الْحَرْف وَالصَّوْت الَّذِي خصت بِهِ الأذنان ... وَكَذَا النداء فَإِنَّهُ صَوت بِإِجْمَاع النُّحَاة وَأهل كل لِسَان ... لكنه صَوت رفيع وَهُوَ ضد للنجاء كِلَاهُمَا صوتان ...

стр. 224

.. فَزَعَمت أَن الله ناداه ونا جاه وَفِي ذَا الزَّعْم محذوران ... قرب الْمَكَان وَبعده وَالصَّوْت بل نَوْعَانِ محذوران ممتنعان ... هَذَا إِشَارَة إِلَى الرَّد على الْقَائِلين بالْكلَام النَّفْسِيّ وَالْمعْنَى الْمُجَرّد قَالَ شيخ الْإِسْلَام فَقَوْل اله تَعَالَى ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ النِّسَاء ١٦٤ ﴿وَلما جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلمه ربه﴾ الْأَعْرَاف ١٤٣ ﴿وناديناه من جَانب الطّور الْأَيْمن وقربناه نجيا﴾ مَرْيَم ٢ ٥ ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي يَا مُوسَى إِنِّي أَنا رَبك فاخلع نعليك إِنَّك بالواد الْمُقَدّس طوى وَأَنا اخْتَرْتُك فاستمع لما يُوحى﴾ طه ١١ الْآيَات دَلِيل على تكليم يسمعهُ مُوسَى وَالْمعْنَى الْمُجَرّد لَا يسمع بِالضَّرُورَةِ وَمن قَالَ أَنه يسمع فَهُوَ مكابر وَدلّ الدَّلِيل على أَنه ناداه والنداء لَا يكون إِلَّا صَوتا مسموعا فَلَا يعقل فِي لُغَة الْعَرَب لفظ النداء بِغَيْر صَوت مسموع لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا انْتهى وَقَالَ الإِمَام موفق الدّين بن قدامَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ وَكَلمه ربه وَقَالَ تَعَالَى ﴿وناديناه من جَانب الطّور الْأَيْمن﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذْ ناداه ربه بالواد الْمُقَدّس طوى﴾ أجمعنا على أَن مُوسَى ﵇ سمع كَلَام الله تَعَالَى من الله لَا من شَجَرَة وَلَا من حجر وَلَا من غَيره لِأَنَّهُ لَو سمع من غير الله تَعَالَى لَكَانَ بَنو إِسْرَائِيل أفضل فِي ذَلِك مِنْهُ لأَنهم سمعُوا من أفضل مِمَّن سمع مِنْهُ مُوسَى لكَوْنهم سمعُوا من مُوسَى ﵇ وَهُوَ على زعمهم إِنَّمَا سمع من الشَّجَرَة ثمَّ يُقَال لَهُم لم سمي مُوسَى كليم الله وَإِذا ثَبت أَن مُوسَى ﵇ إِنَّمَا سمع من الله لم يجز أَن يكون الْكَلَام الَّذِي سَمعه إِلَّا صَوتا وحرفا فَإِنَّهُ لَو كَانَ معنى فِي النَّفس وفكرة ورؤية لم يكن

стр. 225

ذَلِك تكليما لمُوسَى وَلَا هُوَ شيئ يسمع والفكر لَا يُسمى مناداة فان قَالُوا نَحن لَا نُسَمِّيه صَوتا مَعَ كَونه مسموعا قُلْنَا هَذَا مُخَالفَة فِي اللَّفْظ مَعَ الْمُوَافقَة فِي الْمَعْنى فَإِنَّهُ لَا يعْنى بالصوت إِلَّا مَا كَانَ مسموعا ثمَّ إِن لفظ الصَّوْت قد صحت بِهِ الاخبار وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فِي (شرح البُخَارِيّ (وَمن نفى الصَّوْت يلْزمه أَن الله تَعَالَى لم يسمع أحدا من مَلَائكَته وَلَا رسله كَلَامه بل ألهمهم إِيَّاه إلهاما قَالَ وَحَاصِل الِاحْتِجَاج للنَّفْي الرُّجُوع الى الْقيَاس على اصوات المخلوقين لانها الَّتِي عهِدت ذَات مخارج كَمَا أَن الرُّؤْيَة قد تكون من غير اتِّصَال أشعة وَلَئِن سلم فَيمْنَع الْقيَاس الْمَذْكُور لَان صفة الْخَالِق لَا تقاس على صفة المخلوقين وَحَيْثُ ثَبت ذكر الصَّوْت بِهَذِهِ الاحاديث الصَّحِيحَة وَجب الايمان بِهِ وَقَالَ ابْن حجر أَيْضا فِي مَوضِع آخر من (شرح البُخَارِيّ (قَوْله ﷺ (ثمَّ يناديهم بِصَوْت يسمعهُ من قرب كَمَا يسمعهُ من بعد (حمله بعض الائمة على مجَاز يَأْمر من يُنَادي فاستبعده بعض من اثْبتْ الصَّوْت لِأَن فِي قَوْله (يسمعهُ من بعد (إِشَارَة الى أَنه لَيْسَ من الْمَخْلُوقَات لِأَنَّهُ لم يعْهَد مثل هَذَا فيهم وَبِأَن الْمَلَائِكَة إِذا سَمِعُوهُ صعقوا واذا سمع بَعْضهَا بَعْضًا لم يصعقوا قَالَ فعلى هَذَا صَوته صفة من صِفَات ذَاته لَيْسَ يشبه صَوت غَيره اذ لَيْسَ يُوجد شَيْء من صِفَات المخلوقين قَالَ وَهَكَذَا قَرَّرَهُ المُصَنّف يَعْنِي الامام البُخَارِيّ فِي كتاب (خلق أَفعَال الْعباد (انْتهى وَمن الاحاديث فِي إِثْبَات الصَّوْت مَا رَوَاهُ جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ خرجت الى الشَّام الى عبد الله بن أنيس الانصاري ﵁ فَقَالَ عبد الله بن انيس سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (يحْشر الله الْعباد (

стр. 226

(النَّاس (وأو مأبيده الى الشَّام (حُفَاة عُرَاة غرلًا بهما (قَالَ لَيْسَ مَعَهم شَيْء قَالَ (فيناديهم بِصَوْت يسمعهُ من بعد كَمَا يسمعهُ من قرب أَنا الْملك أَنا الديَّان لَا يَنْبَغِي لَاحَدَّ من أهل الْجنَّة أَن يدْخل الْجنَّة وَأحد من اهل النَّار يَطْلُبهُ بمظلمة حَتَّى اللَّطْمَة وَلَا يَنْبَغِي لَاحَدَّ من أهل النَّار أَن يدْخل النَّار وَأحد من أهل الْجنَّة يَطْلُبهُ بمظلمة حَتَّى اللَّطْمَة (قُلْنَا كَيفَ وَإِنَّمَا نأتي حُفَاة عُرَاة غرلًا قَالَ (بِالْحَسَنَاتِ والسيئات (أخرج أَصله البُخَارِيّ تَعْلِيقا مستشهدا بِهِ ألى قَوْله (أَنا الْملك أَنا الديَّان (وَأخرجه الامام أَحْمد وَأَبُو يعلي الْموصِلِي وَالطَّبَرَانِيّ واخرجه الْحَافِظ ضِيَاء الدّين الْمَقْدِسِي بِسَنَدِهِ الى جَابر ابْن عبد الله ﵄ قَالَ بَلغنِي أَن للنَّبِي ﷺ حَدِيثا فِي الْقصاص وَكَانَ صَاحب الحَدِيث بِمصْر فاشتريت بَعِيرًا فشددت عَلَيْهِ رحلا وسرت حَتَّى وَردت مصر فمضيت الى بَاب الرجل الَّذِي بَلغنِي عَنهُ الحَدِيث فقرعت بَابه فَخرج الي مَمْلُوكه فَنظر فِي وَجْهي وَلم يكلمني فَدخل الى سَيّده فَقَالَ أَعْرَابِي فَقَالَ سَله من أَنْت فَقَالَ جَابر بن عبد الله الانصاري فَخرج الي مَوْلَاهُ فَلَمَّا تراءينا اعتنق أَحَدنَا بِصَاحِبِهِ فَقَالَ يَا جَابر مَا جِئْت تعرف فَقلت حَدِيث بَلغنِي عَن النَّبِي ﷺ فِي الْقصاص وَلَا تَظنن أَن احدا مِمَّن مضى وَمِمَّنْ بَقِي أحفظ لَهُ مِنْك قَالَ نعم يَا جَابر سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (ان الله تَعَالَى يبعثكم يَوْم الْقِيَامَة من قبوركم حُفَاة عُرَاة غرلًا بهما ثمَّ يُنَادي بِصَوْت رفيع غير

стр. 227

فظيع يسمعهُ من بعد كمن قرب أَنا الديَّان لَا تظالم الْيَوْم أما وَعِزَّتِي لَا يجاوزني الْيَوْم ظلم ظَالِم وَلَو لطمة بكف اَوْ يَد على يَد أَلا وَإِن أَشد مَا أَتَخَوَّف على أمتِي من بعدِي عمل قوم لوط فلترتقب أمتِي الْعَذَاب إِذا تكافأ النِّسَاء بِالنسَاء وَالرِّجَال بِالرِّجَالِ (وَقد رَوَاهُ عبد الْحق الاشبيلي من طَرِيق الْحَارِث بن أبي أُسَامَة وَمن (مُسْنده (نَقله وخرجه عَليّ بن معبد الْبَغَوِيّ الملكي وَغَيره وَفِيه فابتعت بَعِيرًا فشددت عَلَيْهِ رحلي ثمَّ سرت اليه فسهرت شهرا حَتَّى قدمت الشَّام فَإِذا عبد الله بن أنيس الانصاري فَأتيت منزله فَأرْسلت اليه ان جَابِرا على الْبَاب فَرجع الرَّسُول الي فَقَالَ جَابر بن عبد الله قلت نعم فَرجع اليه فَخرج فاعتنقته فَقلت حَدِيث بَلغنِي أَنَّك سمعته من رَسُول الله ﷺ فِي الْمَظَالِم لم أسمعهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (يحْشر الله الْعباد (اَوْ قَالَ (النَّاس (الحَدِيث وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن الله إِذا تكلم بِالْوَحْي سمع أهل السَّمَاء صلصلة كجر السلسلة على الصَّفَا فيصعقون فَلَا يزالون كَذَلِك حَتَّى يَأْتِيهم جِبْرِيل ﵇ فاذا جَاءَهُم جِبْرِيل فزع عَن قُلُوبهم فَيَقُولُونَ يَا جِبْرِيل مَاذَا قَالَ رَبك قَالَ فَيَقُول الْحق فينادون الْحق الْحق (أخرجه أَبُو دَاوُد وَرِجَاله ثِقَات وَنَحْوه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة وَكَذَا روا هـ الامام احْمَد وَابْنه عبد الله وَقَالَ سَأَلت أبي فَقلت يَا أبي الْجَهْمِية يَزْعمُونَ أَن الله لَا يتَكَلَّم بِصَوْت فَقَالَ كذبُوا إِنَّمَا يدورون على التعطيل

стр. 228

وروى الامام احْمَد ﵁ بِسَنَدِهِ الى عبد الله بن مَسْعُود قَالَ إِذا تكلم الله بِالْوَحْي سمع صَوته أهل السَّمَاء قَالَ السجْزِي وَمَا فِي رُوَاة هَذَا الْخَبَر الا أَمَام مَقْبُول وتتمة الْخَبَر فَيَخِرُّونَ سجدا حَتَّى إِذا فزع عَن قُلُوبهم قَالَ سكن عَن قُلُوبهم قَالَ أهل السَّمَاء مَاذَا قَالَ ربكُم قَالُوا الْحق قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن وَغَيره وَمثل هَذَا لَا يَقُوله ابْن مَسْعُود ﵁ إِلَّا توقيفا لانه إِثْبَات صفة للذات انْتهى وَقد رُوِيَ فِي أثبات الْحَرْف وَالصَّوْت أَحَادِيث تزيد على اربعين حَدِيثا بَعْضهَا صِحَاح وَبَعضهَا حسان ويحتج بهَا أخرجهَا الامام الْحَافِظ ضِيَاء الدّين الْمَقْدِسِي وَغَيره وَأخرج الامام أَحْمد غالبها وَاحْتج بِهِ وَأخرج الْحَافِظ ابْن حجر غالبها أَيْضا فِي (شرح البُخَارِيّ (وَاحْتج بِهِ البُخَارِيّ وَغَيره من أَئِمَّة الحَدِيث على أَن الْحق جلّ شَأْنه يتَكَلَّم بِحرف وَصَوت وَقد صححوا هَذَا الاصل واعتقدوه واعتمدوا على ذَلِك منزهين الله تَعَالَى عَمَّا لايليق بجلاله من شُبُهَات الْحُدُوث وسمات النَّقْص كَمَا قَالُوا فِي سَائِر الصِّفَات فاذا رَأينَا أحدا من النَّاس مِمَّن لَا يقدر عشر معشار هَؤُلَاءِ قد دونوا هَذِه الصِّفَات وَعمِلُوا بهَا ودانوا الله بهَا وصرحوا بِأَن الله تَعَالَى تكلم بِحرف وَصَوت لَا يشبهان صَوت مَخْلُوق وَلَا حِرْفَة بِوَجْه الْبَتَّةَ معتمدين على مَا صَحَّ عِنْدهم عَن صَاحب الشَّرِيعَة الْمَعْصُوم فِي أَقْوَاله وأفعاله الَّذِي لَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ الا وَحي يُوحى مَعَ اعْتِقَادهم الْجَازِم الَّذِي لَا يَعْتَرِيه شكّ وَلَا وهم وَلَا خيال نفي التَّشْبِيه والتمثيل والتحريف والتعطيل بل يَقُولُونَ فِي صفة الْكَلَام كَمَا يَقُولُونَ فِي سَائِر الصِّفَات اثباتا بِلَا تَمْثِيل

стр. 229

وتنزيها بِلَا تَعْطِيل كَمَا عَلَيْهِ سلف الامة وفحول الائمة فَهُوَ حق الْيَقِين وَمَا بعد الْحق الا الضلال قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَزَعَمت أَن مُحَمَّدًا أسرِي بِهِ لَيْلًا أليه فَهُوَ مِنْهُ دَان ... وَزَعَمت أَن مُحَمَّد يَوْم اللقا يُدْنِيه رب الْعَرْش بالرضوان ... حَتَّى يرى الْمُخْتَار حَقًا قَاعِدا مَعَه على الْعَرْش الرفيع الشان ... وَزَعَمت أَن لعرشه أطا بِهِ كلارحل أط بِرَاكِب عجلَان ... وَزَعَمت أَن الله أبدى بعضه للطور حَتَّى عَاد كالكثبان ... لما تجلى يَوْم تكليم الرضى مُوسَى الكليم مُكَلم الرَّحْمَن ... وَزَعَمت للمعبود وَجها بَاقِيا وَله يَمِين بل زعمت يدان ... وَزَعَمت ان يَدَيْهِ للسبع العلى والارض يَوْم الْحَشْر قابضتان ... وَزَعَمت ان يَمِينه ملأى من الْخيرَات مَا غاضت على الازمان ... وَزَعَمت ان الْعدْل فِي الاخرى بهَا ... رفع وخفض وَهُوَ بالميزان وَزَعَمت أَن الْخلق طرا عِنْده ... يَهْتَز فَوق اصابع الرَّحْمَن وَزَعَمت ايضا ان قلب العَبْد مَا ... بَين اثْنَتَيْنِ من الاصابع عان وَزَعَمت ان الله يضْحك عِنْدَمَا ... يتقابل الصفان يقتتلان من عَبده يَأْتِي فيبدي نَحره ... لعَدوه طلبا لنيل جنان ...

стр. 230

.. وكذاك يضْحك عِنْدَمَا يثب الْفَتى ... من فرشه لتلاوة الْقُرْآن وكذاك يضْحك من قنوط عباده ... إِذْ أجدبوا والغيث مِنْهُم دَان وَزَعَمت ان الله يرضى عَن أولي الْحسنى ... ويغضب من أولي العصياني وَزَعَمت ان الله يسمع صَوته ... يَوْم الْمعَاد بعيدهم والداني لما يناديهم أَنا الديَّان لَا ... ظلم لدي فَيسمع الثَّقَلَان وَزَعَمت ان الله يشرق نوره ... فِي الارض يَوْم الْفَصْل وَالْمِيزَان وَزَعَمت ان الله يكْشف سَاقه ... فيخر ذَاك الْجمع للاذقان وَزَعَمت أَن الله يبسط كَفه ... لمسيئنا ليتوب من عصيان وَزَعَمت ان يَمِينه تطوى السما ... طي السّجل على كتاب بَيَان وَزَعَمت ان الله ينزل فِي الدجى ... فِي ثلث ليل آخر أَو ثَان فَيَقُول هَل من سَائل فَأُجِيبَهُ ... فَأَنا الْقَرِيب أُجِيب من ناداني وَزَعَمت أَن لَهُ نزولا ثَانِي ... يَوْم الْقِيَامَة للْقَضَاء الثَّانِي وَزَعَمت أَن الله يَبْدُو جهرة ... لِعِبَادِهِ حَتَّى يرى بعيان بل يسمعُونَ كَلَامه ويرونه ... فالمقلتان اليه ناظرتان وَزَعَمت أَن لربنا قدما وَأَن ... الله واضعها على النيرَان فهناك يدنو بَعْضهَا من بَعْضهَا ... وَتقول قطّ قطّ حَاجَتي وكفاني ...

стр. 231

.. وَزَعَمت أَن النَّاس يَوْم ازيدهم ... كل يحاضر ربه ويداني بِالْحَاء مَعَ ضاد وجامع صادها ... وَجْهَان فِي ذَا اللَّفْظ محفوظان فِي التِّرْمِذِيّ ومسند وسواهما ... من كتب تجسيم بِلَا كتمان ووصفته بِصِفَات حَيّ فَاعل ... بِالِاخْتِيَارِ وذانك الاصلان اصل التَّفَرُّق بَين هَذَا الْخلق فِي الْبَارِي ... فَكُن فِي النَّفْي غير جبان اولا فَلَا تلعب بِدينِك ناقضا ... نفيا باثبات بِلَا فرقان فَالنَّاس بَين معطل أَو مُثبت ... اَوْ ثَالِث متناقض صنعان وَالله لست برابع لَهُم بلَى ... إِمَّا حمارا أَو من الثيران فاسمح بانكار الْجَمِيع وَلَا تكن ... متناقضا رجل لَهُ وَجْهَان أَولا فَفرق بَين مَا أثبتته ... ونفيته بِالنَّصِّ والبرهان فالباب بَاب وَاحِد فِي النَّفْي وَال ... إِثْبَات فِي عقل وَفِي ميزَان فَمَتَى أقرّ بِبَعْض ذَلِك مُثبت ... لزم الْجَمِيع أَو أئت بالفرقان وَمَتى نفى شَيْئا وَأثبت مثله ... فمجسم متناقض ديصان فذروا المراء وصرحوا بمذاهب ... القدماء وانسلخوا من الايمان ... قَول النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى وَزَعَمت ان مُحَمَّد أسرِي بِهِ الخ تقدم الْكَلَام فِي الاسراء بِمَا يُغني عَن الاعادة قَوْله وَزَعَمت أَن مُحَمَّدًا يَوْم اللقا يُدْنِيه رب الْعَرْش بالرضوان الخ

стр. 232

ذكر الْحَافِظ الذَّهَبِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب (الْعُلُوّ (قَالَ أخبرنَا اسماعيل بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُبَارك أنبانا عبد الله بن أَحْمد الْفَقِيه أنبأ ابْن البطي أنبا ابْن خيرون أَنبأَنَا أَبُو عَليّ ابْن شَاذان أَنبأَنَا أَبُو سهل الْقطَّان ثَنَا عبد الْكَرِيم الدَّيْر عاقولي ثَنَا يحيى بن عبد الحميد وَغَيره قَالُوا أَنبأَنَا ابْن فُضَيْل عَن لَيْث عَن مُجَاهِد ﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾ الاسراء ٧٩ قَالَ يجلسه أَو يقعده على الْعَرْش لهَذَا القَوْل طرق خَمْسَة وَأخرجه ابْن جرير فِي تَفْسِيره وَعمل فِيهِ الْمَرْوذِيّ مصنفا ثمَّ قَالَ الذَّهَبِيّ بعد ذَلِك فَأَما قَضِيَّة قعُود نَبينَا على الْعَرْش فَلم يثبت فِي ذَلِك نَص بل فِي الْبَاب حَدِيث واه وَمَا فسر بِهِ مُجَاهِد الْآيَة كَمَا ذَكرْنَاهُ فقد انكره بعض أهل الْكَلَام فَقَامَ الْمَرْوذِيّ وَقعد وَبَالغ فِي الِانْتِصَار لذَلِك وَجمع فِيهِ كتابا وطرق قَول مُجَاهِد مِنْهُ رِوَايَة لَيْث ابْن أبي سليم وَعَطَاء ابْن السَّائِب وَأبي يحيى القَتَّات وَجَابِر بن يزِيد فَمِمَّنْ افتى فِي ذَلِك الْعَصْر بِأَن هَذَا الاثر يسلم وَلَا يُعَارض ابو دَاوُد السجسْتانِي صَاحب (السّنَن (وابراهيم الْحَرْبِيّ وَخلق بِحَيْثُ أَن ابْن الامام أَحْمد قَالَ عقيب قَول مُجَاهِد أَنا مُنكر على كل من رد هَذَا الحَدِيث وَهُوَ عِنْدِي رجل سوء مِنْهُم سمعته من جمَاعَة وَمَا رَأَيْت مُحدثا يُنكره وَعِنْدنَا إِنَّمَا تنكره الْجَهْمِية وَقد حَدثنَا هَارُون ابْن مَعْرُوف ثَنَا مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن لَيْث عَن مُجَاهِد فِي قَوْله ﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾ الاسراء ٧٩ قَالَ يقعده على الْعَرْش فَحدثت بِهِ أبي ﵀ فَقَالَ لم يقدر لي أَن أسمعهُ من ابْن فُضَيْل بِحَيْثُ أَن المروذوي روى حِكَايَة ينزل عَن ابراهيم بن غرفَة سَمِعت ابْن عُمَيْر يَقُول سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول هَذَا قد تَلَقَّتْهُ الْعلمَاء بِالْقبُولِ وَقَالَ الْمَرْوذِيّ قَالَ أَبُو دَاوُد السجسْتانِي ثَنَا ابْن ابي صَفْوَان الثَّقَفِيّ

стр. 233

ثَنَا يحيى ابْن كثير ثَنَا سَالم بن جَعْفَر وَكَانَ ثِقَة ثَنَا الْجريرِي ثَنَا سيف السدُوسِي عَن عبد الله بن سَلام قَالَ اذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جيىء بنبيكم ﷺ حَتَّى يجلس بَين يَدي الله على كرسيه الحَدِيث وَقد رَوَاهُ ابْن جرير فِي تَفْسِيره أَعنِي قَول مُجَاهِد ثمَّ قَالَ ابْن جرير لَيْسَ فِي فرق الاسلام من يُنكر هَذَا لَا من يقر أَن الله فَوق الْعَرْش وَلَا من يُنكره وَكَذَلِكَ أخرجه النقاش فِي تَفْسِيره وَكَذَلِكَ رد شيخ الشَّافِعِيَّة ابْن سُرَيج على من انكره انْتهى قَوْله وَزَعَمت أَن لعرشه أطا بِهِ الخ عَن جُبَير بن مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم عَن أَبِيه عَن جده قَالَ جَاءَ اعرابي الى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله نهكت الانفس وجاع العال وَهَلَكت الاموال فاستسق رَبك فانا لنستشفع بِاللَّه عَلَيْك وَبِك على الله فَقَالَ النَّبِي ﷺ (سُبْحَانَ الله سُبْحَانَ الله (فَمَا زَالَ يسبح حَتَّى عرف ذَلِك فِي وُجُوه أَصْحَابه ثمَّ قَالَ وَيحك أَتَدْرِي مَا الله إِن شَأْنه أعظم من ذَلِك إِنَّه لَا يستشفع بِهِ على أحد انه لفوق سمواته على عَرْشه وَإنَّهُ عَلَيْهِ لهكذا (وَأَشَارَ وهب بِيَدِهِ مثل الْقبَّة عَلَيْهِ وَأَشَارَ ابْن الازهر أَيْضا (وَأَنه ليئط بِهِ أطيط الرحل بالراكب (اخرجه ابو دَاوُد عَن احْمَد بن سعيد عَن وهب وَلَفظه إِن عَرْشه على سمواته سَاقه الذَّهَبِيّ فِي كتاب (الْعُلُوّ (من عدَّة طرق من طَرِيق ابْن اسحق ثمَّ قَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب جدا فَرد وَابْن اسحق حجَّة فِي الْمَغَازِي اذا اسند وَله مَنَاكِير وعجائب فَالله أعلم هَل قَالَ ﷺ هَذَا أم لَا وَالله لَيْسَ كمثله شَيْء ﷻ وتقدست أسماؤه

стр. 234

وَلَا إِلَه غَيره والاطيط الْوَاقِع بِذَات الْعَرْش من جنس الأطيط الْحَاصِل فِي الرحل فَذَاك صفة للرحل وللعرش ومعاذ الله أَن نعده صفة لله ثمَّ لفظ الاطيط لم يَأْتِ بِهِ نَص ثَابت وَقَوْلنَا فِي هَذِه الاحاديث إننا نؤمن بِمَا صَحَّ مِنْهَا وَبِمَا اتّفق السّلف على إمراره وَإِقْرَاره فاما مَا فِي إِسْنَاده مقَال وَاخْتلف الْعلمَاء فِي قبُوله وتأويله فانا لَا نتعرض لَهُ بتقرير بل نرويه فِي الْجُمْلَة ونبين حَاله وَهَذَا الحَدِيث إِنَّمَا سقناه لما فِيهِ مِمَّا تَوَاتر من علو الله تَعَالَى فَوق عَرْشه مِمَّا يوفق آيَات الْكتاب انْتهى كَلَامه قَوْله وَزَعَمت أَن الله أبدى بعضه الخ روى التِّرْمِذِيّ فِي (جَامعه (عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ قَرَأَ هَذِه الْآيَة ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل جعله دكا﴾ الاعراف ١٤٣ قَالَ حَمَّاد هَكَذَا وَأمْسك سُلَيْمَان بِطرف إبهامه على أُنْمُلَة أُصْبُعه الْيُمْنَى قَالَ فساخ الْجَبَل وخر مُوسَى صعقا قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب صَحِيح لَا نعرفه الا من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة وروى ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب (السّنة (عَن ابْن عَبَّاس ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل﴾ قَالَ مَا تجلى مِنْهُ إِلَّا مثل الْخِنْصر قَالَ فَجعله دكا قَالَ تُرَابا ﴿وخر مُوسَى صعقا﴾ عشي عَلَيْهِ ﴿فَلَمَّا أَفَاق قَالَ سُبْحَانَكَ تبت إِلَيْك﴾ عَن أَن أَسأَلك الرُّؤْيَة ﴿وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ﴾ قَالَ أول من آمن بك من بني إِسْرَائِيل وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب اثبات الرُّؤْيَة لَهُ اُخْبُرْنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْحَافِظ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب ثَنَا مُحَمَّد بن اسحق يَعْنِي العدناني ثَنَا عَمْرو ابْن طَلْحَة فِي التَّفْسِير ثَنَا اسباط عَن السّديّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ تجلى مِنْهُ مثل طرف الْخِنْصر فَجعله دكا قَوْله وَزَعَمت للمعبود بَاقِيا وَله يَمِين الخ يَأْتِي الْكَلَام فِي الْوَجْه

стр. 235

وَالْيَدَيْنِ ان شَاءَ الله تَعَالَى قَوْله وَزَعَمت أَن يَدَيْهِ للسبع العلى الخ روى البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه (عَن عبد الله عَن نَافِع ابْن عمر عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (ان الله يقبض يَوْم الْقِيَامَة الارضين وَتَكون السَّمَوَات بِيَمِينِهِ ثمَّ يَقُول أَنا الْملك (وَفِي (الصَّحِيحَيْنِ (أَيْضا وَاللَّفْظ لمُسلم عَن عبد الله بن عَمْرو ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (يطوي الله السَّمَوَات يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ يأخذهن بِيَدِهِ الْيُمْنَى ثمَّ يَقُول أَنا الْملك أَيْن الجبارون أَيْن المتكبرون ثمَّ يطوي الارضين بِيَدِهِ الاخرى ثمَّ يَقُول أَنا الْملك أَيْن الجبارون أَيْن المتكبرون ( قَوْله وَزَعَمت أَن يَمِينه ملأى الخ يُشِير الى قَوْله ﷺ (يَمِين الله ملأى لَا يغيضها نَفَقَة سحاؤ اللَّيْل وَالنَّهَار أَرَأَيْتُم مَا أنْفق مُنْذُ خلق السَّمَوَات والارض فانه لم يغض مَا فِي يَمِينه وَفِي يَده الاخرى الْعدْل يخْفض بهَا وَيرْفَع (قَوْله وَزَعَمت أَن الله يضْحك عِنْدَمَا الخ يُشِير الى قَوْله ﷺ (يضْحك الله الى رجلَيْنِ يقتل أَحدهمَا الاخر يدخلَانِ الْجنَّة يُقَاتل هَذَا فِي سَبِيل الله فَيقْتل ثمَّ يَتُوب الله على الْقَاتِل فيستشهد ( قَوْله وَزَعَمت أَيْضا أَن قلب العَبْد مَا الخ عَن عبد الله بن عَمْرو ابْن الْعَاصِ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (إِن قُلُوب بني آدم بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن كقلب وَاحِد يصرفهُ حَيْثُ شَاءَ (ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ (اللَّهُمَّ مصرف الْقُلُوب ثَبت قُلُوبنَا على طَاعَتك (رَوَاهُ مُسلم

стр. 236

قَوْله وكذاك يضْحك من قنوط عباده الخ يُشِير الى مَا فِي حَدِيث أبي رزين عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (ضحك رَبنَا من قنوط عباده وَقرب غَيره ينظر اليكم أذلين قنطين ويظل يضْحك يعلم أَن فرجكم قريب (فَقَالَ لَهُ أَبُو رزين أَو يضْحك الرب قَالَ نعم فَقَالَ لن نعدم من رب يضْحك خيرا قَوْله وَزَعَمت ان الله يبسط كَفه الخ يُشِير الى حَدِيث أبي مُوسَى أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (ان الله يبسط يَده بِاللَّيْلِ ليتوب مسيء النَّهَار ويبسط يَده بِالنَّهَارِ ليتوب مسيء اللَّيْل حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا (رَوَاهُ مُسلم (وَقَوله فِي الحَدِيث الْمُتَّفق على صِحَّته (من تصدق بِعدْل تَمْرَة من كسب طيب وَلَا يقبل الله الا الطّيب تقبلهَا بِيَمِينِهِ (وَقَوله (مَا السَّمَوَات السَّبع والارضون السَّبع فِي كف الرَّحْمَن الا كخردلة فِي كف أحدكُم) قَالَ الْخلال فِي كتاب (السّنة (قَالَ حَنْبَل سَأَلت أَبَا عبد الله عَن الاحاديث الَّتِي تروى أَن الله ﵎ ينزل الى سَمَاء الدُّنْيَا وَأَن الله يرى وَأَن الله يضع قدمه وَمَا أشبه هَذِه الاحاديث فَقَالَ ابو عبد الله نؤمن بهَا ونصدق بهَا وَلَا كَيفَ وَلَا معنى وَلَا نرد مِنْهَا شَيْئا ونعلم ان مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول حق اذا كَانَت باسانيد صِحَاح وَلَا نرد على الله قَوْله وَلَا يُوصف الله ﵎ باكثر مِمَّا وصف بِهِ نَفسه بِلَا حد وَلَا غَايَة لَيْسَ كمثله شَيْء وَقَالَ حَنْبَل فِي مَوضِع آخر وَقَالَ لَيْسَ كمثله شَيْء فِي ذَاته كَمَا وصف بِهِ نَفسه وَقد أجمل ﵎ بِالصّفةِ

стр. 237

لنَفسِهِ فحد لنَفسِهِ صفة لَيْسَ يُشبههُ شَيْء فنعبد الله بصفاته غير محدودة وَلَا مَعْلُومَة الا بِمَا وصف الله نَفسه بِهِ قَالَ الله ﵎ ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ الشورى ١١ وَقَالَ حَنْبَل فِي مَوضِع آخر وَهُوَ سميع بَصِير بِلَا حد وَلَا تَقْدِير وَلَا يبلغ الواصفون صفته وَصِفَاته مِنْهُ وَله وَلَا نتعدى الْقُرْآن والْحَدِيث فَنَقُول كَمَا قَالَ وَنصفه كَمَا وصف نَفسه وَلَا نتعدى ذَلِك وَلَا تبلغه صفة الواصفين نؤمن بِالْقُرْآنِ كُله محكمَة ومتشابهه وَلَا نزيل عَنهُ صفة من صِفَاته لشناعة شنعت وَوصف وصف بِهِ نَفسه من كَلَام وخلوه بِعَبْدِهِ وَوَضعه كنفه عَلَيْهِ هَذَا كُله يدل على أَن الله ﵎ يرى فِي الاخرة والتحديد فِي هَذَا بِدعَة وَالتَّسْلِيم لله بأَمْره بِغَيْر صفة وَلَا حد إِلَّا بِمَا وصف بِهِ نَفسه سميع بَصِير لم يزل متكلما غَفُورًا علما عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة علام الغيوب فَهَذِهِ صِفَات وصف بهَا نَفسه لَا ترد وَلَا تدفع وَهُوَ على الْعَرْش بِلَا حد كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ الاعراف ٥٧ كَيفَ يَشَاء الْمَشِيئَة اليه والاستطاعة لَهُ لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ خَالق كل شَيْء وَهُوَ كَمَا وصف نَفسه سميع بَصِير بِلَا حد وَلَا تَقْدِير قَول ابراهيم لِأَبِيهِ ﴿لم تعبد مَا لَا يسمع وَلَا يبصر﴾ مَرْيَم ٤٢ فَثَبت أَن الله سميع بَصِير صِفَاته مِنْهُ لَا نتعدى الْقُرْآن والْحَدِيث وَالْخَبَر يضْحك الله وَلَا نعلم كَيفَ ذَلِك إِلَّا بِتَصْدِيق الرَّسُول وتثبيت الْقُرْآن لَا يصفه الواصفون وَلَا يحده أحد تَعَالَى الله عَمَّا تَقول الْجَهْمِية والمشبهة قلت لَهُ والمشبه مَا يَقُولُونَ قَالَ من قَالَ بصر كبصري وَيَد كيدي انْتهى قَوْله فَالنَّاس بَين معطل أَو مُثبت الخ المعطلة كالجهمية والمعتزلة والمثبتة يَعْنِي السّلف وأتباعهم وَالثَّالِث المتناقض كَالَّذِين

стр. 238

يثبتون بعض الصِّفَات وينفون بَعْضهَا وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم فَمَتَى أقرّ بِبَعْض ذَلِك مُثبت لزم الْجَمِيع أَي انه يلزمكم اذا اثبتم بعض الصِّفَات أَن تثبتوا جَمِيعهَا وَإِلَّا فانفوها جَمِيعهَا إِذْ لَيْسَ بِأَيْدِيكُمْ فرق صَحِيح وَسَيَأْتِي إبِْطَال مَا فرقوا بِهِ فِي كَلَام النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى وَالله أعلم وَقَوله ديصان قَالَ النَّاظِم فِي (إغاثة اللهفان (وَحكى أَرْبَاب المقالات عَنْهُم أَي عَن الثنوية أَن قوما مِنْهُم يُقَال لَهُم الديصانية زَعَمُوا أَن طِينَة الْعَالم كَانَت طِينَة خشنة وَكَانَت تحاكي جسم النُّور الَّذِي هُوَ الْبَارِي عِنْدهم زَمَانا فتأذى بهَا فَلَمَّا طَال ذَلِك عَلَيْهِ قصد تنحيتها عَنهُ فتوحل فِيهَا وَاخْتَلَطَ بهَا فتركب من بَينهمَا هَذَا الْعَالم الْمُشْتَمل على الظلمَة والنور فَمَا كَانَ من جِهَة الصّلاح فَمن النُّور وَمَا كَانَ من جِهَة الْفساد فَمن الظلمَة قَالَ وَهَؤُلَاء يغتالون النَّاس ويخنقونهم ويزعمون انهم يحسنون اليهم بذلك وانهم يخلصون الرّوح النورانية من الْجَسَد المظلم انْتهى وَقَوله القدماء يَعْنِي الفلاسفة ... اوقاتلوا مَعَ ايمة التجسيم والتشبيه ... تَحت لِوَاء ذِي الْقُرْآن اولا فَلَا تتلاعبوا بعقولكم ... وَكِتَابكُمْ وبسائر الاديان فجيمعها قد صرحت بصفاته ... وَكَلَامه وعلوه بِبَيَان وَالنَّاس بَين مُصدق أَو جَاحد ... اَوْ بَين ذَلِك أَو شَبيه أتان فَاصْنَعْ من التَّنْزِيه ترسا محكما ... وانف الْجَمِيع بصنعة وَبَيَان وكذاك لقب مَذْهَب الاثبات ... بالتجسيم ثمَّ احْمِلْ على الاقران ...

стр. 239

.. فَمَتَى سمحت لَهُم بِوَصْف وَاحِد ... حملُوا عَلَيْك بحملة الفرسان فصرعت صرعة من غَدا متلبطا ... وسط العرين ممزق اللحمان فلذاك انكرنا الْجَمِيع مَخَافَة ... التجسيم ان صرنا الى الْقُرْآن وَلذَا خلعنا ربقة الاديان من ... أعناقنا فِي سالف الازمان وَلنَا مُلُوك قاوموا الرُّسُل الالى ... جاؤوا باثبات الصِّفَات كمان فِي آل فِرْعَوْن وَقَارُون وَهَا ... مان ونمروذ وجنكسخان ... قَوْله جنكسخان وَيُقَال جنكزخان هُوَ طاغية التتار وملكهم الاول الَّذِي خرب الْبِلَاد وَلم يكن للتتار قبله ذكر انما كَانُوا ببادية الصين فملكوه عَلَيْهِم واطاعوه طَاعَة أَصْحَاب نَبِي لنبيهم وَكَانَ مبدأ ملكه سنة (٥٩٩) وَاسْتولى على بُخَارى وسمرقند ١٩ سنة وَاسْتولى على مدن خُرَاسَان ١٧ سنة وَلما رَجَعَ من حَرْب السُّلْطَان جلال الدّين خوارزم شاه على نهر السَّنَد وَوصل الى مَدِينَة مكب من بِلَاد الخطا فَمَرض بهَا وَمَات فِي رَابِع شهر رَمَضَان ٦٢٤ فَكَانَت أَيَّام مَمْلَكَته خمْسا وَعشْرين سنة وَكَانَ اسْمه قبل أَن يَلِي الْملك تمرجي وَمَات على دينهم وكفرهم وَخلف من الاولاد سِتَّة وفوض الامر الى اركناي أحدهم بعد مَا اسْتَشَارَ الْخَمْسَة البَاقِينَ فَلَمَّا مَاتَ امْتنع أركناي من الْملك وَقَالَ فِي اخواني وأعمامي من هُوَ اكبر مني فَلم يزَالُوا بِهِ بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى تملك عَلَيْهِم ولقبوه

стр. 240

القان الْأَعْظَم وَمَعْنَاهُ الْخَلِيفَة فِيمَا قيل وَبعث جُنُوده وَفتح الفتوحات وكطالت أَيَّامه وَولي بعده الْأَمر موتكوقا وَهُوَ القان الَّذِي هُوَ لاكو من بعض مقدميه وَولي بعده أَخُوهُ قبلاي وطالت أَيَّام قبلاي وَبَقِي فِي الْأَمر إِلَى ٧٤٠ وَمَات بِمَدِينَة خَان بالق يُقَال أَنه لما كَانَ السُّلْطَان خوارزم شَاة يغز وَهَؤُلَاء التتار ويقتلهم وَيَسْبِي ذَرَارِيهمْ وَأَوْلَادهمْ ويمنعهم الْخُرُوج عَن حُدُود بِلَادهمْ احتمع التتار وَشَكوا مَا يلاقون من خوارزم شَاة وَمَا هم فِيهِ من الضّيق وَالْبَلَاء فَقَالَ لَهُم جنكز خَان إِن ملكتموني عَلَيْكُم والتزمتم لي بِالطَّاعَةِ وَاتِّبَاع الَّذِي أَضَعهُ لكم شرعة رددت خوارزم عَنْكُم فالتزموا لَهُ بذلك وَكَانَ مِمَّا وَضعه لَهُم أَن قَالَ كل من أحب أمْرَأَة بِنْتا كَانَت أَو غَيرهَا لَا يمْنَع من التَّزَوُّج وَلَو كَانَ زبالا وَالْمَرْأَة بنت ملك وَكَانَ غَرَضه أَن يتناحكوا بِشَهْوَة شَدِيدَة ويتضاعف نسلهم وَيكثر عَددهمْ فَلَمَّا تقرر ذَلِك دخلُوا على خوارزم شَاة وعقدوا مهادنته عشْرين سنة فَمَا جَاءَت الْعشْرين سنة إِلَّا وهم أُمَم لَا يُحصونَ وَلَا يحصرون وَكَانَ من جملَة مَا قَرَّرَهُ أَنه إِذا حرم القان على أحد شَيْئا فَلَا يحل لَهُ إِلَى أَن تَأتيه الْمَمَات وَقرر لَهُم أَن (من) رعف وَهُوَ يَأْكُل قتل كَائِنا من كَانَ وَقرر لَهُم أَن كل من لم يمض حكم اليسق قتل أَيْضا وَأَرَادَ أَن يذهب الْكِبَار الَّذين فيهم لعلمه أَنهم يداخلهم الْحَسَد لَهُ ويستصغرونه فتركهم يَوْمًا وهم على سماطه فرعف فَلم يَجْسُر اُحْدُ أَن يمْضِي فِيهِ حكمه لمهابته وجبروته فَتَرَكُوهُ وَلم يطالبوه بِمَا قرر وهابوه فِي ذَلِك فتركهم أَيَّامًا وجمعهم وَقَالَ لأي شيئ مَا أمضيتم حكم

стр. 241

أليسق فِي وَقد رعفت وَأَنا آكل بَيْنكُم فقالو لم نجسر على ذَلِك فَقَالَ لم تعلمُوا باليسق وَلَا أمضيتم أمره وَقد وَجب قتلكم فَقتل أكابرهم واستراح مِنْهُم وَالتّرْك يَزْعمُونَ أَنه ولد الشَّمْس لِأَن فِي صحاريهم أَمَاكِن فِيهَا غَابَ الغاب لَا يقربهُ أحد من الذكران وَأَن أمه اعتقت فرجهَا وراحت إِلَى ذَلِك الغاب وَغَابَتْ فِيهِ مُدَّة وأتتهم وَقَالَت هَذَا من الشَّمْس لِأَن الشَّمْس دخلت فِي فَرجي بعض الْأَيَّام وَأَنا أَغْتَسِل فَحملت بِهَذَا وَيُقَال إِنَّه كَانَ حدادا وَالله أعلم كَذَا فِي (تَارِيخ ابْن شَاكر ( قَوْله أتان بِفَتْح الْهمزَة هِيَ الْأُنْثَى من الْحمير قَالَ ابْن السّكيت وَلَا يُقَال أتانة وَجمع الْقلَّة أتن مثل عنق وأعنق وَجمع الْكَثْرَة إتن بِضَمَّتَيْنِ قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَلنَا الْأَئِمَّة كالفلاسفة الألى ... لم يعبؤوا أصلا بِذِي الْأَدْيَان مِنْهُم أرسطو ثمَّ شيعته إِلَى ... هَذَا الأوان وَعند كل أَوَان مَا فيهم من قَالَ إِن الله فو ... ق الْعَرْش خَارج هَذِه الأكوان كلا وَلَا قَالُوا بِأَن إلهنا ... مُتَكَلم بِالْوَحْي وَالْقُرْآن وَلأَجل هَذَا رد فِرْعَوْن على ... مُوسَى وَلم يقدر على الْإِيمَان إِذْ قَالَ مُوسَى رَبنَا مُتَكَلم ... فَوق السَّمَاء وَأَنه ناداني ...

стр. 242

.. وَكَذَا ابْن سينا لم يكن مِنْكُم وَلَا ... أَتْبَاعه بل صانعوا بدهان وَكَذَلِكَ الطوسي لما أَن غَدا ... ذَا قدرَة لم يخْش من سُلْطَان قتل الْخَلِيفَة والقضاة وحاملي ... الْقُرْآن وَالْفُقَهَاء فِي الْبلدَانِ إِذْ هم مشبهة مجسمة وَمَا ... دانو أبدين أكَابِر اليونان وَلنَا الملاحة الفحول أَئِمَّة التعطيل والتشبيه آل سِنَان ... وَلنَا تصانيف بهَا غاليتم مثل (الشفا (و (رسائل الاخوان ( ... وَكَذَا الاشارات الَّتِي هِيَ عنْدكُمْ قد ضمنت لقواطع الْبُرْهَان ... قد صرحت بالضد مِمَّا جَاءَ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْفرْقَان هِيَ عنْدكُمْ مثل النُّصُوص وفوقها ... فِي حجَّة قطيعة وَبَيَان وَإِذا تحاكمنا فَإِن إِلَيْهِم ... يَقع التحاكم لَا إِلَى الْقُرْآن ... إِذْ قد تساعدنا بِأَن نصوصه لفظية عزلت عَن الايقان ... فَلذَلِك حكمنَا عَلَيْهِ وَأَنْتُم قَول الْمعلم أَولا وَالثَّانِي ... يَا وَيْح جهم وَابْن دِرْهَم والالى قَالُوا بقولهمَا من الخوران ... بقيت من التَّشْبِيه فِيهِ بَقِيَّة نقصت قَوَاعِده من الْأَركان ... يَنْفِي الصِّفَات مَخَافَة التجسيم لَا يلوي على خبر وَلَا قُرْآن ... وَيَقُول إِن الله يسمع أَو يرى وكذاك يعلم سر كل جنان ...

стр. 243

.. وَيَقُول إِن الله قد شَاءَ الَّذِي هُوَ كَائِن من هَذِه الأكوان ... وَيَقُول إِن الْفِعْل مَقْدُور لَهُ والكون ينْسبهُ إِلَى الْحدثَان ... وبنفيه التسجيم يصْرخ فِي الورى وَالله مَا هَذَانِ متفقان ... لكننا قُلْنَا محَال كل ذَا حذرا من التَّشْبِيه والامكان ... أما بَان سينا فَهُوَ على مَا فِي (تَارِيخ ابْن خلكان (وَغَيره أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن عبد الله بن سينا البُخَارِيّ وَالِده من بَلخ وَسكن بُخَارى أَيَّام الْأَمِير نوح ثمَّ تزوج إمرأة بِقُرْبِهِ (أفشنة) وَبهَا ولد أَبُو عَليّ الْمَذْكُور الملقب بالرئيس وَختم الْقُرْآن وَهُوَ ابْن عشر سِنِين وَقَرَأَ الْحِكْمَة على أبي عبد الله الناتلي وَحل إقليدس والمجسطي والطب وَهُوَ ابْن ثَمَانِي عشرَة سنة ثمَّ انْتقل من بُخَارى إِلَى جرجان وَغَيرهَا ثمَّ اتَّصل بِخِدْمَة مجد الدولة ابْن بويه بِالريِّ ثمَّ خدم قَابُوس بن شكمير ثمَّ قصد عَلَاء الدولة ابْن كاكوية بأصبهان وَتقدم عِنْده ثمَّ مرض بالصرع والقولنج وَترك الحمية وَمضى إِلَى همذان مَرِيضا وَمَات بهَا سنة ٤٢٨ أَرْبَعمِائَة وثمان وَعشْرين وعمره إِحْدَى وَخَمْسُونَ سنة قَالَ ابْن خلكان ثمَّ إِن ابْن سينا لما أيس من الْعَافِيَة على مَا قيل ترك المداواة واغتسل وَتَابَ وَتصدق بِمَا مَعَه على الْفُقَرَاء ورد الْمَظَالِم على من عرفه وَأعْتق مماليكه وَجعل يخْتم فِي كل ثَلَاثَة أَيَّام ختمة مَاتَ بهمذان يَوْم الْجُمُعَة من شهر رَمَضَان وَقيل مَاتَ فِي السجْن وولادته سنة ثَلَاثمِائَة وَسبعين وَالله أعلم وَله نَحْو مائَة مُصَنف مِنْهَا كتاب (الشِّفَاء (فِي الْحِكْمَة (والاشارات (وَفِي الطِّبّ (القانون (وَغَيره وَله شعر وَمِنْه القصيدة الشهيرة فِي الرّوح وَهِي

стр. 244

.. هَبَطت إِلَيْك من الْمحل لارفع ... وَرْقَاء ذَات تعزز وتمنع ... وَأما النصير الطوسي فَهُوَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحسن نصير الدّين الطوسي صَاحب (الرياضي ((والرصد (كَانَ رَأْسا فِي علم الْأَوَائِل لَا سِيمَا فِي الأرصاد والمجسطي فَإِنَّهُ فاق الْكِبَار قَرَأَ على الْمعِين سَالم بن بدران المعتزلي الرافضي وَغَيره وَكَانَ ذَا حُرْمَة وافرة ومنزلة عالية عِنْد هولاكو وَكَانَ يطيعه فِيمَا يُشِير بِهِ عَلَيْهِ وَالْأَمْوَال فِي تصريفه وابتنى ب (مراغة) قبَّة ورصدا عَظِيما وَاتخذ فِي ذَلِك خزانَة عَظِيمَة فسيحة الأرجاء وملأها من الْكتب الَّتِي نهبت من بَغْدَاد وَالشَّام والجزيرة حَتَّى تجمع فِيهَا زِيَادَة على أَرْبَعمِائَة ألف مُجَلد وَقرر بالرصد المنجمين والفلاسفة والعقلاء وَجعل لَهُ أوقافا وَكَانَ حسن الصُّورَة سَمحا كَرِيمًا جوادا حَلِيمًا حسن الْعشْرَة غزير الْفَضَائِل وَاخْتصرَ (المحصل (للْإِمَام فَخر الدّين وهذبه وَزَاد فِيهِ وَشرح (الاشارات (ورد على الإِمَام فَخر الدّين فِي شَرحه وَقَالَ هَذَا جرح وَمَا هُوَ بشرح وَقَالَ فِيهِ حررته فِي عشْرين سنة وناقض فَخر الدّين كثيرا وَمن تصانيفه (التَّجْرِيد (فِي الْمنطق و (أَوْصَاف الْأَشْرَاف (و (قَوَاعِد العقائد (و (التَّلْخِيص (فِي علم الْكَلَام (وَشرح كتاب ثَمَرَة بطليموس (وَكتاب (المجسطي (و (شرح مَسْأَلَة الْعلم (و (رِسَالَة الامامة (و (رِسَالَة (إِلَى نجم الدّين الكاتبي فِي إِثْبَات الْوَاجِب وحواشي على كليات (القانون (وَغير ذَلِك وَقَالَ شمس الدّين ابْن الْمُؤَيد العرضي أَخذ النصير كَمَال الدّين بن يُونُس الْموصِلِي ومعين الدّين سَالم بن بدران الْمصْرِيّ المعتزلي وَغَيرهمَا وَكَانَ منجما لائقا بعد أَبِيه

стр. 245

وَكَانَ يعْمل الوزارة لهولاكو من غير ان يدْخل يَده فِي الْأَمْوَال واحتوى على عقله حَتَّى إِنَّه لَا يركب وَلَا يُسَافر إِلَّا فِي وَقت يَأْمُرهُ بِهِ ومولد النصير بطوس ٥٩٧ سنة سبع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَتُوفِّي فِي ذِي الْحجَّة سنة ٦٧٣ اثْنَتَيْنِ وَسبعين وسِتمِائَة بِبَغْدَاد وَدفن فِي مشْهد الكاظم انْتهى مُلَخصا من (تَارِيخ ابْن شَاكر ( قلت ذكر شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية فِي (منهاج السّنة النَّبَوِيَّة (فِي الرَّد على ابْن المطهر الرافضي لما ذكر قَوْله قَالَ شَيخنَا الْأَعْظَم خواجة نصر الْملَّة وَالْحق وَالدّين مُحَمَّد بن الْحسن الطوسي قدس الله روحه إِلَى آخر مَا ذكر ابْن المطهر فَقَالَ الشَّيْخ فِي الْجَواب الْجَواب من وُجُوه أَحدهَا أَن هَذَا الأمامي قد كفر من قَالَ إِن الله مُوجب بِالذَّاتِ كَمَا تقدم من قَوْله يلْزم أَن يكون مُوجبا بِذَاتِهِ لَا مُخْتَارًا فَيلْزم الْكفْر وَهَذَا الَّذِي جعله شَيْخه الْأَعْظَم وَاحْتج بقوله هُوَ مِمَّن يَقُول بِأَن الله مُوجب بِالذَّاتِ وَيَقُول بقدم الْعَالم كَمَا ذكر ذَلِك فِي كتاب (شرح الاشارات (لَهُ فَيلْزم على قَوْله أَن يكون شَيْخه هَذَا الَّذِي احْتج بِهِ كَافِرًا وَالْكَافِر لَا يقبل قَوْله فِي دين الْمُسلمين الثَّانِي أَن هَذَا الرجل قد اشْتهر عِنْد الْخَاص وَالْعَام أَنه كَانَ وَزِير الملاحة الباطنية الاسماعيلية بالأموات ثمَّ لما قدم التّرْك الْمُشْركُونَ إِلَى بِلَاد الْمُسلمين وجاؤوا إِلَى بَغْدَاد دَار الْخلَافَة كَانَ هَذَا منجما مُشِيرا لملك التّرْك الْمُشْركين هولاكو أَشَارَ عَلَيْهِ بقتل الْخَلِيفَة وَقتل أهل الْعلم وَالدّين واستبقاء أهل الصناعات والتجارات الَّذين ينفعونه فِي الدُّنْيَا وَأَنه استولى على الْوَقْف الَّذِي للْمُسلمين وَكَانَ يُعْطي مِنْهُ مَا شَاءَ الله لعلماء

стр. 246

الْمُشْركين وشيوخهم من النجشية السَّحَرَة وأمثالهم وَأَنه لما بنى الرصد الَّذِي ب (مراغة) على طَريقَة الصابئة كَانَ أحسن النَّاس نَصِيبا مِنْهُ من كَانَ إِلَى أهل الْملَل أقرب وأوفرهم نَصِيبا من كَانَ أبعد عَن الْملَل مثل الصابئة الْمُشْركين وَمثل المعطلة وَسَائِر الْمُشْركين وَإِن ارتزقوا بالنجوم والطب وَنَحْو ذَلِك وَمن الْمَشْهُور عَنهُ وَعَن أَتْبَاعه الاستهتار بواجبات الاسلام ومحرماته لَا يُحَافِظُونَ على الْفَرَائِض كالصلوات ولايزعمون عَن محارم الله من الْفَوَاحِش وَالْخمر وَغير ذَلِك من الْمُنْكَرَات حَتَّى إِنَّهُم فِي شهر رَمَضَان يذكر عَنْهُم من إِضَاعَة الصَّلَوَات وَالْفَوَاحِش وَشرب الْخُمُور مَا يعرفهُ أهل الْخِبْرَة بهم وَلم يكن لَهُم قُوَّة وَظُهُور إِلَّا مَعَ الْمُشْركين الَّذين دينهم شَرّ من دين الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَلِهَذَا كلما قوي الاسلام فِي المغول وَغَيرهم من التّرْك ضعف أَمر هَؤُلَاءِ لفرط معاداتهم لِلْإِسْلَامِ وَأَهله وَلِهَذَا كَانُوا من أنقص النَّاس منزلَة عِنْد الْأَمِير نوروز الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله الشَّهِيد الَّذِي دَعَا ملك المغول غازان إِلَى الْإِسْلَام وَالْتزم لَهُ أَن ينصره إِذا أسلم وَقتل الْمُشْركين الَّذين لم يسلمُوا من النجشية السَّحَرَة وَغَيرهم وَهدم البدخانان وَكسر الْأَصْنَام ومزق سدنتها كل ممزق وألزم الْيَهُود وَالنَّصَارَى بالجزية وَالصغَار وبسببه ظهر الْإِسْلَام فِي المغول وأتباعهم وَبِالْجُمْلَةِ فَأمر هَذَا الطوسي وَأَتْبَاعه فِي الاسلام وَالْمُسْلِمين أشهر وَأعرف من أَن يعرف ويوصف وَمَعَ هَذَا فقد قيل إِنَّه كَانَ فِي آخر عمره يحافظ على الصَّلَوَات الْخمس ويشتغل بتفسير الْبَغَوِيّ وبالفقه وَنَحْو ذَلِك فَإِن كَانَ قد تَابَ من الْإِلْحَاد فَالله يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو عَن السَّيِّئَات وَالله يَقُول ﴿يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا إِنَّه هُوَ الغفور الرَّحِيم﴾ الزمر ٥٣ لَكِن مَا ذكره

стр. 247

عَنهُ هَذَا إِن كَانَ قبل التَّوْبَة لم يقبل قَوْله وَإِن كَانَ بعد التَّوْبَة لم يكن قد تَابَ من بَاب الرَّفْض بل من الالحاد وَحده وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا يقبل قَوْله وَالْأَظْهَر أَنه كَانَ يجْتَمع بِهِ وبأمثاله لما كَانَ منجما للمغول الْمُشْركين والالحاد مَعْرُوف من حَاله إِذْ ذَاك انْتهى كَلَام شيخ الاسلام وَقَول النَّاظِم آل سِنَان هُوَ سِنَان الْبَصْرِيّ الَّذِي كَانَ بحصون الاسماعيلية بِالشَّام وَكَانَ يَقُول قد رفعت عَنْهُم الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالْحج وَالزَّكَاة وَأما (الشِّفَاء (فَهُوَ من مصنفات ابْن سينا وَكَذَا (الإشارات (من تصانيفه أَيْضا وَقَوله و (رسائل الاخوان (هِيَ (رسائل إخْوَان الصَّفَا (وَهِي على مافي (كشف الظنون (و (شرح عقيدة السفاريني (إِحْدَى وَخَمْسُونَ رِسَالَة وَهِي أصل مَذْهَب القرامطة وَرُبمَا نسبوها إِلَى جَعْفَر الصَّادِق ﵁ ترويجا وَقد صنفت بعد الْمِائَة الثَّالِثَة فِي دولة بني بويه أملاها أَبُو سُلَيْمَان مُحَمَّد بن نصر البستي الْمَعْرُوف بالمقدسي وَأَبُو الْحسن عَليّ بن هَارُون الزنجاني وَأَبُو أَحْمد النهرجوري والعرفي يزِيد بن رِفَاعَة كلهم حكماء اجْتَمعُوا وصنفوا هَذِه الرسائل على طَرِيق الفلسفة الْخَارِجَة عَن مَسْلَك الشَّرِيعَة المطهرة وَفِي (فَتَاوَى ابْن حجر الحديثية (مَا نَصه نَسَبهَا كثير إِلَى جَعْفَر الصَّادِق وَهُوَ بَاطِل وَإِنَّمَا الصَّوَاب أَن مؤلفها مسلمة بن قَاسم الأندلسي كَانَ جَامعا لعلوم الْحِكْمَة من الالهيات والطبيعيات والهندسة والتنجيم وعلوم الكيمياء وَغَيرهَا وَإِلَيْهِ انْتهى علم الْحِكْمَة بالأندلس وَعنهُ أَخذ حكماؤها وَتُوفِّي سنة ٣٥٣ وَمِمَّنْ ذكره ابْن بشكوال وَكتابه فِيهِ أَشْيَاء حكمِيَّة وفلسفية وشرعية انْتهى

стр. 248

وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي (الْمِنْهَاج (حَتَّى إِن طَائِفَة من النَّاس يظنون أَن (رسائل إخْوَان الصَّفَا (مَأْخُوذَة عَن جَعْفَر الصَّادِق وَهَذَا من الْكَذِب الْمَعْلُوم فَإِن جعفرا توفّي سنة ١٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة وَهَذِه الرسائل وضعت بعد ذَلِك بِنَحْوِ مِائَتي سنة وضعت لما ظَهرت دولة الاسماعلية الباطنية الَّذين بنوا الْقَاهِرَة المعزية سنة بضع وَخمسين وثلاثمائة وَفِي تِلْكَ الْأَوْقَات صنفت هَذِه الرسائل بِسَبَب ظُهُور هَذَا الْمَذْهَب الَّذِي ظَاهره الرَّفْض وباطنه الْكفْر الْمَحْض فأظهروا اتِّبَاع الشَّرِيعَة وَأَن لَهَا بَاطِنا مُخَالفا لظاهرها وباطن أَمرهم مَذْهَب الفلاسفة وعَلى هَذَا الْأَمر وضعت هَذِه الرسائل وَضعهَا طَائِفَة من المتفلسفة معروفون وَقد ذكرُوا فِي أَثْنَائِهَا مَا استولى عَلَيْهِ النَّصَارَى من أَرض الشَّام وَكَانَ أول ذَلِك بعد ثَلَاثمِائَة سنة ٣٠٠ من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة فِي أَوَائِل الْمِائَة الرَّابِعَة اانتهى كَلَامه قَالَ النَّاظِم ... فلذاك حكمنَا عَلَيْهِ وَأَنْتُم قَول الْمعلم أَولا وَالثَّانِي ... الْمعلم الأول أرسطاطاليس والمعلم الثَّانِي هُوَ ابو نصر الفارابي وَهُوَ أَبُو نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن طرخان التركي صَاحب المصنفات الْمَشْهُورَة فِي الْمنطق وَالْحكمَة والموسيقى الَّتِي من ابْتغى الْهدى فِيهَا أضلّهُ الله مَاتَ سنة ٣٣٩ تسع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة ولد نَحْو من ٨٠ سنة قَوْله ... يَا وَيْح جهم وَابْن دِرْهَم والالى ... قَالُوا بقولهمَا من الخوران ... هَذَا على سَبِيل التهكم والزام جهم والجعد بن دِرْهَم التَّنَاقُض أَي إِن الجهم يَقُول إِن الله يسمع وَيرى وَيعلم وَيثبت الْمَشِيئَة وَالْعلم لله وَمَعَ ذَلِك يَنْفِي التجسيم أَي فالتجسيم لَازم لَهُ إِذا أثبت هَذِه الصِّفَات وَهَذَا من الخور أَي الضعْف

стр. 249

قَوْله يَا وَيْح وَيْح كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وَقع فِي هلكة لَا يَسْتَحِقهَا قَالَ فِي (الْقَامُوس (وَيْح لزيد وويحا لَهُ كلمة رَحْمَة وَرَفعه على الِابْتِدَاء ونصبه باضمار فعل وويح ريد وياويحه بنصبهما أَيْضا وويحا زيد بِمَعْنَاهُ وَأَصله وي فوصلت بحاء مرّة وبلام مرّة انْتهى قَالَ شيخ الاسلام فِي كِتَابه (التسعينية (وَكَذَلِكَ الْجَهْمِية على ثَلَاث دَرَجَات فشرها الغالية الَّذين ينفون أَسمَاء الله وَصِفَاته وان سموهُ بِشَيْء من أَسْمَائِهِ الْحسنى قَالُوا هُوَ مجَاز فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة عِنْدهم لَيْسَ بحي وَلَا عَالم وَلَا قَادر وَلَا سميع وَلَا بَصِير وَلَا يكلم وَلَا يتَكَلَّم وَكَذَا وصف الْعلمَاء حَقِيقَة قَوْلهم كَمَا ذكره الامام احْمَد فِيمَا خرجه فِي الرَّد على الزَّنَادِقَة والجهمية قَالَ فَعِنْدَ ذَلِك تبين للنَّاس أَنهم لَا يثبتون شَيْئا لكِنهمْ يدْفَعُونَ عَن أنفسهم الشنعة بِمَا يقرونَ فِي الْعَلَانِيَة فَإِذا قيل لَهُم فَمن تَعْبدُونَ قَالُوا نعْبد من يدبر هَذَا الْخلق فَقُلْنَا فَهَذَا الَّذِي يدبر أَمر هَذَا الْخلق هُوَ مَجْهُول لَا يعرف بِصفة قَالُوا نعم قُلْنَا قد عرف الْمُسلمُونَ انكم لَا تثبتون شَيْئا انما تدفعون عَن انفسكم الشنعة بِمَا تظْهرُونَ فَقُلْنَا لَهُم هَذَا الَّذِي يدبر هُوَ الَّذِي كلم مُوسَى قَالُوا لم يتَكَلَّم وَلَا يتَكَلَّم لَان الْكَلَام لَا يكون إِلَّا بجارحة والجوارح عَن الله منفية واذا سمع الْجَاهِل قَوْلهم يظنّ أَنهم من أَشد النَّاس تَعْظِيمًا لله وَلَا يعلم أَنهم انما يقودهم قَوْلهم الى ضلال وَكفر قَالَ وَقَالَ ابو الْحسن الاشعري فِي فِي (المقالات (الْحَمد لله الَّذِي بصرنا خطأ المخطئين وعمى العمين وحيرة المتحيرين الَّذين نفوا صِفَات رب الْعَالمين وَقَالُوا ان الله جلّ ثَنَاؤُهُ وتقدست أسماؤه لَا صِفَات لَهُ وَلَا علم لَهُ وَلَا قدرَة لَهُ وَلَا حَيَاة لَهُ

стр. 250

وَلَا سمع لَهُ وَلَا بصر لَهُ ولاعزة لَهُ وَلَا جلال لَهُ وَلَا عَظمَة لَهُ وَلَا كبرياء لَهُ وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي سَائِر صِفَات الله تَعَالَى الَّتِي وصف بهَا نَفسه قَالَ وَهَذَا قَول أَخَذُوهُ عَن إخْوَانهمْ من المتفلسفة الَّذين يَزْعمُونَ أَن للْعَالم صانعا لم يزل لَيْسَ بعالم وَلَا قَادر وَلَا حَيّ وَلَا سميع وَلَا بَصِير وَلَا قدير وعبروا عَنهُ بِأَن قَالُوا نقُول عين لم يزل وَلم يزِيدُوا على ذَلِك غير أَن هَؤُلَاءِ الَّذين وَصفنَا قَوْلهم من الْمُعْتَزلَة فِي الصِّفَات لم يستطيعوا أَن يظهروا من ذَلِك مَا كَانَت الفلاسفة تظهره فأظهروا مَعْنَاهُ فنفوا أَن يكون للباري علم وقدرة وحياة وَسمع وبصر وَلَوْلَا الْخَوْف لاظهروا مَا كَانَت الفلاسفة تظهره من ذَلِك وأفصحوا بِهِ غير أَن الْخَوْف يمنعهُم من أظهار ذَلِك قَالَ وَقد أفْصح بذلك رجل يعرف ب (ابْن الايادي) كَانَ ينتحل قَوْلهم فَزعم أَن الْبَارِي عَالم قَادر سميع بَصِير فِي الْمجَاز لَا فِي الْحَقِيقَة وَهَذَا القَوْل الَّذِي هُوَ قَول الغالية النفاة للاسماء حَقِيقَة هُوَ قَول القرامطة الباطنية وَمن سبقهمْ من إخْوَانهمْ الصائبة الفلاسفة والدرجة الثَّانِيَة من التجهم هُوَ تجهم الْمُعْتَزلَة وَنَحْوهم الَّذين يقرونَ بأسماء الله الْحسنى فِي الْجُمْلَة لَكِن ينفون صِفَاته وهم أَيْضا لَا يقرونَ بأسماء الله الْحسنى كلهَا على الْحَقِيقَة بل يجْعَلُونَ كثيرا مِنْهَا على الْمجَاز وَهَؤُلَاء هم الْجَهْمِية المشهورون وَأما الدرجَة الثَّالِثَة فهم الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية لَكِن فيهم نوع من التجهم كَالَّذِين يقرونَ بأسماء الله وَصِفَاته فِي الْجُمْلَة لَكِن يردون طَائِفَة من أَسْمَائِهِ وَصِفَاته الخبرية وَغير الخبرية إِلَى آخر مَا ذكره رَحمَه الله تَعَالَى وَقد تقدم مَا ذكره شيخ الاسلام فِي مَوضِع آخر والجهم هُوَ
следующие страницы →