Полный текст (378 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
يرتمى إِلَى أَنه لَا جسم إِلَّا فِي مَكَان بِنَاء على الشَّاهِد وَإِن شهد الْعقل بِأَن الْعَالم لَا فِي مَكَان لكَون الْبُرْهَان قد دلّ على نهايته بل وَقد يشْتَد وهم بعض النَّاس بِحَيْثُ يقْضى بِهِ على الْعقل وَذَلِكَ كمن ينفر عَن الْمبيت فِي بَيت فِيهِ ميت لتوهمه أَنه يَتَحَرَّك أَو يقوم وان كَانَ عقله يقْضى بانتقاء ذَلِك فَإِذا اللبيب من ترك الْوَهم جانبا وَلم يتَّخذ غير الْبُرْهَان وَالدَّلِيل صاحبا وَإِذا عرف أَن مُسْتَند ذَلِك لَيْسَ إِلَّا مُجَرّد الْوَهم فطريق كشف الخيال إِنَّمَا هُوَ بِالنّظرِ فِي الْبُرْهَان فَإنَّا قد بَينا أَنه لَا بُد من مَوْجُود هُوَ مبدأ الكائنات وَبينا أَنه لَا جَائِز أَن يكون لَهُ مثل من الموجودات شَاهدا وَلَا غَائِبا وَمَعَ تَسْلِيم هَاتين القاعدتين يتَبَيَّن أَن مَا يفضى بِهِ الْوَهم لَا حَاصِل لَهُ ثمَّ وَلَو لزم أَن يكون جسما كَمَا فِي الشَّاهِد للَزِمَ أَن يكون حَادِثا كَمَا فِي الشَّاهِد وَهُوَ مُمْتَنع لما سبق
وَلَيْسَ هُوَ أَيْضا عرضا وَإِلَّا لافتقر إِلَى مقوم يقومه فِي وجوده إِذْ الْعرض لَا معنى لَهُ إِلَّا مَا وجوده فِي مَوْضُوع وَذَلِكَ أَيْضا محَال وَلَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ الْعَدَم لَا سَابِقًا وَلَا لاحقا وَإِلَّا كَانَ بِاعْتِبَار ذَاته مُمكنا وَلَو كَانَ مُمكنا لافتقر فِي وجوده إِلَى مُرَجّح كَمَا مضى
فَإِذا قد ثَبت أَن البارى تَعَالَى لَيْسَ بجوهر وَلَا جسم وَلَا عرض وَلَا مُحدث
стр. 177
بل أبدي لم يزل وسرمدى لَا يزَال وَهُوَ مَعَ ذَلِك لَا تحله الحادثات وَلَا تقوم بِهِ الكائنات وللمتكلم فِي ذَلِك مسالك
المسلك الاول
هُوَ انهم قَالُوا لَو حجز قيام الْحَوَادِث بِذَات البارى تَعَالَى لاستحال خلوه عَنْهَا وَمَا اسْتَحَالَ خلوه عَن الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث والبارى مُسْتَحِيل أَن يكون حَادِثا
وَاعْلَم أَن هَذَا المسلك ضَعِيف جدا وَذَلِكَ أَنه وان تسومح بِتَسْلِيم أَن مَالا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث حَادث لَكِن لَا يلْزم من كَون البارى تَعَالَى قَابلا للحوادث أَن لَا يَخْلُو عَنْهَا
فَإِن قيل إِن مَا قبل شَيْئا من الْحَوَادِث فَهُوَ قَابل لضده وضد الْحَادِث حَادث وَمهما كَانَ قَابلا لضده فَهُوَ لَا يَخْلُو عَن أَحدهمَا فَلَو كَانَ البارى قَابلا للارادة الْحَادِثَة لم يخل عَنْهَا أَو عَن ضدها وَمهما لم يخل عَن احدهما وهما حادثان لم يخل من الْحَوَادِث وَكَذَا الْكَلَام فِي القَوْل الْحَادِث أَيْضا
قُلْنَا الْغَلَط إِنَّمَا نَشأ من الْجَهْل بمدلول لفظ الضِّدّ وَعند الشكف عَنهُ يتَبَيَّن الْحق من الْبَاطِل فَنَقُول الضدان فِي اصْطِلَاح الْمُتَكَلّم عبارَة عَمَّا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي شئ وَاحِد من جِهَة وَاحِدَة وَقد يكونَانِ وجوديين كَمَا فِي السوَاد وَالْبَيَاض وَقد يكون أَحدهمَا سلبا وعدما كَمَا فِي الْوُجُود والعدم فعلى هَذَا إِن قيل للإرادة ضد فَلَيْسَ ضدها إِلَّا عدمهَا وسلبها وَكَذَا فِي القَوْل أَيْضا والعدم الْمَحْض لَا يُوصف بِكَوْنِهِ قَدِيما وَلَا حَادِثا
стр. 178
وَلَا شَاهدا وَلَا غَائِبا فَإِذا لَيْسَ كل مَا هُوَ ضد للحادث يكون حَادِثا ثمَّ وَلَو قدر أَن ضد الْإِرَادَة وَالْقَوْل لَيْسَ إِلَّا أمرا وجوديا فَلَا يلْزم أَن يكون حَادِثا بِمَعْنى ان وجوده بعد الْعَدَم لكَونه ضِدّه حَادِثا بل جَازَ أَن يكون قَدِيما بِمَعْنى أَنه لَا أول لوُجُوده لَا بِمَعْنى أَن وجوده لَيْسَ بمعلول وَيكون منشأ وجوده نقضا لوُجُوده إِلَى عَدمه وَذَلِكَ المنشأ هُوَ منشأ وجود ضِدّه وَهَذَا مِمَّا لَا يتقاصر عَن قَول أهل الْحق إِن منشأ عدم الْعَالم فِي الْقدَم إِلَى حِين وجوده هُوَ منشأ وجوده فِي وَقت وجوده
الْمسك الثانى
أَنهم قَالُوا لَو قَامَت بِذَاتِهِ صفة حَادِثَة لَا تصف بهَا وتعدى إِلَيْهِ حكمهَا وَذَلِكَ كَالْعلمِ فَإِنَّهُ إِذا قَامَ بِمحل وَجب اتصافه بِكَوْنِهِ عَالما وَكَذَا فِي سَائِر الْأَعْرَاض الْقَائِمَة بمحالها وَسَوَاء كَانَ الْمحل قَدِيما أَو حَادِثا إد القَوْل بالتفرقة بَينهمَا مَحْض جَهَالَة وَلبس فَإِنَّهُ لَا فرق بَين الْقَدِيم والحادث فِيمَا يرجع إِلَى كَونه مَوْصُوفا قَامَت بِهِ صفة إِلَّا فِيمَا يرجع إِلَى الْحُدُوث والقدم وَذَلِكَ مِمَّا لَا أثر لَهُ وَإِذا لزم عود حكم الصّفة إِلَيْهِ بِحَيْثُ يَصح القَوْل بِكَوْنِهِ مرِيدا بِإِرَادَة وقائلا بقول فقد ثَبت لَهُ مَا لم يكن لَهُ أَولا وَذَلِكَ تغير وتبدل وَإِذا جَازَ عَلَيْهِ التَّغَيُّر استدعى مغير وَذَلِكَ يفضى إِلَى كَون البارى مفتقرا إِلَى غَيره وَهُوَ مُتَعَذر
قَالُوا وَلَا يلْزم على مَا ذَكرْنَاهُ الْخلق فَإِنَّهُ غير قَائِم بِذَاتِهِ إِذْ لَا فرق بَينه وَبَين الْمَخْلُوق
وَهَذَا الطَّرِيق أَيْضا من النمط الأول فِي الْفساد وَذَلِكَ ان قَائِله وان كَانَ مِمَّن يَقُول
стр. 179
بالاحوال لكنه يعْتَرف بِكَوْنِهَا زَائِدَة على الذَّات وَحُصُول أَمر زَائِد على الذَّات للذات مِمَّا لَا يُوجب افتقار الذَّات إِلَى غَيرهَا وان كَانَ ذَلِك الشئ الْحَاصِل حَادِثا نعم غَايَة مَا يقدر افتقار الْحَاصِل إِلَى مُرَجّح والمرجح لَا يستدعى أَن يكون خَارِجا عَن لذات بل للخصم أَن يَقُول الْمُرَجح إِنَّمَا هُوَ الذَّات بِالْقُدْرَةِ والمشيئة الأزلية كَمَا كَانَت مرجحة الصّفة الْمُوجبَة لهَذَا الحكم الْحَاصِل وَهَذَا مِمَّا لَا محيص عَنهُ إِلَّا بالتعرض إِلَى ابطال القَوْل بِكَوْن الذَّات مرجحة بِالْقُدْرَةِ والمشيئة بطرِيق آخر وَفِيه خُرُوج عَن خُصُوص هَذَا الطَّرِيق إِلَى مَا هُوَ مُسْتَقل بإفادة الْمَقْصُود
فَإِن قيل إِذا صلح أَن تكون ذَات وَاجِب الْوُجُود مرجحة بِالْقُدْرَةِ والمشيئة جَازَ أَن تجْعَل مرجحة لكل مُحدث إِذْ لَا فرق بَين الْحَادِث والمحدث من حَيْثُ أَنه لم يكن فَكَانَ وَإِن افترق من حَيْثُ أَن احدهما صفة وَالْآخر خَارج وَذَلِكَ مِمَّا لَا يثير خيالا وَإِذا صلح أَن يكون الْمُرَجح للمحدثات الْقُدْرَة الْقَدِيمَة والمشيئة الأزلية فَلَا حَاجَة إِلَى الْحَادِث الذى هُوَ القَوْل والإرادة
قُلْنَا وَهَذَا ايضا مِمَّا لَا يثير غبارا على وَجه الْكَلَام وَذَلِكَ أَنه وَإِن قدر صلاحيته لإحداث المحدثات فَلَا يلْزم أَن لَا يُضَاف إِلَيْهِ إِحْدَاث صفة فِي ذَاته من كَونه صاحا أَن يحدث المحدثات وَلَيْسَ هَذَا فِي ضرب الْمِثَال الا كَمَا لَو قَالَ الْقَائِل إِنَّه إِذا كَانَ صَالحا لإيجاد الْإِنْسَان ينبغى إِلَّا يكون موجدا للْفرس وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الركاكة والشناعة
وَمَا قيل من أَنه لَا فَائِدَة فِي إيجاده فمتهافت فَم تهافت أَيْضا فَإِنَّهُ مَعَ مَا فِيهِ من الركاكة ومحض الدَّعْوَى وَالْقَوْل بِوُجُوب رِعَايَة الصّلاح وَالْغَرَض يلْزم عَلَيْهِ سَائِر المحدثات فَإِنَّهُ غير متقاصر فِي وحوده عَنْهَا فَمَا هُوَ الِاعْتِذَار عَن أيجاد المحدثات هُوَ الِاعْتِذَار عَن إِيجَاد الحادثات
стр. 180
فَإِن قيل وَلم لَا وَقع الِاكْتِفَاء فِي إِيجَاد المحدثات بِمَا اسْتندَ إِلَيْهِ الْحَادِث كَانَ ذَلِك مَحْض مُطَالبَة واسترشاد وخروجا عَمَّا وَقع الشُّرُوع فِي الْكَلَام بصدده وَهُوَ إبِْطَال قيام الْحَوَادِث بِذَات الرب تَعَالَى
المسلك الثَّالِث
هُوَ أَنهم قَالُوا إِن كَانَ قَوْله وارادته من نوع اقوالنا وإرادتنا فَمَا يحصل بقوله وإرادته وَجب أَن يحصل بأقوالنا وإرادتنا لكَون الْجَمِيع من نوع وَاحِد وَحَيْثُ لم يحصل بأقوالنا وإرادتنا وَجب أَن لَا يحصل بقوله وارادته
قَالُوا وَلَا يصلح أَن يفرق بِأَن أَقْوَاله وارادته حَاصِلَة بِالْقُدْرَةِ الْقَدِيمَة والمشيئة الأزلية وَلَا كَذَلِك أقوالنا وإرادتنا فان هَذَا فِي الْحَقِيقَة لَا يصلح أَن يكون فرقا إِذْ الْفرق بَين الشَّيْئَيْنِ يجب أَن يكون بِأَمْر يعود إِلَى نفسيهما لَا إِلَى نسبتهما وان قيل إِن الإيجاد إِنَّمَا يحصل بالإرادة أَو القَوْل مَعَ الْقُدْرَة فالقدرة كَافِيَة فِي الإيجاد فَلَا حَاجَة إِلَى غَيرهَا ثمَّ لم لَا جَائِز أَن تحصل إرادتنا وأقوالنا مَعَ ضميمة الْقُدْرَة مُوجبَة الإحداث أَيْضا إِذْ لَا فرق بَين أَن يُضَاف إِلَى الْقُدْرَة قَوْله أَو قَوْلنَا وارادته وارادتنا لِكَوْنِهِمَا من نوع وَاحِد
وَهَذَا المسلك أَيْضا مِمَّا لَا يقوى وَذَلِكَ لِأَن مَا نثبته نَحن من الصِّفَات الْقَدِيمَة للرب تَعَالَى إِن اعترفنا بِأَنَّهَا من نوع صفاتنا فالإلزام لخصومنا لَازم علينا أَيْضا وان لم نقل بِكَوْنِهَا من نوع صفاتنا فقد بَطل الْإِلْزَام أَيْضا وان قدر اشتراكهما فِي الْحُدُوث إِذْ لَيْسَ الِاشْتِرَاك فِي شئ مَا بَين شَيْئَيْنِ يُوجب الِاشْتِرَاك فِي الْحَقِيقَة كَمَا لَا يخفى ثمَّ وَلَو قدر امْتنَاع اضافة المحدثات إِلَى الصّفة الْحَادِثَة فَذَلِك لَا يُوجب امْتنَاع قيام الْحَوَادِث بِذَات الرب تَعَالَى
стр. 181
المسلك الرَّابِع
قَالُوا لَو جَازَ قيام الْحَوَادِث بِذَات الرب فَلَا بُد أَن يكون قَاصِدا لمحل حدوثها وَمحل حدوثها لَيْسَ إِلَّا ذَاته فَيجب أَن يكون قَاصِدا لذاته وَالْقَصْد إِلَى الشئ يستدعى كَونه فِي الْجِهَة وَهُوَ محَال ثمَّ ولجاز قيام كل حَادث بِهِ وَهُوَ مُتَعَذر
وَهَذَا المسلك أَيْضا مِمَّا يلْتَحق بِمَا مضى فِي الْفساد وَذَلِكَ أَنه إِن أُرِيد بِالْقَصْدِ الْعلم فَذَلِك مِمَّا لَا يُوجب كَون الْمَقْصُود فِي الْجِهَة وَإِن أُرِيد بِهِ غير هَذَا فَهُوَ مِمَّا لَا يُسلمهُ الْخصم ثمَّ انه ان افْتقر الْقَصْد عِنْد إِيجَاد الْحَوَادِث إِلَى كَونهَا فِي جِهَة فَيلْزم أَن يكون القاصد أَيْضا فِي جِهَة لضَرُورَة ان الْقَصْد إِلَى الْجِهَة مِمَّن لَيْسَ فِي جِهَة أَيْضا محَال وَذَلِكَ يفضى إِلَى كَون البارى تَعَالَى فِي جِهَة عِنْد خلق الْأَعْرَاض الْخَارِجَة عَن ذَاته وَلَا محيص عَنهُ فَمَا بِهِ الِاعْتِذَار هَهُنَا يكون بِهِ الِاعْتِذَار للخصم ثمَّ وَالْقَوْل بِأَنَّهُ إِذا قيل حَادِثا لزم قبُوله لكل حَادث لَا يخفى مَا فِيهِ من التحكم وَمُجَرَّد الاسترسال مِمَّا لَيْسَ بمقبول وَلَا مَعْقُول
وَقد ذكر فِي هَذَا الْبَاب مسالك أخر فَسَادهَا أظهر من أَن يخفى فَلِذَا آثرنا الاعراض عَن ذكرهَا
فالرأى الْحق والسبيل الصدْق وَالْأَقْرَب إِلَى التَّحْقِيق أَن يُقَال لَو جَازَ قيام الْحَوَادِث بِهِ لم يخل عِنْد اتصافه بهَا اما أَن توجب لَهُ نقصا أَو كمالا أَو لَا نقص وَلَا كَمَال لَا جَائِز أَن يُقَال بِكَوْنِهَا غير مُوجبَة للكمال وَلَا النُّقْصَان فَإِن وجود الشئ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَفسه أشرف لَهُ من عَدمه فَمَا اتّصف بِوُجُود الشئ لَهُ وَهُوَ مِمَّا لَا يُوجب فَوَات
стр. 182
الْمَوْصُوف وَلَا فَوَات كَمَال لَهُ وَبِالْجُمْلَةِ لَا يُوجب لَهُ نقصا فَلَا محَالة أَن اتصافه بِوُجُود ذَلِك الْوَصْف لَهُ أولى من اتصافه بِعَدَمِهِ لضَرُورَة كَون الْعَدَم فِي نَفسه مشروفا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُقَابِله من الْوُجُود والوجود أشرف مِنْهُ وَمَا أتصف بأشرف الْأَمريْنِ من غير أَن يُوجب لَهُ فِي ذَاته نقصا تكون نِسْبَة الْوُجُود إِلَيْهِ فِيمَا يرجع إِلَى النَّقْص والكمال على نَحْو نِسْبَة مُقَابِله من الْعَدَم وَلَا محَالة أَن كَانَت نسبته إِلَى وجود ذَلِك الْوَصْف أشرف مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَدمه وَلَا جَائِز أَن يُقَال إِنَّهَا مُوجبَة لكماله والا لوَجَبَ قدمهَا لضَرُورَة ان لَا يكون البارى نَاقص مُحْتَاجا إِلَى نَاحيَة كَمَال فِي حَال عدمهَا فبقى أَن يكون اتصافه بهَا مِمَّا يُوجب القَوْل بنقصه بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَاله قبل ان يَتَّصِف بهَا وبالنسبة إِلَى مَا لم يَتَّصِف بهَا من الموجودات ومحال أَن يكون الْخَالِق مشروفا أَو نَاقِصا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَخْلُوق وَلَا من جِهَة مَا كَمَا مضى
فَإِن قيل لَو لم يكن قَابلا للحوادث فَعِنْدَ وجود المسموعات والمبصرات إِمَّا أَن يسْمعهَا ويبصرها أَو لَيْسَ لَا جَائِز أَن يُقَال إِنَّه لَا يسْمعهَا وَلَا يبصرها إِذْ هُوَ خلاف المذهبين وَإِن أبصرهَا وسمعها فَلَا محَالة أَن حُصُول ذَلِك لَهُ بعد مَا لم يكن والا كَانَت المسموعات والمبصرات قديمَة لَا محَالة فَلَو لم يكن قَابلا للحوادث حَتَّى يخلق فِي ذَاته سمعا وبصرا يكون بِهِ الْإِدْرَاك والا لما كَانَ مدْركا وَهُوَ محَال
قُلْنَا دَعْوَى إِدْرَاكه المدركات بعد مَا لم يكن مدْركا إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ أَنه لم يكن لَهُ إِدْرَاك فَصَارَ لَهُ إِدْرَاك أَو يُقَال بقدم الْإِدْرَاك وتجدد تعلقه بالمدرك فَإِن قيل بِالْأولِ فَهُوَ محز الْخلاف وَمَوْضِع الاعتساف فَمَا بَال الْخصم مسترسلا بِالدَّعْوَى من غير دَلِيل مَعَ
стр. 183
مَا قد عرف أَن من أصولنا كَونه سميعا بَصيرًا فِيمَا لم يزل والمتجدد لَيْسَ إِلَّا تعلق الْإِدْرَاك بالمدركات إِذْ شَرط تعلق الْإِدْرَاك بالمدركات وجود المدركات فَإِذا وجدت تعلق بهَا أما أَن يكون المتجدد هُوَ نفس الْإِدْرَاك فَلَا يخفى أَن مَا قضى بتجدده لَيْسَ صفة قَائِمَة بِذَات الرب تَعَالَى فتجدده لَا يلْزم مِنْهُ محَال
وَلَيْسَ القَوْل بِوُجُود الْإِدْرَاك مَعَ عدم الْمدْرك بمستبعد فانه لَا يتقاصر عَن قَول الْخصم بِأَن مَا يحصل بِهِ الْإِدْرَاك من الصّفة الْحَادِثَة فِي الذَّات يبْقى وَإِن زَالَت المدركات وعدمت على مَا عرف من أَصله وَمَعَ الِاعْتِرَاف بِجَوَاز الاتصاف بالإدراك وان زَالَ الْمدْرك لَا يرد الْإِشْكَال إِذْ لَا فرق عِنْد كَون الشئ مدْركا مَعَ عدم الْمدْرك بَين ان يكون الْمدْرك قد تحقق لَهُ وجود أم لَا على نَحْو مَا حققناه فِي الْعلم
وَإِذا ثَبت امْتنَاع قيام الْحَوَادِث بِذَات الرب تَعَالَى فقد بنى بعض الْأَصْحَاب على ذَلِك امْتنَاع كَونه فِي الْجِهَة وصيغته أَن قَالَ
لَو كَانَ البارى فِي جِهَة لم تخل الْجِهَة إِمَّا أَن تكون مَوْجُودَة أَو مَعْدُومَة فَإِن كَانَت مَعْدُومَة فَلَا جِهَة إِذْ لَا فرق بَين قَوْلنَا إِنَّه فِي جِهَة مَعْدُومَة وَبَين قَوْلنَا إِنَّه لَا فِي جِهَة إِلَّا فِي مُجَرّد اللَّفْظ وَلَا نظر إِلَيْهِ
стр. 184
وَأما إِن كَانَت الْجِهَة مَوْجُودَة فهى إِمَّا قديمَة اَوْ حَادِثَة لَا جَائِز أَن تكون قديمَة وَإِلَّا أفْضى إِلَى اجْتِمَاع قديمين وَهُوَ محَال وَمَعَ كَونه محالا فَهُوَ خلاف مَذْهَب الْخصم وَلَا جَائِز ان تكون حَادِثَة وَإِلَّا كَانَ البارى محلا للحوادث وَهُوَ محَال
وَلَا يخفى مَا فِي هَذَا المسلك من التهافت فَإِنَّهُ وَإِن سلم أَن الْجِهَة مَوْجُودَة وانها لَيست قديمَة بل حَادِثَة وانه يَسْتَحِيل قيام الْحَوَادِث بِذَات الرب تَعَالَى فَلَا يلْزم من كَونه فِي الْجِهَة وَمن كَونهَا حَادِثَة ان تكون حَالَة فِي ذَاته وان تكون ذَاته محلا لَهَا بل الْمَعْنى بِكَوْنِهِ فِي الْجِهَة عِنْد الْخصم غير خَارج عَن النِّسْبَة الإضافية والأمور التقديرية وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُوجب قيام صفة بِالذَّاتِ إِذْ لَا يلْزم من كَون شَيْئَيْنِ وجود أَحدهمَا مُضَاف إِلَى وجود الآخر من جِهَة مَا أَن يكون أَحدهمَا قَائِما بِالْآخرِ أصلا وَهُوَ على نَحْو كَونه خَالِقًا ومبدعا وَغير ذَلِك
وَلِهَذَا لما تخيل بعض الْأَصْحَاب فَسَاد هَذَا الطَّرِيق وانحرافه عَن جادة التَّحْقِيق مر فِي القَوْل بنفى الْجِهَة إِلَى مَسْلَك آخر وَقَالَ
لَو كَانَ فِي جِهَة لم يخل اما أَن يكون فِي كل جِهَة أَو فِي جِهَة وَاحِدَة فَإِن كَانَ فِي كل جِهَة فَلَا جِهَة لنا الا والرب فِيهَا وَهُوَ محَال وَإِن كَانَ فِي جِهَة مَخْصُوصَة فإمَّا أَن يَسْتَحِقهَا لذاته أَو لمخصص لَا جَائِز أَن يَسْتَحِقهَا لذاته إِذْ نِسْبَة سَائِر الْجِهَات اليه على وتيرة وَاحِدَة فَإِذا لَا بُد من مُخَصص وَإِذ ذَاك فالمحال لَازم من وَجْهَيْن
стр. 185
الأول أَن الْمُخَصّص إِمَّا أَن يكون قَدِيما أَو حَادِثا فان كَانَ قَدِيما لزم مِنْهُ اجْتِمَاع قديمين وَهُوَ محَال وان كَانَ حَادِثا استدعى فِي نَفسه مُخَصّصا آخر وَذَلِكَ يفضى إِلَى التسلسل وَهُوَ مُمْتَنع
الْوَجْه الثانى هُوَ أَن الِاخْتِصَاص بالجهة صفة للرب تَعَالَى قَائِمَة بِذَاتِهِ وَلَو افْتَقَرت إِلَى مُخَصص لكَانَتْ فِي نَفسهَا مُمكنَة لِأَن كل مَا افْتقر فِي وجوده إِلَى غَيره فَهُوَ بِاعْتِبَار ذَاته مُمكن وَذَلِكَ يُوجب كَون البارى مُمكنا بِالنِّسْبَةِ إِلَى بعض جهاته وَالْوَاجِب بِذَاتِهِ يجب أَن يكون وَاجِبا من جَمِيع جهاته
وَلَا يخفى مَا فِي هَذَا المسلك من الاسترسال فَإِنَّهُ لَا يلْزم من كَونه فِي جِهَة امْتنَاع وجودنا فِيهَا إِلَّا على رأى من يزْعم ان كَونه فِي الْجِهَة كَون الأجرام وَأما على رأى من لم يقل بذلك فَلَا وَلَا ينافى وجوده فِي أى جِهَة قدر وجود غَيره بل وَقَول الْخصم هَهُنَا لَا يتقاصر عَن القَوْل بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاة بَين وجود الْجَوَاهِر والاعراض فِي حيّز وَاحِد مَعَ ان الْوُجُود لَهما عينى وهما متحيزان وان قدر أَن التحيز للعرض عَارض
وَمَا قيل من أَنه لَو كَانَ بِجِهَة مُعينَة لاستدعى مُخَصّصا فَذَلِك مِمَّا لَا يُنكره الْخصم وَلَكِن القَوْل بِأَنَّهُ لَو كَانَ الْمُخَصّص قَدِيما لأفضى إِلَى اجْتِمَاع قديمين فَإِنَّمَا يلْزم أَن لَو لم يكن الْمُخَصّص هُوَ نفس وَاجِب الْوُجُود اما إِذا كَانَ نَفسه فَلَا كَمَا حققنا فِيمَا مضى وَلَا يلْزم من كَون الْمُخَصّص قَدِيما أَن يكون مَا خصص بِهِ أَيْضا قَدِيما الا أَن يكون مُخَصّصا لَهُ بِذَاتِهِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَقُول بِهِ الْخصم بل تَخْصِيصه بِهِ انما هُوَ على نَحْو تَخْصِيص سَائِر
стр. 186
المحدثات واستدعاء الْمُخَصّص انما يلْزم مِنْهُ كَون البارى وَاجِبا من جِهَة وممكنا من جِهَة أَن لَو قيل بِأَن الِاخْتِصَاص بالجهة صفة نفسية وَلَيْسَ كَذَلِك بل لقَائِل أَن يَقُول إِنَّهَا صفة إضافية وَكَون الصّفة الإضافية تستدعى مُخَصّصا لَا يُوجب أَن يكون الْمُضَاف فى نَفسه مُمكنا ثمَّ وَلَو قدر أَنه بِالْإِضَافَة إِلَى بعض صِفَاته مُمكن فالمحال انما يلْزم أَن لَو كَانَ الْمُرَجح لَهُ من تِلْكَ الْجِهَة امرا خَارِجا عَن ذَاته وَلَيْسَ كَذَلِك كَمَا أوضحناه وَلَا محَالة ان هَذِه القوادح مِمَّا يعسر الْجَواب عَنْهَا جدا
فَإِذا الْوَاجِب أَن يُقَال لَو كَانَ البارى فِي جِهَة لم يخل إِمَّا أَن يكون متحيزا بهَا اَوْ لَيْسَ فان لم يكن متحيزا بهَا وَلَا هُوَ مِمَّا تحيطه الأبعاد والامتدادات وَلَا هُوَ وَاقع فِي مسامتة الغايات والنهايات فَلَا معنى لكَونه فِيهَا الا من جِهَة اللَّفْظ وَلَا حَاصِل لَهُ وان كَانَ متحيزا بهَا لزم أَن يكون جوهرا فَإِن من نظر إِلَى مَا هُوَ قَابل للتحيز بِجِهَة من الْجَوَاهِر علم أَن قبُوله لَهَا اما لذواتها ولكونها جَوَاهِر أَو لصفة قَائِمَة بهَا وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ يجب أَن يكون البارى قَابلا للتحيز بِاعْتِبَار مَا قبل بِهِ غَيره التحيز من الْجَوَاهِر فَإِنَّهُ إِن قبله بِاعْتِبَار أَمر آخر فَذَلِك الْأَمر الآخر اما ان يكون مُخَالفا للقابل من كل وَجه أَو من وَجه دون وَجه فَإِن كَانَ مُخَالفا لَهُ من كل وَجه فيستحيل أَن
стр. 187
يتَّفقَا فِي قبُول حكم وَاحِد وتأثير وَاحِد فَإِنَّهُ مهما لم يكن بَين الْقَابِل والمقبول مُنَاسبَة طبيعية بهَا يكون أَحدهمَا قَابلا وَالْآخر مَقْبُولًا والا لما تصور من الْمُبْدع اقْتِضَاء قيام أَحدهمَا بِالْآخرِ لَا بالإرادة وَلَا بالطبع كَمَا لَا يتَصَوَّر مِنْهُ اقْتِضَاء قيام الْجَوْهَر بِالْعرضِ والسواد بالبياض وَالْبَيَاض ب بِالسَّوَادِ واذا لم يكن بُد من الْمُنَاسبَة الطبيعية بَين الْقَابِل والمقبول فالشيئان المختلفات من كل وَجه ان قَامَت بِأَحَدِهِمَا أى مُنَاسبَة طبيعية اسْتَحَالَ أَن يكون الآخر مناسبا لَهُ من تِلْكَ الْجِهَة والا كَانَ مماثلا لَهُ من جِهَة مَا فِيهِ من الْمُنَاسبَة وَهُوَ خلاف الْفَرْض وان كَانَ مُخَالفا لَهُ من وَجه وموافقا لَهُ من وَجه فَلَا بُد وَأَن يكون الْقبُول بِاعْتِبَار مَا بِهِ الِاشْتِرَاك والإ لزم الْمحَال السَّابِق وَهُوَ مُمْتَنع
وعَلى هَذَا فَإِن كَانَ قبُول مَا فرض قبُوله للتحيز من الْجَوَاهِر لذاتها ولجوهرها لزم أَن يكون البارى جوهرا وَهُوَ مُمْتَنع لما مضى وان كَانَ بِاعْتِبَار صفة قَائِمَة بِهِ وَهُوَ قَابل لَهَا فَلَا بُد وَأَن تكون تِلْكَ الصّفة قَائِمَة بِذَات الرب لضَرُورَة مَا حققناه وَعند ذَلِك فقبول الْجَوْهَر لتِلْك الصّفة إِمَّا لذاته اَوْ لصفة أُخْرَى فان كَانَ لصفة اخرى فإمَّا أَن يتسلسل الْأَمر إِلَى غير النِّهَايَة أَو ينتهى إِلَى صفة قبُولهَا لَيْسَ الا لذات مَا قَامَت بِهِ من الْجَوْهَر لَا جَائِز أَن يُقَال بِالْأولِ لما فِيهِ من الِامْتِنَاع وان قيل بالثانى لزم تناهى ذَات وَاجِب الْمَوْجُود وَذَلِكَ مَعَ مَا أوجبناه من الِاشْتِرَاك فِي الْقَابِل يُوجب جعل ذَات وَاجِب الْوُجُود جوهرا لكَون مَا انْتهى إِلَيْهِ قبُول التحيز من الْجَوَاهِر جوهرا لَكِن البارى لَيْسَ بجوهر كَمَا سلف فَلَيْسَ فِي جِهَة
وَمَا يخيل من الِاشْتِرَاك فِي قبُول الْوُجُود وَغَيره من الصِّفَات كَالْعلمِ وَالْقُدْرَة وَنَحْوه بَين الْخَالِق والمخلوق مَعَ اخْتِلَاف حَقِيقَة الْقَابِل فمؤذن بقصور المتمسك بِهِ عَن بُلُوغ كَمَال
стр. 188
آلَات الإدراكات ومصوت عَلَيْهِ بعجزه عَن الارتقاء إِلَى دَرَجَة النّظر فِي المعقولات فَإِنَّهُ إِن اعْتقد أَن الْوُجُود نفس الْمَوْجُود وَأَنه لَيْسَ بزائد عَلَيْهِ فَلَا يخفى أَن الِاشْتِرَاك لَيْسَ إِلَّا فِي التَّسْمِيَة دون الْمَعْنى والإشكال إِذْ ذَاك يكون مندفعا وان قدر أَنه زَائِد على نفس الْمَوْجُود فَالْوَاجِب أَن يعْتَقد اختلافه فِي نَفسه عِنْد اخْتِلَاف قوابله لما مهدناه وَأَن لَا يلْتَفت إِلَى مَا وَقع بِهِ الِاشْتِرَاك فِي الِاسْم وَكَذَا فِي كل صفة يتخيل الْمُشَاركَة فِيهَا بَين الْخَالِق والمخلوق وان لَا يعول على من قصر فهمه وتبلد طبعه عَن دَرك كل مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ من التَّحْقِيق وَنَبَّهنَا عَلَيْهِ من التدقيق
فَإِن قيل لَا محَالة ان كل شَيْئَيْنِ قاما بانفسهما بِحَيْثُ لَا يكون احدهما محلا للْآخر فإمَّا ان يَكُونَا متصلين أَو منفصلين وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا بُد وان يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا بِجِهَة من الآخر والبارى والعالم كل وَاحِد قَائِم بِنَفسِهِ فإمَّا أَن يَكُونَا متصلين أَو منفصلين وَرُبمَا أورد عبارَة أُخْرَى فَقيل إِمَّا أَن يكون قد خلق الْعَالم فِي ذَاته أَو خَارِجا عَن ذَاته لَا جَائِز أَن يكون فِي ذَاته والا كَانَ محالا للحوادث وان كَانَ خَارِجا عَن ذَاته فَهُوَ فِي جِهَة مِنْهُ وَرُبمَا قيل إِنَّه لَو كَانَ فِي غير جِهَة لبطل أَن يكون دَاخل الْعَالم وخارجه وَإِثْبَات لوُجُود هَذَا حَاله غير مَعْقُول وَأَيْضًا فَإنَّا اتفقنا على أَنه ذُو صِفَات قَائِمَة بِذَاتِهِ وَمن الْمَعْلُوم أَن الصِّفَات لَيْسَ حيثها الا حَيْثُ وجود الذَّات فَإِن الْقَائِم بِغَيْرِهِ لَا يكون لَهُ حَيْثُ الا حَيْثُ مَا قَامَ بِهِ فاذا حَيْثُ الصِّفَات انما هُوَ حَيْثُ الذَّات وَذَلِكَ يُوجب كَون وَاجِب الْوُجُود ذ ذَا حَيْثُ وجهة
وَالْجَوَاب أما الِانْفِصَال عَمَّا ذكر أَولا من الاشكال فقد قَالَ بعض المنتسبين إِلَى التَّحْقِيق إِن حَاصله يرجع إِلَى المصادرة على الْمَطْلُوب فِي الدَّلِيل مَعَ تَغْيِير فِي اللَّفْظ
стр. 189
وَذَلِكَ أَن المباينة والمجامعة لَا تكون الا من لَوَازِم المتحيزات وَذَوَات الْجِهَات فاذا قيل إِنَّه مباين أَو مجامع فَهُوَ نفس المصادرة على الْمَطْلُوب
وَلَيْسَ هَذَا عِنْد التَّحْقِيق مصادرة لِأَن المصادرة على الْمَطْلُوب هُوَ أَن يُؤْخَذ الْمَطْلُوب بِعَيْنِه وَيجْعَل مُقَدّمَة قياسية بِلَفْظ مرادف مشْعر بالمغيارة بَين الْمُقدمَة وَالْمَطْلُوب وَالْمَطْلُوب فِيمَا عرضه إِنَّمَا هُوَ كَونه فِي جِهَة أم لَا وَلَيْسَ الْجِهَة هى نفس الِاتِّصَال وَلَا نفس الِانْفِصَال بل هى قَابِلَة للاتصال والانفصال والانفصال والاتصال كل وَاحِد مِنْهُمَا لَا يقبل الآخر وَلِهَذَا يَصح أَن نعقل الْجِهَة ثمَّ نعقل بعد ذَلِك كَونهَا مُتَّصِلَة أَو مُنْفَصِلَة وَإِذا كَانَ الِاتِّصَال والإنفصال غير الْجِهَة الَّتِى هى نفس الْمَطْلُوب فالمأخوذ فِي الدَّلِيل إِنَّمَا هُوَ غير الْمَطْلُوب لَا عينه فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا معنى لِلْقَوْلِ بالمصادرة هَهُنَا فَالْوَاجِب أَن يُقَال
إِنَّه إِن اريد بالإتصال والانفصال قيام أَحدهمَا بِذَات الآخر وَامْتِنَاع الْقيام فَلَا محَالة أَن البارى والعالم كل وَاحِد مِنْهُمَا مُنْفَصِل عَن الآخر بِهَذَا الِاعْتِبَار وَهُوَ مِمَّا لَا يُوجب كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي جِهَة من الآخر مَعَ امْتنَاع قبولية كل وَاحِد مِنْهُمَا لَهَا أَو امْتنَاع قبولية أَحدهمَا وَمَعَ امْتنَاع تِلْكَ القبولية فَلَا تلْزم الْجِهَة وان أُرِيد بالاتصال مَا يلازمة الِاتِّحَاد فِي الحيز والجهة وبالانفصال مَا يلازمه الِاخْتِلَاف فيهمَا وَوُقُوع الْبعد والامتداد بَينهمَا فَذَلِك إِنَّمَا يلْزم على البارى تَعَالَى ان لَو كَانَ قَابلا للتحيز والجهة والا فان لم يكن قَابلا فَلَا مَانع من خلوه عَنْهُمَا مَعًا فَإِن راموا إِثْبَات الْجِهَة بالانفصال والاتصال والخصم لَا يسلم ذَلِك الا فِيمَا هُوَ قَابل للجهة أفْضى ذَلِك إِلَى الدّور وَلَا محيص عَنهُ وَلَيْسَ لهَذَا مِثَال والا مَا لَو قَالَ الْقَائِل وجود شئ لَيْسَ هُوَ عَالم وَلَا جَاهِل محَال فَيُقَال
стр. 190
انما هُوَ محَال فِيمَا هُوَ قَابل لَهما وَكَذَا فِي كل مَا هُوَ قَابل لأخد نقيضين فان خلوه عَنْهُمَا محَال أما وجود مَا لَا يقبل وَلَا لوَاحِد مِنْهُمَا فخلوه عَنْهُمَا لَيْسَ بمحال وَذَلِكَ كَمَا فِي الْحجر وَغَيره من الجمادات وَبِهَذَا ينْدَفع مَا ذَكرُوهُ من الخيال الآخر ايضا
وَعدم التخيل لموجود هُوَ لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه على نَحْو تخيل الصُّور الْجُزْئِيَّة مَعَ كَونه مَعْلُوما بالبرهان وواجبا التَّصْدِيق بِهِ غير مُضر إِذْ لَيْسَ مَا وَجب التَّصْدِيق بِهِ بالبرهان يكون حَاصِلا فِي الخيال والا لما صَحَّ القَوْل بِوُجُود الصِّفَات الْغَيْر المحسوسة كَالْعلمِ وَالْقُدْرَة والارادة وَنَحْوه لعدم حُصُولهَا فِي الخيال وَامْتِنَاع وُقُوعهَا فِي الْمِثَال وَمَا قيل من أَن حَيْثُ الصِّفَات لَا يكون إِلَّا حَيْثُ الذَّات فَذَلِك إِنَّمَا هُوَ لما كَانَ من الصِّفَات لَهُ حَيْثُ وجهة إِذْ يَسْتَحِيل أَن تكون الصِّفَات فِي جِهَة وَحَيْثُ الا وهى فِي جِهَة مَا قَامَت بِهِ من الذَّات وَلَا يتَصَوَّر وُقُوع الْجِهَة للصفات دون الذَّات واما مَا لَا حَيْثُ لَهُ من الصِّفَات فَلَا جِهَة لَهُ وَعند ذَلِك فلزوم الْجِهَة والحيث لذات وَاجِب الْوُجُود بِالنّظرِ إِلَى حَيْثُ صِفَاته مَعَ امْتنَاع قبُولهَا للحيث محَال
وَلَعَلَّ الْخصم قد يتَمَسَّك هَهُنَا بظواهر من الْكتاب وَالسّنة وأقوال بعض الْأَئِمَّة وهى بأسرها ظنية وَلَا يسوغ اسْتِعْمَالهَا فِي الْمسَائِل القطعية فَلهَذَا آثرنا الْإِعْرَاض عَنْهَا وَلم نشغل الزَّمَان بإيرادها
وَالله ولى التَّوْفِيق
стр. 191
القانون الْخَامِس
فِي أَفعَال وَاجِب الْوُجُود ويشتمل على ثَلَاث قَوَاعِد
стр. 192
الْقَاعِدَة الاولى
فِي أَنه لَا خَالق الا الله تَعَالَى
فالذى إِلَيْهِ عِصَابَة أهل الْحق من الإسلاميين وَغَيرهم من الطوائف الْمُحَقِّقين أَنه لَا خَالق الا الله تَعَالَى وَأَن وجوب وجود مَا سواهُ لَيْسَ إِلَّا عَنهُ
وَخَالفهُم فِي ذَلِك طَائِفَة من الالهيين وَجَمَاعَة من الثنوية والمعتزلة والمنجمين
فأحرى مبدوء بِهِ إِنَّمَا هُوَ الْبَحْث عَن تَفْصِيل مَذْهَب كل فريق والاشارة إِلَى إبِْطَال مآخذهم والكشف عَن زيف مسالكهم
فمما ذهب اليه الْمعلم الأول وَمن تَابعه من الْحُكَمَاء الْمُتَقَدِّمين وَقفا أَثَره من فلاسفة الإسلاميين أَن البارى تَعَالَى وَاحِد من كل جِهَة وَأَنه لَا يلْحقهُ الانقسام والكم بِوَجْه مَا وانه لَيْسَ لذاته مبادئ يكون عَنْهَا وَلَا صفة زَائِدَة عَلَيْهَا وبنوا على ذَلِك
стр. 193
ان الْوَاحِد لَا يصدر عَنهُ إِلَّا وَاحِد وَألا فَلَو صدر عَنهُ اثْنَان لم يخل إِمَّا ان يتماثلا من كل وَجه اَوْ يختلفا من كل وَجه أَو يتماثلا من وَجه وَيخْتَلف من وَجه فان تماثلا من كل وَجه فهما شئ وَاحِد وَلَا تعدد وَلَا كَثْرَة وان اخْتلفَا من كل وَجه أَو من وَجه دون وَجه فهما فِي الْجُمْلَة مُخْتَلِفَانِ وَإِذ ذَاك فصدورهما عَمَّا هُوَ وَاحِد من كل وَجه مُمْتَنع لِأَن صدورهما عَنهُ إِمَّا أَن يكون بِاعْتِبَار جِهَة وَاحِدَة أَو بِاعْتِبَار جِهَتَيْنِ لَا جَائِز ان يُقَال بِالْأولِ إِذْ الِاخْتِلَاف مَعَ اتِّحَاد الْمُوجب محَال وَلَا جَائِز أَن يُقَال بالثانى والا فالجهات إِمَّا خَارِجَة عَن ذَاته اَوْ هى لَهُ فِي ذَاته فَإِن كَانَت خَارِجَة عَن ذَاته فَالْكَلَام فِيهَا كَالْكَلَامِ فِي الأول وَذَلِكَ يفضى إِلَى التسلسل أَو الدّور وَكِلَاهُمَا محالان وان كَانَت لذاته وَفِي ذَاته فممتنع إِذْ هُوَ وَاحِد من كل وَجه فَلم يبْق وَإِلَّا أَن يكون الصَّادِر عَنهُ وَاحِدًا لَا تعدد فِيهِ وَلَا كَثْرَة
وَلَا يجوز ان يكون ذَلِك الْوَاحِد مَادَّة وَلَا صُورَة مَادَّة إِذْ كل وَاحِدَة لَا وجود لَهَا دون الْأُخْرَى فَإنَّا لَو قَدرنَا وجود كل وَاحِدَة دون الْأُخْرَى لم تخل اما أَن تكون متحدة أَو متكثرة فان كَانَت متحدة فهى لذاتها وَمَا اتَّحد مِنْهُمَا لذاته فالكثرة عَلَيْهِ مستحيلة والمواد والصور متكثرة وَإِن كَانَت متكثرة فتكثر كل وَاحِدَة مَعَ قطع النّظر عَن الْأُخْرَى محَال كَيفَ وَإنَّهُ يلْزم أَن يكون التكثر لذاتها وَيلْزم ان لَا تتحد والوحدة عَلَيْهَا جَائِزَة فَإِذا لَا وجود لكل وَاحِدَة إِلَّا بِالْأُخْرَى وَيمْتَنع ان تكون إِحْدَاهمَا عله لِلْأُخْرَى إِذْ الْعلَّة وان كَانَت مَعَ معلولها فِي الْوُجُود فَلَا بُد وان تكون مُتَقَدّمَة عَلَيْهِ بِالذَّاتِ وَلَيْسَ وَلَا وَاحِدَة من الْمَادَّة وَالصُّورَة مُتَقَدّمَة على الْأُخْرَى بِالذَّاتِ وَلَا بُد ان تَكُونَا مستندين إِلَى مَوْجُود خَارج عَنْهُمَا وَذَلِكَ الْخَارِج لَا يجوز ان يكون مُتَعَددًا وَإِلَّا أفْضى إِلَى اجْتِمَاع الإلهين وَلَا جَائِز أَن يكون متحدا لما سبق
وكما لَا يجوز ان يكون مَادَّة وَلَا صُورَة مَادَّة فَكَذَا لَا يجوز أَن يكون نفسا فَإِن النَّفس وان لم يكن وجودهَا ماديا فَلَيْسَ إِلَّا مَعَ الْمَادَّة وَإِلَّا فَلَو كَانَ لَهَا وجود قبل مَادَّة بدنهَا لم يخل إِمَّا أَن تكون متحدة أَو متكثرة لَا جَائِز ان تكون متحدة وَإِلَّا فَعِنْدَ وجود الْأَبدَان المتعددة إِمَّا أَن تَنْقَسِم وَهُوَ محَال إِذْ المتحد لَا يَنْقَسِم واما ان تكون النَّفس الْوَاحِدَة لأبدان مُتعَدِّدَة وَهُوَ مُمْتَنع أَيْضا وَإِلَّا لاتحد النَّاس بأسرهم
стр. 194
فِي الْعلم بِمَا يُعلمهُ الْوَاحِد وَالْجهل بِمَا يجهله الْوَاحِد من حَيْثُ إِن النَّفس المدركة وَاحِدَة وَلَا جَائِز أَن تكون متكثرة قبل الْأَبدَان إِذْ الْكَثْرَة والتعدد للنَّفس بِدُونِ النّظر إِلَى الْأَبدَان وعلائقها محَال وَإِذا ثَبت أَنه لَا وجود للنَّفس إِلَّا مَعَ وجود مَادَّة بدنهَا امْتنع أَن يُقَال بصدورها عَن المبدأ الأول لما حققناه فِي الْمَادَّة وَالصُّورَة فَإِذا لَا بُد وَأَن يكون مَا صدر عَنهُ مَاهِيَّة مُجَرّدَة عَن الْمَادَّة وعلائقها وعبروا عَنهُ بِالْعقلِ الأول
وبتوسط هَذَا الْعقل يُوجد عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ جرم الْفلك الْأَقْصَى وبتوسط الْعقل الثانى يُوجد عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ جرم فلك الْكَوَاكِب وبتوسط الْعقل الثَّالِث يُوجد عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ جرم فلك زحل وبتوسط الْعقل الرَّابِع يُوجد عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ جرم فلك الْمُشْتَرى وبتوسط الْعقل الْخَامِس يُوجد عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ جرم فلك الشَّمْس وبتوسط الْعقل السَّادِس يُوجد عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ جرم فلك المريخ وبتوسط الْعقل السَّابِع يُوجد عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ جرم فلك الزهرة وبتوسط الْعقل الثَّامِن يُوجد عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ جرم فلك عُطَارِد وبتوسط الْعقل التَّاسِع يُوجد عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ جرم فلك الْقَمَر وبتوسط الْعقل الْعَاشِر وجدت العناصر والمركبات وَغير ذَلِك من الكائنات والفاسدات
стр. 195
وَأما المنجمون
فقد اعْتقد فريق مِنْهُم أَن صُدُور الكائنات وحدوث الحادثات وكل مَا يجرى فِي عَالم الْكَوْن وَالْفساد لَيْسَ إِلَّا عَن الأفلاك الدائرة وَالْكَوَاكِب السائرة وَأَنه لَا مُدبر سواهَا وَلَا مكون إلاها
وَقد تحاشى فريق مِنْهُم عَن سخف هَذِه الْحَالة وتشنيع هَذِه الْمقَالة فَقَالُوا الْمُدبر والخالق لَيْسَ إِلَّا الله تَعَالَى لَكِن بتوسط الأجرام الفلكية وَالْكَوَاكِب السماوية
وَأما الثنوية
فاعتقادهم ان مبدأ الكائنات وكل مَا فِي الْعَالم من خير وَشر ونفع وضر لَيْسَ هُوَ إِلَّا امتزاج النُّور والظلمة وأنهما أصل الْعُلُوم فَمَا يحصل من الْخَيْر فمضاف إِلَى النُّور وَمَا يحصل من الشَّرّ فمضاف إِلَى الظلمَة
لَكِن مِنْهُم من ذهب إِلَى أَن النُّور قديم والظلمة حَادِثَة عَن فكرة ردية حصلت لبَعض أَجزَاء النُّور وعبروا عَن النُّور بالبارى وَعَن الظملة بالشيطان
وَمِنْهُم من قَالَ بِأَنَّهُمَا قديمان
وَأما الْمُعْتَزلَة
فمطبقون على أَن أَفعَال الْعباد المختارين مخلوقة لَهُم وَأَنَّهَا غير دَاخِلَة فِي مقدورات الرب تَعَالَى كَمَا أَن مقدورات الرب غير دَاخِلَة فِي مقدوراتهم
стр. 196
وَقد نقل عَن القاضى ﵀ انه لم يثبت للقدرة الْحَادِثَة أثر فِي الْفِعْل بل أثبت لَهَا أثرا فِي صفة زَائِدَة على الْفِعْل كَمَا سنبينه ثمَّ اخْتلف قَوْله فِي الْأَثر الزَّائِد فَقَالَ تَارَة إِنَّه لَا اثر للقدرة الْقَدِيمَة فِيهِ اصلا وَقَالَ تَارَة بالتأثير وَأثبت مخلوقا بَين خالقين
وَقد نقل عَن الأسفرايينى أَنه قَالَ فِي نفس الْفِعْل مَا قَالَه القاضى فِي القَوْل الثانى فِي الاثر الزَّائِد
وَذهب إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي بعض تصانيفه إِلَى تَأْثِير الْقُدْرَة الْحَادِثَة فِي إِيجَاد الْفِعْل وَلم يَجْعَل للقدرة الْقَدِيمَة فِيهِ تَأْثِيرا إِلَّا بِوَاسِطَة إِيجَاد الْقُدْرَة الْحَادِثَة عَلَيْهِ
وَذهب من عدا هَؤُلَاءِ من أهل الْحق إِلَى أَن أَفعَال الْعباد مُضَافَة إِلَيْهِم بالاكتساب وَإِلَى الله تَعَالَى بالخلق والاختراع وَأَنه لَا أثر للقدرة الْحَادِثَة فِيهَا أصلا
وَإِذا عرف بالتحقيق مَذْهَب كل فريق فَلَا بُد من التَّعَرُّض إِلَى إبِْطَال مَذَاهِب أهل الضلال
وَأول مبدوء بِهِ إِنَّمَا هُوَ الرَّد على طوائف الإلهيين الْقَائِلين بِمَنْع صُدُور الْكَثْرَة عَن وَاجِب الْوُجُود
وَهُوَ أَنا نقُول عماد اعتقادكم وَرَأس اعتمادكم إِنَّمَا هُوَ آيل إِلَى نفى الصِّفَات الزَّائِدَة
стр. 197
على الذَّات وَقد بَينا فِيمَا سلف سخف هَذَا المعتقد وتشنيع هَذَا الْمُعْتَمد ثمَّ إِن مَا أوجب لكم القَوْل بِمَنْع صُدُور الْكَثْرَة عَن وَاجِب الْوُجُود إِنَّمَا هُوَ كَونه وَاحِدًا وَأَن الْوَاحِد لَا يصدر عَنهُ إِلَّا وَاحِد وَلَا بُد لكم فِي هَذِه الدَّعْوَى من الْعود إِلَى هدم مَا بنيتموه وَنقض مَا أبرمتموه وَذَلِكَ أَنه لَو لزم من كَونه وَاحِدًا وحدة مَا صدر عَنهُ فَيجب أَن يكون مَا صدر عَن معلوله ايضا وَاحِد لكَونه وَاحِد وَهَكَذَا لَا يزَال الحكم بصدور الْوَاحِد دائماوهو مِمَّا يُوجب امْتنَاع وُقُوع الْكَثْرَة فِي المعلولات وتناقض قَوْلكُم فِي صُدُور الْكَثْرَة عَن الْمَعْلُول الاول حَيْثُ قُلْتُمْ إِن الْمَعْلُول الاول يصدر عَنهُ عقل آخر وَنَفس وجرم هُوَ الْفلك الْأَقْصَى ثمَّ إِن صُدُور الْكَثْرَة عَن الْمَعْلُول الأول اما أَن تكون وَهُوَ مُتحد أَو متكثر فَإِن كَانَ وَاحِدًا فقد نَاقض قَوْلكُم إِن الْوَاحِد لَا يصدر عَنهُ الا وَاحِد فَهَلا قُلْتُمْ بصدور الْكَثْرَة عَن وَاجِب الْوُجُود وان كَانَ وَاحِدًا كَمَا قُلْتُمْ بصدور الْكَثْرَة عَمَّا صدر عَنهُ وَهُوَ وَاحِد وان قُلْتُمْ إِن مَا صدر عَنهُ الْكَثْرَة متكثر فقد قُلْتُمْ بصدور الْكَثْرَة عَن وَاجِب الْوُجُود وأفسدتم مَا ظننتم إحكامه وَمَا رمتم إتقانه وَذَلِكَ خسف القَوْل والفعال
فَإِن قيل لَا محَالة أَن الْمَعْلُول الاول وَاجِب الْوُجُود بِالْوَاجِبِ بِذَاتِهِ وكل مَا هُوَ وَاجِب بِغَيْرِهِ فَهُوَ مُمكن باعبتار ذَاته من حَيْثُ أَن ذَاته لَا جَائِز أَن تكون وَاجِبَة وَإِلَّا لما كن وَاجِبا بِغَيْرِهِ وَلَا جَائِز أَن تكون ممتنعة وَإِلَّا لما وجدت وَلَا بِالْغَيْر فَتعين أَن يكون بِاعْتِبَار ذَاته مُمكنا وَهُوَ لَا محَالة يعلم ذَاته وَيعلم مبدأه وَهَذِه الْجِهَات كلهَا لَيست لَهُ عَن
стр. 198
عَن غَيره بل هى أُمُور لَازِمَة تَابعه لذاته مَا عدا وجوب وجوده فَإِنَّهُ لَهُ عَن مبدئه ومبدأ صُدُور الْكَثْرَة إِنَّمَا هُوَ عَن هَذِه الْجِهَات فَإِنَّهُ بِاعْتِبَار إِضَافَته إِلَى وَاجِب مُوجب لوُجُوده يُوجب عقلا وَبِاعْتِبَار صلته بمدئه يُوجب صُورَة وَبِاعْتِبَار كَونه مُمكنا يُوجب مَادَّة ترتيبا للأشرف على الْأَشْرَف والأخس على الأخس وَهَذِه هى مبادئ صُدُور الْكَثْرَة ولولاها لما كَانَت الْكَثْرَة
قُلْنَا هَذِه العماية والجهالة قد تعظم نسبتها إِلَى الصّبيان فضلا عَن من ينْسب إِلَى شئ من التَّحْقِيق والغوص والتدقيق وَذَلِكَ لِأَن الْجِهَات إِمَّا ان توجب التَّعَدُّد وَالْكَثْرَة فِي ذَات الْمَعْلُول الأول أول توجب التَّعَدُّد وَالْكَثْرَة كالأمور السلبية والإضافية فَإِن أوجبت التَّعَدُّد وَالْكَثْرَة فقد قيل بصدور الْكَثْرَة عَن وَاجِب الْوُجُود وان قيل لَا توجب التَّعَدُّد وَالْكَثْرَة فَلم لَا قيل بصدور الْكَثْرَة عَن وَاجِب الْوُجُود فَإِن السلوب والإضافات لَهُ أَكثر من ان تحصى هَذَا من حَيْثُ الْإِجْمَال
وَأما التَّفْصِيل فَهُوَ أَن مَا ذَكرُوهُ من الْجِهَات الْمُوجبَة للكثرة حاصلها يرجع إِلَى سلوب وإضافات فَإِن وُجُوبه بِغَيْرِهِ وَعلمه بمبدئه وبذاته أُمُور إضافية وَكَونه مُمكنا بِذَاتِهِ إِن فسرنا الْمُمكن بِمَا سلب عَنهُ الضَّرُورَة فِي وجوده وَعَدَمه كَانَ أمرا سلبيا وَإِن فسر بِمَا يفْتَقر إِلَى الْمُرَجح فِي كلا طَرفَيْهِ كَانَ أمرا إضافيا وَعند عودهَا إِلَى السلوب والإضافات فَيلْزم عَنْهَا مَا ذكر فِي الْإِجْمَال
كَيفَ وَأَن قَوْلهم إِنَّه يعلم مبدأه وَيعلم ذَاته دَعْوَى لَو سئلوا عَن الدَّلِيل عَلَيْهَا لم يزدْ قَوْلهم على أَنه بِاعْتِبَار ذَاته مُمكن أَن يكون عَالما وَالْمَانِع من الْعلم إِنَّمَا هُوَ الْمَادَّة وعلائقها وهى بأسرها منتفية فَإِن ماهيته مُجَرّدَة عَن الْمَادَّة وعلائقها وَهُوَ أَيْضا من أقبح المقالات وَأعظم الشناعات فَإِن إِمْكَان كَونه عَالما لَا يُوجب وَلَا يُؤثر فِي إِيجَاب الْعلم لَهُ وَإِلَّا كَانَت جِهَة الْإِمْكَان هى المرجحة لأحد الطَّرفَيْنِ وَهُوَ مُمْتَنع
стр. 199
وَنفى الْمَانِع مِمَّا لَا يُوجب أَيْضا فَإِن ثُبُوت الشئ إِنَّمَا يسْتَند إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ أما إِلَى نفى الْمَانِع والمعارض فكلا ثمَّ يلْزمهُم من ذَلِك مناقضة قَوْلهم إِن البارى تَعَالَى لَا يعلم الجزئيات من حَيْثُ إِن الْمَانِع هُوَ الْمَادَّة وعلائقها وَقد انْتَفَت فِي حَقه تَعَالَى ثمَّ إِن كَانَت هَذِه الْجِهَات مِمَّا توجب الْكَثْرَة فَلم قيل بانحصار مَا صدر عَنهُ فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء وَلم لَا كَانَت ازيد من ذَلِك فَإِن مثل هَذِه الْجِهَات لَدَيْهِ أَكثر من ان تحصى فَإِذن حَاصِل مَا ذَكرُوهُ لَا يرجع إِلَّا إِلَى مَحْض تحكمات بَارِدَة وخيالات فَاسِدَة لَا يرضى بهَا لنَفسِهِ بعض المجانين فضلا عَمَّن يزْعم انه من المحصلين
ب وَأما المنجمون
الْقَائِلُونَ بصنع الْكَوَاكِب والأفلاك وَأَنه لَا خَالق وَلَا صانع سواهَا
فقد أَكثر الْأَصْحَاب فِي الرَّد عَلَيْهِم بأسولة بَارِدَة واستفسارات جامدة وإلزامات لَا ثُبُوت لَهَا على محك النّظر تلِيق بمناظرة الْعَامَّة وَالصبيان فَسَادهَا يظْهر ببديهة الْعقل لمن لَهُ أدنى تَحْصِيل لَا يَلِيق أَن يطول بذكرها هَهُنَا فالسبيل الْحق أَن يُقَال لمن زعم مِنْهُم أَن لَا خَالق إلاها وَلَا مبدأ سواهَا
إِمَّا أَن تكون بِاعْتِبَار ذواتها وَاجِبَة أَو مُمكنَة أَو الْبَعْض مِنْهَا وَاجِب وَالْبَعْض مُمكن فَإِن كَانَت وَاجِبَة فقد سلك الإلهيون فِي إبِْطَال ذَلِك طَريقَة امْتنَاع اجْتِمَاع واجبين وهى غير مرضية كَمَا سلف فَالْحق أَنَّهَا لَو كَانَت وَاجِبَة لَكَانَ وجودهَا سرمديا وَلَو كَانَ
стр. 200
سرمديا لوَجَبَ القَوْل بِأَن لَا نِهَايَة لحركاتها إِن كَانَت متحركة فِي الْقدَم ولمقادير حركاتها إِن لم تكن متحركة وَذَلِكَ مُمْتَنع لما أسلفناه فِي تناهى الْعِلَل والمعلولات
ثمَّ إِن الْوَاجِب لذاته هُوَ مَا لَو فرض مَعْدُوما لزم الْمحَال عَنهُ لذاته لَا لغيره وَلَا يخفى أَن الْقَائِل لَو فرض بعقله عدم شئ من الْكَوَاكِب والأفلاك لم يلْزم فِي عقله عَن ذَلِك لذاته محَال كَمَا لَا يلْزم من فرض وجود فلك آخر وكوكب آخر وَمَا هُوَ على هَذَا النَّحْو كَيفَ يكون الْوُجُوب لَهُ لذاته بل إِن فرض وَاجِبا فَلَيْسَ ذَلِك لَهُ إِلَّا لغيره وكل مَا وُجُوبه لغيره فَهُوَ بِذَاتِهِ مُمكن كَمَا سلف كَيفَ وان ذَلِك على أصلهم غير مُسْتَقِيم لاعتقادهم ان تأليف الاجرام لَيْسَ إِلَّا من الْموَاد والصور وَقد بَان أَن كل وَاحِد من الْمَادَّة وَالصُّورَة لَيْسَ وجوده الا بِأَمْر خَارج عَنْهَا فهما لَا محَالة ممكنان وَمَا مفرداته الَّتِى مِنْهَا تأليفه مُمكنَة كَيفَ يكون هُوَ لنَفسِهِ وَاجِبا
ثمَّ لَو كَانَت وَاجِبَة لوَجَبَ ان مَا شاركها فِي معنى الجوهرية أَن يكون وَاجِبا إِذْ يَسْتَحِيل أَن يكون وجوب الْوُجُود لما بِهِ تخصص جَوَاهِر الأفلاك ومغايرتها لغَيْرهَا من الْجَوَاهِر فَإِن ذَلِك لَا قوام لَهُ بِنَفسِهِ دون المتخصص بِهِ وَهُوَ دور مُمْتَنع وَعند ذَلِك فَيلْزم على أَصله امْتنَاع القَوْل بِحَدَث الْجَوَاهِر الصورية الثَّابِتَة للأجرام العنصرية وَكَذَا فِي الْجَوَاهِر الانسانية الَّتِى للأبدان الإنسانية على رأى من اعْترف مِنْهُم بحدثها وبكونها جوهرا وَهُوَ لَا محَالة تنَاقض وَبِمَا حققناه هَهُنَا يتَبَيَّن إبِْطَال كَون الْبَعْض مِنْهَا وَاجِبا دون الْبَعْض فبقى أَن تكون بأسرها مُمكنَة
وَإِذ ذَاك فَلَا بُد لَهَا فِي وجودهَا من مُرَجّح خَارج عَنْهَا وَبَطل القَوْل بِأَنَّهُ لَا مبدأ لَهَا وَأما من اعْترف مِنْهُم بِأَن لَهَا مبدأ خَارِجا عَنْهَا لكنه أضَاف الْخلق إِلَيْهَا ووقف الإبداع والإحداث عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ فِي دَعْوَاهُ مُسْتَند غير الاستقراء بِأَنا وجدنَا التأثرات
стр. 201
الْمُخْتَلفَة والامتزاجات المتقاربة وَجَمِيع مَا فِي عَام الْكَوْن وَالْفساد من خير وَشر لَا يُوجد إِلَّا عِنْد حَرَكَة كَوْكَب مَخْصُوص وَذَلِكَ مِمَّا يُوجب إِسْنَاده إِلَيْهِ وإحالة وجوده عَلَيْهِ إِذْ لَو كَانَ اتفاقيا لما دَامَ
وَنحن نعلم أَنهم لَو طولبوا بِصِحَّة هَذَا الاستقراء لم يَجدوا الى اثباته سَبِيلا ثمَّ لَو قدرت صِحَّته وان وُقُوع الْآثَار الْحَادِثَة ملازم لحركات الْكَوَاكِب والأفلاك فَغير لَازم أَن تكون هى عللها والأسباب الْمُوجبَة لَهَا لما أَنه لَا مَانع من أَن يكون الْخَالِق والبارى هُوَ الله تَعَالَى وَقد أجْرى الْعَادة بِوُجُود الحادثات وَوُقُوع التأثيرات عِنْدهَا وَإِن منع بعض الْأَصْحَاب من صِحَة هَذَا الاطلاق بِنَاء على أَن مَا من جيشين تلاقيا اَوْ من نفسين تخاصما أَلا وَقد أَخذ الطالع لكل وَاحِد مِنْهُمَا وَمَعَ ذَلِك فالمنصور وَالْغَالِب لَا يكون إِلَّا أَحدهمَا فَلَا معول عَلَيْهِ إِذْ لَا مَانع من القَوْل بخطأ الْآخِذ للطالع فِي الْحساب اَوْ الحكم وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع الاطناب ومحز الإسهاب والذى يجب الِاعْتِمَاد هَهُنَا عَلَيْهِ لَيْسَ إِلَّا مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ
ج وَأما الطَّرِيق
فِي الرَّد على الثنوية الْقَائِلين بِالنورِ والظلمة وانه لَا مبدأ للْعَالم سواهُمَا أَن يُقَال إِن النُّور والظلمة بِالنّظرِ إِلَى ذاتيهما واجبان أَو ممكنان أَو أَحدهمَا وَاجِب وَالْآخر مُمكن فَإِن كَانَا واجبين لزم أَن مَا شاركهما فِي نوعيهما أَن يكون وَاجِبا وَأَن لَا يكون مَوْجُودا بعد الْعَدَم وَهُوَ خلاف مَا نشاهده من الْأَنْوَار وَالظُّلم وَبِه يتَبَيَّن امْتنَاع كَون أَحدهمَا وَاجِبا وَالْآخر مُمكنا فبقى أَن يَكُونَا ممكنين
стр. 202
وَعند ذَلِك إِمَّا أَن يسْتَند كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي وجوده إِلَى الآخر أَو إِلَى أَمر خَارج عَنْهُمَا لَا جَائِز أَن يُقَال بِالْأولِ إِذْ هُوَ دور مُمْتَنع وَمَعَ كَونه مُمْتَنعا فَغير مُسلم صُدُور الشَّرّ عَن الْخَيْر وَالْخَيْر عَن الشَّرّ لكَون أَحدهمَا خيرا وَالْآخر شرا وَهُوَ تنَاقض وَإِن كَانَ الْمُرَجح لَهما أمرا خَارِجا عَنْهُمَا فقد بَطل القَوْل بِأَنَّهُ لَا مبدا سواهُمَا وَلَا مُرَجّح إِلَّا هما ثمَّ كفى بالخصم سخفا أَنه لَو سُئِلَ عَن الدّلَالَة على مَا يَعْتَقِدهُ والإبانة عَمَّا يعتمده لم يزدْ على قَوْله
إِنَّا وجدنَا الموجودات لَا تنفك عَن أَن تكون ثَقيلَة تطلب أقْصَى جِهَة السّفل أَو خَفِيفَة تطلب أقْصَى جِهَة الْعُلُوّ أَو ذَات ظلّ حاجبة كالأشياء الكثيفة الغليظة من الْحَدِيد وَالْحِجَارَة وَنَحْوهَا أَو مَا هُوَ على نقيضها من الْأَشْيَاء الشفافة الَّتِى لَا ظلّ لَهَا كالزجاجة الصافية واليواقيت وَنَحْوهَا وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَنْفَكّ عَن خيرات وشرور وَلَا بُد من أَن نرتب على كل وَاحِد مَا يَلِيق بِهِ ترتيبا للأشرف على الْأَشْرَف والأخس على الأخس وَإِلَّا كَانَ الأخس صادرا عَن الْأَشْرَف والقبيح صادرا عَن الْحسن
وَهُوَ خلاف الْمَعْقُول فَإِنَّهُ مَعَ مَا يشْتَمل عَلَيْهِ من الركاكة والتحكم بتخصيص المبدأ بِالنورِ والظلمة لم يعلم أَن مَدْلُول اسْم الشَّرّ لَيْسَ الا عبارَة عَن عدم ذَات أَو عدم كَمَال ذَات وَأَن الْحسن والقبح لَيْسَ يستدعى اسناده الى مَا هُوَ فِي نَفسه ذَات وَوُجُود حَتَّى يلْزم التَّثْنِيَة على مَالا يخفى
ثمَّ وَلَو كَانَ الشَّرّ والقبح ذاتا واستدعى أَن يكون مرجحه ذاتا فَلَا يخفى أَن الْعَالم يَنْقَسِم إِلَى مَا هُوَ خير مَحْض وَإِلَى مَا هُوَ شَرّ مَحْض وَإِلَى مَا هُوَ خير من وَجه وَشر من وَجه وَلَا يُوصف بِكَوْنِهِ خيرا مَحْضا وَلَا شرا مَحْضا وَيجب من ذَلِك أَن يكون من المبادئ مَا هُوَ خير من وَجه وَشر من وَجه إِذْ الْخَيْر الْمَحْض لَا يصدر عَنهُ إِلَّا خير مَحْض وَالشَّر الْمَحْض لَا يصدر عَنهُ إِلَّا شَرّ مَحْض وَإِن كَانَ ذَلِك إِنَّمَا يحصل بامتزاجهما فامتزاج
стр. 203
كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْآخرِ وحركته إِلَيْهِ إِمَّا لذاتيهما أَو لِمَعْنى زَائِد عَلَيْهِمَا كَمَا قَالَ فريق مِنْهُم إِن الْأُصُول ثَلَاثَة نور مَحْض وظلام مَحْض وأصل ثَالِث لَيْسَ بِنور وَلَا ظلام وَهُوَ دون النُّور وَفَوق الظلام وَهُوَ الْمُوجب لامتزاجهما والمعدل بَينهمَا فَإِن كَانَ لذاتيهما فَهُوَ محَال وَإِلَّا لما تصور الِافْتِرَاق بَينهمَا وَهُوَ خلاف مَا نشاهده كَيفَ وَأَن النُّور والظلمة لذاتيهما متباينان فَكيف يكون أَحدهمَا طَالبا للْآخر وان كَانَ ذَلِك بِاعْتِبَار امْر ثَالِث فإمَّا ان يكون من نوعها اَوْ من نوع احدهما اَوْ هُوَ نوع ثَالِث غَيرهمَا فَإِن كَانَ مِنْهُمَا فَهُوَ دور فَإِن امتزاجهما لَا يتم إِلَّا بِهِ وَهُوَ لَا يتم إِلَّا بامتزاجهما وَإِن كَانَ من نوع أَحدهمَا فَلَيْسَ بِأَصْل ثَالِث غَيرهمَا وَإِذ ذَاك فَيَعُود الْقسم الأول لَا محَالة وَإِن لم يكن من نوعهما فَهُوَ إِمَّا بسيط اَوْ مركب فَإِن كَانَ بسيطا فَهُوَ إِمَّا خير مَحْض أَو شَرّ مَحْض لعدم التَّرْكِيب فِيهِ وَإِذ ذَاك فالصادر عَنهُ يجب أَن يكون حاذيا حذوه وقافيا أَثَره وَفِي ذَلِك امْتنَاع وجود قسم آخر غير الشَّرّ الْمَحْض وَالْخَيْر الْمَحْض وَهُوَ مُمْتَنع
د وَأما الرَّد على الْمُعْتَزلَة
فِي خلق الْأَعْمَال فَهُوَ مَوضِع غمرة ومحز إِشْكَال وَهُوَ يستدعى تَقْدِيم طرق الْمُتَكَلِّمين وإيضاح الصَّحِيح مِنْهَا والسقيم ثمَّ الْإِشَارَة إِلَى شبه الْمُخَالفين وَبَيَان الْفرق بَين الْخلق وَالْكَسْب فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَنَقُول ذهب المتكلمون هَهُنَا إِلَى مسالك لَا ظُهُور لَهَا عِنْد من طهرت بصيرته واتقدت قريحته
المسلك الأول
أَنهم قَالُوا لَو لم تكن مقدروات الْعباد مخلوقة لله تَعَالَى لم يكن إِلَّا لِاسْتِحَالَة مَقْدُور بَين قَادِرين وَهُوَ غير مُسْتَقِيم فَإِنَّهُ قبل أَن يقدر عَبده لم يكن الْفِعْل مَقْدُورًا
стр. 204
للْعَبد فَيجب أَن يكون مَقْدُورًا للرب إِذْ الْفِعْل فِي نَفسه مُمكن وَالْمَانِع من كَونه قَادِرًا بعد إقدار العَبْد إِنَّمَا هُوَ اسْتِحَالَة اجْتِمَاع مَقْدُور بَين قَادِرين وَهَذَا الْمَانِع غير مَوْجُود قبل إقدار العَبْد وَإِذا كَانَ مَقْدُورًا للرب قبل إقدار العَبْد فَبعد إقداره يَسْتَحِيل أَن يخرج مَا كَانَ مَقْدُورًا لَهُ عَن كَونه مَقْدُورًا فَإِنَّهُ لَو خرج عَن كَونه مَقْدُورًا للرب بِسَبَب تعلق الْقُدْرَة الْحَادِثَة بِهِ لم يكن بِأولى من امْتنَاع تعلق الْقُدْرَة الْحَادِثَة بِهِ واستبقاء تعلق الْقُدْرَة الْقَدِيمَة بِهِ بل بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ أولى من نَفْيه وَإِثْبَات مَا لم يكن وَإِذا ثَبت كَونه مَقْدُورًا للرب وَجب أَن يكون خالقه ومبدعه من حَيْثُ إِنَّه يَسْتَحِيل انْفِرَاد العَبْد بِخلق مَا هُوَ مَقْدُور لله تَعَالَى
وَاعْلَم أَن هَذَا المسلك من رَكِيك القَوْل إِذْ الْخصم قد يمْنَع كَونه مَقْدُورًا للرب قبل تعلق الْقُدْرَة الحادثه بِهِ وَكَون الْفِعْل فِي نَفسه مُمكنا مِمَّا لَا يُوجب تعلق الْقُدْرَة الْقَدِيمَة بِهِ أصلا وَلَا يعْتَرف بِأَن كل مُمكن فِي نَفسه مَقْدُور للرب وَمَا قدر من زَوَال الْمَانِع فمتهافت أَيْضا فَإِن الْخصم مهما لم يسلم إِمْكَان تعلق الْقُدْرَة الْقَدِيمَة بِالْفِعْلِ فَلَا يلْزم من عدم مَا يتخيل فِي الْجُمْلَة مَانع أَن يكون التَّعَلُّق فِي نَفسه ثَابتا ثمَّ وَلَو قدر كَونه مُمكنا فَلَا يلْزم التَّعَلُّق من انْتِفَاء الْمَانِع الْمعِين مهما لم يتَبَيَّن انْتِفَاء غَيره من الْمَوَانِع وَذَلِكَ مِمَّا لَا يتم إِلَّا بالبحث وَهُوَ بعيد عَن اليقينات كَيفَ وَإنَّهُ وَلَو قدر مَقْدُورًا للرب فَلَا يلْزم من حَيْثُ هُوَ مَقْدُور لَهُ أَن تكون نسبته إِلَيْهِ أولى من نسبته إِلَى العَبْد بِكَوْنِهِ مَقْدُورًا لَهُ فَإِن قيل إِنَّه يكون مخلوقا لَهما فَهُوَ خلاف الْمَذْهَب وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ محَال لما سلف
المسلك الثانى
لَو جَازَ تَأْثِير الْقُدْرَة الْحَادِثَة فِي الْفِعْل بالإيجاد والاختراع لجَاز تأثيرها فِي إِيجَاد كل مَوْجُود من حَيْثُ إِن الْوُجُود قَضِيَّة وَاحِدَة لَا يخْتَلف وَإِن اخْتلفت محاله وجهاته
стр. 205
وَالْقَوْل بِجَوَاز تأثيرها خلف فَإِنَّهَا لَا تُؤثر فِي إِيجَاد الْأَجْسَام وَلَا فى شئ من الْأَعْرَاض مَا عدا الْأَفْعَال كالطعوم والألوان والأراييح وَنَحْو ذَلِك وَإِن كَانَ التالى بَاطِلا كَانَ الْمُقدم بَاطِلا
وَهُوَ من الطّراز الأول فِي الْإِبْطَال فَإِن مَا ألزمناه فِي الْخلق والإبداع بِعَيْنِه لَازم لنا فِيمَا أَثْبَتْنَاهُ من تعلق الْقُدْرَة الْحَادِثَة بإيجاد بعض الْأَشْيَاء دون الْبَعْض وَعند ذَلِك فجوابنا عَنهُ هُوَ جَوَاب لما ألزمناه
وَلَيْسَ من السديد أَن يُقَال مَا ثَبت تعلق الْقُدْرَة الْحَادِثَة بِهِ لم يكن بِاعْتِبَار معنى يُشَارِكهُ فِيهِ مَا لم يكن مُتَعَلقا للقدرة الْحَادِثَة بل مَا هُوَ متعلقها إِنَّمَا هُوَ بِخُصُوص ذَاته ومجموع صِفَاته وَإِذ ذَاك فَلَا يلْزم أَن تتَعَلَّق الْقُدْرَة بِغَيْر تِلْكَ الذَّات مِمَّا هُوَ مُخَالف لَهَا فِي الْحَقِيقَة وَالصِّفَات فَإِن الْقُدْرَة وَإِن تعلّقت بالوجود وَبِغَيْرِهِ من الصِّفَات الْخَاصَّة بِالذَّاتِ فَلَا يُخرجهَا ذَلِك عَن أَن تكون مُتَعَلقَة بالوجود وَعند ذَلِك فالاشكال لَازم من جِهَة تعلقهَا بالوجود لَا من جِهَة تعلقهَا بِغَيْرِهِ وَإِن قيل إِنَّهَا لَا تتَعَلَّق إِلَّا بإيجاد مَخْصُوص هُوَ لذات مَخْصُوصَة فَلَعَلَّ يُوجد مثله فِي الْخلق والإيجاد
وَهُوَ لَا محَالة لَازم على القاضى ﵀ فِي قَوْله بتأثير الْقُدْرَة فِي إِيجَاد صفة زَائِدَة على الْفِعْل وَلَا محيص عَنهُ لَكِن قد يبْقى هَهُنَا مناقشة جدلية ومؤاخذة معنوية وَهُوَ أَن يُقَال
غَايَة مَا ذكرتموه وأقصى مَا أثبتموه أَن ألزمتمونا على سِيَاق مَا ذَكرْنَاهُ مَا ألزمناكم إِيَّاه وَأدنى مَا فِيهِ كَونه حجرا على الْفَرِيقَيْنِ ولازم للطائفتين وَذَلِكَ مَا لَا يُوجب كَونه فِي نَفسه بَاطِلا بل الْوَاجِب أَن يقْضى بِهِ على كلا المذهبين
стр. 206
وَالْجَوَاب على التَّحْقِيق عَن هَذِه الْمُؤَاخَذَة إِنَّمَا يتهيأ مَعَ من يعْتَرف بالالزام وَيَقُول بِالْكَسْبِ ويعتقد صِحَّته كَمَا هُوَ الْمَنْقُول عَن أهل الْحق فَإِنَّهُ مهما اعْترف صَاحب الدَّلِيل بمخالفته وَوُقُوع مناقضته وَكَانَ مَعَ ذَلِك جَازِمًا بالمخالفة مُعْتَقدًا لَهَا فقد اعْترف بِأَن مَا ذكره لَا يُوجب الانقياد وَلَا يصلح للإرشاد وَكفى مئونة الْجَواب وَأما من لَا يعْتَرف بذلك فَلَا
هَذَا كُله إِن قُلْنَا إِن الْوُجُود زَائِد على ذَات الْمَوْجُود وَإِلَّا فَإِن كَانَ هُوَ نفس الْمَوْجُود فقد بَطل القَوْل بالاشتراك والاتحاد فِي قَضِيَّة الْوُجُود وَامْتنع الْإِلْزَام
المسلك الثَّالِث
قَالُوا البارى تَعَالَى قَادر على مثل جَمِيع الْأَجْنَاس الَّتِى هى مقدورة للْعَبد وَإِذ ذَاك فَيجب أَن يكون قَادِرًا عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَو لم يكن يقدر عَلَيْهَا لم يكن قَادِرًا على مثلهَا وَهُوَ خلف وَإِذا ثَبت أَنه قَادر على أَفعَال الْعباد فَإِذا حدثت وَجب أَن تكون مخلوقة لَهُ
وَهُوَ قريب من المسلك الأول إِذْ الْخصم قد يمْنَع كَون الرب قَادِرًا على مثل فعل العَبْد وَإِن سلم فَأَما أَن يكون فِي مَحل قدرَة العَبْد أَو خَارِجا عَن مَحل قدرته فَإِن كَانَ فِي مَحل قدرَة العَبْد فَهُوَ مَحل النزاع وَمَوْضِع الْمَنْع وَإِن كَانَ خَارِجا عَن مَحل قدرَة العَبْد فَهُوَ غير مَقْدُور للْعَبد فَإِذا قيل بِكَوْن الرب قَادِرًا على فعل العَبْد لكَونه قَادِرًا على مثله فَيلْزم أَن يكون العَبْد قَادِرًا على فعل الرب لكَونه قَادِرًا على مثله وَهُوَ محَال ثمَّ وَلَو سلم أَنه قَادر على فعل العَبْد فَلَا يلْزم أَن يكون خَالِقًا لَهُ لم أسلفناه
стр. 207
رُبمَا تمسك بعض الْأَصْحَاب هَهُنَا بظواهر الْكتاب وَالسّنة وأقوال بعض الْأَئِمَّة وَلَا مطمع لَهَا فِي القطعيات وَلَا معول عَلَيْهَا فِي اليقينيات فَلذَلِك آثرنا الْإِعْرَاض عَنْهَا وَلم نشغل الزَّمَان بإيرادها
وَالصَّوَاب فِي هَذَا الْبَاب
أَن يُقَال لَو لم يكن فعل العَبْد بل غَيره من الموجودات الْحَادِثَة مَقْدُورًا للرب وداخلا تَحت قدرته للَزِمَ أَن يكون البارى تَعَالَى نَاقِصا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من لَهُ الْقُدْرَة عَلَيْهِ كَمَا مضى فِي الْإِرَادَة وَهُوَ محَال
وَلَئِن تشوفنا إِلَى بَيَان إمتناع إِضَافَة الْخلق إِلَى فعل العَبْد قُلْنَا لم يخل إِمَّا أَن يكون موجدا لَهُ بِالذَّاتِ أَو بالإرادة لَا جَائِز أَن يكون موجدا لَهُ بِالذَّاتِ وَإِلَّا لما برح فَاعِلا لَهُ وَهُوَ محَال خلاف مَا نشاهده وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ خلاف المذهبين وَلَا جَائِز أَن يكون موجدا لَهُ بالإرادة وَإِلَّا لما وجد دونهَا فكم من فعل يصدر من العَبْد ويعتقد كَونه مخلوقا لَهُ من غير إِرَادَة وَذَلِكَ كَمَا فِي حَالَة الْغَفْلَة والذهول وَنَحْوه وَالْقَوْل بِكَوْنِهِ مرِيدا فِي مثل هَذِه الْحَالة عين السفسطة فَإِنَّهُ لَو سُئِلَ هَل أردْت مَا فعلت لم يكن الْجَواب إِلَّا بِلَا كَيفَ وَأَن الْفِعْل بالإرادة من العَبْد يستدعى الْقَصْد وَالْقَصْد يستدعى مَقْصُودا وَالْمَقْصُود يستدعى كَونه مَعْلُوما وَهُوَ غير عَالم بِهِ لَا محَالة وَإِن علمه من وَجه لم يُعلمهُ من كل وَجه وَمَعَ ذَلِك فصدوره عَنهُ يكون على غَايَة من الْحِكْمَة والإتقان وعَلى سَبِيل
стр. 208
الْكَمَال والتمام فَلَو كَانَ موجدا لَهُ بالإرادة لوَجَبَ كَونه محيطا بِهِ عَالما بأحواله إِذْ الْقَصْد والإرادة لَا يكونَانِ إِلَّا مَعَ الْعلم وَلَا جَائِز أَن يكون مُتَعَلق قدرَة العَبْد مَا هُوَ مَعْلُوم لَهُ ومتعلق قدرَة البارى مِنْهُ مَا لَيْسَ بِمَعْلُوم للْعَبد إِذْ مَقْدُور كل وَاحِد مِنْهُمَا قد لَا يتم إِلَّا مَعَ تحقق مَقْدُور الآخر وَيلْزم من ذَلِك امْتنَاع وجود الْفِعْل فِي نَفسه لما أسلفناه فِي مَسْأَلَة التَّوْحِيد كَيفَ وَأَن ذَلِك مِمَّا لَا قَائِل بِهِ وَإِذا جَازَ صُدُور الْفِعْل عَن العَبْد فِي مثل هَذِه الْأَحْوَال وَقيل انه مَخْلُوق لَهُ من غير اراده فقد بَطل أَخذ الْإِرَادَة شرطا فِي الْخلق وَإِذا لم تكن الْإِرَادَة شرطا فِي الْخلق بِالنِّسْبَةِ إِلَى بعض أَفعاله لم تكن شرطا بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَائِر أَفعاله وَإِن كَانَ عَالما بهَا مرِيدا لَهَا إِذْ لَا أَوْلَوِيَّة لأَحَدهمَا وَمَعَ ذَلِك فَلَا قَائِل بِهِ وَيلْزم من إبِْطَال تالى الشّرطِيَّة بطلَان مقدمها وَهُوَ الْمَقْصُود وَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ لَازم على كل من جعل للقدرة الْحَادِثَة تَأْثِيرا مَا فِي إِيجَاد الْفِعْل أَو فِي صفة زَائِدَة عَلَيْهِ
فَإِن قيل إِنَّا ندرك بِالضَّرُورَةِ وُقُوع الْأَفْعَال على حسب الدواعى والأغراض وَاخْتِلَاف الْمَقَاصِد والإرادات وَلَوْلَا صَلَاحِية الْقُدْرَة الْحَادِثَة للإيجاد وَإِلَّا لما أحس من النَّفس ذَلِك وَأَيْضًا فَإِن الانسان يجد من نَفسه تَفْرِقَة بَين الْحَرَكَة الاضطرارية وَالْحَرَكَة الاختيارية وَلَيْسَت التَّفْرِقَة وَاقعَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الحركتين من حَيْثُ هما ذاتان أَو من حَيْثُ هما موجودان وَلَا غير ذَلِك بل التَّفْرِقَة إِنَّمَا هى رَاجِعَة إِلَى كَون إِحْدَاهمَا مقدورة
стр. 209
مُرَادة وَالْأُخْرَى لَيست مقدورة وَلَا مُرَادة وَإِذا لم تكن التَّفْرِقَة إِلَّا لتَعلق الْقُدْرَة بِإِحْدَاهُمَا دون الْأُخْرَى فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون لتَعلق الْقُدْرَة تَأْثِير أَو لَيْسَ لَهَا تَأْثِير لَا جَائِز أَن يُقَال بِأَنَّهُ لَا تَأْثِير لَهَا وَإِلَّا لما حصلت التَّفْرِقَة إِذْ لَا فرق بَين انْتِفَاء التَّعَلُّق وَبَين ثُبُوته مَعَ انْتِفَاء التَّأْثِير فِيمَا يرجع إِلَى التَّفْرِقَة فَتعين القَوْل بالتأثير
قَالَ القاضى أَبُو بكر من أَصْحَابنَا ﵀ وَلَا جَائِز أَن يكون التَّأْثِير فِي إِيجَاد الْفِعْل وَإِلَّا لما وَقع الْفرق إِذْ الْوُجُود من حَيْثُ هُوَ وجود لَا يخْتَلف فَيجب أَن يكون رَاجعا إِلَى صفة زَائِدَة على إِحْدَاث الْفِعْل لكنه قَالَ تَارَة فِي الْأَمر الزَّائِد إِنَّه مَخْلُوق للرب وَلِلْعَبْدِ هربا من شنيع إِفْرَاد العَبْد بالخلق دون الرب وَقَالَ تَارَة بإنفراد العَبْد بِهِ وَهُوَ مَا بَين شنيع القَوْل بالإنفراد وَالْقَوْل بمخلوق بَين خالقين وسيأتى وَجه الْكَلَام عَلَيْهِ فِيمَا بعد
وَرُبمَا تمسك الْخصم بِأَن أَفعَال الْعباد لَو كَانَت مخلوقة لغَيرهم كَانَ التَّكْلِيف فِي نَفسه بَاطِلا فَإِن حَاصله يرجع إِلَى الْمُطَالبَة بِفعل الْغَيْر والتكيلف بِالْفِعْلِ لمن لَا يَفْعَله وَلَيْسَ طلب ذَلِك مِنْهُ إِلَّا على نَحْو طلب إِحْدَاث الْأَجْسَام وأنواع الأكوان وَهُوَ محَال ولبطل أَيْضا معنى الثَّوَاب وَالْعِقَاب على الْأَفْعَال والمجازاة على الْأَعْمَال من حَيْثُ إِن الحكم بذلك للشَّخْص بِسَبَب فعل غَيره حارف عَن مذاق الْعُقُول وَمَا ورد بِهِ الشَّرْع الْمَنْقُول وَهَذِه الشُّبْهَة هى الَّتِى أوقعت إِمَام الْحَرَمَيْنِ والإسفرايينى رحمهمَا الله فِيمَا ذهب إِلَيْهِ واعتمدا عَلَيْهِ
стр. 210
وَالْجَوَاب
أما وُقُوع الْأَفْعَال على حسب الدواعى والأغراض فَذَلِك مِمَّا لَا يدل على صَلَاحِية الْقُدْرَة الْحَادِثَة للإيجاد إِذْ الْخلَل لائح فِي خلاله والزلل وَاقع فى أرجائه من حَيْثُ إِن الْأَشْيَاء مِنْهَا مَا يَقع على حسب الدواعى وَلَا يُضَاف إِلَى الْقُدْرَة الْحَادِثَة وَلَا يدل على صلاحيتها للإيجاد وَذَلِكَ كَمَا فى حُصُول الرى عِنْد الشّرْب والشبع عِنْد الْأكل وَحُصُول الألوان فِي صناعَة الصَّبْغ وَنَحْو ذَلِك وَمِنْهَا مَا لَا يَقع على حسب الداعية وَالْغَرَض وَذَلِكَ كَمَا فِي أَفعَال النَّائِم والغافل والساهى وَنَحْو ذَلِك وَمَعَ ذَلِك هى مُضَافَة إِلَى الْقُدْرَة الْحَادِثَة على أصلهم وَحَيْثُ لم يَصح مَا عولوا عَلَيْهِ طردا وعكسا لم يجز الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ أصلا
وَمَا نجده من التَّفْرِقَة بَين الْحَرَكَة الاضطرارية والاختيارية فَهُوَ سبيلنا فِي إِثْبَات الْكسْب على من أنكرهُ من الجبرية وَقَالَ إِن الْقُدْرَة الْحَادِثَة لَا تعلق لَهَا بِالْفِعْلِ أصلا وَلُزُوم التَّأْثِير من وُقُوع التَّفْرِقَة هُوَ محز الْخلاف وَمَوْضِع الانحراف بل التَّفْرِقَة قد تحصل بِمُجَرَّد تعلق الْقُدْرَة بِأَحَدِهِمَا دون الآخر وَإِن لم يكن لَهَا تَأْثِير فِي إيجاده وَذَلِكَ على نَحْو وُقُوع التَّفْرِقَة بَين مَا تعلق بِهِ الْعلم وَبَين غَيره وَبَين مَا تعلّقت بِهِ الْإِرَادَة وَبَين غَيره وَإِذ ذَاك فَلَا يلْزم أَن يُقَال إِذا جَازَ تعلق الْقُدْرَة الْحَادِثَة بِالْفِعْلِ من غير تَأْثِير كَمَا فِي الْعلم وَنَحْوه جَازَ تعلقهَا بِغَيْرِهِ من الْحَوَادِث كَمَا فِي الْعلم فَإِن حَاصله يرجع إِلَى دَعْوَى مُجَرّدَة فِي المعقولات ومحض استرسال فِي اليقينيات وَهُوَ غير مَقْبُول
وَكَون الْوُجُود قَضِيَّة وَاحِدَة مِمَّا لَا يُوجب تعلق الْقُدْرَة بِهِ بطرِيق الْعُمُوم وَمَا هُوَ اعتذارنا فِي تَخْصِيص تعلق الْقُدْرَة بِهِ من غير تَأْثِير هُوَ أَن من مُوجب اعْتِقَادهم
стр. 211
أَن الرُّؤْيَة تتَعَلَّق بالموجود من غير تَأْثِير وَلَا تتَعَلَّق بِكُل مَوْجُود فَمَا هُوَ اعتذارهم ثمَّ هُوَ اعتذارنا هَهُنَا أَيْضا
وَمَا اعْتَمدهُ القاضى أَبُو بكر ﵀ فِي منع تَعْلِيق الْقُدْرَة بحدوث الْفِعْل من حَيْثُ إِن الْوُجُود قَضِيَّة عَامَّة فإمَّا ان يعْتَرف ان نفس الْوُجُود هُوَ نفس الْمَوْجُود اَوْ زَائِد عَلَيْهِ فَإِن كَانَ الأول فقد بَطل القَوْل بالتعميم وَإِن كَانَ الثانى فَهُوَ لَازم لَهُ فِي تعلقهَا بحدوث الصّفة الزَّائِدَة أَيْضا اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَجْعَل التَّعَلُّق بحدوث الصّفة من حَيْثُ هُوَ مَخْصُوص بهَا وَعند ذَلِك فَيجب قبُول القَوْل بِأَن تعلق الْقُدْرَة الْحَادِثَة لَيْسَ إِلَّا بحدوث مَخْصُوص بِفعل مَخْصُوص وَلَا محيص عَنهُ ثمَّ وَلَو قدر تعلق الْقُدْرَة بزائد على نفس الْفِعْل فَلَا يلْزم أَن يُقَال بتأثيرها فِيهِ أَيْضا لما أسلفناه فِي نفس الْفِعْل وَمَا اعْتمد عَلَيْهِ بعض الْأَصْحَاب فِي إبِْطَال قَول القاضى فِي أَن مَا ثَبت تعلق الْقُدْرَة بِهِ مَجْهُول غير مَعْلُوم فلست أرَاهُ مرضيا
وَمَا أُشير إِلَيْهِ من امْتنَاع وُقُوع التَّكْلِيف وَتعذر القَوْل بالمجازاة على الْأَفْعَال بالثواب وَالْعِقَاب وَأَن ذَلِك تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق فسيرد وَجه الِانْفِصَال عَنهُ فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمَا يخص الإسفرايينى فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من إِثْبَات مَخْلُوق بَين خالقين فقد سبق وَجه إحالته وَظهر زيف مقَالَته فِيمَا مضى فَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَته
стр. 212
وَعند هَذَا فَيجب أَن نختم الْكَلَام بِذكر الْكسْب والخلق تمييزا لكل وَاحِد مِنْهُمَا عَن الآخر
أما الْكسْب فَأحْسن مَا قيل فِيهِ إِنَّه الْمَقْدُور بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَة وَقيل هُوَ الْمَقْدُور الْقَائِم بِمحل الْقُدْرَة
وَأما الْخلق فَإِنَّهُ وَإِن أطلق باعتبارات مُخْتَلفَة كالتقدير والهم باشئ والعزم عَلَيْهِ والإخبار بالشئ على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ فَالْمُرَاد بالخلق الْمُضَاف إِلَى الْقُدْرَة الْقَدِيمَة إِنَّمَا هُوَ عبارَة عَن الْمَقْدُور بِالْقُدْرَةِ الْقَدِيمَة وَإِن شِئْت قلت هُوَ الْمَقْدُور الْقَائِم بِغَيْر مَحل الْقُدْرَة عَلَيْهِ
وَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فكاف لمن لَدَيْهِ أدنى حَظّ من التفطن وَالله الْمُسْتَعَان
стр. 213
الْقَاعِدَة الثَّانِيَة
فِي نفى الْغَرَض وَالْمَقْصُود عَن أَفعَال وَاجِب الْوُجُود
مَذْهَب أهل الْحق أَن البارى تَعَالَى خلق الْعَالم وأبدعه لَا لغاية يسْتَند الإبداع إِلَيْهَا وَلَا لحكمة يتَوَقَّف الْخلق عَلَيْهَا بل كل مَا أبدعه من خير وَشر ونفع وضر لم يكن لغَرَض قَادَهُ إِلَيْهِ وَلَا لمقصود أوجب الْفِعْل عَلَيْهِ بل الْخلق وَأَن لَا خلق لَهُ جائزان وهما بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سيان
وَوَافَقَهُمْ على ذَلِك طوائف الإلهيين وجهابذة الْحُكَمَاء الْمُتَقَدِّمين
وَذَهَبت طوائف الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن البارى لَا يَخْلُو فعله عَن غَرَض وَصَلَاح لِلْخلقِ إِذْ هُوَ يتعالى ويتقدس عَن الْأَغْرَاض وَعَن الضَّرَر والانتقاع فرعاية الصّلاح فِي فعله وَاجِبَة نفيا للعبث فِي الحكم عَن حكمته وابطالا للسفه عَنهُ فِي إبداعه وصنعته واما الْأَصْلَح فهم فِيهِ مُخْتَلفُونَ طَائِفَة ألحقته بالصلاح فِي وجوب الرِّعَايَة وَطَائِفَة أحالت القَوْل بِوُجُوبِهِ بِنَاء على أَن مَا من صَالح إِلَّا وفوقه مَا هُوَ أصلح مِنْهُ إِلَى غير نِهَايَة ثمَّ بنوا على وجوب رِعَايَة الصّلاح والأصلح بِاتِّفَاق مِنْهُم وجوب الثَّوَاب
стр. 214
على الطَّاعَات والآلام الْغَيْر الْمُسْتَحقَّة كَمَا فِي حق الْبَهَائِم وَالصبيان وَوُجُوب الْعقَاب وإحباط الْعَمَل على الْعِصْيَان وَوُجُوب قبُول التَّوْبَة والإرشاد بعد الْخلق وإيصال الْعقل إِلَى وُجُوه الْمصَالح بالإقدار عَلَيْهَا وإقامته الْآيَات والحجج الداعية إِلَيْهَا
ثمَّ التزموا على فَاسد أصلهم أَن مَا ينَال العَبْد فِي الْحَال أَو الْمَآل من الآلام والأوجاع والنفع والضر وَالْخَيْر وَالشَّر وَنَحْوه فَهُوَ الصَّالح لَهُ وَلم يتحاشوا جحد الضَّرُورَة ومكابرة الْعقل فِي أَن خُلُود أهل النَّار فِي النَّار هُوَ الصَّالح لَهُم والأنفع لنفوسهم
وَمِمَّا فَارق بِهِ البغداديون الْبَصرِيين القَوْل بِوُجُوب ابْتِدَاء خلق الْخلق وتهيئة أَسبَاب التَّكْلِيف من إِكْمَال الْعقل واستعداد الْآلَات للتكليف إِلَى غير ذَلِك والبصريون لَا يرَوْنَ أَن شَيْئا من ذَلِك وَاجِب بل ابتداؤه بِفضل من الله تَعَالَى وإنعام من غير تحقق وَلَا تحتم وَلَا إِلْزَام
وَنحن الْآن نبتدئ بمأخذ أهل الْحق والكشف عَنهُ ثمَّ نشِير بعد ذَلِك إِلَى مَأْخَذ أهل الضلال والإبانة عَن معرضها فِي معرض الِاعْتِرَاض والانفصال
стр. 215
فمما اعْتمد عَلَيْهِ أهل التَّحْقِيق
فِي هَذَا الطَّرِيق أَن قَالُوا لَو كَانَ إبداع البارى تَعَالَى لما أبدعه يسْتَند إِلَى غَرَض مَقْصُود لم يخل إِمَّا ان يُقَال بعوده إِلَى الْخَالِق أَو إِلَى الْمَخْلُوق فَإِن كَانَ عَائِدًا إِلَى الْخَالِق لم يخل إِمَّا أَن يكون بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَونه أولى من لَا كَونه أَو لَا كَونه أولى من كَونه أَو أَن كَونه وَأَن لَا كَونه بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سيان
فَإِن قيل إِن كَونه أولى من لَا كَونه فَلَا محَالة أَن وَاجِب الْوُجُود يَسْتَفِيد بذلك الْفِعْل كَمَا لَا وتماما لم يكن لَهُ قبله لكَونه أولى بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَتَركه وَأَن لَا يَفْعَله نُقْصَانا وَذَلِكَ يُوجب افتقار الْأَشْرَف إِلَى الأخس فِي إِفَادَة كمالاته لَهُ وَأَن يكون نَاقِصا قبله ونعوذ بِاللَّه من هَذَا الضلال بل هُوَ الْغنى الْمُطلق وَله الْكَمَال الأتم وَالْجمال الْأَعْظَم وَهُوَ مبدأ الكمالات ومنتهى المطالب والأمنيات وَإِلَيْهِ الافتقار فِي جَمِيع الْحَالَات وَلَيْسَ لَهُ فِي فعله مَطْلُوب يكمله وَلَا لَهُ قصد إِلَى ثَنَاء أَو مدح يحصله بل هُوَ الْغنى لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهُوَ على كل شئ قدير
وَإِن قيل إِن لَا كَونه أرجح من كَونه أَو أَنَّهُمَا متساويان فَالْقَوْل بِجعْل مثل هَذَا غَرضا ومقصودا مَعَ أَنه لَا فرق بَين كَونه وَأَن لَا كَونه أَو أَن لَا كَونه أولى من كَونه من أمحل المحالات
следующие страницы →