Полный текст (378 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَعند ذَلِك فَلَا بُد من التَّنْبِيه لدقيقة وَهُوَ أَنه وان كَانَت الصِّفَات غير مَا قَامَت بِهِ من الذَّات فَالْقَوْل بِأَنَّهَا غير مَدْلُول الِاسْم الْمُشْتَقّ مِنْهَا أَو مَا وضع لَهَا وللذات من غير اشتقاق وَذَلِكَ مثل صفة الْعلم بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُسَمّى الْعَالم أَو مُسَمّى الْإِلَه غير صَحِيح وَكَذَلِكَ لَا يَصح أَن يُقَال بِأَنَّهَا عينه أَيْضا فَإِنَّهَا إِدْرَاك جُزْء وَمعنى مَا قيل إِنَّهَا لَيست عينه أَو غَيره فعلى هَذَا وَإِن صَحَّ القَوْل بِأَن علم الله تَعَالَى غير مَا قارنه من الذَّات لَا يَصح أَن يُقَال إِن علم الله تَعَالَى غير مَدْلُول اسْم الله وَلَا عينه إِذْ لَيْسَ هُوَ غير مَجْمُوع الذَّات مَعَ الصِّفَات وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَو قطع النّظر عَن الذَّات أَو بعض الصِّفَات لما كَانَ الباقى هُوَ مَدْلُول اسْم الْإِلَه وَلَعَلَّ هَذَا مَا أَرَادَهُ الحذاق من الْأَصْحَاب فِي أَن الصِّفَات النفسية لَا هى هُوَ وَلَا هى غَيره
وَهَذَا آخر مَا أردناه ذكره من هَذَا القانون وَالله الْمُسْتَعَان
стр. 142
القانون الثَّالِث
فِي وحدانية البارى تعإلى
стр. 143
رأى الفلاسفة الإلهيين
وَبَيَان اسْتِحَالَة القَوْل باجتماع الإلهين لكل وَاحِد من صِفَات الإلهية مَا لصَاحبه
وَقد سلك الفلاسفة طَرِيقا فِي التَّوْحِيد حَاصله يرجع إِلَى امْتنَاع وُقُوع الشّركَة فِي نوع وَاجِب الْوُجُود واستحالة وجود واجبين وَقد أَشَرنَا إِلَيْهَا فِي مبدأ قانون الصِّفَات وَإِلَى مَا يرد عَلَيْهَا من الاعتراضات فَلَا حَاجَة إِلَى ذكرهَا ثَانِيًا
وَأما المتكلمون فقد سلك عامتهم فِي الْإِثْبَات مسلكين ضعيفين
المسلك الأول أَنهم قَالُوا لَو قَدرنَا وجود الإلهين وقدرنا أَن أَحدهمَا أَرَادَ تَحْرِيك جرم مَا والأخر أَرَادَ تسكينه فإمَّا أَن تنفذ إِرَادَة كل وَاحِد مِنْهُمَا أَو لَا تنفذ وَلَا لوَاحِد مِنْهُمَا أَو لأَحَدهمَا دون الْأُخَر فَإِن نفذت إرادتهما أفْضى ذَلِك إِلَى اجْتِمَاع الْحَرَكَة والسكون فِي شئ وَاحِد فِي حَالَة وَاحِدَة وَذَلِكَ محَال وان لم تنفذ ارادتهما أفْضى إِلَى عجز كل وَاحِد مِنْهُمَا وَإِلَى أَن يكون الجرم الْوَاحِد يَخْلُو من الْحَرَكَة والسكون مَعًا وَهُوَ محَال ايضا
стр. 144
وان نفذت ارادة أَحدهمَا دون الآخر أفْضى إِلَى تعجيز احدهما وَلَو عجر أَحدهمَا لَكَانَ عَاجِزا بعجز قديم وَالْعجز لَا يكون الا عَن معجوز عَنهُ وَذَلِكَ يفضى إِلَى قدم المعجوز عَنهُ وَهُوَ مُمْتَنع
لَكِن منشأ الْخبط ومحز الْغَلَط فِي هَذَا المسلك إِنَّمَا هُوَ فِي القَوْل بتصور اجْتِمَاع إرادتيهما للحركة وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يُسلمهُ الْخُصُوم وَلَا يلْزم من كَون الْحَرَكَة والسكون ممكنين وَتعلق الْإِرَادَة بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا حَالَة الِانْفِرَاد أَن تتَعَلَّق بهما حَالَة الِاجْتِمَاع ووزانه مَا لَو قَدرنَا ارادة الْحَرَكَة والسكون من أَحدهمَا مَعًا فَإِنَّهُ غير مُتَصَوّر وَلَو جَازَ تعلقهَا بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا مُنْفَردا وَلَيْسَ هَذَا إِحَالَة لما كَانَ جَائِزا فِي نَفسه فان مَا كَانَ جَائِزا هُوَ إِرَادَته مُنْفَردا والمحال إِرَادَته فِي حَال كَونه مجامعا وَبِهَذَا ينْدَفع قَول الْقَائِل إِن مَا جَازَ تعلق الارادة بِهِ حَالَة الِانْفِرَاد جَازَ تعلقهَا بِهِ حَالَة الِاجْتِمَاع إِذْ الِاجْتِمَاع لَا يصير الْجَائِز محالا وَهَذَا الْكَلَام بِعَيْنِه فِي الْإِرَادَة هُوَ أَيْضا لَازم فِي صفة الْقُدْرَة وَأما القَوْل بِأَن عجز احدهما يستدعى عَجزا قَدِيما (و) معجوزا عَنهُ فَيلْزم مثله فِي الْقُدْرَة فَإِن الْقَادِر قَادر بقدرة قديمَة فَإِن استدعى الْعَجز قدم المعجوز عَنهُ وَجب أَن تستدعى الْقُدْرَة قدم الْمَقْدُور
فَإِن قيل الْقُدْرَة لَيْسَ مَعْنَاهَا غير التهيؤ والاستعداد للإيجاد والإحداث وَذَلِكَ لَا يستدعى قدم الْمَقْدُور قيل وَالْعجز لَا معنى لَهُ إِلَّا عدم الْقُدْرَة على الإحداث وَذَلِكَ أَيْضا لَا يُوجب قدم شئ مَا لَا بل أولى فَإِن وجود الْقُدْرَة إِذا لم يستدع مَقْدُورًا فعدمه بِعَدَمِ الاستدعاء أولى
стр. 145
المسلك الثانى هُوَ أَنهم قَالُوا الطَّرِيق الْموصل إِلَى معرفَة البارى تَعَالَى لَيْسَ إِلَّا وجود الحادثات لضَرُورَة افتقارها إِلَى مُرَجّح ينتهى الْأَمر عِنْده وهى لَا تدل على أَكثر من وَاحِد
وَهُوَ أَيْضا مِمَّا لَا يقوى فَإِن حَاصِلَة يرجع إِلَى نفى الدَّلِيل الدَّال على وجود الِاثْنَيْنِ وَلَا بُد فِيهِ من الِاسْتِنَاد إِلَى الْبَحْث والتفتيش وَذَلِكَ غير يقينى على مَا لَا يخفى ثمَّ وَلَو قدر انْتِفَاء كل دَلِيل فَذَلِك مِمَّا لَا يكفى من رام نفى الْمَدْلُول لجَوَاز وجوده فِي نَفسه وَانْتِفَاء دَلِيله
فَالصَّوَاب فِي هَذَا الْبَاب
أَن يُقَال لَو قَدرنَا وجود الإلهين لم يخل اما أَن يشتركا من كل وَجه أَو يختلفا من كل وَجه أَو يشتركا من وَجه دون وَجه فَإِن كَانَ الاول فَلَا تعدد وَلَا كَثْرَة وان كَانَ الثانى فَلَا محَالة أَنَّهُمَا لم يشتركا فِي وجوب الْوُجُود وَلَا فِيمَا يجب لله من الكمالات ويستحيل عَلَيْهِ من الصِّفَات وَإِذ ذَاك فأدحهما لَا يكون إِلَهًا وَإِن كَانَ الثَّالِث فتخصيص مَا بِهِ الِاشْتِرَاك مِمَّا بِهِ الِافْتِرَاق فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا اما أَن يسْتَند اليه أَو إِلَى خَارج عَنهُ فان اسْتندَ اليه فإمَّا أَن يكون ذَلِك لَهُ بِالذَّاتِ أَو بالإرادة لَا جَائِز أَن يكون لَهُ لذاته والا لوَجَبَ الِاشْتِرَاك فِيهِ لضَرُورَة أَن الْمُقْتَضى لَهُ فيهمَا وَاحِد وَإِن كَانَ ذَلِك لَهُ بالإرادة استدعى كَونه متحققا وموجودا دون مَا خصصه وَهُوَ محَال وان كَانَ ذَلِك مُسْتَندا إِلَى خَارج لزم أَن يستندا فِي وجوبهما كل وَاحِد على صَاحبه وَهُوَ مُمْتَنع وَمَعَ كَونه مُمْتَنعا فَيلْزم أَن يكون كل مِنْهُمَا مُمكنا وجوده وَهُوَ محَال
стр. 146
وَأَيْضًا فَإنَّا لَو قَدرنَا وجود إِلَهَيْنِ وقدرنا وجود حَادث فإمَّا أَن يسْتَند فِي وجوده إِلَيْهِمَا أَو إِلَى أَحدهمَا لَا جَائِز أَن يسْتَند إِلَيْهِمَا فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يُضَاف حُدُوثه بكليته إِلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا بِجِهَة الِاسْتِقْلَال أَو يكون مُضَافا إِلَيْهِمَا على وَجه لَو قدر عدم أَحدهمَا لم يكن مَوْجُودا فَإِن كَانَ الْقسم الأول فَهُوَ ظَاهر الإحالة ثمَّ يلْزم إِسْقَاط تَأْثِير أَحدهمَا وَلَيْسَ مَا يفْرض اسقاط تَأْثِيره بِأولى من الآخر وَذَلِكَ يفضى إِلَى إِسْقَاط تأثيرهما مَعًا لِاسْتِحَالَة الْجمع بَين التَّأْثِير واستقلال أَحدهمَا وان كَانَ الْقسم الثانى فَهُوَ محَال أَيْضا فَإِن إِيجَاد كل وَاحِد مِنْهُمَا لَيْسَ إِلَّا بالإرادة وَالْقَصْد لَا بالطبع والذات لضَرُورَة كَون الْمَوْجُود الْمَفْرُوض حَادِثا كَمَا سنبينه وَإِذ ذَاك فَيمْتَنع قصد كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى الإيجاد لتعذر استقلاله بِهِ ويتعذر قَصده أَيْضا إِلَى بعض الإيجاد لتعذر وُقُوعه بِهِ وعَلى هَذَا يمْتَنع وُقُوع الايجاد لتعذر وُقُوع قصديهما وَقد فرض وُقُوع الإيجاد
وَلَا جَائِز أَن يُقَال مَا الْمَانِع من أَن يقْصد كل وَاحِد مِنْهُمَا مُشَاركَة الآخر لِأَن الْقَصْد إِمَّا للمشاركة فِي نفس الْقُدْرَة أَو فِي نفس الْفِعْل فان كَانَ الأول فمستحيل إِذْ الْقُدْرَة الإلهية غير مخصصة لَهُ وَإِلَّا افضى إِلَى التسلسل فَلَا يتَصَوَّر قصد الشّركَة فِيهَا وان كَانَ الثانى فَلَا محَالة أَن قصد الشّركَة غير قصد نفس الْمُشْتَرك فِيهِ وَقصد الْمُشْتَرك فِيهِ يعْنى أَن يكون مُضَافا فِي الإيجاد والإحداث إِلَى أَحدهمَا على وَجه الِاسْتِقْلَال من غير أَن يكون للْآخر تَأْثِير ألبته وَلَيْسَ القَوْل بإضافته إِلَى احدهما على الْخُصُوص بِأولى من الآخر لِكَوْنِهِمَا مثلين وَذَلِكَ يفضى إِلَى القَوْل بِانْتِفَاء الْحَوَادِث وَهُوَ محَال
стр. 147
فَإِن قيل قد صادفنا فِي الْعَالم خيرا وشرا وكل وَاحِد مِنْهُمَا يدل على مُرِيد لَهُ وَلَا محَالة أَن مُرِيد الشَّرّ لَا يكون مرِيدا للخير وَكَذَا بِالْعَكْسِ وَاخْتِلَاف المرادات يدل على اخْتِلَاف المريد
قُلْنَا الِاسْتِدْلَال على وجود الْإِلَه إِنَّمَا هُوَ مُسْتَند إِلَى الجائزات وافتقارها إِلَى الْمُرَجح من حَيْثُ هى جَائِزَة وَلَا اخْتِلَاف بَينهَا فِيهِ وَالْفَاعِل لَهَا إِنَّمَا يريدها من حَيْثُ وجودهَا والوجود من حَيْثُ هُوَ وجود خير مَحْض لَا شَرّ فِيهِ وَهُوَ مَا يَقع مرَادا للبارى تَعَالَى وَأما الشَّرّ من حَيْثُ هُوَ شَرّ فَلَيْسَ هُوَ مُسْتَندا إِلَّا إِلَى اخْتِلَاف الْأَغْرَاض أَو إِلَى قَول الشَّارِع افْعَل أَو لَا تفعل كَمَا سنبينه وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُوجب كَونه شرا فِي نَفسه فَإِذا لَيْسَ الشَّرّ بِمَا هُوَ شَرّ ذاتا يطْلب حدوثها وَلَا عدمهَا حَتَّى يُقَال إِن مَا اقْتَضَاهُ يجب أَن يكون غير مَا اقْتضى نفس الْخَيْر ثمَّ لَو قَدرنَا أَن ذَلِك مِمَّا يَصح قَصده وَأَنه ذَات وَأَنه حَقِيقَة لَكِن لَا يخفى التحكم بِدَعْوَى انتسابه فِي الإيجاد إِلَى غير مَا نسب إِيجَاد الْخَيْر لَهُ بل لَا مَانع من أَن يكون إيجادهما بإيجاد موجد وَاحِد إِلَّا على فَاسد أصل الْقَائِل بالصلاح والأصلح وتحسين الْفِعْل لذاته وتقبيحه وسيأتى وَجه إِبْطَاله إِن شَاءَ الله
وَهَذَا آخر مَا أردنَا ذكره هَهُنَا وَالله الْمُوفق للصَّوَاب
стр. 148
القانون الرَّابِع
فِي إبِْطَال التَّشْبِيه وَمَا يجوز عَلَيْهِ تَعَالَى وَمَا لَا يجوز ويشتمل على قاعدتين أَفِي بَيَان مَا يجوز على الله تَعَالَى ب فِي بَيَان مَا لَا يجوز عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ
стр. 149
الْقَاعِدَة الأولى
فِي بَيَان مَا يجوز على الله تَعَالَى
وَقد أطبقت الأشاعرة وَغَيرهم من أهل الْحق على جَوَاز رُؤْيَة البارى عقلا ووقوعها شرعا واجمعت الفلاسفة وجماهير الْمُعْتَزلَة على انْتِفَاء ذَلِك مُطلقًا
وَمن أهل الضلال من فصل وَقَالَ إِنَّه يرى نَفسه وَإِنَّمَا يمْتَنع ذَلِك على غَيره
وَالْوَاجِب الْبِدَايَة بِتَقْدِيم النّظر فِي طرف الْجَوَاز العقلى أَولا ثمَّ فِي وُقُوعه شرعا ثَانِيًا وَقد سلك المتكلمون فِي ذَلِك من أهل الْحق مسالك لَا تقوى
المسلك الأول
هُوَ مَا اشْتهر من قَوْلهم الرُّؤْيَة تتَعَلَّق بالموجودات الْمُخْتَلفَة كالجواهر والأعراض وَلَا محَالة أَن مُتَعَلق الرُّؤْيَة فِيهَا لَيْسَ إِلَّا مَا هُوَ ذَات وَوُجُود وَذَلِكَ لَا يخْتَلف وان تعدّدت الموجودات وَأما مَا سوى ذَلِك مِمَّا يَقع بِهِ الِاتِّفَاق والافتراق فأحوال لَا تتَعَلَّق بهَا الرُّؤْيَة لكَونهَا لَيست بذوات وَلَا وجودات وَإِذا كَانَ مُتَعَلق الرُّؤْيَة لَيْسَ إِلَّا نفس الْوُجُود وَجب أَن تتَعَلَّق الرُّؤْيَة بالبارى لكَونه لَا محَالة مَوْجُودا
стр. 150
وَمن نظر بِعَين التَّحْقِيق علم أَن الْمُتَعَلّق بِهِ منحرف عَن سَوَاء الطَّرِيق
وَذَلِكَ أَنه وَإِن سلم جَوَاز تعلق الرُّؤْيَة بالجواهر والأعراض مَعَ امكان النزاع فِيهِ فَهُوَ لَا محَالة إِمَّا أَن يكون من الْمُعْتَرف بالأحوال أَو قَائِلا بنفيها فَإِذا كَانَ من الْقَائِل بهَا فالوجود الذى هُوَ مُتَعَلق الرُّؤْيَة حِينَئِذٍ لَا بُد وَأَن يكون هُوَ نفس الْمَوْجُود لَا زَائِدا عَلَيْهِ وَإِلَّا كَانَ حَالا وَخرج عَن أَن يكون مُتَعَلق الرُّؤْيَة وَإِذا كَانَ هُوَ نفس الْمَوْجُود وَلَيْسَ بزائد على الذَّات فَلَا بُد من بَيَان الِاشْتِرَاك بَين الذوات الْمَوْجُودَة شَاهدا وغائبا والا فَلَا يلْزم من جَوَاز تعلق الرُّؤْيَة بِأحد الْمُخْتَلِفين جَوَاز تعلقهَا بِالْآخرِ وَلَا يخفى أَن ذَلِك مِمَّا لَا سَبِيل اليه والا كَانَ البارى مُمكنا لمشاركته الممكنات بذواتها فِي حقائقها وَهُوَ مُتَعَذر
ثمَّ وَلَو قيل لَيْسَ مُتَعَلق الْإِدْرَاك هُوَ نفس الْوُجُود بل مَا وَقع بِهِ الِافْتِرَاق وَالِاخْتِلَاف بَين الذوات كَمَا ذهب اليه بعض الْخُصُوم من الْمُعْتَزلَة لم يجد فِي دفع ذَلِك مُسْتَندا غير الِاسْتِنَاد إِلَى مَحْض الدَّعْوَى وَلَيْسَ من الصَّحِيح مَا قيل فِي دَفعه من أَن الْإِدْرَاك اخص من الْعلم وَالْعلم عِنْد الْخصم مِمَّا لَا يَصح تعلقه بالأحوال على حيالها فَيمْتَنع دَعْوَى تعلق مَا هُوَ أخص بهَا فَإِنَّهُ لَا يلْزم من انْتِفَاء تعلق الْعلم بشئ على حياله وان كَانَ أَعم إنتفاء تعلق الْأَخَص بِهِ اللَّهُمَّ الا ان يكون الْأَعَمّ جُزْءا من معنى الْأَخَص وَيكون تعلق الْأَخَص بِهِ من جِهَة مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من حَقِيقَة مَا تخصص بِهِ من الْمَعْنى الْعَام إِذْ هُوَ نفس حَقِيقَة مَا منع من تعلقه وَهُوَ تنَاقض اما ان كَانَ الْأَعَمّ كالعرض الْعَام للأخص أَو هُوَ دَاخل فِي مَعْنَاهُ لَكِن تعلق الْمُتَعَلّق لَيْسَ إِلَّا من جِهَة خصوصه لَا من جِهَة مَا يتضمنه من الْمَعْنى
стр. 151
الْعَام فَلَا مَانع من ان يكون تعلقه بالشئ على حياله وان كَانَ تعلق الْمَعْنى الْعَام بِهِ لَا على حياله
ثمَّ وَلَو قَدرنَا امْتنَاع تعلق الاخص بالشئ على حياله لضَرُورَة امْتنَاع تعلق الْأَعَمّ بِهِ على حياله فحاصله إِنَّمَا هُوَ رَاجع إِلَى مناقضة الْخصم فِي مذْهبه وَهُوَ غير كَاف فِيمَا يرجع إِلَى الِاسْتِقْلَال بتحصيل الْمَطْلُوب لضَرُورَة تخطئة الْخصم فِيمَا وَقع مُسْتَندا لَهُ وَهُوَ من خَصَائِص مذْهبه وَلِهَذَا لَو اعْترف بخطئه فِيمَا ذهب إِلَيْهِ لم يَك مَا قيل مثمرا للمطلوب وَلَا لَازِما عَلَيْهِ كَيفَ وَأَن ذَلِك وَإِن كَانَ مناقضا لبَعض الْخُصُوم كالجبائى وَمن تَابعه لضَرُورَة مَنعه من تعلق الْعلم بِمَا وَقع بِهِ الِاتِّفَاق والافتراق على حياله فَهُوَ غير لَازم فِي حق غَيره اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون قَائِلا بمقالته وَذَلِكَ مِمَّا لَا سَبِيل إِلَى دَعْوَى عُمُومه
وان كَانَ من الْقَائِلين بنفى الْأَحْوَال فَمَا وَقع بِهِ الِاخْتِلَاف بَين الذوات حِينَئِذٍ لَا مَانع من أَن يكون من جملَة الْمُصَحح للرؤية لكَونه ذاتا وَإِذ ذَاك فَلَا يلْزم مِنْهُ جَوَاز تعلق الرُّؤْيَة بِوَاجِب الْوُجُود إِلَّا أَن يبين أَن مَا كَانَ مصححا للرؤية فِي باقى الذوات مُتَحَقق فِي حق وَاجِب الْوُجُود وَهُوَ مُتَعَذر
وَلما تخيل بعض الْأَصْحَاب زيغ هَذِه الطَّرِيقَة عَن الصَّوَاب انتهج منهجا آخر فَقَالَ إِن الْجَوَاهِر والأعراض مُتَعَلق الرُّؤْيَة وَلَا محَالة أَن بَينهمَا اتِّفَاقًا وافتراقا فمتعلق الرُّؤْيَة ومصححها إِمَّا مَا بِهِ وَقع الِاتِّفَاق أَو الِافْتِرَاق أَو هما مَعًا لَا جَائِز أَن يكون الْمُصَحح
стр. 152
مَا بِهِ الِاتِّفَاق والافتراق مَعًا أَو الِافْتِرَاق فَقَط إِذْ الْمُصَحح يكون فِي الْجُمْلَة مُخْتَلفا وَالْحكم الْوَاحِد فِي المعقولات يَسْتَحِيل أَن تكون لَهُ علل مُخْتَلفَة أَو يكون الْمَعْلُول أَعم مِنْهُ فبقى أَن يكون الْمُصَحح مَا بِهِ الإتفاق فَقَط وَمَا تخيل الِاشْتِرَاك فِيهِ بَين الْجَوَاهِر والأعراض لَيْسَ إِلَّا الْوُجُود والحدوث لَا غير والحدوث لَا يصلح أَن يكون هُوَ الْمُصَحح لتَعلق الادراك بالشئ فَإِنَّهُ قد يدْرك لَا فِي حَالَة حُدُوثه كَيفَ وَأَن بعض الْجَوَاهِر وَبَعض الْإِعْرَاض حَادِثَة عِنْد الْخصم وَلَا يتَعَلَّق بهَا الْإِدْرَاك فَيمْتَنع أَن يكون هُوَ الْمُصَحح ثمَّ إِن معنى الْحُدُوث لَيْسَ إِلَّا كَون الشئ مَوْجُودا بعد الْعَدَم أَي لم يكن فَكَانَ أَو أَنه مَا لَا يتم وجوده بِنَفسِهِ وكل هَذِه سلوب واعدام لَا سَبِيل إِلَى القَوْل بتعلق الْإِدْرَاك بهَا فبقى أَن يكون الْمُصَحح للإدراك إِنَّمَا هُوَ الْوُجُود فَقَط وواجب الْوُجُود مَوْجُود فَوَجَبَ القَوْل بِجَوَاز تعلق الْإِدْرَاك بِهِ
وَهَذَا الإسهاب أَيْضا مِمَّا لَا يشفى غليلا إِذْ القَوْل بِأَن الرُّؤْيَة لَا بُد لَهَا من مصحح إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ الْفَاعِل أَو الْقَابِل أَو الْغَايَة مِنْهُ فَلَا معنى لحصره فِيمَا اخْتلفت فِيهِ القوابل واتفقت بل جَازَ أَن يكون الْفَاعِل امرا خَارِجا وَسَوَاء كَانَ تَأْثِيره وَفعله بالطبع أَو الارادة وَعند ذَلِك فَلَا بُد من أَن يتَبَيَّن تحقق مثله فِي جَانب تعلق الرُّؤْيَة بِوَاجِب الْوُجُود حَتَّى يَصح كَيفَ وانه لَا يَصح ذَلِك بِمُجَرَّد تحقق الْفَاعِل مَعَ تعذر الْقَابِل وَلِهَذَا قَالَت الْخُصُوم من الإلهيين إِن الْعقل لنفوس الْعَالم عِلّة فاعلية والمعلول مُتَوَقف على اعْتِدَال الْمَادَّة وتهيئها لقبوله فَلَا بُد مَعَ الِاشْتِرَاك فِي الْفَاعِل من تحقق وجود الْقَابِل لَا محَالة ثمَّ وَلَو قدر انحصار الْفَاعِل فِيمَا وَقع بِهِ الِاخْتِلَاف والاتفاق فِي القوابل فَلَا يمْتَنع أَن يكون
стр. 153
مَا وَقع بِهِ الِافْتِرَاق لَهُ مدْخل فِي التَّأْثِير وَالْقَوْل بِأَن الحكم الْوَاحِد العقلى لَا يكون لَهُ عِلَّتَانِ وَلَا يكون أَعم من علته فَيلْزم عَلَيْهِ تعلق الْعلم بمتعلقاته فَإِنَّهَا مُخْتَلفَة من الْوَاجِب والجائز والمستحيل وَلَا محَالة أَنا لَا نجد معنى وَاحِدًا وَقَضِيَّة متحدة يَقع بهَا الِاشْتِرَاك بَين هَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة فان كَانَ لابد وَأَن يكون الْفَاعِل مَا وَقع بِهِ الِاتِّفَاق والافتراق بَين القوابل فَيلْزم أَن يكون الْفَاعِل هَهُنَا مُخْتَلفا والمعلول متحدا لضَرُورَة عدم الِاشْتِرَاك فِي معنى وَاحِدًا كَمَا بَيناهُ
ثمَّ إِن الْمَعْلُول إِنَّمَا يكون أَعم من الْعلَّة عِنْد القَوْل بتعددها أَن لَو كَانَ الْمَعْلُول فِي نَفسه وَاحِدًا لَا تكْثر فِيهِ أما إِذا كَانَ مُتَعَددًا بِتَعَدُّد محاله ومتعلقاته فَلَا إِذْ لَا مَانع من ان يكون كل وَاحِد من العلتين المختلفتين يُؤثر فِي أحد المعلولين دون الآخر وَلَا يَتَرَتَّب مَعْلُول كل وَاحِد على الْعلَّة الْأُخْرَى كَيفَ وَأَن هَذَا الْقَائِل مِمَّن يجوز صُدُور المختلفات عَن الْوَاحِد فَمَا بَال الْوَاحِد مِمَّا يمْتَنع صدوره عَن المختلفات وَمَا الذى يُمكن أَن يتخيل فارقا بَين الصُّورَتَيْنِ وقادحا بِي الْحَالَتَيْنِ
ثمَّ إِن هَذَا الْقَائِل إِن كَانَ مِمَّن يعْتَرف بِأَن الْوُجُود هُوَ نفس الْمَوْجُود وَأَنه لَيْسَ بزائد على ذَات الْمَوْجُود فَلَا محَالة أَن الذوات مُخْتَلفَة وَلَا محيص من الِاعْتِرَاف بِكَوْن الْمُخَصّص مُخْتَلفا وَعند ذَلِك فَلَا يلْزم من جَوَاز تعلق الرُّؤْيَة بِأحد الْمُخْتَلِفين جَوَاز تعلقهَا بِالْآخرِ وان كَانَ مِمَّن يَقُول بِكَوْنِهِ زَائِدا على ذَات الْمَوْجُود فإمَّا أَن يكون قَضِيَّة مُطلقَة مُشْتَركَة أَو أَن يكون لَهُ تَخْصِيص بِكُل وَاحِد من الذوات فَإِن كَانَ الأول فمحال أَن يتَعَلَّق
стр. 154
بِهِ الْإِدْرَاك وان كَانَ الثانى فَلَا خلاف فِي تغايره وَإِذ ذَاك فَلَا بُد من الِاخْتِلَاف بَين هَذِه الحودث فِي امْر زَائِد على نفس الْوُجُود والا لما صَحَّ القَوْل بالتغاير وَعند ذَلِك فإمَّا أَن يكون الْوُجُود مُتَعَلق الرُّؤْيَة أَو مصححا لَهَا مَعَ قطع النّظر عَن الْمُخَصّص فَهُوَ مُمْتَنع وَإِمَّا أَن لَا يكون مصححا إِلَّا بِالنّظرِ إِلَى الْمُخَصّص فَلَا مَانع من جعل الْمُخَصّص من جملَة الْمُصَحح وَلَا مهرب مِنْهُ هَذَا ان أُرِيد بِهِ الْفَاعِل
وَإِن أُرِيد بِهِ الْقَابِل فالقابل لما اتّحدت حَقِيقَته لَا يجب أَن يكون هُوَ فِي نَفسه متحدا كَمَا فِي تعلق الْعلم بمتعلقاته ثمَّ إِنَّه لَا خلاف فِي جَوَاز تعدد المقبول واتحاد الْقَابِل إِذْ الشئ الْوَاحِد قد يكون قَابلا للكمية والكيفية وَالْإِضَافَة وَغير ذَلِك من الْأَغْرَاض مَعَ اختلافها وَإِذا لم يبعد اتِّحَاد الْقَابِل لم يبعد اتِّحَاد المقبول وتعدد الْقَابِل أَيْضا ثمَّ إِنَّه إِمَّا أَن يكون وجود الْمَوْجُود الذى هُوَ الْمُصَحح هُوَ نفس الْوُجُود أَو زَائِدا عَلَيْهِ وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ فَيلْزم التَّعَدُّد فِي الْمُصَحح كَمَا سلف
وَإِن أُرِيد بالمصحح الْغَايَة فَهُوَ إِن سومح فِيهِ فَلَا معنى لحصره فِيمَا وَقع بِهِ الِاتِّفَاق والافتراق فِي الْقَابِل أَيْضا ثمَّ يلْزم عَلَيْهِ تعلق الْعلم بمتعلقاته كَمَا أسلفناه وَلَا محيص عَنهُ وَإِن أُرِيد بِهِ مَا هُوَ كالذاتى فَلَا يخفى أَن قَول الْقَائِل مَا وَقع بِهِ الِاتِّفَاق والافتراق بَين متعلقات الْإِدْرَاك يكون ذاتيا لنَفس الْإِدْرَاك تضليل وحيد عَن وَاضح السَّبِيل كَيفَ وَيلْزم عَلَيْهِ أَيْضا تعلق الْعلم بمتعلقاته كَمَا سلف
ثمَّ لَو سلم أَن مَا وَقع بِهِ الِافْتِرَاق لَا يصلح أَن يكون مصححا فَإِن الْمُصَحح لَا بُد وَأَن يكون أمرا مُشْتَركا فَلَا بُد من بَيَان أَنه لَا مُشْتَرك إِلَّا الْوُجُود والا فَمَعَ جَوَاز القَوْل باشتراكهما فِي معنى آخر غير الْوُجُود فَيجوز أَن يكون هُوَ الْمُصَحح أَو دَاخِلا فِي الْمُصَحح
стр. 155
وَعند ذَلِك فَلَا يلْزم جَوَاز تعلق الرُّؤْيَة بِوَاجِب الْوُجُود لجَوَاز أَن يكون الْمُصَحح غير شَامِل لَهُ كَمَا فِي الْوُجُود وَذَلِكَ لَا دَلِيل عَلَيْهِ غير الْبَحْث والسبر وَهُوَ مَا لَا يرقى إِلَى ذرْوَة الْيَقِين بل لَعَلَّه مِمَّا يقصر عَن إِفَادَة الظَّن والتخمين
كَيفَ وَأَن مَا سلم الْخصم تعلق الرُّؤْيَة بِهِ شَاهدا لَيْسَ إِلَّا الأجرام أَو مَا قَامَ بهَا دون الْجَوَاهِر الَّتِى عَنْهَا تكون الأجرام بل أخص من ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يسلم تعلق الرُّؤْيَة بِكُل جرم وكل عرض بل بَعْضهَا مِمَّا لَا تتَعَلَّق الرُّؤْيَة عِنْده بِهِ كَمَا فِي الْهَوَاء والطعوم والأراييح وَنَحْوه وَإِذا لم تتَعَلَّق الرُّؤْيَة بِغَيْر الأجرام والأكوان فَلَا محَالة أَن الاجرام عِنْد أهل الْحق هى كل مَا ائتلف من جوهرين فَصَاعِدا وَمَعَ قطع النّظر عَن التَّأْلِيف فَالْقَوْل بتفهم معنى الجرم محَال والتأليف لَا محَالة عرض وَبَينه وَبَين الْأَعْرَاض مجانسة مَا واشتراك فِي معنى مَا وَعند ذَلِك فَلَا مَانع من أَن يكون الْمُصَحح للرؤية هُوَ ذَلِك الْمَعْنى وَمَعَ القَوْل بِهِ فَلَا سببيل إِلَى تعلق الرُّؤْيَة بِوَاجِب الْوُجُود لعدم مشاركته لغيره من المرئيات فِي ذَلِك الْمَعْنى
ثمَّ إِنَّه لَو قدر أَنه لَا مُشْتَرك إِلَّا الْوُجُود فَلَا بُد من بَيَان أَن وجود وَاجِب الْوُجُود مجانس للوجود الذى هُوَ مُتَعَلق الرُّؤْيَة شَاهدا حَتَّى يلْزم تعلق الرُّؤْيَة بِهِ وَذَلِكَ مِمَّا يعز ويشق جدا
стр. 156
وَمِمَّا اعْتمد عَلَيْهِ أَيْضا أَن قيل الرُّؤْيَة معنى لَا يتأثر بِهِ المرئى وَلَا يتأثر مِنْهُ لَا بِأَفْعَال وَلَا بانفعال وَمَا هَذَا حكمه فِي تعلقه فَلَا مَانع من تعلقة وَصَارَ حكمه حكم الْعلم من غير فرق
وَاعْلَم أَن هَذِه الطَّرِيقَة مَعَ احتاجها إِلَى تَقْرِير معنى التَّأْثِير وَحصر الْمَوَانِع بأسرها ونفيها مِمَّا لَا حالصل لَهَا وَذَلِكَ أَنه لَا يخفى ان تعلق الشئ بِغَيْرِهِ لَيْسَ مِمَّا يتم بِانْتِفَاء التَّأْثِير وَزَوَال الْمَانِع بل لابد من بَيَان الصلاحية للتعلق بَين المتعلقين وَلَو انْتَفَى كل مَا يقدر من الْمَوَانِع وَعند الْعود إِلَى بَيَان الصلاحية والقبولية يرجع الْكَلَام إِلَى الْوُجُود وتصحيحة للتعلق وَقد انْتهى القَوْل فِيهِ
فَإِذا التَّحْقِيق فِي إِيضَاح الطَّرِيق يتَوَقَّف على بَيَان معنى الْإِدْرَاك والكشف عَن حَقِيقَته فَنَقُول الْإِدْرَاك عبارَة عَن كَمَال يحصل بِهِ مزِيد كشف على مَا يخيل فِي النَّفس من الشئ الْمَعْلُوم من جِهَة التعقل بالبرهان أَو الْخَبَر وَلِهَذَا نجد التَّفْرِقَة بَين كَون الصُّورَة مَعْلُومَة للنَّفس مَعَ قطع النّظر عَن تعلق الحاسة الظَّاهِرَة بهَا وَبَين كَونهَا مَعْلُومَة مَعَ تعلق الحاسة بهَا فَإِذا هَذَا الْكَمَال الزَّائِد على مَا حصل فِي النَّفس بِكُل وَاحِدَة من الْحَواس هُوَ الْمُسَمّى إدراكا كَمَا مضى وَقد بَينا أَن هَذِه الإدراكات فِيمَا مضى لَيست بِخُرُوج شئ من الْآلَة الدراكة إِلَى الشئ الْمدْرك وَلَا بانطباع صُورَة الْمدْرك فِيهَا وانما هُوَ معنى يخلقه الله تَعَالَى فِي تِلْكَ الحاسة وَقد بَينا أَن البنية الْمَخْصُوصَة لَيست بِشَرْط لَهُ كَمَا مضى بل لَو خلق
стр. 157
الله ذَلِك الْمَعْنى فِي الْقلب أَو غَيره من الْأَعْضَاء لقد كُنَّا نسمى ذَلِك مدْركا وَإِذا جَازَ أَن يخلق الله تَعَالَى فِي الحاسة زِيَادَة كشف وَبَيَان بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا حصل فِي النَّفس فَلَا محَالة ان الْعقل لَا يحِيل أَن يخلق الله تَعَالَى للحاسة زِيَادَة كشف وايضاح بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا حصل فِي النَّفس من الْعلم بِهِ وَأَن تسمى تِلْكَ الزِّيَادَة من الْكَشْف إدراكا والجاحد لذَلِك خَارج عَن الْعدْل والانصاف منتهج مَنْهَج الزيغ والإنحراف
وَمن عرف سر هَذَا الْكَلَام عرف غور كَلَام أَبى الْحسن فِي قَوْله إِن الْإِدْرَاك نوع مَخْصُوص من الْعُلُوم لكنه لَا يتَعَلَّق إِلَّا بالموجودات وَإِذا عرف ذَلِك فالعقل يجوز أَن يخلق الله تَعَالَى فِي الحاسة المبصرة بل وفى غَيرهَا زِيَادَة كشف بِذَاتِهِ وبصفاته على مَا حصل مِنْهُ بِالْعلمِ الْقَائِم فِي النَّفس من غير أَن يُوجب حدوثا وَلَا نقصا وَذَلِكَ هُوَ الذى سَمَّاهُ أهل الْحق إدراكا
فالمنازعة إِذا بعد تَحْقِيق هَذَا الْمَعْنى وإيضاحه إِمَّا أَن تستند إِلَى فَسَاد فِي المزاج أَو إِلَى مَحْض الْجحْد والعناد
وعَلى هَذَا نقُول يجوز أَن يتَعَلَّق بالإدراك والطعوم والأراييح والعلوم وَالْقدر والإرادات وَغير ذَلِك مِمَّا لَا تتَعَلَّق بِهِ الإدراكات فِي مجارى الْعَادَات وَبِمَا حققناه ينْدَفع مَا يهول بِهِ الْخُصُوم ويعتمدون عَلَيْهِ ويستندون فِي الْإِلْزَام اليه وَهُوَ قَوْلهم إِن الرُّؤْيَة تستدعى
стр. 158
الْمُقَابلَة والمقابة تستدعى الْجِهَة والجهة توجب كَونه جوهرا أَو عرضا فَإِنَّهُم لم يبنوا ذَلِك إِلَّا على فَاسد أصولهم فِي أَن الأدراك بالبصر لَا يكون إِلَّا بانبعاث الأشعة من الْعين واتصالها بالمبصر أَو انطباع المبصر فِي الْبَصَر بِسَبَب الْمُقَابلَة وتوسط المشف وَذَلِكَ كُله قد ابطلناه وَبينا أَنه لَيْسَ الْإِدْرَاك إِلَى نوعا من الْعُلُوم يخلقه الله تَعَالَى فِي الْبَصَر وَذَلِكَ لَا يُوجب فِي تعلقه بالمدرك مُقَابلَة وَلَا جِهَة أصلا كَيفَ وَأَن هَذَا لَا يسوغ من الْمُعْتَرف من الْخُصُوم بِكَوْن البارى تَعَالَى يرى نَفسه وَغَيره والا كَانَ البارى تعإلى فِي جِهَة ولكان الإزام عَلَيْهِ منعكسا
وَمن الاصحاب من أورد فِي دفع ذَلِك رُؤْيَة الْإِنْسَان نَفسه فِي الْمرْآة وان لم يكن فِي مُقَابلَة نَفسه لَكِن فِيهِ نظر وَهُوَ مِمَّا لَا يكَاد يقوى وللخصوم على مَا ذَكرْنَاهُ خيالان
الخيال الأول أَنهم قَالُوا مَا ذكرتموه فِي إِدْرَاك الْبَصَر اما تعممونه بِكُل الإدراكات أَو توجبون تَخْصِيصه بالبصر فَقَط فان قُلْتُمْ بالتعميم فيلزمكم على سِيَاقه أَن يكون البارى مسموعا ومشموما ومذاقا وملموسا وَذَلِكَ مِمَّا يتحاشى عَن القَوْل بِهِ ارباب الْعُقُول وان قُلْتُمْ بالتخصيص فَلَا بُد من وَجه الافترق بَينه وَبَين باقى الإدراكات والا فَهُوَ تحكم غير مَعْقُول
стр. 159
الخيال الثانى
أَنهم قَالُوا لَو جَازَ أَن يكون مرئيا على النَّحْو الذى حققتموه لجَاز أَن يكون مرئيا فِي دَار الدُّنْيَا فِي وقتنا هَذَا إِذْ الْمَوَانِع من الْقرب المفرط والبعد المفرط والحجب منفية فَحَيْثُ لم ينفع انْتِفَاء الْمَوَانِع لم يكن ذَلِك إِلَّا لكَونه غير مرئى فِي نَفسه
قُلْنَا أما الخيال الأول فقد قَالَ بعض الْأَصْحَاب إِنَّه إِنَّمَا لم يجز تعلق باقى الإدراكات بِهِ من جِهَة أَن شَرط حُصُول الْإِدْرَاك بهَا اتِّصَال الإجسام ومحاذاة الأجرام وَلَا كَذَلِك الْبَصَر وَهُوَ مِمَّا لَا يكَاد يُفِيد إِذْ الشغب فِيهِ غير مُنْقَطع واللجاج غير منحسم وَلَعَلَّ الْخصم قد يُقَابل بِمثل ذَلِك فِي الْبَصَر وَدفعه عسير غير يسير
فَالْحق فِي ذَلِك أَن يُقَال إِن كل الإدراكات من جِهَة كَونهَا كمالات يحصل بهَا مزِيد كشف الْمدْرك بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا تعلق بِهِ من الْعلم النفسانى وَأَنَّهَا مخلوقة لله تعإلى فِي محَال الْإِدْرَاك من غير تَأْثِير فِي الْمدْرك والمدرك والاتصال والانفصال فَغير مُخْتَلفَة وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِيهَا من جِهَات أخر وَذَلِكَ أَن مَا يخلقه الله من زِيَادَة الْكَشْف إِن كَانَ من ذَات الشئ ووجوده بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يحصل من تعلق علم النَّفس بِهِ شرحا سمى ذَلِك نظرا وان تعلق الْعلم بِكَوْنِهِ كلَاما كَانَ ذَلِك من الْكَلَام النفسانى اَوْ اللسانى مِمَّا يحصل بِخلق الله تَعَالَى من زِيَادَة الْكَشْف بِكَوْنِهِ كلَاما لَا من جِهَة كَونه مَوْجُودا سمى ذَلِك سَمَاعا وَبِهَذَا الْمَعْنى سمى مُوسَى سَامِعًا لكَلَام الله تَعَالَى وَمَا يحصل بِخلق الله
стр. 160
تَعَالَى من زِيَادَة الْكَشْف بطعم شئ على مَا حصل من الْعلم بِهِ لَا من جِهَة كَونه مَوْجُودا أَو كلَاما سمى ذَلِك الْإِدْرَاك ذوقا وعَلى هَذَا النَّحْو فِيمَا يدْرك من الكيفيات المحسوسة الْأَرْبَعَة أَو الملموسات
وَلَا محَالة أَن هَذِه الإدراكات مُخْتَلفَة النوعية متمايزة بالخواص فَإِن مَا حصل من الْكَشْف وَالزِّيَادَة من كَون الْمَوْجُود مَوْجُودا امْر يغاير بِذَاتِهِ مَا حصل من مزِيد الْكَشْف من كَونه كلَاما أَو طعما أَو رَائِحَة أَو غَيره فامتناع كَون البارى مسموعا انما كَانَ من جِهَة أَنه لَيْسَ هُوَ فِي نَفسه كلَاما وَلَا حَقِيقَته نطقا فالعلم لم يتَعَلَّق بِهِ بِكَوْنِهِ كلَاما فادراكه إِذْ ذَاك بِالسَّمْعِ يكون مُمْتَنعا بلَى لَو قيل إِن كَلَامه يكون مسموعا لقد كَانَ ذَلِك جَائِزا وعَلى هَذَا النَّحْو امْتنَاع كَونه مشموما ومذوقا وملموسا وَلَا كَذَلِك الْبَصَر فَإِن الْبَصَر هُوَ مَا يخلقه الله من زِيَادَة الْكَشْف من كَونه ذاتا ووجودا وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَسْتَحِيل تعلق الْعلم بِهِ حَتَّى لَا يُسمى مَا حصل من مزِيد الْكَشْف عيله بصرا وَمن عرف مَا نعنى بِإِدْرَاك هان عَلَيْهِ الْفرق وَسَهل لَدَيْهِ فهم معنى الرُّؤْيَة واندفع عَنهُ الاشكال وَزَالَ عَن ذهنه الخيال
وعَلى هَذَا حُصُول مثل هَذِه الإدراكات لله تَعَالَى واتصافه بهَا غير مُمْتَنع فِي نَفسه عقلا وان لم يجز القَوْل بإطلاقها عَلَيْهِ شرعا لعدم وُرُوده بهَا فَإِن حُصُول الإدراكات الْمُخْتَلفَة لمدرك وَاحِد جَائِز أما تعلق الإدراكات الْمُخْتَلفَة بمدرك وَاحِد من جِهَة وَاحِدَة فممتنع كَمَا بَينا واما انْتِفَاء وُقُوع الْإِدْرَاك فِي وقتنا هَذَا فَإِنَّمَا يلْزم مِنْهُ انْتِفَاء جَوَاز تعلق الْإِدْرَاك بِهِ أَن لَو لم يقدر ثمَّ مَانع وصاد وَلَيْسَ مستندهم فِي حصر مَا ذَكرُوهُ من الْمَوَانِع غير الْبَحْث والسبر وَأَعْلَى درجاته أَن يُفِيد ظنا بِعَدَمِ الْمَانِع لَا علما كَيفَ وَأَنه من الْمُحْتَمل أَن يكون الْمَانِع من الْإِدْرَاك تكدر النَّفس بالشواغل الْبَدَنِيَّة وانغماسها فِي الرذائل الشهوانية وتعلقها بعالم الظلال وانهماكها فِي الْبدن وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَحْوَال فَعِنْدَ صفوها فِي الدَّار
стр. 161
الْأُخْرَى وَزَوَال كدورتها بِانْقِطَاع علائقها وانفصال عوائقها يتَحَقَّق لَهَا مَا كَانَت مستعدة لقبوله ومتهيئة لإدراكه
وَلَا يهولنك مَا يجعجع بِهِ الْخصم ويشنع وَهُوَ قَوْله لَو جَازَ أَن يكون مدْركا لَا متنع أَن لَا يتَعَلَّق بِهِ الْإِدْرَاك مَعَ سَلامَة آلَة الْإِدْرَاك والا جَازَ أَن يكون الْإِنْسَان بَين يَدَيْهِ فيل وَاقِف أَو جبل شامخ وَهُوَ لَا يرَاهُ
فَذَلِك من السفسطة والتجاهل لِأَنَّهُ لما وَقع الِاشْتِرَاك فِي اسْم الْجَوَاز بَين الْجَوَاز العقلى والعادى وَرَأى ان من حكم بذلك كَانَ بِالنّظرِ إِلَى الْعَادة مُسْتَقِيمًا ظن ذَلِك وَاقعا فِي القطعى أَيْضا وَلَيْسَ كَذَلِك على مَا سبق تَحْقِيقه ثمَّ وَكَيف ننكر ذَلِك مَعَ مَا قد ورد من الْأَخْبَار وتواتر من الْآثَار المستندة إِلَى الشَّرِيعَة الطاهرة والرسالة الظَّاهِرَة مِمَّا أوجب لنا الْعلم بَان مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ كَانَ يرى جِبْرِيل وَيسمع كَلَامه عِنْد نُزُوله عَلَيْهِ وَمن هُوَ حَاضر فِي مَجْلِسه لَا يدْرك شَيْئا من ذَلِك مَعَ سَلامَة آلَة الْإِدْرَاك
وَمِمَّا يلْزم الْمُعْتَرف بالنبوات الْمُصدق بالرسالات فِي جَوَاز تعلق الْإِدْرَاك بالبارى
стр. 162
تَعَالَى قَول الكليم ﴿أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ وَلَو كَانَ مستحيلا لَكَانَ الكليم الْأمين على الرسَالَة الْمُصْطَفى للنبوة جَاهِلا بِاللَّه وَمِمَّا يكون لَو كَانَ عَلَيْهِ لجَاز أَن يَعْتَقِدهُ جسما أَو عرضا أَو غير ذَلِك وَذَلِكَ مِمَّا تأباه الْعُقُول ومراتب الْإِمَامَة حَيْثُ اعْتقد بِاللَّه مَا لَا يَلِيق بِهِ وَذَلِكَ كفر وَلَا يلْزم عَلَيْهِ عدم مَعْرفَته لوُقُوع الرُّؤْيَة فِي الدُّنْيَا فان الظَّن بذلك أَو الْجَهْل بِهِ لَا يعد كفرا
وَقَوله ﴿تبت إِلَيْك﴾ مِمَّا لَا ينْهض شبة فِي جَوَاز خطئه وجهله بذلك إِذْ التَّوْبَة قد تطلق بِمَعْنى الرُّجُوع وَمِنْه قَوْله ﴿تَابَ عَلَيْهِم ليتوبوا﴾ أى رَجَعَ عَلَيْهِم بِالْفَضْلِ والإنعام وَعند ذَلِك فَيحْتَمل أَنه أَرَادَ بِالتَّوْبَةِ أَن لَا يرجع إِلَى مثل تِلْكَ الْمَسْأَلَة لما رأى من الْأَهْوَال لَا لكَونه غير جَائِز فِي نَفسه وَيحْتَمل أَنه لما رأى تِلْكَ الْأَهْوَال تذكر لَهُ ذَنبا فأقلع عَنهُ بِالتَّوْبَةِ لَا لِأَن مَا سَأَلَ عَنهُ لَيْسَ جَائِزا فِي نَفسه وَلَا يُمكن حمل السُّؤَال على طلب مثل ذَلِك الْجَواب لأجل دفع توقعهم فِي قَوْلهم ﴿أرنا الله جهرة﴾ وَلَا على الْعلم بِاللَّه والمعرفة بِهِ فانه كَيفَ يظنّ بالنبى سُؤال الْمحَال لأجل قومه بل لَو علم أَن ذَلِك مِمَّا لَا يجوز لبادر إِلَى دفعهم فِي الْحَال كَمَا قَالَ لَهُم ﴿إِنَّكُم قوم تجهلون﴾ عِنْد
стр. 163
قَوْلهم ﴿اجْعَل لنا إِلَهًا﴾ كَيفَ وَقد وَقع ردعهم وزجرهم عَن مثل ذَلِك السُّؤَال بِأخذ الصاعقة لَهُم وَالْعَذَاب الْأَلِيم عَقِيبه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَأَخَذتهم الصاعقة وهم ينظرُونَ﴾ وَلَيْسَ فِي أَخذ الصاعقة لَهُم مَا يدل على امْتنَاع مَا طلبوه بل لأَنهم طلبُوا ذَلِك فِي معرض التشكيك فِي نبوة مُوسَى وقصدوا إعجازه عَن ذَلِك فَأنْكر الله ذَلِك مِنْهُم كَمَا انكر قَوْلهم ﴿لن نؤمن لَك حَتَّى تفجر لنا من الأَرْض ينبوعا﴾ وَقَوْلهمْ ﴿أنزل علينا مائدة من السَّمَاء﴾ لَا لِأَن ذَلِك مُسْتَحِيل بل بِالنّظرِ إِلَى مَا قصد بالسؤال هَهُنَا ثمَّ الْآيَة بظاهرها تدل على أَن السُّؤَال لم يكن إِلَّا لمُوسَى ﵇ بقوله ﴿أَرِنِي﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿لن تراني وَلَكِن انْظُر إِلَى الْجَبَل فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني﴾ وَلَو كَانَ الْمَقْصُود من ذَلِك دفع قومه عَن سُؤال الرُّؤْيَة لم ينتهض دفع مُوسَى عَن الرُّؤْيَة شُبْهَة فِي دفع قومه
وَأما حمل الطّلب على الْمعرفَة بِاللَّه فأبعد من الأول أَيْضا من جِهَة أَن لفظ النّظر إِذا أطلق فالمفهوم مِنْهُ ظَاهرا لَيْسَ إِلَّا النّظر بِالْعينِ ثمَّ إِن مُوسَى ﵇ لم يكن جَاهِلا بربه وَلَا غير عَارِف بِهِ وَإِلَّا لما صَحَّ كَونه نَبيا فَحمل الرُّؤْيَة على التَّعْرِيف لما قد عرفه يكون من عَبث الْكَلَام وسمجه وَلَا يجوز أَن ينْسب مثل ذَلِك إِلَى جَاهِل غبى فضلا عَن نبى صفى
لَكِن قد يتخيل من ﴿لن تراني﴾ مَا يدْرَأ القَوْل بِالْجَوَازِ وَهُوَ بعيد فَإنَّا سنبين أَن ذَلِك لم يكن منعا لَهُ إِلَّا فِي الدُّنْيَا وان قيل إِن ذَلِك للتأبيد فَلَيْسَ مِنْهُ مَا يدل على نفى
стр. 164
الْجَوَاز بل لَو قيل إِنَّه يدل على الْجَوَاز لقد كَانَ ذَلِك سائغا وَاقعا من جِهَة انه لم يقل لست بمرئ بل احال ذَلِك على عجز الرائى وَضَعفه عَن الْإِدْرَاك بقوله ﴿لن تراني﴾ وَلَو كَانَ غير مرئى لَكَانَ الْجَواب لست بمرئى كَمَا لَو قَالَ أرنى أنظر إِلَى صُورَتك ومكانك فَإِنَّهُ لَا يحسن أَن يُقَال لن ترى صورتى وَلَا مكانى بل لست بذى صُورَة وَلَا مَكَان
وعَلى الْجُمْلَة فلسنا نعتمد فِي هَذِه الْمَسْأَلَة على غير المسلك العقلى الذى اوضحناه إِذْ مَا سواهُ لَا يخرج عَن الظَّوَاهِر السمعية والاستبصارات الْعَقْلِيَّة وهى مِمَّا يتقاصر عَن إِفَادَة الْقطع وَالْيَقِين فَلَا يذكر إِلَّا على سَبِيل التَّقْرِيب واستدراج قَانِع بهَا إِلَى الإعتقاد الحقيقى إِذْ رب شخص يكون انقياده إِلَى ظواهر الْكتاب وَالسّنة واتفاق الْأمة اتم من انقياده الى المسالك الْعَقْلِيَّة والطرق اليقينية لخشونة معركها وقصوره عَن مدركها
وَإِذا عرف جَوَاز الرُّؤْيَة عقلا فَيدل على وُقُوعهَا شرعا قَوْله تَعَالَى ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ وَوجه الِاحْتِجَاج مِنْهُ أَن النّظر فِي لُغَة الْعَرَب قد يُطلق بِمَعْنى
стр. 165
الِانْتِظَار وَمِنْه قَوْله تعإلى ﴿انظرونا﴾ ان انتظرونا وَقَوله ﴿مَا ينظرُونَ إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة﴾ أَي ينتظرون وَمِنْه قَول الشَّاعِر ... فَإِن يَك صدر هَذَا الْيَوْم ولى ... فَإِن غَد لناظره قريب ...
أَي لمنتظره وَهُوَ إِذا اسْتعْمل بِهَذَا الْمَعْنى جَاءَ من غير صلَة وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ التفكر وَالِاعْتِبَار وَإِذا اسْتعْمل بإزائه وصل بفى وَمِنْه يُقَال نظرت فِي الْمَعْنى الفلانى أَو فِي الْكتاب وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْعَطف وَالرَّحْمَة وَإِذا اسْتعْمل بازائه وصل بِاللَّامِ وَمِنْه تَقول الْعَرَب نظر فلَان لفُلَان وَقد يُطلق بِمَعْنى الإبصار بالبصر وَإِذا اسْتعْمل بإزائه وصل بإلى وَمِنْه قَول الشَّاعِر ... إنى إِلَيْك لما وعدت لناظر ... نظر الذَّلِيل إِلَى الْعَزِيز القاهر ...
ومقال الْعَرَب نظرت إِلَى فلَان أى أبصرته ببصرى
وَالنَّظَر الْمَذْكُور فِي الْآيَة مَوْصُول بإلى فَوَجَبَ حمله لُغَة على النّظر بِالْعينِ فَإِن قيل قد يُوصل النّظر بإلى وَلَا يُرَاد بِهِ الإبصار بِالْعينِ وَمِنْه قَول الشَّاعِر ... وَيَوْم بذى قار رَأَيْت وجوهم ... إِلَى الْمَوْت من وَقع السيوف نواظرا ...
стр. 166
وَالْمَوْت لَا يتَصَوَّر ان يكون مرئيا بِالْعينِ ثمَّ إِنَّه يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بقوله ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ أى إِلَى ثَوَاب رَبهَا ناظرة وَيكون ذَلِك تجوزا بِحَذْف الْمُضَاف وَإِقَامَة الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه كَيفَ وهى مُعَارضَة بقوله تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ وَقَوله لمُوسَى ﴿لن تراني﴾ وهى للتأبيد وَلَيْسَ الْعَمَل بِأحد الظاهرين بِأولى من الآخر بل التَّرْجِيح لنا فَإِنَّهُ أورد ذَلِك فِي معرض التمدح والاستعلاء فَلَو جَازَ أَن يكون مدْركا لزال عَنهُ التمدح وَهُوَ محَال
قُلْنَا قد بَينا أَنه مهما اتَّصَلت إِلَى بِالنّظرِ فَإِنَّهُ لَا يُرَاد بِهِ غير النّظر بِالْعينِ هُوَ المُرَاد من قَول الشَّاعِر ... إِلَى الْمَوْت من وَقع السيوف نواظرا ...
لَكِن يحْتَمل أَنه أَرَادَ بِالْمَوْتِ الْكر والفر والطعن وَالضَّرْب معبرا باسم الْمُسَبّب عَن السَّبَب وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ بِهِ أهل الْحَرْب الَّذين يجرى الْمَوْت وَالْقَتْل على أَيْديهم وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِر ... أَنا الْمَوْت الذى خبرت عَنهُ ... فَلَيْسَ لهارب منى نجاء ...
وَأما نِسْبَة النّظر إِلَى الثَّوَاب فَمَعَ مُخَالفَته الظَّاهِر فَيمْتَنع حمله عَلَيْهِ فَإِن ذَلِك إِنَّمَا ورد فِي معرض الامتنان والإنعام وَالنَّظَر إِلَى الثَّوَاب لَيْسَ بِثَوَاب وَلَا إنعام فَيكون فِيهِ إبِْطَال فَائِدَة الانعام وَهُوَ مُمْتَنع
стр. 167
اما قَوْله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ فَيحْتَمل أَنه اراد بِهِ الْإِدْرَاك الذى يتَبَادَر إِلَى الأفهام ويغلب على الأوهام من الْإِحَاطَة بالغايات والتحديد بالنهايات دفعا لوهم من يتَوَهَّم أَنه يرى لصورة أَو شكل مَخْصُوص وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ بذلك فِي دَار الدِّينَا وَيكون المُرَاد من ذَلِك اللَّفْظ الْعَام الْمَعْنى الْخَاص كَمَا فِي قَوْله ﴿الله خَالق كل شَيْء﴾ وَقَوله ﴿مَا تذر من شَيْء أَتَت عَلَيْهِ إِلَّا جعلته كالرميم﴾ إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات والظواهر السمعيات وَأما وَجه التمدح فَلَيْسَ إِلَّا فِي قَوْله ﴿يدْرك الْأَبْصَار﴾ لَا فِي قَوْله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ وَلَا يُمكن حمله على كلا الْقسمَيْنِ فان بعض الموجودات عِنْد الْخصم لَا يدْرك بالأبصار وَلَيْسَت ممدوحة بذلك وامتداحه لنَفسِهِ فِيمَا وَقع بِهِ الِاشْتِرَاك بَينه وَبَين مَا لَيْسَ بممدوح محَال كَمَا إِذا قَالَ أَنا مَوْجُود أَو ذَات كَيفَ لَا وَإِن الْخصم لَا يُمكنهُ التَّمَسُّك بِهَذِهِ الْآيَة فان مَا ثَبت للبارى تَعَالَى يجب أَن يكون نفس مَا نفى عَن غَيره وَمَا ثَبت للبارى عِنْد الْخصم لَيْسَ إِلَّا نفس الْعلم بالأبصار لَا أمرا زَائِدا عَلَيْهِ فالمنفى عَن الْأَبْصَار يجب أَن يكون نفس الْعلم وَلَيْسَ ذَلِك حجَّة فِي نفى الْإِدْرَاك الذى هُوَ زَائِد على الْعلم
стр. 168
وَقَوله لمُوسَى ﵇ ﴿لن تراني﴾ فَيحْتَمل أَنه أَرَادَ ذَلِك فِي دَار الدُّنْيَا لَا فِي العقبى وَهُوَ الأولى لآن يكون الْجَواب مطابقا للسؤال وَهُوَ لم يسْأَل الرُّؤْيَة فِي غير الدُّنْيَا
وَلنْ فقد قيل المُرَاد بهَا التَّأْكِيد لَا التَّأْبِيد وَإِذ ذَاك فالتخصيص جَائِز كَمَا مضى وَإِن قدر أَن ذَلِك متأبد فِي حق مُوسَى ﵇ فَلَيْسَ ذَلِك حجَّة فِي نفى الرُّؤْيَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره مُطلقًا وَالْقَوْل بِتَأْوِيل هَذِه الظَّوَاهِر على مَا ذَكرْنَاهُ أولى عملا بِالظَّاهِرِ من الْجَانِبَيْنِ وجمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ وَذَلِكَ لَا ينعكس فِي تَأْوِيل مَا اعتمدنا عَلَيْهِ فَإِن ذَلِك لَا يَقع الا بصرفه الى مَا لَا يعْهَد بالأجماع إِطْلَاقه عَلَيْهِ وبإبطال فَائِدَة الإنعام وَكِلَاهُمَا بعيدان وَلَا كَذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ من التَّأْوِيل إِذْ قد عهد مثله فِي الْأَدِلَّة السمعية والظواهر الشَّرْعِيَّة غَالِبا وَهَذَا غَايَة مَا يعْتَمد عَلَيْهِ فِي طرف الْوُقُوع وَمن رام الْيَقِين فِيهِ إِيجَابا أَو سلبا فقد كلف نَفسه حرجا
وَالله الْمُوفق للرشاد
стр. 169
الْقَاعِدَة الثَّانِيَة
فِي ابطال التَّشْبِيه وَبَيَان مَا لَا يجوز على الله تَعَالَى
مُعْتَقد اهل الْحق ان البارى لَا يشبه شَيْئا من الحادثات وَلَا يماثله شئ من الكائنات بل هُوَ بِذَاتِهِ مُنْفَرد عَن جَمِيع الْمَخْلُوقَات وَأَنه لَيْسَ بجوهر وَلَا جسم وَلَا عرض وَلَا تحله الكائنات وَلَا تمازجه الحادثات وَلَا لَهُ مَكَان يحويه وَلَا زمَان هُوَ فِيهِ اول لَا قبل لَهُ وَآخر لَا بعد لَهُ لَيْسَ كمثله شئ وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير
وَأما اخْتِلَاف مَذْهَب أهل التَّشْبِيه فقد قَالَت الفلاسفة إِنَّه جَوْهَر بسيط لَا تركيب فِيهِ بِوَجْه من الْوُجُوه وَلم يتحاشوا من إِطْلَاق اسْم الْجَوْهَر عَلَيْهِ وفسروا الْجَوْهَر بِأَنَّهُ الْمَوْجُود لَا فى مَوْضُوع والموضوع هُوَ الْمحل الْمُتَقَوم بِذَاتِهِ الْمُقَوّم لما يحل فِيهِ ولربما تحاشى بعض الحذاق مِنْهُم عَن إِطْلَاق اسْم الْجَوْهَر عَلَيْهِ وَزعم أَنه الذى مَا هيته إِذا وجدت كَانَت لَا فى مَوْضُوع والبارى تَعَالَى لَيْسَ وجوده زَائِدا على ماهيته بل ذَاته وجوده ووجوده ذَاته فَلم يُوجد فِيهِ معنى الْجَوْهَر
стр. 170
وَأما الكرامية فَمنهمْ من قَالَ إِنَّه جسم وَمن أهل الاهواء من بَالغ وَقَالَ إِنَّه صُورَة على صُورَة الْإِنْسَان ثمَّ هَؤُلَاءِ اخْتلفُوا فَمنهمْ من قَالَ على صُورَة شَاب أَمْرَد جعد قطط وَمِنْهُم من قَالَ هُوَ على صُورَة شيخ أشمط الرَّأْس واللحية وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه مركب من لحم وَدم
واتفقت الكرامية على أَن البارى تَعَالَى مَحل للحوادث لكِنهمْ لم يجوزوا قيام كل حَادث بِذَاتِهِ بل مَا يفْتَقر إِلَيْهِ من الإيجاد والخلق ثمَّ هَؤُلَاءِ يَخْتَلِفُونَ فِي هَذَا الْحَادِث فَمنهمْ من قَالَ قَوْله كن وَمِنْهُم من قَالَ هُوَ الْإِرَادَة وَخلق الْإِرَادَة أَو القَوْل فِي ذَاته يسْتَند إِلَى الْقُدْرَة الْقَدِيمَة لَا انه حَادث بإحداث وَأما خلق سَائِر الْمَخْلُوقَات فَإِنَّهُ مُسْتَند إِلَى الْإِرَادَة أَو القَوْل على نَحْو اخْتلَافهمْ فالمخلوق الْقَائِم بِذَاتِهِ يعبرون عَنهُ بالحادث والمباين لذاته يعبرون عَنهُ بالمحدث وَقد أطبق هَؤُلَاءِ على أَن مَا قَامَ بِذَاتِهِ من الصِّفَات الْحَادِثَة لَا يَتَجَدَّد لَهُ مِنْهَا اسْم وَلَا يعود إِلَيْهِ مِنْهَا حكم حَتَّى لَا يُقَال إِنَّه قَائِل بقول وَلَا مُرِيد بِإِرَادَة بل قَائِل بالقائلية مُرِيد بالمريدية وهى الْمَشِيئَة الأزلية فعلى هَذَا مَا حدث وَهُوَ مباين لذاته يُسمى مُحدثا بإحداث وَمَا حدث فِي ذَاته من الصِّفَات تسمى حَادِثَة لَا بإحداث بل بِالْمَشِيئَةِ الْقَدِيمَة
وَقد اتفتق هَؤُلَاءِ بأسرهم مَعَ بعض الحشوية على أَن البارى تَعَالَى فِي جِهَة وخصوها بِجِهَة فَوق دون غَيرهَا من الْجِهَات لَكِن اخْتلفُوا فِي الْجِهَة فَقَالَت الكرامية إِن كَونه فِي الْجِهَة كَون الْأَجْسَام وَقَالَت الحشوية فِي الْجِهَة لَيْسَ ككون شئ من الحادثات فَهَذِهِ تفاصيل مَذَاهِب أهل الاهواء وتشعبها فِي التَّشْبِيه تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا
стр. 171
وَنحن الْآن مشمرون للكشف عَن زيف مآخذهم وَإِبْطَال مذاهبهم
وَقد سلك بعض الْأَصْحَاب فِي الرَّد على هَؤُلَاءِ طَرِيقا شَامِلًا فَقَالَ لَو كَانَ البارى مُقَدرا بِقدر مصورا بِصُورَة متناهيا بِحَدّ وَنِهَايَة مُخْتَصًّا بِجِهَة متغيرا بِصفة حَادِثَة فِي ذَاته لَكَانَ مُحدثا إِذْ الْعقل الصَّرِيح يقْضى بِأَن الْمَقَادِير فِي تَجْوِيز الْعقل مُتَسَاوِيَة فَمَا من مِقْدَار وشكل يقدر فِي الْعقل إِلَّا وَيجوز أَن يكون مَخْصُوصًا بِغَيْرِهِ فاختصاصه بِمَا اخْتصَّ بِهِ من مِقْدَار أَو شكل أَو غَيره يستدعى مُخَصّصا وَلَو استدعى مُخَصّصا لَكَانَ البارى تَعَالَى حَادِثا
وَلَكِن هَذَا المسلك مِمَّا لَا يقوى وَذَلِكَ أَنه وَإِن سلم أَن مَا يفْرض من الْمَقَادِير والجهات وَغَيرهَا مُمكنَة فِي أَنْفسهَا وَأَن مَا وَقع مِنْهَا لَا بُد لَهُ من مُخَصص لَكِن انما يلْزم أَن يكون البارى حَادِثا أَن لَو كَانَ الْمُخَصّص خَارِجا عَن ذَاته وَنَفسه وَلَعَلَّ صَاحب هَذِه الْمقَالة لَا يَقُول بِهِ وَعند ذَلِك فَلَا يلْزم أَن يكون البارى حَادِثا وَلَا مُحْتَاجا إِلَى غَيره أصلا
فَإِن قيل إِن مَا اقتصاه بِذَاتِهِ لَيْسَ هُوَ بِأولى من غَيره لتساوى الْجَمِيع بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ من جِهَة الِاقْتِضَاء فَهُوَ محز التخيلات وَلَعَلَّ الْخصم قد لَا يسلم تساوى النِّسْبَة من جِهَة الِاقْتِضَاء إِلَّا أَن يقدر انه لَا اخْتِلَاف بَين هَذِه الممكنات وَلَا محَالة أَن بَيَان ذَلِك مُتَعَذر جدا كَيفَ وَأَنه يحْتَمل أَن ينتهج الْخصم فى تَخْصِيص هَذِه
стр. 172
الصِّفَات الثَّابِتَة للذات مَنْهَج أهل الْحق فِي تَخْصِيص سَائِر الممكنات وَبِه دَرْء الْإِلْزَام فَإِذا الْوَاجِب التَّفْصِيل فِي إبِْطَال مَذَاهِب أهل الضلال
وَأول مبدوء بِهِ إبِْطَال القَوْل بِكَوْنِهِ جوهرا فَنَقُول
لَو كَانَ جوهرا لم يخل إِمَّا ان يكون وَاجِبا بِذَاتِهِ أَو مُمكنا أَو مُمْتَنعا لَا جَائِز أَن يكون مُمْتَنعا وَإِلَّا لما وجد وَلَا جَائِز أَن يكون مُمكنا وَإِلَّا لافتقر إِلَى مُرَجّح خَارج عَن ذَاته وَهُوَ مُمْتَنع كَمَا سلف وَلَا جَائِز ان يكون وَاجِبا لذاته وَإِلَّا لَكَانَ كل جَوْهَر وَاجِبا لذاته إِذْ حَقِيقَة الْجَوْهَر من حَيْثُ هُوَ جَوْهَر لَا تخْتَلف وَهَذِه المحالات انما لَزِمت من فرض كَون البارى تَعَالَى جوهرا فَلَيْسَ بجوهر فَإِن مَا لَيْسَ لَا يلْزم من فَرْضه محَال
فَإِن قيل الْمَعْنى بِكَوْنِهِ جوهرا لَيْسَ إِلَّا أَن وجوده لَا فى مَوْضُوع وَهَذَا الْقدر إِمَّا أَن يكون مَمْنُوعًا أَو مُسلما فَإِن كَانَ مَمْنُوعًا فقد أوجبتم افتقار وَاجِب الْوُجُود إِلَى غَيره وَهُوَ مُمْتَنع وَإِن كَانَ مُسلما فَهُوَ الْمَقْصُود وَأما قَوْلكُم إِنَّه لَو كَانَ وَاجِبا لَكَانَ كل جَوْهَر وَاجِبا للُزُوم الِاشْتِرَاك فِي حَقِيقَة الجوهرية فَإِنَّمَا يلْزم أَن لَو لزم الِاشْتِرَاك فِي حَقِيقَة الجوهرية وَمَا الْمَانِع من أَن يكون جوهرا لَا كالجواهر كَمَا أَنه ذَات لَا كالذوات ثمَّ وَإِن سلم أَن الِاشْتِرَاك فِي حَقِيقَة الجهورية وَاقع فيلزمكم مثله فِي سَائِر الموجودات لمشاركتها لَهُ فِي الْوُجُود والذات فَإِن قُلْتُمْ لم يكن وَاجِبا من حَيْثُ هُوَ مَوْجُود وَلَا من حَيْثُ هُوَ ذَات بل من حَيْثُ هُوَ ذَات مَخْصُوصَة وَوُجُود مَخْصُوص فاقبلوا منا مثله هَهُنَا وَهُوَ أَنه لم يكن وَاجِبا من حَيْثُ هُوَ جَوْهَر مُطلقًا بل من جِهَة كَونه جوهرا مَخْصُوصًا
стр. 173
وَالْجَوَاب أَن مَا قيل من أَن البارى جَوْهَر يعْنى أَن وجوده لَا فِي مَوْضُوع فان أُرِيد بمدلول اسْم الْجَوْهَر سلب الْمَوْضُوع عَنهُ فَقَط فَذَلِك مِمَّا لَا سَبِيل إِلَى انكاره من جِهَة الْمَعْنى وَإِن كَانَ إِطْلَاقه من جِهَة الشَّرْع والوضع خطأ وانما محز الْإِشْكَال وَمَوْضِع الخيال دَعْوَى تَخْصِيص سلب الْمَوْضُوع بِحَقِيقَة الْجَوْهَر وَجعل البارى تَعَالَى جوهرا على النَّحْو الموسوم من إِطْلَاق لفظ الْجَوْهَر وَلَا محَالة أَن دَعْوَى ذَلِك مِمَّا يَقُود إِلَى الْإِلْزَام الذى ذَكرْنَاهُ ويسوق إِلَى الْمحَال الذى أسلفناه
وَمَا قيل من أَنه جَوْهَر لَا كالجواهر فتسليم للمطلوب من جِهَة الْمَعْنى وانا لَا ننكر كَونه مَوْجُودا وَحَقِيقَة لَا كالحقائق وانما ننكر كَونه مشابها لَهَا وَعند ذَلِك فحاصر الْخلاف انما يرجع إِلَى مُجَرّد إِطْلَاق الْأَسْمَاء وَلَا مشاحة فِيهَا الا من جِهَة وُرُود التَّعْبِير بهَا وَأما مَا ذَكرُوهُ من الْإِلْزَام فَإِنَّمَا يتَّجه أَن لَو كَانَ غير البارى تَعَالَى مثلِيا من جِهَة مَا وَلَيْسَ كَذَلِك بل الِاشْتِرَاك لَيْسَ الا فِي التَّسْمِيَة بِكَوْن كل وَاحِد مِنْهُمَا ذاتا ووجودا وَمُجَرَّد الِاشْتِرَاك فِي التَّسْمِيَة لَا يُوجب الِاشْتِرَاك بَينهمَا فِيمَا يثبت لأَحَدهمَا وَهَذَا بِخِلَاف الْجَوَاهِر فَإِنَّهَا من حَيْثُ هى جَوَاهِر متماثلة فَمَا ثَبت لوَاحِد مِنْهَا ثَبت لما هُوَ مماثل لَهُ أَيْضا
стр. 174
فَإِن قيل مثله فِيمَا نَحن فِيهِ وَلم يثبتوا لواجب الْوُجُود من الْحَوَادِث مثلا فقد تركُوا مَذْهَبهم وَعَاد الْخلاف إِلَى مُجَرّد التَّسْمِيَة وَمُطلق الْعبارَة والخطب فِيهِ يسير كَمَا مضى
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَو كَانَ جَوْهَر لم يكن القَوْل بِكَوْنِهِ مرجحا لغيره من الْجَوَاهِر بِأولى من الْعَكْس إِذْ لَا أَوْلَوِيَّة لأَحَدهمَا لتحَقّق الْمُمَاثلَة بَينهمَا
فَإِن قيل إِنَّه مُرَجّح لَا من حَيْثُ هُوَ جَوْهَر بل من جِهَة مَا اخْتصَّ بِهِ من الصِّفَات عَن غَيره
قُلْنَا مَا اخْتصَّ بِهِ من الصِّفَات اما دَاخِلَة فِي ذَاته اَوْ خَارِجَة لَازِمَة فان كَانَت دَاخِلَة فِي ذَاته فَمن حَيْثُ ذَاته لم يُخَالف غَيره من الْجَوَاهِر فَإِذا لَا اخْتِصَاص ثمَّ يلْزمهُم القَوْل بتركب ذَات وَاجِب الْوُجُود وَلَا محيص عَنهُ وان كَانَت خَارِجَة عَن ذَاته مُلَازمَة لَهُ فهى مفتقرة إِلَيْهِ فِي وجودهَا والمفتقر إِلَى الشئ لَا يصلح أَن يقوم مَا هُوَ من نوع ذَلِك الشئ
فان قيل مَا ذكرتموه لَازم على أصلكم أَيْضا حَيْثُ اعتقدتم أَن تَخْصِيص الْحُدُوث بإرادته والوجود بقدرته وَهَذِه الصِّفَات إِمَّا أَن تكون دَاخِلَة فِي ذَاته فَيلْزم أَن يكون مركبا وان كَانَت خَارِجَة لَازِمَة فهى عرضية والأعراض كَيفَ تقوم الْجَوَاهِر فِي وجودهَا وجنسها مفتقر إِلَى جِنْسهَا
قُلْنَا انقلاب هَذَا الْإِلْزَام مِمَّا لَا يُوجب على مَا نعتقده مناقضة وَلَا إفحاما فَأَما لَو سلكنا اعْتِقَاد كَونهَا دَاخِلَة فِي مَدْلُول اسْم البارى فَهُوَ نفس مَا اعتقدناه وَعين مَا حققناه
стр. 175
وَسَوَاء قُلْنَا إِنَّهَا معتددة أَو متحدة كَمَا مضى وان سلكنا كَونهَا خَارِجَة عَن مَدْلُول اسْمه وذاته فَذَلِك أَيْضا مِمَّا لَا يُوجب محالا على أصلنَا فَإنَّا وان قُلْنَا إِنَّهَا مفتقرة إِلَيْهِ على نَحْو افتقار الْأَعْرَاض إِلَى مَا تقوم بِهِ فَلَا نعتقد أَن ذَاته والمقوم لما قَامَ بهَا جَوْهَر حَتَّى يلْزمنَا الْمحَال لحكمنا بافتقار الْجَوْهَر فِي إيجاده إِلَى مَا لَا يتم وجوده إِلَّا مفتقرا إِلَى مَا هُوَ من جنس الْجَوْهَر بل المعتقد أَن مَا قَامَت بِهِ هَذِه الصِّفَات لَيْسَ من جنس مَا هُوَ مفتقر اليها وَإِذ ذَاك فالإشكال مندفع عَنَّا
وَإِذا ثَبت أَنه لَيْسَ بجوهر لزم أَلا يكون جسما فَإِنَّهُ مهما انْتَفَى أَعم الشَّيْئَيْنِ لزم انْتِفَاء الْأَخَص قطعا مَعَ أَن مَا ذَكرْنَاهُ من المسالك فِي نفى الجوهرية وَمَا يلْزم عَلَيْهَا ووجوه الِانْفِصَال عَنْهَا يُمكن إجراؤها بِعَينهَا هَهُنَا
فَإِن قيل مَا نشاهده من الموجودات لَيْسَ إِلَّا أجساما واعراضا وَإِثْبَات قسم ثَالِث مِمَّا لَا نعقله وَإِذا كَانَت الموجودات منحصرة فِيمَا ذَكرْنَاهُ فَلَا جَائِز أَن يكون البارى عرضا لِأَن الْعرض مفتقر إِلَى الْجِسْم والبارى لَا يفْتَقر إِلَى شئ والا كَانَ المفتقر إِلَيْهِ أشرف مِنْهُ وَهُوَ محَال وَإِذا بَطل أَن يكون عرضا بقى أَن يكون جسما
قُلْنَا منشأ الْخبط هَهُنَا انما هُوَ من الْوَهم باعطاء الْغَائِب حكم الشَّاهِد وَالْحكم على غيرالمحسوس بِمَا حكم بِهِ على المحسوس وَهُوَ كَاذِب غير صَادِق فان الْوَهم قد
стр. 176
يرتمى إِلَى أَنه لَا جسم إِلَّا فِي مَكَان بِنَاء على الشَّاهِد وَإِن شهد الْعقل بِأَن الْعَالم لَا فِي مَكَان لكَون الْبُرْهَان قد دلّ على نهايته بل وَقد يشْتَد وهم بعض النَّاس بِحَيْثُ يقْضى بِهِ على الْعقل وَذَلِكَ كمن ينفر عَن الْمبيت فِي بَيت فِيهِ ميت لتوهمه أَنه يَتَحَرَّك أَو يقوم وان كَانَ عقله يقْضى بانتقاء ذَلِك فَإِذا اللبيب من ترك الْوَهم جانبا وَلم يتَّخذ غير الْبُرْهَان وَالدَّلِيل صاحبا وَإِذا عرف أَن مُسْتَند ذَلِك لَيْسَ إِلَّا مُجَرّد الْوَهم فطريق كشف الخيال إِنَّمَا هُوَ بِالنّظرِ فِي الْبُرْهَان فَإنَّا قد بَينا أَنه لَا بُد من مَوْجُود هُوَ مبدأ الكائنات وَبينا أَنه لَا جَائِز أَن يكون لَهُ مثل من الموجودات شَاهدا وَلَا غَائِبا وَمَعَ تَسْلِيم هَاتين القاعدتين يتَبَيَّن أَن مَا يفضى بِهِ الْوَهم لَا حَاصِل لَهُ ثمَّ وَلَو لزم أَن يكون جسما كَمَا فِي الشَّاهِد للَزِمَ أَن يكون حَادِثا كَمَا فِي الشَّاهِد وَهُوَ مُمْتَنع لما سبق
وَلَيْسَ هُوَ أَيْضا عرضا وَإِلَّا لافتقر إِلَى مقوم يقومه فِي وجوده إِذْ الْعرض لَا معنى لَهُ إِلَّا مَا وجوده فِي مَوْضُوع وَذَلِكَ أَيْضا محَال وَلَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ الْعَدَم لَا سَابِقًا وَلَا لاحقا وَإِلَّا كَانَ بِاعْتِبَار ذَاته مُمكنا وَلَو كَانَ مُمكنا لافتقر فِي وجوده إِلَى مُرَجّح كَمَا مضى
فَإِذا قد ثَبت أَن البارى تَعَالَى لَيْسَ بجوهر وَلَا جسم وَلَا عرض وَلَا مُحدث
стр. 177
بل أبدي لم يزل وسرمدى لَا يزَال وَهُوَ مَعَ ذَلِك لَا تحله الحادثات وَلَا تقوم بِهِ الكائنات وللمتكلم فِي ذَلِك مسالك
المسلك الاول
هُوَ انهم قَالُوا لَو حجز قيام الْحَوَادِث بِذَات البارى تَعَالَى لاستحال خلوه عَنْهَا وَمَا اسْتَحَالَ خلوه عَن الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث والبارى مُسْتَحِيل أَن يكون حَادِثا
وَاعْلَم أَن هَذَا المسلك ضَعِيف جدا وَذَلِكَ أَنه وان تسومح بِتَسْلِيم أَن مَالا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث حَادث لَكِن لَا يلْزم من كَون البارى تَعَالَى قَابلا للحوادث أَن لَا يَخْلُو عَنْهَا
فَإِن قيل إِن مَا قبل شَيْئا من الْحَوَادِث فَهُوَ قَابل لضده وضد الْحَادِث حَادث وَمهما كَانَ قَابلا لضده فَهُوَ لَا يَخْلُو عَن أَحدهمَا فَلَو كَانَ البارى قَابلا للارادة الْحَادِثَة لم يخل عَنْهَا أَو عَن ضدها وَمهما لم يخل عَن احدهما وهما حادثان لم يخل من الْحَوَادِث وَكَذَا الْكَلَام فِي القَوْل الْحَادِث أَيْضا
قُلْنَا الْغَلَط إِنَّمَا نَشأ من الْجَهْل بمدلول لفظ الضِّدّ وَعند الشكف عَنهُ يتَبَيَّن الْحق من الْبَاطِل فَنَقُول الضدان فِي اصْطِلَاح الْمُتَكَلّم عبارَة عَمَّا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي شئ وَاحِد من جِهَة وَاحِدَة وَقد يكونَانِ وجوديين كَمَا فِي السوَاد وَالْبَيَاض وَقد يكون أَحدهمَا سلبا وعدما كَمَا فِي الْوُجُود والعدم فعلى هَذَا إِن قيل للإرادة ضد فَلَيْسَ ضدها إِلَّا عدمهَا وسلبها وَكَذَا فِي القَوْل أَيْضا والعدم الْمَحْض لَا يُوصف بِكَوْنِهِ قَدِيما وَلَا حَادِثا
стр. 178
وَلَا شَاهدا وَلَا غَائِبا فَإِذا لَيْسَ كل مَا هُوَ ضد للحادث يكون حَادِثا ثمَّ وَلَو قدر أَن ضد الْإِرَادَة وَالْقَوْل لَيْسَ إِلَّا أمرا وجوديا فَلَا يلْزم أَن يكون حَادِثا بِمَعْنى ان وجوده بعد الْعَدَم لكَونه ضِدّه حَادِثا بل جَازَ أَن يكون قَدِيما بِمَعْنى أَنه لَا أول لوُجُوده لَا بِمَعْنى أَن وجوده لَيْسَ بمعلول وَيكون منشأ وجوده نقضا لوُجُوده إِلَى عَدمه وَذَلِكَ المنشأ هُوَ منشأ وجود ضِدّه وَهَذَا مِمَّا لَا يتقاصر عَن قَول أهل الْحق إِن منشأ عدم الْعَالم فِي الْقدَم إِلَى حِين وجوده هُوَ منشأ وجوده فِي وَقت وجوده
الْمسك الثانى
أَنهم قَالُوا لَو قَامَت بِذَاتِهِ صفة حَادِثَة لَا تصف بهَا وتعدى إِلَيْهِ حكمهَا وَذَلِكَ كَالْعلمِ فَإِنَّهُ إِذا قَامَ بِمحل وَجب اتصافه بِكَوْنِهِ عَالما وَكَذَا فِي سَائِر الْأَعْرَاض الْقَائِمَة بمحالها وَسَوَاء كَانَ الْمحل قَدِيما أَو حَادِثا إد القَوْل بالتفرقة بَينهمَا مَحْض جَهَالَة وَلبس فَإِنَّهُ لَا فرق بَين الْقَدِيم والحادث فِيمَا يرجع إِلَى كَونه مَوْصُوفا قَامَت بِهِ صفة إِلَّا فِيمَا يرجع إِلَى الْحُدُوث والقدم وَذَلِكَ مِمَّا لَا أثر لَهُ وَإِذا لزم عود حكم الصّفة إِلَيْهِ بِحَيْثُ يَصح القَوْل بِكَوْنِهِ مرِيدا بِإِرَادَة وقائلا بقول فقد ثَبت لَهُ مَا لم يكن لَهُ أَولا وَذَلِكَ تغير وتبدل وَإِذا جَازَ عَلَيْهِ التَّغَيُّر استدعى مغير وَذَلِكَ يفضى إِلَى كَون البارى مفتقرا إِلَى غَيره وَهُوَ مُتَعَذر
قَالُوا وَلَا يلْزم على مَا ذَكرْنَاهُ الْخلق فَإِنَّهُ غير قَائِم بِذَاتِهِ إِذْ لَا فرق بَينه وَبَين الْمَخْلُوق
وَهَذَا الطَّرِيق أَيْضا من النمط الأول فِي الْفساد وَذَلِكَ ان قَائِله وان كَانَ مِمَّن يَقُول
стр. 179
بالاحوال لكنه يعْتَرف بِكَوْنِهَا زَائِدَة على الذَّات وَحُصُول أَمر زَائِد على الذَّات للذات مِمَّا لَا يُوجب افتقار الذَّات إِلَى غَيرهَا وان كَانَ ذَلِك الشئ الْحَاصِل حَادِثا نعم غَايَة مَا يقدر افتقار الْحَاصِل إِلَى مُرَجّح والمرجح لَا يستدعى أَن يكون خَارِجا عَن لذات بل للخصم أَن يَقُول الْمُرَجح إِنَّمَا هُوَ الذَّات بِالْقُدْرَةِ والمشيئة الأزلية كَمَا كَانَت مرجحة الصّفة الْمُوجبَة لهَذَا الحكم الْحَاصِل وَهَذَا مِمَّا لَا محيص عَنهُ إِلَّا بالتعرض إِلَى ابطال القَوْل بِكَوْن الذَّات مرجحة بِالْقُدْرَةِ والمشيئة بطرِيق آخر وَفِيه خُرُوج عَن خُصُوص هَذَا الطَّرِيق إِلَى مَا هُوَ مُسْتَقل بإفادة الْمَقْصُود
فَإِن قيل إِذا صلح أَن تكون ذَات وَاجِب الْوُجُود مرجحة بِالْقُدْرَةِ والمشيئة جَازَ أَن تجْعَل مرجحة لكل مُحدث إِذْ لَا فرق بَين الْحَادِث والمحدث من حَيْثُ أَنه لم يكن فَكَانَ وَإِن افترق من حَيْثُ أَن احدهما صفة وَالْآخر خَارج وَذَلِكَ مِمَّا لَا يثير خيالا وَإِذا صلح أَن يكون الْمُرَجح للمحدثات الْقُدْرَة الْقَدِيمَة والمشيئة الأزلية فَلَا حَاجَة إِلَى الْحَادِث الذى هُوَ القَوْل والإرادة
قُلْنَا وَهَذَا ايضا مِمَّا لَا يثير غبارا على وَجه الْكَلَام وَذَلِكَ أَنه وَإِن قدر صلاحيته لإحداث المحدثات فَلَا يلْزم أَن لَا يُضَاف إِلَيْهِ إِحْدَاث صفة فِي ذَاته من كَونه صاحا أَن يحدث المحدثات وَلَيْسَ هَذَا فِي ضرب الْمِثَال الا كَمَا لَو قَالَ الْقَائِل إِنَّه إِذا كَانَ صَالحا لإيجاد الْإِنْسَان ينبغى إِلَّا يكون موجدا للْفرس وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الركاكة والشناعة
وَمَا قيل من أَنه لَا فَائِدَة فِي إيجاده فمتهافت فَم تهافت أَيْضا فَإِنَّهُ مَعَ مَا فِيهِ من الركاكة ومحض الدَّعْوَى وَالْقَوْل بِوُجُوب رِعَايَة الصّلاح وَالْغَرَض يلْزم عَلَيْهِ سَائِر المحدثات فَإِنَّهُ غير متقاصر فِي وحوده عَنْهَا فَمَا هُوَ الِاعْتِذَار عَن أيجاد المحدثات هُوَ الِاعْتِذَار عَن إِيجَاد الحادثات
стр. 180
فَإِن قيل وَلم لَا وَقع الِاكْتِفَاء فِي إِيجَاد المحدثات بِمَا اسْتندَ إِلَيْهِ الْحَادِث كَانَ ذَلِك مَحْض مُطَالبَة واسترشاد وخروجا عَمَّا وَقع الشُّرُوع فِي الْكَلَام بصدده وَهُوَ إبِْطَال قيام الْحَوَادِث بِذَات الرب تَعَالَى
المسلك الثَّالِث
هُوَ أَنهم قَالُوا إِن كَانَ قَوْله وارادته من نوع اقوالنا وإرادتنا فَمَا يحصل بقوله وإرادته وَجب أَن يحصل بأقوالنا وإرادتنا لكَون الْجَمِيع من نوع وَاحِد وَحَيْثُ لم يحصل بأقوالنا وإرادتنا وَجب أَن لَا يحصل بقوله وارادته
قَالُوا وَلَا يصلح أَن يفرق بِأَن أَقْوَاله وارادته حَاصِلَة بِالْقُدْرَةِ الْقَدِيمَة والمشيئة الأزلية وَلَا كَذَلِك أقوالنا وإرادتنا فان هَذَا فِي الْحَقِيقَة لَا يصلح أَن يكون فرقا إِذْ الْفرق بَين الشَّيْئَيْنِ يجب أَن يكون بِأَمْر يعود إِلَى نفسيهما لَا إِلَى نسبتهما وان قيل إِن الإيجاد إِنَّمَا يحصل بالإرادة أَو القَوْل مَعَ الْقُدْرَة فالقدرة كَافِيَة فِي الإيجاد فَلَا حَاجَة إِلَى غَيرهَا ثمَّ لم لَا جَائِز أَن تحصل إرادتنا وأقوالنا مَعَ ضميمة الْقُدْرَة مُوجبَة الإحداث أَيْضا إِذْ لَا فرق بَين أَن يُضَاف إِلَى الْقُدْرَة قَوْله أَو قَوْلنَا وارادته وارادتنا لِكَوْنِهِمَا من نوع وَاحِد
وَهَذَا المسلك أَيْضا مِمَّا لَا يقوى وَذَلِكَ لِأَن مَا نثبته نَحن من الصِّفَات الْقَدِيمَة للرب تَعَالَى إِن اعترفنا بِأَنَّهَا من نوع صفاتنا فالإلزام لخصومنا لَازم علينا أَيْضا وان لم نقل بِكَوْنِهَا من نوع صفاتنا فقد بَطل الْإِلْزَام أَيْضا وان قدر اشتراكهما فِي الْحُدُوث إِذْ لَيْسَ الِاشْتِرَاك فِي شئ مَا بَين شَيْئَيْنِ يُوجب الِاشْتِرَاك فِي الْحَقِيقَة كَمَا لَا يخفى ثمَّ وَلَو قدر امْتنَاع اضافة المحدثات إِلَى الصّفة الْحَادِثَة فَذَلِك لَا يُوجب امْتنَاع قيام الْحَوَادِث بِذَات الرب تَعَالَى
следующие страницы →