Полный текст (378 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله الذى زلزل بِمَا أظهر من صَنعته أَقْدَام الجاحدين واستزل بِمَا أبان من حكمته ثَبت المبطلين وَأقوى قَوَاعِد الْإِلْحَاد بِمَا أبدى من الْآي والبراهين وَاصْطفى لصفوته من عباده عِصَابَة الْمُوَحِّدين ووثقهم من أَسبَابه بعروته الوثقى وحبله المتين فَلم يزَالُوا للحق ناظرين وَبِه ظَاهِرين وَللَّه وَلِرَسُولِهِ ناصرين وللباطل وَأَهله دامغين إِلَى أَن فجر فجر الْإِيمَان وأشرق ضوؤه للْعَالمين وَخسف قمر الْبُهْتَان وأضحى كوكبه من الآفلين ذَلِك صنع الَّذِي أتقن كل شئ ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين﴾
فنحمده على مَا أولى من مننه وأسبغ من جزيل نعمه حمدا تكل عَن حصره أَلْسِنَة الحاصرين ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة مبوئة لقائلها جنَّة الْفَوْز والعقبى فِي يَوْم الدّين ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ إِلَى الكافة أَجْمَعِينَ فأوضح بنوره سبل السالكين وشاد بهدايته أَرْكَان الدّين صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله أَجْمَعِينَ وَبعد
فَإِنِّي لما تحققت أَن الْعُمر يتقاصر عَن نيل الْمَقَاصِد والنهايات ويضيق عَن تَحْصِيل المطالب والغايات وتنبتر ببتره أَسبَاب الأمنيات وتفل بفله غر الهمم والعزمات مَعَ اسْتِيلَاء الفترة واستحكام الْغَفْلَة وركون النَّفس إِلَى الأمل واستنادها إِلَى الفشل علمت أَنه لَا سَبِيل إِلَى ذرْوَة ذراها وَلَا وُصُول إِلَى أقصاها وَلَا مطمع فِي مُنْتَهَاهَا فَكَانَ اللَّائِق الْبَحْث والفحص عَن الأهم فالأهم وَالنَّظَر فِي تَحْصِيل مَا الْفَائِدَة فِي تَحْصِيله أَعم
стр. 2
وأهم المطالب وأسنى الْمَرَاتِب من الْأُمُور العملية والعلمية مَا كَانَ محصلا للسعادة الأبدية وكمالا للنَّفس الناطقة الإنسانية وَهُوَ اطلاعها على المعلومات وإحاطتها بالمعقولاوت لما كَانَت المطلوبات مُتعَدِّدَة والمعلومات متكثرة وكل مِنْهَا فَهُوَ عَارض لموضوع علم يُسْتَفَاد مِنْهُ وتستنبط مَعْرفَته عَنهُ كَانَ الْوَاجِب الْجَزْم وَاللَّازِم الحتم على كل ذِي عزم الْبِدَايَة بِتَقْدِيم النّظر فِي الْأَشْرَف الْأَجَل والأسنى مِنْهَا فِي الرُّتْبَة وَالْمحل
وأشرف الْعُلُوم إِنَّمَا هُوَ الْعلم الملقب بِعلم الْكَلَام الباحث عَن ذَات وَاجِب الْوُجُود وَصِفَاته وأفعاله ومتعلقاته إِذْ شرف كل علم إِنَّمَا هُوَ تَابع لشرف مَوْضُوعه الباحث عَن أَحْوَاله الْعَارِضَة لذاته وَلَا محَالة أَن شرف مَوْضُوع هَذَا الْعلم يزِيد على شرف كل مَوْضُوع ويتقاصر عَن حُلُول ذراه كل مَوْجُود مَصْنُوع إِذْ هُوَ مبدأ الكائنات ومنشأ الحادثات وَهُوَ بِذَاتِهِ مستغن عَن الْحَقَائِق والذوات مبرأ فِي وجوده عَن الِاحْتِيَاج إِلَى الْعِلَل والمعلولات كَيفَ وَالْعلم بِهِ أصل الشَّرَائِع والديانات ومرجع النواميس الدينيات ومستند صَلَاح نظام الْمَخْلُوقَات
فَلَا جرم سرحت عنان النّظر وأطلقت جواد الْفِكر فِي مسارح ساحاته ومطارح غاياته وطرقت أبكار أسراره ووقفت مِنْهُ على أغواره فَلم تبْق غمَّة أَلا ورفعتها وَلَا ظلمَة إِلَّا وقشعتها حَتَّى تمهد سراحه واتسع براحه فَكنت بصدد جنى ثمراته والتلذذ بحلواته
стр. 3
وَلم أزل على ذَلِك بُرْهَة من الزَّمن مجانبا للإخوان إِلَى أَن سَأَلَني من تعيّنت على إجَابَته وتحتمت على تلبيته أَن أجمع لَهُ مشكلات درره وَأبين مغمصات غرره وأبوح بمطلقات فَوَائده وأكشف عَن أسرار فرائده
فاستخرت الله تَعَالَى فِي أسعافه بِطَلَبِهِ واستعنته فِي قَضَاء أربه فشرعت فِي تأليف هَذَا الْكتاب وترتيب هَذَا العجاب وأودعته أبكار الأفكار وضمنته غوامض الْأَسْرَار منبها على مَوَاضِع مواقع زلل الْمُحَقِّقين رَافعا بأطراف استار عورات المبطلين كاشفا لظلمات تهويلات الْمُلْحِدِينَ كالمعتزلة وَغَيرهم من طوائف الإلهيين على وَجه لَا يُخرجهُ زِيَادَة التَّطْوِيل إِلَى الْملَل وَلَا فرط الِاخْتِصَار إِلَى النَّقْص والخلل تسهيلا على طالبيه وتيسيرا على راغبيه وسميته غَايَة المرام فِي علم الْكَلَام وَقد جعلته مُشْتَمِلًا على ثَمَانِيَة قوانين وضمنتها عدَّة مسَائِل قَوَاعِد الدّين وَهُوَ الْمَسْئُول أَن يعصمنا فِيمَا نحاوله من كل خلل وزلل وَأَن يوفقنا لكل صَوَاب من قَول وَعمل إِنَّه على مَا يَشَاء قدير وبإجابة الدُّعَاء جدير
стр. 4
القانون الأول فِي إِثْبَات الْوَاجِب بِذَاتِهِ
стр. 5
طَرِيق إِثْبَات الْوَاجِب
ذهب الْمُحَقِّقُونَ من الإسلاميين وَغَيرهم من أهل الشَّرَائِع الماضيين وَطَوَائِف الإلهيين إِلَى القَوْل بِوُجُوب وجود مَوْجُود وجوده لَهُ لذاته غير مفتقر إِلَى مَا يسند وجوده إِلَيْهِ وكل مَا سواهُ فوجوده مُتَوَقف فِي إبداعه عَلَيْهِ وَلم نخالفهم فِي ذَلِك إِلَّا سَواد لَا يعْرفُونَ وَطَوَائِف مَجْهُولُونَ فَلَا بُد من الفحص عَن مطلع نظر الْفَرِيقَيْنِ والكشف عَن مُنْتَهى أقدم الطَّائِفَتَيْنِ ليحق الْحق وَيبْطل الْبَاطِل وَلَو كره الْمُشْركُونَ
ومبدأ النّظر ومجال الْفِكر ينشأ من الْحَوَادِث الْمَوْجُودَة بعد الْعَدَم فَإِن وجودهَا إِمَّا أَن يكون لَهَا لذاتها أَو لغَيْرهَا لَا جَائِز أَن يكون لَهَا لذاتها وَإِلَّا لما كَانَت مَعْدُومَة وَإِن كَانَ لغَيْرهَا فَالْكَلَام فِيهَا وَإِذ ذَاك فإمَّا أَن يقف الْأَمر على مَوْجُود هُوَ مبدأ الكائنات ومنشأ الحادثات أَو يتسلسل الْأَمر إِلَى غير النِّهَايَة فَإِن قيل بالتسلسل فَهُوَ مُمْتَنع
أما على الرَّأْي الفلسفي فلأنا إِذا فَرضنَا ممكنات لَا نِهَايَة لأعدادها يسْتَند بَعْضهَا إِلَى بعض فِي وجودهَا وفرضنا بالتوهم نُقْصَان عشرَة مِنْهَا مثلا فإمَّا أَن يكون عَددهَا مَعَ فرض النُّقْصَان مُسَاوِيا لعددها قبله أَو أنقص أَو أَزِيد لَا جَائِز أَن يكون مُسَاوِيا إِذْ النَّاقِص لَا يساوى الزَّائِد فَإِن قيل أَنه أَزِيد فَهُوَ أَيْضا ظَاهر الإحالة وَإِن قيل أَنَّهَا أنقص فأحدهما
стр. 6
لَا محَالة أَزِيد من الآخر بِأَمْر متناه وَمَا زَاد على المتناهى بِأَمْر متناه فَهُوَ متناه إِذْ لَا بُد أَن يكون للزِّيَادَة نِسْبَة إِلَى النامى بِجِهَة مَا من جِهَات النّسَب على نَحْو زِيَادَة المتناهى على المتناهى ومحال أَن يحصل بَين مَا ليسَا متناهيين النِّسْبَة الْوَاقِعَة بَين المتناهيين لَكِن هَذَا مِمَّا لَا يَسْتَقِيم على مُوجب عقائدهم وَتَحْقِيق قواعدهم حَيْثُ قضوا بِأَن كل مَاله التَّرْتِيب الوضعي كالأبعاد والامتدادات أَو تَرْتِيب طبيعى وآحاده مَوْجُودَة مَعًا كالعلل والمعلولات فَالْقَوْل بِأَن لَا نِهَايَة لَهُ مُسْتَحِيل وَأما مَا سوى ذَلِك فَالْقَوْل بِأَن لَا نِهَايَة لَهُ غير مُسْتَحِيل وَسَوَاء كَانَت آحاده مَوْجُودَة مَعًا كالنفوس بعد مُفَارقَة الْأَبدَان والذوات أَو هِيَ على التَّعَاقُب والتجدد كالحركات فَإِن مَا ذَكرُوهُ وَإِن اسْتمرّ لَهُم فِيمَا قضوا عَلَيْهِ بالنهاية فَهُوَ لَازم لَهُم فِيمَا قضوا عَلَيْهِ بِأَن لَا نِهَايَة وَإِذ ذَاك فَلَا يَجدونَ عَن الْخَلَاص من فَسَاد أحد الاعتقاديين سَبِيلا إِمَّا فِي صُورَة الْإِلْزَام أَو فِيمَا ذَكرُوهُ فِي معرض الدّلَالَة والبرهان
وَلَيْسَ لما ذكره الفيلسوف الْمُتَأَخر من جِهَة الْفرق بَين الْقسمَيْنِ قدح فِي الْغَرَض هُوَ قَوْله أَن مَا لَا ترَتّب لَهُ وضعا وَلَا آحاده مَوْجُودَة مَعًا وَأَن كَانَ ترتبه طبعا لَا سَبِيل إِلَى فرض جَوَاز قبُوله الانطباق وَفرض الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان بِخِلَاف نقيضه إِذْ المحصل يعلم أَن الِاعْتِمَاد على هَذَا الخيال فِي تناهي ذَوَات الأوضاع وَفِيمَا لَهُ التَّرْتِيب الطبيعي وآحاده مَوْجُودَة مَعًا لَيْسَ إِلَّا من جِهَة إفضائه إِلَى وُقُوع الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان بَين مَا ليسَا بمتناهيين وَذَلِكَ إِنَّمَا يُمكن بِفَرْض زِيَادَة على مَا فرض الْوُقُوف عِنْده من نقطة مَا من الْبعد
стр. 7
الْمَفْرُوض أَو وحدة مَا من الْعدَد الْمَفْرُوض وَعند ذَلِك فَلَا يخفى إِمْكَان فرض الْوُقُوف على جملَة من أعداد الحركات أَو النُّفُوس الإنسانية الْمُفَارقَة لأبدانها وَجَوَاز الزِّيَادَة عَلَيْهَا بالتوهم مِمَّا هُوَ من نوعها أَو فرض نُقْصَان جملَة مِنْهَا وَإِذ ذَاك فالحدود المستعلمة فِي الْقيَاس فِي مَحل الِاسْتِدْلَال هِيَ بِعَينهَا مستعلمة فِي مَحل الْإِلْزَام مَعَ اتِّحَاد الصُّورَة القياسية من غير فرق
ثمَّ إِن فرض وُقُوع الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي مَحل النزاع وان كَانَ جَائِزا وَمَعَ جَوَازه وَاقعا فَهُوَ إِنَّمَا يُوجب النِّهَايَة فِي كل وَاحِد من العددين أَن لَو كَانَت الزِّيَادَة المتناهية الَّتِي فضل بهَا أحد العددين على الآخر لَهَا نِسْبَة إِلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا نسبتها إِلَى مَا هُوَ متناه والخصم وَإِن سلم قبُول المتناهى لنسبة مَا هُوَ المتناهى إِلَيْهِ فقد لَا يسلم قبُول غير المتناهى لنسبة المتناهى إِلَيْهِ وَلَا محَالة أَن بَيَان ذَلِك مِمَّا لَا سَبِيل إِلَيْهِ كَيفَ وَأَنه منتقض على الرأيين جمعا فَإِنَّهُ لَيْسَ كل جملتين وَقعت بَينهمَا الزِّيَادَة بِأَمْر متناه يكونَانِ متناهيين فَإِن عُقُود الْحساب مثلا لَا نِهَايَة لأعدادها وَإِن كَانَت الْأَوَائِل اكثر من الثوانى والثوانى اكثر من الثوالث بِأَمْر متناه وَهَذِه الْأُمُور وان كَانَت تقديرية ذهنية فَلَا محَالة أَن وضع الْقيَاس الْمَذْكُور فِيهَا على نَحْو وَضعه فِي الْأُمُور الْمَوْجُودَة فِي الْفِعْل فَلَا تتوهمن أَن الْفرق وَاقع من مُجَرّد هَذَا الِاخْتِلَاف
أما الْمُتَكَلّم فَلَعَلَّهُ قد سلك فِي القَوْل بِوُجُوب النِّهَايَة هَهُنَا مَا سلكه الفيلسوف ولربما زَاد عَلَيْهِ بقوله لَو فرض أعداد لَا نِهَايَة لَهَا لم يخل إِمَّا أَن تكون شفعا أَو وترا أَولا هِيَ شفع وَلَا وتر أَو شفعا ووترا مَعًا فَإِن كَانَت شفعا فَهِيَ تصير وترا بِزِيَادَة وَاحِد وَكَذَلِكَ إِن كَانَت وترا فَهِيَ تصير شفعا بِزِيَادَة وَاحِد وإعواز الْوَاحِد لما لَا يتناهى محَال وَلَا جَائِز أَن يكون شفعا ووترا أَو لَا شفع وَلَا وتر فَإِن ذَلِك ظَاهر الإحالة وَهَذِه المحالات كلهَا إِنَّمَا لَزِمت من فرض عدد لَا يتناهى فَهُوَ أَيْضا محَال وَهُوَ مَعَ أَنه مَحْض استبعاد الشفعية مَا لَا يتناهى أَو وتريته إِنَّمَا ينفع مَعَ تَسْلِيم الْخصم لقبولية مَا لَا يتناهى أَن يكون شفعا أَو وترا وَذَلِكَ مِمَّا لَا سَبِيل إِلَيْهِ
стр. 8
ثمَّ بِمَ الِاعْتِذَار عَن هَذَا الْإِلْزَام إِن ورد على مَا سلم كَونه غير متناه كالأعداد من مَرَاتِب الْحساب وَكَذَلِكَ مَا يخْتَص بِمذهب الْمُتَكَلّم من اعْتِقَاد عدم النِّهَايَة فِي مَعْلُومَات الله تَعَالَى ومقدوراته
وَمَا قيل من أَن الْمَعْنى بِكَوْن المعلومات والمقدورات غير متناهية صَلَاحِية الْعلم لكل مَا يَصح أَن يعلم وصلاحية الْقُدْرَة لتعلقها بِكُل مَا يَصح أَن يُوجد وَمَا يَصح أَن يُوجد وَيصِح أَن يعلم غير متناه لكنه من قبيل التقديرات الوهمية والتجويزات الخيالية وَذَلِكَ مِمَّا لَا يجب فِيهِ القَوْل بالنهاية وَلَا كَونه غير متناه مُسْتَحِيل بل المستحيل إِنَّمَا هُوَ القَوْل بِأَن لَا نِهَايَة فِيمَا لَهُ وجود عينى وَهُوَ فِي تعينه أَمر حقيقى فَلَا أثر لَهُ فِي الْقدح فَإِن من نظر بِعَين التَّحْقِيق وأمعن فِي التحديق علم أَن هَذِه الْأُمُور وَإِن كَانَت تقديرية ومعاني تجويزية وَأَنه لَا وجود لَهَا فِي الْأَعْيَان فَلَا بُد لَهَا من تحقق وجود فِي الأذهان وَلَا محَالة أَن نِسْبَة مَا فرض اسْتِعْمَاله فِي القَوْل بالنهاية فِيمَا لَهُ وجود ذهنى على نَحْو اسْتِعْمَاله فِيمَا لَهُ وجود عينى وَأَن ذَلِك بِمُجَرَّدِهِ لَا أثر لَهَا فِيمَا يرجع إِلَى الِافْتِرَاق أصلا
وَمِمَّا يلْتَحق بِهَذَا النّظم فِي الْفساد أَيْضا قَول الْقَائِل إِن كل وَاحِد من هَذِه الْأَعْدَاد مَحْصُور بالوجود فالجملة محصورة بالوجود وكل مَا حصره الْوُجُود فَالْقَوْل بِأَن لَا نِهَايَة لَهُ محَال فَإِن مَا لَا يتناهى لَا ينْحَصر بحاصر مَا وَهُوَ إِنَّمَا يلْزم أَن لَو كَانَ الْحصْر متناهيا وَلَا محَالة أَن الْكَلَام فِي تناهى الْوُجُود كَالْكَلَامِ فِيمَا يحصره الْوُجُود هَذَا إِن قيل بِأَن الْوُجُود زَائِد على الْمَوْجُود وَإِلَّا فَلَا حاصر أصلا
ولربما نظر فِي الْعِلَل والمعلولات إِلَى طرف الِاسْتِقْبَال فَقيل مَا من وَقت نقدره إِلَّا والعلل والمعلولات منتهية بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وانتهاء مَا لَا يتناهى محَال وَهُوَ أَيْضا غير مُفِيد فَإِن
стр. 9
الْخصم قد سلم انْتِهَاء الْعدَد من أحد الطَّرفَيْنِ وَمَعَ ذَلِك يَدعِي أَنه غير متناه من الطّرف الآخر وَمُجَرَّد الدَّعْوَى فِيهِ غير مَقْبُولَة لَا سِيمَا مَعَ مَا قد ظهر من أَن عُقُود الْحساب لَا نِهَايَة لَهَا وَلم يلْزم من تناهيها من جِهَة البدء أَن تكون متناهية من جِهَة الآخر أَو أَن يُوقف فِيهَا على نِهَايَة
فَإِذا الرَّأْي الْحق أَن يُقَال لَو افْتقر كل مَوْجُود فِي وجوب وجوده إِلَى غَيره إِلَى غير نِهَايَة فَكل وَاحِد بإعتبار ذَاته مُمكن لَا محَالة فَإِن مَا وَجب وجوده لغيره فذاته لذاته إِمَّا أَن تقتضى الْوُجُوب أَو الِامْتِنَاع أَو الْإِمْكَان لَا جَائِز أَن يُقَال بِالْوُجُوب لِأَن عِنْد فرض عدم ذَلِك الْغَيْر إِن بَقِي وجوب وجوده فَهُوَ وَاجِب بِنَفسِهِ وَلَيْسَ وَاجِبا لغيره وَإِن لم يبْق وجوب وجوده فَلَيْسَ وَاجِبا لذاته إِذْ الْوَاجِب لذاته مَا لَو فرض مَعْدُوما لزم مِنْهُ الْمحَال لذاته لَا لغيره وَلَا جَائِز أَن يُقَال بالامتناع وَإِلَّا لما وجد وَلَا لغيره فبقى أَن يكون لذاته مُمكنا
وَإِذا كَانَ كل وَاحِد من الموجودات الْمَفْرُوضَة مُمكنا وهى غير متناهية فإمَّا أَن تكون متعاقبة أَو مَعًا فان كَانَت متعاقبة فَمَا من مَوْجُود نفرده بِالنّظرِ إِلَّا وَفرض وجوده مُتَعَذر وانتهاء النّوبَة إِلَيْهِ فِي الْوُجُود مُمْتَنع فَإِنَّهُ مهما لم يفْرض وجوب وجود فَلَا وجود لَهُ وَكَذَا الْكَلَام فِي موجده بِالنِّسْبَةِ إِلَى موجده وهلم جرا وَمَا علق وجوده على وجود غَيره قبله وَذَلِكَ الْغَيْر أَيْضا مَشْرُوط بِوُجُود غَيره قبله إِلَى مَا لَا يتناهى فَإِن وجوده محَال
وَنَظِير ذَلِك مَا لَو قَالَ الْقَائِل لَا أُعْطِيك درهما الا وَقَبله درهما وَكَذَا إِلَى مَا لَا يتناهى
стр. 10
فَإِنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى إِعْطَائِهِ درهما مَا وَهُوَ على نَحْو قَول الْخصم فِي تناهى الأبعاد باستحالة وجود بعدين غير متناهيين فرض أَحدهمَا دائرا على الآخر بِحَيْثُ يلاقيه عِنْد نقطة وينفصل عَنهُ بِأُخْرَى بِنَاء على أَن مَا من نقطة إِلَّا وَقبلهَا نقطة إِلَى مَا لَا يتناهى فَمَا من نقطة يفْرض التلاقى عِنْدهَا إِلَّا وَلَا بُد أَن يَكُونَا قد تلاقيا قبلهَا عِنْد نقطة أُخْرَى إِلَى مَا لَا يتناهى وَذَلِكَ محَال كَيفَ وَأَن مَا من وَاحِد يفْرض إِلَّا وَهُوَ مَسْبُوق بِالْعدمِ فالجملة مسبوقة بِالْعدمِ وكلى جملَة مسبوقة بِالْعدمِ ولوجودها أول تنتهى إِلَيْهِ فَالْقَوْل بِأَن لَا نِهَايَة لأعدادها مُمْتَنع
وَمَا يخص مَذْهَب الْقَائِلين بالإيجاد بالعلية والذات أَن كل وَاحِد إِمَّا ان يكون موجدا لما أوجده فِي حَال وجوده أَو بعد عَدمه لَا جَائِز أَن يكون موجدا لَهُ بعد الْعَدَم إِذْ الْعَدَم لَا يَسْتَدْعِي الْوُجُود وان كَانَ مَوْجُودا لَهُ فِي حَال وجوده فوجود الْمَعْلُول يلازم وجود علته فِي الْوُجُود وهما مَعًا فِيهِ وَإِن كَانَ لأَحَدهمَا تقدم بالعلية على الآخر على نَحْو تقدم حَرَكَة الْيَد على حَرَكَة الْخَاتم وَنَحْوه فَإِذا الْعِلَل والمعلولات وَإِن تكثرت فوجودها لَا يكون إِلَّا مَعًا من غير تقدم وَتَأَخر بِالزَّمَانِ وَأما إِن كَانَت مَعًا فالنظر إِلَى الْجُمْلَة غير النّظر إِلَى الْآحَاد إِذْ حَقِيقَة الْجُمْلَة غير حَقِيقَة كل وَاحِد من آحادها وان كَانَ كَذَلِك فالجملة إِمَّا أَن تكون بذاتها وَاجِبَة أَو مُمكنَة لَا جَائِز ان تكون وَاجِبَة وَإِلَّا لما كَانَت آحادها مُمكنَة وان كَانَت مُمكنَة فَهِيَ لَا محَالة تفْتَقر إِلَى مُرَجّح فالمرجح إِمَّا أَن يكون خَارِجا عَن الْجُمْلَة أَو دَاخِلا فِيهَا لَا جَائِز أَن يكون من الْجُمْلَة وَإِلَّا فَهُوَ مقوم لنَفسِهِ إِذْ مقوم الْجُمْلَة مقوم
стр. 11
لآحادها وَذَلِكَ يفضى إِلَى تقوم الْمُمكن بِذَاتِهِ وَهُوَ مُتَعَذر إِذْ قد فرض كل وَاحِد من آحَاد الْجُمْلَة مُمكنا وَإِن كَانَ خَارِجا عَن الْجُمْلَة فَهُوَ إِمَّا وَاجِب وَإِمَّا مُمكن فَإِن كَانَ مُمكنا فَلَيْسَ خَارِجا عَن الْجُمْلَة على مَا وَقع بِهِ الْفَرْض فبقى أَن يكون وَاجِبا بِذَاتِهِ لَا محَالة
فَهُوَ لَا محَالة وَاجِب بِذَاتِهِ وَإِلَّا لافتقر إِلَى غَيره وَذَلِكَ الْغَيْر إِن كَانَ خَارِجا عَن الْجُمْلَة الْمَفْرُوضَة فَفِيهِ إبِْطَال الْفَرْض وَإِن كَانَ دَاخِلا فِيهَا فَفِيهِ توقف كل وَاحِد على صَاحبه وتقدمه بِالذَّاتِ وكل وَاحِد من الْقسمَيْنِ مُتَعَذر فقد تنخل من الْجُمْلَة أَنه لَا بُد من القَوْل بِوُجُوب وجود مَوْجُود وجوده لذاته لَا لغيره
فَإِن قيل مَا ذكرتموه فرع إفضاء النّظر إِلَى الْعلم وَجعله مدْركا وَبِمَ الرَّد على من أنكر ذَلِك وَلم يسوغ غير الْحَواس الظَّاهِرَة مدْركا كَيفَ وَهُوَ مُتَعَذر من جِهَة الْمَطْلُوب وَمن جِهَة المبدأ أما من جِهَة الْمَطْلُوب فَهُوَ أَنه إِمَّا أَن يكون مَعْلُوما أَو مَجْهُولا فان كَانَ مَعْلُوما فَلَا حَاجَة إِلَى طلبه إِن كَانَ مَجْهُولا فتمتنع مَعْرفَته عِنْد الظفر بِهِ
وَأما من جِهَة المبدأ فَهُوَ أَن كل مَطْلُوب فَلَا بُد لَهُ عِنْد التَّعْرِيف من مبادئ مَعْلُومَة سَابِقَة مُنَاسبَة وَتلك المبادئ إِمَّا أَن تكون بديهية أَو مستندة إِلَى مَا هُوَ فِي نَفسه بديهي قطعا للتسلسل الْمُمْتَنع والبديهي لَا معنى لَهُ إِلَّا مَا يصدق الْعقل بِهِ من غير توقف على أَمر خَارج عَنهُ وَهُوَ مَا لَا حَاصِل لَهُ فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يكون حَاصِلا لنا فِي مبدأ النشوء أَو بعده لَا جَائِز
стр. 12
أَن يُقَال بِالْأولِ فَإنَّا كُنَّا لَا نشعر بهَا فِي مبدأ نشوئنا وَلَو كَانَت حَاصِلَة لما وَقع الذهول عَنْهَا إِذْ هُوَ متناقض وَإِن قيل بِالثَّانِي فإمَّا يُقَال حصلت بِالدَّلِيلِ أَو بِغَيْر دَلِيل فان كَانَت بِالدَّلِيلِ فَلَيْسَتْ بديهية وَإِن كَانَت من غير دَلِيل فاختصاص حُصُولهَا بِزَمَان دون زمَان هُوَ مِمَّا لَا حَاصِل لَهُ
وَأما قَوْلكُم إِن مَا وجد بعد الْعَدَم لَا بُد وَأَن يكون وجوده لغيره وَإِلَّا لما كَانَ مَعْدُوما قبل فَلَو كَانَ وجوده لغيره لم يخل إِمَّا أَن يكون ذَلِك الْغَيْر دَائِما عِلّة أوحدث كَونه عِلّة فَإِن كَانَ دَائِما عِلّة وَجب أَلا يتَأَخَّر وجود معلوله عَن وجوده وَأَن لَا يكون مَسْبُوقا بِالْعدمِ وَإِن حدث كَونه عِلّة فَالْكَلَام فِي تِلْكَ الْعلَّة كَالْكَلَامِ فِي معلولها وهلم جرا وَهَذَا يُؤدى إِلَى أَن لَا يكون مَعْدُوما وَلَا مَسْبُوقا بِالْعدمِ وَهُوَ محَال أَو إِلَى علل ومعلولات لَا تتناهى وَلم تَقولُوا بِهِ
وَإنَّهُ لَو افْتقر الْحَادِث فِي حَال حُدُوثه إِلَى مُحدث لافتقر الْمَعْدُوم فِي حَال عَدمه إِلَى معدم وَهُوَ مُمْتَنع لِأَن مَا اقْتضى الْعَدَم إِمَّا نفس مَا اقْتضى الْوُجُود أَو غَيره لَا جَائِز أَن يكون نَفسه فَإِن مَا اقْتضى وجود شئ لَا يقتضى عَدمه وَإِن كَانَ غَيره فَذَلِك الْغَيْر إِمَّا وَاجِب بِذَاتِهِ أَو لغيره فَإِن كَانَ وَاجِبا بِذَاتِهِ أدّى إِلَى اجْتِمَاع واجبين وَهُوَ محَال كَمَا سَيَأْتِي كَيفَ وَيلْزم أَن يكون الشئ الْوَاحِد مَوْجُودا ومعدوما مَعًا لتحَقّق مَا يقتضى كل وَاحِد مِنْهُمَا وَهُوَ مُمْتَنع وَإِن كَانَ وَاجِبا لغيره فَذَلِك الْغَيْر اما أَن يكون هُوَ نفس مَا أوجب الْحُدُوث أَو غَيره فَإِن كَانَ نَفسه فيستحيل أَن يُوجب بِذَاتِهِ مَا يقتضى عدم مَا يَقْتَضِيهِ وجوده بِذَاتِهِ وَإِن كَانَ غَيره فيفضى إِلَى اجْتِمَاع واجبين هُوَ مُتَعَذر
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَو افْتقر إِلَى موجد لم يخل إِمَّا أَن يكون موجدا لَهُ فِي حَال وجوده أَو فِي حَال عَدمه فَإِن كَانَ موجدا لَهُ فِي حَال وجوده فَهُوَ محَال إِذْ الْمَوْجُود لَا يُوجد وَإِن كَانَ موجدا لَهُ فِي حَال عَدمه فَهُوَ محَال أَيْضا ظَاهر الإحالة وَلَو سلمنَا أَن مَا وجد بعد الْعَدَم لَا بُد وَأَن يكون وجوده بِغَيْرِهِ لَكِن لَا إفضاء لَهُ إِلَى أثبات وَاجِب الْوُجُود مَعَ كَون الْخصم قَائِلا بعلل ومعلولات إِلَى غير النِّهَايَة
стр. 13
وقولكم إِنَّه لَو كَانَت الْعِلَل والمعلولات غير متناهية فَكل وَاحِد مِنْهَا مُمكن بِاعْتِبَار ذَاته فَبِمَ الرَّد على من إشترط فِي مُمكن الْوُجُود أَن لَا يكون مَوْجُودا وَأَن الشئ مهما اتّصف بالوجود فَهُوَ ضرورى الْوُجُود وضرورى الْوُجُود لَا يكون مُمكنا فَإِن قيل لَهُ مُمكن فبالاشتراك وَلَيْسَ هَذَا تَسْلِيم الْمَطْلُوب فَإِن كَون الشئ ضرورى الْوُجُود أَعم من الضَّرُورَة الثَّابِتَة لذاته وَمَعَ التَّسْلِيم بِكَوْنِهَا مُمكنَة فَمَا ذكرتموه فِي أَن لَا نِهَايَة غير مُسْتَقِيم أما مَا ذكرتموه فِي طرف التَّعَاقُب فَغير مطرد وَذَلِكَ أَنا لَو فَرضنَا حَادِثا بعد الْعَدَم فإمَّا أَن يُقَال إِن لَهُ قبلا كَانَ فِيهِ مَعْدُوما أَو لَيْسَ لَا جَائِز أَن يُقَال انه لم يكن لَهُ قبل كَانَ فِيهِ مَعْدُوما وَإِلَّا لما كَانَ لَهُ أول وَهُوَ خلاف الْفَرْض وَإِن كَانَ لَهُ قبل هُوَ فِيهِ مَعْدُوم فَذَلِك الْقبل إِمَّا مَوْجُود أَو مَعْدُوم لَا جَائِز أَن يكون مَعْدُوما وَإِلَّا لما كَانَ لَهُ قبل إِذْ لَا فرق بَين قَوْلنَا إِنَّه لَا قبل لَهُ وَبَين قَوْلنَا إِن قبله مَعْدُوم فبقى أَن يكون مَوْجُودا ثمَّ مَا قبل يفْرض إِلَّا وَهُوَ مَسْبُوق بقبل آخر إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ على هَذَا النَّحْو فَإِذا قد ثَبت وجودات لَا نِهَايَة لأعدادها وَإِن كَانَت متعاقبة وكل وَاحِد مَسْبُوق بِعَدَمِهِ وَبِه تبين كذب مَا ذكرتموه من الْقيَاس وَأما مُعْتَمد الْقَائِلين بالإيجاد بالعلية فطريق الرَّد عَلَيْهِم مَا هُوَ طَرِيق لكم فِي الرَّد عَلَيْهِم كَمَا يَأْتِي فِيمَا بعده
وَأما مَا ذكرتوه فِي طرف الْمَعِيَّة وَوُجُوب الِانْتِهَاء فِيهَا إِلَى مَوْجُود وجوده لذاته فَذَلِك الْمَوْجُود لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون مُمكنا أَو لَيْسَ بممكن فَإِن كَانَ مُمكنا فَهُوَ من الْجُمْلَة وَلَيْسَ بِوَاجِب وَإِن لم يكن مُمكنا فَمَا لَيْسَ بممكن لَيْسَ بِوَاجِب وَبِهَذَا ينْدَفع مَا ذكرتموه فِي جَانب الِانْتِهَاء إِلَى مَوْجُود هُوَ مبدأ الموجودات أَيْضا
стр. 14
وَالْجَوَاب أما طَرِيق إفحام الْمُنكر لكَون النّظر مدْركا أَن يُقَال نفى إفضاء النّظر إِلَى الْعلم إِمَّا مَعْلُوم أَو غير مَعْلُوم فَإِن كَانَ مَعْلُوما فإمَّا أَن يكون حُصُوله متوقفا على مدرك يعلم بِهِ أَو لَيْسَ فَإِن كَانَ متوقفا فالمدرك إِذا إِمَّا الْحَواس أَو النّظر لَا جَائِز أَن يكون مدركه الْحَواس إِذْ هُوَ غير محسوس فَتعين أَن يكون مدركه النّظر وَإِن لم يكن متوقفا على مدرك فَهُوَ بديهي وَلَو كَانَ بديهيا لما وَقع الِاخْتِصَاص بِهِ لطائفة دون طَائِفَة كَيفَ وَأَنه لَو خلى الانسان ودواعى نَفسه فِي مبدأ نشوئه مَعَ قطع النّظر عَن النّظر لم يجد فِي نَفسه الْجَزْم بذلك أصلا وكل مَا لَيْسَ على هَذِه الْقَضِيَّة من الْعُلُوم فَلَيْسَ ببديهي وَإِن اكْتفى فِي ذَلِك بِمُجَرَّد الدَّعْوَى فقد لَا تؤمن الْمُعَارضَة بِمثلِهِ فِي طرف النقيض وَلَيْسَ عَنهُ محيص
وَأما إِن كَانَ مَجْهُولا غير مَعْلُوم فالجزم بنفيه مُتَعَذر لعدم الدَّلِيل المفضى إِلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا ينقاس فِي طرف النقيض فَإِن من حصلت عِنْده الْموَاد الصادقة المقترنة بالصور الحقة الَّتِي يتَوَلَّى بَيَانهَا المنطقى لم يجد فِي نَفسه جحد مَا يلْزم عَنْهَا وَذَلِكَ كعلمنا بِأَن الْأَرْبَعَة زوج لعلمنا بِأَنَّهَا منقسمة بمتساويين وكل منقسم بمتساويين فَهُوَ زوج كَيفَ وَأَنا نجد من أَنْفُسنَا الْعلم بِأُمُور كُلية حصلت لنا بعد مَا لم تكن وَلَو خلينا على أصل الْفطْرَة من غير طلب لَهَا لم نعلمها فَلَا بُد لَهَا من مدرك موصل
стр. 15
إِلَيْهَا فَإِنَّهَا غير بديهية وَلَيْسَ الْمدْرك هُوَ الْحَواس إِذْ الكليات غير محسوسة فَتعين أَن يكون النّظر وَلَوْلَا أَنه صَحِيح لما أفْضى إِلَى الْمَطْلُوب
فَإِن قيل مَا ذكرتموه فِي معرض إِثْبَات النّظر غير بديهي وَإِلَّا وَقع اختصاصكم بِهِ دُوننَا فبقى إِن يكون نظريا وَفِيه إِثْبَات النّظر بِالنّظرِ وَهُوَ مُمْتَنع
فَالْوَاجِب أَن يُقَال مَا ذكرتموه فِي معرض الْإِبْطَال إِمَّا أَن يكون صَحِيحا أَو فَاسِدا فَإِن كَانَ صَحِيحا فقد أبطلتم النّظر بِالنّظرِ أَيْضا وَهُوَ مُمْتَنع وَإِن كَانَ فَاسِدا فَلَا حَاجَة إِلَى الْجَواب
وَقَوْلهمْ إِن الْمَطْلُوب فِي النّظر إِن كَانَ مَعْلُوما فَلَا حَاجَة إِلَى طلبه وَإِن كَانَ مَجْهُولا فَلَا فَائِدَة لطلبه لعدم الْوُقُوف عَلَيْهِ عِنْد الظفر بِهِ
قُلْنَا الشئ قد يكون مَعْلُوما من وَجه ومجهولا من وَجه أعنى مَعْلُوما بِالْقُوَّةِ ومجهولا بِالْفِعْلِ وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون عِنْد كَون الانسان عَالما بقضيه كُلية وَهُوَ جَاهِل بِمَا يدْخل تحتهَا بالجزئية أَو عَالم بِهِ لكنه غافل عَن الارتباط الْوَاقِع بَينهمَا مِثَال الأول علمنَا بِأَن كل اثْنَيْنِ زوج وجهلنا بزوجية مَا فِي يَد زيد مثلا لجهلنا باثنينيته لَكِن جهلنا بِهِ إِنَّمَا هُوَ جهل بِالْفِعْلِ وَإِن كَانَ مَعْلُوما بِالْقُوَّةِ من جِهَة علمنَا بِأَن كل اثْنَيْنِ زوج
وَمِثَال الثَّانِي ظن كَون البغلة المنتفخة الْبَطن حُبْلَى مَعَ الْعلم بِأَنَّهَا بغلة وَأَن كل بغلة عقيم فالعلم بِكَوْنِهَا عقيما وَاقع بِالْقُوَّةِ وَالْجهل بذلك إِنَّمَا هُوَ بِالْفِعْلِ فمستند الْجَهْل فِي الْمِثَال الأول إِنَّمَا هُوَ عدم الْعلم بالمقدمة الْجُزْئِيَّة وَفِي الثَّانِي الْغَفْلَة عَن الارتباط بَين المقدمتين فالطلب إِذا إِنَّمَا هُوَ الْمثل هَذَا الْمَجْهُول فَإِنَّهُ مهما ظفر بِهِ وعرفه بِالْفِعْلِ
стр. 16
على الصِّفَات الَّتِي كَانَت مَعْلُومَة بِالْقُوَّةِ عرف أَنه مَطْلُوبه لَا محَالة أما أَن يكون الطّلب لما علم أَو جهل مُطلقًا فَلَا
وَأما القضايا البديهية فَهِيَ كل قَضِيَّة يصدق الْعقل بهَا عِنْد التعقل لمفرداتها من غير توقف على مبدأ غَيرهَا فعلى هَذَا حُصُولهَا لنا فِي مبدأ النشوء إِنَّمَا هُوَ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ وَعدم حُصُولهَا بِالْفِعْلِ إِنَّمَا كَانَ لعدم حُصُول مفرداتها الَّتِي لَا تحصل إِلَّا بِكَمَال آلَة الْإِدْرَاك فَإِذا حصلت الْمُفْردَات عِنْد كَمَال آلَة الادراك بَادر الْعقل إِذْ ذَاك بِالنِّسْبَةِ الْوَاجِبَة لَهَا من غير توقف اصلا فعلى هَذَا لم يلْزم من عدم حُصُولهَا لنا فى مبدأ النشوء بِالْفِعْلِ ان تكون غير بديهية وَلَا من تأخرها أَن تكون نظرية فَبَطل مَا تخيلوه
وَأما مَا ذَكرُوهُ فِي امْتنَاع افتقار الْحَادِث إِلَى الْمُحدث فَإِنَّمَا يلْزم أَن لَو لم يكن مُسْتَنده الْقَصْد والإرادة بل الطَّبْع وَالْعلَّة وَلَيْسَ كَذَلِك أما على الرَّأْي الفلسفي الْقَائِل بالايجاد بالعلية فَهُوَ أَن الافلاك متحركة على الدَّوَام لتَحْصِيل مَا لَهَا من الأوضاع الممكنة لَهَا على وَجه التَّعَاقُب والتجدد طلبا للتشبه بمعشوقها والالتحاق بمطلوبها مقتضية للحركات الدورية بإرادات قديمَة لأنفس الأجرام الفلكية وبتوسط الحركات وجدت التأثيرات كالامتزاجات والاعتدالات وَغير ذَلِك من الْأُمُور السفليات وَقبُول القابليات للصور الجوهرية والأنفس الإنسانية فَإِن مَا لم يُوجد مِنْهَا إِنَّمَا هُوَ لعدم القابلية لَا لعدم الفاعلية إِذْ الْفَاعِل إِنَّمَا هُوَ الْعقل الفعال الْمَوْجُود مَعَ جرم فلك الْقَمَر
стр. 17
وَأما الرَّأْي الإسلامي فمصدر الْحَوَادِث بأسرها ومستندها إِنَّمَا هُوَ صانع مُرِيد مُخْتَار اقْتضى بِإِرَادَة قديمَة وَأَنْشَأَ بِمَشِيئَة أزلية كل وَاحِد مِنْهَا فِي الْوَقْت الَّذِي اقْتضى وجوده فِيهِ كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقه فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فَلَيْسَ الموجد للحوادث مُحدثا حَتَّى يفْتَقر إِلَى مُحدث وَلَا هُوَ موجد لَهَا إيجادا بالعلية أَو الطَّبْع حَتَّى يلْزم قدم مَا صدر عَنهُ بقدمه
وَقَوْلهمْ لَو افْتقر الْحَادِث فِي حَال وجوده إِلَى مُحدث لافتقر فِي حَال عَدمه الى معدم قُلْنَا مهما كَانَ الشئ فِي نَفسه مُمكنا فَلَا بُد لَهُ من مُرَجّح لأحد طَرفَيْهِ أعنى الْوُجُود والعدم وَإِلَّا فَهُوَ وَاجِب أَو مُمْتَنع فَكَمَا أَنه فِي حَال وجوده يفْتَقر إِلَى مُرَجّح فَكَذَا فِي جَانب عَدمه والمرجح للعدم هُوَ الْمُرَجح للوجود لَكِن إِن كَانَ مرجحا بِالذَّاتِ عِنْد الْقَائِلين بِهِ فعدمه هُوَ الْمُرَجح للعدم لَا نفس وجوده وَأما عِنْد الْقَائِلين بالإرادة فَيصح أَن يُقَال عدم الْمَعْدُوم فِي حَال عَدمه مُسْتَند إِلَى عدم تعلق الْقُدْرَة بإيجاده والإرادة بتخصيصه فِي ذَلِك الْوَقْت وَلَا يلْزم من ضَرُورَة وجود الْقُدْرَة والإدارة فِي الْقدَم قدم مَا يتخصص بهَا كَمَا سنبينه فِيمَا بعد
وَيحْتَمل أَن يُقَال بِإِسْنَادِهِ إِلَى قدرَة قديمَة اقْتَضَت عَدمه وَإِرَادَة أزليه اقْتَضَت تَخْصِيص عَدمه بذلك الْوَقْت كَمَا اقْتَضَت تَخْصِيص وجوده بِوَقْت آخر والمرجح للطرفين وَاحِد لَا تعدد فِيهِ وَإِن وَقع التَّعَدُّد فِي مُتَعَلقَة كَمَا سَيَأْتِي بعد
وَأما مَا ذَكرُوهُ من امْتنَاع إِحْدَاث الْمُحدث فِي حَالي الْوُجُود والعدم فَلَا يَسْتَقِيم وَذَلِكَ أَن مَا وجد بعد الْعَدَم إِمَّا أَن يكون وجوده لذاته أَو لغيره لَا جَائِز أَن يكون
стр. 18
وجوده لذاته وَإِلَّا لما كَانَ مَعْدُوما فَبَقيَ أَن يكون وجوده لغيره كَمَا قَررنَا والإقتضاء لوُجُوده لَيْسَ هُوَ لَهُ فِي حَال عَدمه وَإِلَّا لما كَانَ مَعْدُوما فَلَيْسَ الِاقْتِضَاء لوُجُوده إِلَّا فِي حَال وجوده لَا بِمَعْنى أَنه أوجده بعد وجوده بل معنى اته لَوْلَا الْمُرَجح لما كَانَ مَوْجُودا فِي الْحَالة الَّتِى فرض كَونه مَوْجُودا فِيهَا وَعند ذَلِك فَلَا الْتِفَات إِلَى من اعتاص هَذَا الْقدر على فهمه واعترضت عقله مرامى وهمه
وَأما اشْتِرَاط انْتِفَاء الْوُجُود عَن مُمكن الْوُجُود فيعتذر جدا وَذَلِكَ أَن مُمكن الْوُجُود هُوَ بِعَيْنِه مُمكن الْعَدَم فَإِن اشْترط فِي مُمكن الْوُجُود أَن لَا يكون مَوْجُودا فليشترط فِي مُمكن الْعَدَم أَن لَا يكون مَعْدُوما فَإِنَّهُ كَمَا أَن الْخُرُوج الى الْوُجُود يُخرجهُ إِلَى ضَرُورَة الْوُجُود فالخروج إِلَى الْعَدَم يُخرجهُ إِلَى ضَرُورَة الْعَدَم وَذَلِكَ يفضى إِلَى أَن لَا يكون الْمُمكن مَوْجُودا وَلَا مَعْدُوما وَهُوَ محَال
فَإِن قيل إِن الْعَدَم لَا يُخرجهُ إِلَى ضَرُورَة الْوُجُود بِالْمَعْنَى الْمَشْرُوط دون الْمُطلق فَهُوَ صَحِيح لَكِن لَا مُنَافَاة بَينه وَبَين الْمُمكن
وَأما مَا ذَكرُوهُ من القبليات الْغَيْر المتناهية فمندفع وَذَلِكَ أَنهم إِن فسروا الْقبلية بِأَمْر زَائِد على عَدمه كَانَ عَدمه فِيهَا فَغير مُسلم بل لَا معنى لقبلية الشئ إِلَّا أَنه لم يكن فَكَانَ وَمَعَ هَذَا التَّفْسِير للقبلية فَلَا يتمهد مَا ذَكرُوهُ كَيفَ وَأَنه يَسْتَحِيل القَوْل بِمَا ذَكرُوهُ نظرا إِلَى مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ من الْبُرْهَان وأوضحناه من الْبَيَان فِي عدم حوادث لَا تتناهى
وَأما مَا ذَكرُوهُ فِي بَيَان اسْتِحَالَة القَوْل بِوُجُوب وَاجِب الْوُجُود نظرا إِلَى ثُبُوت الْإِمْكَان
стр. 19
لَهُ ونفيه عَنهُ فمنشأ الْغَلَط فِيهِ إِنَّمَا هُوَ من اشْتِرَاك لفظ الْمُمكن إِذْ قد يُطلق على مَا لَيْسَ بممتنع وعَلى مَا لَا ضَرُورَة فِي وجوده وَلَا فِي عَدمه فالاعتبار الأول أَعم من الْوَاجِب بِذَاتِهِ وَالثَّانِي مباين لَهُ فعلى هَذَا إِن قضى عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ مُمكنا فَلَيْسَ إِلَّا بِالِاعْتِبَارِ الأول وَلَا يلْزم مِنْهُ نفى الْوُجُوب لكَونه أَعم مِنْهُ وَإِن سلب عَنهُ الْإِمْكَان فَلَيْسَ إِلَّا بِالِاعْتِبَارِ الثانى وَلَا يلْزم مِنْهُ نفى الْوُجُوب ايضا بل ربيما كَانَ الْوُجُوب هُوَ الْمُعْتَبر اَوْ الأمتناع لَا محَالة نعم لَو سلب عَنهُ الْإِمْكَان بِالِاعْتِبَارِ الأول أَو أثبت لَهُ بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي لزم أَلا يكون وَاجِبا فقد تقرر كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ أَنه لَا بُد من القَوْل بِوُجُوب وجود مَوْجُود وجوده لذاته لَا لغيره
стр. 20
وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل
القانون الثَّانِي فِي إِثْبَات الصِّفَات وابطال تَعْطِيل من ذهب إِلَى نَفيهَا من أهل المقالات ويشتمل على قاعدتين
стр. 21
الْقَاعِدَة الاولى
فِي مسأله الْأَحْوَال
وَهُوَ أَنه لما كَانَ النّظر فِي الصِّفَات النفسية قد تعلق نوعا من التَّعَلُّق بِالنّظرِ فِي الصِّفَات الحالية ولربما توصل بعض الْمُتَكَلِّمين من الْأَصْحَاب والمعتزلة مِنْهَا إِلَى إِثْبَات الصِّفَات النفسية فَلَا جرم وَجب أَن يقدم النّظر فِي بَيَان الْأَحْوَال اولا فَنَقُول
ذهب أَبُو هَاشم إِلَى القَوْل بِإِثْبَات الْأَحْوَال وَوَافَقَهُ على ذَلِك جمَاعَة من الْمُعْتَزلَة والكرامية وَجَمَاعَة من أَصْحَابنَا كالقاضى أبي بكر وَالْإِمَام أبي الْمَعَالِي ونفاها من عدا هَؤُلَاءِ من الْمُتَكَلِّمين
وَقبل النّظر فِي تَحْقِيق مَذْهَب كل فريق يجب أَن نَعْرِف الْحَال وَمَعْنَاهَا ليَكُون التوارد بالنفى وَالْإِثْبَات على محز وَاحِد من جِهَة وَاحِدَة ثمَّ التَّعْرِيف بِمَاذَا
قَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين لَيْسَ إِلَّا بِذكر أقسامها ومراتبها لَا بِالْحَدِّ والرسم إِذْ الْحَد
стр. 22
والرسم لَا بُد وَأَن يكون متناولا لجَمِيع مجارى الْأَحْوَال وَإِلَّا فَهُوَ أخص مِنْهَا وَالْحَد والرسم يجب أَن يَكُونَا مساويين للمحدود لَا أخص مِنْهُ وَلَا أَعم وَإِلَّا يفضى إِلَى ثُبُوت الْحَال اللحال من جِهَة أَن الْحَد لَا يَتَنَاوَلهَا إِلَّا وَقد اشتركت كلهَا فِي معنى وَاحِد وكب مَا وَقع بِهِ الِاشْتِرَاك والافتراق من الذوات والمعاني فَهُوَ حَال زَائِد عَلَيْهَا لَكِن هَذَا الْقَائِل إِمَّا أَن يفرق بَين مَا بِهِ تتفق الذوات وتفترق وَبَين مَا بِهِ تتفق الْأَحْوَال وتفترق على مَا يَقُوله الْقَائِل بالأحوال فَإِن عِنْده الذوات هِيَ الَّتِي تتفق وتفترق بالأحوال أما اتِّفَاق الْأَحْوَال وافتراقها لَيْسَ إِلَّا بذواتها كَمَا يَأْتِي أَو أَنه لَا يعْتَرف بِالْفرقِ فَإِن اعْترف فَلَا اتجاه لما ذكره وَإِن لم يعْتَرف بِالْفرقِ فَلَيْسَ مَا أبْطلهُ بِأولى مِمَّا عينه فَإِنَّهُ كَمَا يتَعَذَّر التَّعْرِيف بِالْحَدِّ لما فِيهِ من إِثْبَات الْحَال للْحَال كَذَا يمْتَنع التَّعْرِيف بِمَا ذكره إِذْ فِي ضَرُورَة الِاعْتِرَاف بالأنقسام وُقُوع مَا بِهِ الانقسام وَإِن مَا أَشَارَ إِلَيْهِ أشعر بِجَهْل صناعَة الْحُدُود والرسوم
وَذَلِكَ أَن مَا ذَكرُوهُ وَإِن اتجه فِي الْحُدُود الَّتِي لَا يسْتَعْمل فِيهَا غير الذاتيات فَهُوَ غير مُتَّجه فِي الرسوم من جِهَة ان الْمَقْصُود من الرَّسْم لَيْسَ إِلَّا تَمْيِيز الشئ عَمَّا سواهُ تمييزا غير ذاتي والتمييز كَمَا يحصل بالخواص والوجودية الثَّابِتَة للشئ المرسوم دون غَيره كَذَلِك قد يحصل بالسلوب المختصة بِهِ دون غَيره وَإِذ ذَاك فَلَا يلْزم ثُبُوت الْحَال إِذا مَا عرفت بهَا إِذْ الْحَال صفة إضافية وَالسَّلب الْمَحْض لَيْسَ بثبوتي فعلى هَذَا إِن عرفت الْحَال بِأَمْر سلبى وخاص عدمى كَانَ التَّعْرِيف صَحِيحا وَلم يكن مَا ذَكرُوهُ متجها وَذَلِكَ مُمكن لَا محَالة فَإِنَّهُ لَا مَانع من أَن يُقَال الْحَال عبارَة عَن صفة إثباتية لموجود غير متصفة بالوجود وَلَا بِالْعدمِ فَإِن مَا تخيل كَونه صفة زَائِدَة على المرسوم لَيْسَ إِلَّا أمرا سلبيا وَمعنى عدميا وَهُوَ سلب الْوُجُود والعدم
стр. 23
وَأما مَا سوى ذَلِك فَلَيْسَ بزائد على نفس المرسوم وَلَا هُوَ كالصفة لَهُ أصلا وَهُوَ على نَحْو قَوْلنَا فِي وَاجِب الْوُجُود انه الْوُجُود الَّذِي لَا يفْتَقر إِلَى غَيره فِي وجوده فَإِن مَا بِهِ التَّمْيِيز لَيْسَ إِلَّا سلب الافتقار إِلَى الْغَيْر لَا غير وَأما مَدْلُول اسْم الْوُجُود فَإِنَّهُ لَا يَسْتَدْعِي من جِهَة اخذه فِي الرَّسْم أَن يكون صفة دَاخِلَة فِي المرسوم وَلَا زَائِدَة عَلَيْهِ خَارِجَة عَن مَعْنَاهُ بل لَو كَانَ هُوَ نفس الذَّات المرسومه كَانَ الرَّسْم بِالنّظرِ الى الصِّنَاعَة الرسمية صَحِيحا
وَعند هَذَا فَلَا بُد من الْإِشَارَة إِلَى أقسامها وَهِي تَنْقَسِم إِلَى معللة وَإِلَى غير معللة
فَأَما المعللة مِنْهَا فَهِيَ كل حكم يثبت للذات بسب معنى قَامَ بِالذَّاتِ ككون الْعَالم عَالما والقادر قَادِرًا وَنَحْوه وَقد زَاد أَبُو هَاشم وَمن تَابعه من المعتزله فِي ذَلِك اشْتِرَاط الْحَيَاة فعلى مذْهبه إِيجَاب الْأَحْوَال المعللة لَيْسَ إِلَّا للصفات الَّتِي من شَرطهَا الْحَيَاة كَالْعلمِ وَالْقُدْرَة وَنَحْوه وَأما مَا لَا تشْتَرط فِيهِ الْحَيَاة من الصِّفَات فَلَا وَذَلِكَ كالسواد وَالْبَيَاض وَنَحْوه والمستند لَهُ فِي الْفرق أَن مَا من شَرطه الْحَيَاة كَالْعلمِ وَنَحْوه أَنما يتَوَصَّل إِلَى مَعْرفَته من معرفَة كَون مَا قَامَ بِهِ عَالما وَلَا كَذَلِك السوَاد وَالْبَيَاض فَإِنَّهُ مشَاهد مرئى فَلَا يفْتَقر إِلَى الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ بِكَوْن مَا قَامَ بِهِ أسود وأبيض فَلهَذَا جعل عِلّة ثمَّ وَلم يَجْعَل عِلّة هَهُنَا
والمحقق يعلم أَن التَّوَصُّل إِلَى معرفَة وجود الشئ من حكمه أَو مَا يلْزم من الْآثَار إِنَّمَا هُوَ فرع كَونه مؤثرا لَهُ وملزوما فَإِذا يجب جعله عله من ضَرُورَة معنى لَا يتم إِلَّا بِالنّظرِ إِلَى عليته ثمَّ إِن الْحَرَكَة قد تكون طبيعية وَلَيْسَ من شَرطهَا الْحَيَاة وَقد تكون إرادية من شَرطهَا الْحَيَاة وَلَا محَالة أَن نِسْبَة الْحَرَكَة الطبيعية إِلَى كَون الْمحل متحركا كنسبة الْحَرَكَة الإرادية إِلَى كَون الْمحل متحركا فِيمَا يرجع إِلَى الْمعرفَة والخفاء وَمَعَ
стр. 24
هَذَا فقد جعلُوا الْحَرَكَة الإرادية عِلّة كَون الْمحل متحركا وَلَا كَذَلِك الْحَرَكَة الطبيعية فَهَل الْفرق إِلَّا تحكم
فَإِذا قد بَان أَنه لَا وَجه للْفرق وَهُوَ الرَّأْي الْحق وَإِلَيْهِ ذهب الْقَائِلُونَ بالأحوال من أَصْحَابنَا هَذَا تَمام الْكَلَام فِي الْقسم الأول
وَأما الْحَال غير المعللة
فَهِيَ كل صفة ثبتَتْ للذات غير معلله بِصفة زَائِدَة عَلَيْهَا كالوجود واللونية وَنَحْوهَا فَهَذِهِ أَقسَام الْأَحْوَال
وَهل هِيَ عِنْد من أثبتها مَعْلُومَة بإنفرادها أَو مَعَ غَيرهَا
قَالَ أَبُو هَاشم وَمن تَابعه من الْمُعْتَزلَة إِنَّهَا لَا تعلم إِلَّا مَعَ الذوات من حَيْثُ إِن الْعلم إِنَّمَا يتَعَلَّق بطرِيق الإستقلال عِنْدهم بِمَا هُوَ فِي نَفسه ذَات والذوات ثَابِتَة فِي الْعَدَم وَالْأَحْوَال متجددة
وَأما من قَالَ بهَا من أَصْحَابنَا فَإِنَّهُ لم يمْنَع من تعلق الْعلم بهَا على انفرادها وَلَعَلَّ مُسْتَند الِاخْتِلَاف فِي الِاشْتِرَاط وَعَدَمه إِنَّمَا هُوَ بِالنّظرِ إِلَى الْحَقِيقَة والثبوت فَرب من وقف تعلق الْعلم لَهَا على الذوات نظر إِلَى جِهَة الثُّبُوت وَالْآخر إِلَى جِهَة الْحَقِيقَة إِذْ هِيَ غير إضافية وكل مِنْهُمَا إِذْ ذَاك مُصِيب فِيمَا يَقُول أما إِن كَانَ توارد النَّفْي وَالْإِثْبَات على جِهَة وَاحِدَة من هَاتين الْجِهَتَيْنِ فَلَا محَالة أَن الْمُثبت لهَذَا الِاشْتِرَاط يكون مصيبا بِالنّظرِ إِلَى الثُّبُوت مخطئا بِالنّظرِ إِلَى الْحَقِيقَة وَالثَّانِي بعكسه
وَإِذا عرف معنى الْحَال وأقسامها فَيجب أَن نعود إِلَى الْمَقْصُود وَهُوَ الْكَشْف عَن مَأْخَذ الْفَرِيقَيْنِ والتنبيه على مُعْتَمد الطَّائِفَتَيْنِ وَقد اعْتمد مثبتو الْأَحْوَال على الدّلَالَة والإلزام
стр. 25
أما الدّلَالَة فَهُوَ أَنهم قَالُوا الذوات الْمُخْتَلفَة كالسواد وَالْبَيَاض مثل لَا محَالة أَنَّهُمَا متفقان فِي شئ وَهُوَ اللونية ومختلفان فِي شئ وَهُوَ السوادية والبياضية وَلَيْسَ مَا بِهِ وَقع الِاتِّفَاق هُوَ مَا بِهِ وَقع الِاخْتِلَاف وَإِلَّا كَانَ شَيْئا وَاحِدًا فَإِذا هما غيران وَهُوَ الْمَقْصُود
وَأما مَا اعتمدوه إلزاما فَهُوَ أَنهم قَالُوا القَوْل بإنكار الْأَحْوَال يفضى إِلَى إِنْكَار القَوْل بالحدود والبراهين وَأَن لَا يتَوَصَّل أحد من مَعْلُوم إِلَى مَجْهُول وَلَا سِيمَا صِفَات الرب تَعَالَى إِذْ منشأ القَوْل بهَا لَيْسَ إِلَّا قِيَاس الْغَائِب على الشَّاهِد وَهَذَا كُله محَال
وَمِمَّا اعتمدوا عَلَيْهِ وَهُوَ مَحْض الْأَحْوَال المعللة أَن قَالُوا نَحن نعقل الذَّات ثمَّ نعقل كَونهَا متحركة بعد ذَلِك وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا حَالا زَائِدا عَلَيْهَا وَلَيْسَ ذَلِك هُوَ نفس الْحَرَكَة فَإنَّا نعقل المتحرك ونجهل قيام الْحَرَكَة بِهِ وَلَو كَانَ المتحرك وَقيام الْحَرَكَة بِالْمحل شَيْئا وَاحِدًا لاستحال أَن تكون مَعْلُومَة مَجْهُولَة مَعًا
وَالْجَوَاب أما مَا ذَكرُوهُ من الشُّبْهَة الاولى فَالْكَلَام فِيهَا على مَا بِهِ الِاشْتِرَاك وَالِاخْتِلَاف يستدعى تَفْصِيلًا فَنَقُول قَوْلهم إِن السوَاد وَالْبَيَاض يَشْتَرِكَانِ فِي اللونية فإمَّا أَن يُرَاد بِهِ الِاشْتِرَاك فِي التَّسْمِيَة أَي أَنه يُطلق على كل وَاحِد مِنْهُمَا أَنه لون أَو الِاشْتِرَاك فِي مُسَمّى اللونيه فَإِن أُرِيد بِهِ الأول فَهُوَ خلاف أصلهم وَمَعَ ذَلِك فَإِن الاسماء لَا تكون صِفَات للذوات ثمَّ إِن اريد بِهِ الثَّانِي فمسمى اللونية لَا محَالة يَنْقَسِم إِلَى كلى أَي صَالح أَن يشْتَرك فِيهِ كَثِيرُونَ وَإِلَى مشخص أَي لَيْسَ لَهُ صَلَاحِية أَن يشْتَرك فِيهِ كَثِيرُونَ فَالْأول مثل اللونية الْمَوْجُودَة فِي الأذهان وَتلك لَا تحقق لَهَا فِي الْأَعْيَان وَالثَّانِي كَهَذا اللَّوْن وَكَذَا كل مَا يَصح أَن يشار إِلَيْهِ بِسَبَب الْإِشَارَة إِلَى مَوْضُوعه فعلى هَذَا إِن أُرِيد بِهِ اللونية المشخصة فإمَّا
стр. 26
أَن يُقَال إِن مَا ثَبت للسواد من اللونية بِعَينهَا ثَابِتَة للبياض أَو إِن مَا تخصص بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا غير الآخر لَا حائز أَن يُقَال بِالْأولِ كَمَا ذهب إِلَيْهِ مثبتو الْأَحْوَال إِذْ يلْزم مِنْهُ أَن يَتَعَدَّد المتحد أَو يتحد المتعدد وكلا الْأَمريْنِ محَال وَإِن قيل بِالثَّانِي فَلَيْسَ ذَلِك بِحَال وَلَا صفة زَائِدَة على ذَات السوَاد من حَيْثُ هُوَ سَواد بل هُوَ دَاخل فِي الذَّات والحقيقة وَلِهَذَا إِن من أَرَادَ تعقل السوَاد لم يُمكنهُ أَن يتعقله مَا لم يكن قد عقل اللونية أَولا وَمَا لَا تتمّ الذَّات إِلَّا بِهِ وَهُوَ مقوم لَهَا كَيفَ يكون زَائِدا عَلَيْهَا
ثمَّ كَيفَ يكون لَا مَوْجُودا وَلَا مَعْدُوما وَهُوَ مقوم للموجود وَالْمَوْجُود لَا يتقوم إِلَّا بموجود ثمَّ وَلَو قدر كَونه زَائِدا فالذوات إِمَّا أَن تكون متماثلة دونه أَو متمايزة فَإِن كَانَت متماثلة فتماثلها إِن لم يكن بأنفسها فبزائد وَذَلِكَ يفضى إِلَى التسلسل من جِهَة ان الْكَلَام فِيمَا وَقع بِهِ التَّمَاثُل ثَانِيًا كَمَا فِي الأول وَهُوَ مُمْتَنع وَإِن كَانَت متمايزة فَذَلِك أَيْضا إِمَّا لأنفسها أَو بِخَارِج عَنْهَا وَكِلَاهُمَا يجر إِلَى إبِْطَال الْحَال أما الأول فَظَاهر وَأما الثَّانِي فَمن جِهَة أَن الذوات إِمَّا أَن تكون متماثلة دونه أَو متمايزة وَالْكَلَام الأول بِعَيْنِه عَائِد وَهُوَ محَال وَإِن أُرِيد بِهِ اللونية الْعَقْلِيَّة الْمُطلقَة فَتلك لَا يتَصَوَّر ان تكون صفة لما يتشخص من الذوات وَمعنى دُخُول جَمِيع الشخصيات تحتهَا لَيْسَ إِلَّا أَن مَا حصل فِي الذِّهْن من معنى اللونية مُطَابق لما يحصل من معنى أَي لون كَانَ من أشخاص اللَّوْن من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَعند هَذَا إِن أُرِيد باشتراك اللونية بَين السوَاد وَالْبَيَاض هَذَا النَّحْو من الِاشْتِرَاك فَلَا إِنْكَار بل هُوَ الرَّأْي الْحق وَلَا مشاحة فِيهِ
وَعند هَذَا فَلَيْسَ لقَائِل أَن يَقُول من نفاة الْأَحْوَال إِن الِاشْتِرَاك بَين السوَاد وَالْبَيَاض لَيْسَ إِلَّا فِي مُجَرّد التَّسْمِيَة فَإنَّا نَحن ندرك الِاشْتِرَاك فِي الْجُمْلَة وان قَطعنَا النّظر عَن التسميات والعبارات ونشعر بالاشتراك وَإِن طاحت الاصطلاحات والإطلاقات فَلَيْسَ ذَلِك الا بِالنّظرِ إِلَى قَضِيَّة عقلية وَصُورَة معنوية كَيفَ وَأَنا نعقل حَقِيقَة الْإِنْسَان
стр. 27
مُطلقَة ونعقلها شخصة وَلَيْسَ تعقلها تعقلا كليا هُوَ نفس تعقلها تعقلا شخصيا وَلِهَذَا لَو مَاتَ جَمِيع أشخاص الْإِنْسَان الْمَوْجُودَة فِي الْأَعْيَان لم تبطل الْحَقِيقَة الْمُطلقَة الْمَوْجُودَة فِي الأذهان
ثمَّ لَو قيل بذلك للَزِمَ مِنْهُ إبِْطَال القَوْل بِالْحَدِّ والبرهان وَأَن لَا يتَوَصَّل إحد من مَعْلُوم إِلَى مَجْهُول وَذَلِكَ أَن الْأَشْيَاء إِمَّا كُلية وَإِمَّا شخصية على مَا عرف بِالْقِسْمَةِ الحاصرة وَالْحَد والبرهان لَيْسَ إِلَّا للأمور الْكُلية دون الشخصية وَذَلِكَ لِأَن الْحَد والبرهان ليسَا من الْأُمُور الظنية التخمينية بل من اليقينية القطعية والامر الشخصى مَاله من الصِّفَات لَيست يقينية بل هِيَ على التَّغَيُّر والتبدل على الدَّوَام فَلَا يُمكن أَن يُمكن أَن يُؤْخَذ مِنْهُ مَا هُوَ فِي نَفسه حقيقى يقينى وَهَذَا بِخِلَاف الْأُمُور الْكُلية فعلى هَذَا قد بَان أَن من أَرَادَ بِإِطْلَاق الْحَال على مَا يَقع بِهِ الِاشْتِرَاك النَّحْو الَّذِي أَشَرنَا إِلَيْهِ كَانَ محقا لَكِن لَا ينبغى أَن يُقَال إِنَّهَا لَيست مَوْجُودَة وَلَا مَعْدُومَة بل الْوَاجِب أَن يُقَال إِنَّهَا مَوْجُودَة فِي الأذهان مَعْدُومَة فِي الْأَعْيَان وَأما من أَرَادَ بِهِ غير مَا ذَكرْنَاهُ كَانَ زائغا عَن نهج السداد حائدا عَن مَسْلَك الرشاد
وَأما الْكَلَام على مَا بِهِ يكون الِافْتِرَاق فَهُوَ أَن يُقَال مَا بِهِ وَقع الِافْتِرَاق بَين السوَاد وَالْبَيَاض إِمَّا أَن يكون فِي مُجَرّد التَّسْمِيَة كَمَا فِي قَوْلنَا سوادية وبياضية وَإِمَّا فِي مدلولهما لَا سَبِيل إِلَى الاول كَمَا ذهب إِلَيْهِ نفاة الاحوال فَإنَّا لَو قَطعنَا النّظر عَن التَّسْمِيَة كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي جَانب الِاشْتِرَاك لقد كُنَّا ندرك الِافْتِرَاق لَا محَالة فَلَيْسَ هُوَ إِذا إِلَّا فِي قَضِيَّة عقلية معنوية
وَإِن كَانَ الِافْتِرَاق بِنَفس مَدْلُول لفظ السوادية والبياضية فإمَّا أَن يكون ذَلِك هُوَ نفس الذَّات المتميزة اَوْ حَاصِلا فِيهَا أَو خَارِجا عَنْهَا فَإِن كَانَ الاول فالتمايز بَين الذوات لَيْسَ إِلَّا لأنفسها لَا لأمور زَائِدَة عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ إِن كَانَ الْقسم الثَّانِي
стр. 28
أَيْضا وَإِن كَانَ الْقسم الثَّالِث فَكيف يَصح القَوْل بِأَن كل مَا وَقع بِهِ الِافْتِرَاق بَين ذاتين فَهُوَ زَائِد عَلَيْهَا خَارج عَنْهَا وَالْعقل الصَّحِيح يقْضى بَان الِافْتِرَاق بَين بعض الذوات قد يكون بِأُمُور لَا يتم تعقل تِلْكَ الذوات إِلَّا بعد تعقلها أَولا وَذَلِكَ كَمَا وَقع بِهِ الِافْتِرَاق بَين الْإِنْسَان وَالْفرس والجوهر وَالْعرض وَغير ذَلِك من الانواع والأجناس الْمُخْتَلفَة وَإِذ ذَاك فَلَا يكون مَا وَقع بِهِ الِافْتِرَاق خَارِجا وَلَا حَالا زَائِدا كَيفَ وَأَنه إِمَّا أَن تكون تِلْكَ الذوات متمايزة دونه أَو غير متمايزة فَإِن كَانَت متمايزة فَمن ضَرُورَة تمايزها وُقُوع مَا بِهِ التميز فَإِن كَانَ ذَلِك أَيْضا حَالا زَائِدا على الذَّات فَالْكَلَام فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الأول وَذَلِكَ يفضى إِلَى مَا لَا يتناهى وَهُوَ محَال وَإِن لم تكن متمايزة دونه فهى لَا محَالة متماثلة ومشتركة وَمَا بِهِ التَّمَاثُل والاشتراك على مَا عرف من اصل الْقَائِل بالأحوال حَال زَائِد على المتماثلات فَعِنْدَ هَذَا إِمَّا أَن يكون التَّمَاثُل فِيمَا هُوَ زَائِد على الذوات أَو فِي نفس الذوات فَإِن كَانَ فِي زَائِد على نفس الذوات فَلَا بُد أَن تكون لَا محَالة متمايزة وَالْكَلَام الاول بِعَيْنِه لَازم إِلَى غير النِّهَايَة وَإِن كَانَ لَيْسَ فِي زَائِد على نفس الذوات لزم أَن لَا يكون مَا بِهِ التَّمَاثُل حَالا أَو أَن تكون الذوات بأسرها أحوالا وَهُوَ خُرُوج عَن الْمَعْقُول وَإِبْطَال لتحقيق الْأَحْوَال أَيْضا إِذْ الْأَحْوَال من الصِّفَات الَّتِي لَا قوام لَهَا بأنفسها دون ذَوَات تُضَاف إِلَيْهَا على مَا عرف من مَذْهَب الْقَائِل بالأحوال
ثمَّ إِنَّه لَو كَانَ مَا بِهِ يَقع الِاتِّفَاق والافتراق بَين الذوات حَالا فَلَا محَالة أَن بَين الاحوال اتِّفَاقًا وافتراقا إِذْ لَيْسَ كلهَا حَالا وَاحِدَة وَعند ذَلِك فَمَا يلْزم فِي الذوات من الِاتِّفَاق والافتراق بِعَيْنِه لَازم فِي الاحوال وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى إِثْبَات الْحَال للْحَال وَذَلِكَ عِنْدهم محَال
стр. 29
فَإِن قيل إِنَّمَا لم تثبت الْأَحْوَال للأحوال من جِهَة أَن الاحوال صِفَات وَالصِّفَات لَا تثبت للصفات بِخِلَاف الذوات وَأَيْضًا فَإِن ذَلِك مِمَّا يفضى إِلَى ثُبُوت الْحَال للْحَال إِلَى غير النِّهَايَة وَهُوَ محَال وَلَيْسَ يلْزم من كَون الِاتِّفَاق والافتراق بَين الذوات لَا يَقع إِلَّا بِالْحَال أَن يكون الِاتِّفَاق والافتراق بَين الاحوال بالأحوال وَهَذَا كَمَا نقُول فِي حقائق الْأَنْوَاع كالإنسان وَالْفرس وَنَحْوه فَإِنَّهَا تشترك فِي الْأَجْنَاس وتفترق بالفصول وَلم يلْزم أَن تكون للأجناس وَإِن تعدّدت جنس فَإِن الْجَوْهَر والكم والكيف أَجنَاس وَمَا وَقع بِهِ الِاشْتِرَاك بَينهمَا من الْوُجُود وَنَحْو فَلَيْسَ بِجِنْس لَهَا وَكَذَا لم يلْزم أَن تكون للفصول وَإِن تعدّدت فُصُول والا أفْضى إِلَى التسلسل وَهُوَ محَال فَكَمَا قيل فِي الْأَجْنَاس والفصول فلنقل مثله فِي الاحوال كَيفَ وَإِن مَا ذكرتموه من الْإِشْكَال رَاجع عَلَيْكُم بالمناقضة والإلزام فَإِنَّكُم رمتم بِهِ نفى الْأَحْوَال بطرِيق الْعُمُوم والشمول وَذَلِكَ مَعَ قطع النّظر عَن معنى يعم محَال وَهُوَ بِعَيْنِه اعْتِرَاف بِالْحَال
فَالْجَوَاب أما مَا ذَكرُوهُ من امْتنَاع قيام الصِّفَات بِالصِّفَاتِ فَهُوَ يرجع عَلَيْهِم بالإبطال حَيْثُ أثبتوا الْأَحْوَال للأعراض وَهِي صِفَات وَلم يتأبوا عَن ذَلِك فَإِذن مَا ذكرُوا من الْفرق لَا معنى لَهُ وَأما منع قيام الْحَال بِالْحَال قطعا للتسلسل فَلَيْسَ هَذَا بِأولى من إبِْطَال الاحوال أصلا ورأسا قطعا للتسلسل وَهُوَ أولى منعا للتحكم والتهجم بِمُجَرَّد الدَّعْوَى من غير دَلِيل
وَقَوْلهمْ إِن الْأَجْنَاس تماثل بهَا الْأَنْوَاع وَمَا تتماثل بِهِ الْأَجْنَاس لَا يلْزم أَن يكون جِنْسا فَهُوَ غلط فَإِن مَا تماثلت بِهِ الْأَنْوَاع لم يكن جِنْسا من حَيْثُ عُمُومه لَهَا فَقَط فَإِن الْإِنْسَان وَالْفرس قد يَشْتَرِكَانِ مثلا فِي السوَاد وَالْبَيَاض وَلَا يُقَال إِنَّه جنس لَهما فَإِذا الْجِنْس هُوَ مَا تتماثل بِهِ الانواع وَيُقَال عَلَيْهَا قولا أوليا فِي جَوَاب مَا هُوَ وَذَلِكَ كالحيوان
стр. 30
بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَان وَالْفرس فعلى هَذَا إِنَّمَا لم يكن مَا وَقع بِهِ الِاشْتِرَاك بَين الْجَوْهَر وَالْعرض من الْوُجُود وَغَيره جِنْسا لَهما من حَيْثُ إِنَّه لم يكن مقولا عَلَيْهِمَا على النَّحْو الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَلِهَذَا يفهم كل مِنْهُمَا دونه وَلَو كَانَ الْجِنْس هُوَ مَا تتماثل بِهِ الْحَقَائِق الْمُخْتَلفَة فِي الْجُمْلَة لقد قُلْنَا إِن مَا اشْترك فِيهِ الْجَوْهَر وَالْعرض جنس لَهما لَكِن لم يكن الامر هَكَذَا وَهَذَا بِخِلَاف الاحوال فَإِنَّهَا إِنَّمَا كَانَت احوالا من حَيْثُ إِنَّه وَقع بهَا الِاتِّفَاق والإفتراق وَذَلِكَ بِعَيْنِه مُتَحَقق فِي الْأَحْوَال وَإِن كَانَ اسْم الْحَال لَا يُطلق إِلَّا على مَا بِهِ الِاتِّفَاق والافتراق بَين الذوات فَهُوَ نزاع فِي التَّسْمِيَة لَا فِي الْمَعْنى
وَأما القَوْل بِأَن الْأَنْوَاع تتَمَيَّز بالفصول وتمييز الْفُصُول لَا يكون بالفصول فَنَقُول إِذا وَقع الِافْتِرَاق بالفصول فإمَّا أَن يُقَال هِيَ نفس الاحوال أَو الْأَحْوَال زَائِدَة عَلَيْهَا فَإِن قيل إِنَّهَا نفس الاحوال الَّتِي بهَا يكون تميز الْأَشْيَاء بَعْضهَا عَن بعض فَهُوَ محَال إِذْ الْفُصُول دَاخِلَة فِي الْحَقَائِق أَي لَا تعقل حقائق الْأَنْوَاع إِلَّا بتعقلها اولا وَمَا لَا يعقل الشئ إِلَّا بتعقله أَولا فَلَا يكون صفة زَائِدَة على الْحَقِيقَة على مَا قَرَّرْنَاهُ وَمَعَ كَونه محالا فَلم يتوصلوا إِلَى الْمَطْلُوب إِلَّا بتعيينه وَهُوَ مُمْتَنع وَإِن قيل إِن الاحوال غير الْفُصُول وَإِنَّهَا زَائِدَة عَلَيْهَا فَلَا محَالة أَنه قد حصل التَّمْيِيز بَين الْأَشْيَاء بالفصول لَا بالأحوال
وَأما مَا ذَكرُوهُ فِي معرض الْإِلْزَام آخرا فَإِنَّمَا يلْزم الْقَائِل من نفاة الاحوال إِن التَّمَاثُل بَين الذوات لَيْسَ إِلَّا فِي مُجَرّد الْأَسْمَاء فَقَط أما على رَأينَا فَلَا وَبِهَذَا ينْدَفع قَوْلهم إِن إِنْكَار الاحوال يفضى إِلَى حسم بَاب القَوْل بِالْحَدِّ والبرهان
وَأما مَا ذَكرُوهُ من شُبْهَة المتحرك وَالْحَرَكَة وَقَوْلهمْ إِنَّا نعلم وجود الذَّات ثمَّ نعلم كَونهَا متحركة أَو عَالِمَة اَوْ قادرة إِلَى غير ذَلِك فَهُوَ وَإِن كَانَ صَحِيحا فَالْقَوْل بِأَن علمنَا بِكَوْن
стр. 31
الذَّات متحركة أَو عَالِمَة اَوْ قادرة غير قيام الْحَرَكَة بهَا الْعلم وَالْقُدْرَة بهَا هُوَ مَوضِع الخيال ومحز الْإِشْكَال بل لَيْسَ كَون الشئ متحركا يزِيد على قيام الْحَرَكَة بِهِ وَلَا كَونه عَالما يزِيد على قيام الْعلم بِهِ وَكَذَلِكَ فِي سَائِر إحكام الصِّفَات فَإِذا مَا ذَكرُوهُ لَيْسَ إِلَّا مُجَرّد استرسال بِدَعْوَى مَا وَقع الْخلاف فِيهِ وَهُوَ غير مَعْقُول
وَإِذا تحقق مَا ذَكرْنَاهُ وتقرر مَا مهدناه علم مِنْهُ القَوْل بِنَفْي الاحوال إِلَّا على مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ من الِاحْتِمَال وَلَقَد كثرت طرق الْمُتَكَلِّمين هَهُنَا فِي طرفِي النَّفْي وَالْإِثْبَات لَكِن آثرنا الْإِعْرَاض عَنْهَا شحا على الزَّمَان من التضييع فِيمَا لَا يتَحَقَّق بِهِ كَبِير غَرَض
وَالله الْمُوفق للصَّوَاب
стр. 32
الْقَاعِدَة الثَّانِيَة
فِي اثبات الصِّفَات النفسية
مَذْهَب أهل الْحق أَن الْوَاجِب بِذَاتِهِ مُرِيد بِإِرَادَة عَالم بِعلم قَادر بقدرة حَيّ بحياة سميع بسمع بَصِير ببصر مُتَكَلم بِكَلَام وَهَذِه كلهَا معَان وجودية أزلية زَائِدَة على الذَّات
وَذَهَبت الفلاسفة والشيعة إِلَى نَفيهَا ثمَّ اخْتلفت آراء الشِّيعَة فَمنهمْ من لم يُطلق عَلَيْهِ شَيْئا مَا الْأَسْمَاء الْحسنى وَمِنْهُم من لم يجوز خلوه عَنْهَا وَأما الْمُعْتَزلَة فموافقون للنفاة وَإِن كَانَ لَهُم تَفْصِيل مَذْهَب فِي الصِّفَات كَمَا سَيَأْتِي
وَنحن الْآن نبتدئ بمعتمد أهل التعطيل وننبه على وَجه إِبْطَاله ثمَّ نذْكر بعد ذَلِك مُسْتَند أهل الْحق فَنَقُول
قَالَ النفاة لَو قدر لَهُ صِفَات فهى إِمَّا ذاتية اَوْ خارجية فَإِن كَانَت ذاتية فذات وَاجِب الْوُجُود مُتَقَومَة بمبادئ زَائِدَة عَلَيْهَا وَلَا يكون إِذْ ذَاك والوجود بِنَفسِهِ ثمَّ إِن تِلْكَ المبادئ إِمَّا أَن تكون كلهَا وَاجِبَة أَو مُمكنَة أَو الْبَعْض وَاجِب وَالْبَعْض مُمكن فَإِن كَانَت كلهَا وَاجِبَة أفْضى إِلَى الْإِشْرَاك فِي وَاجِب الْوُجُود وَهُوَ مُمْتَنع فَإنَّا لَو قَدرنَا
стр. 33
وجود واجبين فإمَّا أَن يشتركا من كل وَجه اَوْ يختلفا من كل وَجه أَو يشتركا من وَجه ويختلفا فِي آخر فَإِن اشْتَركَا من كل وَجه فَلَا تعدد فِي وَاجِب الْوُجُود إِذْ التَّعَدُّد والتغاير مَعَ قطع النّظر عَن التميز محَال وَإِن اخْتلفَا من كل وَجه فَلم يشتركا فِي وجوب الْوُجُود وان اشْتَركَا من وَجه دون وَجه فَمَا بِهِ الِاشْتِرَاك غير مَا بِهِ الِافْتِرَاق لَا محَالة وَعند ذَلِك فَمَا بِهِ الِاشْتِرَاك إِن لم يكن وجوب الْوُجُود فليسا بواجبين بل أَحدهمَا دون الآخر وَإِن كَانَ هُوَ وجوب الْوُجُود فإمَّا أَن يتم فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا بِدُونِ مَا بِهِ الِافْتِرَاق اَوْ لَا يتم لَا سَبِيل إِلَى القَوْل بالتمام إِذْ القَوْل بِتَعَدُّد مَا اتّحدت حَقِيقَته من غير مُوجب للتغاير والتعدد مُمْتَنع جدا وَإِن لم تتمّ حَقِيقَة وجوب الْوُجُود فِي كل مِنْهُمَا إِلَّا بِمَا بِهِ الِافْتِرَاق فَلَيْسَ وَلَا وَاحِد مِنْهُمَا وَاجِبا بِذَاتِهِ إِذْ لَا معنى لواجب الْوُجُود بِذَاتِهِ إِلَّا مَا لَا يفْتَقر فِي وجوده إِلَى غَيره وَهَذِه المحالات كلهَا إِنَّمَا لَزِمت من فرض الِاشْتِرَاك فِي وجوب الْوُجُود وَالْجمع بَين واجبين لَا محَالة وَكَذَا الْكَلَام فِيمَا إِذا كَانَ بَعْضهَا وَاجِبا وَأما إِن كَانَت مُمكنَة فهى لَا محَالة مفتقرة إِلَى مُرَجّح خَارج وَلَا يكون مَا جعل مِنْهَا وَاجِبا لذاته وَاجِب الْوُجُود من جَمِيع جهاته وَلَيْسَ لَهُ فِيمَا يتنظر فَإِذا كَانَ مُمكنا من جِهَة فَهُوَ من تِلْكَ الْجِهَة مفتقر إِلَى مُرَجّح وَيخرج عَن كَونه وَاجِبا بِذَاتِهِ مُطلقًا
وَأما إِن كَانَت الصِّفَات خارجية غير ذاتية فإمَّا أَن تكون قَائِمَة بِذَاتِهِ أَو غير قَائِمَة بِذَاتِهِ فَإِن لم تكن قَائِمَة بِذَاتِهِ فَلَيْسَتْ صِفَات وَإِن سميت بذلك فحاصل النزاع يرجع إِلَى مَحْض الإطلاقات وَتلك لَا مشاحة فِيهَا وَإِن كَانَت قَائِمَة بِذَاتِهِ فهى إِمَّا وَاجِبَة أَو مُمكنَة فَإِن كَانَت وَاجِبَة أدّى إِلَى اجْتِمَاع واجبين وَهُوَ محَال كَمَا سبق ثمَّ القَوْل بِوُجُوبِهَا مَعَ افتقارها إِلَى مَا تقوم بِهِ محَال وان كَانَت مُمكنَة فَوَاجِب الْوُجُود لَا يكون وُجُوبه مُطلقًا بل من جِهَة مَا وَهُوَ مُمْتَنع كَمَا مضى فَإِذا لابد أَن يكون وَاجِب الْوُجُود وَاحِدًا من كل جِهَة من غير تعدد لَا بأجزاء كمية وَلَا بأجزاء حدية وَلَا يجوز عَلَيْهِ
стр. 34
مَا وَجب فِيهِ التَّعَدُّد والتكثر وان كل مَا وصف بِهِ وَاجِب الْوُجُود فَلَيْسَ حَاصله يرجع إِلَّا إِلَى سلب مَا كَقَوْلِنَا إِنَّه وَاجِب أَي لَا يفْتَقر إِلَى غَيره فِي وجوده أَو إِلَى إِضَافَة مَا وكقولنا إِنَّه أول أَي إِنَّه مبدأ كل مَوْجُود وعَلى هَذَا النَّحْو
ولربما قَالَت النفاة من الْمُعْتَزلَة إِنَّه لَو كَانَ لَهُ صِفَات وجودية زَائِدَة على وجوده لم يخل إِمَّا أَن تكون هِيَ هُوَ أَو هِيَ غَيره فَإِن كَانَت هِيَ هُوَ فَلَا صفة لَهُ وان كَانَت غَيره فَهِيَ إِمَّا قديمَة أَو حَادِثَة فَإِن كَانَت حَادِثَة فَهُوَ مُمْتَنع إِذْ البارى تَعَالَى لَيْسَ محلا للحوادث كَمَا يَأْتِي وَإِن كَانَت قديمَة فالقدم أخص وصف الإلهية وَذَلِكَ يفضى إِلَى القَوْل بِتَعَدُّد الْآلهَة وَهُوَ مُمْتَنع كَمَا يَأْتِي أَيْضا وَأَيْضًا فَلَو قَامَت بِذَاتِهِ صِفَات وجودية لكَانَتْ مفتقرة إِلَيْهَا فِي وجودهَا وَذَلِكَ سيؤدي إِلَى أثبات خَصَائِص الْأَعْرَاض للصفات وَهُوَ محَال
وَالْجَوَاب أما القَوْل بِأَنَّهُ لَو كَانَت لَهُ صِفَات ذاتية لَكَانَ مُتَقَوّما بهَا وَخرج عَن أَن يكون وَاجِب الْوُجُود لذاته فالخبط فِيهِ إِنَّمَا نَشأ من الْجَهْل بمدلول لفظ الْوَاجِب بِذَاتِهِ فَإِنَّهُ إِن أُرِيد بِهِ مَا لَيْسَ لَهُ صِفَات ذاتية وَلَا خارجية فَهُوَ نفس المصادرة على الْمَطْلُوب وَإِن أُرِيد بِهِ مَا لَيْسَ لَهُ عِلّة خارجية عَن ذَاته وَلَا افتقار إِلَى غير ذَاته وَسَوَاء كَانَ ذَلِك صفة أم لَا فَهُوَ الصَّوَاب فَإِن الدَّلِيل لم يدل إِلَّا على مَا يجب انْتِهَاء جَمِيع الحادثات إِلَيْهِ وَانْقِطَاع تسلسل الْعِلَل والمعلولات عَلَيْهِ وَهُوَ غير مفتقر إِلَى أَمر خَارج عَنهُ لَكِن مثل هَذَا الْوَاجِب لَا ينافى اتصافه بِالصِّفَاتِ الذاتية إِن لم تكن مفتقرة إِلَى أُمُور خارجية وَنحن وَإِن قُلْنَا إِنَّه
стр. 35
ذُو صِفَات ذاتية فَهِيَ غير مفتقرة إِلَى أَمر خَارج بل كل وَاحِد مِنْهَا وَاجِب بِذَاتِهِ مُتَقَوّم بِنَفسِهِ وَمَا ذَكرُوهُ من امْتنَاع وجود واجبين فَإِنَّمَا يلْزم أَن لَو كَانَ مَا بِهِ الِاشْتِرَاك بَينهمَا معنى وجوديا وأمرا إثباتيا وَلَيْسَ كَذَلِك بل مَا وَقع بِهِ الِاخْتِلَاف لَيْسَ عوده إِلَّا إِلَى نفى الماهيات والذوات بِنَاء على أصلنَا فِي أَن الْوُجُود نفس الْمَوْجُود وَأَن إِطْلَاق اسْم الْوُجُود والذات على الماهيات المتعدده لَيْسَ إِلَّا بطرِيق الِاشْتِرَاك فِي اللَّفْظ لَا غير وَمَا وَقع بِهِ الِاشْتِرَاك فَلَيْسَ إِلَّا وجوب الْوُجُود وَحَاصِله يرجع إِلَى أَمر سلبى وَهُوَ عدم الافتقار فِي الْوُجُود إِلَى عِلّة خارجية وَلَيْسَ فِي إِضَافَة هَذَا السَّلب إِلَى الذَّات الْمعبر عَنْهَا بِكَوْنِهَا وَاجِبَة الْوُجُود مَا يُوجب جعل الْوَاجِب مفتقرا إِلَى غَيره وَلَو وَجب ذَلِك للَزِمَ مثله فِي حق البارى تَعَالَى وَهُوَ محَال
ثمَّ وَلَو قَدرنَا أَن الْوُجُود الَّذِي يُضَاف إِلَيْهِ الْوُجُوب زَائِد على مَا هية كل وَاحِد مِنْهُمَا فَإِنَّمَا يلْزم مِنْهُ الْمحَال أَيْضا أَن لَو كَانَ وجوب الْوُجُود فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا لنَفس الْوُجُود الزَّائِد عَلَيْهِ وَلَو قيل لَهُم مَا الْمَانِع من أَن يكون واجبان كل وَاحِد مِنْهُمَا لَهُ مَاهِيَّة وَوُجُود مُسْتَند فِي وُجُوبه إِلَى تِلْكَ الْمَاهِيّة لَا إِلَى معنى خَارج وَيكون معنى كَونه وَاجِبا لذاته أَن وجوده الزَّائِد على ماهيته مُسْتَند إِلَى الْمَاهِيّة لَا إِلَى نَفسه لم يَجدوا إِلَى دَفعه سَبِيلا بل رُبمَا عولوا فِي إبِْطَال ذَلِك على نفى الصِّفَات وانتقاؤها لَا يتم إِلَّا بامتناع اجْتِمَاع واجبين وَذَلِكَ دور مُمْتَنع
ولربما قَالُوا إِذا جوزتم أَن يكون الْوُجُود فِي وَاجِب الْوُجُود زَائِدا على ذَاته وماهيته فَهُوَ لَا محَالة فِي وُجُوبه مفتقر إِلَى الذَّات الْقَائِم بهَا وكل مَا افْتقر إِلَى غير نَفسه فِي وُجُوبه فَهُوَ بِذَاتِهِ مُمكن وأذا كَانَ مُمكنا كَانَ وجود وَاجِب الْوُجُود مُمكنا وَهُوَ مَا لَا يتم إِلَّا بمرجح خارجى إِذْ الذَّات يَسْتَحِيل أَن تكون هِيَ المرجحة والا لما كَانَت قَابِلَة لَهُ إِلَّا بِاعْتِبَار جِهَة أُخْرَى غير جِهَة كَونهَا فاعلة أذ تاثير الْعلَّة الْقَابِلَة غير تَأْثِير الْعلَّة الفاعلية وَاخْتِلَاف
стр. 36
التأثيرات يستدعى اخْتِلَاف الْمُؤثر إِمَّا فِي نَفسه أَو بِاعْتِبَار جِهَات وَاخْتِلَاف تَأْثِير ذَات وَاجِب الْوُجُود فِي وجوده بالفاعلية والقابلية يستدعى اختلافه فِي ذَاته أَو فِي جهاته لكنه لَيْسَ مُخْتَلفا فِي ذَاته فَلم يبْق الِاخْتِلَاف إِلَّا بِاعْتِبَار جهاته وَالْكَلَام فِي تِلْكَ الْجِهَات كَالْكَلَامِ فِي نفس الْوُجُود وَذَلِكَ يفضى إِلَى مَا لَا يتناهى وَهُوَ محَال
قُلْنَا مَا ذكرتموه إِنَّمَا يتم أَن لَو سلم أَن طبيعة الْمُمكن مَا يفْتَقر إِلَى مُرَجّح فَاعل وَلَا مَانع من أَن يُقَال إِن الْمُمكن مَا لَا يتم وجوده وَلَا عَدمه إِلَّا بِأَمْر خَارج عَن ذَاته وَهُوَ مُتَوَقف فِي كلا طَرفَيْهِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ قد يكون فاعليا وَقد يكون قابليا وَهُوَ اعم من الْفَاعِل فعلى هَذَا إِن قيل بِأَن الْوُجُود مُمكن بِاعْتِبَار انه يفْتَقر إِلَى الْقَابِل فقد وفى بِجِهَة الْإِمْكَان وَلَا يلْزم أَن يفْتَقر إِلَى فَاعل بل يجوز أَن يكون وجوده لنَفسِهِ وذاته وَأَن توقف على الْقَابِل وَالْقَوْل بِأَن وجوده لذاته مَعَ توقفه على الْقَابِل مِمَّا لَا يتقاصر عَنهُ قَوْلكُم أَن الْعقل الفعال مُؤثر فِي ايجاد الصُّور الجوهرية والانفس الناطقه الانسانية بِذَاتِهِ وان كَانَ تاثيره متوقفا على القوابل لما تَقْتَضِيه ذَاته
ثمَّ إِنَّه مَا الْمَانِع من أَن يكون تَأْثِير ذَات وَاجِب الْوُجُود بالفاعيله والقابلية لَا يتَوَقَّف على صِفَات وجودية حَقِيقِيَّة يلْزم عَنْهَا التكثر والتسلسل بل على صِفَات إضافية أَو سلبية تكون تَابِعَة لذات وَاجِب الْوُجُود من غير أَن يكون محلا لَهَا أَو فَاعِلا وَهَذَا كَمَا قُلْتُمْ فِي صُدُور الْكَثْرَة عَن الْمَعْلُول الأول لذات وَاجِب الْوُجُود فأنكم قُلْتُمْ إِن الصَّادِر عَنهُ نفس وعقل وجرم وَذَلِكَ باعتبارات مُتعَدِّدَة لضَرُورَة أَن الْوَاحِد لَا يصدر عَنهُ إِلَّا وَاحِد فَأن كَانَت هَذِه الاعتبارات صِفَات وجودية وَأُمُور حَقِيقِيَّة فقد ناقضتم مذهبكم فِي قَوْلكُم الْوَاحِد لَا يصدر عَنهُ الا وَاحِد وَإِن كَانَت صِفَات إضافية أَو سلبية لَا توجب الْكَثْرَة والتعدد فِي الذَّات وَهِي كَمَا قُلْتُمْ مثل كَونه مُمكنا وَمثل كَونه يعلم ذَاته
стр. 37
ومبدأه فَلم لَا يجوز أَن يكون مِمَّا يجب فِيهِ اخْتِلَاف التَّأْثِير أَيْضا بِاعْتِبَار صِفَات أضافية أَو سلبية وَلَو قيل لَهُم مَا الْفرق بَين الصُّورَتَيْنِ الميز بَين الْحَالين لم يَجدوا إِلَى الْخَلَاص عَن ذَلِك سَبِيلا
وعَلى مَا ذَكرْنَاهُ من التَّحْقِيق هَهُنَا ينْدَفع مَا ذَكرُوهُ أَيْضا وَإِن نزل الْكَلَام فِي الصِّفَات على جِهَة الْإِمْكَان دون الْوُجُوب
وَمَا قيل من أَن الْقدَم أخص وصف الألهية فَإِن أُرِيد بِهِ أَنه خَاص بِاللَّه تَعَالَى على وَجه لَا يُشَارِكهُ غَيره من الموجودات فِيهِ فَلَا مرية فِيهِ وَإِن اريد بِهِ انه غير مُتَصَوّر أَن يعم شَيْئَيْنِ وَلَو كَانَا داخلين فِي مَدْلُول اسْم الإلهية فَكفى بِهِ فِي الْإِبْطَال كَونه مصادرة على الْمَطْلُوب وَهُوَ لَا محَالة أَشد مناقضة لمَذْهَب الْخصم إِن كَانَ مِمَّن يعْتَرف بِكَوْن الْمَعْدُوم شَيْئا وَأَنه ذَات ثَابِتَة فِي الْقدَم فِي حَالَة الْعَدَم على مَا لَا يخفى
وَلَيْسَ لما يتخيله بعض الْأَصْحَاب فِي الْجَواب هَهُنَا سداد وَهُوَ قَوْله لَو كَانَ الْقدَم اخص وصف الالهية فمفهومه لَا محَالة غير مَفْهُوم كَونه مَوْجُودا فالوجود إِمَّا أَن يكون وَصفا أَعم أَو أخص فان كَانَ أَعم فقد تألفت ذَات البارى من وصفين أَعم وأخص وَلَو كَانَ أخص فَيلْزم أَن يكون كل مَوْجُود إِلَهًا وينقلب الْإِلْزَام فَإِن الْخصم قد لَا يسلم الِاشْتِرَاك فِي معنى الْوُجُود وان وَقع الِاشْتِرَاك فِي اسْم الْوُجُود وَعند ذَلِك لَا يلْزم أَن يكون كل مَا سمى مَوْجُودا إِلَهًا وَلَيْسَ يلْزم من تعدد مَفْهُوم اسمى الْوُجُود والقدم تكْثر فِي مَدْلُول اسْم البارى تعإلى إِلَّا أَن يقدر نعتا وجوديا ووصفنا حَقِيقِيًّا وَلَيْسَ كَذَلِك بل حالصه
стр. 38
إِنَّمَا يرجع إِلَى سلب الأولية لَا غير وَهَذَا يخلاف الصِّفَات الوجودية الَّتِي سلب عَنْهَا الأولية
وَأما القَوْل بِأَن قيام الصِّفَات بِالذَّاتِ يفضى إِلَى ثُبُوت خَصَائِص الْأَعْرَاض لَهَا فَإِنَّمَا يَسْتَقِيم أَن لَو كَانَ مَا قَامَت بِهِ تفْتَقر إِلَيْهِ فِي وجودهَا وتتقوم بِهِ كافتقار السوَاد وَالْبَيَاض وَسَائِر الأوضاع إِلَى موضوعاتها وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْقيام بالشئ أَعم من الافتقار إِلَيْهِ فَإِن الشئ قد يكون قَائِما بالشئ وَهُوَ مفتقر إِلَيْهِ فِي وجوده افتقار تَقْوِيم كأفتقار الْأَعْرَاض الى موضوعاتها وَقد يكون قئم بِهِ وَهُوَ غير مفتقر اليه افتقار تَقْوِيم وَذَلِكَ كَمَا يَقُوله الفيلسوف فِي الصُّور الجوهرية بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْموَاد وَهِي لَيست بأعراض وَلَا لَهَا خَصَائِص الْأَعْرَاض وَالْمَقْصُود من هَذَا لَيْسَ إِلَّا ان الْقيام بالشئ أَعم من الافتقار إِلَيْهِ دفعا لما ذَكرُوهُ من الْإِشْكَال وَمن لم يتحاش عَن جعل هَذَا الْقدر خَاصَّة للعرض فَلَا مشاحة مَعَه فِي الاصطلاحات وانما الشَّأْن فِي نَفْيه لذَلِك عَن الصِّفَات وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ بعد أَن قُلْنَا إِن الصِّفَات زَائِدَة على الذَّات وَإِلَّا فَإِن قُلْنَا إِنَّهَا عَائِدَة إِلَى معنى وَاحِد سَيَأْتِي تَحْقِيقه وَإِن الِاخْتِلَاف إِنَّمَا هُوَ بِسَبَب المتعلقات فقد اندفعت هَذِه الإشكالات وطاحت هَذِه الخيالات هَذَا مَا اعْتمد عَلَيْهِ النفاة
وَأما أهل الْإِثْبَات فقد سلك عامتهم فِي الْإِثْبَات مسلكا ضَعِيفا وَهُوَ أَنهم تعرضوا لإِثْبَات أَحْكَام الصِّفَات أَولا ثمَّ توصلوا مِنْهَا إِلَى إِثْبَات الْعلم بِالصِّفَاتِ ثَانِيًا فَقَالُوا
стр. 39
الْعَالم لَا محَالة على غَايَة من الْحِكْمَة والاتقان وَهُوَ مَعَ ذَلِك جَائِز وجوده وَجَائِز عَدمه فَمَا خصصه بالوجود يجب أَن يكون مرِيدا لَهُ قَادر عَلَيْهِ عَالما بِهِ كَمَا وَقع بِهِ الاستقراء فِي الشَّاهِد فَإِن من لم يكن قَادِرًا لم يَصح مِنْهُ صُدُور شئ عَنهُ وَمن لم يكن عَالما وَإِن كَانَ قَادِرًا لم يكن مَا صدر عَنهُ على نظام الْحِكْمَة والاتقان وَمن لم يكن مرِيدا لم يكن تَخْصِيص بعض الجائزات عَنهُ باحوال وأوقات دون الْبَعْض بِأولى من الْعَكْس إِذْ نسبتها إِلَيْهِ نِسْبَة واحده قَالُوا
وَإِذا ثَبت كَونه قَادِرًا مرِيدا عَالما وَجب أَن يكون حَيا إِذْ الْحَيَاة شَرط هَذِه الصِّفَات على مَا عرف فِي الشَّاهِد أَيْضا وَمَا كَانَ لَهُ فِي وجوده أَو فِي عَدمه شَرط لَا يخْتَلف شَاهدا وَلَا غَائِبا وَيلْزم من كَونه حَيا أَن يكون سميعا بَصيرًا متكلما فَإِن من لم تثبت لَهُ هَذِه الصِّفَات من الْأَشْيَاء فَإِنَّهُ لَا محَالة متصف بأضدادها كالعمى والطرش والخرس على مَا عرف فِي الشَّاهِد أَيْضا والبارى تَعَالَى يتقدس عَن أَن يَتَّصِف بِمَا يُوجب فِي ذَاته نقصا
قَالُوا فَإِذا ثبتَتْ هَذِه الْأَحْكَام فَهِيَ لَا محَالة فِي الشَّاهِد معللة بِالصِّفَاتِ فالعلم عِلّة كَون الْعَالم عَالما وَالْقُدْرَة عِلّة كَون الْقَادِر قَادِرًا إِلَى غير ذَلِك من الصِّفَات وَالْعلَّة لَا تخْتَلف شَاهدا وَلَا غَائِبا أَيْضا
وَاعْلَم أَن هَذَا المسلك ضَعِيف جدا فَإِن حَاصله يرجع إِلَى الاستقراء فِي الشَّاهِد وَالْحكم على الْغَائِب بِمَا حكم بِهِ على الشَّاهِد وَذَلِكَ فَاسد
وَقبل النّظر فِي تَحْقِيقه يجب أَن نقدم قَاعِدَة فِي تَحْقِيق معنى الاستقراء وَبَيَان الصَّادِق مِنْهُ والكاذب أما الاستقراء فَهُوَ عبارَة عَن الْبَحْث وَالنَّظَر فِي جزئيات كلى مَا عَن مَطْلُوب مَا وَهُوَ لَا محَالة يَنْقَسِم إِلَى مَا يكون الاستقراء فِيهِ تَاما أَي قد أَتَى فِيهِ على جَمِيع الجزئيات وَذَلِكَ مثل معرفتنا بالاستقراء أَن كل حَادث فَهُوَ إِمَّا جماد أَو نَبَات
стр. 40
أَو حَيَوَان فحاصل هَذَا الاستقراء صَادِق يقينى وَإِلَى مَا يكون الاستقراء فِيهِ نَاقِصا أَي قد أَتَى فِيهِ على بعض الجزئيات دون الْبَعْض وَحَاصِل هَذَا الاستقراء كَاذِب غير يقينى إِذْ من الْجَائِز أَن يكون حكم مَا استقرى على خلاف مَا لم يسْتَقرّ وَذَلِكَ كحكمنا أَن كل حَيَوَان يَتَحَرَّك فكه الاسفل عِنْد الاكل بِنَاء على مَا استقريناه فِي أَكثر الْحَيَوَانَات وَقد يَقع الامر بِخِلَافِهِ مِمَّا لم يسْتَقرّ وَذَلِكَ كَمَا فِي التمساح فَإِنَّهُ إِذا اكل تحرّك فكه الْأَعْلَى فعلى هَذَا إِن لم يكن الاستقراء فِي الشَّاهِد تَاما فَهُوَ كَاذِب
وَإِن قدر كَونه تَاما فإمَّا أَن يكون الْغَائِب وَالشَّاهِد مشتركين فِي الْحَقِيقَة أَو مُخْتَلفين فَإِن قدر الِاخْتِلَاف فَلَا يخفى أَن مَا حكم بِهِ على اُحْدُ الْمُخْتَلِفين غير لَازم أَن يحكم بِهِ على الآخر لجَوَاز أَن يكون من خَصَائِص مَا حكم بِهِ عَلَيْهِ دون الآخر وَذَلِكَ كَمَا إِذا حكمنَا على الْإِنْسَان بِأَنَّهُ ضَاحِك مثلا أخذا من استقراء جزئيات نوع الانسان فَإِنَّهُ لَا يلْزم مثله فِي الْفرس الْمُخَالف لَهُ فِي حَقِيقَته
وَإِن قدر الِاشْتِرَاك فِي الْحَقِيقَة فَهُوَ محَال وَإِلَّا للَزِمَ الِاشْتِرَاك بَينهمَا فِيمَا ثَبت لذات كل وَاحِد مِنْهُمَا وَإِذ ذَاك فَيجب أَن يكون البارى والعالم واجبين أَو ممكنين أَو كل وَاحِد مِنْهُمَا وَاجِبا وممكنا وَهُوَ مُمْتَنع
ثمَّ لَو قدر أَن ذَلِك غير محَال فالاستقراء إِمَّا أَن يتَنَاوَل الْغَائِب أَو لَيْسَ فَإِن تنَاوله فَهُوَ مَحل النزاع وَلَا حَاجَة إِلَى استقراء غَيره وان لم يتَنَاوَلهُ بل وَقع لغيره من الجزئيات فَهُوَ لَا محَالة استقراء نَاقص وَلَيْسَ بصادق كَمَا بَيناهُ وَهَذَا لَا محيص عَنهُ ثمَّ إِن صَحَّ فَيلْزم أَن يكون مشارا إِلَيْهِ والى جِهَته وَأَن يكون إِمَّا جوهرا وَإِمَّا عرضا كَمَا فِي الشَّاهِد وان لم يَصح فِي هَذِه الْأُمُور لم يَصح فِيمَا سواهَا أَيْضا
следующие страницы →