Полный текст (378 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
التأثيرات يستدعى اخْتِلَاف الْمُؤثر إِمَّا فِي نَفسه أَو بِاعْتِبَار جِهَات وَاخْتِلَاف تَأْثِير ذَات وَاجِب الْوُجُود فِي وجوده بالفاعلية والقابلية يستدعى اختلافه فِي ذَاته أَو فِي جهاته لكنه لَيْسَ مُخْتَلفا فِي ذَاته فَلم يبْق الِاخْتِلَاف إِلَّا بِاعْتِبَار جهاته وَالْكَلَام فِي تِلْكَ الْجِهَات كَالْكَلَامِ فِي نفس الْوُجُود وَذَلِكَ يفضى إِلَى مَا لَا يتناهى وَهُوَ محَال
قُلْنَا مَا ذكرتموه إِنَّمَا يتم أَن لَو سلم أَن طبيعة الْمُمكن مَا يفْتَقر إِلَى مُرَجّح فَاعل وَلَا مَانع من أَن يُقَال إِن الْمُمكن مَا لَا يتم وجوده وَلَا عَدمه إِلَّا بِأَمْر خَارج عَن ذَاته وَهُوَ مُتَوَقف فِي كلا طَرفَيْهِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ قد يكون فاعليا وَقد يكون قابليا وَهُوَ اعم من الْفَاعِل فعلى هَذَا إِن قيل بِأَن الْوُجُود مُمكن بِاعْتِبَار انه يفْتَقر إِلَى الْقَابِل فقد وفى بِجِهَة الْإِمْكَان وَلَا يلْزم أَن يفْتَقر إِلَى فَاعل بل يجوز أَن يكون وجوده لنَفسِهِ وذاته وَأَن توقف على الْقَابِل وَالْقَوْل بِأَن وجوده لذاته مَعَ توقفه على الْقَابِل مِمَّا لَا يتقاصر عَنهُ قَوْلكُم أَن الْعقل الفعال مُؤثر فِي ايجاد الصُّور الجوهرية والانفس الناطقه الانسانية بِذَاتِهِ وان كَانَ تاثيره متوقفا على القوابل لما تَقْتَضِيه ذَاته
ثمَّ إِنَّه مَا الْمَانِع من أَن يكون تَأْثِير ذَات وَاجِب الْوُجُود بالفاعيله والقابلية لَا يتَوَقَّف على صِفَات وجودية حَقِيقِيَّة يلْزم عَنْهَا التكثر والتسلسل بل على صِفَات إضافية أَو سلبية تكون تَابِعَة لذات وَاجِب الْوُجُود من غير أَن يكون محلا لَهَا أَو فَاعِلا وَهَذَا كَمَا قُلْتُمْ فِي صُدُور الْكَثْرَة عَن الْمَعْلُول الأول لذات وَاجِب الْوُجُود فأنكم قُلْتُمْ إِن الصَّادِر عَنهُ نفس وعقل وجرم وَذَلِكَ باعتبارات مُتعَدِّدَة لضَرُورَة أَن الْوَاحِد لَا يصدر عَنهُ إِلَّا وَاحِد فَأن كَانَت هَذِه الاعتبارات صِفَات وجودية وَأُمُور حَقِيقِيَّة فقد ناقضتم مذهبكم فِي قَوْلكُم الْوَاحِد لَا يصدر عَنهُ الا وَاحِد وَإِن كَانَت صِفَات إضافية أَو سلبية لَا توجب الْكَثْرَة والتعدد فِي الذَّات وَهِي كَمَا قُلْتُمْ مثل كَونه مُمكنا وَمثل كَونه يعلم ذَاته
стр. 37
ومبدأه فَلم لَا يجوز أَن يكون مِمَّا يجب فِيهِ اخْتِلَاف التَّأْثِير أَيْضا بِاعْتِبَار صِفَات أضافية أَو سلبية وَلَو قيل لَهُم مَا الْفرق بَين الصُّورَتَيْنِ الميز بَين الْحَالين لم يَجدوا إِلَى الْخَلَاص عَن ذَلِك سَبِيلا
وعَلى مَا ذَكرْنَاهُ من التَّحْقِيق هَهُنَا ينْدَفع مَا ذَكرُوهُ أَيْضا وَإِن نزل الْكَلَام فِي الصِّفَات على جِهَة الْإِمْكَان دون الْوُجُوب
وَمَا قيل من أَن الْقدَم أخص وصف الألهية فَإِن أُرِيد بِهِ أَنه خَاص بِاللَّه تَعَالَى على وَجه لَا يُشَارِكهُ غَيره من الموجودات فِيهِ فَلَا مرية فِيهِ وَإِن اريد بِهِ انه غير مُتَصَوّر أَن يعم شَيْئَيْنِ وَلَو كَانَا داخلين فِي مَدْلُول اسْم الإلهية فَكفى بِهِ فِي الْإِبْطَال كَونه مصادرة على الْمَطْلُوب وَهُوَ لَا محَالة أَشد مناقضة لمَذْهَب الْخصم إِن كَانَ مِمَّن يعْتَرف بِكَوْن الْمَعْدُوم شَيْئا وَأَنه ذَات ثَابِتَة فِي الْقدَم فِي حَالَة الْعَدَم على مَا لَا يخفى
وَلَيْسَ لما يتخيله بعض الْأَصْحَاب فِي الْجَواب هَهُنَا سداد وَهُوَ قَوْله لَو كَانَ الْقدَم اخص وصف الالهية فمفهومه لَا محَالة غير مَفْهُوم كَونه مَوْجُودا فالوجود إِمَّا أَن يكون وَصفا أَعم أَو أخص فان كَانَ أَعم فقد تألفت ذَات البارى من وصفين أَعم وأخص وَلَو كَانَ أخص فَيلْزم أَن يكون كل مَوْجُود إِلَهًا وينقلب الْإِلْزَام فَإِن الْخصم قد لَا يسلم الِاشْتِرَاك فِي معنى الْوُجُود وان وَقع الِاشْتِرَاك فِي اسْم الْوُجُود وَعند ذَلِك لَا يلْزم أَن يكون كل مَا سمى مَوْجُودا إِلَهًا وَلَيْسَ يلْزم من تعدد مَفْهُوم اسمى الْوُجُود والقدم تكْثر فِي مَدْلُول اسْم البارى تعإلى إِلَّا أَن يقدر نعتا وجوديا ووصفنا حَقِيقِيًّا وَلَيْسَ كَذَلِك بل حالصه
стр. 38
إِنَّمَا يرجع إِلَى سلب الأولية لَا غير وَهَذَا يخلاف الصِّفَات الوجودية الَّتِي سلب عَنْهَا الأولية
وَأما القَوْل بِأَن قيام الصِّفَات بِالذَّاتِ يفضى إِلَى ثُبُوت خَصَائِص الْأَعْرَاض لَهَا فَإِنَّمَا يَسْتَقِيم أَن لَو كَانَ مَا قَامَت بِهِ تفْتَقر إِلَيْهِ فِي وجودهَا وتتقوم بِهِ كافتقار السوَاد وَالْبَيَاض وَسَائِر الأوضاع إِلَى موضوعاتها وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْقيام بالشئ أَعم من الافتقار إِلَيْهِ فَإِن الشئ قد يكون قَائِما بالشئ وَهُوَ مفتقر إِلَيْهِ فِي وجوده افتقار تَقْوِيم كأفتقار الْأَعْرَاض الى موضوعاتها وَقد يكون قئم بِهِ وَهُوَ غير مفتقر اليه افتقار تَقْوِيم وَذَلِكَ كَمَا يَقُوله الفيلسوف فِي الصُّور الجوهرية بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْموَاد وَهِي لَيست بأعراض وَلَا لَهَا خَصَائِص الْأَعْرَاض وَالْمَقْصُود من هَذَا لَيْسَ إِلَّا ان الْقيام بالشئ أَعم من الافتقار إِلَيْهِ دفعا لما ذَكرُوهُ من الْإِشْكَال وَمن لم يتحاش عَن جعل هَذَا الْقدر خَاصَّة للعرض فَلَا مشاحة مَعَه فِي الاصطلاحات وانما الشَّأْن فِي نَفْيه لذَلِك عَن الصِّفَات وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ بعد أَن قُلْنَا إِن الصِّفَات زَائِدَة على الذَّات وَإِلَّا فَإِن قُلْنَا إِنَّهَا عَائِدَة إِلَى معنى وَاحِد سَيَأْتِي تَحْقِيقه وَإِن الِاخْتِلَاف إِنَّمَا هُوَ بِسَبَب المتعلقات فقد اندفعت هَذِه الإشكالات وطاحت هَذِه الخيالات هَذَا مَا اعْتمد عَلَيْهِ النفاة
وَأما أهل الْإِثْبَات فقد سلك عامتهم فِي الْإِثْبَات مسلكا ضَعِيفا وَهُوَ أَنهم تعرضوا لإِثْبَات أَحْكَام الصِّفَات أَولا ثمَّ توصلوا مِنْهَا إِلَى إِثْبَات الْعلم بِالصِّفَاتِ ثَانِيًا فَقَالُوا
стр. 39
الْعَالم لَا محَالة على غَايَة من الْحِكْمَة والاتقان وَهُوَ مَعَ ذَلِك جَائِز وجوده وَجَائِز عَدمه فَمَا خصصه بالوجود يجب أَن يكون مرِيدا لَهُ قَادر عَلَيْهِ عَالما بِهِ كَمَا وَقع بِهِ الاستقراء فِي الشَّاهِد فَإِن من لم يكن قَادِرًا لم يَصح مِنْهُ صُدُور شئ عَنهُ وَمن لم يكن عَالما وَإِن كَانَ قَادِرًا لم يكن مَا صدر عَنهُ على نظام الْحِكْمَة والاتقان وَمن لم يكن مرِيدا لم يكن تَخْصِيص بعض الجائزات عَنهُ باحوال وأوقات دون الْبَعْض بِأولى من الْعَكْس إِذْ نسبتها إِلَيْهِ نِسْبَة واحده قَالُوا
وَإِذا ثَبت كَونه قَادِرًا مرِيدا عَالما وَجب أَن يكون حَيا إِذْ الْحَيَاة شَرط هَذِه الصِّفَات على مَا عرف فِي الشَّاهِد أَيْضا وَمَا كَانَ لَهُ فِي وجوده أَو فِي عَدمه شَرط لَا يخْتَلف شَاهدا وَلَا غَائِبا وَيلْزم من كَونه حَيا أَن يكون سميعا بَصيرًا متكلما فَإِن من لم تثبت لَهُ هَذِه الصِّفَات من الْأَشْيَاء فَإِنَّهُ لَا محَالة متصف بأضدادها كالعمى والطرش والخرس على مَا عرف فِي الشَّاهِد أَيْضا والبارى تَعَالَى يتقدس عَن أَن يَتَّصِف بِمَا يُوجب فِي ذَاته نقصا
قَالُوا فَإِذا ثبتَتْ هَذِه الْأَحْكَام فَهِيَ لَا محَالة فِي الشَّاهِد معللة بِالصِّفَاتِ فالعلم عِلّة كَون الْعَالم عَالما وَالْقُدْرَة عِلّة كَون الْقَادِر قَادِرًا إِلَى غير ذَلِك من الصِّفَات وَالْعلَّة لَا تخْتَلف شَاهدا وَلَا غَائِبا أَيْضا
وَاعْلَم أَن هَذَا المسلك ضَعِيف جدا فَإِن حَاصله يرجع إِلَى الاستقراء فِي الشَّاهِد وَالْحكم على الْغَائِب بِمَا حكم بِهِ على الشَّاهِد وَذَلِكَ فَاسد
وَقبل النّظر فِي تَحْقِيقه يجب أَن نقدم قَاعِدَة فِي تَحْقِيق معنى الاستقراء وَبَيَان الصَّادِق مِنْهُ والكاذب أما الاستقراء فَهُوَ عبارَة عَن الْبَحْث وَالنَّظَر فِي جزئيات كلى مَا عَن مَطْلُوب مَا وَهُوَ لَا محَالة يَنْقَسِم إِلَى مَا يكون الاستقراء فِيهِ تَاما أَي قد أَتَى فِيهِ على جَمِيع الجزئيات وَذَلِكَ مثل معرفتنا بالاستقراء أَن كل حَادث فَهُوَ إِمَّا جماد أَو نَبَات
стр. 40
أَو حَيَوَان فحاصل هَذَا الاستقراء صَادِق يقينى وَإِلَى مَا يكون الاستقراء فِيهِ نَاقِصا أَي قد أَتَى فِيهِ على بعض الجزئيات دون الْبَعْض وَحَاصِل هَذَا الاستقراء كَاذِب غير يقينى إِذْ من الْجَائِز أَن يكون حكم مَا استقرى على خلاف مَا لم يسْتَقرّ وَذَلِكَ كحكمنا أَن كل حَيَوَان يَتَحَرَّك فكه الاسفل عِنْد الاكل بِنَاء على مَا استقريناه فِي أَكثر الْحَيَوَانَات وَقد يَقع الامر بِخِلَافِهِ مِمَّا لم يسْتَقرّ وَذَلِكَ كَمَا فِي التمساح فَإِنَّهُ إِذا اكل تحرّك فكه الْأَعْلَى فعلى هَذَا إِن لم يكن الاستقراء فِي الشَّاهِد تَاما فَهُوَ كَاذِب
وَإِن قدر كَونه تَاما فإمَّا أَن يكون الْغَائِب وَالشَّاهِد مشتركين فِي الْحَقِيقَة أَو مُخْتَلفين فَإِن قدر الِاخْتِلَاف فَلَا يخفى أَن مَا حكم بِهِ على اُحْدُ الْمُخْتَلِفين غير لَازم أَن يحكم بِهِ على الآخر لجَوَاز أَن يكون من خَصَائِص مَا حكم بِهِ عَلَيْهِ دون الآخر وَذَلِكَ كَمَا إِذا حكمنَا على الْإِنْسَان بِأَنَّهُ ضَاحِك مثلا أخذا من استقراء جزئيات نوع الانسان فَإِنَّهُ لَا يلْزم مثله فِي الْفرس الْمُخَالف لَهُ فِي حَقِيقَته
وَإِن قدر الِاشْتِرَاك فِي الْحَقِيقَة فَهُوَ محَال وَإِلَّا للَزِمَ الِاشْتِرَاك بَينهمَا فِيمَا ثَبت لذات كل وَاحِد مِنْهُمَا وَإِذ ذَاك فَيجب أَن يكون البارى والعالم واجبين أَو ممكنين أَو كل وَاحِد مِنْهُمَا وَاجِبا وممكنا وَهُوَ مُمْتَنع
ثمَّ لَو قدر أَن ذَلِك غير محَال فالاستقراء إِمَّا أَن يتَنَاوَل الْغَائِب أَو لَيْسَ فَإِن تنَاوله فَهُوَ مَحل النزاع وَلَا حَاجَة إِلَى استقراء غَيره وان لم يتَنَاوَلهُ بل وَقع لغيره من الجزئيات فَهُوَ لَا محَالة استقراء نَاقص وَلَيْسَ بصادق كَمَا بَيناهُ وَهَذَا لَا محيص عَنهُ ثمَّ إِن صَحَّ فَيلْزم أَن يكون مشارا إِلَيْهِ والى جِهَته وَأَن يكون إِمَّا جوهرا وَإِمَّا عرضا كَمَا فِي الشَّاهِد وان لم يَصح فِي هَذِه الْأُمُور لم يَصح فِيمَا سواهَا أَيْضا
стр. 41
ثمَّ إِن من قَاس الْغَائِب على الشَّاهِد هَهُنَا فَهُوَ يعْتَرف بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّاهِد فَاعل موجد على الْحَقِيقَة بل الْمَوْجُود فِي حَقه لَيْسَ إِلَّا الِاكْتِسَاب بِخِلَاف مَا فِي الْغَائِب فَإِذا مَا وجد فِي الشَّاهِد لم يُوجد فِي الْغَائِب وَمَا وجد فِي الْغَائِب لم يُوجد فِي الشَّاهِد فَأنى يَصح الْقيَاس
وَأما القَوْل بِأَنَّهُ إِذا ثَبت هَذِه الْأَحْكَام فهى معلله بِالصِّفَاتِ كَمَا فِي الشَّاهِد فقد قيل فِي إِبْطَاله إِن هَذِه الاحكام وَاجِبَة للبارى وكل مَا وَجب فَإِنَّهُ لَا يفْتَقر إِلَى مَا يُعلل بِهِ وَهَذَا كَمَا فِي الشَّاهِد فَإِن التحيز للجوهر وقبوله للعرض لما كَانَ وَاجِبا لم يفْتَقر إِلَى عِلّة وَإِنَّمَا المفتقر الى الْعلَّة مَا كَانَ فِي نَفسه جَائِزا غير وَاجِب وَذَلِكَ مثل كَون الْعَالم عَالما فِي الشَّاهِد وَمثل وجود الْحَادِث وَنَحْوه
وَهَذَا غير صَحِيح فَإِنَّهُ إِن أُرِيد بِكَوْنِهَا وَاجِبَة للبارى تَعَالَى أَنَّهَا لَا تفْتَقر إِلَى عِلّة فَهُوَ عين المصادرة على الْمَطْلُوب وَإِن اريد بِهِ انه لَا بُد مِنْهَا لواجب الْوُجُود فَذَلِك مِمَّا لَا ينافى التَّعْلِيل بِالصّفةِ وَالْقَوْل بِأَن التحيز للجوهر وقبوله للعرض لما كَانَ وَاجِبا لم يفْتَقر إِلَى عِلّة فَهُوَ مبْنى على فَاسد اصول الْمُعْتَزلَة فِي قَوْلهم إِن هَذِه تَوَابِع الْحُدُوث وتوابع الْحُدُوث مِمَّا لَا يدْخل تَحت الْقُدْرَة وَلَا ينْسب إِلَى فعل فَاعل وَلَيْسَ الرَّأْي الصَّحِيح عِنْد أهل الْحق هَكَذَا بل كل مَا يتخيل فِي الأذهان ويخطر فِي الاوهام مِمَّا لَهُ وجود أَصْلِيًّا كَانَ أَو تَابعا فَهُوَ مَقْدُور لَهُ تَعَالَى ومخلوق لَهُ ومنتسب فِي وجوده إِلَيْهِ وَلَيْسَ شئ مِمَّا يفْرض فِي الشَّاهِد وَاجِبا بِنَفسِهِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يعْنى بِكَوْنِهِ وَاجِبا أَنه لَازم لما هُوَ ثَابت لَهُ على وَجه لَا تقع الْمُفَارقَة لَهُ أصلا لَكِن الْوَاجِب بِهَذَا الِاعْتِبَار غير مُمْتَنع أَن يكون مُعَللا كَمَا سبق
فَإِن قيل هَذِه الامور اللَّازِمَة وان كَانَت مفتقرة إِلَى فَاعل مُرَجّح لَكِنَّهَا لَا تفْتَقر إِلَى صفة قَائِمَة بمحلها تكون عِلّة لَهَا كَمَا فِي افتقار العالمية فِي الشَّاهِد إِلَى صفة الْعلم
стр. 42
وَهُوَ الْمَقْصُود بِلَفْظ الْعلَّة وَإِذا لم تفْتَقر إِلَى عِلّة لكَونهَا لَازِمَة كَذَلِك فِيمَا نَحن فِيهِ قُلْنَا
تَفْسِير عدم افتقارها إِلَى الْعلَّة بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور وَإِن كَانَ صَحِيحا فَقَوْلهم إِنَّهَا لَا تفْتَقر إِلَى عِلّة لكَونهَا لَازِمَة دَعْوَى مُجَرّدَة وتحكم بَارِد بل لَا مَانع من أَن تكون معللة وَإِن كَانَت لَازِمَة وَتَكون علتها مُلَازمَة أَيْضا وَالْقَوْل بِأَنَّهُ لَا يُعلل إِلَّا مَا كَانَ جَائِزا فَإِنَّمَا ينفع أَن لَو كَانَت هَذِه الْأَحْكَام غير جَائِزَة وَلَا يمْنَع القَوْل بجوازها من حَيْثُ إِنَّه لَا يُمكن القَوْل بعدمها إِلَّا وَقد لزم عَنهُ الْمحَال لِأَن الْمحَال قد يلْزم عِنْد فرض عدم الشئ لنَفسِهِ فَيكون وَاجِبا لذاته وَقد يكون فرض الْمحَال لَازِما عَن أَمر خَارج وان كَانَ الشئ فِي نَفسه مُمكنا وَذَلِكَ كَمَا فِي فرض عدم الْمَعْلُول مَعَ وجود علته كالكسر مَعَ الانكسار وَنَحْوه فمهما لم يتَبَيَّن أَن الْمحَال اللَّازِم عِنْد فرض عدم هَذِه الاحكام لَازم لنَفسهَا لَا يلْزم أَن تكون وَاجِبَة لنَفسهَا فقد انْدفع الاشكال وَبَطل مَا أوردوه من الخيال
وَلَيْسَ من صَحِيح الْجَواب مَا ذكره بعض الْأَصْحَاب هَهُنَا وَهُوَ أَن قَالَ
قَوْلكُم بِأَن الْوَاجِب لَا يُعلل والجائز هُوَ الْمُعَلل منتقض فِي كلا طَرفَيْهِ أما انْتِقَاض طرف الْجَوَاز فَهُوَ أَن الْوُجُود الْحَادِث جَائِز وَلَيْسَ بمعلل وَأما انْتِقَاض طرف الْوُجُوب فَهُوَ أَن كَون الْعَالم عَالما فِي الشَّاهِد بعد أَن ثَبت وَاجِب وَهُوَ مُعَلل فَإِن قَوْله ان الْوُجُود الْحَادِث جَائِز وَلَيْسَ بمعلل إِنَّمَا يلْزم أَن لَو قيل إِن كل جَائِز مُعَلل بِالصّفةِ اما إِذا قيل ان التَّعْلِيل بِالصّفةِ لَيْسَ إِلَّا للجائز فَلَا يلْزم من كَون التَّعْلِيل لَا يكون الا للجائز أَن لَا يكون الْجَائِز إِلَّا مُعَللا بِالصّفةِ إِذْ هُوَ كلى مُوجب وَلَا ينعكس مثل نَفسه أَلْبَتَّة
وَأما القَوْل بِأَن الْعَالم بعد أَن ثَبت كَونه عَالما فِي الشَّاهِد وَاجِب وَهُوَ مُعَلل فَالْوَاجِب لَا محَالة يَنْقَسِم إِلَى مَا وُجُوبه بِنَفسِهِ وَإِلَى مَا وُجُوبه مَشْرُوط بِغَيْرِهِ فَإِن أَرَادَ بِهِ أَنه
стр. 43
وَاجِب بِالْمَعْنَى الاول فقد نَاقض حَيْثُ جعله مُعَللا إِذْ الْوَاجِب بِنَفسِهِ مَا لَا يفْتَقر إِلَى غَيره وَإِن اراد بِهِ الِاعْتِبَار الثَّانِي فَلم يخرج عَن كَونه جَائِزا فَإِن كل مَا وُجُوبه بِغَيْرِهِ فَهُوَ جَائِز بِنَفسِهِ على مَا عرف فِيمَا مضى وَإِذا كَانَ جَائِزا فتعليله لَيْسَ بممتنع وَمَا يمْتَنع تَعْلِيله لَيْسَ إِلَّا مَا كَانَ وَاجِبا بِنَفسِهِ أَو مُمْتَنعا وَهَذَا وَإِن كَانَ وَاجِبا فَلَيْسَ وُجُوبه بِنَفسِهِ فَلَا يتَّجه بِهِ النَّقْض
فَإِذا الصَّحِيح أَن يُقَال فِي الْإِبْطَال هَهُنَا مَا قيل فِي ابطال الاحكام اولا كَيفَ والخصم لَهُ أان يسلم بِثُبُوت هَذِه الاحكام للبارى تعإلى على وَجه تكون النِّسْبَة بَينهَا وَبَين أَحْكَام ذواتنا على نَحْو النِّسْبَة الْوَاقِعَة بَين ذَاته وذواتنا وَإِذ ذَاك فَلَا يلْزم من تَعْلِيل اُحْدُ الْمُخْتَلِفين ان يكون الآخر مُعَللا وَإِن وَقع الِاشْتِرَاك بَينهمَا فِي الإطلاقات والأسماء
وَلَا يلْزم عَلَيْهِ أَن يُقَال مَا تذكره فِي الْعلَّة مَعَ الْمَعْلُول هُوَ بِعَيْنِه لَازم لَك فِي الشَّرْط مَعَ الْمَشْرُوط حَيْثُ إِنَّك جعلت البارى حَيا لضَرُورَة كَونه شرطا لكَونه عَالما وقادرا مرِيدا كَمَا فِي الشَّاهِد فَمَا هُوَ اعتذارك فِي الشَّرْط هُوَ اعتذارنا فِي الْعلَّة فَإِن للخصم إِلَّا يسلم أَن طَرِيق إِثْبَات كَونه حَيا إِثْبَات الِاشْتِرَاط بل غَيره من الطّرق كَيفَ وَالْبَيِّنَة الْمَخْصُوصَة عِنْده شَرط فِي الشَّاهِد وَمَعَ ذَلِك لَا يلْتَزم الاطراد فِي الْغَائِب فَكيف يلْتَزم الاطراد فِي غَيره وَمَا قيل من أَن حد الْعَالم فِي الشَّاهِد من قَامَ بِهِ الْعلم وَكَذَا الْقَادِر من قَامَت بِهِ القدره وَالْحَد لَا يخْتَلف شَاهدا وغائبا فحالصه يرجع إِلَى مَحْض الدَّعْوَى وَقد لَا يسلم عَن منع أَو مُعَارضَة وَإِذ ذَاك فَلَا سَبِيل إِلَى دَفعه إِلَّا بِأُمُور ظنية وقضايا تخمينية لَا حَاصِل لَهَا
ثمَّ إِن من رام إِثْبَات الصِّفَات النفسية بطرِيق التَّوَصُّل إِلَيْهَا من أَحْكَامهَا فَهِيَ لَا محَالة عِنْده أعرف من الصِّفَات وَإِلَّا لما أمكن التَّوَصُّل بهَا إِلَى معرفها وَإِذا كَانَت الصِّفَات
стр. 44
أخْفى فَكيف يُوجد فِي حد الشئ أَو رسمه مَا هُوَ أخْفى مِنْهُ وَشرط الْمُعَرّف أَن يكون أميز مِمَّا عرف بِهِ وَإِلَّا فَإِن كَانَ اخفى مِنْهُ أَو مثله فِي الخفاء فَلَا معنى للتعريف بِهِ وَلما تخيل بعض الاصحاب عوص هَذِه الطَّرِيقَة لم يسْتَند فِي إِثْبَات احكام الصِّفَات عِنْد ظُهُور الإتقان فِي الكائنات وَكَذَا فِي إِثْبَات الصِّفَات عِنْد ثُبُوت أَحْكَامهَا إِلَى غير الضَّرُورَة والبديهة وَلَا يخفى مَا فِيهِ من التحكم وسمج الدَّعْوَى وَمَعَ ذَلِك فقد لَا يسلم من الْمُعَارضَة بنقيضه وَهُوَ مِمَّا يضعف التَّمَسُّك بِهِ جدا
وَقَوْلهمْ إِنَّه لَو لم يكن متصفا بِهَذِهِ الصِّفَات لَكَانَ متصفا بِمَا قابلها وَهُوَ يتعالى ويتقدس عَن أَن يَتَّصِف بِمَا يُوجب فِي ذَاته نقصا فالكشف عَن زيف هَذَا الْكَلَام إِنَّمَا يتَحَقَّق بِبَيَان حَقِيقَة المتقابلين وَبَيَان إقسامها أما المتقابلان فهما مَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي شئ وَاحِد من جِهَة وَاحِدَة وَهَذَا إِمَّا أَن يكون فِي اللَّفْظ أَو فِي الْمَعْنى فَإِن كَانَ فِي الْمَعْنى فإمَّا أَن يكون بَين وجود وَعدم أَو بَين وجودين إِذْ الأعدام الْمَحْضَة لَا تقَابل بَينهَا فَإِن كَانَ الْقسم الأول فَهُوَ تقَابل السَّلب والإيجاب وَذَلِكَ كَقَوْلِنَا الْإِنْسَان فرس الْإِنْسَان لَيْسَ بفرس وَهُوَ مِمَّا يَسْتَحِيل اجْتِمَاع طَرفَيْهِ فِي الصدْق أَو الْكَذِب
وَإِن كَانَ من الْقسم الثانى فإمَّا أَن لَا يعقل كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَّا مَعَ تعقل الآخر اَوْ لَيْسَ فَإِن كَانَ الأول فيسمى تقَابل المتضايفين وَذَلِكَ كَمَا فِي الْأُبُوَّة والبنوة وَنَحْوهمَا وَمن خَواص هَذَا التقابل ارتباط كل وَاحِد من الطَّرفَيْنِ بِالْآخرِ فِي الْفَهم وَإِن كَانَ الثانى فيسمى تقَابل الضدين وَذَلِكَ كالتقابل الْوَاقِع بَين السوَاد وَالْبَيَاض وَنَحْوه وَمن خَواص هَذَا التقابل جَوَاز انْتِقَال طَرفَيْهِ بالحركة إِلَى وَاسِطَة تكون بَينهمَا وَأما إِن كَانَ من الْقسم الثَّالِث فيسمى تقَابل الْعَدَم والملكة
стр. 45
وَالْمرَاد بالملكة هَهُنَا كل قُوَّة على شئ مَا مُسْتَحقَّة لما قَامَت بِهِ إِمَّا لذاته أَو لذاتى لَهُ وَذَلِكَ كَمَا فِي قُوَّة السّمع وَالْبَصَر وَنَحْوه للحيوان وَالْمرَاد بِالْعدمِ هُوَ رفع هَذِه الْقُوَّة على وَجه لَا تعود وَسَوَاء كَانَ فِي وَقت إِمْكَان القوى عَلَيْهِ اَوْ قبله وَذَلِكَ كَمَا فِي الْعَمى والطرش وَنَحْوه للحيوان فعلى هَذَا إِن اريد بالتقابل هَهُنَا تقَابل السَّلب والإيجاب فِي اللَّفْظ حَتَّى إِذا لم يقل إِن البارى ذُو سمع وبصر لزم أَن يُقَال إِنَّه لَيْسَ بذى سمع وَلَا بصر فَهُوَ مَا يَقُوله الْخصم وَلَا يقبل بِعَيْنِه من غير دَلِيل وَإِن أُرِيد بِهِ مَا هُوَ من قبيل المتضايفين فَهُوَ غير مُتَحَقق هَهُنَا وَمَعَ كَونه غير مُتَحَقق فَلَا يلْزم من نفى أحد المتضايفين وجود الآخر ألبته بل رُبمَا يَصح انتفاؤهما وَلِهَذَا يُقَال زيد لَيْسَ بأب لعَمْرو وَلَا بِابْن لَهُ ايضا وَإِن أُرِيد بِهِ مَا هُوَ من قبيل تقَابل الضدين فَإِنَّمَا يلْزم أَن لَو كَانَ وَاجِب الْوُجُود مِمَّا هُوَ قَابل لتوارد الإضداد عَلَيْهِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُسلمهُ الْخصم وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيل كَيفَ وَإنَّهُ لَا يلْزم من نفى اُحْدُ الضدين وجود الآخر بل من الْجَائِز أَن يجتمعا فِي الْعَدَم وَالسَّلب وَلِهَذَا يَصح أَن يُقَال إِن البارى تَعَالَى لَيْسَ بأسود وَلَا أَبيض وَلَو لزم من نفى اُحْدُ الضدين وجود الآخر لما صدق قَوْلنَا بالنفى فيهمَا وَأما إِن أُرِيد بِهِ مَا هُوَ من قبيل تقَابل الْعَدَم والملكة فَلَا يلْزم أَيْضا من نفى الملكة تحقق الْعَدَم وَلَا من نفى الْعَدَم تحقق الملكة وَلِهَذَا يَصح أَن يُقَال الْحجر لَيْسَ باعمى وَلَا بَصِير نعم إِنَّمَا يلْزم الْعَدَم الْمَذْكُور من ارْتِفَاع الْقُوَّة الممكنة للشئ المتسحقة لَهُ لذاته اَوْ لذاتي لَهُ كَمَا بَينا وَالْقَوْل بارتفاع مثل هَذِه الْقُوَّة فِي حق البارى يجر إِلَى دَعْوَى مَحل النزاع والمصادرة على الْمَطْلُوب وَهُوَ غير مَعْقُول
فَإِذا السَّبِيل الذَّلِيل فِي إِثْبَات الصِّفَات إِنَّمَا يَتَّضِح بالتفصيل وَهُوَ أَن نرسم فِي كل وَاحِد مِنْهَا طرفا وَنَذْكُر مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْبَيَان وَيخْتَص بِهِ من الْبُرْهَان ونكشف عَمَّا يشْتَمل عَلَيْهِ من الاقاويل الصَّحِيحَة والفاسدة ولتكن الْبِدَايَة بِتَقْدِيم النّظر فِي صفة الْإِرَادَة أَولا
стр. 46
الطّرف الاول
فِي اثبات صفة الارادة
مَذْهَب أهل الْحق أَن البارى تَعَالَى مُرِيد على الْحَقِيقَة وَلَيْسَ معنى كَونه مرِيدا إِلَّا قيام الْإِرَادَة بِذَاتِهِ وَذهب الفلاسفة والمعتزلة والشيعة إِلَى كَونه غير مُرِيد على الْحَقِيقَة وَإِذا قيل إِنَّه مُرِيد فَمَعْنَاه عِنْد الفلاسفة لَا يرجع إِلَى الا سلب اَوْ إِضَافَة وَوَافَقَهُمْ على ذَلِك النجار من الْمُعْتَزلَة حَيْثُ أَنه فسر كَونه مرِيدا بسلب الْكَرَاهِيَة والعلية عَنهُ وَأما النظام والكعبى فَإِنَّهُمَا قَالَا إِن وصف بالارادة شرعا فَلَيْسَ مَعْنَاهُ إِن أضيف ذَلِك إِلَى افعاله إِلَّا أَنه خَالِقهَا وَإِن أضيف إِلَى افعال الْعباد فَالْمُرَاد بِهِ أَنه امْر بهَا وَزَاد الجاحظ على هَؤُلَاءِ بإنكار وجود الْإِرَادَة شَاهدا وَقَالَ مهما كَانَ الْإِنْسَان غير غافل وَلَا ساه عَمَّا يَفْعَله بل كَانَ عَالما بِهِ فَهُوَ معنى كَونه مرِيدا وَذهب البصريون من الْمُعْتَزلَة إِلَى أَنه مُرِيد بِإِرَادَة قَائِمَة لَا فِي مَحل وَذهب الكرامية إِلَى أَنه مُرِيد بِإِرَادَة حَادِثَة فِي ذَاته تَعَالَى الله عَن قَول الزائغين
وَالَّذِي يقطع دابر أهل التعطيل أَن يُقَال لَو لم يصدق كَونه ذَا إِرَادَة لصدق أَنه لَيْسَ بذى ارادة وَلَو صدق ذَلِك أنتج قلبه معدولا لضَرُورَة وجود الْمَوْضُوع وَقَلبه إِلَى
стр. 47
المعدول يَجْعَل حرف السَّلب مُتَأَخِّرًا عَن الرابطة الْوَاقِعَة بَين المفردين وَصُورَة ذَلِك أَن يُقَال البارى هُوَ لَيْسَ بِذِي إِرَادَة وَلَو صَحَّ ذَلِك فلنا أَن نقُول وكل مَا لَيْسَ بذى إِرَادَة فَهُوَ نَاقص بِالنِّسْبَةِ إِلَى من لَهُ إِرَادَة فَإِن من كَانَت لَهُ الصّفة الإرادية فَلهُ أَن يخصص الشئ وَله أَن لَا يخصصه شَاهدا فالعقل السَّلِيم يقْضى أَن ذَلِك كَمَال لَهُ وَلَيْسَ بِنُقْصَان حَتَّى إِنَّه لَو قدر بِالنّظرِ إِلَى الْوَهم سلب ذَلِك الْأَمر عَنهُ كَانَ حَاله أَولا أكمل بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَاله ثَانِيًا وَعند ذَلِك فَمَا سلب مِنْهُ هَذَا الْكَمَال قدر ذَلِك المسلوب عَنهُ شَاهدا أَو غَائِبا إِمَّا أَن يكون بِالنّظرِ إِلَى مَا سلب عَنهُ وَوَجَب للْآخر أنقص مِمَّا ثَبت لَهُ هَذَا الْكَمَال اَوْ أكمل أَو لَا أكمل وَلَا أنقص لَا جَائِز أَن يكون أكمل وَإِلَّا كَانَ مَا ثَبت لَهُ ذَلِك الامر من جِهَة مَا ثَبت لَهُ نَاقِصا وَهُوَ محَال وَلَا جَائِز أَن يكون لَا أنقص وَلَا أكمل وَإِلَّا لما كَانَ وجود ذَلِك الْأَمر كمالا لما اتّصف بِهِ بل وجوده وَأَن لَا وجوده بِالنّظرِ إِلَيْهِ سيان لضَرُورَة مساواته مَا لم يَتَّصِف بِهِ من جِهَة عدم اتصافه بِهِ وَذَلِكَ محَال فَلم يبْق إِلَّا أَن يكون مَا لم يَتَّصِف بِهِ أنقص مِمَّا هُوَ متصف بِهِ وَعند ذَلِك فَيكون هَذَا الاقتران مؤلفا من شَرْطِيَّة صغرى وحملية كبرى ناتجا نتيجة شَرْطِيَّة مقدمها مقدم الشّرطِيَّة وتاليها هُوَ مَحْمُول الحملية وَصورته أَن يُقَال
لَو لم يصدق كَونه ذَا كَونه ذَا إِرَادَة للَزِمَ أَن يكون أنقص مِمَّن هُوَ ذُو إِرَادَة وَهَذَا الإنتاج إِنَّمَا يتم بقلب مُقَابل الْمَطْلُوب معدولا وَإِلَّا فَمَعَ بَقَائِهِ سالبا فالمقدمة الْكُبْرَى تكون كَاذِبَة لكَونهَا مُوجبَة والموجبة تستدعي وجود الْمَوْضُوع والموضوع فِي السالب إِذا كَانَ حدا أَوسط غير مُتَحَقق الْوُجُود وَإِذا عرف الإنتاج وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الْمحَال فَإِنَّهُ كَيفَ يتَصَوَّر أَن يكون الْمَخْلُوق أكمل من الْخَالِق والخالق أنقص مِنْهُ والبديهة تقضى برده وإبطاله فَإِذا قد لزم الْمحَال عَن هَذَا الْقيَاس وَذَلِكَ إِمَّا أَن يكون لَازِما لصورته أَو لمادته الصُّورَة صَحِيحَة لَا مراء فِيهَا وان كَانَ لُزُومه عَن الْمَادَّة فإمَّا أَن يكون لَازِما عَن الْمُقدمَة الصُّغْرَى
стр. 48
أَو الْكُبْرَى لَا جَائِز أَن يكون لَازِما عَن الْكُبْرَى إِذْ هِيَ صَادِقَة مسلمة والصادق لَا يلْزم عَنهُ محَال فبقى أَن يكون لَازِما عَن الْمُقدمَة الصُّغْرَى الَّتِي هِيَ لَازم نقيض الْمَطْلُوب فَتكون كَاذِبَة وَمهما كَانَ نقيض الْمَطْلُوب كَاذِبًا كَانَ الْمَطْلُوب هُوَ الصَّادِق لضَرُورَة أَن الْقَضِيَّة لَا تَخْلُو عَن صدقهَا أَو صدق نقيضها وَيلْزم مِنْهُ ثُبُوت الْإِرَادَة
وَإِن شِئْت أَن تلبس هَذَا الْمَعْنى صُورَة شَرْطِيَّة قلت لَو لم يَتَّصِف بالإرادة لَكَانَ أنقص مِمَّا اتّصف بهَا لما بَيناهُ والتالى بَاطِل فالمقدم بَاطِل
فَإِن قيل هَذَا اللُّزُوم مُتَوَقف على تَحْقِيق الْإِرَادَة شَاهدا وَبِمَ الرَّد على الجاحظ فِي إنكارها قُلْنَا كل عَاقل يجد من نَفسه الْعَزْم والإرادة وَالْقَصْد والتفرقة الْوَاقِعَة بَين الْفِعْل الْوَاقِع على وفْق الْإِرَادَة وَالْوَاقِع على خلَافهَا وَذَلِكَ كَمَا فِي حَرَكَة المرتعش وَالْمُخْتَار كَمَا يجد من نَفسه أَن لَهُ علما وقدرة وَنَحْو ذَلِك وَلَا يُمكن إِسْنَاد ذَلِك إِلَى الْعلم فان التَّفْرِقَة قد تحصل بَين الشَّيْئَيْنِ وَإِن كَانَ تعلق الْعلم بهما على السوَاء وَهَذَا مِمَّا لَا يُنكره عَاقل إِلَّا عنادا ثمَّ وَلَو جَازَ إِنْكَار ذَلِك شَاهدا لجَاز إِنْكَار الْعلم وَالْقُدْرَة إِذْ لَا فرق بَينهمَا وَبَين الْإِرَادَة فِيمَا يجده الْإِنْسَان فِي نَفسه ويحسه فِي بَاطِنه
فَإِن قيل فَلَو سلم ذَلِك وَسلم بِثُبُوت صفة الأرادة شَاهدا فَمَا اعتمدتم عَلَيْهِ منتقض بالشم والذوق واللمس وَغير ذَلِك من كمالات الموجودات شَاهدا كَيفَ وَأَن مَا تنسبونه لَهُ من الصّفة إِمَّا أَن يكون من جنس مَا فِي الشَّاهِد أَو لَيْسَ فَإِن كَانَ الأول فَهُوَ محَال وَإِلَّا للَزِمَ أَن تكون مُشَاركَة للإرادة شَاهدا فِي جِهَة العرضية والإمكان وَيلْزم أَن يكون البارى محلا للأعراض وَهُوَ مُتَعَذر وَإِن كَانَ الثَّانِي فَهُوَ غير مَعْقُول وَمَا لَيْسَ بمعقول
стр. 49
كَيفَ نسلم كَونه كمالا للرب تَعَالَى وَأَن عَدمه نُقْصَان وَهل ذَلِك كُله إِلَّا خبط فِي عشواء
قُلْنَا أما النَّقْض فمندفع إِذْ المحصلون لم يمنعوا من إِثْبَاتهَا لَهُ لَكِن بِشَرْط انْتِفَاء الاسباب المقترنة بهَا فِي الشَّاهِد الْمُوجبَة للْحَدَث والتجسيم وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يجوز على الله تَعَالَى كَمَا جوزوا عَلَيْهِ الْإِدْرَاك والسمع وَالْبَصَر لَكِن لم يتجاسر على إِطْلَاقهَا فِي حق البارى تَعَالَى لعدم وُرُود السّمع بهَا وَالْحَاصِل أَنه مهما ثَبت من الكمالات شَاهدا فَلَا مَانع من القَوْل بإثباتها غَائِبا مَعَ هَذَا الإشتراط وَأما من فرق بَين كَمَال وَكَمَال من أهل الْحق فَلَعَلَّهُ لم ير مَا نفاة مِمَّا يتم إِلَّا بِأُمُور مُوجبَة للْحَدَث والافتقار كاتصالات ومماسات وتقابلات إِلَى غير ذَلِك بِخِلَاف مَا أثْبته أَو أَنه مِمَّا لَيْسَ بِكَمَال فِي نَفسه وَذَلِكَ مثل مَا يتخيل من معنى اللَّذَّة والألم والشهوة وَنَحْوه والأغوص إِنَّمَا هُوَ الأول وَهُوَ القَوْل بِأَن كل مَا ثَبت كَونه كمالا فِي الشَّاهِد وَلم يجر القَوْل بإثباته فِي حق الْغَائِب إِلَى نقص أَو افتقار فَالْقَوْل بِهِ وَاجِب وَإِن لم يَصح إِطْلَاقه من جِهَة التَّلَفُّظ عَلَيْهِ لعدم وُرُود السّمع بِهِ
وَأما مَا ذَكرُوهُ من المجانسة فلنا أَن نقُول بهَا تَارَة وننفيها أُخْرَى فَإِن قُلْنَا بالمجانسة فغاية مَا يلْزم مِنْهُ الافتقار إِلَى الْمحل الْمُقَوّم إِذْ هُوَ الْمَعْنى بِكَوْن الشئ عرضا وَذَلِكَ مِمَّا لَا نأباه إِلَّا أَن يَقُول الْمُقَوّم للصفة والمخصص بهَا امْر خَارج عَن ذَات وَاجِب الْوُجُود وَلَيْسَ كَذَلِك كَمَا حققناه هَذَا إِن قُلْنَا بالمجانسة
وَإِن قُلْنَا بنفيها فَلَا الْتِفَات إِلَى من قصر فهمه عَن دَرك مَا أَثْبَتْنَاهُ وَزعم أَنه غير مَعْقُول فَإِنَّهُ وَإِن يكن من جنس صِفَات الْبشر فَلَا يلْزم أَن لَا يكون معقولا وَأَن لَا يُمكن
стр. 50
التَّعَرُّض لإثباته ونفيه وَإِلَّا كَانَ وجود البارى تَعَالَى غير مَعْلُوم ولتعذر القَوْل بإثباته فصفة الْإِرَادَة لواجب الْوُجُود وَإِن لم تكن مجانسة لصفة الْإِرَادَة شَاهدا فَلَا محَالة أَن نسبتها إِلَى ذَات وَاجِب الْوُجُود كنسبة الْإِرَادَة شَاهدا إِلَى النَّفس الناطقة الإنسانية من التَّعَلُّق والمتعلقات وكل عَاقل يقْضى ببديهته إِن الإراده شَاهدا بِالنِّسْبَةِ الى محلهَا كَمَال لَهُ وان عدمهَا بِالنِّسْبَةِ لَهُ نُقْصَان (و) يُوجب ان مَا كَانَت نسبته إِلَى وَاجِب الْوُجُود كنسبة الْإِرَادَة على محلهَا شَاهدا أَن يكون كمالا لذات وَاجِب الْوُجُود وان عَدمه يكون نُقْصَانا فَلَو لم نقل بِثُبُوت لذات وَاجِب الْوُجُود لوَجَبَ أَن يكون وَاجِب الْوُجُود نَاقِصا فِي رتبته بِالنِّسْبَةِ إِلَى رُتْبَة الْمَخْلُوق من جِهَة أَن كَمَال الْمَخْلُوق حَاصِل لَهُ وَكَمَال الْخَالِق غير حَاصِل لَهُ
فَإِن قيل لَو سلمنَا بِثُبُوت صفة الْإِرَادَة فِي حق البارى تَعَالَى فَمَا الْمَانِع من ان تكون أمرا سلبيا وَمعنى عدميا كَمَا قَالَه الفلاسفة والنجار من الْمُعْتَزلَة
قُلْنَا لِأَن السَّلب عدم مَحْض وَذَلِكَ لَا تَأْثِير لَهُ فِي التَّمْيِيز والتخصيص إِذْ مَا لَيْسَ بشئ لَا يكون مستوعبا لما هُوَ شئ وَلِأَنَّهُ لَا فرق إِذْ ذَاك بَين قَوْلنَا إِنَّه لَا مُمَيّز وَبَين قَوْلنَا إِن الْمُمَيز عدم ثمَّ كَيفَ يَصح تَفْسِير الْإِرَادَة بِعَدَمِ الْإِكْرَاه وَهُوَ منتقض طردا وعكسا
أما الطَّرْد فَهُوَ أَن كثيرا مَا الْأَشْيَاء قد تنتفى عَنهُ الْكَرَاهِيَة وَلَا مُوجب لكَونه مرِيدا وَذَلِكَ كَمَا فِي الجماد بل الْإِنْسَان فِي غَالب أَحْوَاله كَمَا فِي حَالَة النّوم والغفلة فَإِنَّهُ لَا يُوصف فِيهَا بِكَوْنِهِ كَارِهًا وَلَا مرِيدا
стр. 51
وَأما الْعَكْس فَهُوَ أَن الْإِنْسَان قد يُوصف بالإرادة لما هُوَ كَارِه لَهُ كَمَا فِي حَالَة شرب الدَّوَاء المسهل وَنَحْوه
فَإِن قيل تَفْسِيرهَا بِالْعدمِ وَإِن كَانَ مُمْتَنعا فَمَا الْمَانِع من أَن تكون لَا مَوْجُودَة وَلَا مَعْدُومَة كَمَا يَقُوله مثبتو الْأَحْوَال
فقد أَشَرنَا إِلَى وَجه إفساده فِيمَا مضى فَلَا حَاجَة إِلَى اعادته فَإِن قيل فَلَو سلم أَنَّهَا صفة وجودية فَلم يجب أَن تكون قَائِمَة بِذَات الرب تَعَالَى وَمَا الْمَانِع من أَن تكون قَائِمَة لَا فِي ذَاته كَمَا هُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين من الْمُعْتَزلَة
قُلْنَا لَو لم تكن قَائِمَة بِذَاتِهِ لم يخل إِمَّا أَن تكون قَائِمَة فِي مَحل أَو لَا فِي مَحل فَإِن كَانَت قَائِمَة فِي مَحل فالمحل إِمَّا قديم أَو حَادث فَإِن كَانَ حَادِثا فَهُوَ لَا محَالة مفتقر فِي وجوده إِلَى مُخَصص والمخصص إِمَّا نفس مَا قَامَ بِهِ من الْإِرَادَة اَوْ أُخْرَى غَيرهَا لَا جَائِز أَن تكون نَفسهَا وَإِلَّا أفْضى إِلَى الدّور من جِهَة توقف كل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه وَلَا جَائِز أَن يُقَال بِإِرَادَة أُخْرَى غَيرهَا وَإِلَّا أفْضى إِلَى التسلسل من جِهَة أَن الْكَلَام فِي الْمُخَصّص الثَّانِي كَالْكَلَامِ فِي الأول ثمَّ إِنَّه لَيْسَ القَوْل بنسبتها إِلَى البارى بِكَوْنِهِ مرِيدا لَهَا بِأولى من نسبتها الى محلهَا بل هُوَ أولى
وَكَذَا الْكَلَام فِيمَا إِذا كَانَ قَدِيما أَيْضا وَأما إِن كَانَت قَائِمَة لَا فِي مَحل فقد قَالَ
стр. 52
بعض الْأَصْحَاب فِي رده يلْزم أَن تكون إِرَادَة فِي الشَّاهِد هَكَذَا إِذْ مَا ثَبت للْحَقِيقَة فِي مَوضِع لَا يتَخَلَّف عَنْهَا أَيْن وجدت وَحَقِيقَة الْإِرَادَة لَا تخْتَلف شَاهدا وغائبا فَإِن استغنت عَن الْمحل غَائِبا وَجب أَن تكون مستغنية عَنهُ شَاهدا وَهُوَ محَال وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيم أَن لَو سلم اتِّحَاد حَقِيقَة الْإِرَادَة شَاهدا وغائبا وَلَعَلَّ الْخصم قد يَجْعَل نِسْبَة الْإِرَادَة غَائِبا إِلَى الأرادة شَاهدا على نَحْو النِّسْبَة الْوَاقِعَة بَين الذَّات الْوَاجِبَة غَائِبا والذوات الْمَوْجُودَة شَاهدا وَإِذ ذَاك فالإلزام يكون بِهِ مُنْقَطِعًا لَا بِمَا قيل من إِنْكَار وجود الْإِرَادَة شَاهدا لما بَيناهُ فَالصَّحِيح أَن يُقَال لَو كَانَت قَائِمَة لَا فِي مَحل لم يخل إِمَّا أَن تكون حَادِثَة أَو قديمَة فَإِن كَانَت حَادِثَة فَأَما أَن تكون بِاعْتِبَار ذَاتهَا وَاجِبَة أَو مُمكنَة لَا جَائِز أَن تكون وَاجِبَة وَإِلَّا لما كَانَت مَعْدُومَة وَإِن كَانَت مُمكنَة فإمَّا أَن تفْتَقر إِلَى مُخَصص آخر أَو لَا تفْتَقر لَا جَائِز أَن يُقَال بالاول وَإِلَّا أفْضى إِلَى التسلسل وَهُوَ محَال وَلَا جَائِز أَن يُقَال بالثانى وَإِلَّا لما وجدت إِذْ لَا مُمَيّز لَهَا على مَا يخصص بهَا من حَيْثُ هِيَ مُمكنَة وَمَا نخصص بهَا إِنَّمَا كَانَ مفتقرا إِلَيْهَا من حَيْثُ هُوَ مُمكن لَا من حَيْثُ إِنَّه ذَات مَخْصُوصَة وَحَقِيقَة مُعينَة
فَإِن قيل الْمُخَصّص لَا يَسْتَدْعِي مُخَصّصا وَإِن كَانَ حَادِثا كَمَا فِي الشَّاهِد فَإِن من وجد لَهُ إِرَادَة لَا تستدعي تِلْكَ الْإِرَادَة أُخْرَى وَإِلَّا أفْضى إِلَى التسلسل وَأَن لَا يتم لأحد إراداة الا مَعَ وجود إرادات لَا تتناهى وَذَلِكَ مِمَّا يحس من النَّفس بُطْلَانه وَرُبمَا مهدوا ذَلِك بأمثلة أُخْرَى مثل التمنى والشهوة وَنَحْو ذَلِك
قُلْنَا أما القَوْل بِأَن الْمُخَصّص لَا يستدعى مُخَصّصا فَهُوَ دَعْوَى مُجَرّدَة من غير دَلِيل كَيفَ وَقد بَينا وَجه الِاحْتِيَاج والافتقار مِمَّا لَا سَبِيل إِلَى أنكاره وَمَا قيل من أَن الْإِرَادَة فِي الشَّاهِد لَا تفْتَقر إِلَى إِرَادَة فغلط بل لَا بُد لَهَا من مُخَصص من جِهَة كَونهَا مُمكنَة وحادثة
стр. 53
وَإِن لم يكن الْمُخَصّص من جِهَة من لَهُ الْإِرَادَة شَاهدا وعَلى هَذَا يخرج كل مَا يهولونه من الْأَمْثَال غير هَذَا الْمِثَال
وَأَيْضًا فَإِنَّهَا لَو كَانَت حَادِثَة لَا فِي مَحل لم تكن نسبتها إِلَى البارى تَعَالَى بِكَوْنِهِ مرِيدا بِأولى من نسبتها الى غَيره من الْحَوَادِث وَلَيْسَ يجب القَوْل بِتَغَيُّر نسبتها إِلَيْهِ لما بَيناهُ من الِاشْتِرَاك فِي نفي الْمَحَلِّيَّة عَنْهُمَا فَإِنَّهُ مَعَ مَا فِيهِ من انْتِفَاء جِهَة اللُّزُوم لَيْسَ هُوَ بِأولى من نسبتها إِلَى غَيره من الْحَوَادِث لما بَينهمَا من الِاشْتِرَاك فِي الْحُدُوث بل وَهُوَ الاولى من حَيْثُ إِن مَا يتَحَقَّق بَين الْحَوَادِث من الِاشْتِرَاك وَالنّسب أكبر مِنْهَا بَين الْقَدِيم والحادث على مَا لَا يخفى
ثمَّ وَلَو وَجب نسبتها إِلَيْهِ لما اشْتَركَا فِيهِ من نفى الْمَحَلِّيَّة لوَجَبَ نسبتها إِلَى سَائِر الْجَوَاهِر والأجسام إِذْ هِيَ مُشَاركَة لَهَا فِي هَذَا الْمَعْنى كَيفَ وَإنَّهُ لَو جَازَ أَن يكون مرِيدا بِإِرَادَة قَائِمَة لَا فِي ذَاته لجَاز أَن يكون عَالما بِعلم قَائِم لَا فِي ذَاته وقادرا بقدرة قَائِمَة لَا فِي ذَاته إِلَى غير ذَلِك من الصِّفَات وَلم يَقُولُوا بِهِ ولجاز أَيْضا ان يكون الْوَاحِد منا عَالما وقادرا بِعلم قَائِم لَا فِي ذَاته وقدرة قَائِمَة لَا فِي ذَاته وَلم يَقُولُوا بِهِ أَيْضا والتحكم بِالْفرقِ من غير دَلِيل مِمَّا لَا سَبِيل إِلَيْهِ وَبِهَذَا تبين إبِْطَال القَوْل بالقسم الثَّانِي أَيْضا كَيفَ وَإنَّهُ مِمَّا لَا قَائِل بِهِ فَلم يبْق إِلَّا أَن تكون قَائِمَة بِذَات الرب تَعَالَى
وَإِذا كَانَت قَائِمَة بِذَاتِهِ فإمَّا ان تكون قديمَة أَو حَادِثَة لَا جَائِز أَن تكون حَادِثَة كَمَا ذهب إِلَيْهِ الكرامية إِذْ قد بَينا وَجه إِبْطَاله وَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَته وسنبين امْتنَاع
стр. 54
قيام الْحَوَادِث بِذَات الرب تَعَالَى فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَتعين أَن يكون الرب تَعَالَى مرِيدا بِإِرَادَة قديمَة قَائِمَة بِذَاتِهِ وَهُوَ مَا أردناه
فَإِن قيل فَلَو كَانَ الْمُخَصّص قَدِيما لانقلب مَا ذكرتوه فِي امْتنَاع إِضَافَة التَّخْصِيص إِلَى ذَات وَاجِب الْوُجُود عَلَيْكُم فِيمَا تَدعُونَهُ مُخَصّصا فَإِنَّهُ إِذا كَانَ قَدِيما فنسبة الْأَحْوَال والأوقات والأضداد وكل مَا يقدر بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ على وتيرة وَاحِدَة فَمَا خصصه بِزَمَان الْحُدُوث إِن افْتقر إِلَى مُخَصص آخر فَالْكَلَام فِي ذَلِك الْمُخَصّص الثَّانِي كَالْكَلَامِ فِي الأول وَذَلِكَ يفضى إِلَى التسلسل وَهُوَ مُمْتَنع وَإِن لم يفْتَقر إِلَى مُخَصص آخر فَمَا هُوَ جَوَاب لكم فِي الْإِلْزَام هَهُنَا أَي فِي الْإِرَادَة هُوَ جَوَاب لنا فِي الذَّات
قُلْنَا قد بَينا أَنه لابد من إِرَادَة قديمَة كَانَ بهَا التَّخْصِيص وَلَيْسَ مَا ذَكرْنَاهُ فِي إبِْطَال التَّخْصِيص بِالذَّاتِ مِمَّا يَنْقَلِب فِي الْإِرَادَة فَإِنَّهُ إِذا قَالَ الْقَائِل لم خصصت الْإِرَادَة هَذَا الْحَادِث بِزَمَان حُدُوثه وَلَيْسَ هُوَ بِأولى مِمَّا قبله أَو بعده كَانَ السُّؤَال فِي نَفسه خطأ من جِهَة أَن الْإِرَادَة عبارَة عَمَّا يَتَأَتَّى بِهِ التَّخْصِيص للحادث بِزَمَان حُدُوثه لَا مَا يلازمه التَّخْصِيص فَإِذا قيل لم كَانَت الْإِرَادَة مخصصة فَكَأَنَّهُ قَالَ لم كَانَت الْإِرَادَة إِرَادَة وَهُوَ فِي نَفسه محَال وَهَذَا كَمَا لَو قَالَ لم كَانَ الْوَاجِب بِذَاتِهِ لَا يفْتَقر إِلَى عِلّة والممكن بِذَاتِهِ يفْتَقر إِلَى عِلّة فِي كل وَاحِد من طَرفَيْهِ فَإِنَّهُ يقبل من حَيْثُ إِن سُؤَاله يتَضَمَّن القَوْل بِأَنَّهُ لم كَانَ الْوَاجِب وَاجِبا وَلم كَانَ الْمُمكن مُمكنا فَإِن الْوَاجِب هُوَ عبارَة عَمَّا لَا يفْتَقر إِلَى غَيره فِي وجوده والممكن بعكسه وَهُوَ مِمَّا لَا يخفى وَجه فَسَاده وَهُوَ لَا محَالة إِن
стр. 55
ورد من الفلسفى أظهر فِي الْفساد من جِهَة اعترافه بِإِسْنَاد جَمِيع الحادثات والأمور المتجددات كالحركات وَغَيرهَا إِلَى الإرادات النفسية الثَّابِتَة للأجرام الفلكية وَلَا مندوحة عَنهُ
فَإِن قيل لَو سلم قيام الْمُخَصّص بِذَات الرب تعإلى وَكَونه قَدِيما لكنه مِمَّا يمْتَنع تَفْسِيره بإلإرادة لوَجْهَيْنِ
الْوَجْه الأول هُوَ أَنه لَو كَانَ مُخَصّصا بالإرادة لما خصصه فَلَا بُد من أَن يكون قَاصِدا لما خصصه وطالبا لَهُ بل يتعالى ويتقدس عَن الْأَغْرَاض وَإِنَّمَا هِيَ عَائِدَة إِلَى الْمَفْعُول
стр. 56
الْمُرَجح وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُوجب تحَققه للْغَيْر وَلَا عَدمه نقصا مَا وَالَّذِي يُوضح هَذَا هُوَ أَن مَا ظهر من حِكْمَة بعثة الرُّسُل والأنبياء وتبليغهم لَيْسَ إِلَّا إصْلَاح الْخلق وتقويم نظامهم وَإِن كُنَّا نعلم أَن عدم هَذِه الْحِكْمَة ووجودها بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَال النبى سيان فِيمَا يرجع إِلَى نفس كَمَاله ونقصانه وَهَذَا مِمَّا لَا يُنكره عَاقل إِلَّا عَن عناد ثمَّ إِن هَذَا مِمَّا لَا يَصح إِيرَاده مِمَّن يعْتَرف بِكَوْن البارى تَعَالَى مرِيدا من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم وَإِن ورد من الفلاسفة الإلهيين
стр. 57
وَمن تَابعهمْ فَهُوَ لَازم عَلَيْهِم أَيْضا فَإِنَّهُم قضوا بِأَن التَّرْجِيح فِي الْوُجُود وَغَيره إِنَّمَا يسْتَند الى ذَات وَاجِب الْوُجُود وَإِن مَا وَجب بِهِ لَا يتَأَخَّر وجوده عَن وجوده بل هُوَ ملازم لَهُ فِي الْوُجُود كملازمة حَرَكَة الْخَاتم لحركة الْيَد كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيل مَذْهَبهم
وَعند ذَلِك فَنَقُول مُلَازمَة مَا وجد بِهِ وَوَجَب عَنهُ إِمَّا أَن تكون وَعدمهَا سيان أَو أَن الْمُلَازمَة أولى فَإِن كَانَت الْمُلَازمَة وَعدمهَا سيان فَالْقَوْل بِوُجُوب اللُّزُوم فِي الْوُجُود متناقض وَإِن كَانَت الْمُلَازمَة هِيَ الأولى فَلَا محَالة أَن مَا هُوَ الأولى فِي لُزُومه لَهُ أَنه يَسْتَفِيد بملازمته كمالا وبعدمه نُقْصَانا فَإِذا مَا هُوَ اعتذارهم فِي الذَّات هُوَ اعتذارنا فِي الْإِرَادَة وَلَا محيص عَنهُ
وَمَا يلْزمهُم أَيْضا فِي ذَلِك أَن تكون الْأَنْفس الفلكية المخصصة للحركات الدورية كَمَا عرف من مَذْهَبهم متوقفة فِي حُصُول كمالها على معلولها لكَونهَا مخصصة لَهُ بالإرادة وَفِي ذَلِك توقف كَمَال الْأَشْرَف على المشروف وَلَا خلاص لَهُم مِنْهُ
وَأما مَا ذَكرُوهُ من الْوَجْه الثَّانِي فِي قَوْلهم لَو كَانَت صفة نفسية قديمَة لما تعلّقت بِبَعْض المتعلقات دون الْبَعْض كَمَا فِي الْعلم فَمَعَ أَنهم قد نقضوا مَا أبرموه وحلوا مَا عقدوه بِالْقُدْرَةِ فَإِنَّهُم قَالُوا إِنَّهَا صفة قديمَة نفسية وَلَا تعلق لَهَا بِأَفْعَال الْعباد فَهُوَ صَحِيح
стр. 58
وسنبين فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله أَنه لَا خَالق الا الله وَلَا مبدع إِلَّا هُوَ وَأَن الإبداع والخلق لجَمِيع الحادثات لَا يكون إِلَّا عَن إِرَادَة وَاخْتِيَار لَا عَن طبع واضطرار كَيفَ وَإنَّهُ لَو لم تتَعَلَّق إِرَادَته بِجَمِيعِ الكائنات لَكَانَ كَمَال وَاجِب الْوُجُود بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا لم تتَعَلَّق بِهِ إِرَادَته من الكائنات أنقص بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَال من تعلّقت بِهِ إِرَادَته من المختارين وَهُوَ محَال وَمَا ذَكرُوهُ من المحالات وأوردوه من الإلزامات غير مُتَّجه
أما الأول وَهُوَ قَوْلهم يلْزم أَن يكون مرِيدا لإِرَادَة زيد وَعَمْرو عِنْد اخْتِلَاف مراديهما فقد منع بعض الْأَصْحَاب من تصور اجْتِمَاع مثل هَاتين الإرادتين وَقَالَ إِن مَا علمه الله على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَإنَّهُ سَيكون اولا يكون فَهُوَ المُرَاد ونقيضه تشبه غير مُرَاد فعلى هَذَا تصور الإرادتين عِنْد تعلقهما بنقيضين مُمْتَنع وَهُوَ مِمَّا فِيهِ نظر فَإِن مَا وجد من كل وَاحِد مِنْهُمَا مماثل لما وجد من صَاحبه فِيمَا يرجع إِلَى الْميل وَالْقَصْد وَالِاخْتِلَاف لَيْسَ إِلَّا فِي التَّعَلُّق وَكَون أَحدهمَا وَاقعا على الوفق وَالْآخر على خِلَافه فَإِن كَانَ ذَلِك هُوَ الْمُوجب تَسْمِيَة الْبَعْض إِرَادَة وَالْبَعْض شَهْوَة فحاصله يرجع إِلَى الِاصْطِلَاح فِي الْأَسْمَاء لَا الِاخْتِلَاف فِي الْمَعْنى وَهُوَ مَا يُوجد فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا
فَالَّذِي يتَّجه وَله ثبات على محك النّظر أَن يُقَال إِنَّمَا يلْزم هَذَا الْمحَال أَن لَو لزم من تعلق إِرَادَته بإرادتهما تعلقهَا بمراديهما وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْمُدعى بِهِ متحكم بِمَا لَا دَلِيل عَلَيْهِ فَالرَّأْي الْحق أَن يُقَال إِن تعلقهَا بالإرادتين إِنَّمَا كَانَ بِالنّظرِ إِلَى حدوثها وتخصصها بالوجود دون الْعَدَم وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُوجب تضادا وَلَا تناقضا وَالْجمع بَين متعلقيهما وَإِن كَانَ محالا
стр. 59
فَإِنَّمَا يلْزم أَن لَو لزم تحَققه فِي متعلقهما بِهِ أَي من تعلق الْإِرَادَة الْقَدِيمَة بهما وَلَيْسَ كَذَلِك بل مُتَعَلق كل وَاحِد مِنْهُمَا إِنَّمَا يتم بتعلق الْإِرَادَة الْقَدِيمَة بِهِ وَذَلِكَ غير لَازم من تعلقهَا بإحداث الْإِرَادَة الْحَادِثَة الْمُتَعَلّقَة بِهِ
وَأما الْمحَال الثَّانِي فقد أجَاب عَنهُ بعض الْأَصْحَاب بِأَن قَالَ أَفعَال الْمُكَلّفين وَإِن انقسمت إِلَى خيرات وشرور لَكِن الْإِرَادَة إِنَّمَا تتَعَلَّق بهَا من حَيْثُ وجودهَا وتحققها وَهِي من هَذَا الْوَجْه لَيست بشرور بل خيرات مَحْضَة وَإِنَّمَا تلحقها الشرور بِاعْتِبَار الصِّفَات الَّتِي هِيَ منتسبة إِلَى فعل العَبْد وَقدرته وَهِي مَا قُلْتُمْ انها تَوَابِع الْحُدُوث كَمَا يأتى تَحْقِيقه فِي مَسْأَلَة خلق الْأَفْعَال وهى مَا قُلْتُمْ انها تَوَابِع الْحُدُوث كَمَا يأتى تَحْقِيقه فِي مَسْأَلَة خلق الْأَفْعَال وهى من هَذِه الْجِهَة لَيست مُرَادة لله تَعَالَى على الاصلين فَإِن إِرَادَة فعل العَبْد من حَيْثُ إِنَّه فعله تمن وشهوة وَذَلِكَ فِي حق البارى محَال فَإِذا مَا هُوَ مُرَاد الله تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ التَّخْصِيص والإحداث وَذَلِكَ هُوَ الْخَيْر وَمَا هُوَ الشَّرّ وَمِنْه الشَّرّ فَهُوَ مَا وَقع مُسْندًا إِلَى فعل العَبْد من حَيْثُ هُوَ فعله وَذَلِكَ غير مُرَاد الله تَعَالَى
وسنبين إبِْطَال هَذَا الْمقَال فِي مَسْأَلَة خلق الْأَعْمَال وَأَن مَا من حَادث إِلَّا وَهُوَ مُضَاف إِلَى البارى تَعَالَى بِأَنَّهُ محدثه ومريد لَهُ وَأَنه لَا خَالق الا الله تَعَالَى وَلَا مبدع إِلَّا هُوَ وَأَنه لَا يجرى فِي ملكه إِلَّا مَا هُوَ مُرَاد لَهُ وَمن حَيْثُ هُوَ مُرَاد لَهُ لَيْسَ بشر فَإِن تعلق الْإِرَادَة بِهِ إِنَّمَا هُوَ من جِهَة تخصصه بالوجود دون الْعَدَم اَوْ الْعَدَم دون الْوُجُود وَبِالْجُمْلَةِ من جِهَة تخصصه بِبَعْض الاحوال دون الْبَعْض وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُوصف بِكَوْنِهِ شرا من حَيْثُ هُوَ كَذَلِك نعم إِن وصف بعض الحادثات بِكَوْنِهِ شرا فَذَلِك لَيْسَ هُوَ لعَينه وَلَا أَن الشَّرّ وصف ذاتى لَهُ وَلَا هُوَ فِي نَفسه معنى وجودى بل معنى نسبى وَأمر إضافى كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقه فِي مَسْأَلَة التحسين والتقبيح وَذَلِكَ مِمَّا لَا يمْنَع من إِضَافَته إِلَى الْإِرَادَة الْقَدِيمَة وَإِلَّا لما أضيف إِلَيْهَا مَا فِي عَالم
стр. 60
الْكَوْن وَالْفساد من التحريق والتغريق والخسف والزلازل وَالْهدم وَنَحْو ذَلِك من الْآفَات الفادحة والأمراض المؤلمة وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يَقُولُونَ بِهِ
ثمَّ إِن مستندهم فِيمَا ذَكرُوهُ لَيْسَ إِلَّا الشَّاهِد وَلَو صَحَّ أَن يُقَال الْغَائِب بِاعْتِبَار إِرَادَته للشر شرير كَمَا فِي الشَّاهِد لصَحَّ أَن يُقَال إِذا أَرَادَ الطَّاعَة مُطِيع
فَإِن قيل تَسْمِيَة الْوَاحِد منا مُطيعًا إِنَّمَا كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أَرَادَهُ وقصده مِمَّا هُوَ مَأْمُور بِهِ وملجأ اليه والبارى تَعَالَى منزه عَن ذَلِك
قُلْنَا فَمَا الْمَانِع من أَن تكون تَسْمِيَة الْوَاحِد منا أَيْضا شريرا أَو سَفِيها بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قَصده من جِهَة أَنه منهى عَنهُ وممنوع مِنْهُ كَيفَ وَأَن هَذَا هُوَ الْحق وَأَن الصبى وَالْمَجْنُون لَو أَتَيَا بِمثل مَا يَأْتِي بِهِ الْمُطِيع والشرير فَإِنَّهُ لَا يُقَال لَهما مُطِيع وَلَا شرير وَلم يكن ذَلِك إِلَّا لعدم وُرُود التَّكْلِيف نَحوه هَذَا إِن ورد من الْمُعْتَزلَة
وَأما الفلاسفة فَلهم تَفْصِيل مَذْهَب فِي معنى الْخَيْر وَالشَّر وَهُوَ مَا لَا تمس الْحَاجة إِلَى ذكره وَإِن من حقق مَا قَرَّرْنَاهُ أمكنه التفصى عَن كل مَا يتخيلونه هَهُنَا
وَأما الْمحَال الثَّالِث
فَإِنَّمَا يلْزم أَن لَو كَانَ الْمَأْمُور والمنهى مرَادا وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْمَأْمُور الَّذِي علم وُقُوعه والمنهى الَّذِي علم الِانْتِهَاء عَنهُ هُوَ المُرَاد أما مَا علم إنتفاؤه فَلَيْسَ بِمُرَاد الْوُجُود وَإِن كَانَ
стр. 61
مَأْمُورا بِهِ وَمَا علم وجوده فَلَيْسَ بِمُرَاد الانتفاء وَإِن كَانَ مَنْهِيّا عَنهُ وَإِلَّا كَانَ فِيهِ إبِْطَال أخص وصف الْإِرَادَة وَهُوَ تاتي التَّمْيِيز بهَا وَهُوَ مُمْتَنع وَأما مَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْإِرَادَة مَعَ عدم حُصُول التَّمْيِيز بِهِ فَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَة إِرَادَة بل شَهْوَة وتمنيا فَإِذا الارادة اعم من الْأَمر من جِهَة أَنَّهَا تُوجد وَلَا أَمر وَالْأَمر أَعم مِنْهَا من جِهَة أَنه قد يكون وَلَا إِرَادَة وَلَيْسَ وَلَا وَاحِد مِنْهُمَا يلْزم الآخر لُزُوما معاكسا وَلَا غير معاكس وَعند ذَلِك فَلَا يلْزم من الْأَمر بالوجود وَإِرَادَة الْعَدَم مَا تخيلوه من التَّنَاقُض وعَلى هَذَا القَوْل فِي النهى أَيْضا
ثمَّ كَيفَ يُنكر ذَلِك مَعَ الِاعْتِرَاف بتكليف أَبى جهل بِالْإِيمَان من غير إِرَادَة لَهُ وَبِمَا ظهر من قصَّة إِبْرَاهِيم فِي تَكْلِيفه بِذبح وَلَده كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقه فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تعإلى فَإِذا لَيْسَ ثَمَرَة الْأَمر امْتِثَال مَا أَمر بِهِ بل من الْجَائِز أَن تكون لَهُ ثَمَرَة أُخْرَى وَعند ذَلِك فَلَا يكون عَبَثا وَلَا متناقضا كَمَا فِي هَذِه الصُّور وَلِهَذَا قَالَ بعض الْأَصْحَاب إِنَّه لَو علم من أحد من الامة أَنه لَو كلف بخصله من خِصَال الْخَيْر لم يَأْتِ بهَا وَلَو ضوعفت عَلَيْهِ لم يقصر عَنْهَا فَإِنَّهُ إِذا امْر بالضعف كَانَ امرا صَحِيحا وَإِن لم يكن مَا أَمر بِهِ مرَادا وَذَلِكَ على نَحْو امْر النبى ﷺ لَيْلَة الْمِعْرَاج بالصلوات هَذَا كُله إِن قيل برعاية الصّلاح وَإِلَّا فَلَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّكْلِيف وَلَا غَرَض فِي هَذَا التَّعَبُّد وَمَا قيل من انه يفضى إِلَى التَّكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق فَذَلِك مِمَّا لَا نأباه وسنبين وَجه جَوَازه فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله
وَمَا أُشير إِلَيْهِ من الظَّوَاهِر الدَّالَّة على نفى الْإِرَادَة والرضى للقبح وَالْفساد مِمَّا لَا يسوغ التَّمَسُّك بهَا فِي مسَائِل الْأُصُول إِذْ هِيَ مَعَ مَا يقابلها من ظواهر أُخْرَى مُمكنَة التَّأْوِيل جَائِزَة التَّخْصِيص والمقطوع لَا يُسْتَفَاد من المظنون كَيفَ وَإِن القَوْل بموجبها مُتَّجه هَهُنَا فَإنَّا لَا نعترف
стр. 62
بِأَن إِرَادَته وَرضَاهُ مِمَّا يتَعَلَّق بالمعاصى على اخْتِلَاف أصنافها إِذْ هِيَ من حَيْثُ هِيَ شرور ومعاص امور إضافيه لَا ذَوَات حَقِيقِيَّة كَمَا سنبين والإرادة لَا تتَعَلَّق بهَا إِنَّمَا تتَعَلَّق بهَا من حَيْثُ الْحُدُوث والتجدد كَمَا سبق وَمن تمسك بِهَذِهِ الْقَاعِدَة اسْتغنى عَن التَّأْوِيل بطرِيق التَّفْصِيل كَيفَ وَأَنا سنقرر قَاعِدَة فِي معنى الْمحبَّة والرضى والإرادة يُمكن أَن نتوصل مِنْهَا إِلَى تَأْوِيل كل مَا يرد من هَذَا الْقَبِيل
اما المحبوب والمرضى فِي حق الله تَعَالَى فَلَيْسَ مَعْنَاهُ إِلَّا أَنه ممدوح عَلَيْهِ فِي العاجل ومثاب عَلَيْهِ فِي الآجل كَمَا أَن المسخوط الْمُقَابل لَهُ لَيْسَ مَعْنَاهُ إِلَّا نقيض مَا ذَكرْنَاهُ فعلى هَذَا معنى قَوْله (لَا يحب الله الْجَهْر بالسوء من القَوْل) وَقَوله ﴿لَا يحب الْفساد﴾ وَقَوله ﴿وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر﴾ أَنه غير ممدوح وَلَا مثاب عَلَيْهِ وَهَكَذَا تَأْوِيل كل مَا يرد من هَذَا الْقَبِيل
وَأما الْإِرَادَة فَإِنَّهَا قد تتَعَلَّق بالتكليف من الْأَمر والنهى وَقد تتَعَلَّق بالمكلف بِهِ أى إيجاده وإعدامه فَإِذا قيل إِن الشئ مُرَاد فقد يُرَاد بِهِ إِن التَّكْلِيف بِهِ هُوَ المُرَاد لاعينه وذاته وَقد يُرَاد بِهِ أَنه فِي نَفسه هُوَ المُرَاد أى إيجاده أَو إعدامه فعلى هَذَا مَا وصف بِكَوْنِهِ مرَادا وَلَا وُقُوع لَهُ فَلَيْسَ المُرَاد بِهِ إِلَّا التَّكْلِيف بِهِ فَقَط وَمَا قيل إِنَّه غير مُرَاد وَهُوَ وَاقع فَلَيْسَ المُرَاد بِهِ إِلَّا أَنه لم يرد التكيلف بِهِ فَقَط
стр. 63
وَمن حقق هَذِه الْقَاعِدَة أمكنه التقصى عَن قَوْله ﴿وَمَا الله يُرِيد ظلما للعباد﴾ بِأَن يُقَال المُرَاد بِهِ إِنَّمَا هُوَ نفى الْإِرَادَة بالتكليف بِهِ لَا من حَيْثُ حُدُوثه وَكَذَا قَوْله ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ مَعْنَاهُ الْأَمر باليسر ونفيه عَن الْعسر وعَلى هَذَا يخرج قَوْله ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ فَإِنَّهُ لَيْسَ المُرَاد بِهِ وُقُوع الْعِبَادَة بل الْأَمر بهَا
وَقَول بعض الْأَصْحَاب فِي تَقْرِير الْأَمر بِمَا لَيْسَ بِمُرَاد إِن مَا يتَعَلَّق بِهِ الْأَمر والنهى إِنَّمَا هُوَ أخص وصف فعل الْمُكَلف وَهُوَ مَا يصير بِهِ طَائِعا أَو عَاصِيا وَذَلِكَ الْأَخَص هُوَ مَا يتَعَلَّق بِكَسْبِهِ وَيدخل تَحت قدرته وَبِه يتَحَقَّق معنى التَّكْلِيف وَهُوَ مَا جعلته الْمُعْتَزلَة من تَوَابِع الْحُدُوث لَا أَن التَّكْلِيف مُتَعَلق بِأَصْل الْفِعْل إِذْ هُوَ فعل الله تَعَالَى وَذَلِكَ لَا يجوز التَّكْلِيف بِهِ إِذْ هُوَ من فعل الْغَيْر والتكليف بِفعل الْغَيْر تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق فَإِذا مَا يَقع بِهِ التَّكْلِيف إِنَّمَا هُوَ مَا ينْسب إِلَى فعل العَبْد واكتسابه وَلَيْسَ ذَلِك مرَادا لله تَعَالَى وَلَا دَاخِلا تَحت قدرته غير صَحِيح على مَا سَيَأْتِي تَفْصِيل القَوْل فِيهِ إِن شَاءَ الله وَأما مَا ذَكرُوهُ من الْمحَال الرَّابِع
فمبنى على فَاسد قَوْلهم إِن مَا سبق من الْإِرَادَة لَا يكون إِلَّا عزما مَعَ سبق فكر وَتردد وَلَا يخفى مَا بِهِ من التحكم وَهُوَ وَإِن أمكن تخيله فِي الشَّاهِد فَإِنَّهُ غير لَازم فِي حق الْغَائِب كَمَا سلف
стр. 64
وَمَا قيل من أَنه لَا حَاجَة إِلَى صفة الْإِرَادَة مَعَ وجود الْعلم وَالْقُدْرَة فممتنع إِذْ الْقُدْرَة هِيَ مَا يَتَأَتَّى بهَا الإيجاد وَلَا محَالة أَن نسبتها إِلَى سَائِر الْأَوْقَات نِسْبَة وَاحِدَة فتخصيصها للحادث بِزَمَان حُدُوثه من غير مُخَصص مَعَ ان نِسْبَة الْأَوْقَات إِلَيْهَا نِسْبَة وَاحِدَة لَا معنى لَهُ وَهُوَ كَمَا قيل فِي التَّخْصِيص بِالذَّاتِ من غير فرق وَهَذَا لَا ينعكس فِي الْإِرَادَة كَمَا سلف فَإِذا لَا بُد من الْمُخَصّص ثمَّ لَو أغنت عَن الْإِرَادَة لحُصُول الإيجاد بهَا لأغنت عَن الْعلم أَيْضا وَكَيف وَأَن الْقُدْرَة عِنْد الْخصم فِي الشَّاهِد مَا يَتَأَتَّى بهَا الإيجاد كَمَا فِي قدرَة المختارين بالنبسة إِلَى أفعالهم وَمَعَ هَذَا لَيست كَافِيَة عَن الْإِرَادَة حَتَّى إِن من كَانَ قَادِرًا وَلم يكن مرِيدا فَإِنَّهُ وان حصل الإيجاد فِي حَقه صَحَّ ان يُقَال لَيْسَ هُوَ أولى من عَدمه وان فعله عَبث فَهَلا قيل مثله فِي حق البارى تَعَالَى
وَلَيْسَ الْعلم مِمَّا يَصح الِاكْتِفَاء بِهِ عَنْهَا أَيْضا وَإِن لزم الْحُدُوث فِي وَقت الْحُدُوث من ضَرُورَة تعلق الْعلم بِهِ إِذْ الْعلم لَا يحصل بِهِ التَّمْيِيز وَمَعَ قطع النّظر عَمَّا بِهِ التَّمْيِيز فتخصيص الْحَادِث بِزَمَان حُدُوثه إِذْ ذَاك لَا يكون اولى بِهِ من غَيره ثمَّ إِنَّه لَو اكْتفى بِهِ عَن الْإِرَادَة لضَرُورَة وُقُوع الْحَادِث على وَفقه لاكتفى بِهِ عَن الْقُدْرَة أَيْضا لهَذَا الْمَعْنى كَيفَ وَأَنه من الْجَائِز أَن يحصل الْعلم فِي الشَّاهِد لبَعض المختارين بِإِخْبَار صَادِق بِأَنَّهُ سيفعل كَذَا على كَذَا فِي وَقت كَذَا وَمَعَ ذَلِك فالإرادة لَا تكون مُسْتَغْنى عَنْهَا فقد بَان من هَذَا أَنه لَا سَبِيل إِلَى القَوْل بالإستغناء بِالْعلمِ أَو الْقُدْرَة عَن الْإِرَادَة أصلا وَلَا جَائِز أَن يُقَال بِأَن مَعْنَاهَا هُوَ معنى الْعلم أَو الْقُدْرَة إِذْ هما أَعم مِنْهَا من حَيْثُ أَن كل مُرَاد الله تَعَالَى مَقْدُور وَمَعْلُوم وَلَيْسَ كل مَعْلُوم أَو مَقْدُور مرَادا وَالْقَوْل بِأَن الْأَخَص هُوَ الْأَعَمّ والأعم هُوَ الْأَخَص محَال
стр. 65
فقد بَان انه لَا بُد من صفة زَائِدَة على ذَات وَاجِب الْوُجُود يَتَأَتَّى بهَا التَّخْصِيص بالحدوث وَتلك الصّفة هِيَ الْإِرَادَة وَأَنَّهَا لَا بُد من قدمهَا وأزليتها وقيامها بِذَات وَاجِب الْوُجُود وتعلقها بِجَمِيعِ الكائنات وهى مَعَ ذَلِك متحدة لَا كَثْرَة فِيهَا وَمَعَ اتحادها فَلَا نِهَايَة لَهَا لَا بِالنّظرِ إِلَى ذَاتهَا وَلَا بِالنّظرِ إِلَى متعلقاتها
أما بَيَان كَونهَا وَاحِدَة فقد قَالَ بعض الْأَصْحَاب لَو كَانَت مُتعَدِّدَة لَكَانَ تعددها بِتَعَدُّد متعلقاتها وَمَا يَصح أَن تتَعَلَّق بِهِ الْإِرَادَة غير متناه تَقْديرا فَلَو تعدّدت بتعدده لكَانَتْ غير متناهية اعدادها تَحْقِيقا وَقد قَامَ الدَّلِيل على اسْتِحَالَة ذَلِك وَإِن تعدّدت بِسَبَب تعلقهَا بِبَعْض المتعلقات التقديرية فَذَلِك يستدعى مُخَصّصا وَالْقَدِيم لَا تخصص لَهُ بجائز دون جَائِز
وَاعْلَم أَن هَذَا غير صَوَاب فَإِن مَا ذكره من الْقسم الأول فمبنى على القَوْل بامتناع وجود أعداد لَا نِهَايَة لَهَا وَهِي مَوْجُودَة مَعًا وَلَا ترَتّب لَهَا وضعا وَلَا طبعا وَقد بَينا وَجه فَسَاده فِيمَا مضى وَمَا ذكره من الْقسم الثَّانِي فَهُوَ مَعَ مَا فِيهِ من التحكم كَاذِب فِي دَعْوَاهُ بِجِهَة الْعُمُوم والشمول اسْتِحَالَة تعلق الْقَدِيم بِبَعْض المتعلقات الْجَائِزَة دون الْبَعْض فَإِن الممكنات مِنْهَا مَا هُوَ مُرَاد عِنْده وَمِنْهَا مَا هُوَ غير مُرَاد والإرادة قديمَة عِنْده لَا محَالة مَعَ هَذَا التَّخْصِيص
стр. 66
فَالرَّأْي الْحق أَن يُقَال لَو كَانَت مُتعَدِّدَة ومتكثرة لم تخل تِلْكَ المتكثرات إِمَّا أَن تخْتَلف من كل وَجه اَوْ تتحد من كل وَجه أَو تتحد من وَجه وتختلف من آخر فَإِن اتّحدت من كل وَجه فَلَا محَالة أَن الْإِرَادَة الَّتِي أردناها لَيست إِلَّا وَاحِدًا مِنْهَا وَالْبَاقِي لَيْسَ إِرَادَة وَإِن اخْتلفت من كل وَجه فَلَيْسَ التكثر فِيهَا فِي صفة الْإِرَادَة لضَرُورَة أَن حَقِيقَة الْإِرَادَة لَيست إِلَّا حَقِيقَة وَاحِدَة وَإِن اخْتلفت من وَجه دون وَجه فَمَا بِهِ التكثر وَالِاخْتِلَاف حِينَئِذٍ لَا بُد أَن يكون خَارِجا عَن صفة الْإِرَادَة وَإِلَّا فَهُوَ الْقسم الاول بِعَيْنِه وَعند ذَلِك فَمَا اخْتصَّ بِكُل وَاحِد من المتكثرين إِمَّا أَن يكون اخْتِصَاصه بِهِ لذاته أَو بِاعْتِبَار مُخَصص خَارج لَا جَائِز أَن يُقَال بالاول وَإِلَّا لما وَقع الِاخْتِلَاف فِيهِ بَين أعداد الإرادات إِذْ لكل تَحت إِرَادَة وَاحِدَة وَلَا جَائِز أَن يُقَال بِالثَّانِي وَإِلَّا فالمخصص لَهُ بذلك إِمَّا أَن يكون بِالذَّاتِ اَوْ الْإِرَادَة فَإِن كَانَ بِالذَّاتِ فَهُوَ أَيْضا محَال وَإِلَّا بِمَا تخصص بِهِ اُحْدُ المتماثلين دون الآخر إِذْ لَا أَوْلَوِيَّة وَإِن كَانَ ذَلِك بالإرادة فَالْكَلَام فِي تِلْكَ الْإِرَادَة وَمَا بِهِ تميزت كَالْكَلَامِ فِي الأول وَذَلِكَ يفضى إِلَى التسلسل وَهُوَ مُمْتَنع
فَإِن قيل إِضَافَة التَّخْصِيص إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ لذاته وَإِن كَانَ مُمْتَنعا فَلَا يخفى ان الْإِرَادَة عبارَة عَمَّا يَتَأَتَّى بهَا التخصص وَإِذ ذَاك فَلَا فرق بَينهَا وَبَين مَا هُوَ قَائِم بهَا أَو بغَيْرهَا فعلى هَذَا غير مُمْتَنع أَن يُضَاف التَّخْصِيص لما يخصص بِهِ كل وَاحِد من أَقسَام الْإِرَادَة نَفسه وَيكون تَخْصِيصه لَهُ لَا لذاته بل على النَّحْو الْمَفْهُوم من تَخْصِيصه لما هُوَ خَارج عَنهُ وَعند ذَلِك فَلَيْسَ يلْزم الِاشْتِرَاك على مَا لَا يخفى بل وَيجوز أَن يكون تخصص كل وَاحِد بِمَا يخصص بِهِ مُضَافا إِلَى الآخر والتسلسل على هَذَا يكون مُنْقَطِعًا
стр. 67
قُلْنَا أما الأول فمما لَا يتَّجه اذ شَرط التَّخْصِيص بالإرادة أَن تكون مخصصة بالوجود وَهَذَا مِمَّا لَا يتم بِدُونِ مَا قيل إِنَّه مُمَيّز لَهَا ومخصص وَهُوَ دور مُمْتَنع وعَلى هَذَا يظْهر امْتنَاع مَا قيل بِهِ ثَانِيًا فَإِنَّهُ كَيفَ يتَصَوَّر أَن يكون كل وَاحِد من أَقسَام الْإِرَادَة مُخَصّصا للْآخر وَهُوَ إِنَّمَا يكون مُخَصّصا لغيره بعد القَوْل بتخصصه وَهُوَ أَيْضا دور محَال كَيفَ وَأَن ذَلِك يفضى إِلَى إِثْبَات صِفَات لنَفس وَاجِب الْوُجُود خَارِجَة عَنْهَا لَيست من الصِّفَات النفسية من غير دَلِيل عقلى وَلَا نَص شرعى وَهُوَ محَال وَهَذِه المحالات كلهَا إِنَّمَا لَزِمت من فرض كَون الصّفة الإرادية متكثرة
كَيفَ وَأَن الطَّرِيق الْموصل إِلَى ثُبُوت صفة الْإِرَادَة إِنَّمَا هُوَ كَون الكائنات وَذَلِكَ إِنَّمَا يدل على أَنه لَا بُد من إِرَادَة يكون بهَا التَّخْصِيص وَالْقَوْل بتعددها مِمَّا يزِيد على القَوْل الْوَاجِب من غير دَلِيل فَإِنَّهُ لَا مَانع من أَن تكون الْإِرَادَة وَاحِدَة والمتعلقات مُتعَدِّدَة وَذَلِكَ على نَحْو تعلق الشَّمْس بِمَا قابلها واستضاء بهَا فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ مُتَعَددًا لَا يُوجب تعددها فِي نَفسهَا وَإِن أوجب تعدد متعلقاتها على مَا لَا يخفى وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَب إِلَى الْإِنْصَاف والأبعد عَن الاعتساف من جِهَة أَن الْعقل قد دلّ على وجود اصل الْإِرَادَة فَالْقَوْل بنفيها تَقْصِير وَالْقَوْل بتكثرها إفراط وكل خَارج عَن حوزة الِاحْتِيَاط
ولعمري إِن من رام نفى التكثر من صفة الْإِرَادَة أَو غَيرهَا من الصِّفَات بِغَيْر مَا سلكناه لم يجد فِيهِ كلَاما محصلا
فَإِن قيل قَوْلكُم إِن مَا وَقع بِهِ التَّعَدُّد وَالِاخْتِلَاف إِن كَانَ خَارِجا عَن حَقِيقَة صفة الْإِرَادَة فَلَزِمَ إِثْبَات صِفَات للذات خَارِجا عَن اصل الْإِرَادَة فَإِنَّمَا يَسْتَقِيم أَن لَو لم يَصح التغاير بَين الذوات إِلَّا بِاعْتِبَار صِفَات وجودية وامور حَقِيقَة وَمَا الْمَانِع
стр. 68
من أَن التَّغَيُّر بَين الذوات بِاعْتِبَار سلوب وإضافات ومتعلقات خَارِجَة عَن الذوات بِأَن يكون مُتَعَلق كل وَاحِد غير مُتَعَلق الْأُخْرَى مِمَّا نسب إِلَيْهَا أَو سلب عَنْهَا وَتلك لَيست امورا وجودية وَلَا صِفَات حَقِيقِيَّة وَذَلِكَ على نَحْو مَا يَقُوله الفيلسوف فِي وجوب تكْثر الانفس الإنسانية عِنْد مُقَارنَة الْأَبدَان وَبعد مفارقتها أَيْضا فَإِن السَّبَب الْمُوجب للتكثر لَيْسَ إِلَّا مُلَابسَة النَّفس الْبدن واختصاصها بِالنّظرِ الى احواله وتدبيره لَا ان اختصاصها بِهِ اخْتِصَاص الصِّفَات بالموصوفات وَأَن مَا حصل لَهَا من النِّسْبَة من حَالَة المقارنه هُوَ الَّذِي أوجب بقاءها مُتَغَايِرَة بعد الْمُفَارقَة فعلى هَذَا غير بعيد أَن يكون التغاير بَين الإرادات المتكثرة بِاعْتِبَار النّسَب والإضافات وَتغَير المتعلقات
قُلْنَا قد بَينا أَن الِاخْتِلَاف يَسْتَدْعِي مُمَيّزا وَمَا قيل من أَنه يجوز أَن يسند ذَلِك إِلَى السلوب والإضافات فمندفع وَذَلِكَ أَن السَّلب عَن أحد المتكثرين إِن وَقعت بَينهمَا الْمُشَاركَة فِيهِ بِأَن يكون مسلوبا عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا كسلب الْحجر عَن الْإِنْسَان وَالْفرس فَذَلِك مَا لَا يُوجب الِاخْتِلَاف وَإِن لم تقع الْمُشَاركَة بَينهمَا فِيهِ بِأَن يكون مَا سلب احدهما مُوجبا للْآخر فَفِيهِ إِثْبَات صفة زَائِدَة وَهُوَ عود إِلَى مَا ابطلناه
وَأما التغاير بِاعْتِبَار الْإِضَافَة والتعلق فَتلك الإضافات والتعلقات أما أَن توجب قيام صِفَات بالمتعلقات أَو لَيْسَ فَإِن أوجبت قيام صِفَات بالمتعلقات فَهُوَ وَإِن أوجب التغاير لكنه فِيمَا نَحن فِيهِ مُتَعَذر لما بَينا وَإِن لم يُوجب قيام صِفَات بالمتعلقات فَهِيَ غير مُوجبَة للتغاير فِي التَّعَلُّق أصلا بل يجوز أَن يتحد الشئ إتحادا مُطلقًا
стр. 69
وَإِن اخْتلفت إضافتة ونسبته إِذا لم تجب لَهُ من تِلْكَ الإضافات صِفَات زَائِدَة على ذَاته وَهَذَا مِمَّا لَا خَفَاء بِهِ
وعَلى هَذَا الْحقيق فالإرادة صفة وَاحِدَة لَا انقسام فِيهَا لَا بِالْحَدِّ وَلَا بالكم وَإِن وَقع التَّعَدُّد فِي متعلقاتها وتعلقها وَذَلِكَ على نَحْو مَا ذَكرْنَاهُ من تعلق الشَّمْس بِمَا قابلها واستضاء بهَا فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ مُتَعَددًا أَو متغايرا لَا يُوجب وُقُوع التَّعَدُّد فِي الشَّمْس نَفسهَا وَهُوَ الْمَعْنى بسلب النِّهَايَة عَن ذَات وَاجِب الْوُجُود وَكَذَا فِي غير الْإِرَادَة من صِفَات الذَّات وَأما سلب النِّهَايَة عَنْهَا بِالنّظرِ إِلَى متعلقاتها فَلَيْسَ الْمَعْنى بِهِ أَيْضا إِلَّا ان مَا يَصح ان تتَعَلَّق بِهِ الْإِرَادَة من الجائزات لَا نِهَايَة لَهُ بِالْقُوَّةِ لَا انه غير متناه بِالْفِعْلِ
وَهَذَا مِمَّا لَا مراء فِيهِ وَلَا دَلِيل يُنَافِيهِ وَهَذَا آخر مَا أردنَا ذكره هَهُنَا وَالله الْمُوفق للصَّوَاب
стр. 70
الطّرف الثَّانِي
فِي اثبات صفة الْعلم
مَذْهَب أهل الْحق أَن البارى تَعَالَى عَالم بِعلم وَاحِد قَائِم بِذَاتِهِ قديم أزلى مُتَعَلق بِجَمِيعِ المتعلقات
وَأما الفلاسفة فمختلفون
افمنهم من نفى عَنهُ الْعلم مُطلقًا وَلم يجوز أَن يكون لَهُ علم مُتَعَلق بِذَاتِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ
ب وَمِنْهُم من أوجب لَهُ ذَلِك لَكِن منع أَن يكون مُتَعَلقا بِغَيْرِهِ بل بِذَاتِهِ
ج وَمِنْهُم من جوز عَلَيْهِ ذَلِك لَكِن بِشَرْط كَون الْمُتَعَلّق كليا واما الجزئيات فَإِن تعلق بهَا فَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا على نَحْو كلى لَا أَنه مُتَعَلق بالجزئى من حَيْثُ هُوَ جزئى
وَأما الْمُعْتَزلَة فموافقون على العالمية دون العلمية كَمَا مضى تَفْصِيل مَذْهَبهم
وَأما الْجَهْمِية فقد ذَهَبُوا إِلَى أَنه عَالم بِعلم قَائِم لَا فِي مَحل وَهُوَ مَعَ ذَلِك متجدد بتجدد الحادثات مُتَعَدد بِتَعَدُّد الكائنات
стр. 71
وَعند ذَلِك فَلَا بُد من إِيضَاح السَّبِيل إِلَى زيف مَذَاهِب أهل التعطيل
أما على رَأْي الإلهيين فَإِنَّهُ لما انحسم على من أثبت كَونه عَالما طَرِيق التَّوَصُّل إِلَيْهِ بتوقف تَخْصِيص الجائزات عَلَيْهِ كَمَا سبق وَصفه من مَذْهَبهم وَلم يُمكنهُ الاسترواح إِلَى مَا استروح إِلَيْهِ المتكلمون أهل الْحق لمناقضات تلْزمهُ انتهج فِي ذَلِك منهجا غَرِيبا وَهُوَ أَنه زعم أَن الْوُجُود من حَيْثُ إِنَّه طبيعة الْمَوْجُود غير مُمْتَنع عَلَيْهِ أَن يعلم وَيعْقل وَإِنَّمَا يعرض لَهُ أَنه لَا يعلم وَيعْقل بِسَبَب صَاد ومانع راد وَهُوَ كَونه فِي الْمَادَّة ومتعلقا بعلائق الْمَادَّة وكل وجود مُجَرّد عَن الْمَادَّة وعلائقها فَغير مُمْتَنع عَلَيْهِ أَن يعلم وَهُوَ وَإِن كَانَ مُتَوَهمًا غير سديد وَمَا قيل من أَن طبيعة الْوُجُود غير مُمْتَنع عَلَيْهَا أَن تعقل فَلَا محَالة أَن إِطْلَاق لفظ الْوُجُود على وَاجِب الْوُجُود وعَلى غَيره لَيْسَ إِلَّا بطرِيق الِاشْتِرَاك لَا بالتواطؤ وَإِلَّا كَانَ مشاركا لَهَا فِي طبيعتها وَيلْزم أَن تكون ذَات وَاجِب الْوُجُود مُمكنَة مفتقرة إِلَى مُرَجّح خَارج وَهُوَ محَال فعلى هَذَا إِن أُرِيد بِلَفْظ الْوُجُود كل مدلولاته بِحَيْثُ تكون ذَات وَاجِب الْوُجُود مندرجة فِيهِ وداخلة تَحْتَهُ فدعوى مُجَرّدَة وإدراج لمحل النزاع فِي كُلية مَا صادر على كَونه مُسلما وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الزيف فَإِنَّهُ لَو سلم أَنه غير مُمْتَنع أَن يعلم لوَجَبَ أَن يكون الْعلم لَهُ إِمَّا وَاجِبا وَإِمَّا مُمكنا والإمكان مُنْتَفٍ عَن ذَاته عِنْده مُطلقًا فبقى أَن يكون وَاجِبا وَذَلِكَ مَحل النزاع
وَإِن أُرِيد بِهِ طبيعة كل مَوْجُود سوى وَاجِب الْوُجُود فَمَعَ بعده غير مُفِيد وَلَا مؤد للمقصود إِذْ الحكم على الْقَضِيَّة الْجُزْئِيَّة بِمثل مَا حكم بِهِ على الْكُلية إِنَّمَا يلْزم أَن لَو كَانَت الْجُزْئِيَّة دَاخِلَة فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِن زَالَ الْمَانِع فَغير مُفِيد لعدم القبولية والاقتضاء مَعًا ثمَّ وَمَعَ التَّقْدِير بِكَوْنِهِ عَالما فَلَا معنى للخوض فِي التَّفْصِيل
стр. 72
بَين ذَاته وباقى الذوات وَلَا بَين الكليات والجزئيات كَمَا سنبينه
فَالْحق ان مبدأ النّظر فِي مبدأ أهل الْحق مستمد من التَّخْصِيص والتمييز بِصفة الأرادة وَمَعَ ثُبُوت ذَلِك فالمتميز إِمَّا أَن يكون محاطا بِهِ أَو غير محاط بِهِ
لَا يجائز ان يكون غير محاط بِهِ والا لما تصور تَمْيِيزه عَن غَيره فَإِذا لَا بُد من الْإِحَاطَة بِهِ ثمَّ كَيفَ يُنكر ذَلِك وَالْعقل الصَّرِيح يقْضى بيدَيْهِ بِأَن صُدُور مَا هُوَ على غَايَة من الإحكام والاتقان عَمَّن لَا إحاطة لَهُ محَال كَيفَ وَأَنه لَو لم يكن متصفا بِالْعلمِ لَكَانَ نَاقِصا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من لَهُ الْعلم من مخلوقاته كَمَا سبق بَيَانه وَهُوَ محَال
وَعند لُزُوم هَذَا الْعلم لَهُ إِمَّا أَن يكون معنى عدميا اَوْ لَا وجوديا وَلَا عدميا وَإِمَّا أَن يكون وَصفا وجوديا
لَا جَائِز أَن يُقَال بِكَوْنِهِ عدميا إِذْ لَا فرق بَين قَوْلنَا إِنَّه لَا علم لَهُ وَبَين قَوْلنَا إِن علمه معنى عدمى كَيفَ وَأَن من فهم مَدْلُول هَذِه اللَّفْظَة لم يجد من نَفسه أَن فهمه لأمر سلبى عدمى ألبته
وَلَا جَائِز أَن يُقَال بِأَنَّهُ لَا مَوْجُود وَلَا مَعْدُوم إِذْ هُوَ مبْنى على القَوْل بالأحوال وَقد أبطلناها وَإِذ ذَاك فَلَا بُد من أَن يكون معنى وجوديا وَهُوَ مَعَ ذَلِك قديم أزلى قَائِم بِذَات الرب تَعَالَى مُتَعَلق بِجَمِيعِ الكائنات مُتحد لَا كَثْرَة فِيهِ غير متناه
стр. 73
بِالنّظرِ إِلَى ذَاته ومتعلقاته وَبَيَان ذَلِك على نَحْو بَيَانه فِي الْإِرَادَة وَقد عرف فَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَته لَكِن رُبمَا أشكل وَجه اسْتِعْمَال مَا ذَكرْنَاهُ فِي بَيَان اتِّحَاد الْإِرَادَة فِي الْعلم والسبيل فِيهِ أَن يُقَال بعد إبِْطَال الِاقْتِضَاء للتخصيص بِالذَّاتِ وَتعين الِاقْتِضَاء بِالْقُدْرَةِ والارادة فَإِن شَرط هَذَا الِاقْتِضَاء تعلق الْعلم بالمقتضى كَمَا سلف وَإِذ ذَاك فإمَّا أَن يكون كل وَاحِد من اقسام الْعلم هُوَ الْمُتَعَلّق بِمَا تخصصه الْقُدْرَة والأرادة اَوْ غَيره فَإِن كَانَ هُوَ فَهُوَ انما يتم تعلقه بِغَيْرِهِ أَن لَو كَانَ متخصصا بالوجود وَذَلِكَ يفضى إِلَى الدّور كَمَا دَار فِي الْإِرَادَة وَإِن كَانَ غَيره لزم مِنْهُ التسلسل اَوْ الدّور كَمَا حققناه فِي الْإِرَادَة وَهُوَ أَيْضا مُمْتَنع
وَالَّذِي يخص هَذَا الطّرف من التشكيكات وَيتَّجه عَلَيْهِ من الخيالات قَوْلهم لَو كَانَ لَهُ علم لما خرج عَن أَن يكون ضَرُورِيًّا أَو نظريا وَأَن يكون تعلقه بالمعلومات على نَحْو تعلق علومنا بهَا وَيلْزم إِذْ ذَاك الِاشْتِرَاك بَين الْعلم الْحَادِث وَالْقَدِيم فِي الْحَقِيقَة لضَرُورَة اشتراكهما فِي أخص صِفَات الْعلم الْحَادِث وَذَلِكَ فِي حق وَاجِب الْوُجُود محَال ثمَّ وَلَو قدر كَونه عَالما فَمَا الْمَانِع من أَن يكون تعلقه بِذَاتِهِ دون غَيره وَبِمَ الرَّد على من زعم ذَلِك وَقَالَ لَو علم غير ذَاته لم يخل إِمَّا أَن يكون علمه بِذَاتِهِ هُوَ علمه بِغَيْرِهِ أَو هما متغايران لَا جَائِز أَن يَكُونَا وَاحِدًا إِذْ الْعقل يقْضى بإبطاله وَلَا جَائِز أَن يَكُونَا
стр. 74
متغايرين وَإِلَّا لزم التَّعَدُّد فِي علم البارى تَعَالَى وَهُوَ محَال ثمَّ لَو قدر تعلقه بِغَيْرِهِ فَمَا الْمَانِع من أَن يكون ذَلِك مُخْتَصًّا بالكليات دون الجزئيات وَبِمَ الرَّد على من ابطل ذَلِك وَزعم أَنه لَو كَانَ علم البارى مُتَعَلقا بالجزئيات الكائنات الفاسدات لم يخل عِنْد تعلقه بهَا إِمَّا أَن يكون سَابِقًا عَلَيْهَا اَوْ حَادِثا ومتجددا بتجددها لَا جَائِز أَن يكون أوليا وَإِلَّا كَانَ ذَلِك جهلا لَا علما وَإِن كَانَ حَادِثا فَهُوَ إِمَّا أَن يكون فِي ذَاته اَوْ فِي غير ذَاته وعَلى كل تَقْدِير فَهُوَ محَال لما سبق وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يكون الْعلم بالكائنات عبارَة عَن انطباع صورها فِي النَّفس أَو عبارَة عَن إِضَافَة تحصل بَينهَا وَبَينه فَإِن كَانَ الأول لزم أَن يكون ذَات وَاجِب الْوُجُود متجزئة لانطباع المتجزئ فِيهَا كَمَا يَأْتِي وَإِن كَانَ الثَّانِي فالعلم إِذْ ذَاك إِمَّا قديم أَو حَادث لَا جَائِز ان يكون قَدِيما وَإِلَّا لوَجَبَ أَن يكون الْحَادِث الَّذِي تعلق بِهِ قَدِيما لضَرُورَة أَن الْإِضَافَة لَا تحصل إِلَّا بَين شَيْئَيْنِ وَالْقَوْل بقدم الحادثات محَال وَإِن كَانَ حَادِثا فَهُوَ محَال أَيْضا كَمَا سبق
ومستند ضلال الْجَهْمِية فِي القَوْل بحدوث علم البارى تَعَالَى لَا فِي مَحل وتجدده بتجدد المعلومات وتكثره بتكثرها لَيْسَ إِلَّا هَذِه الخيالات والاعتماد على هَذِه التمويهات والكشف عَن وَجه الْحق فِيهَا مُتَوَقف على الِانْفِصَال عَنْهَا فَنَقُول
قد قدمنَا أَنه لَا بُد أَن يكون لَهُ علم وَمَا قيل من إِنَّه اما ان يكون بديهيا أَو نظريا فَإِنَّمَا ينفع أَن لَو تبين قبُوله لهَذَا الانقسام وَإِلَّا فَلَا وَمُجَرَّد الْقيَاس على الشَّاهِد فِي ذَلِك مِمَّا لَا يُفِيد كَمَا أسلفناه ثمَّ إِن البديهي لَا معنى لَهُ إِلَّا مَا حصل من غير نظر وَلَا دَلِيل وَلَا تصح مُفَارقَته أصلا وَهَذَا بِعَيْنِه مَا ثَبت للرب تَعَالَى وَإِن لم يَصح إِطْلَاق اسْم البديهة عَلَيْهِ من جِهَة الشَّرْع لعدم وُرُوده بِهِ فالمنازعة إِذا لَيست الا فِي إِطْلَاق اللَّفْظ لَا نفس الْمَعْنى وَلَا حَاصِل لَهُ اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يعْنى بالبديهية غير مَا ذَكرْنَاهُ
стр. 75
والاشتراك بَين الْعلم الْقَدِيم والحادث إِنَّمَا يلْزم أَن لَو اشْتَركَا فِيمَا هُوَ أخص صفة لكل وَاحِد مِنْهُمَا أَو لأَحَدهمَا وَلَيْسَ كَذَلِك بل صفة الْعلم الربانى وجوب تعلقه بِسَائِر المعلومات من غير تَأَخّر على وَجه التَّفْصِيل وأخص وصف الْعلم الْحَادِث جَوَاز تعلقه بالمعلومات لَا نفس وُقُوع التَّعَلُّق وَلَا يخفى إِذْ ذَاك انْتِفَاء الِاشْتِرَاك بَينهمَا ثمَّ إِن ذَلِك لَازم على المعتزلى فِي العالمية أَيْضا إِذْ نِسْبَة العالمية إِلَى العلمية على نَحْو نِسْبَة الْعلم إِلَى العلمية
وَمَا قيل من أَنه لَو تعلق علمه بِذَاتِهِ وَبِغير ذَاته لاتحدا أَو تغايرا وهما محالان ففاسد إِذْ لَا مَانع من أَن يكون الْعلم فِي نَفسه وَاحِدًا ومتعلقاته مُخْتَلفَة ومتغايرة
وَهُوَ مُتَعَلق بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا على نَحْو تعلق الشَّمْس بِمَا قابلها واستضاء بهَا بل وعَلى نَحْو مَا يَقُوله الْخصم فِي الْعقل الفعال لنفوسنا فَإِنَّهُ مُتحد وَإِن كَانَت متعلقاته متكثرة ومتغايرة
وَمَا اعْتمد عَلَيْهِ فِي إختصاص التَّعَلُّق بالكليات دون الجزئيات فَبَاطِل أَيْضا فَإِن تعلق الْعلم بالكائنات مِمَّا لَا يُوجب تجدّد الْعلم وَلَا الْجَهْل من سبقه إِذْ السَّابِق هُوَ الْعلم بِأَن سَيكون وَالْعلم بِأَن سَيكون الشئ هُوَ نفس الْعلم بِكَوْنِهِ فِي وَقت الْكَوْن من غير تجدّد وَلَا كَثْرَة وَإِنَّمَا المتجدد هُوَ نفس الْمُتَعَلّق والتعلق بِهِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُوجب تجدّد
следующие страницы →