Полный текст (399 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
لأنفسها وقيامها فَلَزِمَ القَوْل بموجد قديم مَعَ إِيجَاد مَا فِيهِ وَبِه يدْخل فِي حد الْوُجُود على أَن حدث الْأَعْرَاض مِمَّا لَا نمانع فِيهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبعد فَإِنَّهُ مَعْلُوم أَن تِلْكَ الطبائع هِيَ متضادة وَحقّ التضاد التدافع وَفِي ذَلِك تفرق وَفِي التَّفَرُّق تبدد وتفان فَلم يحْتَمل أَن يكون أصُول الْأَشْيَاء لأنفسها كائنة وقائمة مَعَ التَّنَاقُض الَّذِي ذكرت ثَبت أَنَّهَا إِن كَانَت كَانَت بمانع عَن التدافع الَّذِي فِيهِ التبدد وَهُوَ الْجَامِع ببنها بعد التَّفَرُّق القاهر لَهَا وبالجمع كَانَ الْعَالم ثَبت حُدُوثه وَفِي ذَلِك فَسَاد القَوْل بالطبائع لِأَن كَون شَيْء لَا عَن شَيْء لَيْسَ بأبعد فِي الْعُقُول من قيام الشَّيْء مَعَ ضِدّه وَهُوَ مَا ينْقضه ولبعد ذَلِك عَن عُقُولهمْ صَارُوا إِلَى مَا قَالُوا فَإِذا لَزِمَهُم فِيمَا قَالُوا مثل الَّذِي عَنهُ فروا بَطل قَوْلهم وَذهب عذرهمْ وَبِاللَّهِ الْعِصْمَة
وَقوم قَالُوا بِمثل ذَلِك إِلَّا أَنهم زَعَمُوا أَن لَيْسَ لأجناس الطبائع عدد يعرفونه وَكلهمْ قَالُوا بقدم الْأَشْيَاء فِي جَمِيع جُمْلَتهَا من مهب الشمَال والجنوب وَالدبور وَالصبَا وَمن أَعْلَاهَا وأسفلها
وَزعم قوم من المنجمة أَن النُّجُوم لم تزل تدبر أَمر الْعَالم وَهِي مُتَّصِلَة بِهِ وَمِنْهَا سعد فاختلافه باخْتلَاف مَا اتَّصل بِهِ مِنْهَا كأداة صَاحب الديباج بالخيوط الموصولة من الإبر بِسم بِأَعْلَى أداتها بِمَا يظْهر فِيهِ من الظُّهُور وَغَيره بِرَفْع الْخشب وحفظها فَمثله أَمر النُّجُوم بالعالم تخْتَلف صورته باخْتلَاف تحرّك النُّجُوم وَفِي اختلافها وائتلافها السَّعَادَة والنحس وَهِي لم تزل تتحرك فَيحدث من كل حَرَكَة غير الَّذِي يحدث من غَيرهَا ويتولد ذَلِك وبمثل ذَلِك يَقُولُونَ فِي الْبَيْضَة والدجاجة أَنه يكون ذَلِك بِضَرْب من حركات النُّجُوم كالديباج الَّذِي ذكرت
وَزَعَمُوا أَن الْأَجْسَام قديمَة وَهِي غير الْأَعْرَاض والحركات أَعْرَاض تحدث إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهَا وصيروا أَمر جَمِيع الْعَالم أضطرارا بِمَا كَانَ كَذَلِك بالنجوم
стр. 142
والأفلاك من اجْتِمَاع وتفرق فَمثله فِي النُّجُوم نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ الشَّيْخ ﵀ أما القَوْل بحركات لَا نِهَايَة لَهَا فقد بَينا فِيمَا تقدم فَسَادهَا مَعَ مَا لَا يشك فِي حَرَكَة انْقَضتْ إِلَّا أَنَّهَا نِهَايَة مَا تقدم من الحركات حَتَّى لَا يكون شَيْء مِمَّا تقدم بعد هَذِه وَإِذا ثَبت نِهَايَة الفناء لَهَا والإنقضاء لم يجز أَن يتناهى الإقتضاء لما لَا يتناهى لَهُ الإبتداء ثَبت لذَلِك الإبتداء
وَبعد فَإنَّا رَأينَا الْجَوَاهِر كلهَا فِي رَأْي الْعين مُتَفَاوِتَة الْحُدُود لَا يحْتَمل أَن تكون هِيَ كَذَلِك على غير أَن تكون كَذَلِك إِلَّا عَن أقل متفاوت يظْهر فِي أَكْثَره ذَلِك فَثَبت أَن كَانَ لذَلِك عَن أَصْغَر حَال يكون عَظمَة وكثافته بعد أَن لم يكن ولطف عظمه وكثافته فِي الْكَوْن بعد أَن لم يكن لَا بِشَيْء تقدمه لِأَن فِي التَّقْدِيم إِيجَاب الإستواء وَقد ثَبت التَّفَاوُت فَثَبت أَن الَّذِي تقدم هُوَ حدث بعد أَن لم يكن إِذْ هُوَ فِي معنى مَا هُوَ كَذَلِك مَعَ مَا لَو كَانَت الحركات إِذْ هِيَ مستديرة لَو جعلت مُسْتَقِيمَة من جِهَة ليَكُون بَعْضهَا على أثر بعض وَفِي وجود بَعْضهَا فنَاء الْبَعْض وَلَو وَجب قدم الحركات ليجب قدم فنائها فَتكون فِي الْأَزَل مَعْدُومَة مَوْجُودَة وَذَلِكَ متناقض إِذْ لَا يجوز اجْتِمَاع الْوُجُود والفناء فِي حَال فَكَذَا فِي كل الْأَحْوَال وَفِي ذَلِك لُزُوم الإبتداء مَعَ مَا لَو تفَاوت فِي رَأْي الْعين ذهَاب سرعَة أحد سبق آخر يسيران سيرا مُسْتَقِيمًا لَا يحْتَمل أَن لَا يكون ابْتِدَاء أَحدهمَا قبل ابْتِدَاء الآخر أَو يسير أَحدهمَا أسْرع من الآخر وَفِي رفع النِّهَايَة عَنْهُمَا بطلَان النِّهَايَة بَينهمَا وَفِي بُطْلَانه نقض المحسوس ثَبت لَهما الإبتداء وَكَذَلِكَ هَذَا الْمَعْنى فِي المستدير من الحركات وَالله الْمُوفق
وَبِهَذَا كُله ننقض على جَمِيع الْقَائِلين بقدم الْأَعْيَان غير خَارِجَة عَن الْأَعْرَاض وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وبمثله تكلم أَصْحَاب الطبائع
стр. 143
ثمَّ يُقَال لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا بِمَ عَرَفْتُمْ أَنه كَذَلِك فَإِن أدعوا السّمع فِيهِ عورضوا بِالسَّمْعِ الَّذِي ورد مِمَّن فيهم حجج الصدْق فهم أَحَق أَن يصدقُوا وهم الرُّسُل وَإِن ادعوا العيان والحس أكذبهم علمهمْ بِأَنْفسِهِم إِنَّهُم لَا يذكرُونَ قدمهم وَلَا شهدُوا تَدْبِير النُّجُوم والطبائع وَإِن رجعُوا إِلَى الإستدلال بِمَا عاينوا فَلَيْسَ فِي شَيْء مِمَّا عاينوا دَلِيل تَدْبِير النُّجُوم وَلَا قدم الطبائع وتولد الْعَالم من امتزاجها بل لَو قلب على الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا القَوْل كَانَ أقرب إِلَى الْوُجُود وأحق فِي الإستدلال فَأَما أَمر الطبائع فَإِنَّهُ فِي الْوُجُود إِن كَثْرَة الإضطراب والتحرك تولد الْحَرَارَة فِي نفس المضطرب المتحرك وَكَثْرَة السّكُون والقرار تولد الرُّطُوبَة فَتكون الطبائع هِيَ الْحَادِثَة من أَحْوَال الْعَالم دون أَن يكون الْعَالم هُوَ الْمُتَوَلد عَنْهَا وَهَذَا أقرب إِلَى حق الْحَواس ثمَّ يُقَال أَن اضْطِرَاب الْفلك وتحرك النُّجُوم وَتَقَلُّبهَا على أَحْوَال الإجتماع والتفرق يكون بتقلب أَحْوَال الْأَرْضين وَمَا فِيهَا من أَنْوَاع الْأَشْجَار الْبحار والمياه وجوهر التَّفَرُّق الَّتِي يَعْلُو بخارها أَو هِيَ بجوهرها كالنيران والجواهر الْحَقِيقِيَّة وَبهَا يَنْقَلِب أَمر النُّجُوم وَمَا ذكر فَهَذَا أَحَق إِذْ هُوَ أقرب إِلَى الْعين وَأولى أَن يكون دَلِيلا لما غَابَ عَنَّا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ تكلم هَؤُلَاءِ بِمَا تكلم بِهِ أَصْحَاب الطبائع إِن ذَلِك الصَّانِع إِنَّمَا خرج فعله محكما متقنا بِمَا عِنْده من الْعلم وَله من الْقُدْرَة وَلَوْلَا ذَلِك لما احْتمل مَا ذكرت فَإِنَّهُ بِمَا سبق من التَّدْبِير استقام ذَلِك فَمثله أَمر النُّجُوم لَو كَانَ على مَا يَقُول كَانَ يكون ذَلِك كَذَلِك بتدبير عليم حَكِيم أنشأه على ذَلِك وَلَو كَانَ إِلَيْهَا التَّدْبِير لما يحْتَمل أَن تتعب نَفسهَا بالسير والحركات الدائمة وتؤلمها إِذْ كَذَلِك حَال الْأَحْيَاء فِي الشَّاهِد إِن تِلْكَ الْأَحْوَال تتعبهم وتؤلمهم أَو أَن يكون من الْموَات
стр. 144
فَيكون بتدبير غَيرهَا كَانَ الَّذِي كَانَ على مَا ذكر من قصَّة الديباج على أَنه يعلم أَنه لَو قدر على ذَلِك بِلَا اتعاب نَفسه لاختاره عَلَيْهِ ليعلم أَن كل ذَلِك بتدبير حَكِيم عليم غنى اسْتعْمل جَمِيع مَا ذكر فِيمَا ذكر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبعد فَإِنَّهُ لَو جَازَ القَوْل فِي عالمنا إِنَّه بتدبير من ذكر لجَاز مثله فِيمَن ذكر أَنه كَانَ بتدبير من يعلوه كَذَلِك إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَفِي ذَلِك بطلَان قَوْلهم فِي تَدْبِير النُّجُوم أَو يرجع إِلَى نِهَايَة وَفِي ذَلِك فَسَاد قَوْلهم فِي رفع النِّهَايَة عَن الْأَشْيَاء وَإِيجَاب القَوْل بِوَاحِد إِلَيْهِ يرجع تَدْبِير جَمِيع مَا ذكر وَهُوَ الْعَالم بعواقب الْأُمُور الْمُقدر فِي كل مَا إِلَيْهِ ينتهى على أَن هَؤُلَاءِ قد أقرُّوا بقَوْلهمْ أَن لَيْسَ لَهُم قَول لأَنهم زَعَمُوا أَن لَا اخْتِيَار لَهُم لكِنهمْ مضطرون فِيمَا يَقُولُونَ وَكَذَلِكَ خصومهم فِيمَا يكذبونهم فَيكون ذَلِك التكاذب والتناقض من هَذَا الْمُدبر وَمن ذَلِك تَدْبيره فَهُوَ الْمُفْسد وَمن ذَلِك قدر قَوْله فَهُوَ لم يقل عِنْد نَفسه وَفِي ذَلِك وَجْهَان أَحدهمَا سُقُوط قَوْله فَيبقى قَول الْمُوَحِّدين وَالثَّانِي إِنْكَاره العيان والإختيار الَّذِي يُعلمهُ كل أحد وكل عَاقل وَمن أنكر العيان الَّذِي يُحِيط بِهِ حسه ثمَّ يدعى غَائِبا لَا يبلغهُ حسه بِالَّذِي أنكر مِمَّا أدْركهُ حسه فَهُوَ بِحَمْد الله مكفى المؤونة حقيق الهجر وَبِاللَّهِ المعونة
وَلَو كَانَت الْأَحْوَال مدفوعة إِلَيْهَا لما ترك أحد الْأكل وَالشرب لخوف وَلما أقدم عَلَيْهَا لشَهْوَة وَلما أصَاب لشَيْء من ذَلِك لَذَّة وكل ذَلِك مَوْجُود فِيمَا عَلَيْهِ الطباع حَتَّى كَانَ فِيمَن عظم من ذَلِك أقل مِنْهُ فِيمَن صغر وَلَو كَانَ بالطبيعة أَو اتِّصَال بالنجوم يجب أَن يكون على كل قلب بِهِ
وَبعد فَإِن خُرُوج الْأَفْعَال الْمُخْتَلفَة وَأَحْوَالهَا محَال وجودهَا من ذِي طبع كالتبريد والتسخين وَالشَّر وَالْخَيْر فَثَبت أَن لَيْسَ أصل شَيْء مِنْهُ بِذِي طبع وَلَكِن بعليم حَكِيم جعل كل شَيْء على ذَلِك بالخلقة والوجود وَلَو كَانَت الْأَفْعَال بِالدفع لم يُمكن الْفَاعِل الإمتناع كالمدفوع فِي قَفاهُ وَالَّذِي يهوى من فَوق بَيت
стр. 145
والموثوق بالحبال وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَفِي الْوُجُود إِن المفلوج يعلم أَنه لَا يمْتَنع عَمَّا تلى وَكَذَلِكَ الْأَعْمَى وكل ذِي آلَة مؤوفه ثمَّ هُوَ يعلم ارْتِفَاع تِلْكَ الْآفَات والتمكين من الْخلاف لتِلْك الْأَحْوَال ثَبت أَن القَوْل بِالضَّرُورَةِ فِي الْجُمْلَة كذب
وَزعم صنف أَن طِينَة الْعَالم كَانَت قديمَة سميت هيولي مَعهَا قُوَّة لم تزل بصفتها وَلَا طول لَهَا وَلَا عرض وَلَا عمق وَلَا وزن وَلَا مساحة وَلَا لون وَلَا طعم وَلَا رَائِحَة وَلَا لين وَلَا خشونة وَلَا حر وَلَا برد وَلَا بلة وَلَا حَرَكَة وَلَا سُكُون وَلَا شَيْء مَعهَا فِي أوليتها من الْأَعْرَاض سميت إِذْ ذَاك هيولي وقلبت الهيولي الْقُوَّة بطباع مِنْهَا لَا بِاخْتِيَار فَحدثت هَذِه الْأَعْرَاض فَسمى جوهرا وَهُوَ جَوْهَر وَاحِد وَهُوَ جَوْهَر الْعَالم والإفتراق والإتفاق إِنَّمَا جَاءَ من قبل الْأَعْرَاض والأعراض لَا تُوصَف بالإختلاف والإتفاق لِأَنَّهُمَا لَا يكونَانِ إِلَّا بِغَيْرِهِمَا وَالْعرض لَا يقوم بِالْعرضِ وَإِنَّمَا يقوم بالجوهر فَاخْتلف بِهِ الْجَوْهَر وَاتفقَ
وَذكر أرسطاطاليس وَهُوَ صَاحب هَذَا القَوْل فِي كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ الْمنطق عشرَة أَبْوَاب بَاب الْعين كَقَوْلِك إِنْسَان سميت عينه وَبَاب الْمَكَان كَقَوْلِك أَيْن وَالصّفة بِقَوْلِك كَيفَ وَالْوَقْت مَتى وَالْعدَد ب كم والمضاف مِمَّا فِي ذكر الْوَاحِد ذكر الآخر كَالْأَبِ وَالْعَبْد وَالشَّرِيك وَنَحْوه وَذُو كَقَوْلِك ذُو شرف وَذُو أهل وَنَحْو ذَلِك سموهُ بَاب الْجدّة والنصبة كالقيام وَالْقعُود وَالْفَاعِل كَقَوْلِك أكل وَنَحْوه وَالْمَفْعُول كَقَوْلِك مَأْكُول لَا يقدر أحد أَن يذكر مَا يخرج عَن جملَة ذَلِك وَزَعَمُوا فِي الْقُوَّة إِنَّهَا جاهلة تفعل بالطباع وَلَيْسَ بالهيولي حَاجَة إِلَى الْأَعْرَاض
стр. 146
قَالَ الْفَقِيه ﵀ فَمن تَأمل مَا صَار هَؤُلَاءِ إِلَيْهِ علم أَنهم أُوتُوا ذَلِك لجهلهم نعم الله فعموا عَن سَبِيل الرشد فضلوا ثمَّ بعثتهم حيرة الضلال إِلَى الإستيناس بِمثل هَذَا الخيال الَّذِي لَا يصير عَلَيْهِ عقل وَلَا يستجلبه هوى وَالله الْمُسْتَعَان
وَلَوْلَا ذَلِك مَا الَّذِي كَانَ يعرفهُمْ أَن ابْتِدَاء الْعَالم مَا ذكر ثمَّ اسْمه الَّذِي وصف لَيْسَ فِيهِ ثمَّة مَا ذكر وَعَمله الَّذِي نعت لَيْسَ فِي جَوْهَر الْعَالم دَلِيله وَلَا فِي السّمع احْتِمَاله لكِنهمْ سمعُوا قَول أهل التَّوْحِيد فِي وصف الله بِالَّذِي وصفوا بِهِ الهيولي عِنْدهم وَلم ينْظرُوا فِيمَا ألزمهم القَوْل بِهِ فَرَجَعُوا فنقضوا مَا قد أثبتوه إِذْ صيروا الَّذِي لذاته خَارج عَن احْتِمَال الْأَعْرَاض مُمْتَنع عَن معنى الْجَوَاهِر جوهرا ثمَّ جوهرا ثمَّ جَوَاهِر ثمَّ صَار بِحَيْثُ لم يبْق من أوليته أثر وَمَا بقى مِمَّا انْتهى أَمر الْعَالم من الْقَدِيم والْحَدِيث إِلَّا الْجَوَاهِر والأعراض وَذهب الَّذِي لم يكن بِهَذَا الْوَصْف فَيكون فِي ذَلِك فنَاء الْعَالم بِنَفسِهِ واستحالة الْقَدِيم بِذَاتِهِ بأعراض قهرته وأفنته مِمَّا لَا قيام لَهَا بِنَفسِهَا وَيكون فِي ذَلِك القَوْل بِحَدَث جَمِيع الْعَالم الَّذِي دفعهم عَظِيم هَذَا القَوْل إِلَى ذَلِك الخيال إِذْ كل مَا هُوَ مَأْخُوذ إِنَّمَا هُوَ عرض وجوهر وَلم يكن الأول ثمَّ يبطل قَوْله إِذا سمى نَفسه حكيما ألزم غَيره الصدود عَن رَأْيه وَاتِّبَاع هَوَاهُ بعد قَوْله إِن الأَصْل الَّذِي مِنْهُ كَانَ جَاهِلا سَفِيها وَأَن الْأَعْرَاض هِيَ أغيار ولدتها الْقُوَّة السقيمة الَّتِي لَا حِكْمَة فِيهَا وَلَا علم لَدَيْهَا وَهُوَ أحد أبنائها الَّذِي لم ينل شَيْئا إِلَّا بهَا فَمن أَيْن قدم نَفسه عَلَيْهَا وَإِذا جَازَ كَذَلِك من غير أصل لَهُ بِهِ صَار كَذَلِك فَلْيقل فِي جَمِيع الْعَالم بِمثل الَّذِي قَالَ بِنَفسِهِ ثمَّ لَا يَخْلُو الْقُوَّة الَّتِي هِيَ قلبت الهيولي من أَن يكون لَهَا سُلْطَان عَلَيْهَا بِمَائِهَا قلبتها فَلْيقل هُوَ فِي الله سُبْحَانَهُ أنشأ الهيولي أَو مَا شَاءَ على وَجه
стр. 147
فَيقبل التقليب وَيقوم بِهِ التَّرْكِيب ثمَّ ليسم بِمَا شَاءَ هُوَ على فنَاء مَا قلبه فَإِذا بَطل الأَصْل الَّذِي بِهِ الْعَالم وَهلك مَعَ الإحالة أَن يهْلك الْقَائِم بِذَاتِهِ ليَكُون بهلاكه انقلاب غير وقيامه مَعَ مَا يكون فِي الهيولي تلفهَا فَتَصِير هِيَ بِلَا قُوَّة التقليب فَيكون فِي ذَلِك إبِْطَال الْعَالم وتقلبه من حَال إِلَى حَال دَائِما فَدلَّ وجوده على فَسَاد هَذَا الأَصْل مَعَ مَا فِي الشَّاهِد أَن لَا يُوجد شَيْء يصير بِحَيْثُ يصلح لشَيْء لم يكن يصلح إِلَّا بِحَكِيم يَجعله كَذَلِك فَثَبت أَن ابْتِدَاء الْعَالم إِن صلح أَن يحْتَمل كَون هَذِه الْجَوَاهِر والأعراض كَانَ كَذَلِك كل على جعله كَذَلِك
وَبعد فَإِن الْقُوَّة إِذْ هِيَ قلبته بالطبع فَهِيَ غير مُفَارقَة عَنهُ فَمَا بالها خلت عَن عَملهَا فِي الْقدَم وَذُو الطَّبْع لَا يَخْلُو عَن عمله فِي الشَّاهِد على أَن الْأَعْرَاض الَّتِي أحدثت إِمَّا أَن كَانَت فِي الهيولي فَيبْطل قَوْله كَانَت خَالِيَة عَنْهَا حَتَّى حدثت أَو لم يكن فَحدثت من غير شَيْء إِذْ وصف الْقُوَّة بِمَا وصف بِهِ الهيولي وَلم يكن فِيهِ أَعْرَاض فَثَبت أَيْضا كَونهَا لَا عَن شَيْء وَهَذَا الْمَعْنى ألزمهم بالْقَوْل الَّذِي قَالُوا فَبَطل بِحَمْد الله
على أَنه أمكن الْقلب عَلَيْهِم فِي كل مَا قَالُوا للقوة أَن يَجْعَل ذَلِك للهيولي فِي الْقُوَّة على أَنَّهَا لَا تَخْلُو من غير أَن يكون غير الهيولي فهما إثنان وَزعم أَن الْكمّ من بَاب الْعدَد فَلم يكن ثمَّة حدث وَقد أوجب هُنَالك أَو هِيَ هيولي فَيبْطل قَوْله هِيَ مَعَ الهيولي أَو هِيَ الَّتِي قلبت الهيولي وَكَأَنَّهَا قلبت نَفسهَا لَا الهيولي مَعَ مَا زعم أَن تِلْكَ الْأَعْرَاض اعترضت فِي الهيولي فحركته وسكنته ودفعته وخفضته من غير أَن كَانَ ثمَّة غير إِلَيْهِ تتحرك أَو فِيهِ يسكن أَو إِلَيْهِ يرْتَفع وينحط وَوُجُود أَمْثَال فَاسد فِيمَا عَنهُ تولده فَهِيَ فِي أَصله أَشد فَسَادًا
وَزعم مُحَمَّد بن شبيب أَنه يُسمى الْقُوَّة حَرَكَة وَفِي رِوَايَته أَنَّهَا لَا تُوصَف
стр. 148
بِمَا لَا تُوصَف بِهِ الهيولي وَقد ذكر عَنْهُم الآراء فِي الهيولي فَلَا أَدْرِي أيصح ذَا أَو لَا إِلَّا أَن سمى الْقُوَّة حَرَكَة وَهِي فِيهِ فَيبْطل قَوْله إِن الهيولي لَا يُوصف بحركة إِذْ قد وَصفه بهَا
ثمَّ لَا يَخْلُو من أَن يكون مماسة لَهُ أَو مباينة عَنهُ وَأيهمَا قَالَ فِيهِ إِثْبَات الجسمية والعرضية إِذْ الْبَيْنُونَة والمماسة غر الَّذِي يماس ويباين
ثمَّ قَول هَؤُلَاءِ أَن حدثت الْجَوَاهِر من حركات الأَصْل وَكَذَلِكَ قَول المنجمة وَمَعْلُوم وجود جَوَاهِر من علو وسفل من كل جَانب على إِحَالَة تِلْكَ الحركات الْمُخْتَلفَة فَثَبت أَن ذَا بَاطِل
وَبِهَذَا الْفَصْل ناقضهم النظام إِنَّه إِذا كَانَ بقلب الْقُوَّة الهيولي سَبَب حُدُوث الْأَعْرَاض ثمَّ هِيَ تخْتَلف كاللون والطعم وَالْحر واللين وَنَحْو ذَلِك فَيحدث ذَلِك كُله فِي وَقت وَاحِد وبحركة إِنَّمَا هِيَ تكون من جِهَة وَاحِدَة
فَقيل تكون من جِهَات فَزعم أَن أَكْثَرهَا سِتَّة وَقد يحدث الشَّرّ من اثنى عشر من تِلْكَ الْأَعْرَاض فَثَبت أَن ذَلِك لتقليب الْقُوَّة على أَن التقليب يكون من جِهَة والأعراض تكْثر ثَبت أَن ذَلِك لَيْسَ بِمَا ذكر
وعارضهم مُحَمَّد بن شبيب بِمَا الهيولي قبل حُدُوث الْأَعْرَاض لَيست بطويلة والأعراض لَيست بطويلة فَكيف صَارَت عِنْد الْوُجُود طَوِيلَة وَكَذَلِكَ الْعرض وَلَو جَازَ ذَا لجَاز أَن يجمع بَين مَا لَيْسَ يَخْلُو وَمَا لَا يَخْلُو فَيصير خلو وَمثله فِي جَمِيع الْأَعْرَاض كلا سَواد وَلَا سَواد
стр. 149
فَأجَاب عَنْهُم بالنورة والزرنيخ أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا على الإنفراد لَا يحرق وَعند الإجتماع يحرق فَيُقَال مَا يبعد أَن يكون أَحدهمَا يحرق لَكِن فِيهِ مَا يمْنَع عَن الإحراق وَفِي الآخر مَا يمْنَع هَذَا الْمَانِع عَن الْمَانِع فيحرق لَا أَن لم يكن فِيهِ إحراق أَو كِلَاهُمَا كَانَا كَذَلِك وَأمر الْأَعْرَاض عنْدك على مَا ذكرنَا ومحال حُلُول الْمَانِع فِيهِ لَو كَانَ طَويلا أَو سوادا وَكَذَا فِي الهيولي لذَلِك اخْتلفَا
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَالْأَصْل فِي هَذَا عندنَا وَفِيمَا ذكر من النُّجُوم والطبائع أَن لَا يَخْلُو من أَن يرجع فِي ذَلِك إِلَى السّمع وَفِيهِمْ سَماع أهل التَّوْحِيد أثبت لما مَعَهم براهين الصدْق أَو يسْتَدلّ بالحاضر الْمَوْجُود على الْغَائِب فَإِن كَانَ هَذَا طَرِيقه فَيجب إِذْ الْمَوْجُود على حَال وبالوجود اعْتِبَاره أَن يكون الَّذِي بِهِ وجد بِهَذِهِ الصّفة فَيبْطل قَوْلهم فِي حُدُوث الْعَالم بالإمتزاج وبتحرك النُّجُوم وتقليب الْقُوَّة الهيولي والهيولي وَالْقُوَّة جَمِيعًا وَإِن كَانَ على اعْتِبَار معَان فِي الْمَوْجُود يدل عَلَيْهِ فَإِن الأَصْل أَن كل ذِي طبع لَا يتَغَيَّر عَمَّا عَلَيْهِ إِلَى خلاف إِلَّا بمغير حَكِيم أَو سَفِيه لَكِن يظْهر أَمرهمَا بالعواقب فَمثله الأَصْل الَّذِي أشاروا إِلَيْهِ إِنَّه لَا يصير على غير تِلْكَ الْحَال مِمَّا يصلح عواقبه إِلَّا بِحَكِيم إِذْ هِيَ كَذَلِك وَذَلِكَ يبطل أصلهم وَيثبت أَن الأَصْل احْتمل مَا احْتمل يَجْعَل غَيره كَذَلِك وَفِي ذَلِك حَدثهُ بمحدث حَكِيم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَأَيْضًا أَن الْمَعْلُوم فِيمَا كَانَ طبعه الإحراق أَنه لَا يحرق إِلَّا المطبوع لاحْتِمَال الإحتراق وَكَذَا التسويد وكل حَال وجوهر ثمَّ لَيْسَ فِي طبع الْمُحْتَمل الرّفْع إِلَى الْقَابِل فِيهِ بالطبع وَلَا فِي طبع المحرق أَن يصير إِلَى من يحْتَمل ذَلِك وَمن أَرَادَ فِي الشَّاهِد ذَلِك لَا يتهيأ لَهُ دون الْعلم بالوجود وَالْجمع بَينهمَا فعلى ذَلِك أَمر ذَلِك الْغَائِب فَيبْطل الَّذِي راموا إثْبَاته وَيصير هُوَ بِمَعْنى مَا هم فِيهِ وَالله الْمُوفق
مَعَ مَا إِذا كَانَ جَمِيع تِلْكَ الْأُصُول الَّتِي قالوها هِيَ موَات لَا تَدْبِير لَهُنَّ
стр. 150
ويعملن بالطبع لَا اخْتِيَار لَهُنَّ لم يجز أَن يكون فِيمَا مِنْهُ وجود بِهِ يحيى عَالما سميعا بَصيرًا قَادِرًا حَيا مَيتا مُحْتملا لجهات ذَلِك خَارِجا من احْتِمَال ذَلِك ثَبت كَون ذَلِك كُله بالمكون الْعَلِيم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مَسْأَلَة أقاويل السمنية من الدهرية وَبَيَان فَسَادهَا
وَقَالَت السمنية من الدهرية مَعَ موافقتهم فِي حُدُوث الْأَشْيَاء فِي الْأَزَل إِن الأَرْض لَا تزَال تهوى سفلا بِمن عَلَيْهَا
فَسَأَلَهُمْ عَن ذَلِك النظام فاحتجوا بثقلها والثقيل لَا يُقَاوم الْهَوَاء وَلَا يقوم فِي الجو فعارضهم بِسُرْعَة انحدار الْحجر بثقله إِذا أرسل مَعَ الريشة ثمَّ كَانَت الأَرْض مِنْهُمَا أثقل وَقد أَدْركَاهَا ثمَّ عارضهم بِمَا رَأَوْا الرّيح تحمل الشَّيْء فتصعد بِهِ فِي الْعُلُوّ دون الجوانب فَمَا يدريكم لَو كَانَت تَحت الأَرْض فتحملها بقوتها فَكيف حكمتم بِأَن يهوى دون أَن يصعد ويرتفع وَقد رَأَيْتُمْ مثله وَقطع الْكَلَام على هَذَا وَإِذا كَانَ ذَا حَاصِل المناظرة فَمَا أشبههَا بالملاعبة بل الأَصْل إِذْ كُنَّا نعاين السَّمَاء مُنْذُ عاينها على حَالَة وَاحِدَة وعاينا الأَرْض على ثقلهَا وعَلى مَا كَانَ كل جُزْء من أجوائها لَو أرسل من أَعلَى مَوضِع يبلغهُ الْوَهم لَكَانَ يلْحقهَا دلّ أَن الأَرْض إِذْ قرت على حَال وَكَذَلِكَ السَّمَاء وهما فِي طبيعتهما بطبع الثّقل وَأَن لَا قَرَار لَهما فِي الْهَوَاء ثَبت أَن قرارهما بقوى حَكِيم وَأَنه منشئهما على مَا لَا يُدْرِكهُ الأوهام وَلَا يبلغهُ الْعُقُول وَفِي ذَلِك بطلَان الدَّهْر وفروعه
مَعَ مَا كَانَت مناظرة هَؤُلَاءِ عَبَثا أَو طريقها الْبَحْث عَن الْأُمُور الْخفية لتنجلى وَعَن الْوُقُوف على حُدُود الْحِكْمَة وهم جعلُوا الْعَالم على مَا عَلَيْهِ من
стр. 151
الإختلاف والإتفاق وإختلاف الْجَوَاهِر والأعراض قائمات بالطباع مولدات عَن حركات أَشْيَاء أَو مشوبات بِمَا لَا تَدْبِير لَهَا وَلَا علم وَلَا على حِكْمَة تقدر وَيكون الْبشر أحد هَؤُلَاءِ فمحال أَن يكون عِنْدهم علم أَو حِكْمَة إِلَّا أَن يثبت لغير الَّذِي مِنْهُ الْعَالم فيهم تَدْبِير وَفِي خُرُوج أَعلَى جَوَاهِر الْعَالم عَن طبع مَا بِهِ الْعَالم دَلِيل كَون ذَلِك أَيْضا بِهِ على مَا شَاءَ إنْشَاء خلقه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مَسْأَلَة أقاويل السوفسطائية وَبَيَان فَسَادهَا
قَالَ الشَّيْخ ﵀ قَالَت السوفسطائية لما وجدنَا الْإِنْسَان يعلم شَيْئا ثمَّ يبطل ويجد لَذَّة ثمَّ يَزُول وَيهْلك هوَام الْبر فِي الْبَحْر وَالْبَحْر وَالْبر ويبصر الخفاش بِاللَّيْلِ ويغشى بِالنَّهَارِ ثَبت أَن لَا يَصح علم وَإِنَّمَا هُوَ اعْتِقَاد لَا غير وَإِن اخْتلف عَن إعتقاد غَيره
فَسَأَلَ ابْن شبيب فَقَالَ قَوْلكُم لَا علم بِعلم قُلْتُمْ فقد أثبتم أَو لَا بِعلم لم يكن لكم الدُّعَاء إِلَيْهِ مَعَ مَا علمْتُم أَنكُمْ قُلْتُمْ بِغَيْر علم فَإِن قَالُوا بِالْعلمِ أثبتوا الْعلم وَإِن قَالُوا بِالثَّانِي ألزموا السكت وَذَا مجْرى الْبَاب
قَالَ الشَّيْخ ﵀ ومناظرة من يَقُول بِهَذَا الْكَلَام لَا معنى لَهَا لِأَنَّهُ يحصل على أَنه اعْتِقَاد لَا علم فَكل شَيْء يَقُول عِنْد المناظرة فَهُوَ ذَلِك وَإِنَّمَا يناظر مثل من ينفى الْحَقَائِق حَتَّى يرد قَوْله محققا وَكَذَلِكَ بِدَعْوَاهُ وَأما من يَقُول لَيْسَ غير الإعتقاد فَهُوَ أَي شَيْء يَقُول فَإِنَّمَا هُوَ ذَلِك وَإِنَّمَا يُقَابل بِالضَّرْبِ المؤلم وَالْقطع ويعتقد مَا يَعْتَقِدهُ هُوَ فينكر عَلَيْهِ بضده أَو بقوله إِنِّي أعتقد إنكارك إِقْرَارا حَتَّى يَدْفَعهُ الضَّرُورَة إِلَى الْإِقْرَار بِمَا أنكر
стр. 152
مَعَ مَا أَنه اعْتِقَاد لَا غير وَفِي ذَلِك إِثْبَات الإعتقاد فَيبْطل قَوْله بنفى الْعلم بإثباته الإعتقاد وَالله الْمُوفق
مَعَ مَا عَارض بأَشْيَاء ظهر لَهُ خِلَافه وَلَو لم يكن علم الْبَتَّةَ بَطل مَا بِهِ يدْفع من ظُهُور الْخلاف وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَسَأَلَ مُحَمَّد بن شبيب نَفسه بِمَا يرى الشَّيْء الْوَاحِد شَيْئَيْنِ وَآخر يرى شَيْئا وَاحِدًا فَأَيّهمَا الْحق فَزعم أَن الأول حَسبه كَذَلِك لنظره يبصره من جِهَته يرى بِكُل عين غير الْجِهَة الَّتِي يرى بِالْآخرِ دَلِيله أَنه لَو أَعور لَا يرى
قَالَ الْفَقِيه ﵀ وَالْأَصْل فِي هَذَا وَنَحْوه أَن علم الْحس يخْتَلف بإختلاف أَحْوَال الْحس يعلم ذُو الْحَواس مَا بِهِ من الآفة فَيعلم بِأَن الآفة حجاب فبالحاسة يعلم خلاف الْحَقِيقَة عِنْد الآفة وَحَقِيقَته ممتد ارتفاعها وَذَلِكَ يكون فِي الَّذِي وَقعت عَلَيْهِ الحاسة من لطافة أَو بعد أَو ستر الجو بِمَا يَغْشَاهُ وَمرَّة يكون فِي الْبَصَر وعَلى ذَلِك شَأْن كل حاسة وَذَلِكَ كُله مَعْلُوم بالحواس فَلَا نقيض عَلَيْهِ مَعَ مَا أَنه على هَذَا القَوْل يبطل القَوْل بِالْخِلَافِ وَبِه يحْتَج أَو يثبت فَيبْطل قَوْله بنفى الْحَقِيقَة إِذْ ثَبت الإختلاف وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَيعلم الَّذِي يذكر بِالْقربِ مِنْهُ أَو بِالزِّيَادَةِ من الضَّوْء ليعلم حَقِيقَته إِن ضعف بَصَره عَن إِدْرَاكه بالآفة فَفِي مثل هَذِه الْأَحْوَال يظْهر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وجوابنا فِي صَاحب الصَّفْرَاء الَّذِي يجد الْعَسَل مرا هَذَا مَعَ مَا يعلم هُوَ من نَفسه الآفة فِيمَا يجد بِهِ الطّعْم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَ ابْن شبيب اخْتلف فِيهِ قَالَ قوم فِي الْعَسَل مرَارَة فَإِذا اتَّصل بِمَا فِي ذائقة فيقوى المرارة فيجده مرا وَقَالَ قوم إِن فِي ذائق صَاحب
стр. 153
الصَّفْرَاء مرَارَة الْمرة الصَّفْرَاء فَلَمَّا اتَّصَلت حلاوة الْعَسَل بالمرة الَّتِي فِي الذائق وتحركت فِي ذائقه وجد حسها كَذَلِك
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَالْأَصْل فِي هَذَا أَن الْإِنْسَان إِذا اشْتَمَل على حُدُود وجهات فَكل جِهَة مِنْهُ تقَابل جِهَة من الْمدْرك لَا يدْرك بِتِلْكَ الْجِهَة غير الْجِهَة الَّتِي قابلته فَإِذا اعترضت الآفة فِي جِهَته الَّتِي بهَا يدْرك مقابلها أَو غشى مقابلها شَيْء ستره فَيذْهب مِقْدَار ذَلِك من الْجِهَة ومقابلها فَيكون كالإدراك بِغَيْر الْجِهَة الَّتِي هِيَ لذَلِك النَّوْع من الْإِدْرَاك فَيكون الْأَحْوَال ثَلَاثَة بقلب الْجِهَة لَا يدْرك مِنْهُ شَيْئا الْبَتَّةَ وتقريرها مَعَ ارْتِفَاع السواتر كلهَا فيدرك بِهِ حَقِيقَة الْمدْرك أَو الإختلاط فعلى تفَاوت ذَلِك يتَفَاوَت الدَّرك وكل ذَلِك حق الْحس مَعْلُوم بالحس فَلم يرد فِي علم الْحس اخْتِلَاف الْبَتَّةَ فِي الْحَقِيقَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ تكلّف نوع مَا كلم النظام السمنية مِمَّا لَا يجدي نفعا فَزعم أَن الْحيتَان كَانَ الْغَلَبَة فِي طبائعها الرُّطُوبَة والبرودة فَإِذا صَارَت إِلَى الجدب وَالْغَالِب عَلَيْهِ الْحَرَارَة واليبوسة غلبتا على الرُّطُوبَة والندوة فأهلكا وَكَذَلِكَ كل متضادين من الطبائع إِذا غلب وَاحِد ضِدّه أهلكه وَكَذَلِكَ أَمر الطَّائِر فِي السَّمَاء وكلب المَاء فَإِنَّهُ أَشد اعتدالا من الْحُوت يعِيش فِي المَاء وَالْبر والخفاش فَإِن بَصَره مسترقة لَيست بالقوية يذهبه ضوء الشَّمْس نَحْو مَا يعشى الرجل إِذا نظر إِلَى عين الشَّمْس فَإِذا غَابَتْ الشَّمْس ذهب مَا أَضْعَف بَصَره فأبصر فَإِذا اشتدت الظلمَة لَا يبصر وَأما الْأسد فَهُوَ قوي الْبَصَر يبصر بِالنَّهَارِ وَأكْثر مَا يبصر غَيره وَكَذَلِكَ الْمَانِع لَهُ بِاللَّيْلِ أقل مِمَّا يمْنَع غَيره
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَذَلِكَ كُله عَبث بل القَوْل إِنَّه كَذَلِك
стр. 154
خلق وَبِهَذَا الطَّبْع جبل بعض الْجَوَاهِر يطير فِي السَّمَاء وَآخر يسبح فِي المَاء وَالثَّالِث يمشي على وَجه الأَرْض فتكلف الإعتلال لمثل هَذَا تحكم على رب الْعَالمين واعتلال بِمَا لم يُؤذن لَهُ وَلَا لَهُ بِهِ دَرك وَلَيْسَ ذَلِك من نوع مَا ضمن الشَّرْع فِيهِ من تَحْقِيق الْأَعْيَان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ عَارض نَفسه بِمَا يرى النَّائِم فَيخرج على مَا يرى فَلَعَلَّ أَمر الْيَقظَان على هَذَا أَو مَا يعلم ذَا من ذَا فَزعم أَن الَّذِي يفرق بَين الْأَمريْنِ أَنه يرى مَا لَا يَصح فِي الْعقل فِي حَال النّوم نَحْو أَن يرى نَفسه مَيتا وَالْمَيِّت لَا يعلم أَو يرى رَأسه ملقى فِي حجره وَمثله لَا يحْتَمل رُؤْيَة الْيَقظَان
فَإِن قيل كَيفَ يتَوَهَّم النَّائِم الْمحَال وَهُوَ لَا يثبت فِي الْوَهم
قيل عِنْد مَا يرى نَفسه فِي الْمَنَام لَا يعتقدها حَيَّة ميتَة وَذَلِكَ هُوَ الْمحَال وَكَذَلِكَ إِذا رأى رَأسه ملقى لَا يتوهمه فِي مكانين وَزعم أَن الْعلم بِصِحَّة مَا فِي الْيَقَظَة وَفَسَاد مَا فِي النّوم اكْتِسَاب دَلِيله مَا ذكرت قَالَ وَقد يرى فِي الْمَنَام مَا يَصح ذَلِك إِنَّمَا بِملك يرِيه أَو بِمَا ذَلِك فِي الأصحاء أَو بعض ذَلِك
قَالَ الْفَقِيه ﵀ وَالْأَصْل فِي هَذَا مَا فِي الأول إِن النَّائِم ذُو آفَة يعرفهَا بِمَا يعلم بِهِ يقظته وَذَلِكَ حق الْحس إِنَّه يرى فِي النّوم مُضْطَرّا وَفِي الْيَقَظَة لَا وَكَذَلِكَ يبْقى ألم مَا يضْرب فِي حَال الْيَقَظَة وَيعرف لَذَّة مَا بِهِ يغتذى وَلَيْسَ بَيْننَا وَبَين هَؤُلَاءِ فِي هَذِه الْأَحْوَال مَسْأَلَة إِنَّمَا بَيْننَا إِلْزَام حق الْيَقَظَة وتحقيقه بضرورة بِمَا ذكرنَا ثمَّ تغير ذَلِك إِنَّمَا ذَلِك للآفات الَّتِي تعترض وَجُمْلَته أَن الطبيعة أَو النُّجُوم أَو الأغذية لَا يحْتَمل أَن تولد ذَلِك وَلَا فِيهَا مَا يُوجب ذَلِك وَأَن لكل شَيْء من ذَلِك مضرَّة وَمَنْفَعَة وَمَا بِهِ الْغَلَبَة والإعتدال فَلَا يحْتَمل وجود مثله بالطبع وَلَا بِالنَّجْمِ من حَيْثُ خُرُوج ذَلِك على مَا فِيهِ من الْحِكْمَة والإتقان وَمَا يُوجِبهُ الطَّبْع لَا يحْتَمل ذَلِك وَقد مر بَيَان ذَلِك وَالله الْمُوفق
стр. 155
مَسْأَلَة فِي صفة أقاويل الثنوية
أَولا أقاويل المنانية وَبَيَان فَسَادهَا
قَالَ الشَّيْخ ﵀ زعمت المنانية أَن الْأَشْيَاء على مَا عَلَيْهِ من امتزاج النُّور والظلمة وَكَانَا متباينين النُّور فِي الْعُلُوّ لَا يتناهى فِي أَربع جِهَات شمال وجنوب وصبا ودبور والظلمة فِي السّفل كَذَلِك وَلها من جِهَة الإلتقاء تناه قبعت الظلمَة على النُّور فامتزجا فَكَانَ الْعَالم من امتزاجهما على قدر الإمتزاج وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا خَمْسَة أَجنَاس حمرَة وَبَيَاض وصفرة وَسَوَاد وخضرة فَكل شَيْء مِمَّا جَاءَ من هَذَا الْجِنْس من جَوْهَر النُّور فَهُوَ خير وَمَا كَانَ من جَوْهَر الظلمَة فَهُوَ شَرّ وَكَذَلِكَ لكل وَاحِد مِنْهُمَا حواس خمس سمع وبصر وذائق وحاسة الشم واللمس فَمَا أدْرك جَوْهَر النُّور بهَا فَهُوَ خير وَمَا أدْرك جَوْهَر الظلمَة فَهُوَ شَرّ وللنور روح وللظلمة روح وروح الظلمَة يُسمى همامة وَهِي حَيَّة فغلب الْعَالم ليحبس النُّور فِيهَا والنور لَيْسَ بحساس وَمَا كَانَ مِنْهُ يكون بالطبع وَيكون خيرا كُله والهامة حساسة وسيصير كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى حيزه ثمَّ وجد أَعلَى الْأَشْيَاء أصفاها وأسفلها أكدرها وَمن طبعهما الخفة والثقل وَأَمرهمَا على التنافر إِذْ الْخَفِيف يَعْلُو صعدا والثقيل ينحدر سفلا فيمر الدَّهْر إِذْ كَانَا كَذَلِك يتخلصان من وَجه التناهي كَمَا امتزجا
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَمن تَأمل القَوْل وجده كُله متناقضا من غير أَن يحْتَاج إِلَى تكلّف الدّلَالَة على إبِْطَال القَوْل سوى تَفْسِيره أول شَيْء بِهِ أَنه أَرَاك النِّهَايَة من الْوُجُوه وأثبتها من وَجه فَجعل المتناهي غير المتناهي إِذْ النِّهَايَة حد وَالْحَد قصر عَمَّا هُوَ أعظم مِنْهُ وَذَلِكَ تَدْبِير غَيره فِيهِ وَهُوَ دَلِيل حدث جَانب مِنْهُ وَذَلِكَ جُزْء وبعيد كَون كُلية الْأَجْزَاء المتناهية غير متناهية لِأَن ذَلِك الْمَعْنى يتَمَكَّن فِي كل جُزْء مِنْهَا يتَّصل على أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي الْوُجُوه الَّتِي لَا تتناهى إِمَّا أَن يكون الآخر فِيهَا فَيبْطل قَوْله امتزجا من جَانب بل كَانَا
стр. 156
إِلَّا من جَانب ثمَّ امتزجا وَإِن لم يكن زَالَ كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن الْأَوْجه الْأَرْبَعَة الَّتِي هِيَ للْآخر فَصَارَ من تِلْكَ الْوُجُوه متناهيا وَالله الْمُوفق
ثمَّ إِن كَانَ من طبع السُّفْلى التسفل والعلوى الْعُلُوّ وَذَلِكَ معنى التنافر وَإِلَيْهِ مرجع الْعَاقِبَة فَكيف صَار السُّفْلى يذهب صعدا وَذَلِكَ طبع العالي الصافي وَهُوَ معنى الْخَيْر فقد صَار من السُّفْلى الْأَمْرَانِ جَمِيعًا فَبَطل الْمَعْنى الَّذِي لَهُ لزم القَوْل بإثنين ثمَّ من العلوى النفار إِلَى العلوى وَلم يقم بوفاء ذَلِك وَلَا امْتنع بِهِ عَمَّا كَانَ بجوهر ينحدر حَتَّى ارْتَفع عَلَيْهِ وَخلق الْعَالم بحبسه فَكيف يطمعون أَن ينخلص من يدى الهمامة وَهِي مَعَ ذَلِك حساسة فعاله بالحيل أوثقته وقيدته وحبسته وَلَيْسَت لَهُ قُوَّة يتَخَلَّص بهَا وبطبعه لم يمْتَنع عِنْد التَّخْلِيَة فَكيف يتَخَلَّص بعد الوثاق إِلَّا أَن يَقُول تخلى الهمامة سَبيله فيجعلها فاعلة الْخَيْر
وَبعد فَإِن جَوْهَر الظلمَة إِن كَانَ هُوَ رأى النُّور وَهُوَ الَّذِي أيس النُّور ليحبسه فَهُوَ الْمَوْصُوف بِالْعلمِ والرؤية لَا الَّذِي لم يره ليتحصن مِنْهُ وَلم يعلم مَا بِهِ يتَخَلَّص من قهره فَإِذا الْعلم والرؤية والمقدرة والغنى والشرف كُله فِي جَوْهَر الظلمَة والقهر وَالْجهل وَالْعجز والذل والهوان فِي جَوْهَر النُّور فَإِن كَانَ ذَا كُله خيرا وَالْأول كُله شرا فَمَا أبصركم بِالْخَيرِ وَالشَّر
وَكَذَلِكَ عنْدكُمْ إِن النُّور فعله طباع والهمامة فعلهَا اخْتِيَار والعالم أنشأه الهمامة بَطل القَوْل بإثنين بل الْعَالم كُله فعل الْوَاحِد لكنه مزج أجزاءه بأجزاء الآخر وَلَو كَانَ الآخر بِمَا يفعل بِهِ وَفِيه يصير آخر لتَحْصِيل القَوْل بالإثنين لَكَانَ كل ذِي طبع هُوَ من بِهِ وَفِيه الْعَالم فَيصير القَوْل بِمَا لَا يُحْصى عدده ثمَّ إِذْ كَانَت
стр. 157
الظلمَة هِيَ الَّتِي بَغت على النُّور ثمَّ تخلص مِنْهَا فَأَما أَن يكون التَّخَلُّص مِنْهُ بالجوهر وَذَلِكَ محَال لِأَنَّهُ لم يمْتَنع مِنْهَا بِهِ مَعَ مَا يُوجب تخلص أَجْزَائِهِ من حبس الهمامة وَلَيْسَ فِيمَا علاهُ مَوضِع يسير إِلَيْهِ مَا انتزع مِنْهَا إِذْ غير هَذَا الْجَانِب غير متناه وَهُوَ التخليص يرجع إِلَى مَا لَا نِهَايَة فَلَا يجد لنَفسِهِ مَوضِع قَرَار فَلَا معنى للتخلص إِلَّا أَن يكون الظلمَة تَدْفَعهُ عَن نَفسهَا فَيكون دَفعه خيرا إِذْ كَانَ حَبسه شرا مَعَ مَا إِذا دفع أجزاءه وَمَا علا لَيْسَ إِلَّا أجزاؤه فَهُوَ يدْخل بعضه وَلذَلِك نِهَايَة لكنه كَانَ يحْبسهُ فِي جوهره ثمَّ قهر كُلية النُّور فَجعله سجنا لنَفسِهِ يحبس فِيهِ عدوه فَيصير عدوه بجوهره حَبِيسًا لنَفسِهِ
وَبعد فَإِن الظلمَة لَيْسَ لَهَا فِي غير وَجه الإمتزاج حد فَهُوَ الى مَاذَا يصير بالتخلص فَهُوَ يبين أَن لَا معنى للتخلص وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الشَّيْخ ﵀ ثمَّ الْعجب من قَوْلهم إِن الْخَيْر كُله فِي الْعَالم من جَوْهَر النُّور فَمن أَيْن يكون مِنْهُ الْخَيْر وَهُوَ المقهور الْمَحْبُوس وَالْفِعْل كُله من الآخر ليحبسه بِهِ فَلَيْسَ من النُّور غير الْبَقَاء فِي سجن الآخر ووثاقه فَمن يجنى مِنْهُ خير إِلَّا أَن يرى ذَلِك من سَائِر الْأَجْزَاء الَّتِي لم تَبْغِ عَلَيْهِ فَيلقى أجزاءه فِي حبس آخر وَذَلِكَ هُوَ الشَّرّ وأنى لملك الْخَيْر وَهُوَ كُله فِي الْخَلَاص وَهُوَ غير مَمْنُوع
ثمَّ التَّنَاقُض أَنهم جعلُوا التباين بالجوهر فمحال امتزاجهما وهما بالجوهر متباينين وَذَلِكَ قَائِم بِحَالهِ إِذْ هم يرَوْنَ الإمتزاج غيرا على أَنه يُقَال لَهُم الإمتزاج
стр. 158
أَلَيْسَ بعد أَن لم يكن لَا بُد من بلَى قيل أَكَانَ هُوَ النُّور أَو الظلمَة أَو غَيرهمَا فَإِن قَالَ بالأولين أحَال لِأَنَّهُ أثبت الإمتزاج والتباين لنَفسِهِ وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز وجودهما مَعًا وَهُوَ بَين وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ إثباتهم الْحَد من حَيْثُ الإلتقاء إِمَّا إِن كَانَا متماسين فِي الْأَزَل أَو غير متماسين فَإِن كَانَا متباينين قَالَ إِن تماسا حَدثا فَحدث الْجُزْء يُوجب الْكل بِحَق الإستدلال بِالشَّاهِدِ على الْغَائِب وَإِن كَانَا متماسين فَلَا بُد من أَن يزْدَاد أَحدهمَا حَتَّى يمتزج بِالْآخرِ أَو يحيد من الآخر حَتَّى يدْخل فِي نَفسه وَأيهمَا كَانَ فَفِيهِ زِيَادَة لم يكن أَو قطع وَإِدْخَال فِي جَوْهَر فَيبْطل القَوْل بِأَنَّهُ غير متناه لِأَنَّهُ إِذا لم يكن لأجزائه تناه لم يكن للْآخر فِيهِ تدَاخل ليمتزج بِهِ ثَبت أَنه متناه إِذا احْتمل الإمتزاج مَعَ الْبعد أَن تبقى الظلمَة مَعَ كثافتها على النُّور مَعَ رقته فيقتطع مِنْهَا إِذْ كل ممتلئ بِمَا يلطف من الْأَشْيَاء لَا يتَمَكَّن فِيهِ مَا يكثف وَلَو كَانَ ذَلِك من النُّور فقد اكْتسب الشَّرّ وَألقى نَفسه فِي الْحَبْس مَعَ ثبات الكيف جوهرا وَاحِدًا وَإِنَّمَا يحد اللطف المنفذ فِي الكثيف إِذا كَانَ من جَوَاهِر مُخْتَلفَة يبْقى بَينهَا الْفرج وَأما الَّذِي سَبيله مَا ذكر فَلَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَإِن سبقت بِمَا حدث من الإمتزاج بعد أَن لم يكن فإمَّا أَن كَانَ بِأَحَدِهِمَا أَو بهما وَفِيه احْتِمَال الْحُدُوث فَمثله الْكل أَو لَيْسَ بهما فَفِي ذَلِك تثبيت ثَالِث أَو لأنفسهما كَانَ فَلَزِمَ نفى التباين أَو تبقى الظلمَة بِنَفسِهَا فَلم يكن ذَلِك الْوَقْت بِأولى مِمَّا قبله وَإِذا لم يحدث فِي الجزئين اللَّذين لم يمتزجا شَيْء وَقد وجد لم لَا كَانَ كَذَلِك فِي الْكل
مَعَ مَا لَا يَخْلُو من الإفتراق إِذْ الإمتزاج أَن يكون بالطبع والطبائع لَا تنْقَلب فَيجب أَن يكون أبدا كَذَلِك وَأَطْنَبَ فِي نوع الطبائع لكنه روى أَن
стр. 159
الظلمَة فعاله بِاخْتِيَار فَالْقَوْل فِي الطباع على ذَلِك فَاسد وَأخْبر عَنْهُم تحرّك الظلمَة إِلَى أَن لقِيت النُّور فَدخلت عَلَيْهِ إِن قَالُوا أبدا مَا مر فِي كَلَام الدَّهْر وَإِن قَالُوا بالإبتداء لزم الْحَدث وَالله الْمُوفق
ثمَّ تَمام الْجَهْل فِي قَوْلهم يتخلصان بِمَا كَانَ من طبع الثقيل الإنحدار وطبع الْخَفِيف الإرتفاع ثمَّ فِي الإبتداء مَعَ هَذَا الطَّبْع قد امتزجا فلولا أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا على طبع الآخر فِي الثّقل والخفة مَا احْتمل الإمتزاج وَإِذا احْتمل دلّ أَن الطبعين كَانَا فِي كل وَاحِد وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَإِذا احْتمل الْوَاحِد الْأَمريْنِ احْتمل الْخَيْر وَالشَّر فَيبْطل الثَّانِي وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَن اللَّازِم إِذْ جعلوهما متضادين فِي الطبيعة أَن يجْعَلُوا أَحدهمَا شَأْنه الإمتزاج وَالْآخر الْبَيْنُونَة وَقد غلب أَحدهمَا أَن يكون على ذَلِك ثمَّ من قَوْلهم إنَّهُمَا إِذا تفَرقا لَا يمتزجان من بعد فَمَا أدراهم وَوجدنَا بِالْيَقِينِ لم يؤنس الإجتماع فَكيف وجود تفرق بِجهْد وَمَا يدريهم أَنهم أبدا على تفرق وإجتماع وَكَذَلِكَ فِي الْأَزَل فَيبْطل القَوْل بِالنورِ والظلمة
وَبعد فَإِن حكمهم هَذَا عَجِيب لأَنهم لَا يخبرون عَن أَحْوَال كَانَت وَيكون مَا عِنْدهم من جَوْهَر هذَيْن وَلم يكن لَهما علم من قبل بالإمتزاج وَلَا علم بكيفية الْفِرَاق وَالله الْمُوفق
ثمَّ يُطَالب على كل فصل مِمَّا قَالُوا من قطع النِّهَايَة وَمَا قَالُوا من ابْتِدَاء الْعَالم دون أَن يكون عَالم على أثر عَالم بِلَا نِهَايَة وَكَذَلِكَ يكون بِالدَّلِيلِ وَكَذَلِكَ
стр. 160
الإمتزاج والإنفصال ليعلموا تعنتهم وَيُقَال لم يعاينوا شَيْئا ممتزج من خير وَشر وَلم يرد لكم خبر يحْتَمل الصدْق فَإِن قَالَ علمنَا بالأدلة أَن شَأْن الْأَشْيَاء التَّفَرُّق وكل شَيْء يرجع إِلَى أصل جوهره
قَالَ الشَّيْخ ﵀ يُقَال بل شَأْنهمْ الإجتماع فمنتهى كل على أصل جوهره وَإِذا كَانَ وَقع هَذَا قد اجْتمع فَاجْعَلْ ذَلِك أبدا كَذَلِك وَيُقَال إِذْ التَّفَرُّق تبدد والإجتماع تَأَكد وُقُوعه لم لَا كَانَ شَأْنهمْ الإجتماع وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَلَو جَازَ تثبيت مَا لَا شَاهد لَهُ فِي الشَّاهِد مَعَ كَونه من جوهره لجَاز القَوْل بِفعل الْحَواس على الْمَعْرُوف أَو الدَّرك باضداد مَا بِهِ الدَّرك وعورضوا بقَوْلهمْ لَا يكون من النُّور غير الْخَيْر وَلَا من الظلمَة غير الشَّرّ فَإِذا قتل رجل ثمَّ أقرّ فَإِن كَانَ الْمقر هُوَ الَّذِي قتل وَهُوَ صدق فقد عمل بِهِ الْخَيْر بعد الشَّرّ وَإِن كَانَ الْمقر هُوَ الَّذِي لم يقتل فَهُوَ كذب وَهُوَ شَرّ قد كَانَ مِنْهُ الْخَيْر وَهُوَ ترك الْقَتْل
وَكَذَلِكَ من قَوْلهم إِن كل حاسة لَا تدْرك مَا تُدْرِكهُ الْأُخْرَى ثمَّ فِيمَا سمع قَالَ سَمِعت أَو فِيمَا رأى قَالَ رَأَيْت وَمَا قَالَ بِهِ رَأَيْت وَسمعت غير الَّذِي بِهِ سمع وَرَأى وَذَلِكَ جَوَاب بِمَا لم يدْرك
وَسُئِلَ عَن سَواد الظلمَة إِذا زيد على سَواد النُّور وَهل زَاد فِي السوَاد شَيْئا فَإِن قَالُوا لَا صيروا مَا كثر هُوَ الَّذِي لم يكثر فَإِن قَالُوا ازْدَادَ قيل أهوَ النُّور أَو الظلمَة أَو غَيرهمَا فَإِن قَالَ بالأولين فازداد النُّور أَو الظلمَة وَذَلِكَ بعيد إِذْ يزْدَاد كل وَاحِد مِنْهُمَا بالجوهر الآخر وَإِن قَالَ غَيرهمَا أثبت للآمرين غيرا ثمَّ مَا يدريهم أَن لَيْسَ فِي النُّور أَو الظلمَة زِيَادَة على تِلْكَ الْأَجْنَاس الْخَمْسَة وهم لَا يعلمُونَ بِجَمِيعِ أَجزَاء الجنسين بِمَا لَا نِهَايَة لكل وَاحِد فَإِن ادّعى الإستدلال بِالشَّاهِدِ على الْغَائِب أبطل فوله بالتفرق وارتفاع النِّهَايَة لِأَنَّهُ لم يشْهد
стр. 161
ذَلِك فَإِن قَالَ علمنَا بالرسل قيل إِذْ كَانَ الرُّسُل من أَجزَاء النُّور والظلمة مَانِعَة فَمَا يدريكم أَن يكون الظلمَة منعت وسترت أغيارا فيهمَا غير الْخمس فَلم يعلم وَإِن زعم فِي الأول أَنه يدْرك بِكُل حاسة مَا يدْرك بغَيْرهَا فَبَطل قَوْلهم خمس حواس وَحصل على الْوَاحِد ثمَّ مَوْجُود الْعَجز مَعَ السّمع وَكَذَلِكَ سَائِر ذَلِك فَثَبت بِهِ الإختلاف ثمَّ عورض بحواس الظلمَة إِنَّهَا إِذا أدْركْت مَا أدْرك حواس النُّور وكل شَيْء على مَا هُوَ عَلَيْهِ كَيفَ صَار أحد الإدراكين خيرا وَالْآخر شرا ثمَّ عَارض بِالْعَفو عَن الذَّم إِنَّه فعل من فَإِن قَالَ فعل النُّور فَهُوَ نفع عدوه وَذَلِكَ شَرّ وَإِن كَانَت من الظلمَة فقد عَفا فَهُوَ خير وَالْأَصْل إِنَّا نجد فِي الشَّاهِد جَاهِلا يعلم ومخطئا ينْدَم وقائلا يرجع عَن قَوْله فَأَما إِن كَانَ الثَّانِي هُوَ الأول فَيثبت الفعلان المتضادات عَن وَاحِد وَمن غَيره فَثَبت كذب الْخَيْر بالوجوه الثَّلَاثَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
ثَانِيًا أقاويل الديصانية وَبَيَان فَسَادهَا
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَقَول الديصانية مثل قَول المنانية فِي الأَصْل لكِنهمْ قَالُوا النُّور بَيَاض كُله والظلمة سَواد كلهَا والنور حَيّ هُوَ الَّذِي مازج الظلمَة وَهِي ميتَة لما وجد من خشونتها فِي الْجِهَة الَّتِي تَلقاهُ فَأَرَادَ الممازجة ليدبر تدبيرا يلين وَقد يخشن اللين كَمَا يخشن الْحَدِيد عَن الْمِنْشَار إِذا نقل بعض عَن بعض بالمبرد فَإِذا ذهب الشق واستوت أجزاؤه لَان
стр. 162
وَقَالَ بَعضهم لَا بل تأذى بهَا فَدَفعهَا عَن نَفسه فمازجها كمن يبْلى بالوحل إِنَّه إِذا تكلّف الْخُرُوج يزْدَاد فِيهِ ولوجا وَالْحَرَكَة تكون من النُّور والسكون من ضِدّه إِذْ هما متضادان فأوجبوا أصلين نورا وظلمة وفرعين حَرَكَة النُّور وحسه وَسُكُون الظلمَة وَعدم الْحس من غير أَن يبينوا شَيْئا سوى النُّور والظلمة
قَالَ الْفَقِيه ﵀ ذكرنَا أقاويلهم لِتَعْلَمُوا مقت الله مِمَّن آثر عداوته وَعدل عَن طَاعَته وَلم يتفكر فِي خلقه بفكر خاضع لَهُ مستغيث بِهِ ليوفقه لدينِهِ وَيفتح عَلَيْهِ بَاب الْحق لَكِن مَال إِلَى الدُّنْيَا ركونا إِلَيْهَا ورغبة فِي شهوات نَفسه فَوكل إِلَى نَفسه وَلم يعصمه من عدوه إِذْ لم يتَضَرَّع إِلَيْهِ وَلَا رغب فِي غير الَّذِي مَال إِلَيْهِ وَبِاللَّهِ نستعين
وَالْأَصْل أَن الله يَجْعَل هَلَاك عَبده بِالَّذِي بِهِ يدعى جحوده ويعدل عَن طَاعَته خوفًا عَن أَمر يلْزمه بِأَن يهلكه بلزومه فِيمَا طمع الخلوص عَنهُ فَهَؤُلَاءِ لظنهم أَن الَّذِي يكون مِنْهُ الْخَيْر لَا يحْتَمل كَون الشَّرّ مِنْهُ صَارُوا إِلَى القَوْل بإثنين وبجعل أصل كل غير الَّذِي هُوَ أصل الآخر ثمَّ صيروا الَّذِي هُوَ أصل الْخَيْر عِنْدهم هُوَ النِّهَايَة فِي الشَّرّ وَالَّذِي هُوَ أصل الشَّرّ عِنْدهم هُوَ النِّهَايَة فِي الْخَيْر لِأَن هَؤُلَاءِ صيروا النُّور جَاهِلا بعواقب مَا إِلَيْهِ يصيير حَتَّى كَانَ على أحد الْقَوْلَيْنِ أَرَادَ دفع أَذَاهُ فبقى فِيهِ لَا يعلم أَنه لَا يقدر عَلَيْهِ وَلَا أَنه يبْقى فِي غَايَة مَا رام دَفعه وَلَا قدر على التَّخَلُّص إِذْ بلَى بِهِ وَالْأول صَار إِلَيْهِ ليلين خشونته وَيدْفَع أَذَاهُ جهلا مِنْهُ أَنه لَا يقدر عَلَيْهِ وعجزا أَن يتَخَلَّص عَنهُ وَكَذَلِكَ على قَول الماني إِن الظلمَة هِيَ الَّتِي بَغت على النُّور وألقته فِي حَبسهَا وأوثقته بوثاقها حَتَّى مأتاه وَعجز عَن النجَاة وبدوء كل خير وَنِهَايَة الْعلم والإحاطة بِكُل خير وَالْبُلُوغ إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فأزالوا الْأَمريْنِ جَمِيعًا عَن النُّور وحققوا للظلمة فصاروا إِلَى نقض جَمِيع مَا بنوا إِن الْخَيْر
стр. 163
١٦٥ - كُله لكل ذَلِك فصيروا النُّور خَارِجا عَن أعظم الْخَيْر وَالْآخر عَن أعظم الشَّرّ ثمَّ حققوا الْأَمريْنِ لوَاحِد وَله قَالُوا بالإثنين ليعلم هَلَاك كل فريق بِالَّذِي بِهِ ظن النجَاة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
مَعَ مَا لَو كَانَ لِذَيْنِك الْوَجْهَيْنِ يجب القَوْل بالإثنين ليجب القَوْل بالأربع نَحْو الطبائع إِذْ هِيَ متضادة كل يضر الْكل وَلَو كَانَ بِهَذَا يَقُول بالأربع ليجب القَوْل بالست بِمَا لَا يَخْلُو شَيْء قَائِم عَن جِهَات سِتّ وَذَلِكَ يُوجب القَوْل بالسابع لما كَانَ حَامِل تِلْكَ الْجِهَات لَا يُوصف بِجِهَة سابقها أَو بالخمس بِمَا كَانَ الَّذِي فِيهِ إجتماع تِلْكَ الطبائع هُوَ الْخَامِس لَا يُوصف بَحر وَلَا برد وَلَو كَانَ كَمَا تَقول الثنوية ليجب القَوْل بالثالث لما كَانَا وَلم يكن الْعَالم وَلَا خير وَلَا شَرّ ومحال كَون متبائن بِنَفسِهِ ممتزحا بِنَفسِهِ لَا يُوجب الِاجْتِمَاع والتناقض ثَبت كَون ذَلِك بغَيْرهَا وَبِه كَانَ كل خير وَشر فَيبْطل قَوْلهم من حَيْثُ راموا إثْبَاته
ثمَّ القَوْل بِالْوَاحِدِ لَا يضْطَر صَاحبه إِلَى القَوْل بآخر بِوَجْه وأصل ذَلِك أَن هَؤُلَاءِ قوم لم تبلغ عُقُولهمْ الْمبلغ الَّذِي يدْرك بِهِ حِكْمَة الربوبية فِي الْأَشْيَاء وظنوا أَن يكون الرب على صفتهمْ من الْحَاجَات والشهوات وَاحْتِمَال الْآفَات وشوائب العاهات فقدروا أَفعاله بِالَّذِي علمُوا الْحِكْمَة بِأَفْعَال أنفسهم وَلَو تأملوا مَا هم فِيهِ من الضرورات السواتر الْمَانِعَة عَن الْإِحَاطَة بالأشياء ثمَّ بمصالح أنفسهم الَّتِي فِي ذَلِك جلّ كدهم وجهدوا لعلموا أَن الْجَهْل هُوَ الَّذِي سدهم عَن إِدْرَاك الْحِكْمَة فِي ذَلِك وأحق النَّاس بِهَذَا هم إِذْ زَعَمُوا أَن الْعَالم إِنَّمَا هُوَ امتزاج النُّور والظلمة فَمَا من جُزْء من أَجزَاء النُّور إِلَّا وَهُوَ مشوب بِجُزْء من أَجزَاء الظلمَة والظلمة هِيَ الساترة ثمَّ هِيَ الْقَاهِرَة للنور فَمَا من خير يُرْجَى بدؤه مِنْهُ إِلَّا والظلمة تقهره وتستره عَن التجلى لأهل الْمَذْهَب فَأنى لَهُم وَالْعلم وَالْوُقُوف على طَرِيق الْحِكْمَة حَتَّى يدعونَ فِي الآخر دَعْوَى بشر
стр. 164
وَالْعجب أَن نورهم مَعَ قِيَامه بِنَفسِهِ وصفائه عَن شوائب الظلمَة لم يعلم مَا عَلَيْهِ الإمتزاج من الضنك والضيق وَمن الْجَهْل وَالْعجز ثمَّ يُرْجَى بِجُزْء مِنْهُ عِنْد خُرُوجه عَن جوهره ووقوعه فِي يدى عدوه أَنه يُطلقهُ على الْحِكْمَة الَّتِي لم يبلغهَا هُوَ عِنْد تَمَامه وأحق من لَا يدعى الْحِكْمَة وَلَا يناظر أَهلهَا وَلَا يشرع فِيهَا التنوى لِأَنَّهُ يرجع إِلَى جوهرين عِنْد نَفسه شَرّ وَخير وَكَذَا كل أحد عِنْده
وَأما إِن كَانَ الشَّرْع فِيهَا بجوهر النُّور وَكَذَلِكَ من يكلمهُ فِيهَا فهما عِنْدهم حكيمان لَا يخفى عَلَيْهِمَا شَيْء لَا معنى لكليهما وهما بأنفسهما ذَلِك أَو جَوْهَر الظلمَة ومحال احتمالهما الْحِكْمَة أَو أَحدهمَا جَوْهَر النُّور وَالْآخر هِيَ الظلمَة لَا يحْتَمل ذَا الْجَهْل وَلَا الآخر الْعلم فَيكون التَّكَلُّم عَبَثا لَا معنى لَهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الشَّيْخ ﵀ ثمَّ الأَصْل أَن من يفعل فعلا لَا ينْتَفع هُوَ بِهِ لهلاكه وفنائه أَنه عائب وَالله سُبْحَانَهُ لم يكن لينْتَفع بِمَا ينشئه لتعاليه عَن الْحَاجَات وغناه بِنَفسِهِ عَن غَيره فَيبْطل أَن يكون فعله لينْتَفع بِهِ هُوَ ثمَّ لَو كَانَ للهلاك لَا غير لَكَانَ لَا معنى لخلقه فَثَبت أَن خلق الْعَالم للعواقب ثمَّ خلق خلائق لم يَجْعَل عِنْدهَا تمييزا وَلَا إدراكا لعواقب الْأَمر ثَبت أَنه خلقهمْ لَا لأَنْفُسِهِمْ وَخلق خلقا يعْرفُونَ ذَلِك وَيطْلبُونَ بِجَمِيعِ صنيعهم نفع العواقب حَتَّى من خرج فعله عَن ذَلِك إِذْ هُوَ مُحْتَاج كل غير حَكِيم فِي فعله فلزمت محبتهم لِئَلَّا يضيع نعم المنشئ فيهم من الْعُقُول الَّتِي يدركون بهَا العواقب وَلِأَنَّهُم لَو تركُوا وتدبيرهم لم يَكُونُوا يرضون من أنفسهم التقلب فِيمَا لَا يُؤثر نفعا وَلَا يعقبه حمدا وَمن تعاطى مِنْهُم مثله فَهُوَ سَفِيه جَاهِل وَإِذا لزم مَا ذكرنَا لزم فِي الْحِكْمَة خلق الضار والنافع وَخلق الْجَوْهَر الْمُحْتَمل للألم واللذة وإنشاء الآلام والملاذ ليعلموا مَا يرغب إِلَيْهِ الْأَنْفس وَمَا تهرب مِنْهُ فيحذرون ويرغبون بِمثلِهِ فِيمَا امتحنوا بِهِ وليعلموا النَّفْع
стр. 165
من الضَّرَر الَّذِي لَوْلَا ذَلِك لم يكن لخلقهم معنى فخلقهم الله على مَا خلق من الإختلاف لهذين السببين ثمَّ بِلُطْفِهِ خلق كل جَوْهَر مُحْتملا للنفع وَالضَّرَر يحل بِهِ لغيره وأوصل مَنْفَعَة كل جَوْهَر بِغَيْرِهِ من الْجَوَاهِر الَّتِي فِيهَا المضار ليعلم الناظرون أَن مُدبر ذَلِك كُله وَاحِد وَأَنه لَو كَانَ من مُخْتَلف لتدافع الْخلق لِأَن جَوْهَر الْخَيْر إِذْ لَا يجِئ مِنْهُ غير الْخَيْر وَمن جَوْهَر الشَّرّ غير الشَّرّ لَكَانَ صنع كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي بعض صنع الآخر وإفساده مَا يقوم مَعَ مثله عَالم فَدلَّ الإتساق وَتعلق مَنَافِع بعض بِبَعْض على فَسَاد هَذَا على أَنا إِذا لم نقل بِأَن الْكل لوَاحِد لم يحْتَمل القَوْل منا لعدد إِذْ لم يقدر وَاحِد مِنْهُم على أَفْرَاد الَّذِي مِنْهُ باد يدل عَلَيْهِ وَلَا أعلم عَلَيْهِ علما يدل عَلَيْهِ لم يجب بِمثلِهِ حق الْمعرفَة بِهِ وَالْعلم بِحَالَة فَيفْسد الْعلم جَمِيعًا لجهل الأَصْل الَّذِي كل أَنْوَاع الْعلم وفروعه بِهِ
مَعَ مَا ينفع أحد الجوهرين يضر الآخر وَفِي ذَلِك يلاقى الضار النافع فَيبْطل بِهِ نفع الْبَتَّةَ لما مَعَه الْمَانِع عَنهُ وَفِي وجود الْعَالم وَمَا فِيهِ لكل مِنْهُم نفع هُوَ الدَّلِيل الْحق على أَن مُدبر ذَلِك كُله وَاحِد لحبس كل ضار عَن عمله من وَجه ضَرَره باللطف لتقبل مَا أَرَادَ من النَّفْع ليصل إِلَى من أَرَادَ نَفعه وَهَكَذَا هَذِه الْقِصَّة فِيمَن أَرَادَ ضَرَره وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مَعَ مَا أَنه مَعْلُوم أَن الْعُقُول لَيست تركب للْأَكْل وَالشرب مَا لَا عقل لَهُ فِي ذَلِك مَا لَهُ الْعقل وتعظيم مَحل قوم اتَّقوا الْأكل وَالشرب فِي الْقُلُوب وهم الْمَلَائِكَة فَثَبت أَنَّهَا خلقت للعبر وَالنَّظَر لما فِيهِ المحامد والمكارم وَإِذ كَانَ كَذَلِك لزم خلق مُخْتَلف الْجَوَاهِر فِي الْحِكْمَة ليَكُون بطرِيق الْعبْرَة تَاما وَحقّ النّظر وافرا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَنه مَعْلُوم فِي الشَّاهِد أَن من يعْمل الْأَمريْنِ جَمِيعًا هُوَ أتم بل لَا يقدر
стр. 166
أحد على إتقاء مَا يضرّهُ إِذا لم يُعلمهُ فعلى ذَلِك خلق الْأَمريْنِ فِي الْحِكْمَة أوجب وَأتم من خلق أَحدهمَا مَعَ مَا فِي ذَلِك من دلَالَة غنى الْفَاعِل وَتَمام قوته وَعلمه بِمَا يَلِيق بِكُل شَيْء أَن يكون عَلَيْهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَلَو لم يكن لما عَلَيْهِ أهل التَّوْحِيد سوى أَدِلَّة صدق الدعاة إِلَيْهِ والبراهين النيرة مَعَهم وهم الرُّسُل مِمَّا لَا يُوجد شَيْء من ذَلِك لأحد من منكرى الصَّانِع الْوَاحِد لَكَانَ ذَلِك كَافِيا فَكيف وَمَا من شَيْء إِلَّا وَهُوَ بجوهره يشْهد بحدثه وَأَنه حدث لمحدث حَكِيم لَوْلَا تعنت الْمُلْحِدِينَ بِمَا ادعوا من قدم الْأَعْيَان مِمَّا لَا سَبِيل لَهُم فِي الرُّجُوع إِلَيْهِ إِلَّا إِلَى تَقْلِيد من لَيْسَ مَعَه دَلِيل أَو جعله سفهه وَهُوَ عَجزه عَن الْوُقُوف على كَون شَيْء لَا عَن شَيْء دَلِيلا لَهُ وَلَا ريب أَن كلا مِنْهُم يعلم من نَفسه جهلا بأَشْيَاء ثمَّ الْعلم بهَا وعجزا عَن أَشْيَاء ثمَّ قدرته عَلَيْهَا وضرورة إِلَى أَشْيَاء ثمَّ غنى عَنْهَا فَحق من هَذَا وَصفه أَن لَا يَثِق بِرَأْيهِ وَلَا ينفع مَا يرى أَنه من إِشَارَة عقله
مَعَ مَا لَا يَخْلُو أَن من رد ذَلِك إِلَى الطبائع الَّتِي لَا تعقل مَا يُولد مِنْهَا وَبهَا وَكَذَلِكَ النُّجُوم أَو إِلَى عدد من الصانعين مِمَّا كَانَ بَدْء أَمرهم الْجَهْل والعمى أَو إِلَى تَقْلِيد أقاويل فِي قدم الْأَشْيَاء على ماهي عَلَيْهِ مِمَّا يتناقض ويتضاد فَأنى لَهُم الْعقل مَعَ هَذِه الْأُصُول المتجاهلة الَّذين هم فروعها أَو الْوُقُوف على حقائق الْأَشْيَاء حَتَّى يدعونَ فِي شَيْء من حِكْمَة أَو سفها وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَن الَّذِي دعى الثنوية إِلَى إِنْكَار شَيْء من لَا شَيْء خُرُوجه عَن التَّصَوُّر فِي الْعُقُول أَو تقديرهم فِي تعرف الْحِكْمَة فِي الْعقل مَا عاينوا بَينهم وَلَو علمُوا أَن القَوْل بمبادئ الْعَالم على مَا عِنْدهم فِي الْخُرُوج من التَّصَوُّر فِي الْوَهم مثل الَّذِي أَنْكَرُوا أَو خُرُوج مَا مَعَهم من الرّوح وَالْعقل والحواس أَو خُرُوج حكمهم عَن التَّصَوُّر فِي الْوَهم لما أَنْكَرُوا ثمَّ لَو علمُوا أَنهم شهدُوا فعل الضُّعَفَاء الْجُهَّال بِأَنْفسِهِم على مَا علمُوا بالْخبر أَنهم ثمَّ كَانُوا لعلموا أَن الْأَشْيَاء من غير شَيْء
стр. 167
أَحَق أَن تنْسب إِلَيْهِ من بِهِ جملَة الْعَالم ثمَّ لَو علمُوا غناهُ وَقدرته وتعاليه عَن صفة الْخلق لم تضق قُلُوبهم عِنْد قُصُورهَا عَن دَرك الْحِكْمَة فِي خلقه على الله نتوكل وَبِه نستعين
وَذكر جَعْفَر بن حَرْب أَنه سَأَلَ ثنويا عَمَّن قتل آخر ظلما ثمَّ اعتذر إِلَيْهِ وَأقر بالإساءة فألزمه أَن الثَّانِي خير وَلَو كَانَ من غَيره جَوْهَر الأول كَانَ كذبا من النُّور وَهُوَ شَرّ فَكتب ذَلِك إِلَى رَئِيس لَهُم فَكتب الرئيس مجيبا إِن ذَلِك كمن ينفح دَابَّته وَيعْتَذر هُوَ
فَقَالَ جَعْفَر إِنَّمَا ذَلِك توجع مِنْهُ وَلَو اعتذر فِي الْحَقِيقَة كَانَ جَاهِلا إِلَّا أَن يكون الإعتذار من تقريبه الدَّابَّة إِلَيْهِ
فَأسلم الرجل وَحقّ لَهُ أَن يسلم وَمَا ذكر ابْن حَرْب لَازم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الْمَسْأَلَة على قَول الْمُعْتَزلَة خطأ إِذْ من مَذْهَبهم أَن لَيْسَ فِي خلق الله شَرّ وَإِنَّمَا سمى شرا بالمجاز فَإِنَّمَا طَرِيق مناظرتهم الثنوية فِي إِزَالَة مَا ظنوه شرا أَن يكون شرا فَأَما أَن يسلمُوا الثنوية ويلزمهم القَوْل بالخالق الْوَاحِد من الْوَجْه الَّذِي يُوجد من غير الله تَعَالَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ويجعلونه على الصَّانِع فيجد القَوْل بنفى ذَلِك فَهُوَ محَال فَاسد لما فِيهِ تثبيت مَعْرفَته وتوحيده يخلق الشَّرّ وَالْخَيْر ثمَّ ينفى أَحدهمَا فِي الْحَقِيقَة رجعت إِلَى قَول الثنوية بِأَن الَّذِي مِنْهُ خلق الشَّرّ فِي الْحَقِيقَة غير الَّذِي مِنْهُ خلق الْخَيْر فَيلْزمهُ التَّوْحِيد بالتثنية وَوجه قَوْلهم فِي هَذَا أَنهم أَنْكَرُوا خلق أَفعَال الْعباد بِمَا فِيهَا السَّيِّئَات والمعاصي والشرور فعورضوا بِخلق الشرور
стр. 168
من الْجَوَاهِر وَأَنه لم يسم بِهِ شريرا وَلَا مسيئا وَلَا إِفْسَاد الْأَشْيَاء مُفْسِدا فَكَذَلِك فِي خلق أَفعَال الشَّرّ وَالْفساد لَا يُسمى بِهِ فَكَانَ من جوابهم أَن الْجَوَاهِر سميت شرا على الْمجَاز لَا على الْحَقِيقَة وَهِي فِي الْحَقِيقَة لَيست بِالشَّرِّ
وَأما عندنَا فَنحْن نقُول بِأَن الله ﷻ خَالق جَوْهَر الشَّرّ وَالْخَيْر وخالق فعل الْخلق شرا أَو خيرا وَلَا يجوز كَون شَيْء فِي سُلْطَانه لم يخلقه فَيكون لَهُ شريك فِي سُلْطَانه وعديل فِي خلق عالمه جلّ الله عَن ذَلِك وَتَعَالَى ونقول بِأَن خلق الْخلق لَيْسَ هُوَ ذَلِك الْخلق وَكَذَلِكَ فعله وَلَا يُوصف فعله بِالشَّرِّ وَالْخَيْر وَلَا يُوصف بِأَن فعله خير وَشر لِأَنَّهُ مَوْصُوف بِفِعْلِهِ وَلم يقل هُوَ خير وَلَا شرير وَمن فعله ذَلِك فِي الْحَقِيقَة فَهُوَ مُسَمّى بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَمَا يجب فِي الْحِكْمَة خلق الْجَوَاهِر المؤذية والمناظر القبيحة وَخلق الْآفَات فِي الْحَواس أَن الْبشر كلهم قد اعتقدوا شَيْئا غَابَ عَن حواسهم إِمَّا نفى أَو إِثْبَات مِنْهُم من دانوا وَمِنْهُم من تجاهل وَحصل على الشَّهَوَات فَإِذا لم يخلق فِيمَا يَقع على الْحَواس مَا ذكرنَا لم يعرفوا الْقبْح من الْحسن وَلَا المؤذى من النافع وَإِذا لم يعقلوا ذَلِك لم يحْتَمل عُقُولهمْ دَرك الْقَبِيح من الْحسن وَلَا المؤذى من الملذ فخلق كَذَلِك ليمثلوا بِمَا تقع عَلَيْهِ الْحَواس مَا لَا تقع عَلَيْهِ ليصير كل مُعْتَقد غَابَ عَن الْبَصَر على مَا عَلَيْهِ مَعْرُوفا بِمَا يُشَاهِدهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الَّذِي ينْقض على الثنوية على اخْتلَافهمْ اتَّفقُوا فِي جَمِيع مَا ينطقون بِهِ أَنهم بجوهر النُّور ينطقون وَبِه يَتَقَلَّبُونَ فَصَارَ كل الإختلاف بِهِ إِن صدقُوا وَإِن كذبُوا فَصَارَ كل الْكَذِب بِهِ وَإِن صدق بَعضهم وَكذب بعض فَثَبت مِمَّن هُوَ من جَوْهَر الظلمَة تَفْضِيل النُّور حَتَّى اخْتَار الإنتساب إِلَيْهِ دون الظلمَة وتفضيل ذِي الْفضل خير فِي شَهَادَة الْعُقُول يلْزم بطلَان القَوْل بِأَصْل هُوَ شَرّ لَا يجِئ مِنْهُ غَيره وَخير لَا يجِئ مِنْهُ غَيره وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 169
ثَالِثا أقاويل المرقيونية وَبَيَان فَسَادهَا
والمرقيونية قَالُوا بعلو النُّور وسفول الظلمَة وبمتوسط بَينهمَا لَيْسَ بِنور وَلَا ظلمَة وَهُوَ الْإِنْسَان الحساس الدراك وَالْإِنْسَان عِنْدهم حَيَاة فِي الْبدن وَأَن هَذِه الثَّلَاثَة كَانَت مُتَفَرِّقَة فامتزجت وَأَن كل جنس مِنْهَا يحاذى الَّذِي يَلِيهِ كمحاذاة الشَّمْس الظل نَحْو أَعلَى الْمُتَوَسّط يحاذى النُّور وأسفله الظلمَة والجوهران عِنْد الْأَوَّلين كَذَلِك فِي التحاذى
وَقَول الصابئين مثل قَول المنانية إِلَّا أَن بَينهمَا كَمَا زعم ابْن شبيب فرق قَلِيل لَا يحده والمنانية زعمت أَن النُّور يلقى الظلمَة من الشمَال ذَاهِبًا فِي مهب الْجنُوب والظلمة تَلقاهُ فِي مهب الْجنُوب ذَاهِبَة فِي مهب الشمَال وَكَانَا متلاقيين على دُخُول بعض الظلمَة فِيهِ وَلَا يتناهيان من سَائِر الْجِهَات فَتكلم هَؤُلَاءِ بِمثل الَّذِي تكلم الثنوية ثمَّ لَا يَخْلُو الواسط من أَن يكون تَدْبِير كَانَ مِنْهُمَا أَمر الْعَالم أَو على الإجتماع حدث مِنْهُ فَإِن كَانَ بِالتَّدْبِيرِ بَطل الإمتزاج وأنى يَقع وَهُوَ بَين النُّور والظلمة والظلمة من شَأْنهَا التسفل وَمن شَأْن النُّور الْعُلُوّ وَبَينهمَا فاصل يمْنَع إِلَّا أَن يكون بِالتَّدْبِيرِ جمع بَينهمَا وإمتزاج هُوَ بهما فَكَانَ أصل كل شَرّ إِذْ كَانَ من الإمتزاج وَلَوْلَا أَنه مزج بَينهمَا مَا وجد أَحدهمَا سَبِيلا إِلَى الآخر فَيصير الْأَمر إِلَى أَن مُدبر الْخَيْر وَالشَّر وَاحِد وَإِن كَانَا هما غلبا بالطبع وقهرا الواسط حَتَّى امتزجا فَإِذا لم يَنْفَعهُ حسه ودركه إِذْ صَار تَحت قهر ذِي الطَّبْع فكونه واسطا لَا معنى لَهُ أَو حصل الْأَمر على النُّور والظلمة
ثمَّ قَالُوا جعلُوا الواسط متناهيا والآخرين غير متناهيين والمتناهي تَحت غير المتناهي لِأَنَّهُ كالمقصر عَن تَمام مَا لَيْسَ بمتناه كالقصير من الطَّوِيل
стр. 170
وَالْإِنْسَان إِن كَانَت الْحَيَاة الَّتِي فِي الْبدن فَهِيَ محسه للبدن مستعملة لَهُ فَيجب أَن يكون الواسط هُوَ الَّذِي لَهُ تَدْبِير العالي والسافل وَهُوَ الْمُسْتَعْمل لَهما فَيصير الْإِلَه فِي الْحَقِيقَة وَاحِدًا أَو يبطل الإمتزاج وَمَا ذكر من الخيال
ثمَّ إِشَارَته إِلَى الإمتزاج وَهِي حَيَاته خطأ إِذْ لَا إِنْسَان يعرف تَدْبِير إبتدائه وَلَا أصلح مَا فسد مِنْهُ وَلَا دفع مَا حل بِهِ ثَبت أَن الْمُدبر وَاحِد وَهُوَ غير الَّذِي ذكر وَأَن الَّذِي ذكر تَحت تَدْبِير الْوَاحِد
ثمَّ لَا فرق بَين أَن يحدث مزاجا لم يكن لَا عَن أصل هُوَ امتزاج وَبَين أَن يحدث لم يكن لَا عَن أصل الْبَيْنُونَة ثمَّ لَا فرق بَين إِمْكَان تغير قد تمّ إِلَى إحتمال الْحَوَادِث بعد أَن لم تكن كَذَلِك بقدرة قَادر وَبَين أَن يكون الْحَوَادِث بِهِ لَا يقلب الْقَدِيم إِلَى معنى الحَدِيث إِذْ هما جَمِيعًا فِي الْبعد عَن الْبَصَر فِي الْوَهم وَاحِد وَبِاللَّهِ المعونة والنجاة
أقاويل الْمَجُوس وَبَيَان فَسَادهَا
قَالَ الشَّيْخ ﵀ قَالَت الْمَجُوس أعجب الله حسن خلقه فتخوف مَا يضاده فِيهِ فتفكر فِي ذَلِك فكرة فَحدث مِنْهَا إِبْلِيس وَقَالَ بَعضهم أَصَابَته بعينة فَالْتَفت وَرَاءه فَرَأى إِبْلِيس فَصَالحه على أَن يمهله إِلَى مُدَّة ووادعه على ذَلِك حَتَّى إِذا مَضَت الْمدَّة أهلكه الله فَكَانَ من إِبْلِيس كل شَرّ وَمن الله كل خير
وَهَذَا الَّذِي حكوا إِن كَانَ هُوَ قَوْلهم فِي الْحَقِيقَة فهم شَرّ من جَمِيع الثنوية لِأَن الثنوية قَالَت بإثنين لما رَأَوْا خلق الشَّيْء لَا عَن شَيْء غير مُتَصَوّر فِي الْوَهم
стр. 171
عظم عَلَيْهِم القَوْل بِحَدَث الْعَالم لَا عَن شَيْء ثمَّ رَأَوْا الْعَالم مُشْتَمِلًا على خير وَشر مَوْصُوفا كل من فعله الْخَيْر وَالْعدْل بِالصِّفَاتِ المحمودة وَمن فعله الشَّرّ والجور بِالصِّفَاتِ المذمومة استعظموا نسبتهما إِلَى الْوَاحِد فَيكون وَاحِدًا مَحْمُودًا مذموما بِمَا عَلَيْهِ الْعرف فَقَالُوا بإثنين قديمين
وَالْمَجُوس قد استجازوا حدث الْعَالم لَا عَن شَيْء وأصل وَإِنَّمَا عظم عِنْدهم وصف من مِنْهُ الْخيرَات بِفعل الشَّرّ لم ألزموه فعل شَرّ الشَّرّ صيروه أمه إِذْ الفكرة الردية شَرّ وَمَا حدث وَهُوَ إِبْلِيس شَرّ وَكَانَ مِنْهُ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا وَهُوَ السَّبَب الَّذِي دعاهم إِلَى القَوْل بإثنين فتناقض قَوْلهم مَعَ مَا لَا يُؤمن مِنْهُ حُدُوث الْفِكر وقتا بعد وَقت فَيكون جَمِيع الشَّرّ بذلك وَإِن أُرِيد إِحَالَة ذَا دلّ وجوده مرّة على دفع الإحالة إِلَّا أَن يَقُول بِالْخَيرِ فَلَعَلَّ بداه عَن الفكرة الَّتِي هِيَ شَرّ على أَنه إِذا وادعه على التّرْك إِلَى تِلْكَ الْمدَّة فَأَما أَن لم يعلم أَنه يعْمل مَا يعْمل بِهِ الشَّرّ وَالْجهل شَرّ فَهُوَ شَرّ آخر أَو علم فَتَركه على مَا علم من الْفساد بِهِ فَذَلِك مِنْهُ الشَّرّ وَمثله إِمَّا أَن يكون علم من قبل مَا يعْمل فكره ففكر على الْعلم بِمَا يكون مِنْهُ وَهُوَ شَرّ وَإِمَّا لم يعلم وَالْجهل شَرّ ثمَّ لَا يَخْلُو من أَن يكون مِنْهُ وَهُوَ شَرّ وَإِمَّا لم يعلم وَالْجهل شَرّ ثمَّ لَا يَخْلُو من أَن يكون قَادِرًا على منع إِبْلِيس وقهره أَو لَا فَإِن قدر ثمَّ أمهله ليفسد الْخلق فَهُوَ شَرّ عِنْدهم وَإِن لم يقدر فَلَا يكون الْعَاجِز رب الْعَالمين مَعَ مَا يُقَال ثمَّ علم أَن إِبْلِيس عِنْد الْمدَّة يفى لَهُ بِالَّذِي وعد وَفَاء الْوَعْد خير وَحقّ فَإِذا يكون من الشَّرّ خير ذَلِك مَعَ مَا كَانَ هَذَا لَازِما لَهُ إِنَّه إِذا كَانَ مِمَّن هُوَ أصل الْخَيْر يجِئ الشَّرّ فنعكس عَلَيْهِم ونجعل كل خير من إِبْلِيس وكل شَرّ من غَيره وَبعد فَكيف يَأْمَن بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فِي الْوَقْت الَّذِي لم يكن لإبليس غير نَفسه عون وللذي بِهِ
стр. 172
كَانَ كل الْأَشْيَاء أعوان ثمَّ اخْتَلَط خلقه الَّذين هم أعوانه بالذين هم أعوان الله فِي مَنعهم عَن المعونة عَلَيْهِ جلّ الله عَمَّا وَصفه الْمُلْحِدُونَ
وَإِن قَالُوا الْمُوَادَعَة كَانَت لبَعض الْمصَالح فَمثله الْهَوَام الضارة والأشياء المؤذية
وَبعد فَإِن تخوفه من يضاده يُوجب الْجَهْل بِأَنَّهُ رب كل شَيْء وَكَذَلِكَ إِصَابَة الْعين فَإِذا ضرّ بِهِ الْعين وَمن تقهره الْعين وتزيل قدرته وتدفع علمه فَهُوَ رب بِغَيْرِهِ لَا بِنَفسِهِ خَالق بِغَيْرِهِ فَيلْزم القَوْل فِي معبودهم إِنَّه عبد لَا معبود
ثمَّ لَا شَيْء من تِلْكَ الْجَوَاهِر المؤذية إِلَّا وَهِي تَنْفَع خلقا فَلَا تضر وَلَا تؤذي لأنفسها وَلَكِن بمدبر حَكِيم عليم جعلهَا بِحَيْثُ تؤذى أحدا وَتَنْفَع آخر ثَبت أَن القَوْل بإنفراد منشئ الشَّرّ بعيد
ثمَّ إِن لم يكن فِي خلق الشَّيْء من غير شَيْء إِلَّا خُرُوجه من وسع الْخلق وارتفاعه عَن التَّصَوُّر فَلَا أحد امْتنع عَن القَوْل بتحقيق مثله لِأَن إنْشَاء الْجِسْم وَكَونه فِي الْأَرْحَام بالطبائع وحدوثه بحركات النُّجُوم أَو خُرُوج الْعَالم عَن هَذَا الطَّبْع وإمتزاج النُّور والظلمة ثمَّ التباين خَارج عَن الْوَجْه الَّذِي ذكر على أَن حَقِيقَة كل شَيْء من تَأمله كَذَلِك نجده لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي النُّطْفَة وَلَا فِي جَمِيع الأغذية وَلَا فِي الْأَرْحَام شي من مَعَاني الْبشر ثمَّ مِمَّا لَهُ من الْعقل والسمع وَالنَّظَر فَإِنَّمَا ذَلِك خَارج عَن ذَلِك بِتَقْدِير عليم حَكِيم وَكَذَلِكَ جَمِيع الطبائع الْمُخْتَلفَة أَو جَوَاهِر الْخَيْر وَالشَّر لَو خلى بَينهَا وَبَين عَملهَا مَا ظهر بهَا جَوْهَر وَلَا يُمكن بهَا خلق فَالْقَوْل بالكون بِمثلِهِ أبعد عَن التَّصَوُّر فِي الْعقل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقد بَينا وَجه الْحِكْمَة فِي خلق الْجَوَاهِر الْمُخْتَلفَة وَأَن فعل الله لَا يُوصف بذلك وَإِن أَنْشَأَهَا على مَا عَلَيْهِ من قبح الْقَبِيح وَحسن الْحسن هُوَ معنى الْحِكْمَة
стр. 173
وَوضع كل شَيْء مَوْضِعه وَأَن الله تَعَالَى إِذْ لم يخلق لحاجات نَفسه وَإِنَّمَا خلق بِذَاتِهِ إِنَّه خَالق ليَكُون الْخلق الَّذِي ركب فيهم الْعُقُول وجعلهم أهل الْمعرفَة بِالنعَم والبلايا يمْتَحنُونَ بِوَضْع كل شَيْء مَوْضِعه وَالْقِيَام بالشكر لما أنعم عَلَيْهِم بِأَن جعل لَهُم جَمِيع الْخَلَائق على اخْتِلَاف جواهرهم أدله وعبرا ومحنة وإبتلاء بمعاداه جَوَاهِر وموالاة أُخْرَى وليعرفوا كَيْفيَّة الإتقاء وَوجه الحذر وَمَا فِيهِ الرعب ووجوه الْمُبَادرَة فِي ذَلِك للعواقب المحمودة فِي الْعُقُول وإبقاء لمكروهة فِيهَا بِمَا عاينوا من مُخْتَلف الْجَوَاهِر وَالْأَحْوَال فِي حق التَّرْغِيب والترحيب ليَكُون الْوَعْد والوعيد مُقَدرا عَن الْحس والعيان إِذْ ذَلِك طَرِيق المعارف وَبِه يُوصل إِلَى دَرك النهايات وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَلَو جَازَ إِنْكَار الشَّيْء لَا من شَيْء بِمَا لَا يتَصَوَّر فِي الْوَهم لجَاز لكل مؤوف الحاسة إِنْكَار مَا يدْرك بهَا إِذْ هُوَ غير مدرك إِنْكَار كل غَائِب لم يبلغهُ الحاسة وَفِي ذَلِك نفض الْمَجُوسِيَّة وَغَيرهم إِذْ هم جَمِيعًا اتبعُوا أوائلهم ثمَّ التَّصَوُّر فِي الْوَهم تَقْدِيره مِمَّا تقع عَلَيْهِ الحاسة إِذا ارْتَفَعت فتصور حَال وُقُوع الحاسة فِي وهمه أَو يقدر مثله فِي الْوَهم ثمَّ الله سُبْحَانَهُ لم يعرف من طَرِيق الْحَواس وَلَا لَهُ مِثَال فِي الْمَعْرُوف بَطل التَّقْدِير بِهِ ثمَّ الأَصْل أَن التَّصَوُّر فِي الْوَهم هُوَ علم الْحس أَو فِي علم الْحس دَلِيل لُزُوم الْعلم بِمَا لم يحس وَلِأَن يعرف إِذْ كل ذِي حس جَاهِل بمائية الْحس وكيفيته فَلَزِمَ ذَلِك فِي كل حس هُوَ كَذَلِك
стр. 174
فَيجب كَون الْحَواس بِمن يعرف حقائقها وينشئها على مَا يرى أهل الْحَواس أَن الَّذِي أَنْشَأَهَا لَا يحْتَمل إِدْرَاكه بالحواس إِذْ كل ذِي حاسة جَاهِل بِمَا عَلَيْهِ أَحْوَاله وعاجز عَن إحتمال وَسعه مَا فسد مِنْهُ فَأوجب ذَا أَن وَرَاء هَذَا عليم حَكِيم لَا يحْتَمل مَا احْتمل المحسوس إِذْ لَو جَازَ وَاحْتمل لم يحْتَمل كَون المحسوس بِهِ كَمَا لم يحْتَمل بأمثالنا وَبِاللَّهِ الْعِصْمَة والنجاة
مَسْأَلَة إِثْبَات الرسَالَة وَبَيَان الْحَاجة إِلَيْهَا
قَالَ الْفَقِيه ﵀ تكلم النَّاس فِي الرسَالَة فأثبتها أَئِمَّة الْهدى وقادة الْخَيْر وحكماء الْبشر وأنكرها من جهل صانعه وَمن أقرّ مِمَّن جهل أمره وَنَهْيه وَمن أقرّ بذلك مِمَّن زعم أَن فِي الْعقل الْغنى عَن الرسَالَة مَعَ مَا أمكن مُقَابلَة آيَات من ادّعى الرسَالَة بصنيع الكهنة والسحرة والمشعبذة
وَبعد فَإِنَّهُ يحْتَمل ظُهُور عجز من حضرهم بِمَا لم يكن فِي ذَلِك النَّوْع تكلّف وإجتهاد وَلم يَكُونُوا امتحنوا قوى الْجَمِيع
قَالَ الشَّيْخ فنناظر من أنكر الصَّانِع فِي إثْبَاته إِذْ التَّنَازُع فِي إرْسَاله لَا يتَمَكَّن إِلَّا بعد لُزُوم القَوْل بهستيته وثباته مَعَ مَا أمكن الْأَمْرَانِ جَمِيعًا بآيَات الرُّسُل إِذْ هم قوم نشأوا بَين قوم عرفُوا أَحْوَالهم وَقد كَانُوا أدركوا مُنْتَهى وسعهم فَلَمَّا جَاءُوا بِالْآيَاتِ الَّتِي قهرت عُقُولهمْ مَعَ علمهمْ بِأَن وسعهم لَا يحْتَمل إنْشَاء مثلهَا لزم الْعلم بِصَدقَة فِيمَا أخبر من مرسله وَأَن تِلْكَ الْآيَات مِمَّا أَنْشَأَهَا من يكون رسَالَته من عليم حَكِيم قَادر على إنْشَاء الْأَدِلَّة على إثْبَاته ليعلموه بهَا وَإِن لم يشهدوه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 175
ثمَّ من أنكر الْأَمر والنهى والوعد والوعيد لم يحصل لإنشاء حِكْمَة وَإِنَّمَا حصل مِنْهُ على الْإِنْشَاء ثمَّ الإفناء ثمَّ مَعْلُوم أَن كل من ذَلِك عَاقِبَة فعله لَيْسَ بِحَكِيم فدلت حِكْمَة صانع الْعَالم بِمَا جعل فِيهِ من الْأَدِلَّة على وحدانيته وعظيم سُلْطَانه على أَنه حَكِيم وَالله الْمُوفق
مَعَ مَا كَانَ الله سُبْحَانَهُ إِذْ هُوَ غنى بِذَاتِهِ حَكِيم فِي فعله خلق الْخلق للبقاء إِلَى قدرَة جعلهَا لَهُم ثمَّ لم يَجْعَل الْبَقَاء إِلَّا بالأغذية وَقد حبب إِلَيْهِم الْبَقَاء ودوام الْحَيَاة فَلَو لم يَجْعَل عَلَيْهِم الْأَمر والنهى لبادر كل إِلَى مَا يطْمع فِيهِ من الْبَقَاء ودوام الْحَيَاة مَعَ مَا لَهُ فِيهِ من اللَّذَّة والشهوة ثمَّ يفعل أقرانه بذلك الشَّيْء نَحْو فعله فَيحدث بَينهم التَّنَازُع والتجاذب ويحملهم ذَلِك على التدافع وَفِي ذَلِك خوف الفناء بِمَا بِهِ جعل الْبَقَاء فَلَزِمَ جعل الحرمات والحل وَالْأَمر والنهى بِمَا فِيهِ من الْوَعْد والوعيد ليعلم كل مَا لَهُ مِمَّا لَيْسَ لَهُ فَيسلم من كل عَدَاوَة وَتبقى لَهُ روحه وَمن أنكر الْأَمر والنهى والمحنة ذهب إِلَى معنى المحنة فِي الشَّاهِد إِنَّمَا هُوَ لظُهُور مَا خفى وتجلى مَا استتر وَالْأَمر والنهى لمنفعه ينالها الْآمِر والناهي أَو مَكْرُوه يَدْفَعهُ فَإِذا كَانَ الله غَنِيا بِذَاتِهِ عليما بالسرائر والخفيات ذهب معنى المحنة وَالْأَمر والنهى
قَالَ الْفَقِيه ﵀ نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن كَانَ أمره وَنَهْيه ومحنته على مَا يذكر فَإِن فعله لذَلِك لمكروه يدْفع أَو مَحْبُوب يجلب أَو عيب عَنهُ يتخلى وَالله سُبْحَانَهُ أنشأ الْعَالم لَا للَّذي يذكر فَمثله الْأَمر والنهى والمحنة مَعَ مَا كَانَ ذَلِك التَّقْدِير إِنَّمَا هُوَ فعل المحتاجين مِمَّا يَعْلُو درجاتهم وتجل أقدارهم وَلَو فعلوا غير ذَلِك كَانَ عَلَيْهِم فِي فعل ذَلِك ضَرَر عَاجل وَشر آجل فَأَما من هُوَ حَكِيم بِذَاتِهِ غنى فَهُوَ لَا يفعل لنفع وَلَا لدفع الضَّرَر فَمثله الْأَمر والنهى مَعَ مَا
стр. 176
بَينا من إختلاف الممتحنين فِي الْغِنَا وَالْحكمَة لم يجز تَقْدِير أَحدهمَا بِالْآخرِ وَلَا يحْتَمل حَكِيم يفعل الشَّرّ لحكمه الربوبية فتكلفه الَّذِي ذكر خطأ
وَبعد فَإِنَّهُ إِذْ جعل الْخلق قسمَيْنِ ضارا ونافعا وَجعل كل جَوْهَر مُحْتملا للألم واللذة لم يحْتَمل أَن يجعلهم كَذَلِك إِلَّا لعواقب يُحَذرهُمْ بهَا ويرغبهم فِيهَا من الْوَعيد بالشدائد والوعد بالملاذ وَبِذَلِك تتمّ الرَّغْبَة والرهبة وَالله الْمُوفق
وَبعد فَإذْ خلق الْخلق وَجعل الْبَعْض منافعا لبَعض وَإِن لم يكن لَهُ فِي ذَلِك نفع لغناه وَكَذَلِكَ المضار فَمثله يَأْمر وَينْهى بمنافع بعض بِبَعْض وإتقاء المضار مَعَ مَا يَأْمر بِمَا يَنْفَعهُمْ كَمَا خلقهمْ وَجعل لَهُم ذَلِك وَينْهى عَمَّا يضرهم وَالله الْمُوفق
وَأَيْضًا إِن فِي الْحِكْمَة الْأَمر والنهى إِن الله خلق الْبشر فِي أحسن تَقْوِيم وسخر لَهُم جَمِيع مَا على وَجه الأَرْض وبركاتها وبركات السَّمَاء من غير أَن سبق مِنْهُم مَا خرج ذَلِك مخرج الْمُكَافَأَة أَو مخرج حق قَضَاهُ فَلَا يجوز فِي الْعقل إسداء مثل هَذِه النعم إِلَى مَا لَا يعرفهَا لما فِيهِ تَضْييع وظلم النعم فلزمهم بِهِ معرفَة الْمُنعم ليعلموا من يسْتَحق الْمحبَّة ويستوجب الشُّكْر وَفِي ذَلِك لُزُوم المحنة وَوصل بذلك الْوَعْد والوعيد ليتم الرَّغْبَة والرهبة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَبعد فَإِنَّهُ قد حسن فِي الْعُقُول الصدْق وَالْعدْل وقبح فِيهَا الْجور وَالْكذب فَجعل الْفَرِيق الأول عَظِيما فِي الْقُلُوب كَرِيمًا وَالثَّانِي حَقِيرًا مهينا فَيصير الْعُقُول آمرة بكسب مَا يعلى شرف من رزق مِنْهَا وناهية عَمَّا فِيهِ هُوَ أَن صَاحبهَا فَيجب الْأَمر والنهى بضرورة الْعقل ثمَّ الثَّوَاب ليتم الْكَرَامَة لمن اخْتَار سبلها وَالْقِيَام بوفائها وَالْعِقَاب لمن آثر هَوَاهُ على إِشَارَة الْعقل
стр. 177
وَفِيمَا ذكرنَا لُزُوم القَوْل بالرسل ليدلوهم على معالم الْعدْل والصدق ومضار ضدهما على الْإِشَارَة إِلَى كل شَيْء أشكلت مائيته ليَكُون أَمر الْأَحْوَال للحمد مُوَافقا وَالله الْمُوفق
وَبعد فَإِنَّهُ لَا عَاقل فِي الشَّاهِد يرضى إهمال نَفسه عَن التعاهد ينهمك فِي الشَّهَوَات بل كل يجْتَهد على تسويتها على مَا لايضرها وعَلى مَا يحمد عواقبها على مَا فِيهَا من الْجَهْل الَّذِي يعطبه بِمَا بِهِ يَرْجُو نجاته ويضره فِيمَا بِهِ يطْمع نَفعه فَذَلِك يحوجه إِلَى من يعلم عواقب الْأُمُور حَتَّى يروض نَفسه على إشاراته دون أَن يهملها لشهواتها وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ نرْجِع إِلَى مناظرة من أنكر الرسَالَة للوجوه الَّتِي ذكر هَا بعد إِقْرَاره بِالتَّوْحِيدِ وإيمانه بِالْأَمر والنهى مَعَ مَا فِيمَا ذكرت من أَدِلَّة الْأَمر والنهى مقرونة بِالْحَاجةِ إِلَى الرسَالَة كِفَايَة لمن تصح نَفسه ثمَّ نقُول يجب القَوْل بالرسالة بضرورة الْعقل فِي إِيجَاب الْحَاجة إِلَيْهَا دينا وَدُنْيا ثمَّ فِي إِثْبَات الأفضال من الله إِن كَانَ فِي الْعقل مِنْهُ غنى فَأمر الدُّنْيَا فِيمَا بِهِ أَيْضا قوام الدّين وَنَحْو أَن خلق الْبشر وجعلهم أهل المحنة وَأنْبت لَهُم من الأَرْض بِمَا أنزل من مَاء السَّمَاء أغذية لَهُم وأدوية ثمَّ أنبت مِنْهَا الأدواء والسموم القاتلة ومنح فِي عُقُولهمْ الإمتحان بِأَنْفسِهِم ليعرفوا المؤذى من المغذى لما لَعَلَّ فِيهِ عطب الممتحن وَلَيْسَ فِي الْعُقُول سَبِيل يعرف ذَلِك لزم القَوْل بِمن يطلعه الله على كل جَوْهَر مِنْهَا ليحيى بِمَا يَأْكُلُون أبدانهم ويقيموا بِهِ دينهم
ثمَّ فِي الإبتداء لَيْسَ فِي الْعُقُول سَبِيل يعرف الْوُجُوه الَّتِي تنْبت من الزِّرَاعَة وَمَا فِيهَا من التَّدْبِير ثمَّ بعد التَّمام وَالْعلم بجوهر لَا بُد مِمَّن يعلم كَيفَ يَسْتَعْمِلهُ حَتَّى
стр. 178
يصلح للإغتذاء على اخْتِلَاف مَا جعل لصلاح ذَلِك ثمَّ جعل فِي الطَّعَام أَنْوَاع الْأَذَى مِمَّا يدْفع إِلَيْهِ المنتفع إِذا لم يحفظ حَده لِأَنَّهُ مِمَّن يعلم حد ذَلِك ثمَّ دواه إِن ضره بِالْقدرِ الَّذِي بِهِ يدْفع ضَرَره ثمَّ عُلُوم الطِّبّ مَعَ تفَاوت الطبائع وإستعمال السمُوم القاتلة ليعرفوا قدر النافع مِمَّا يقوم مَعَه الْبدن ثمَّ فِي أَنْوَاع الْحَرْف الَّتِي بهَا قوام سترهم وكنهم والوقاية لَهُم من الْحر وَالْبرد ثمَّ فِيهَا خلقت لَهُم من الدَّوَابّ الصعبة مِمَّا لَيْسَ يعلم المتأهل فِيهَا أَنَّهَا لأي مَنْفَعَة خلقت وَلَا أَنَّهَا لمنافعه خلقت أَو لَا وَلَا كَيفَ يروضها إِذْ طبع كل مِنْهَا النفار عَمَّا هِيَ لَهُ حَتَّى تنقاد وتخضع ثمَّ فِي أَنْوَاع التِّجَارَات الَّتِي لَا يقوم لَهُم دين وَلَا دنيا إِلَّا بهَا ثمَّ مَا فرق حوائجهم فِي الْبلدَانِ الَّذِي لَيْسَ فِي طبعهم وَلَا فِي عُقُولهمْ مَا يدلهم أَو يبين لَهُم فِي كل حَاجَة أَنَّهَا أَيْن تطلب ثمَّ فِي معرفَة طرقها إِذْ لَيْسَ فِي الْعقل مَا يدل على مَكَانهَا وَلَا على طرقها ثمَّ فِي تعرف الألسن الَّتِي بهَا قَامَ النَّفس للمعاش وَفهم الْمعَاد ثمَّ نتعرف الْأَسْمَاء الَّتِي لَوْلَا هِيَ مافهمت حَاجَة وَلَا أمكن أحدا معرفَة موضعهَا ثمَّ فِي وُجُوه أَسبَاب التناسل وَفِي معرفَة تربية الصغار ثمَّ فِي الْعلم بتدبير أغذية مَا لَيْسَ يتَطَرَّق ثمَّ بِظُهُور بِعلم الْخلق بَعضهم من بعض جَمِيع مَا ذكرت من الألسن والأسماء والحرف والطب والصناعات كلهَا وطرق الْبلدَانِ ورياضة الدَّوَابّ وَكَيْفِيَّة إستعمالها وَجَمِيع مَا ذكرت هُوَ الدَّلِيل الْبَين أَن أُصُولهَا تَعْلِيم وَإِشَارَة لَا إستخراج الْعُقُول وَالله الْمُوفق
فَهَذَا مَعَ الْأَمر الْمَعْرُوف الْمَوْجُود من فزع بعض إِلَى بعض عِنْد النوائب وَمَا يحزنهم من الْأُمُور المهمة للإستعانة برأيهم والصدور عَن مشورتهم بِمَا عِنْدهم فضل فِي الْعَالم ثمَّ تَعْلِيم فنون الْآدَاب ثمَّ قيام كل بِمَا يَسْتَفِيد أَنْوَاع الْعلم من درس الْكتب والإستماع إِلَى الْحُكَمَاء فَدلَّ ذَلِك أَنهم لم يرَوا بعقولهم كِفَايَة عَن الإستعانة وآداء حاجاتهم جَمِيعًا لزم فِي الْعقل الْفَزع إِلَى نَاصح صَدُوق وَذَلِكَ
стр. 179
ظن الْخلق بأولئك إِنَّه وصل إِلَيْهِم الْعُلُوم على ألسن هَؤُلَاءِ فعلى ذَلِك أَمر الدّين وَالدُّنْيَا وعَلى ذَلِك علم السحر يعْتَبر جَوَاهِر الْأَشْيَاء بأنواع المعالجات وعلوم محاربة أَعدَاء الدّين وَالْأَمْوَال كلهَا مستفادة فِي الْأَمر الظَّاهِر من الألسن وَمَا عَنْهَا يُوجد فَأول ذَلِك تَعْلِيم يكون من الْعَلِيم الْحَكِيم
ثمَّ مِمَّا يلْزم القَوْل بالرسالة بضرورة الْعقل هُوَ أَنه قد ثَبت حسن معرفَة الْمُنعم وَالشُّكْر لَهُ فِي الْعقل وقبح الْجُحُود لَهُ والكفران بنعمته ثمَّ مَا من شَيْء تقع عَلَيْهِ حاسة من حواسه إِلَّا وَللَّه عَلَيْهِ فِي سَلامَة حاسته وَمَا أدْرك نعم يعجز عَن الْإِحَاطَة بهَا
ثمَّ بعد هَذَا لَهُ عبارتان إِحْدَاهمَا تفَاوت إستحقاق المنعمين الشُّكْر وتفاضل أقدار النعم مِمَّا لَا يبلغ علم أحد نهايتها إِلَّا علم من أَنْشَأَهَا فعلى هَذَا لَا يبلغ عقل بِمَا بِهِ تَمام شكرها إِلَّا هُوَ فَيلْزم الْعقل من يخبر عَمَّن مِنْهُ تِلْكَ النعم وَالْأُخْرَى أَن تِلْكَ النعم إِذْ هِيَ تَفَرَّقت على الْحَواس وأصابت كل جارحة مِنْهَا فَلَزِمَ اسْتِعْمَال كل جارحة فِي شكر مَا لَهُ عَلَيْهَا من النعم مَعَ مَا إِذا أردْت أَن تعرف قدرهَا اعْتبر بالمبتلى بالآفة بهَا لعِلَّة يخف عَلَيْهِ بذل الدُّنْيَا ثمَّ كَانَ مَا بِكُل جارحة تُؤدِّي من الشُّكْر لَا يعرف بِالْعقلِ فَيلْزم القَوْل بمخبر يخبر عَن الله
وَأَيْضًا إِن الله إِذْ خلق الْبشر خلقا أمكنه إستعمال كل جارحة مِنْهُ بِمَا جعل من اللين بالمفاصل يقبض بهَا ويبسط وَيُعْطى وَيَأْخُذ ويتقلب على مُخْتَلف الْأَحْوَال وينتشر فِي مفترق الْأَفْعَال مِمَّا لَو لم يكن خلقه لاستعمال جَمِيع ذَلِك فِي الْعَادة لجعل فِيهِ وسع الْعَمَل والنفع خَاصَّة كالدواب والطيور فَثَبت أَنه خلق لِلْعِبَادَةِ فَلَا بُد من مُبين مائيتها فِي كل جارحة
стр. 180
ثمَّ الأَصْل فِي ذَلِك مِمَّا يُوجب ضَرُورَة الْعقل الْحَاجة إِلَى الرُّسُل وُجُوه أَحدهَا وجود التَّنَازُع الظَّاهِر بَين الْخلق على إدعاء كل مِنْهُم أَحَق بِالْحَقِّ وَأولى بالإصابة واتفاق أَن لَيْسَ فيهم من يفزع إِلَيْهِ ليحكم بَينهم وَيُرِيهمْ بِمَا بِهِ يتألف قُلُوبهم وتجتمع كلمتهم وَمَعْلُوم أَن التَّنَازُع هُوَ أصل كل فَسَاد ومقدمة كل فنَاء وَذَلِكَ كُله قَبِيح فِي الْعُقُول فقد انْتَهَت عَاقِبَة الْعُقُول إِلَى من يعينها ويردها إِلَى مَا جعلت هِيَ لَهُ من الصّلاح والمعرفة وَمَعْلُوم أَن لَا أحد أعلم بذلك مِمَّن خلقهَا وأنشأها وَفِي ذَلِك لُزُوم القَوْل برَسُول نعلم أَنه من عِنْده جَاءَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَدَلِيل آخر إِنَّه مَعْلُوم أَن الْعلمَاء يتفاضلون فِي إِدْرَاك مَا بِهِ مصالحهم فِي أَمر الدّين وَالدُّنْيَا يكون عِنْد وَاحِد من ذَلِك مَا لَيْسَ عِنْد غَيره وَإِذا ثَبت ذَلِك فَلَا ندفع أَن يكون عِنْد الله مِمَّا بِهِ صَلَاح عباده مِمَّا لَيْسَ عِنْد خلقه فيوصلها إِلَيْهِم برسله وَالله الْمعِين
وَدَلِيل آخر إِنَّه لَا يَخْلُو الْأَمر من أَن يرجع إِلَى مَا يَدعُوهُ إِلَيْهِ غَفلَة أَو يلْزم على بعض الصُّدُور عَمَّا أرَاهُ غَيره مِمَّن هُوَ أرجح مِنْهُ عقلا فَإِن كَانَ الْحق هُوَ الأول ليجب الْجمع بَين الْعُقُول وَالْقَوْل لكل بالإصابة إِذا قَالَ بِمَا أرَاهُ عقله وَفِي ذَلِك شَهَادَة بِإِصَابَة كل ذِي دين اعْتمد على عقله وَذَلِكَ محَال لتناقض الآراء وَالْقَوْل وَإِن كَانَ الْوَجْه الثَّانِي فَيصير عقله كرسول يَأْتِيهم من عِنْد الله فَيحْتَاج ذَلِك إِلَى دَلِيل يعلمنَا شخصه ثمَّ لَا فصل بَين دَلِيل يقوم بصدقه فِيمَا يخبر عَن الله أَو بِإِصَابَة الْحق فِي كل مَا ينْطق بِهِ عَن عقله وَالله الْمُوفق
فَهَذَا مَعَ مَا يعلم أَن الأشغال وازدحامها على الْعُقُول يلبسهَا فَكَذَلِك الهموم وأنواع مَا جبل عَلَيْهِ الْبشر وَكَذَلِكَ أَنْوَاع الْأَلَم وَأَسْبَاب لَا تحصى مِمَّا يشغل الْعُقُول
следующие страницы →