Полный текст (399 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ويوصف بِالْقربِ من طَرِيق العون والنصر وَمن جِهَة التشريف والتخصيص وَمن جِهَته الرَّحْمَة وَالْإِحْسَان وَمن جِهَة التَّوْفِيق والإرشاد وَهَذَا النَّوْع لِأَن وصف هَذَا كُله وصف ذاتي جَائِز أَن يُقَال لم يزل رحِيما بأوليائه محبا لَهُم لوقت كَونهم لَهُ أَوْلِيَاء مبغضا لأعدائه على ذَلِك وَأما الْوُجُوه هِيَ حَقِيقَة تِلْكَ الصِّفَات يحققها غَيره لَا أَنه بِذَاتِهِ يُوصف فَإِنَّهُ فَاسد لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من أَن يكون لَهُ مدح وتمجيد وتعظيم فَيكون لَهُ ذَلِك بِغَيْرِهِ فَيصير بخلقه الْخلق ممدوحا مُنْتَفعا وَهُوَ الْغنى بِنَفسِهِ يتعالى أَن يكون لَهُ بِأحد مدح أَو نفع فَلذَلِك لَا يُوصف بذلك ﷻ
ثمَّ القَوْل بِفِعْلِهِ أَنه لَا يجوز أَن يكون مَفْعُوله لما لَا يعرف ذَلِك فِي الشَّاهِد وَلما يُوصف بِهِ وَلَا يُوصف بِغَيْرِهِ وَلما بَينا أَن الْوَصْف بِغَيْرِهِ يُوجب الْحَاجة إِلَيْهِ ويوصف بِهِ فِي الْأَزَل لما بَينا من إِحَالَة التَّغَيُّر والزوال وَلما لَو جَازَ الْوَصْف بِمَا هُوَ حَال فِي غَيره لجَاز الْوَصْف بِكُل شَيْء من خلقه وَذَلِكَ مُمْتَنع وَقد بَينا هَذَا فِيمَا تقدم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
الْحِكْمَة فِي خلق الْجَوَاهِر الضارة
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ الْحِكْمَة فِي خلق الْحَيَّات والجواهر الضارة وَإِن كَانَت الْعُقُول تقصر عَن بُلُوغ كنه حِكْمَة الربوبية على مَا سبق القَوْل فِي لُزُوم الْحِكْمَة لكل شَيْء من الْوَجْه الَّذِي خلقه الله وَإِن لم يعرف مائيتها يكون من وُجُوه المحنة بالضار والنافع الْحَاضِرين ليعلم بهما لَذَّة الثَّوَاب على الطَّاعَة وألم الْعقَاب على الْمعْصِيَة إِذْ الْخلق جبلوا على قصد العواقب فِي الْأَفْعَال فَجعل لَهَا مِثَالا من العيان لتتصور الْمَوْعُود فِي الأوهام فيسهل بِهِ السَّبِيل وَالله الْمُوفق
وَالثَّانِي أَن المحنة هِيَ تحمل الْمُؤْنَة الَّتِي تسهل وتصعب على الْبدن بِالنّظرِ والفكر وَالنَّاس فِي تكلّف النّظر والفكر يَخْتَلِفُونَ لِأَنَّهُ لَيست لَهما مَنْفَعَة حَاضِرَة
стр. 107
وَبِهِمَا الشّغل عَن اللَّذَّات والشهوات وَتحمل مثله على الْبدن عسير وَفِي التَّقْصِير فيهمَا اخْتِلَاف وتفرق وَذَلِكَ يعقب المعاداة والمجادلة وَفِي الْمُوَافقَة مولاة ومسالمة فَجعل الله تَعَالَى لَهُم فِيمَا خلق لَهُم شَبيه الْأَعْدَاء بِمَا فِيهَا من المضار وَمِثَال الْأَوْلِيَاء بِمَا فِيهَا من الْمَنَافِع ليَكُون بشرهم زاجرا لَهُم على اعتياد كَيْفيَّة معاملات الْأَعْدَاء والأولياء حَتَّى إِذا بلغُوا بمثلهم فِي جوهرهم عرفُوا كيفيته من الحذر وَالتَّأَهُّب والمعونة والنصر وعَلى ذَلِك يُؤمر الصّبيان عِنْد احْتِمَال وسعهم الْعِبَادَات والأخلاق المحمودة للإعتياد ليسهل سَبِيل ذَلِك عَلَيْهِم وَقت التَّكْلِيف فَمثله فِي خلق مَا ذكر وَالله أعلم
وَأَيْضًا أَن الْخلق على اخْتِلَاف جوهرهم فِي المضار وَالْمَنَافِع جعلهم الله فِي الدّلَالَة على مُدبر لَهُم حَكِيم عليم وعَلى وحدانيته كجوهر وَاحِد فِي الإتفاق من جِهَة الدّلَالَة وَالشَّهَادَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
فَيكون فِي ذَلِك بَيَان عَجِيب حكمته أَن جمع بَين الضار والنافع وَالْخَيْر وَالشَّر على تناقضهما فِي الدّلَالَة على وحدانيته وَالشَّهَادَة بربوبيته وَاحِدًا
وَأَيْضًا إِنَّه خلق ذَلِك ليذل بِهِ الْجَبَابِرَة والملوك فيعلو بذلك ضعفهم وَلِئَلَّا يغتروا بِكَثْرَة الْحَوَاشِي والجنود فيتعدوا حُدُود الله بِمَا يرَوْنَ من سُلْطَان فِي قدرته تسليط من يَشَاء على من يَشَاء وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وليعلم من تَأمل خلقه على جَوْهَر الضَّرَر والنفع على غناهُ وتعاليه عَن أَن تمسه الْحَاجَات لِأَن من ذَلِك وَصفه فَإِنَّمَا يخرج فعله على وُجُوه تَنْفَع وَلَا تضر وليعلم قدرته على مَا يَشَاء مَعَ مَا لَا يُشَاهد من الْجَوَاهِر الضارة إِلَّا وَفِيه مَنَافِع تعجز الْخَلَائق عَن الْإِحَاطَة بكنهها من ذَلِك النَّار مَعَ مَا فِيهَا من الإحراق فَفِيهَا من إصْلَاح الأغذية وَالْمَاء يجوز أَن يكون بِهِ حَيَاة كل ذِي روح وهلاكه
стр. 108
وَكَذَلِكَ كل جَوْهَر مر أَو سم إِلَّا فِيهِ دَوَاء للداء المعضل ليعلم النَّاظر أَن القَوْل بِالشَّرِّ بالجوهر وَالْخَيْر خطأ بَاطِل بل كل جَوْهَر مِنْهُ ضرّ ونفع فَيكون فِي ذَلِك أعظم آيَات التَّوْحِيد مَعَ مَا فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا الْقُدْرَة التَّامَّة على ملك مَا يضر وينفع ليرجو وَيخَاف وَمن لَا يكون كَذَلِك لَا يتم الْأَمر بِهِ لِأَنَّهُ لَا يرهب مِنْهُ وَلَا يرغب فِيمَا عِنْده وَقد يغلبه من لَهُ الْأَمْرَانِ أَيْضا وَالثَّانِي ليتم العبر وليصح الْأَمر والنهى فَيكون للنَّظَر والفكر مجَال فِي الْأَمريْنِ وَلِأَنَّهُمَا عظة بهما وعبرة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
إختلاف الْفرق فِي الْعَالم
نبتدأ الْحَمد لله الْعلي الحميد ونتوجه إِلَيْهِ بالشكر لَهُ والتمجيد على مَا أيدنا بِهِ من التسديد ونرغب إِلَيْهِ فِي العون على مَا قصدنا لَهُ والتأييد فَإِنَّهُ على كل شَيْء شَهِيد ونسأله أَن يصلى على مُحَمَّد أفضل مَا صلى على أحد من خِيَار خلقه وَأَن يُعْطِيهِ سؤله وَأَن يلحقنا بِهِ بجوده فَإِنَّهُ غنى كريم
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ أما بعد فَإِنِّي تَأَمَّلت وَجه اخْتِلَاف الْبشر فِي الْعَالم بعد ظُهُور آيَات حَدثهُ وأدلة جرى تَدْبِير غَيره عَلَيْهِ إِذْ مَا من شَيْء من جَوْهَر الْعَالم وأركانه إِلَّا وَهُوَ بجوهره يشْهد بِأَنَّهُ مُدبر مفطور وَأَنه مُضْطَر إِلَى عليم بأحواله غنى بِملك حَوَائِجه حَكِيم يضع كل شَيْء مَوْضِعه لِئَلَّا يتناقض فيتبدد وَأَنه لَا يحْتَمل بجوهره أَن يرجع إِلَى عدد من المدبرين بِمَا لَدَيْهِ تمكن الإختلاف الَّذِي عِنْده يُرِيد كل أَن يظْهر سُلْطَانه ويغلب ملكه ويقهر كل من نازعه وَفِي ذَلِك التفاني وَالْفساد اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون لوَاحِد مِنْهُم فضل قُوَّة أَو نصر يخضع لَهُ الْجَمِيع فَيصير كل خاضعا لَهُ ذليلا بِمَعْنى كل جَوْهَر من جَوَاهِر الْعَالم فِي خُرُوجه على مَشِيئَة غَيره وجريه عَلَيْهِ سُلْطَانه وَهُوَ
стр. 109
الْمَعْنى الَّذِي هُوَ دَلِيل مُدبر الْعَالم عليم حَكِيم ليقوم بِهِ هُوَ وَيتم وَيخرج من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود إِذْ الأعجوبة فِي ابْتِدَاء كَونه إِلَى من يعلم كَيْفيَّة إنْشَاء الْأَشْيَاء لَيست بِدُونِ الأعجوبة فِي دَوَامه وقيامه على مَا هُوَ عَلَيْهِ بل كَانَت أظهر وَالْحَاجة فِي ذَلِك إِلَى غَيره أعظم إِذْ هُوَ عَن تَدْبِير نَفسه أعجز وَأَسْبَاب آجاله لَهُ بِهِ أعظم مَعَ مَا فِي كل براهين كَونه بعد أَن لم يكن أيبن إِذْ كل ذِي عقل وبصر لَعَلَّه يذكر ابتداءه أَو تقلبه من أَحْوَال تقدّمت من الصغر واللطافة مِمَّا إِذا لم يَجْعَل لتِلْك الْجُمْلَة ابْتِدَاء يبطل كَونه ثمَّ احْتِمَال كل الوهن والضعف إِلَى أَن يتلاشى وَيبْطل مِمَّا يضطره إِلَى الْعلم بِكَوْنِهِ بعد أَن لم يكن وَإِن كَانَ ذَا أَمر من يملك التَّدْبِير وَيعلم بالأحوال فالموات هُوَ الَّتِي تَحت تَدْبِير الْأَحْيَاء يَنْتَفِعُونَ بِهِ من حَيْثُ لَا يشْعر بذلك أَحَق بذلك ثمَّ دلّ كَون الْأَمْوَات على مَا للأحياء بهَا الإستمتاع على أَن الَّذِي دبرهَا هُوَ الَّذِي دبر الْأَحْيَاء إِذْ جعلهَا مستمتعا لَهُم بهَا صَلَاحهمْ
فَرَأَيْت الشُّبْهَة اعترضت الْبشر من بعد مَا بَينا مِمَّا يجب أَن يكون بِهِ دفع الشُّبْهَة لمن تصح من أوجه ثَلَاثَة أَحدهَا التَّقْلِيد بِمن ألفت نَفسه بِهِ ومالت إِلَيْهِ فَترك التفكر فِي الْأَدِلَّة وَأَقْبل على أماني النَّفس ثِقَة بهم أَو رَغْبَة فِي صحبتهم والوصول بهم إِلَى شهوات النَّفس أَو أتهاما لآرائهم أَن تهيء بهم إِلَى رشد أَو إنعامهم وَغَيره من أَسبَاب الشَّقَاء حَتَّى يبلغ بهم العياذ بشره النَّفس وَسُوء عاداتها
وَالثَّانِي نظر إِلَى الْوُجُود مِمَّا يَقع تَحت الْحَواس فَوَجَدَهُ يتقلب من حَال إِلَى حَال بالمواد والأغذية وتولد بعض عَن تعض وظنوا أَن كَون الْأَشْيَاء لَا عَن شَيْء وَالْفُرُوع لَا عَن أصل محَال وجوده لأَنهم لم يعاينوا ذَلِك وَالشَّاهِد عِنْدهم هُوَ دَلِيل الْغَائِب ثمَّ تفَرقُوا فَمنهمْ من يَقُول على هَذَا أَمر الْعَالم فِي الْأَزَل
стр. 110
لكِنهمْ اخْتلفُوا فَمنهمْ من يَجعله كَذَلِك على مَا بَينا من غير أَن يكون لَهُ صنع وعَلى هَذَا يخرج مَذْهَب أَصْحَاب الطبائع إِن التَّفَاوُت والإختلاف على اخْتِلَاف الطبائع وتفاصيلها وسماها قوم هيولي والتفاوت فِي الَّذِي ذكرت على مِثَال الأصباغ إِنَّهَا تخرج على ألوان مُخْتَلفَة بتفاوت المزاج واعتداله وعَلى ذَلِك جعلُوا جَوْهَر الْبشر من اعْتِدَال الطبائع وَالدَّوَاب من اضطرابه وعَلى هَذَا كل شَيْء
وَمِنْهُم من يرى أَصله الْأَرْبَع من الطبائع وَلَكِن لكل جَوْهَر أصلا والطبائع دخيلة فِيهَا وَمِنْهُم من يَجعله كَذَلِك بالطبائع وَيَقُول هُوَ وَاحِد ويجعله عِلّة لكَون الْعَالم فَيُوجب قدمه بِوُجُودِهِ وَيذْهب فِي إِثْبَات الصَّانِع إِلَى اتساق الْأَشْيَاء واتقانها إِذْ ذَلِك لَا يكون إِلَّا بمدبر عليم إِذْ الطَّبْع لَا يرجع إِلَى قدرَة وَبِه صَلَاح الْأَشْيَاء فَقَالُوا بالصانع ثمَّ إِذْ هُوَ كَانَ فِي الْأَزَل فأوجبوا كَون الْعَالم فِي الْأَزَل على نَحْو اقتران الْأَشْيَاء بعللها على أَنه إِذْ كَانَ الْعَالم مواهبه ونعمه وَأَنه قَادر بِذَاتِهِ فَثَبت وجوده وَكَرمه بِذَاتِهِ فَيلْزم كَون الَّذِي كرمه يُوجِبهُ وَقدرته توجده وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَمِنْهُم من يَقُول هَذَا الْعَالم كَانَ عَن أصل حدثت الصَّنْعَة فِيهِ لكِنهمْ اخْتلفُوا فَمنهمْ من يَجْعَل أصلة طِينَة أحدث الْبَارِي مِنْهَا هَذَا الْعَالم
وَقوم يجعلونه النُّجُوم وَالشَّمْس بِمَا كن يجرين دائبات وبجريهن نشوء الْعَالم ويجعلون للجرى ابْتِدَاء بإحالة كَون شَيْء بِشَيْء إِلَى مَا لَا أول لَهُ وَمِنْهُم من يَجْعَلهَا تعترض فِيهَا الْأَعْرَاض فَمن ذَلِك تولد الْعَالم يسمونه من قبل هيولي ويصفونه على مَا يصف أهل التَّوْحِيد الصَّانِع ثمَّ أبطلوا ذَلِك بإحتمال قبُول الْأَعْرَاض وتغيره من حَال إِلَى حَال
стр. 111
وَمِنْهُم من يَقُول أَصله اثْنَان نور وظلمة من النُّور كل خير ونفع وَمن الظلمَة كل شَرّ وضار لَكِن مِنْهُم من يَقُول كَانَا متباينين فامتزجا على مَا مر بَيَانه
وعَلى قَول أَصْحَاب الهيولي والطينة يجب أَن يَكُونَا وَاحِدًا فتفرقا إِذْ هُوَ الأَصْل فصارا أصلا للشر وَالْخَيْر فبالتفريق عمل كل عمله على أَن عَامَّة هَؤُلَاءِ يجْعَلُونَ كَون الْعَالم بالطبيعة لَا بِالْفِعْلِ
وَالثَّالِث الإعتبار بالمعاني فَقَالُوا إِنَّا نجد الْعَالم اشْتَمَل على نفع وضر وعَلى خير وَشر ثمَّ فِي الْعرف أَن فَاعل الْخَيْر مَحْمُود وَمن ينفع غَيره رَحِيم حَكِيم وَأَن فَاعل الشَّرّ مَذْمُوم وَمن يضر غَيره قَاس سَفِيه لم يجز أَن يجِئ من الله الَّذِي هُوَ حَكِيم رَحِيم فعل الشَّرّ أَو الضَّرَر بِأحد وَمثله فِي الشَّاهِد وَلَا لَهُ السَّفه والقساوة وَهَذَا مِمَّا ينْتَفع بِهِ أَو يدْفع الضَّرَر عَن نَفسه فَكيف لمن لَا ينْتَفع بِشَيْء وَلَا يضرّهُ شَيْء على قَوْلهم إِن الْحَكِيم فِي الشَّاهِد من يجر بِفِعْلِهِ النَّفْع بِهِ وَالضَّرَر فَأَما من يضر غَيره بِلَا نفع لَهُ فَلَيْسَ هُوَ بِحَكِيم فَقَالُوا هَذَا باخْتلَاف الأَصْل الَّذِي مِنْهُ الْعَالم ليرْجع كل مَوْجُود فِيهِ إِلَى أَصله من خير أَو شَرّ أَو كَانَ وَاحِدًا فِيهِ الجوهران فتفرقا فَكَانَ من كل مَا يكون من مثله أَو بِمَا اعترضت فِيهِ الْأَعْرَاض اخْتلف فَرجع إِلَى هَذَا قَول الدهرية الْمُنكرَة للصانع والمثبتة جَمِيعًا لعدد فَسَمت الثنوية لقَولهم الْخَيْر بجوهره نور وَالشَّر ظلمَة وَالْمَجُوس سموا الْخَيْر الله وَالشَّر الشَّيْطَان
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ وَلَو أنعم هَؤُلَاءِ الْفرق النّظر فِيمَا تقدم من ذكر الْأَدِلَّة لعلموا قُصُور عُقُولهمْ عَن الْوُقُوف على الْحِكْمَة البشرية فضلا عَن أَن يحيطوا بحكمة الربوبية مَعَ مَا فِيمَا إِلَيْهِ صَارُوا فِي الإختيار منع لَهُم عَن دَعْوَى
стр. 112
معرفَة حَقِيقَة الْحِكْمَة والسفه إِذْ من مَذْهَبهم أَن لَا يرَوْنَ بجوهر الشَّرّ إِلَّا الشَّرّ وبجوهر الْخَيْر إِلَّا الْخَيْر ثمَّ لَا يدْرِي فِيمَا سموهُ سفها أَو حِكْمَة إِنَّه فعل الشَّرّ أَو فعل الْخَيْر وكل الْإِنْسَان عِنْدهم مشوب من الْأَمريْنِ يرى بِكُل وَاحِد خلاف مَا يرى بِالْآخرِ فَلَعَلَّهُ رأى الْحِكْمَة سفها والسفه حِكْمَة ثمَّ لَا يوثق بقوله لِأَنَّهُ خير فَهُوَ من جَوْهَر الظلمَة كذب كُله وَمن جَوْهَر النُّور صدق كُله فَلَا يدْرِي بِأَيّ جوهرين ينْطق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ إِذْ لم يكن لوَاحِد مِنْهُمَا قدرَة على الضَّرَر وَلَا للأخر قدرَة على النَّفْع فَانْقَطع مَوضِع الرَّجَاء وَالْخَوْف جَمِيعًا فَيذْهب مَنْفَعَة معرفَة الْحِكْمَة والسفه
ثمَّ إِذْ كَانَ كل وَاحِد من الجوهرين يعْمل بالطبع فوقوع الْعلم بالحكمة إِذا محَال والسفه بالطبع وَالْحكمَة هِيَ وضع كل شَيْء مَوْضِعه والسفه وضع كل شَيْء فِي غير مَوْضِعه ومحال وصف ذِي طبع بِهِ إِذْ هُوَ اخْتِيَار والنور عِنْدهم لَا يعلم مَا السَّفه فيحذره وَلَا الظلمَة تعلم مَا الْحِكْمَة وَالْجهل بمائية الشَّيْء وبالوضع لَهُ شَرّ فَصَارَ جَوْهَر النُّور عِنْدهم هُوَ الَّذِي اجْتمع فِيهِ الْعلم وَالْجهل ثمَّ الْقُدْرَة وَالْعجز بِمَا لَا يقدر على صرف السَّفه عَن نَفسه وَلَا يمْنَع الظلمَة عَن الضَّرَر بِهِ فَصَارَ جَوْهَر الْخَيْر عِنْدهم مشوبا بِالشَّرِّ وجوهر الظلمَة لَا خير فِيهِ فَلَزِمَ على قَوْلهم غَلَبَة الشَّرّ على الْخَيْر وَالَّذِي هُوَ خير لم يعرف الشَّرّ والسفه فَكيف يعرف هَذَا الَّذِي يُولد عَن جَوْهَر الْخَيْر بعد غَلَبَة الشَّرّ عَلَيْهِ الْخَيْر وَالشَّر
على أَن كل ذِي طبع مقهور إِذْ لَا يملك صرف مَا يُوجِبهُ الطَّبْع وَإِيجَاب الْخلاف وَفِي ذَلِك إِيجَاب قاهر يَجْعَل ذَا شرا بالطبع وَهَذَا خيرا وَلَو رد ذَا إِلَى اثْنَيْنِ كَانَ فيهمَا مَا فِي هذَيْن نَحْو التسخين والتبريد أَنه يكون بِمن جعله كَذَلِك وَفِي ذَلِك إِيجَاب القَوْل بِالْوَاحِدِ
وَمن يَقُول بِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا خَالق قَادر فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو كل وَاحِد مِنْهُمَا من أَن يعلم الْوَجْه الَّذِي يمْنَع الآخر عَن عمله أَو لايقدر عَلَيْهِ أَو لَا فَإِن لم يعلم وَلم
стр. 113
يقدر اجْتمع فِي النُّور الْجَهْل وَالْعجز وَفِي ذَلِك بطلَان السَّبَب الَّذِي لَهُ قَالُوا بإثنين وَإِن علم وَقدر ثمَّ لم يعْمل فِي الْمَنْع لحقه وصف الشَّرّ
ثمَّ لَا يَخْلُو النُّور من أَن يعادي الظلمَة أَو لَا وَيُحب تَشَاغُله أَو لَا فَإِن كَانَ لَا يعادي وَيُحب فَذَلِك شَرّ لِأَن ترك عَدَاوَة الْعَدو والمحبة لَهُ شَرّ وَإِن كَانَ يعاديه ويبغضه فالعداوة والبغض شَرّ فِي الْمَعْرُوف من الشَّاهِد فَإِن قَالَ ذَلِك فِي الشَّاهِد لثُبُوت الْآفَات فَمثله فِي جَمِيع مَا أنكر من الْحِكْمَة فِي خلق النَّوْعَيْنِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَنه لَا بُد من الْإِقْرَار بِعلم بعد الْجَهْل فِي الشَّاهِد وبالإحسان بعد الْإِسَاءَة وبالندم بعد ذَنْب وبالإقرار بالإساءة بعد الْعقل وَكَذَلِكَ باعتقاد شَيْء حَقًا بعد أَن اعتقده بَاطِلا للوجود فِي الشَّاهِد فَأَما أَن نجْعَل الْأَمريْنِ من النُّور فَيكون مِنْهُ الْجَهْل والإساءة والذنب والسفه وكل شَيْء فَبَطل قَوْله بالإثنين لهَذَا الْوَجْه أَو نجْعَل الْإِسَاءَة والسفه وَالْجهل من الظلمَة وَالْإِقْرَار وَالْإِحْسَان والندامة من النُّور فَيكون ذَلِك كذبا وتحزبا وإهتماما وكل ذَلِك عِنْده من فعل الظلمَة فقد أثْبته للنور ثمَّ الْإِقْرَار بِمَا لم يكن كذب وسفه وَإِمَّا أَن يَكُونَا من الظلمَة فَيكون مِنْهَا خير وَشر
وَأَيْضًا أَن النُّور لَا يَخْلُو من أَن يهتم للشر يحل بأوليائه ويحزن عَلَيْهِ أَو لَا فَإِن اهتم وحزن بَطل قَوْله هُوَ كُله لَذَّة وسرور وَإِن لم يحزن بَطل قَوْله فِي فعل الشَّرّ وَالضَّرَر إِنَّه الْقَسْوَة والشدة لَا الرَّحْمَة وَذَلِكَ فِي القَوْل بإثنين بِمَ يُقَال لَهُ التحرك بعد السّكُون أَو لَا وَيُرِيد شَيْئا ثمَّ ينفر عَنهُ وَيُحب أمرا ثمَّ يبغضه ويكلم فِي هَذَا بِمثل الَّذِي ذكرت فِي الْفَصْل الأول وَالله الْمُوفق
فَإِن زعمت الثنوية فِي جَمِيع مَا عَارَضنَا من اخْتِلَاف الْأَحْوَال وتضادها أَن ذَلِك كَذَلِك فِي الشَّاهِد لشوائب الْآفَات من الظلمَة فِي جَوْهَر النُّور فَيرى الشَّيْء بِغَيْر صورته وَبهَا يَقع التَّوَاتُر للْعلم بالأشياء قيل فَمَا يبعد أَن يكون قَوْلك كَذَا لَيْسَ
стр. 114
بحكمة وَلَا رَحْمَة بل هُوَ سفه وقسوة إِنَّمَا كَانَ مِنْك لما شابك من آفَات الظلمَة فمنعك أَن ترى كل شَيْء بجوهره وَصورته وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الله سُبْحَانَهُ إِذْ هُوَ الْقَادِر عَلَيْهِ بِذَاتِهِ لَا يعجزه شَيْء الْغنى بِنَفسِهِ لَا يحوجه شَيْء الْعَلِيم بِذَاتِهِ لَا يجوز أَن يجهل شَيْئا الْحَكِيم بِذَاتِهِ لَا يجوز الْخَطَأ مِنْهُ فِي الْفِعْل بَطل أَن يكون فِي خلقه تفَاوت تتناقض لَدَيْهِ الشَّهَادَة يتضاد فِيهِ التَّدْبِير وَلزِمَ القَوْل بِكُل مَا لَا تبلغه عقولنا بدرك الْحِكْمَة بعد أَن ثَبت أَنه منشئه ومحدثه أَن نعلم أَن فِيهِ حِكْمَة بليغة لم يبلغهَا على مَا لَا يعلم أَن كل حاسة من حواسنا جعلت لدرك مَا تقع هِيَ عَلَيْهِ وَإِن كَانَت تقصر رُبمَا عَن الْإِحَاطَة وتجيء حاسة أُخْرَى فتحيط بِهِ فَمثله الْعقل إِذْ هُوَ مَخْلُوق مَحْدُود لَا يُجَاوز الْحَد الَّذِي جعل لَهُ مَعَ مَا كَانَ مَوْجُودا فِيهِ قبح كل شَيْء يظْهر حسنه وَفَسَاد شَيْء يظْهر صَلَاحه فَثَبت أَنه رُبمَا يَعْتَرِيه مَا يمْنَع عَن كنه مَا يَقع عَلَيْهِ من الْحِكْمَة والسفه
وَبعد فَإِن تَقْدِير جِهَة الْحِكْمَة مِمَّن هُوَ مُحْتَاج فَقير يحبب إِلَيْهِ حَاجته ويزين فِي عَيْنَيْهِ فقره وَيحسن أَشْيَاء قبيحه بِالْعَادَةِ والإلف وَكَذَلِكَ أضدادها فَإِن من هَذَا وَصفه من الْإِحَاطَة بحكمة الربوبية ولتلك الْآفَات أَيْضا عجز عَن إنْشَاء فعل لَا عَن شَيْء إِذْ هُوَ يتقلب بالجوارح وَيسْتَعْمل الْآلَات فَأنى يكون لمن ذَلِك مَحَله فِي فعله بعد علمه أَنه يعْمل بِقُوَّة أحدثت وَعلم أفيد هُوَ التحكم بِالْعَجزِ وَالْجهل على من هُوَ بِذَاتِهِ قَادر عَالم بِالْعَجزِ عَن مثله وَالْجهل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ عَلَيْهِم فِي الْفَصْل الأول أَن يُقَال أيا من النُّور والظلمة إِذا آذته بالإنتهاء عَنهُ وينهاه عَن ذَلِك فَإِن قَالَ لَا أقرّ بسفهه إِذْ مثله فعل السَّفِيه فِي الشَّاهِد وَإِن قَالَ نعم كلفه مَا لَا يحْتَمل جوهره عِنْده فَهُوَ سَفِيه أَيْضا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأما أَصْحَاب الطبائع فَإِن الطابع مقهور لَا يقدر على الإمتناع عَمَّا طبع عَلَيْهِ بل يقدر غير كل ذِي طبع أَن يمْنَع إِيَّاه عَن توليده فَثَبت أَن عمله لغيره مَا
стр. 115
يعْمل إِذْ قد يمْنَع بِغَيْرِهِ عَن الْعَمَل وَلَو كَانَ بِنَفسِهِ يعْمل ذَلِك مَا احْتمل مَا دَامَت نَفسه مَعَ مَا إِذْ كَانَ لَا يمْتَنع من عمل ثَبت أَنه مقهور تَحت قاهر عليم
ثمَّ كل ذِي طبع لَا يعلم فِي شَيْء بطبعه إِلَّا أَن يكون الآخر مجعولا بِحَيْثُ يقبل ذَلِك نَحْو الشَّيْء الَّذِي يتَأَذَّى لَا يُؤْذِيه الْفِعْل الَّذِي فِي غَيره مؤذ وَكَذَلِكَ المؤلم والملذ وَكَذَلِكَ الأصباغ وَلَيْسَ عمل الطَّبْع أَن يَجْعَل شَيْئا يقبل طبعه ويتأثر بِهِ فَثَبت بِهِ كَون غير الطبائع مَعَ مَا لَو خلى بَين ذِي الطَّبْع وَعَمله لَكَانَ لَا يؤلف وَلَا يصور فَدلَّ وجودهَا على غير ذَلِك أَن لَهَا منشئا
وَبعد فَإِنَّهُ لَو خلى بَين الأصباغ وانصباغ الْأَشْيَاء بهَا ليخرج فَاسِدا مسمما وَإِنَّمَا يصلح ذَلِك لحكيم عليم يضع كل شَيْء مَوْضِعه فَمثله أَمر الطبائع وَهُوَ فِي شَأْن الطبائع أَحَق إِذْ هِيَ تتنافر وفيهَا التباعد أَو يقْدَح فِي الْأَشْيَاء بِلَا حد وَفِيه الْفساد فَدلَّ الإتساق وَقيام الْأَعْيَان بهَا على عليم قاهر جمع بَينهَا وقهرها مَعًا مَعَ مَا كَانَ لكل مُجْتَمع الطبائع حَامِل يحملهَا لَيْسَ هُوَ لَهُنَّ فَثَبت بِالضَّرُورَةِ وجودهن وَقد مضى من هَذَا النَّوْع مَا فِيهِ مقنع وَقد نجد الْحَرَارَة ترْتَفع بطبعها والبرودة تنحدر وَقد يَجْتَمِعَانِ فِي جسم فَثَبت أَن ذَلِك لمدبر قاهر عليم
وَمن يَقُول بقدم الْأَعْيَان فَوَجَدْنَاهَا غير خَالِيَة عَن الْحَوَادِث لمنع القَوْل بذلك لوجوه أَحدهَا فِي الْقدَم خلاء وَفِي ذَلِك تَكْذِيب شَهَادَة العيان وَالثَّانِي وجود كثير من الْأَعْيَان وابتداؤها لمدد تعد وَهِي من آخر الْجُمْلَة تحْتَمل مَا يحْتَمل الْكل لذَلِك لزم القَوْل وَلم يجز أَن يُقَال كَانَ كامنا فَظهر أَو مُتَفَرقًا فَاجْتمع لما فِيهِ إِثْبَات غير حكم العيان وَإِذا احْتمل ذَلِك وَإِن ارْتَفع عَن الْإِحَاطَة بِهِ احْتمل كَون الْعَالم من لَا شَيْء وَإِن ارْتَفع وجوده عَن توهم الْبشر بِدَلِيل والكمون لَا يحْتَمل لإحالة كَون شَيْء وَاحِد مَكَانا لعشرة مثله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَلما لَا يَخْلُو العيان وَصفته من صور ثمَّ لَا يَخْلُو من مُصَور كَسَائِر مَا
стр. 116
يحس أَو صفته وَهِي لَا تقوم بِنَفسِهَا وَلَكِن بمقيم فَلَا يحْتَمل الْعَدَم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مَعَ مَا كَانَ كل شَيْء يعلم من نَفسه عَجزه وجهله بأحواله وَمَا فِيهِ صَلَاحه فَيكون ذَلِك دَلِيل الْكُلية وَغير ذَلِك من الْأَدِلَّة الَّتِي تقدم ذكرهَا
ثمَّ وصف الصَّانِع بِالْقُدْرَةِ فِي الْأَزَل والجود لَازم وَكَذَلِكَ عندنَا بالصنع ليَكُون كل على مَا كَانَ وَيكون أَبَد الآبدين على ارْتِفَاع الْقدَم عَن كل كَائِن بِهِ لِأَنَّهُ نوع الفناء وإحالة معنى التكوين عَنهُ إِذْ هُوَ الْكَوْن نَفسه وعَلى مَا كَانَ مَا لَا تَخْلُو الْأَعْيَان من الْحَوَادِث الَّتِي طريقها الْقُدْرَة وَالْكَرم ثمَّ رجعت إِلَى الْحَوَادِث على مَا يحْتَمل ذَلِك فَمثله الْأَعْيَان وَلَا قُوَّة إِلَّا الله
وَلَو كَانَ الْكل قَدِيما لَكَانَ وصف الْقُدْرَة وَالْفِعْل يَزُول عَنهُ فِي الْحَادِث بل كَانَ تكوينه أَن يكون كل شَيْء على مَا علم أَن يكون وَيُرِيد بتكوين لم يزل بِهِ مَوْصُوفا إِذْ هُوَ يتعالى عَن الْحَوَادِث فِيهِ بِمَا يصير بِمَعْنى الْعَالم الَّذِي دلّ إحاطة الْأَحْدَاث بِهِ على حَدثهُ فَمثله الصَّانِع وَالله الْمُوفق
مَسْأَلَة فِي طرق التَّوْحِيد
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ القَوْل بِالتَّوْحِيدِ من طرق هُوَ أَن قَول أهل الدَّهْر على اخْتلَافهمْ اتّفق على وَاحِد بادئ أَو قدم طِينَة أَو هيولي وَهُوَ وَاحِد حَتَّى اعترضت فِيهِ الْأَعْرَاض وتغيرت عَن الْحَال الأولى
وَقَالَ الثنوية إِن الْحَكِيم الرَّحِيم الْعَلِيم وَاحِد وَإِن معنى الآخر لَيْسَ هُوَ بِمَعْنى الربوبية بل هُوَ ضد مَعْنَاهُ إِذْ هُوَ سفه كُله وَشر
стр. 117
وَأهل الْأَدْيَان يثبتون الْقدَم للْوَاحِد حَتَّى قَالَ قوم بتجسمه من بعد وَقوم إِن لَهُ ابْنا
فهم على اخْتلَافهمْ أَجمعُوا على الْوَاحِد وَنَحْو ذَلِك أَنه لَيْسَ بِذِي شَبيه إِذْ محَال ذَلِك إِذْ لم يكن غَيره فَهُوَ على ذَلِك إِذْ الْوَجْه الَّذِي فِيهِ شبه وجود مَا فِي غَيره من الْحَدث وَذَلِكَ بعيد وَهَذَا معنى الْوَاحِد إِنَّه إِذْ هُوَ وَاحِد فِي علوه وجلاله وَوَاحِد الذَّات محَال من أَن يكون لَهُ فِي ذَاته مِثَال إِذْ ذَلِك يسْقط التَّوْحِيد وَقد بَيناهُ وَوَاحِد الصِّفَات يتعالى عَن أَن يشركهُ أحد فِي حقائق مَا وصف بِهِ الْعلم وَالْقُدْرَة والتكوين بل كل وصف من ذَلِك لغيره بِهِ بعد أَن لم يكن ومحال مماثلة الحَدِيث الْقَدِيم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ أعْطى جَمِيع الْبشر مِمَّن لَهُ نظر التَّوْحِيد فِي الْجُمْلَة ثمَّ نقض كل فريق مِنْهُم مَا أعْطى فِي الْجُمْلَة بالتفسير إِلَّا فريق من أهل الْإِسْلَام لزموا مَا أَعْطَاهُم الْجَمِيع
وَذَلِكَ نَحْو من يَقُول من الدهرية بالباري وَقدم الْبَارِي فَجعل مَعَه جَمِيع الْأَعْيَان فِي الْأَزَل وَفِي ذَلِك إبِْطَال التَّوْحِيد
وَمن يَقُول بالطينة والهيولي فيجعلهما وَاحِدًا ثمَّ أتْلفه وَجعل مَا لَا يُحْصى مِنْهُ على الإنتقال والفناء
وَمن يَقُول من الثنوية بِالْوَاحِدِ الْعَلِيم فَهُوَ يذهب إِلَى أَنه وَاحِد الْجِنْس إِذْ يَجْعَل جَمِيع الْخيرَات أَجزَاء لَهُ وَذَلِكَ قَول المنانية وَنَحْوهم من الزَّنَادِقَة وَالْمَجُوس فأبطلوا معنى الْوَاحِد بالْقَوْل بالجسم إِذْ هُوَ اسْم مَا يكثر مِنْهُ
وَالْيَهُود حققوا لَهُ شبه الْخلق فيكثر بِهِ الْعدَد حَتَّى بلغ قَوْلهم إِلَى حد إِمْكَان الْوَلَد
وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ بِالْوَاحِدِ فِي الكيان وَالثَّلَاثَة فِي القنومات منفى عَن كل
стр. 118
قنوم الْجُزْء وَالْحَد وَيَقُولُونَ كَانَ غير مجسم ثمَّ تجسم وَمَعْلُوم أَن الْجِسْم هُوَ صُورَة تتجزأ وتتبعض
وَأَصْحَاب الطبائع لم يوجبوا الطبائع لأنفسها تعْمل حَتَّى يكون من يجمع بَينهَا وَيفرق وَذَلِكَ أزلي عِنْدهم
وَمن منتحلي التَّوْحِيد الْمُعْتَزلَة يَقُولُونَ بالأشياء فِي الْقدَم وَاسم الْقدَم يَأْخُذ الْأَزَل فَمثله الْأَشْيَاء فَيبْطل على قَوْلهم التَّوْحِيد على مَا بَينا من قَول الدهرية فِي قدم الْعَالم مَعَ مَا كَانَ الله عِنْدهم غير خَالق وَلَا رَحْمَن وَلَا رَحِيم ثمَّ صَار كَذَلِك يحدث الْأَشْيَاء على مَا قَالَت الثنوية من التباين بِالذَّاتِ ثمَّ الإمتزاج وعَلى مَا قَالَ أَصْحَاب الهيولي والطينة إِنَّه كَانَ وَاحِدًا على جِهَة ثمَّ صَار على تِلْكَ الْحَال بِمَا حدث من الْحَوَادِث لَكِن قَول أُولَئِكَ ألزم بِحَق الْعقل من قَول الْمُعْتَزلَة إِذْ هم ألزموا التَّغَيُّر بحوادث فِي الأَصْل وَهَؤُلَاء بحوادث فِي غَيره وَلَا أحد يتَغَيَّر فِي الشَّاهِد عَمَّا عَلَيْهِ بِمَا لَا يحل بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وعَلى هَذَا القَوْل الْحُسَيْن والبرغوث وَغَيرهمَا فِي هَذَا الثَّانِي وَهَؤُلَاء أَيْضا ألزموا التَّغَيُّر بِالْمَكَانِ حَيْثُ قَالُوا كَانَ وَلَا مَكَان ثمَّ هُوَ مَوْصُوف بِكُل مَكَان فألزموا الْوَصْف بالمحدث فَيبْطل معنى التَّوْحِيد
والمشبهة يَقُولُونَ لَهُ مِثَال فِي الْخلق فِي الجسمية وَالْحَد وَالنِّهَايَة والحركات والسكون يحققون لَهُ مَا بِهِ عرف حدث الْعَالم ويجعلونه مِثَالا لَهُ جلّ الله عَن ذَلِك
стр. 119
فَحصل قَول فريق بِالتَّوْحِيدِ أَنه واحدي الذَّات إِلَيْهِ حاجات الْآحَاد متعال عَن معنى الْآحَاد عَمَّا يُوجب صفة الْأَعْدَاد ويتمكن فِيهِ صفة التَّغَيُّر والزوال أَو الْحُدُود وَالنِّهَايَة مَوْصُوف بالقدم والتكوين وَالْقُدْرَة جلّ وَعز عَن التَّغَيُّر والزوال وَالْحَمْد لله على كل حَال
ثمَّ رَجَعَ اخْتِلَاف الدهرية إِلَى ثَلَاثَة إِلَى تبَاين ثمَّ الإجتماع وَذَلِكَ قَول الزَّنَادِقَة والثنوية وَمن يَقُول بِالنورِ والظلمة وَإِلَى اجْتِمَاع ثمَّ التباين وَذَلِكَ قَول من يَقُول بالطينة والهيولي مَعَ الْجَهْل بهما على القَوْل بالقدم وَيُشبه أَن يكون هَذَا قَول أَصْحَاب الطبائع على أَنه لم يظْهر ذَلِك من قَوْلهم ثمَّ بقدم التَّفَرُّق أَو الإجتماع ويرون مَا عَلَيْهِ الْعَالم عَلَيْهِمَا وعَلى ذَلِك قَول من يَقُول بقدم الْأَعْيَان مَعَ حوادث لَا أول لَهَا وَقَول المفرق بَين الْحَالين ظَاهر التَّنَاقُض لِأَنَّهُ أوجب أحد الْوَجْهَيْنِ لنَفسِهِ من التباين أَو الإجتماع إِذْ ذَلِك وَصفه بالقدم ثمَّ ذهب عَنهُ ذَلِك من غير ذهَاب نَفسه فَبَطل مَا كَانَ عَلَيْهِ مَعَ السَّبَب الَّذِي بِهِ كَانَ وَذَلِكَ وجود عِلّة إِيجَاد الشَّيْء فِي حَال ارتفاعه وَذَلِكَ فَاسد فِي الْعقل مَعَ مَا لَو جَازَ ذَا لجَاز أَن يصير الْقَدِيم حَدِيثا والْحَدِيث قَدِيما وَفِي ذَلِك بطلَان قَوْلهم فِي الْقدَم مَعَ مَا لَو جَازَ وجود مَا ثَبت بِنَفسِهِ زائلا وَمَا زَالَ بِنَفسِهِ ثَابتا لجَاز وجود
стр. 120
مَا وجد بِنَفسِهِ عديما وَعدم مَا عدم بِنَفسِهِ مَوْجُودا وَفِي ذَلِك وَجْهَان أَحدهمَا كَون الْعَالم بعد أَن لم يكن ووجوده بعد الْعَدَم وَفِي ذَلِك فَسَاد مَذْهَبهم وَوُجُوب القَوْل بِحَدَث الْعَالم بِلَا أصل لَهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالثَّانِي لَو جَازَ أَن يصير الْمُجْتَمع بِذَاتِهِ مُتَفَرقًا والمتفرق بِذَاتِهِ مجتمعا من غير حدث بِهِ لجَاز كَون الْمُجْتَمع مُتَفَرقًا وَقت كَونه مجتمعا إِذْ ذَاته قَائِم وَذَلِكَ مِمَّا لَا صَبر لِلْعَقْلِ عَلَيْهِ مَعَ مَا يَزُول بِهِ معرفَة الأغيار الْبَتَّةَ إِذْ لَا علم عَلَيْهِ أدل من الَّذِي ذكرت وَفِي ذَلِك جَوَاز جعل الشَّرّ خيرا والظلمة نورا والحي مَيتا والمتحرك سَاكِنا والبارد حارا وَنَحْو ذَلِك من الأضداد وَفِي جَوَاز ذَلِك بطلَان القَوْل بقدم التباين والإجتماع إِذْ كَانَا مَعًا وَفِي ذَلِك فَسَاد القَوْل بالدهر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَنَّهُمَا عِنْد التباين لَا يعدو إِمَّا أَن كَانَا كَذَلِك بالطبع أَو بالإختيار أَو بِأخر يجعلهما كَذَلِك وَكَذَلِكَ الْمُجْتَمع مِنْهُ ثمَّ التباين والإمتزاج لَا يعدوان مَا ذكرنَا فَإِن كَانَا كَذَلِك بالطبع لوَجَبَ أَن يزْدَاد من ذَلِك فِيمَا كَانَ أَصله التباين أَو الإجتماع أَن يزْدَاد مِنْهُ أَلا يرى أَن كل متحرك بالطبع يزْدَاد بحركة وَكَذَا يسْتَحق وَكَذَلِكَ كل جَوْهَر بطبعه يَعْلُو وموضعه فَوق وَمن بطبعه يسفل فمحال لَهما الإجتماع أبدا وَكَذَا هَذَا الْعبْرَة بَين من يَتَحَرَّك من جِهَة الْيَمين مَعَ الَّذِي يَتَحَرَّك إِلَى الْيَسَار وَفِي ذَلِك بطلَان مَا قَالُوا وَإِن كَانَ ذَلِك بالإختيار فَالْقَوْل بِأَن كَانَا على غير مَا عَلَيْهِمَا فَاسد لِأَنَّهُ لَا دَلِيل على تثبت خلاف لما عَلَيْهِ الشَّاهِد أَن يكون الَّذِي اخْتِيَاره التباين يَقع مَعَه اجْتِمَاع أَو الَّذِي اخْتِيَاره الإجتماع يَقع مَعَه تبَاين فَبَطل الإختيار مَعَ فَسَاد قَوْلهم من بَقَاء كل بجوهر الآخر واحتباسه وَتَحْقِيق ذَلِك أَن احتباس الْخَيْر فِي الشَّرّ شَرّ وَلما لَو كَانَ لَهما الإختيار لَكَانَ لَا يَخْلُو كل وَاحِد مِنْهُمَا من الْقُدْرَة على منع الآخر عَن فعله وَاخْتِيَار ذَلِك وَالْعلم بكيفية ذَلِك فَإِن لم يكن بَطل معنى
стр. 121
الإختيار وَتحقّق فيهمَا جَمِيعًا الْعَجز وَالْجهل وَإِن كَانَ ذَلِك كَذَلِك بَطل الإختلاف عَمَّا كَانَا عَلَيْهِمَا لما بِهِ يصل كل إِلَى مَا يُؤْذِيه ويضره
وَبعد فَإِن فِي تَحْقِيق ذَلِك تجهيل كل وَاحِد مِنْهُمَا الآخر وتعجيزه وَفِي ذَلِك إِفْسَاد القَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَإِن كَانَ ذَلِك بآخر ثَبت حدث التَّفَرُّق والتباين وهما لَا يخلوان مِنْهُ فَلَزِمَ حَدثهمَا وَفِي ذَلِك لُزُوم القَوْل بِالتَّوْحِيدِ بِمَا أُرِيد بِهِ نَفْيه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَمن جهل الْأَمريْنِ جَمِيعًا فقد أقرّ أَن لَا قَول تكلم عَلَيْهِ وَأَنه مِمَّن لَا يحْتَمل عقله الْبَلَاغ إِلَى الْعلم بِهِ وَإِنَّمَا طَرِيقه التَّقْلِيد فأشكل عَلَيْهِ لاخْتِلَاف مَا أدّى إِلَيْهِ فَإِنَّمَا تكلم من عِنْده أَن الَّذِي أَدَّاهُ إِلَيْهِ حق يظْهر عِنْد ذَلِك الْحق ثمَّ إِذْ محَال إجتماع الْأَمريْنِ من حَيْثُ بَينا من التَّنَاقُض فَثَبت أَن الْحق لَو كَانَ فِيمَا يَقُول أهل الدَّهْر فَهُوَ فِي أحد ذَيْنك الْقَوْلَيْنِ وَقد بَينا فسادهما جَمِيعًا وَبِاللَّهِ المعونة
قَالَ مُحَمَّد بن شبيب فِي ذَلِك بِمَا كَانَ مَعْنَاهُ عندنَا إِنَّه إِذْ لَا يَخْلُو الْقَائِم على مَا عَلَيْهِ من التضاد والتناقض من أَن يكون كَذَلِك أبدا فَيبْطل كَونه من حَيْثُ لَا يتَوَهَّم كَون شَيْء من الْجُمْلَة إِلَّا أَن يكون شَيْء هُوَ فِيهَا فَيكون مَعَ ذَلِك كل كَائِن مِنْهَا الْمَانِع لكَونه فَيبْطل كمن يَقُول لَا يدْخل أحد هَذِه الدَّار حَتَّى يدخلهَا غَيره إِنَّهَا لَا تحْتَمل دُخُول أحد فِيهَا على وَفَاء الشَّرْط أَو إِن كَانَ عَن تبَاين قد تقدم فَيبْطل الْوُجُود للتضاد إِذْ حَقه التنافر بِمَا تضادا بالطبع وَلَو احْتمل الْخُرُوج عَن طبعهما الَّذِي فِيهِ التضاد والتضاد يُوجب مَا ذكرت بالإختيار لجَاز اخْتِيَار الفناء لَهُ فِي نَفسه وَإِن كَانَ هُوَ بطبعه بَاقٍ وَإِذا بَطل الْوَجْهَانِ ثَبت أَنه كَانَ بعد أَن لم يكن بِمن أحدثه كَذَلِك على مَا فِيهِ الإختلاف والإتفاق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 122
ثمَّ لَا يجوز أَن يحدث بِلَا مُحدث لما لَا يكون الْعَدَم بِهِ والوجود إِلَّا وَاحِدًا وَلما لَا يعرف صُورَة إِلَّا من مُصَور وَلما تغير الْأَوْقَات من شتاء وصيف وَنَحْو ذَلِك ثَبت أَنه كَانَ كَذَلِك فعورض بِمَا لَو كَانَ فِيمَا كَانَ بِنَفسِهِ يمنعهُ عَن ذَلِك كَونه فِي وَقت دون وَقت لم لَا كَانَ كَذَلِك فِيمَا كَانَ بِغَيْرِهِ فَزعم أَنه إِذا كَانَ بِغَيْرِهِ تَدْبِير كَونه لَهُ لمصْلحَة فِي الدّين أَو الدُّنْيَا وَفِيمَا كَانَ لَا بِغَيْرِهِ لَيْسَ كَذَلِك لذَلِك اخْتلف الْأَمْرَانِ وَهَذَا الَّذِي يزْعم يُوجب أَنه لَا يجوز أَن يَجْعَل أول الْخلق غير الممتحن حَتَّى يكون لَهُ فِي الَّذِي ذكرنَا وَإِذا جَازَ غَيره بِلَا مصلحَة لذَلِك الْوَقْت دون غَيره لَا معنى لما قَالَ وَقد بَينا نَحن القَوْل بالخلق وإحالة السُّؤَال عَن لم خلق وَلَيْسَ لنا أَن نزعم أَنه لَا يفعل إِلَّا الْأَصْلَح فَيلْزمهُ حق الْفِعْل حَتَّى يلْحقهُ وصف ذمّ إِن أخر أَو قدم بل الله تَعَالَى إِذْ هُوَ حَكِيم لَا يخرج فعله عَن الْحِكْمَة وَأما اعْتِبَار الْأَصْلَح لغيره إِنَّمَا تَقْدِير الْحق عَلَيْهِ لَا تَقْدِير الْفِعْل بِذَاتِهِ ومحال كَون الْحق لغيره عَلَيْهِ وَلَا غير بل السُّؤَال عَن جملَة الْخلق فَالْقَوْل فِي أَنه يخلق لنفع لَهُم أَو صَلَاح لَهُم لَا معنى لَهُ إِذْ لَيْسَ عَلَيْهِم فِيمَا لَا يخلقهم ضَرَر وَلَا فَسَاد فَيكون الْخلق لما ذكر وَالله أعلم
ثمَّ فِي الْجُمْلَة لَا يَخْلُو خلق من أَن يكون للمتحن بِهِ نفع وعبره من طَرِيق الإستدلال بِهِ والإعتبار سوى الْمَنَافِع الْأُخَر مِمَّا من الله عَلَيْهِم بهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وأصل صَلَاح العَبْد فِي الدّين إِنَّمَا هُوَ بِفِعْلِهِ وَكَذَلِكَ فَسَاده وَللَّه تَعَالَى بالأسباب الَّتِي بهَا ينَال فعل الصّلاح عَلَيْهِ أعظم المنن وأجزل النعم وَمن فسد فَهُوَ لأغراض عَن الله وإيثاره شَهْوَته على طَاعَته خلى الله بَينه وَبَين مَا اخْتَارَهُ لنَفسِهِ إِذا آثر هَوَاهُ على أمره وشهوته على طَاعَته وَالْفِعْل الَّذِي بَين لَهُ أَنه فعل الْعَدَاوَة على مَا هُوَ الْولَايَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
فعورض بِأول خلق خلقه لنَفسِهِ وَلَيْسَ ثمَّة مصلحَة فَزعم أَنه لَيْسَ ثمَّة وَقت ليقال فِيهِ لم لَا خلق قبله وَإِنَّمَا ذَلِك مَتى يكون هُوَ أول وَهُوَ أصلح
стр. 123
فِي التَّدْبِير وَأولى بالحكمة وَمَا هُوَ كَذَلِك فَيخرج السُّؤَال على أَنه لم لَا خلق دونه فِي الْحِكْمَة وَحسن التَّدْبِير
قَالَ الشَّيْخ ﵀ فَمَا ذكرت من الْوَقْت فَهُوَ مَا يذكر على أَن السُّؤَال فِي مثله سَاقِط لِأَنَّهُ لَا يشار إِلَى وَقت وَإِلَّا لَو كَانَ الْخلق قبل ذَلِك إِلَى مَا لَا يحْتَمل اللِّسَان من عدد الْأَوْقَات مُمكن وَفِي ذَلِك بطلَان السُّؤَال إِلَّا عَن قدمه وَذَلِكَ تنَاقض لإحالة وُقُوع التكوين على الْكَائِن فِي الْقدَم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَمَا ذكر من الْحِكْمَة فَذَلِك حق وَمَا ذكر من الْأَصْلَح لَا أَدْرِي مَا أَرَادَ بِهِ وَمَا قَالَ من دونه أَو مثله فَالْقَوْل بِهِ لَا معنى لَهُ وَللَّه تَعَالَى أَن يفعل الْفِعْل الَّذِي لَا يخرج عَن الْحِكْمَة إِذْ الْخُرُوج عَنهُ يُحَقّق السَّفه وَذَلِكَ يسْقط الربوبية ثمَّ فِي الْحِكْمَة طَرِيقَانِ أَحدهمَا الْعدْل وَالثَّانِي الْفضل وَلَيْسَ لما يقدر الله من الأفضال نِهَايَة فيتكلم فِي الشَّيْء بِأَفْضَل مَا يبلغهُ قوته من الْفِعْل مَعَ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ الأفضال يخْتَص بِهِ من شَاءَ
وَغير جَائِز خُرُوج فعله من الْحِكْمَة لما ذكرت وَكَذَلِكَ معنى الْعدْل إِنَّه وضع كل شَيْء مَوْضِعه لَكِن لَهُ دَرَجَات يُوصف فعل بَعْضهَا إحسانا وأفضالا وَفعل بَعْضهَا عدلا وَحِكْمَة إِذْ هما اسمان عامان لكل مَا للْفَاعِل فعله وَالْأول خَاص من حَيْثُ كَانَ لَهُ تَركه فيفعله منعما محسنا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وسؤال الْقُدْرَة على خلق شَيْء قبل هَذَا الْخلق يخرج على مَا بَيناهُ فِي الْوَقْت وَالله على كل شَيْء قدير
ثمَّ عورض بِمَا لم لَا كَانَ لم يزل يحدث الْأَشْيَاء فَأجَاب بِالَّذِي تقدم ذكره من فَسَاد كَون شَيْء قبل شَيْء إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَجَوَاب هَذَا عندنَا أَن يُقَال لَو أردْت بِقَوْلِك لم يزل يحدث الْأَشْيَاء ليَكُون هِيَ لم يزل فَذَلِك محَال لما فِيهِ إِثْبَات قدمهَا وَفِي قدمهَا فَسَاد إحداثها وَإِن أردْت بِهِ الإحداث ليَكُون كل شَيْء من ذَلِك لوقت كَونه فَذَلِك حق إِذْ هُوَ بِذَاتِهِ خَالق لَا بِغَيْرِهِ
стр. 124
ثمَّ نذْكر مَا عَارض مُحَمَّد بن شبيب من أسئلة الْمُلْحِدِينَ فعارض عَن الْوَاحِد الَّذِي يعبده مَا هُوَ وَقد بَينا مَا يُجَاب لَهُ وَهُوَ زعم أَن ذَا يحْتَمل مثل ذَا وَقد بَينا أَن لَا شَبيه لَهُ وَلَا يحْتَمل مَا يشار إِلَيْهِ وَلم نَكُنْ نعرفه بالحواس فنشير إِلَيْهِ وَمَا هُوَ بِمَعْنى يُوجد بالأدلة وَشَهَادَة الْعَالم وَمَا هُوَ مَا اسْمه الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَجَوَاب ذَلِك عندنَا هُوَ الله الْوَاحِد الَّذِي لَيْسَ كمثله شَيْء وَبِهَذَا الْحَرْف نقطع سَبِيل الْعود إِلَى السُّؤَال لِأَنَّهُ يعود إِلَى مَا يتَصَوَّر فِي الْوَهم وَفِي هَذَا نَفْيه إِلَّا من حَيْثُ الْوُجُود بالأدلة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ أجَاب عَن قَوْله أَيْن هُوَ إِنَّه فِي الْأَشْيَاء مُدبر لَهَا لَا على الْحُلُول كَمَا يُقَال فلَان فِي عمله وَقَالَ لَا على إحاطة الْأَشْيَاء بِهِ
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَقد أَخطَأ فِي الْجَواب بل حَقه أَن يُقَال تسْأَل عَن الْمَكَان وَقد كَانَ وَلَا مَكَان وَهُوَ يتعالى عَن الْوَصْف بالأمكنة بل هُوَ على مَا كَانَ بِلَا تغير وَلَا زَوَال وَالْقَوْل بالكون فِي الْعَمَل إِخْبَار فِي الْمُتَعَارف عَن الْعَمَل الشاغل لَهُ الحابس فِيهِ عَن غَيره وَالله يتعالى عَن هَذَا الْوَصْف
ثمَّ أجَاب من سَأَلَهُ إِنَّكُم إِذا نفيتم عَن الله شبه خلقه وَعَن خلقه شبهه فقد شبهتم فَقَالَ ذَلِك نفى وَلَيْسَ فِي النفى تَشْبِيه أَلا ترى أَن من قَالَ مثله فِي السوَاد وَالْبَيَاض من أَنه لَا يشبه أَحدهمَا الآخر إِنَّه لَا يُوجب التشابه وَإِنَّمَا يكون ذَلِك فِي الْإِثْبَات
وَمَا ذكره حسن وَلَو كَانَ بذلك تشابه لَكَانَ بقوله هَذَا يشبه ذَا إِيجَاب الْخلاف وَفِي ذَلِك قلب الْحَقَائِق وَإِبْطَال الْمجَاز كُله وَجُمْلَته أَن النفى يرفع المنفى عَن الْوَهم وَالْعقل وَإِذا ارْتَفع ذَلِك لم يقدراه والتشابه هُوَ الْوَاقِع تَحت قدر من جَوْهَر أَو صفة أَو حد فَلذَلِك بَطل مَعْنَاهُ
وبمثله يُجَاب لمن يزْعم أَنكُمْ إِذا لم تصفوا الله بمَكَان فقد حددتم وَأَن الْحَد
стр. 125
هُوَ نفاية الْمَكَان ومحال نفى تَحْدِيد فِي الْوَصْف بِهِ وَكَذَلِكَ الْأَمْكِنَة بل الْقَائِل بِكُل مَكَان أَو بمَكَان دون مَكَان هُوَ الَّذِي حَده إِذْ أثْبته على مَا أثبت الْمَكَان الْمُضَاف إِلَيْهِ مَا يقدره الْعقل وَالوهم وَعند ذَلِك التَّحْدِيد والتشبيه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ أجَاب لسؤال كَيفَ خلق الله الْخلق إِنَّه لَو أَرَادَ بِهِ المعالجة فِي الْفِعْل فَهُوَ غير جَائِز بل ابتدعه وأحدث عينه بِلَا علاج وَلَو أَرَادَ أَي شَيْء خلق يشار إِلَى الْجَوَاهِر من نَحْو السَّمَاء وَغَيرهَا إِذْ خلق الشَّيْء زعم هُوَ ذَلِك الشَّيْء وَلَو أَرَادَ بِهِ لم خلق فلمنافع الْخلق فِي دينهم وَمَا هُوَ أصلح لَهُم فِيمَا كلفهم
وَقَالَ الْفَقِيه ﵀ جَوَاب هَذَا السُّؤَال دَفعه أَن لَيْسَ لفعله كَيفَ إِذْ كل ذِي كَيفَ هُوَ ذُو أَمْثَال ثمَّ القَوْل فِي كَون خلق الشَّيْء أَنه هُوَ أَو غَيره اخْتِلَاف فَمنهمْ من يَقُول هُوَ هُوَ وَبِه يَقُول وَالسُّؤَال على مذْهبه فَاسد لِأَنَّهُ لَا غير لخلقه فيمثل هُوَ بِهِ وَمِنْهُم من يَقُول خلق الشَّيْء فَهُوَ صفته الَّتِي وصف بهَا فِي الْأَزَل فالسؤال عَن كيفيته هُوَ السُّؤَال عَن كَيْفيَّة ذَاته وَعلمه وَقدرته وَذَلِكَ فَاسد
ثمَّ أجَاب من سَأَلَ أَمن شَيْء خلق الْأَشْيَاء أَو من لَا شَيْء فَقَالَ لَا من شَيْء مَعْنَاهُ أَن اخترع الْأَشْيَاء أَي ابتدعها من غير أصل وَهَذَا فِيمَا أخبر من حدث الْأَجْسَام لَكِن مَذْهَب الْمُعْتَزلَة أَن شيئية الْأَشْيَاء لم يكن بِاللَّه بل كَانَ بِهِ وجودهَا فَيكون على قَوْلهم خلق الْأَشْيَاء لَا من شَيْء محَال بل لم يخلق الْأَشْيَاء لكنه أوجد أعيانها عَن الْعَدَم وَهن فِي الْعَدَم أَشْيَاء وَذَلِكَ من مضاهات الدهرية والحمدلله الَّذِي عصمنا عَن ذَلِك
وَجَوَابه لسؤال الله غَرِيب إِنَّه خلق لمنافع الْخلق وَسُئِلَ إِنَّه لم خلق قَالَ لمنافع الْخلق وَلم خلق لمنافع الْخلق وَأي حَاجَة كَانَت لِلْخلقِ وَلَا خلق
стр. 126
ليخلق الْخلق لمنافعهم فَلَو جَازَ أَن يُقَال خلق خلقا بِلَا حَاجَة لمنافعهم كَيفَ لَا خلق إِذا لمنافع نَفسه وَإِن لم يكن لَهُ حَاجَة وَهَذَا بقوله أولى لِأَنَّهُ كَانَ غير خَالق وَلَا رَحْمَن وَلَا رَحِيم وَهَذِه أَسمَاء التَّعْظِيم والمدح وَكَأَنَّهُ انْتفع بالخلق عِنْدهم إِذْ لم يكن كَذَلِك بِذَاتِهِ فَصَارَ كَذَلِك بخلقه جلّ الله عَن صِفَات الْحَاجَات وَالْمَنَافِع وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الْفَقِيه ﵀ وَقَوله خلق هُوَ ذَلِك الشَّيْء فَإِذا الشَّيْء بِذَات الله أَو بِذَات نَفسه إِذْ لم يكن من الله إِلَّا ذَاته وَلَا إِلَى الْخلق مِنْهُ سوى الْخلق بِذَاتِهِ فَكيف صَار هُوَ خَالِقًا وَلم يكن مِنْهُ غير الْخلق دون أَن كَانَ الْخلق بِلَا غَيره وَلم لَا كَانَ الْخلق فِي أَن يكون خَالِقًا أَحَق مِنْهُ إِذْ لم يكن مِنْهُ إِلَيْهِ سوى أَن كَانَ هُوَ وَقدم الشَّيْء لَا يُوجب كَون آخر بِهِ إِذا لم يكن مِنْهُ إِلَيْهِ مَا بِهِ يكون فِي الشَّاهِد كَيفَ أوجب ذَلِك فِي الْغَائِب
وَقَوله لكيف خلق لم يخلق بالمعالجة وَمَا ذكر كَلَام لَا معنى لَهُ لِأَنَّهُ لم يسْأَل عَمَّا لم يكن بل سُئِلَ عَن كَيْفيَّة فعله فَقَوله لم يعالج لَا معنى لَهُ وَإِذا كَانَ عِنْده أَن خلق الشَّيْء هُوَ ذَلِك الشَّيْء فليذكر إِذا فِي جَوَابه ذَلِك الشَّيْء دون أَن يقسم السُّؤَال ثمَّ يزِيل عَنهُ الْمَفْهُوم من الكيف وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأجَاب لمن عَارضه بِأَنَّهُ إِذا لم يزل عليما سميعا بَصيرًا لم لَا قلت إِنَّه لم يزل خَالِقًا فَزعم أَن فِي ذَلِك إِيجَاب الْخلق فِي الْأَزَل ويعنى بلم يزل سميعا نفى الصمم وَنَحْو ذَلِك فِي الْعَالم والبصير وَزعم أَنه يَقُول لم يزل الْخَالِق وَلَا يَقُول خَالِقًا لما ذكر
قَالَ الْفَقِيه ﵀ فَإِن لم يكن فِي قَوْله لم يزل سميعا بَصيرًا عليما إِلَّا أَنه لَيْسَ بجاهل وَلَا أعمى وَلَا أَصمّ فَكَانَ التَّصْرِيح بِهَذَا أولى إِذْ هُوَ أبعد من الشُّبْهَة
стр. 127
إِذْ قد يجوز أَن يُقَال للشَّيْء لَيْسَ بجاهل وَلَا عَاجز وَلَا أَصمّ وَلَا يجب بِهِ الْوَصْف بِقَادِر عَالم سميع بَصِير فَإِذا لم يكن فِي ذَا سوى نفى الَّذِي ذكر فحرف النفى أقرب من حرف يفهم مَا لَا مَنْفَعَة فِي فهمه بل فِيهِ كل ضَرَر وَلَو لم يرد بذلك سوى نفى الأضداد فَلْيقل هُوَ صَحِيح سليم معافى على نفى الأضداد دون تَحْقِيق الَّذِي ذكر فَإِذا لم يجز ذَا بَان أَن الَّذِي زعم من بَيَان حَاصِل الَّذِي ذكر وهم
وَبعد فَإِن خُرُوج الْأَفْعَال المتتابعة على حسن النظام والإحكام هِيَ أَدِلَّة الْعلم بهَا وَالْقُدْرَة عَلَيْهَا لَا أَنَّهَا أَدِلَّة من لَيْسَ بجاهل وَلَا عَاجز إِذْ غير وَاحِد بِمَا وَصفه لَا يكون مِنْهُ فعل البته وَلَا اتساق نَحْو الْأَعْرَاض كلهَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَنَّهَا أَسمَاء عَن صِفَات تسْقط لسُقُوط الصِّفَات فَإِذا لم تحقق الصِّفَات صيرت الْأَسْمَاء أَسمَاء ألقاب وَإِذا صَارَت كَذَا فَالْقَوْل بِأَنَّهُ لم يزل كَذَا كَلَام لَا معنى لَهُ لإحالة اللقب فِي الْأَزَل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ إِذْ لم يجب فِي القَوْل بسميع عليم كَون كل مَعْلُوم مَقْدُور عَلَيْهِ مسموع فِي الْأَزَل فَمثله فِي القَوْل بالخالق لَكِن خَالق الْأَشْيَاء ليَكُون على مَا هِيَ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ عَالم بهَا كَذَلِك وقادر وَنَحْو ذَلِك وَإِذا كَانَ القَوْل بعالم سميع بَصِير وبالعالم السَّمِيع الْبَصِير وَاحِدًا فَكَذَلِك بخالق والخالق وَاحِد بل الْخَالِق فِي إِيجَاب قدم الْخلق أَحَق لَو كَانَ التَّقْدِير من الملفوظ من خَالق أَلا يرى أَنه على وزن خَالق يُقَال مَالك يَوْم الدّين وخالق كل شَيْء يدْخل فِي ذَلِك كل حَادث وقائم لَيْسَ فِي قَوْله الخاق ذَلِك وَلَا هُوَ يَقُول عَلَيْهِ فِي الْعرف وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَالْأَصْل أَن الله تَعَالَى إِذْ لَا سَبِيل إِلَى الْعلم بِهِ إِلَّا من طَرِيق دلَالَة الْعَالم عَلَيْهِ بِانْقِطَاع وُجُوه الْوُصُول إِلَى مَعْرفَته من طَرِيق الْحَواس عَلَيْهِ أَو شَهَادَة السّمع ثمَّ الشَّاهِد يدل عَلَيْهِ من وَجه الشَّهَادَة لَهُ بِالصّفةِ لَا من وَجه الشَّهَادَة بِالذَّاتِ إِذْ الْوُجُود بعد أَن لم يكن هُوَ دَلِيل الإيجاد والإحداث
стр. 128
الَّذِي بِهِ يعلم الْمَوْجُود الْمُحدث وَاخْتِلَاف أَحْوَال الشَّاهِد وإجتماع المتضاد فِي الْوَاحِد هُوَ دَلِيل قدرته ونفاذ التَّدْبِير الَّذِي بالمدبر القوى يكون واتساق التَّدْبِير وَعدم التَّفَاوُت فِي الْوَاقِع تَحت الْعقل على كثرته دَلِيل علم الْعقل الَّذِي بِهِ يعلم الْعَالم وَلَا شَيْء فِي المحسوس يدل على ذَات إِذا نفى عَنهُ الصّفة لم يجز القَوْل بِإِثْبَات ذَات غير تَحْقِيق الصِّفَات إِذْ ذَلِك غير طَرِيق شَهَادَة العيان وَكَذَلِكَ شَهَادَة من ثَبت صدقهم بالأدلة جَاءَ بالعليم السَّمِيع الْبَصِير على ذكر الْعلم وَالْقُدْرَة وَنَحْو ذَلِك مَعَ الْعلم أَن هَذِه الْأَسْمَاء من أَسمَاء الصِّفَات
ثمَّ إِذْ لم يجز الْوَصْف بِالْمَكَانِ وبالخروج أَو الدُّخُول أَو الإتصال أَو الإنفصال أَو الْبَيْنُونَة أَو نَحْو ذَلِك على نفى أضداد تِلْكَ الْأَحْوَال من غير إِثْبَات تَحْقِيق الملفوظ وَكَذَلِكَ شَأْن الإجتماع والإفتراق والتحرك والسكون لم يجز الَّذِي قَالُوا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ إِذْ ثَبت حدث الْعَالم ومحال كَونه بعد أَن لم يكن على مَا عَلَيْهِ من قيام الْأَوَائِل بالأواخر واتفاق ذَلِك علم أَنه كَانَ عَن علم بِهِ ثمَّ محَال كَون حس بِهِ يعلم وَلَا محسوس أَو قِيَاس وَلَا عِبْرَة ثَبت أَنه عَالم لذاته وَفِيمَا الْعَالم لذات الْعَالم سَوَاء فِي غيبَة الْمَعْلُوم وحضرته وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَالْأَصْل فِي ذَلِك مَا ذكرت أَنه عرف لَا بالحس وَفِيمَا عرف بِهِ دَلِيل علمه بِهِ إِذْ جعله على وَجه دله عَلَيْهِ ثمَّ لم يحْتَمل أَن يكون علمه بِهِ غَيره لما لم يكن غير حَتَّى أنشأه ثمَّ ذَلِك المنشأ كَانَ دَلِيلا عَلَيْهِ ثَبت أَنه كَانَ قبل كَونه عَالما بِهِ وَلَا غير لَهُ غَيره بِهِ علم ثَبت أَنه عَالم بِذَاتِهِ لَا بِغَيْرِهِ وَالله الْمُوفق
ثمَّ سَأَلَ نَفسه عَن أَشْيَاء لَا معنى للسؤال عَنْهَا إِلَّا عَن التعنت وَحقّ جَوَاب التعنت التَّأْدِيب بِمَا يمنعهُ لَا الإستدلال بالأدلة على نَحْو مَا بَينا من شَأْن
стр. 129
سوفسطائي فَسَأَلَ عَن الله أَنه أَلَيْسَ على كل شَيْء قدير فَأجَاب بنعم فَقَالَ يقدر على إِدْخَال الدُّنْيَا فِي بَيْضَة فَأجَاب بالتناقض لما فِي ذَلِك جعل الْبَيْضَة أوسع مِنْهَا وَقد جعلهَا أضيق مِنْهَا إِذْ هِيَ جُزْء مِنْهَا وَكَذَلِكَ هَذَا التَّأْوِيل فِي الْأَصْغَر والأكبر
قَالَ الْفَقِيه ﵀ وَجَوَابه عندنَا أَنه أَرَادَ بِمَا قَالَ على إبْقَاء الْبَيْضَة بَعْضًا للدنيا فَهُوَ محَال لما فِيهَا انقلاب بعض كلا وكل بَعْضًا بِلَا تغير عَن حَاله وَذَلِكَ تنَاقض وَإِن أَرَادَ بالبيضة وَغير الْبَيْضَة من الدُّنْيَا يَجْعَل فِيهَا فَهُوَ على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يَكُونَا بحالهما فقد أحَال لما ذكر مُحَمَّد بن شبيب وَإِن أَرَادَ بِهِ بذلك تَصْغِير مَا قَالَ أَو توسيع الْبيض حَتَّى يسع فِيهِ مَا وصف فَهُوَ على ذَلِك قَادر وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَصَاحب الْكتاب ينتحل نحلة الإعتزال ومذهبهم أَن الله لَا يقدر على خلق فعل بعوض فَمَا فَوْقه من الْجَوَاهِر وَفعل ذَلِك كُله وَاقع تَحت الْقُدْرَة أَو فِي ذَلِك لغيره قدرَة فَأَبَوا تَحْقِيق مَا ادعوا من أَنه قَادر على كل شَيْء فِي أَكثر الْأَشْيَاء الَّتِي هِيَ فِي حد الْإِمْكَان فِي الْعُقُول فمعارضة أمثالهم بالخارج عَن حد الْإِمْكَان فِي الْعُقُول لَا معنى لَهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ سَأَلَ نَفسه يقدر أَن يخلق مثله قَالَ ذَا محَال لما فِيهِ إِيجَاب مَخْلُوق والمخلوق مُحدث وَهُوَ قديم فَيبْطل أَن يكون مثله لما بِهِ يسْأَل عَن الْقُدْرَة وَهُوَ مثل الأول فِي الأحالة وَأَيْضًا قَالَ فِي ذَلِك إِثْبَات مَصْنُوع وَهُوَ لَا يَخْلُو من أَن يكون جسما فِيهِ آثَار صنعه أَو عرضا لَا يقوم بِنَفسِهِ وَنَفسه يدل على حَدثهُ وَهُوَ لَيْسَ كواحد مِنْهُمَا قَالَ وَأَيْضًا أَن كل مُحدث يحْتَمل الفناء وَهُوَ يتعالى عَن احْتِمَال حُدُوث الفناء لما يصير مَا لَا يجوز عَلَيْهِ الفناء وَمَا لَا يجوز فِي غَيره وَقت على قلب ذَلِك
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَمن تَأمل مَا ذكر عرف حيد السَّائِل فِي السُّؤَال عَن سنَن القَوْل فِيمَا لَهُ احْتِمَال التَّمَكُّن فِي الْعُقُول لِأَنَّهُ سَأَلَ يقدر أَن يخلق مثله
стр. 130
وَمن يكون مثله لَا يكون جسما وَلَا عرضا وَلَا مُحدثا وَلَا مُحْتملا للفناء لِأَنَّهُ إِن كَانَ على شَيْء من ذَلِك فَلَا يكون مثله وَبِه سَأَلَ فَكيف يبْقى ذَلِك الَّذِي ذكر وَمَا ذكر هُوَ أبعاض مَا فِي كَون ذَلِك نَفْيه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقد قُلْنَا على الْمُعْتَزلَة مَا هُوَ أوضح من ذَلِك مَعَ مَا يلْزمهُم من وَجه آخر وهم أَنهم يصفونَ الله بِالْقُدْرَةِ على الْكَذِب والسفه وَالظُّلم مِمَّا لَو كَانَ شَيْء من ذَلِك ليبطل ربوبيته ثمَّ لم يجز فعله ذَلِك لذَلِك فَلْيقل يقدر على خلق مثله وَلَكِن لَا يفعل لِأَنَّهُ لَيست الأعجوبة فِي جعل الْحَدث قَدِيما وَمَا يحْتَمل الفناء غير فان وَمَا يَقع عَلَيْهِ أثر الصنع غير وَاقع ذَلِك إِلَّا بالأعجوبة فِي جعل الْقَدِيم حَدِيثا وَالْبَاقِي فانيا والحكيم سَفِيها فَإِن استقامت الْقُدْرَة على هَذَا على إِحَالَة الْفِعْل فَمثله الأول على مَذْهَبهم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الإحالة على مَذْهَبنَا سهل وَهُوَ أَن الله ﷻ محَال دُخُوله تَحت الْقُدْرَة فَالْقَوْل بِإِدْخَال غير تَحت الْقُدْرَة ليصير بهَا مثله دفع المثلية عَنهُ لإحاله دُخُوله تَحت الْقُدْرَة وَالْآخر بهَا يلْحقهُ بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَإِن شِئْت قلت السُّؤَال متناقض لِأَنَّهُ قَالَ يقدر أَن يخلق مثله وَمثله لَا يكون مخلوقا فَكَأَنَّهُ قَالَ يقدر على مَا لَيْسَ لَهُ مثل من الْخلق قبلي
وَأَيْضًا أَن فِي الإحتمال غير مَا هُوَ عَلَيْهِ سُقُوط هويته فَيكون ذَلِك الْغَيْر هُوَ الهو الَّذِي بِهِ يكون هوية الْأَشْيَاء وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالْأَصْل أَن الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا ثبتَتْ لَهُ الإلهية بِمَا حقق تعاليه عَن الْمثل والشيئية فمحال احْتِمَال مثله لما بِهِ سُقُوط ألوهيته
على أَن الْكَلَام متناقض من الْوَجْه الَّذِي يَقُول لِأَنَّهُ يخبر أَن يَجْعَل فصيره مجعولا ومحال كَون مجعول جَاعل على إِزَالَة الْجعل الَّذِي بِهِ كَانَ لما بِهِ زَوَاله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 131
ثمَّ على قَوْلهم كَانَ غير خَالق فَصَارَ خَالِقًا فقد أدخلهُ من هَذَا الْوَجْه تَحت الْقُدْرَة الَّتِي بهَا صَار خَالِقًا فَكيف يُنكر جَوَاز من لم يكن كَذَلِك فَيصير كَذَلِك بِأَنَّهُ خلقه كَذَلِك كَمَا صَار هُوَ كَذَلِك بِأَن خلق غيرا وَالله الْمُسْتَعَان
ثمَّ سُئِلَ عَن الله أَكَانَ قَادِرًا على خلق الْأَشْيَاء قبل خلقهَا زعم أَنه نعم دَلِيله أَن الْعَاجِز مَمْنُوع فَدلَّ وجود الْمُحدث على قدرته وَإِذا كَانَ هُوَ قَادِرًا بِذَاتِهِ لَا بِمَا يعرض من الْقُدْرَة فَهُوَ مَوْصُوف بِالْقُدْرَةِ على الدُّنْيَا وأمثالها مِمَّا لَا يُحْصى
قَالَ الْفَقِيه ﵀ فَيُقَال لَهُ إِذْ هُوَ قَادر بِنَفسِهِ لَا بقدرة يعرض كَيفَ زعمتم أَنه يقدر على خلق جَمِيع حركات الْعباد وسكونهم إِلَى أَن يقدرهم عَلَيْهَا فَإِذا أقدرهم عَلَيْهَا زَالَت قدرته عَلَيْهَا إِلَّا أَن يَأْخُذ الْقُوَّة عَنْهُم فَهَذَا وصف الْقُدْرَة بِالذَّاتِ أَو بالعوارض وَمن ذَلِك وَصفه فَالْقَوْل لَهُ بِقُوَّة لم يظْهر مِنْهُ الْفِعْل محَال وَمَا يحْتَمل زَوَال قدرته فَالْقَوْل بِالْقُدْرَةِ بِذَاتِهِ على مَذْهَبهم محَال
وَإِنَّمَا أردْت بِمَا ذكرت من أقاويل الْمُعْتَزلَة وَإِن لم يكن لي إِلَى ذكرهَا حَاجَة ليعلم المتأمل أَن لَا سَبِيل إِلَى إِثْبَات التَّوْحِيد وَدفع معارضات الملحدة على مَذْهَبهم وَأَن الْحق من القَوْل فِي التَّوْحِيد قَول غَيرهم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ زعم أَن كل قَادر سبقت قدرته فعله فَهُوَ وصف من قدر بِغَيْر وَفعله بِغَيْرِهِ فَهُوَ يتَحَوَّل من حَال إِلَى حَال وَتقبل ذَاته الإستحالة والزوال فَأَما الله سُبْحَانَهُ فبنفسه يقدر على الْأَشْيَاء ويفعلها فَمَا يذكرهُ فِي ذَلِك فَاسد وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقد بَينا فِيمَا تقدم بأبلغ من هَذَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَفِي هَذَا آيَة جعل ذَاته عَالِمَة وَقد بَينا وهمه
стр. 132
ثمَّ سُئِلَ عَن خلقه الْأَشْيَاء إِذْ لم يكن لَهُ فِيهِ نفع وَلَا كَانَ عابئا بِهِ فَزعم أَنه خلق الْعرض على ثَوَاب الْأَبَد وَذَلِكَ حِكْمَة فَيكون فعله لنفع يكون لخلقه لَا لعِلَّة تقدّمت الْخلق وَهُوَ كاتحاد الْبُنيان وأنواع الْأَشْيَاء يحدث من الْعباد
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَقد بَينا نَحن مَا يقتضى هَذَا الْحَرْف من الْجَواب على أَن السُّؤَال عَن الْعلَّة محَال لإحالة أَنه يكن لأحد عَلَيْهِ سُلْطَان أَو يخرج فعله عَن الْحِكْمَة فنسأل عَنهُ
وَبعد فَإِن السُّؤَال عَن تعرف حِكْمَة الربوبية وَحقّ ربوبيته علينا مَعْرفَته وَمَعْرِفَة حَقه وَأمره وَالْقِيَام بِمَا علينا من طَاعَته وتعظيمه والإعداد لحق الْجَواب فِي كل مَا يَقُوله ويعلمه وَذَلِكَ يشغلنا عَن طلب الإعتلال لَهُ فِي فعله أَو الإحتجاج بِالْجَوَابِ عَنهُ فِيمَا تعدى السَّائِل طوره وَأعْرض عَمَّا عَلَيْهِ من أعذاره لفعله الَّذِي هُوَ مسئول عَنهُ مجزى بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَوله خلق الْخلق لنفع الْخلق ونفعه مَا ذكر فَإِنَّهُ حيد عَن الْجَواب لِأَنَّهُ سُئِلَ عَن خلق الْأَشْيَاء وَمن ذكر فهم صنف من الْجُمْلَة فَلذَلِك أوجب ذَلِك حيده
وعَلى ذَلِك شَأْن الْقَدَرِيَّة فِيمَا يسْأَلُون عَن خلق الْأَفْعَال فيرجعون فِي الْجَواب إِلَى فعل الْكفْر والمعاصي وَذَلِكَ فَاسد لِأَن طَرِيق هَذَا سَمْعِي وَالْأول الَّذِي وصف عَقْلِي
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَالْأَصْل عندنَا أَن الله تَعَالَى لم يخلق خلقا إِلَّا وَأثر نعمه عَلَيْهِ ظَاهر وأدلة جوده فِيهِ بَين وَأَنه حكمته بِمَا فِيهِ من دلَالَة وحدانية موجده وبرهان سُلْطَانه ونفاذ مَشِيئَة فِيهِ مُحَقّق وعلامة قدرته وَعلمه بحقائق الْأَشْيَاء غير خَفِي فِي ذَلِك
وَالسُّؤَال على أَنَّك لم أَنْعَمت أَو لماذا أظهرت جودك وَلم كَانَت الْحِكْمَة وَلم أَنْت حجَّة وحدانيتك إِلَى آخر مَا ذكر محَال فَاسد لَا يقبله عقل وَلَا يحْتَملهُ وسع لقبحه لذَلِك بَطل هَذَا النَّوْع من السُّؤَال وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 133
ثمَّ جَائِز أَن يُقَال إِذْ هُوَ بِذَاتِهِ جواد وبذاته قَادر وبذاته عَالم فجاد بخلقه على خلقه إِذْ هُوَ خلقه إِذْ هُوَ قَادر على أَن يجود وَيظْهر مواهبه وأصل هَذَا السُّؤَال عندنَا فَاسد لِأَنَّهُ يَجْعَل الْفِعْل هُوَ الذَّات وَهُوَ بِهِ مَوْصُوف فِي الْأَزَل وَالسُّؤَال عَن ذَلِك كالسؤال على أَنه لم كَانَ رَبًّا عَالما وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مَسْأَلَة دفاع عَن الْعلم وَالنَّظَر
قَالَ قوم ترك النّظر أسلم لما لَا يَأْمَن النَّاظر بالظفر بِالْحَقِّ ثمَّ فِيهِ فتح بَاب الْحجَّة على نَفسه مِمَّا لَو امْتنع عَنهُ ليأمن العطب من حَيْثُ لَوْلَا هُوَ لم يتخلله السَّبِيل الَّذِي يَظُنّهُ أَو الْبَاطِل ليلزمه حجَّة الله إِذْ بالفكر والبحث إِرَادَة مَا يضْطَر إِلَى الْعلم بِأَن الْحق فِي مَا انْكَشَفَ لَهُ مَعَ اشْتِبَاه خاطر الرَّحْمَن فِي الْأَمر والتحذير من خاطر الشَّيْطَان وَفِي ترك النّظر والبحث أَمن ذَلِك إِذْ لم ينْكَشف لَهُ مَا يلْزمه التَّمْيِيز وَلَا يخْطر بذهنه مَا يَبْعَثهُ على الطّلب وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَمن ألزم النّظر والبحث فَيَقُول فِي تَركه عطبه لَا محَالة لِأَن لُزُوم النّظر لَيْسَ عقيب نظر تقدمه بل عقيب الَّذِي بِهِ يَقع النّظر والبحث وَهُوَ الْعقل الَّذِي بِهِ يعرف المحاسن والمساوئ وَبِه يعلم فَضله على سَائِر الْحَيَوَان وَبِه يعرف ملك تَدْبِير أَمر الْأَنَام مَعَ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ ذهنه وفطنته تبدده وفناه بِمَا نَالَ من لَذَّة الْحَيَاة وَركبت فِيهِ شَهْوَة الْبَقَاء وعظيم ألم أَسبَاب الفناء لَو اعْتَرَضَهُ فَلَا بُد من الْبَحْث فِي دَرك مَا يلائمه وَيبقى ألذ الْأَشْيَاء وأشهاها عِنْده مِمَّا يَأْبَى عقله المخاطرة بِرُوحِهِ فِي الإمتحان بالأشياء دون تكلّف مَا يطلعه على الضار مِنْهَا فيتقيه والنافع من ذَلِك فيجتلبه إِمَّا بالبحث عَن تعرف من يَثِق بِخَبَرِهِ وبأمر خيانته فِيمَا يدله عَلَيْهِ فيصدر فِي كل ذَلِك عَن رَأْيه أَو أَن يجْهد فِي الإمتحان بِنَفسِهِ بِالْقَلِيلِ الَّذِي
стр. 134
يرِيه عاقبته مِمَّا يُؤمن عَن مثله الْهَلَاك لقلته فَيكون فِي الْأَمريْنِ جَمِيعًا لُزُوم الْبَحْث مَعَ مَا يَدْفَعهُ جَهله بِمَا جبل عَلَيْهِ من الشَّهَوَات وَمَا يَبْعَثهُ عَلَيْهِ نَفسه من الملاذ عَمَّا يُصِيبهُ من الْمَكْرُوه وَمَا يحل بِهِ من الْأَلَم إِلَى النّظر فِي حَال نَفسه إِنَّه بِمَا صَار كَذَلِك أَو هَل كَانَ كَذَلِك فِي الْأَبَد أَو من أَي وَجه صَار كَذَلِك لَا يسلم عَن بعض الخواطر الَّتِي تَمنعهُ عَن ترك النّظر فِي أَحْوَال نَفسه ليعرف بِهِ مباديه وليعلم أَنه لذَلِك بِنَفسِهِ أَو بِمن لَهُ فِي نَفسه تَدْبِير مَعَ مَا لَا بُد من أَن يعرف مَا بِهِ صَلَاحه وفساده وَمَا عَلَيْهِ من النعم وَعنهُ من الدفاع وَفِي كل ذَلِك اضطرار إِلَى النّظر وَلُزُوم الْحجَّة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
مَعَ مَا يعلم بِيَقِين أَن هَذَا الَّذِي سَوَّلَ لَهُ ترك النّظر هُوَ خاطر الشَّيْطَان إِذْ ذَلِك عمله ليصده عَن ثَمَرَة عقله ويفزعه لأمانته الَّتِي لَدَيْهَا ينَال الفرصة ويظفر بالبغية دَلِيل ذَلِك أَن اسْتِعْمَال الْعقل بالفكر بالأشياء ليعرف مَا استتر مِنْهَا من المبادئ والنهايات ثمَّ فِيمَا يدله على حدثها ومحدثها يشْغلهُ عَن شهوات النَّفس ليعلم أَن ذَلِك هُوَ صَنِيع الشَّيْطَان على أَنه إِذْ لم يجز إهمال شَيْء من الْجَوَارِح عَن الْمَنَافِع الَّتِي جعلت فِيهَا وَلَا كفها عَن أَعمالهَا بته بل يجب كفها عَن الْوُجُوه الضارة واستعمالها بالوجوه النافعة فالعقل وَالنَّظَر الَّذِي بهما تعرف الْمَنَافِع والمضار أَحَق أَن لَا يهملا مَعَ مَا كَانَ النَّاظر عِنْد وُرُود الخاطر لَا يعدو خِصَالًا ثَلَاثَة إِمَّا أَن يفضى بِهِ نظره إِلَى الْعلم بحدثه وَأَن لَهُ مُحدثا يجْزِيه بِالْإِحْسَانِ ويعاقبه بالإساءة فيجتنب مَا يسخطه وَيقبل على مَا يرضيه فيسعد وينال شرف الدَّاريْنِ أَو يفضى بِهِ إِلَى نفى مَا ذكرنَا فيتمتع بصنوف اللَّذَّات أما الْعقَاب فينتظره فِي الْآخِرَة أَو يفضى بِهِ إِلَى الْعلم باستغلاق بَاب الْعلم بِحَقِيقَة مَا دعى إِلَيْهِ فيستريح قلبه وَيَزُول عَنهُ الوجل الَّذِي يَعْتَرِيه إِذا فزعته الخواطر فَيعلم إِذا انصف أَنه على ربح فِي نظره من كل وَجه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 135
فَإِن قيل إِذْ جَازَ أَن يَأْمر الله العَبْد فِي عقله بِمَا لَا يفهم لم لَا جَازَ أَن يخاطبه بِمَا لَا يفهمهُ
قيل لَا فرق بَينهمَا وَلَا يجوز الْإِطْلَاق عَلَيْهِ بِالَّذِي ذكرت وَمَا من شَيْء يَأْمر الله بِهِ إِمَّا يبْعَث الْعقل عَلَيْهِ أَو بخطاب السّمع إِلَّا وَقد جعل الله لفهم ذَلِك سَبِيلا وَمن قصر فهمه عَن احْتِمَاله فَهُوَ خَارج عَن الْأَمر لَكِن جِهَات الْأُصُول مُخْتَلفَة تعلم هِيَ بِالنّظرِ والفكر أَن ذَلِك من أَي نوع وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
فَإِن قَالَ إِذْ لَا عذر فِي الشَّاهِد للْعَبد أقبل من قَوْله لسَيِّده لم أعلم أَن فعلي يسخطك فأتركه وَلَو علمت ذَلِك لانزجرت مِمَّا فعلت لم لَا كَانَ ذَلِك فِي حِكْمَة الله مَقْبُولًا
قيل ذَلِك إِنَّمَا حسن بَيْننَا لارْتِفَاع مَا بِهِ يعرف الْأَمر من الدَّلِيل عَلَيْهِ وَأما الله سُبْحَانَهُ فقد جعل لعَبْدِهِ على الْأَمر بِمَا أمره بِهِ دَلِيلا وحرك ذهنه بالخواطر ونبهه بصنوف العبر فَإِنَّمَا أَتَى من قبل تَركه النّظر وَذَلِكَ فعله فَيصير بِمَا هُوَ معتذرا محجوجا إِذْ بِفِعْلِهِ أعرض عَن ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ وَأَصله أَن الْعلم بِاللَّه وبأمره عرض لَا يدْرك إِلَّا بالإستدلال وَقد أظهر بِهِ مَا يسْتَدلّ من أَحْوَال نَفسه الَّتِي عَلَيْهَا مَدَاره مَعَ مَا بَينا أَن الضَّرُورَة تبعثه على النّظر وتدفعه إِلَى الْفِكر فِيمَا يرى من أَحْوَاله وأعضائه ومنافعه ومضاره الَّتِي فِي الْجَهْل بهَا عطبه وَفِي الْعلم بهَا صَلَاحه وَفِي صَلَاحه بهَا على علمه بِأَنَّهُ لم يكن دبر مَا ذكرت من أَحْوَال تضطره إِلَى مَعْرفَته وَمن قَامَ هُوَ بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مناقشة ابْن شبيب فِي حدث الْأَجْسَام
وَاحْتج مُحَمَّد بن شبيب فِي حدث الْأَجْسَام بِمَا لَا يَخْلُو من سُكُون هُوَ مقَام وحركة هِيَ الظعن وهما محدثان بِمَا يخْتَلف على الْإِثْنَيْنِ الْمَكَان بِمَا تقدم
стр. 136
أَحدهمَا ثَبت أَن قد حدث فِي أَحدهمَا وَلَو سمى ذَلِك مَادَّة فِي أحد الجسمين فَالْقَوْل فِيهَا أَيهَا حدثت وَفِي حُدُوث غير مَا قُلْنَا يعلم بحدوث الزَّوَال وجود الْجِسْم فِي غير مَوضِع ترَاهُ فِي الأول وبهذه الضَّرُورَة الَّتِي أظهرت فِي الْجِسْم من الإنتقال علمنَا الْحَرَكَة الَّتِي لَا تحس إِذْ وجدنَا اخْتِلَاف الْحَال فِي المحسوس وعرفنا باعتماد الشَّيْء فِي الْمَكَان الأول وإنتقاله فِي الْمَكَان الثَّانِي أَن الْمُسَمّى إعتماده فِي الْحَال الأول يصير حَرَكَة ونقلة فِي الْحَالة الثَّانِيَة مِمَّا لَا يُوصف الْحَرَكَة بمناسبة الْجِسْم وَلَا مباينته إِذْ ذَلِك حق الْجِسْم ثمَّ زيد أَحَق من عَمْرو بهَا لِأَن توهم عدم عَمْرو لإنعدامها عَن زيد إِذْ وجد هُوَ فِي غير الْمَكَان الأول
وَأجَاب الْمعَارض لَهُ أَن كَيفَ هِيَ إِذْ هِيَ فعلكم وَلم يعرف كَيْفيَّة فعله قبله فَلم استدللتم على الْحَرَكَة بالمقاييس
قيل إِنَّمَا يعرف أَن كَيفَ التَّقَدُّم والتأخر الَّذِي هُوَ فعلنَا لَا أَن يعرف غيريتها لنا وَإِنَّمَا أَقَمْنَا الدّلَالَة على الغيرية أَلا ترى أَن قوما أَنْكَرُوا الغيرية للجسم على إِثْبَات القَوْل بالتقدم والتأخر ثمَّ إِذْ ثَبت حدث مَا ذكر والجسم لَا يسْبقهُ ثَبت حَدثهُ
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَهَذِه عبارَة لم يزل أهل التَّوْحِيد يعتزون بهَا لكنه أطنب فِيهَا السُّؤَال وَالْجَوَاب فَذكرت ذَلِك على الْإِيمَاء إِلَى مَا ذكر دون الْبسط
ثمَّ عورض بالحركة إِنَّهَا جسم فَقَالَ ذَا لايسأل عَنهُ من يَقُول بقدم الْجِسْم لِأَنَّهَا حدثت بالحس وَقَالَ للإحالة أَن يكون فِي الْمَكَان الأول جسم إِلَّا على التَّدَاخُل وَفِي المداخلة إِيجَاب حَرَكَة أُخْرَى للإنتقال فَيكون غير جسم مَعَ لَو جعلت الثَّانِيَة متداخلة يلْزم تدَاخل الْأَجْسَام بِلَا نِهَايَة وَلَو جَازَ ذَا لجَاز تدَاخل الدُّنْيَا فِي بيضه وَمثله أجَاب فِي التلاقي وَذَلِكَ كُله تَطْوِيل بِلَا نفع وَلَو أنصف لوجد مَا يمنعهُ عَن دَلِيله وَهُوَ قَوْله الْجِسْم فِي أول حَاله لَيْسَ بساكن وَلَا متحرك فأخلاه عَمَّا ذكر وَفِي ذَلِك سبق عَن الَّذِي وصف لَكِن من يَقُول
стр. 137
بقدمه لَا يثبت لَهُ حَال الأولية إِذْ فِي ذَلِك القَوْل بحدثه فَلَزِمَ الَّذِي وصف وَالله الْمُوفق
وَاسْتدلَّ على أَن سُكُون الْجِسْم معنى غير الْجِسْم بِمَا يُقَال هُوَ فِي دَار كَذَا لَو لم يكن سوى الْجِسْم وَالدَّار لَكَانَ لَا يكون فِي غَيرهَا بموجود وَالدَّار تُوجد وَهُوَ لَيْسَ بموصوف بالكون فِيهَا
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَهَذَا أَمر ظَاهر لَا يسْأَله أحد إِذْ سكناهُ يَزُول وَقت تحركه من غير زَوَال الجسمية عَنهُ فَثَبت أَنه غير
ثمَّ أجَاب من قَالَ لَعَلَّ سكونه مَعَه حَيْثُ كَانَ مَعَ مَا قد يذكر مُدَّة سكونه فِي مَكَان بِزِيَادَة ونقصان ثَبت أَن ثمَّة غير السّكُون الأول وَهَذَا مثل الأول لَا يسْأَل عَنهُ وَجَوَابه مَا بَينا وَالله الْمُسْتَعَان
ثمَّ أطنب فِي هَذَا النَّوْع فتركته لما لَا مَنْفَعَة فِيهِ وَفِيمَا قَالَ من دَلِيل غيرية السّكُون وَالْحَرَكَة فِي جَوَاز كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا بَدَلا عَن الآخر وأنهما غيران مَا يبطل قَول كثير من الْمُعْتَزلَة فِي قَوْلهم بالإبقاء بِلَا بَقَاء وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ أجَاب من عَارضه بِمَا كَذَلِك كَانَت الْأَجْسَام غير خَالِيَة عَمَّا ذكرت أبدا فَزعم أَنه لَا يجوز لما لَا يثبت للْكُلّ شَرط الْعَدَم إِلَّا بِوُجُود غير هُوَ فِي ذَلِك وَفِي ذَلِك بطلَان الْوُجُود وَاسْتدلَّ بِمَا سبق ذكره من دُخُول الدَّار مَعَ مَا زعم فِي طير من يطير أَن بَينهمَا ذِرَاع من جِهَة وَاحِدَة طيرانا مستويا لم يحْتَمل أَن يَكُونَا كَذَلِك من غير نِهَايَة لأوليتهما إِذْ ارْتِفَاع النِّهَايَة يُوجب الإجتماع بالإستواء وَقد وجد التَّفَاضُل وَاحْتج بِمَا إِذْ ثَبت تضَاد الْأَشْيَاء من الثّقل والخفة والحرارة والبرودة وَنَحْو ذَلِك وَقد ثَبت فَسَاد الشَّيْء من الشَّيْء إِلَى مَا لَا أول لَهُ ثمَّ كَانَ من طبع المتضاد التنافر وَفِي ذَلِك التباعد وبخاصة إِذْ جعل أَصْحَاب هَذَا
стр. 138
القَوْل إثنين متباينين فامتزجا وَكَانَا متضادين لم يجز لَهما الإجتماع بِمَا ذكر مَعَ مَا كَانَ اخْتِلَافهمَا طباعا وَلَو جَازَ خروجهما عَن الطباع الَّذِي ذكرت لجَاز أَن يسخن الْمبرد ويبرد المسخن وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز فناؤهما ليخرجا من طبع الْبَقَاء وَإِذا بَطل ذَا ثَبت قَول أهل التَّوْحِيد فِي مُدبر عليم ألف بَين ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن القَوْل بِأَكْثَرَ من وَاحِد لايخلو من أَن كل وَاحِد مِنْهُم يملك إفناء غَيره أَو لَا أَو يملك الْوَاحِد خَاصَّة فَإِن كَانَ الأول أَو الثَّانِي لحقهما عجز مَعَ مَا فِيهِ من الْجَهْل بتدبير الإهلاك بالحيل إِن لم يكن بِالْقُوَّةِ وَإِن قدر الْوَاحِد بَطل غَيره لما لَا يتْركهُ يعاديه فِي ملكه وينازعه فِي ربوبيته وَله قدرَة تصفية الْملك لَهُ
وَبعد فَإِن الْعَاجِز الْجَاهِل أَحَق أَن يكون عبدا مربوبا دون أَن يكون رَبًّا ملكا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَهَذَا يبطل على من يَقُول بالظلمة والنور لما جهل النُّور حَيْثُ وَقع فِي وثاق الآخر والظلمة حَيْثُ منعت عَن عَملهَا وَهُوَ الشَّرّ فِي الآخر وَمَعَ مَا تَفَرَّقت أجزاؤهما وتشتتت أحوالهما حَتَّى عجز كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يظْهر سُلْطَانه ويستولى على مَاله جلّ رَبنَا وَتَعَالَى عَن أَن يكون هَذِه صفته
وَأَيْضًا أَن القَوْل من أَصْحَاب الْإِثْنَيْنِ قَول بنهاية كل وَاحِد مِنْهُمَا من جَانب وارتفاعهما من سَائِر الجوانب فَإِن كَانَ الإرتفاع دَلِيل الْقدَم لزم الْحَدث فِي وَجه الْحَد وَإِن لم يكن لزم الْحَدث فِي الْكل مَعَ مَا إِن لم يقدر النُّور على تَخْلِيص جزؤه المتناهي عَن يَد عدوه بالأجزاء الَّتِي لَا تتناهى وَلَا كَانَت تِلْكَ الْأَجْزَاء قدرت على حفظ ذَلِك الْجُزْء من يَديهَا قبل الْوُقُوع فِي وثاقها أَنى يقدر إِذا أَرَادَ بعد الْوُقُوع فِي وثاق الظلمَة والتخليص من قَيده وعَلى قَول من يَجْعَل الْحَواس كلهَا للنور دون الظلمَة وَالْعلم كُله وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا وصف بِهِ الظلمَة مِمَّا
стр. 139
قَالَه عَلَيْهِ أعمى لَا يبصر عَاجز لَا يقدر ضَعِيف لَا يقوى شَرّ بالطبع لَا بِالْقُوَّةِ فنسأل الله أَن يعصمنا عَن الْعُدُول عَن سَبيله والإبتلاء بشبكة الثنوية فَإِنَّهُ لَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه مَعَ مَا كل اثْنَيْنِ لَا بُد من انْفِرَاد كل بمَكَان إِن كَانَ جسما أَو عرضا فَإِن كَانَ عرضا فمفارقته توجب تلفه وَإِن كَانَ جسما فإمَّا أَن يكون مَكَان كل وَاحِد مِنْهُمَا من جوهره فَلَا يقوم فِي مضادة حَاله كالمائي فِي الْبر والليلي من الْبَصَر بِالنَّهَارِ وَإِن كَانَ من غير جوهره ألف الْخَيْر بِالشَّرِّ وَالشَّر بِالْخَيرِ وَذَلِكَ ينْقض معتمدهم فِي القَوْل بِالْعدَدِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
أقاويل الدهرية وَبَيَان فَسَادهَا
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ نذْكر أقاويل الدهرية على مَا ذكره ابْن شبيب وَغَيره ليظْهر مذاهبهم فَإِن ظُهُورهَا أحد أَدِلَّة فَسَادهَا بعد أَن يعلم إتفاقهم فِي قدم طِينَة الْعَالم وإختلافهم فِي قدم الصَّنْعَة وحدثها وَهَذَا جملَة مذاهبهم
زعم أَصْحَاب الطبائع أَنَّهُنَّ أَربع حر وَبرد وندوة ويبس وَاخْتلف الْعَالم باخْتلَاف الإمتزاج مِنْهَا واعتدل مَا اعتدل مِنْهَا بإستواء المزاج مِنْهَا وعَلى ذَلِك مجْرى الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَلم يزل يجرى بِمثل الَّذِي يجرى كَمَا ترى لَا أول للأشياء وَسموا حركاتها أعراضا وضربوا لباطلهم هَذَا مثلا من نَحْو الأصباغ كالبياض والحمرة والسواد والخضرة إِنَّهَا عِنْد الإمتزاج على قدر الْكَثْرَة والقلة والرقة والكثافة تخْتَلف ألوانها لَا أَن يكون ثمَّة حَادث لون وَإِن كَانَ رُبمَا يخرج على مَا لَا يعرف أهل هَذِه الألوان أَن ذَلِك مِم خرج فَمثله مَا ذكرُوا من الطبائع
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور ﵀ فَمن تَأمل هَذَا القَوْل بِمَا ضربوا لَهُ من الْمثل وجده يثبت قَول أهل التَّوْحِيد لِأَن الأصباغ لأنفسها لَا تمتزج ثمَّ هِيَ لَو
стр. 140
امتزجت لأنفسها خرجت على لون مستسمج مِمَّا عد ذَلِك فِي الْعُقُول فَسَاد للأصباغ فَإِذا مزجها حَكِيم عليم يعلم عواقب ذَلِك المزاج خرج متقنا مستحسنا ثمَّ كَانَ الْعَالم خرج متقنا ثَبت أَن الَّذِي بِهِ كَانَ الْعَالم عليم حَكِيم يعرف عواقب الْأَشْيَاء فأخرجها على ذَلِك وَفِي ذَلِك فَسَاد أَن يكون تِلْكَ الطبائع أَو الطينة أَو ماسموا من الْأَسْمَاء لنَفسهَا صَارَت بِحَيْثُ يكون على مَا عَلَيْهِ يخرج فَثَبت أَن الَّذِي أَنْشَأَهَا كَذَلِك مُدبر حَكِيم وَيجب تكوينها لَا من شَيْء مَعَ مَا كَانَت الألوان كل لون مِنْهَا لَا يُوصف بِشَيْء مِمَّا ذكرُوا من الْحَرَارَة والبرودة إِذْ قد يكون فِي الْأَشْيَاء شَيْء يغلب عَلَيْهِ لون مِنْهَا وَهُوَ حَار وَآخر يغلب عَلَيْهِ ذَلِك وَهُوَ مَعَ ذَلِك بَارِد فَثَبت أَنه لم يكن شَيْء من ذَلِك الألوان بِمَا ذكرُوا وَلَا مَا ذكرُوا بهَا وَفِي ذَلِك إِيجَاب غير الَّذِي قَالُوا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَكَذَلِكَ يجد مَا فِيهَا من الطعوم مُخْتَلفَة حَتَّى يكون بلون وَاحِد وطبيعة وَاحِدَة تخرج على نوع من الطّعْم نَحْو الملوحة أَو الحموضة أَو المرارة أَو الطينة الَّتِي لَا يضْرب إِلَى شَيْء من ذَلِك ثَبت أَن ذَلِك كَانَ بتدبير من يملك جعل كل على مَا شَاءَ من غير أَسبَاب وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَن هَذِه الطبائع لَا يَخْلُو من أَن يكون جَوَاهِر أَو أعراضا فَإِن كَانَت جَوَاهِر صيرت بالأعراض الَّتِي اعترضت فِيهَا على مَا ذكر من الإختلاف وَهِي الإجتماع والإفتراق ولولاهما لَكَانَ كل جَوْهَر من ذَلِك مُتَفَرقًا وَدلّ اخْتِلَاف الْجَوَاهِر مَعَ إجتماع الأخلاط فِيهَا على غَلَبَة الْأَعْرَاض عَلَيْهَا وَأَنَّهَا تصرفها من حَال إِلَى حَال ثمَّ كَانَت الْأَعْرَاض لأنفسها لَا تقوم وَلَا تقدح فِي الْأَشْيَاء ثَبت أَنَّهَا عملت فِيهَا هَذَا الْعَمَل يمن يعلم أَنَّهَا تعْمل كَذَا وَلم يجز أَن يكون بِعلم أحد ذَلِك إِلَّا بِمن يملك جعل تِلْكَ الْجَوَاهِر يصلح لاحْتِمَال تِلْكَ الْأَعْرَاض ومحال علم مثله إِلَّا بِمن يَجْعَلهَا كَذَلِك وَفِي ذَلِك لُزُوم القَوْل بِوَاحِد عليم قَادر لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء وَلَا يصعب عَلَيْهِ تكوين مَا يُرِيد كَونه وَإِن كَانَت أعراضا فمحال وجودهَا
стр. 141
لأنفسها وقيامها فَلَزِمَ القَوْل بموجد قديم مَعَ إِيجَاد مَا فِيهِ وَبِه يدْخل فِي حد الْوُجُود على أَن حدث الْأَعْرَاض مِمَّا لَا نمانع فِيهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبعد فَإِنَّهُ مَعْلُوم أَن تِلْكَ الطبائع هِيَ متضادة وَحقّ التضاد التدافع وَفِي ذَلِك تفرق وَفِي التَّفَرُّق تبدد وتفان فَلم يحْتَمل أَن يكون أصُول الْأَشْيَاء لأنفسها كائنة وقائمة مَعَ التَّنَاقُض الَّذِي ذكرت ثَبت أَنَّهَا إِن كَانَت كَانَت بمانع عَن التدافع الَّذِي فِيهِ التبدد وَهُوَ الْجَامِع ببنها بعد التَّفَرُّق القاهر لَهَا وبالجمع كَانَ الْعَالم ثَبت حُدُوثه وَفِي ذَلِك فَسَاد القَوْل بالطبائع لِأَن كَون شَيْء لَا عَن شَيْء لَيْسَ بأبعد فِي الْعُقُول من قيام الشَّيْء مَعَ ضِدّه وَهُوَ مَا ينْقضه ولبعد ذَلِك عَن عُقُولهمْ صَارُوا إِلَى مَا قَالُوا فَإِذا لَزِمَهُم فِيمَا قَالُوا مثل الَّذِي عَنهُ فروا بَطل قَوْلهم وَذهب عذرهمْ وَبِاللَّهِ الْعِصْمَة
وَقوم قَالُوا بِمثل ذَلِك إِلَّا أَنهم زَعَمُوا أَن لَيْسَ لأجناس الطبائع عدد يعرفونه وَكلهمْ قَالُوا بقدم الْأَشْيَاء فِي جَمِيع جُمْلَتهَا من مهب الشمَال والجنوب وَالدبور وَالصبَا وَمن أَعْلَاهَا وأسفلها
وَزعم قوم من المنجمة أَن النُّجُوم لم تزل تدبر أَمر الْعَالم وَهِي مُتَّصِلَة بِهِ وَمِنْهَا سعد فاختلافه باخْتلَاف مَا اتَّصل بِهِ مِنْهَا كأداة صَاحب الديباج بالخيوط الموصولة من الإبر بِسم بِأَعْلَى أداتها بِمَا يظْهر فِيهِ من الظُّهُور وَغَيره بِرَفْع الْخشب وحفظها فَمثله أَمر النُّجُوم بالعالم تخْتَلف صورته باخْتلَاف تحرّك النُّجُوم وَفِي اختلافها وائتلافها السَّعَادَة والنحس وَهِي لم تزل تتحرك فَيحدث من كل حَرَكَة غير الَّذِي يحدث من غَيرهَا ويتولد ذَلِك وبمثل ذَلِك يَقُولُونَ فِي الْبَيْضَة والدجاجة أَنه يكون ذَلِك بِضَرْب من حركات النُّجُوم كالديباج الَّذِي ذكرت
وَزَعَمُوا أَن الْأَجْسَام قديمَة وَهِي غير الْأَعْرَاض والحركات أَعْرَاض تحدث إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهَا وصيروا أَمر جَمِيع الْعَالم أضطرارا بِمَا كَانَ كَذَلِك بالنجوم
стр. 142
والأفلاك من اجْتِمَاع وتفرق فَمثله فِي النُّجُوم نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ الشَّيْخ ﵀ أما القَوْل بحركات لَا نِهَايَة لَهَا فقد بَينا فِيمَا تقدم فَسَادهَا مَعَ مَا لَا يشك فِي حَرَكَة انْقَضتْ إِلَّا أَنَّهَا نِهَايَة مَا تقدم من الحركات حَتَّى لَا يكون شَيْء مِمَّا تقدم بعد هَذِه وَإِذا ثَبت نِهَايَة الفناء لَهَا والإنقضاء لم يجز أَن يتناهى الإقتضاء لما لَا يتناهى لَهُ الإبتداء ثَبت لذَلِك الإبتداء
وَبعد فَإنَّا رَأينَا الْجَوَاهِر كلهَا فِي رَأْي الْعين مُتَفَاوِتَة الْحُدُود لَا يحْتَمل أَن تكون هِيَ كَذَلِك على غير أَن تكون كَذَلِك إِلَّا عَن أقل متفاوت يظْهر فِي أَكْثَره ذَلِك فَثَبت أَن كَانَ لذَلِك عَن أَصْغَر حَال يكون عَظمَة وكثافته بعد أَن لم يكن ولطف عظمه وكثافته فِي الْكَوْن بعد أَن لم يكن لَا بِشَيْء تقدمه لِأَن فِي التَّقْدِيم إِيجَاب الإستواء وَقد ثَبت التَّفَاوُت فَثَبت أَن الَّذِي تقدم هُوَ حدث بعد أَن لم يكن إِذْ هُوَ فِي معنى مَا هُوَ كَذَلِك مَعَ مَا لَو كَانَت الحركات إِذْ هِيَ مستديرة لَو جعلت مُسْتَقِيمَة من جِهَة ليَكُون بَعْضهَا على أثر بعض وَفِي وجود بَعْضهَا فنَاء الْبَعْض وَلَو وَجب قدم الحركات ليجب قدم فنائها فَتكون فِي الْأَزَل مَعْدُومَة مَوْجُودَة وَذَلِكَ متناقض إِذْ لَا يجوز اجْتِمَاع الْوُجُود والفناء فِي حَال فَكَذَا فِي كل الْأَحْوَال وَفِي ذَلِك لُزُوم الإبتداء مَعَ مَا لَو تفَاوت فِي رَأْي الْعين ذهَاب سرعَة أحد سبق آخر يسيران سيرا مُسْتَقِيمًا لَا يحْتَمل أَن لَا يكون ابْتِدَاء أَحدهمَا قبل ابْتِدَاء الآخر أَو يسير أَحدهمَا أسْرع من الآخر وَفِي رفع النِّهَايَة عَنْهُمَا بطلَان النِّهَايَة بَينهمَا وَفِي بُطْلَانه نقض المحسوس ثَبت لَهما الإبتداء وَكَذَلِكَ هَذَا الْمَعْنى فِي المستدير من الحركات وَالله الْمُوفق
وَبِهَذَا كُله ننقض على جَمِيع الْقَائِلين بقدم الْأَعْيَان غير خَارِجَة عَن الْأَعْرَاض وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وبمثله تكلم أَصْحَاب الطبائع
стр. 143
ثمَّ يُقَال لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا بِمَ عَرَفْتُمْ أَنه كَذَلِك فَإِن أدعوا السّمع فِيهِ عورضوا بِالسَّمْعِ الَّذِي ورد مِمَّن فيهم حجج الصدْق فهم أَحَق أَن يصدقُوا وهم الرُّسُل وَإِن ادعوا العيان والحس أكذبهم علمهمْ بِأَنْفسِهِم إِنَّهُم لَا يذكرُونَ قدمهم وَلَا شهدُوا تَدْبِير النُّجُوم والطبائع وَإِن رجعُوا إِلَى الإستدلال بِمَا عاينوا فَلَيْسَ فِي شَيْء مِمَّا عاينوا دَلِيل تَدْبِير النُّجُوم وَلَا قدم الطبائع وتولد الْعَالم من امتزاجها بل لَو قلب على الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا القَوْل كَانَ أقرب إِلَى الْوُجُود وأحق فِي الإستدلال فَأَما أَمر الطبائع فَإِنَّهُ فِي الْوُجُود إِن كَثْرَة الإضطراب والتحرك تولد الْحَرَارَة فِي نفس المضطرب المتحرك وَكَثْرَة السّكُون والقرار تولد الرُّطُوبَة فَتكون الطبائع هِيَ الْحَادِثَة من أَحْوَال الْعَالم دون أَن يكون الْعَالم هُوَ الْمُتَوَلد عَنْهَا وَهَذَا أقرب إِلَى حق الْحَواس ثمَّ يُقَال أَن اضْطِرَاب الْفلك وتحرك النُّجُوم وَتَقَلُّبهَا على أَحْوَال الإجتماع والتفرق يكون بتقلب أَحْوَال الْأَرْضين وَمَا فِيهَا من أَنْوَاع الْأَشْجَار الْبحار والمياه وجوهر التَّفَرُّق الَّتِي يَعْلُو بخارها أَو هِيَ بجوهرها كالنيران والجواهر الْحَقِيقِيَّة وَبهَا يَنْقَلِب أَمر النُّجُوم وَمَا ذكر فَهَذَا أَحَق إِذْ هُوَ أقرب إِلَى الْعين وَأولى أَن يكون دَلِيلا لما غَابَ عَنَّا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ تكلم هَؤُلَاءِ بِمَا تكلم بِهِ أَصْحَاب الطبائع إِن ذَلِك الصَّانِع إِنَّمَا خرج فعله محكما متقنا بِمَا عِنْده من الْعلم وَله من الْقُدْرَة وَلَوْلَا ذَلِك لما احْتمل مَا ذكرت فَإِنَّهُ بِمَا سبق من التَّدْبِير استقام ذَلِك فَمثله أَمر النُّجُوم لَو كَانَ على مَا يَقُول كَانَ يكون ذَلِك كَذَلِك بتدبير عليم حَكِيم أنشأه على ذَلِك وَلَو كَانَ إِلَيْهَا التَّدْبِير لما يحْتَمل أَن تتعب نَفسهَا بالسير والحركات الدائمة وتؤلمها إِذْ كَذَلِك حَال الْأَحْيَاء فِي الشَّاهِد إِن تِلْكَ الْأَحْوَال تتعبهم وتؤلمهم أَو أَن يكون من الْموَات
стр. 144
فَيكون بتدبير غَيرهَا كَانَ الَّذِي كَانَ على مَا ذكر من قصَّة الديباج على أَنه يعلم أَنه لَو قدر على ذَلِك بِلَا اتعاب نَفسه لاختاره عَلَيْهِ ليعلم أَن كل ذَلِك بتدبير حَكِيم عليم غنى اسْتعْمل جَمِيع مَا ذكر فِيمَا ذكر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبعد فَإِنَّهُ لَو جَازَ القَوْل فِي عالمنا إِنَّه بتدبير من ذكر لجَاز مثله فِيمَن ذكر أَنه كَانَ بتدبير من يعلوه كَذَلِك إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَفِي ذَلِك بطلَان قَوْلهم فِي تَدْبِير النُّجُوم أَو يرجع إِلَى نِهَايَة وَفِي ذَلِك فَسَاد قَوْلهم فِي رفع النِّهَايَة عَن الْأَشْيَاء وَإِيجَاب القَوْل بِوَاحِد إِلَيْهِ يرجع تَدْبِير جَمِيع مَا ذكر وَهُوَ الْعَالم بعواقب الْأُمُور الْمُقدر فِي كل مَا إِلَيْهِ ينتهى على أَن هَؤُلَاءِ قد أقرُّوا بقَوْلهمْ أَن لَيْسَ لَهُم قَول لأَنهم زَعَمُوا أَن لَا اخْتِيَار لَهُم لكِنهمْ مضطرون فِيمَا يَقُولُونَ وَكَذَلِكَ خصومهم فِيمَا يكذبونهم فَيكون ذَلِك التكاذب والتناقض من هَذَا الْمُدبر وَمن ذَلِك تَدْبيره فَهُوَ الْمُفْسد وَمن ذَلِك قدر قَوْله فَهُوَ لم يقل عِنْد نَفسه وَفِي ذَلِك وَجْهَان أَحدهمَا سُقُوط قَوْله فَيبقى قَول الْمُوَحِّدين وَالثَّانِي إِنْكَاره العيان والإختيار الَّذِي يُعلمهُ كل أحد وكل عَاقل وَمن أنكر العيان الَّذِي يُحِيط بِهِ حسه ثمَّ يدعى غَائِبا لَا يبلغهُ حسه بِالَّذِي أنكر مِمَّا أدْركهُ حسه فَهُوَ بِحَمْد الله مكفى المؤونة حقيق الهجر وَبِاللَّهِ المعونة
وَلَو كَانَت الْأَحْوَال مدفوعة إِلَيْهَا لما ترك أحد الْأكل وَالشرب لخوف وَلما أقدم عَلَيْهَا لشَهْوَة وَلما أصَاب لشَيْء من ذَلِك لَذَّة وكل ذَلِك مَوْجُود فِيمَا عَلَيْهِ الطباع حَتَّى كَانَ فِيمَن عظم من ذَلِك أقل مِنْهُ فِيمَن صغر وَلَو كَانَ بالطبيعة أَو اتِّصَال بالنجوم يجب أَن يكون على كل قلب بِهِ
وَبعد فَإِن خُرُوج الْأَفْعَال الْمُخْتَلفَة وَأَحْوَالهَا محَال وجودهَا من ذِي طبع كالتبريد والتسخين وَالشَّر وَالْخَيْر فَثَبت أَن لَيْسَ أصل شَيْء مِنْهُ بِذِي طبع وَلَكِن بعليم حَكِيم جعل كل شَيْء على ذَلِك بالخلقة والوجود وَلَو كَانَت الْأَفْعَال بِالدفع لم يُمكن الْفَاعِل الإمتناع كالمدفوع فِي قَفاهُ وَالَّذِي يهوى من فَوق بَيت
стр. 145
والموثوق بالحبال وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَفِي الْوُجُود إِن المفلوج يعلم أَنه لَا يمْتَنع عَمَّا تلى وَكَذَلِكَ الْأَعْمَى وكل ذِي آلَة مؤوفه ثمَّ هُوَ يعلم ارْتِفَاع تِلْكَ الْآفَات والتمكين من الْخلاف لتِلْك الْأَحْوَال ثَبت أَن القَوْل بِالضَّرُورَةِ فِي الْجُمْلَة كذب
وَزعم صنف أَن طِينَة الْعَالم كَانَت قديمَة سميت هيولي مَعهَا قُوَّة لم تزل بصفتها وَلَا طول لَهَا وَلَا عرض وَلَا عمق وَلَا وزن وَلَا مساحة وَلَا لون وَلَا طعم وَلَا رَائِحَة وَلَا لين وَلَا خشونة وَلَا حر وَلَا برد وَلَا بلة وَلَا حَرَكَة وَلَا سُكُون وَلَا شَيْء مَعهَا فِي أوليتها من الْأَعْرَاض سميت إِذْ ذَاك هيولي وقلبت الهيولي الْقُوَّة بطباع مِنْهَا لَا بِاخْتِيَار فَحدثت هَذِه الْأَعْرَاض فَسمى جوهرا وَهُوَ جَوْهَر وَاحِد وَهُوَ جَوْهَر الْعَالم والإفتراق والإتفاق إِنَّمَا جَاءَ من قبل الْأَعْرَاض والأعراض لَا تُوصَف بالإختلاف والإتفاق لِأَنَّهُمَا لَا يكونَانِ إِلَّا بِغَيْرِهِمَا وَالْعرض لَا يقوم بِالْعرضِ وَإِنَّمَا يقوم بالجوهر فَاخْتلف بِهِ الْجَوْهَر وَاتفقَ
وَذكر أرسطاطاليس وَهُوَ صَاحب هَذَا القَوْل فِي كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ الْمنطق عشرَة أَبْوَاب بَاب الْعين كَقَوْلِك إِنْسَان سميت عينه وَبَاب الْمَكَان كَقَوْلِك أَيْن وَالصّفة بِقَوْلِك كَيفَ وَالْوَقْت مَتى وَالْعدَد ب كم والمضاف مِمَّا فِي ذكر الْوَاحِد ذكر الآخر كَالْأَبِ وَالْعَبْد وَالشَّرِيك وَنَحْوه وَذُو كَقَوْلِك ذُو شرف وَذُو أهل وَنَحْو ذَلِك سموهُ بَاب الْجدّة والنصبة كالقيام وَالْقعُود وَالْفَاعِل كَقَوْلِك أكل وَنَحْوه وَالْمَفْعُول كَقَوْلِك مَأْكُول لَا يقدر أحد أَن يذكر مَا يخرج عَن جملَة ذَلِك وَزَعَمُوا فِي الْقُوَّة إِنَّهَا جاهلة تفعل بالطباع وَلَيْسَ بالهيولي حَاجَة إِلَى الْأَعْرَاض
следующие страницы →