Полный текст (399 стр.). Показаны 386–399 · переход к 391.
стр. 386
بِالشَّجَرِ وَمرَّة بِالسَّمْعِ وَالْبَصَر وَمرَّة بِالْحَيَاةِ وَمرَّة بِالْأَرْضِ الطّيبَة وَمرَّة بالسراج وكل ذَلِك مَخْلُوق فَمثله الْإِيمَان ثمَّ قد ضرب مثل الْكفْر بمضادات مَا بَينا على الإجتماع فِي الحدثية والخلقة فَمثله أَمر الْإِيمَان وَالْكفْر وَالله الْمُوفق
ثمَّ الْإِيمَان حسن وَخير وَهدى وزين لصَاحبه وكل مَا ذَلِك وَصفه فَهُوَ مَخْلُوق قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَلما يدْخل الْإِيمَان فِي قُلُوبكُمْ﴾ وَقَالَ ﴿وَلم تؤمن قُلُوبهم﴾ دلّ أَنه فِي الْقلب وَهُوَ فعله وبعيد كَون مَا لَيْسَ بمخلوق فِيهِ ثمَّ كذب الله تَعَالَى فِي ذَلِك قوما ادعوا لأَنْفُسِهِمْ فَلَو لم يكن فعلهم لم يكن ليكذبهم لِأَنَّهُ مَوْجُود وَإِنَّمَا يعْدم من حَيْثُ الْفِعْل وَالله الْمُوفق
مَسْأَلَة
ترك الإستثناء فِي الْإِيمَان
قَالَ الْفَقِيه ﵀ الأَصْل عندنَا قطع القَوْل بِالْإِيمَان وبالتسمى بِهِ بِالْإِطْلَاقِ وَترك الإستثناء فِيهِ لِأَن كل معنى مِمَّا بإجتماع وجوده تَمام الْإِيمَان عِنْده مِمَّا إِذا اسْتثْنى فِيهِ لم يَصح ذَلِك الْمَعْنى فعلى ذَلِك أمره فِي الْجُمْلَة نَحْو أَن يَقُول أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله إِن شَاءَ الله أَو مُحَمَّد رَسُول الله إِن شَاءَ الله وَكَذَلِكَ الشَّهَادَة بِالْبَعْثِ وَالْمَلَائِكَة وَالرسل والكتب وَبِاللَّهِ الْعِصْمَة
وَأَيْضًا أَن حرف الثنيا إِذا ألحق بالْقَوْل منع مضيه على مَا تفوه بِهِ لَوْلَا هُوَ من الْإِقْرَار والعقود والمواعيد وَغير ذَلِك فعلى ذَلِك أَمر الْإِيمَان وَكَذَلِكَ قَالَ
стр. 387
الله سُبْحَانَهُ ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وَقَالَ ﴿ستجدني إِن شَاءَ الله صَابِرًا﴾ فَلم يلْحقهُ وصف الْخلف إِذا كَانَ الْعَهْد مَقْرُونا بالثنيا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
ثمَّ الْعرف الظَّاهِر فِي الْخلق أَنهم لَا يستعملونه فِي مَوضِع الْإِحَاطَة وَالْعلم وَمن سمع ذَلِك استعظم القَوْل نَحْو أَن يشار إِلَى محسوس وَيسْتَثْنى ويستعملونه فِي مَوضِع الشكوك والظنون وَقد حذر الله تَعَالَى بقوله ﴿ثمَّ لم يرتابوا﴾ أَو بِمَا وصف أهل النِّفَاق بِالشَّكِّ والريب لم يجز الثنيا فِي كل مَا لَا يجوز أَظُنهُ وَأَحْسبهُ وأشك فِيهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
ثمَّ إِن الله شهد لمن آمن بِاللَّه وَرَسُوله وَالْيَوْم الآخر بِالْإِيمَان بقوله ﴿آمن الرَّسُول﴾ وَقد مدح بِقطع القَوْل بِهِ بقوله ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه﴾ ثمَّ خَاطب الله فِي كثير من الْعِبَادَات بإسم الْإِيمَان وَفِي كثير من الْحل وَالْحُرْمَة فِي ذَلِك ثمَّ لم يُوجد أحد يخرج فِي شَيْء مِمَّا أحل بإسم الْإِيمَان وَأمر بِهِ ظنا مِنْهُ بِنَفسِهِ أَنه لَيْسَ تَحْقِيق لذَلِك الإسم وَأَن المُرَاد ينْصَرف إِلَى غَيره فَكَذَلِك فِي التسمى
ثمَّ الأَصْل فِي ذَلِك أَن الْإِيمَان مِمَّا ينْسب إِلَى الله بالإنعام كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم﴾ وبالإمتنان بقوله ﴿يمن عَلَيْكُم﴾ وبالتزيين فِي الْقُلُوب والتحبيب بقوله ﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ﴾
стр. 388
وبالأفضال قَوْله ﴿فلولا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته﴾ فَلَا يَخْلُو من يسْتَثْنى من أَن يكون عرف صدق نَفسه وعظيم نعم الله وأفضاله أَو لم يعلم ذَلِك أَو علم أَنه على غير ذَلِك فَإِن علم أَنه على غير ذَلِك فبعدا لَهُ فَإِن الثنيا لَا تَنْفَعهُ سوى الإرتياب فِيمَا زعم أَنه لم يُعلمهُ وَإِن لم يعلم صدقه فِيمَا قَالَ وَلَا إمتنان الله وأنعامه فويل لَهُ إِذْ جهل أعظم نعم الله وَكفر بِهِ وَإِن علم ذَلِك فَإِن فِي حرف الشَّك عِنْد السامعين ستر نعم الله وكفران مننه فَذَلِك آيَة الزَّوَال وَسبب المحق وَالله الْمُوفق
ثمَّ الأَصْل عندنَا أَن الثنيا حرف يسْتَعْمل فِي مَوضِع التحرج وَهَذَا مَوضِع لَو تحقق الَّذِي لَهُ يتحرج لَا يَنْفَعهُ التحرج بل يلْزمه مقت الله ونقمته وَلَو لم يتَحَقَّق يلْحقهُ حكم كفران نعم الله حَيْثُ لم يره مِنْهُ وَلم يشْكر لَهُ إِذْ أوجب لَهُ ولَايَته وأضاف إِلَى نَفسه الأخراج من الظُّلُمَات إِلَى النُّور وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الْحق على مَذْهَب الْمُعْتَزلَة والخوارج والحشوية الإستثناء فِي الدّين وبخاصة فِي الْإِيمَان فَأَما عِنْد الْمُعْتَزلَة والخوارج فَإِنَّهُ يخرج من حَيْثُ لَا يشْعر بِهِ وَيمْتَنع عَن الْإِجَابَة من حَيْثُ لَا يعلم بِهِ وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ أبدا فِي جهل من حَاله فحقه أَن يتسمى بِهِ وعَلى ذَلِك لم يسمع أحد سمى نَفسه برا تقيا زكيا طيبا مُطيعًا لله إِذْ هُوَ اسْم لأحد نَوْعي الْخيرَات أَو لَهَا جَمِيعًا فالإيمان عِنْد ذَلِك مَا كَانَ لَهُم التسمى بِهِ دون الثنيا
وَكَذَلِكَ الحشوية إِذْ القَوْل عِنْدهم فِي الْإِيمَان وَفِي كل من أَسمَاء الْمَدْح وَاحِد وَلَا يسمون بِغَيْر ذَلِك بِلَا ثنيا وَفِي لُزُوم هُوَ لَا فِي مَذْهَبهم الثنيا ثمَّ الله تَعَالَى قَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ فِي غير مَوضِع باسم مَقْطُوع لم يجز أَن يسْتَحق شَيْئا مِمَّا جرى الْخطاب بِهِ من أَمر وَنهى ووعد ووعيد وترغيب وترهيب
стр. 389
فَيكون عَامَّة آيَات الله فِي الْخطاب خَارِجَة مخرج عَبث إِذْ الْحق من جملَة الْمذَاهب من لَا يلْزمه هَذَا القَوْل بمذهبه قَالَ أَو لم يقل وَالله الْمُوفق
فَإِن قَالَ قَائِل فقد ذكر الله الثنيا فِي غير مَوضِع الشَّك فَيجوز الثنيا على ذَلِك ثمَّ قَوْله ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين﴾ قيل هَذَا لَيْسَ لكم لأَنا قد بَينا تَحْقِيق الشَّك على مذهبكم ثمَّ لم يكن الإحتجاج بِخُرُوج عَن مَوضِع الشَّك وَلَو كُنْتُم كَذَلِك إِذْ قد ذكر الله أهل الْيَقِين فِي غير مَوضِع بإسم الْقطع فَقولُوا لَا يتم بِلَا ثنيا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ يُقَال قد ذكر الله تَعَالَى الظَّن وَلَعَلَّ وَعَسَى وَالْخَوْف فِي مَوضِع الْيَقِين فَقولُوا عِنْد السُّؤَال نظن ونخاف وَلَعَلَّ وَمثل ذَا فَإذْ لم يجب هَذَا بِمَا الْعرف فِيهِ عبر وَإِن اعْترض فِي مَوَاضِع لهَذِهِ الأحرف مساغ فِي حق الْيَقِين لَعَلَّك وَكَذَلِكَ أَمر الثنيا ثمَّ يُعَارض لجَمِيع مَا ذكر من الْإِيمَان بِاللَّه وَمُحَمّد مَعَ الثنيا فإيذا كَانَ القَوْل مُمْتَنعا والواصف بِهِ فِي حق من لم يُؤمن قُلُوبهم فَكَذَلِك الأول وَقد روى عَن رَسُول الله ﷺ أَنه سُئِلَ عَن أفضل الْأَعْمَال فَقَالَ إِيمَان لَا شكّ فِيهِ وَجِهَاد لَا غلُول فِيهِ وَحج مبرور فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا﴾ فَإِن قيل مَا الْحِكْمَة فِي قَوْله ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ قيل يخرج هَذَا عندنَا على وُجُوه وَالله أعلم بِحَقِيقَة ذَلِك لكنه خبر أخبر عَن قَول غَيره لم يقل لتدخلن إِن شِئْت وَلَكِن قَالَ إِن شَاءَ الله ليعلم أَنه قَول غَيره ثمَّ احْتمل أَن يكون الله علم رَسُوله أَن يَقُول ذَلِك وَيسْتَثْنى لما هُوَ وعد
стр. 390
وَقد كَانَ قَالَ ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ ولأفعلنا ولتدخلن وَاحِد لكنه أَمر بالثنيا إِن كَانَ وعده لَهُ أَو لَا ليعلم النَّاس حق الْوَعْد كَمَا أمره بالمشورة ليعلم النَّاس خطرها أَو لما كَانَ أضَاف الله إِلَيْهِ الدُّخُول وَقد كَانَ وعد خاصته أَو من بقى مِنْهُم فالثنيا لما خشِي الفناء على بعض المخاطبين أَو كَانَ فِي قَوْله ﴿لقد صدق الله رَسُوله الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ ثمَّ هُوَ يتَوَجَّه وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون رَأْي كَذَلِك قولا مَقْرُونا بالثنيا فَذكر على ذَلِك إِذْ كَانَ رَسُول الله أخبر الْقَوْم بِالدُّخُولِ لوقت لم يبين لَهُ فاستثنى فِي ذَلِك وَذَلِكَ حق فِي كل مَا يرتاب لَا مَا يتقين فِيهِ على مَا ذكرنَا فَمن كَانَ على يَقِين من دينه وَعلم من صدق مِمَّن يعلم حد الْإِيمَان وَأَنه قد أوفاه فَعَلَيهِ أَن يَقُوله شكرا لما أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي ذَلِك تَزْكِيَة لاشتراك الْجَمِيع فِي ذَلِك وَلما أمروا بِهِ وَلما هُوَ مَعْلُوم الْحَد وَلما بِالْيَقِينِ بِهِ يعلم مواقع الْخطاب ودخوله فِيهِ وَلما يعلم أَن الله إِذْ سماهم بِهِ سماهم بِمَا استحقوا ذَلِك مَعَ مَا ألزم الله بِظَاهِر الدّين أحكاما من معاملات الْخلق وأنواع الْحُقُوق مِمَّا يلْزمهُم إِظْهَار ذَلِك للْقِيَام بالحقوق الَّتِي يلْزم النَّاس بهَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعَظِيم
стр. 391
مَسْأَلَة ألحقت بِالْمَتْنِ فِي نُسْخَة
مَسْأَلَة
الْإِسْلَام وَالْإِيمَان
تكلم النَّاس فِي الْإِسْلَام أَنه اسْم الْإِيمَان فِي التَّحْقِيق أَو غَيره فَأَما من يَقُول بِأَن الْإِيمَان اسْم لجَمِيع الْخيرَات فقد اخْتلفُوا فِي ذَلِك خلافًا يشبه أهل القَوْل بِهِ وَإِلَّا فَلَا معنى لاختلافهم إِذْ احْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ﴾ وصيروا لكل شَيْء يقبل إسلاما وكل خير إِيمَان وكل مَقْبُول خير وكل خير مَقْبُول فيكونان فِي الْحَقِيقَة وَاحِدًا لكِنهمْ فرقوا بَينهمَا اسْتِدْلَالا بتفريق الْكتاب بقوله ﴿قَالَت الْأَعْرَاب آمنا قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا﴾ فَأذن لَهُم بالْخبر عَن الْإِسْلَام وَلم يَأْذَن لَهُم بالإخبار عَن الْإِيمَان
وَكَذَا روى فِي قصَّة جِبْرِيل فِيمَا سَأَلَ رَسُول الله عَن الْإِيمَان فَقَالَ أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وَالْقدر خَيره وشره من الله وَسَأَلَ عَن الْإِسْلَام فَقَالَ أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وتقيم الصَّلَاة وَتُؤَدِّي الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان وتحج الْبَيْت فَقَالَ فِي الأول فَإِن فعلت هَذَا فَأَنا مُؤمن وَفِي الثَّانِي فَأَنا مُسلم قَالَ نعم صدقت
قَالَ فَفرق الْكتاب بَين الْأَمريْنِ ثمَّ السّنة ثمَّ تَصْدِيق جِبْرِيل فِي ذَلِك ثمَّ الشَّهَادَة بالإسم الَّذِي ذَلِك فعله ثمَّ أخبر ﵇ أَن هَذَا جِبْرِيل أَتَاكُم ليعلمكم أَمر دينكُمْ وَلَا يحْتَمل إجتماع أُمَنَاء السَّمَاء وَالْأَرْض على تَعْلِيم أَمر بِالتَّفْرِيقِ وَالْحق فِيهَا الْجمع فَثَبت بِهِ التَّفْرِيق بَينهمَا
стр. 392
ثمَّ اخْتلف الَّذين قَالُوا الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق لَا غير فِي الْإِسْلَام فَمنهمْ من يُوَافق هُوَ لَا فِي جعل الْإِسْلَام إسما لما ظهر من الْقرب وَالْإِيمَان للتصديق خَاصَّة إستدلالا بِالَّذِي ذكرت من حكم الْكتاب وَالسّنة إِنَّه إِذن للأعراب بالتسمى بِالْإِسْلَامِ بِالظَّاهِرِ وَلم يَأْذَن بالتسمى بِالْإِيمَان لما لم يكن لَهُم حَقِيقَة فِي الْقلب وَمثله الْخَبَر إِذْ رد الْإِسْلَام إِلَى ظواهر الْأُمُور وَالْإِيمَان إِلَى التَّصْدِيق بِالَّذِي ذكر وَهَذَا القَوْل أقرب بِظَاهِر الْقَوْلَيْنِ من الأول لِأَن الْأَوَّلين لم يجْعَلُوا اسْم الْإِسْلَام على الظَّاهِر وَالْإِيمَان على التَّصْدِيق بل جعلُوا الْإِسْلَام على الظَّاهِر وَالْبَاطِن جَمِيعًا فهم خالفوا جَمِيع مَا احْتَجُّوا بِهِ مَعَ مَا كَانَ كل مِنْهُم إِذا سُئِلَ عَن الْإِيمَان أَضَافَهُ إِلَى جَمِيع الْخيرَات فعلى قَوْلهم خالفوا مَا احْتَجُّوا بِهِ من الْقُرْآن بِبَيَان الْموضع لَهُ وَبِمَا جَاءَ من تَفْسِير الْأُمَنَاء فِي ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأما القَوْل عندنَا فِي الْإِيمَان وَالْإِسْلَام إِنَّه وَاحِد فِي أَمر الدّين فِي التَّحْقِيق بالمراد وَإِن كَانَا قد يَخْتَلِفَانِ فِي الْمَعْنى بِاللِّسَانِ وَلما فِيهِ من الإختلاف أَبَت أنفس الْكَفَرَة التسمى بِالْإِسْلَامِ وَلَيْسَ أحد مِنْهُم يَأْبَى التسمى بِالْإِيمَان أَو لما كَانَ من الْمَعْرُوف من الْإِسْلَام أَنه اسْم الَّذين وَلَيْسَ كَذَلِك الْمَعْرُوف من الْإِيمَان وَلذَلِك قيل دَار إِسْلَام وَدَار الْكفْر وَلم يقل دَار إِيمَان وَلَا تَكْذِيب وَإِن كَانَ الْكفْر تَكْذِيبًا فعلى ذَلِك أَمر التسمى بِهِ ثمَّ من جِهَة التَّحْقِيق بالمراد فِي الدّين إِن الْإِيمَان هُوَ اسْم لشهادة الْعُقُول والْآثَار بالتصديق على وحدانية الله تَعَالَى وَأَن لَهُ الْخلق وَالْأَمر فِي الْخلق لَا شريك لَهُ فِي ذَلِك وَالْإِسْلَام هُوَ إِسْلَام الْمَرْء نَفسه بكليتها وَكَذَا كل شَيْء لله تَعَالَى بالعبودة لله لَا شريك فِيهِ فحصلا من طَرِيق المُرَاد فيهمَا على وَاحِد إِلَّا أَن الأول بِالْإِيمَان بِاللَّه وَأَن لَهُ مَا ذكرنَا وَالثَّانِي فِي جعل مَا ذكرنَا لله يشْهد لما بَينا قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿ضرب الله مثلا رجلا فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون﴾ أَن وصف الْمُسلم بِمن هُوَ سلم لرجل وَالْكَافِر بِمن فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون
стр. 393
ثمَّ قَالَ قوم الْإِسْلَام فِي اللُّغَة الْإِخْلَاص وعَلى ذَلِك قَوْله ﴿إِذْ قَالَ لَهُ ربه أسلم﴾ وَقَوله ﴿آمنا بِاللَّه﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَنحن لَهُ مُسلمُونَ﴾ فَهُوَ على إخلاص العَبْد نَفسه لله تَعَالَى وَلَا يَجْعَل لأحد فِيهَا شركا وَهُوَ يرجع أَيْضا إِلَى مَا بَينا
وَقَالَ قَائِلُونَ الْإِسْلَام الإستسلام والخضوع لله وعَلى هَذَا أَمر الْأَعْرَاب أَن يَقُولُوا أسلمنَا لَكِن ذَلِك على الإستسلام للْمُؤْمِنين لَا لله كَمَا قَالَ جلّ وَعلا ﴿لَأَنْتُم أَشد رهبة فِي صُدُورهمْ من الله﴾ وكما وَصفهم فِي قَوْله ﴿يحسبون كل صَيْحَة عَلَيْهِم هم الْعَدو﴾ وَغير ذَلِك مِمَّا أظهر بِهِ خوف الْمُنَافِقين من أَصْحَاب رَسُول الله وَلذَلِك كَانُوا يظهرون الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله وَيُنْكِرُونَ بقلوبهم وَالْإِسْلَام هُوَ الخضوع لله تَعَالَى والإستسلام لَهُ بالإختيار على مَا هم عَلَيْهِ لله بالخلقة والجوهر وَالْإِيمَان لَا يتَوَجَّه إِلَى هَذَا الْوَجْه فنفى عَنْهُم وَإِن كَانُوا أظهروه من عِنْد أنفسهم لِأَن حَقه الْقلب وَاللِّسَان معبر عَنهُ لذَلِك شهد الله تَعَالَى على الْمُنَافِقين بِالْكَذِبِ بِمَا أخبروا من إِيمَانهم إِذْ حَقِيقَته بِالْقَلْبِ وَلم يكن لَهُم ذَلِك وَلِهَذَا مَا بقى إِيمَانهم وَأثبت لَهُم القَوْل بِهِ لَا غير وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ إِذا كَانَ حَقِيقَة الْإِسْلَام مَا ذكرنَا وَحَقِيقَة الْإِيمَان مَا ذكرنَا ففاسد وجود أَحدهمَا بِالْحَقِيقَةِ وَالْآخر لَيْسَ وجوده بِالْحَقِيقَةِ فَلذَلِك قيل هما وَاحِد فِي التَّحْصِيل وَإِن كَانَت الْعبارَة من الإسم فِي الْإِطْلَاق رُبمَا تخْتَلف كالإنسان وَابْن آدم وَرجل وَفُلَان يخْتَلف من ظَاهر الْإِسْلَام الْمَعْنى وَفِي التَّحْقِيق وَاحِد من حَيْثُ كَانَ بِوُجُود وَاحِد وجود الآخر إِلَّا من الْوَجْه الَّذِي وصفت فِي حق الْإِسْلَام الَّذِي هُوَ بِاللِّسَانِ وَالله أعلم
стр. 394
ثمَّ الأَصْل أَنه من الْبعيد عَن الْعُقُول أَن يأتى الْمَرْء بِجَمِيعِ شَرَائِط الْإِيمَان ثمَّ لَا يكون مُسلما أَو يَأْتِي بِجَمِيعِ شَرَائِط الْإِسْلَام ثمَّ لَا يكون مُؤمنا ثَبت أَنَّهُمَا فِي الْحَقِيقَة وَاحِد وَمَعْلُوم أَن الَّذِي يسع لَهُ التسمى بِأَحَدِهِمَا يسع بِالْآخرِ وَأَن الَّذِي بِهِ يخْتَلف الْأَدْيَان إِنَّمَا هُوَ الإعتقاد لَا بِأَفْعَال سواهُ وبالوجود يسْتَحق كل الإسم الْمَعْرُوف لذَلِك وَجب مَا قُلْنَا وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام﴾ وَقَالَ ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ﴾ فالمؤمن بِالصّفةِ الَّتِي يصير بهَا مُؤمنا لَا يَخْلُو من أَن يكون أَتَى بِالْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ الدّين عِنْد الله أَو أَتَى بِبَعْضِه لَا كُله أَو ابْتغى غير دين الله فَإِن قَالَ بِالْأولِ أذعن للحق وَإِن قَالَ بِالثَّانِي فَهُوَ إِذا لم يبتغ بِهِ دينا إِنَّمَا ابْتغى بعضه وَذَلِكَ بعيد بل شهد الله على مثله بِأَنَّهُ كَافِر حَقًا
وَبعد فَإِن كل كَافِر قد يأتى بِبَعْضِه ثمَّ لم يجب بِهِ الإسم وَقد سمى بِهِ من ذكرت ثَبت أَنه قد أَتَى بِالْكُلِّ وَإِن قَالَ بالثالث صير دَار الْمُؤمنِينَ النَّار وأبطل جَمِيع مَا جَاءَ بِهِ الرُّسُل من الْأَمر بِالْإِيمَان بهم ثمَّ لم يصر مُسلما بذلك وَجَاء بِمَا لَا يقبل مِنْهُ من الْأَدْيَان ثَبت أَنه التَّام من الدّين وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الإختلاف الَّذِي من خبر جِبْرِيل ﵇ قد روى فِي ذَلِك اخْتِلَاف فِي اللَّفْظ روى عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ سُئِلَ عَن الْإِيمَان ثمَّ عَن شرائع الْإِسْلَام فَأجَاب بِالَّذِي ذكر فِي السُّؤَال عَن الْإِسْلَام فَيكون هَذَا الْخَبَر تَفْسِيرا للْخَبَر الأول وَيحمل الْخَبَر الأول على جِهَتَيْنِ إِمَّا على أَن الرَّاوِي لم يسمع الشَّرَائِع فِي السُّؤَال أَو فِي الرِّوَايَة عَن الَّذِي رَوَاهُ فروى كَذَلِك يُؤَيّدهُ خبر ابْن عمر أَن ذَلِك قد كَانَ وَمن الْبعيد أَن يكون مِقْدَار الأول وَيُؤَيِّدهُ ابْن عمر لما يسْقط الشَّهَادَة بِمَا يخبر عَن جِبْرِيل وَعَن الرَّسُول بِغَيْر الَّذِي قَالَا وَغير مَدْفُوع حَقًا الْبَعْض على بعض فيرونه على مَا
стр. 395
وَقع عِنْده وأيد هَذَا مَا ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن النَّبِي ﵇ قَالَ هَذَا جِبْرِيل أَتَاكُم ليعلمكم دينكُمْ وروى فِي غَيره ليعلمكم أَمر دينكُمْ فَكَانَ فِي الْخَبَر أَمر دينكُمْ وَإِن خفى على الآخر فَمثله الْخَبَر الأول والجهة الثَّانِيَة على أَن الإكتفاء بِهِ بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنهم قد علمُوا أَنه لَا يجوز أَن يكون مُؤمنا غير مُسلم فِي الْحَقِيقَة أَو مُسلما غير مُؤمن فَرَأَوْا أَن ذَلِك الْقدر كَاف عَن الإبلاغ فِي الذّكر لظُهُور ذَلِك وَالْآخر أَن يكون الثَّانِي عِنْده الْبَيَان عَن أَفعَال الْإِسْلَام يرويهِ بإسمه على مجَاز اللُّغَة فِي تَسْمِيَة الشَّيْء بإسم سَببه وإسم الْمُتَّصِل بِهِ ثمَّ قد ثَبت أَنَّهُمَا وَاحِد فِي التَّحْقِيق على مَا جرى بِهِ أَحْكَام الْقُرْآن قَالَ الله تَعَالَى ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَنحن لَهُ مُسلمُونَ﴾ فألزمهم اسْم الْإِسْلَام بِالَّذِي بِهِ صَارُوا مُؤمنين وَمثله فِي يُونُس ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قوم إِن كُنْتُم آمنتم بِاللَّه فَعَلَيهِ توكلوا إِن كُنْتُم مُسلمين﴾ فصيرهم بِالَّذِي آمنُوا مُسلمين وَقَالَ ﴿يمنون عَلَيْك أَن أَسْلمُوا قل لَا تمنوا عَليّ إسلامكم بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ صير ذَلِك مِنْهُم إسلاما لَو صدقُوا فِي إِيمَانهم وَكَذَلِكَ بِهِ يكونُونَ مُؤمنين وَقَالَت الْمَلَائِكَة ﴿فأخرجنا من كَانَ فِيهَا من الْمُؤمنِينَ فَمَا وجدنَا فِيهَا غير بَيت من الْمُسلمين﴾ فصير الَّذين كَانُوا مُسلمين مُؤمنين ثمَّ كَذَلِك إِن الله تَعَالَى ذكر الْبشَارَة مرّة بِذكر الْإِيمَان وَمرَّة بِذكر الْإِسْلَام ثَبت أَنَّهُمَا فِي الْحَقِيقَة وَاحِد وَقد روى عَن نَبِي الله ﵇ أَنه قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا نفس مُؤمنَة وروى أَنه لَا يدخلهَا إِلَّا نفس مسلمة
стр. 396
ثمَّ الْأَمر المتوارث من غير تنَازع فِي تَسْمِيَة كل مُسلم مُؤمنا وكل مُؤمن مُسلما
ثمَّ اتِّفَاق أهل الْمذَاهب فِي الْإِسْلَام أَن مَا يخرج من الْإِيمَان يخرج من الْإِسْلَام وَكَذَلِكَ الَّذِي يخرج من الْإِسْلَام يخرج من الْإِيمَان ثمَّ مَا لَا تنَازع فِي الْآخِرَة فِي جَمِيع الْفرق أَن الدَّار الَّتِي هِيَ لأهل الْإِسْلَام هِيَ لأهل الْإِيمَان وَأَن الَّتِي هِيَ لهَؤُلَاء هِيَ لهَؤُلَاء وَكَذَلِكَ قسم الله الْخلق فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَقَالَ ﴿فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن﴾ وَمَا نظر صَاحب القَوْل فِي الْمُسلم من هُوَ مِنْهُمَا وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه﴾ فَمَا فَتْوَى صَاحب هَذَا القَوْل فِي الْمُسلم أَنه مَا صفة وَجهه وَقَالَ ﴿وَمن يسلم وَجهه إِلَى الله﴾ وَقَالَ ﴿وَمن أحسن قولا مِمَّن دَعَا إِلَى الله وَعمل صَالحا وَقَالَ إِنَّنِي من الْمُسلمين﴾ فَمَا حَاله لَو قَالَ أَنا من الْمُؤمنِينَ وَقَالَ ﴿وَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن﴾ كَمَا قَالَ ﴿وَمن يسلم وَجهه إِلَى الله﴾
ثمَّ يُقَال لصَاحب هَذَا القَوْل تحقق هَذَا الإسم بِأَحَدِهِمَا وَيمْنَع الآخر حكما فِي أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أَو لَا فَإِن حقق فَيُقَال مَا ذَلِك إِلَّا أَي الدَّاريْنِ يرد الْمُسلم أَو الْمُؤمن ثمَّ فِي الشَّاهِد أَي الإسمين أَحْمد وَأي حق فِيمَا بَين العَبْد وربه أَو بَينه وَبَين الْخلق تحقق لَهُ عِنْد وجود أحد الإسمين وَلَا تحقق عِنْد وجود الآخر فَلَا يجد إِلَى تَحْقِيق ذَلِك سَبِيلا
فَيُقَال عِنْد ذَلِك إِذْ لم يَجْعَل الإسم بِأَحَدِهِمَا علما لأمر منعت الْمُسَمّى بِالْآخرِ وَكَذَلِكَ فِيمَا يلْحق الضَّرَر فَإِذا صرت أَنْت بِالتَّفْرِيقِ عابثا ملبسا
стр. 397
ثمَّ النَّاس فِي عهد رَسُول الله ثَلَاثَة مُؤمن وَكَافِر ومنافق لم يعرف للْمُسلمِ دَرَجَة خَارِجَة من هَؤُلَاءِ وَلَا لِلْمُؤمنِ وَفِي التَّفْرِيق ذَلِك وَذَلِكَ خلاف مَا عَلَيْهِ الْأَمر الأول من الْخلق على أَن أهل الْأَدْيَان جَمِيعًا فروا عَن إسم الْإِسْلَام فَلَو لم يكن الْإِسْلَام مَعْرُوفا عِنْدهم أَنه مَا مَعْنَاهُ وَمَا الَّذِي نفر عَنهُ طباعهم لَكَانَ لَا معنى لذَلِك وَبِه وصف الرُّسُل أَنهم سموا وَإِذا ثَبت أَنه مَعْلُوم عِنْد الْخلق فَمن رام صرفه إِلَى معنى زَائِد فِي الدّين أَو إِلَى معنى زَائِد على الْإِيمَان أَو نَاقص عَنهُ يجب إِن ذهب إِلَى معنى نَاقص عَنهُ أَن يَجْعَل الْإِسْلَام دون الْإِيمَان فَيجب حَقِيقَته والتدين بذلك الدّين ثمَّ لَا يكون مُؤمنا وَإِن كَانَ زَائِدا فَيجب أَن لَا يَقع النفار عَن قدر مَا يدعونَ إِلَى الْإِيمَان وَإِن لم يُوصف لَهُم أَنه أسلم فَإذْ وجد ذَلِك ثَبت أَن معنى ذَلِك غير زَائِد على الآخر وَلَا لَهُ وجود دونه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ ثمَّ بَين الله دينه فَقَالَ ﴿فَمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بِاللَّه﴾ فَيُقَال أهوَ مُسلم أَو لَا فَإِن قَالَ لَا فقد بدل إِذا دين الله وَإِن قَالَ نعم صَار مُسلما بِفعل الْإِيمَان لَا غير على أَن هَذَا الْخَبَر فِي تَبْدِيل الدّين وَأَنه مَعْرُوف أَنه الإعتقاد لَا غير وَأَن المُرَاد فِي ذَلِك رَاجع إِلَى الدّين الَّذِي هُوَ الْإِسْلَام ثَبت أَنه مَعْرُوف الْحَد وَالْقدر يعرف مبدله وَلَو كَانَت الْأَفْعَال سوى الإعتقاد دينا كَانَ كل وَاحِد فِي كل أَحْوَاله مبدل الدّين لوُجُود تِلْكَ الْأَفْعَال أَفعَال من الْقرب فِي كل وَقت وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ يُقَال لَهُ الْخَبَر الَّذِي رويت فِي هَذَا الْبَاب فِي تَفْسِير الْإِسْلَام فِيهِ ذكر الْأُمُور الظَّاهِرَة وَكَذَلِكَ أهل النِّفَاق يوافقون الْمُؤمنِينَ فِي الْأُمُور الظَّاهِرَة وَقد
стр. 398
قيل لَهُم ﴿قُولُوا أسلمنَا﴾ أهوَ الْإِسْلَام فِي الْحَقِيقَة أَو لَا فَإِن قَالَ نعم هُوَ الْإِسْلَام فِي الْحَقِيقَة صير قَوْله ﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام﴾ وَقَوله ﴿ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ هُوَ الَّذِي ذكر فَيجب أَن يكون قَوْله ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾ وَقَالَ ﴿كَيفَ يهدي الله قوما كفرُوا بعد إِيمَانهم﴾ هُوَ ذَلِك الَّذِي قَالَ لَهُم ﴿قُولُوا أسلمنَا﴾ وَمَا جَاءَ بِهِ الْخَبَر لوُجُود تِلْكَ الشَّهَادَة فِي أهل النِّفَاق وَتلك الْأَفْعَال فَيكون المخلصون والمؤمنون قد ابْتَغوا غير الْإِسْلَام دينا وَتركُوا مَا رضى الله عَنْهُم وَأهل النِّفَاق الَّذين جَاءُوا بِهِ وَذَلِكَ بعيد فَثَبت أَن ذَلِك الْإِسْلَام الإنقياد والإستسلام وَأما حَقِيقَته فَهُوَ الدّين فِي الْحَقِيقَة لَا مَا ذكر من الظَّوَاهِر دَلِيل ذَلِك الْأَمر الَّذِي ذكرُوا أَن الله قَالَ فِي آخر السُّورَة ﴿يمنون عَلَيْك أَن أَسْلمُوا قل لَا تمنوا عَليّ إسلامكم﴾ وَلَو كَانَ الْإِسْلَام مَا أظهرُوا كَيفَ قَالَ ﴿إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ ثمَّ فِيهِ أَنه جعلهم مُسلمين كَمَا قَالُوا إِن هُدُوا للْإيمَان لَا بِمَا أظهرُوا ثَبت أَن الْإِيمَان هُوَ الْإِسْلَام وَكَذَلِكَ قَالَ ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ﴾ ثمَّ بَين ذَلِك الدّين الَّذِي هُوَ الْإِسْلَام وَقَالَ
стр. 399
﴿كَيفَ يهدي الله قوما كفرُوا بعد إِيمَانهم﴾ صير ذَلِك لم يقبل دينا غير الْإِيمَان الَّذِي وصف ثمَّ جعلهم مبدلين دين الْإِسْلَام بالْكفْر بعد الْإِيمَان ليعلموا أَنَّهُمَا وَاحِد مَعَ مَا كَانَ فِيمَا تقدم كِفَايَة من قَوْله ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا﴾ إِلَى قَوْله ﴿مُسلمُونَ﴾
وَالْأَصْل عندنَا أَن الْأَسْمَاء إِنَّمَا جعلت لمعْرِفَة أَهلهَا فِيمَا أريدوا بِأُمُور جعلت لَهُم وَعَلَيْهِم وَفِيمَا وعدوا وأوعدوا ثمَّ لم يكن أحد يُخَيّر فِيمَا جرى آيَة الذّكر بإسم الْإِيمَان أَو الْإِسْلَام مِمَّن ينتحل دين الْإِسْلَام فِي اقْتِضَاء الذّكر إِيَّاه من حَيْثُ الإسم ثَبت أَن حقيقتهما وَاحِد وَأَن من يروم التَّفْرِيق بَينهمَا من بعيد يخترع وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه تَعَالَى وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله الطيبين الطاهرين