← Акыда

Акыда · id 6365

التوحيد للماتريدي

أبو منصور الماتريدي

Полный текст (399 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

والمرجئة زعمت أَن الإستدلال لظُهُور الصدْق وَالْكذب فِي الْغَالِب لَا أَن التَّصْدِيق فِي الْحَقِيقَة لَا يكون دونه وَالْإِيمَان هُوَ ذَلِك التَّصْدِيق فِي الْحَقِيقَة لَو كَانَ لَيْسَ فِي الْكَبِيرَة نَفْيه وَلَا فِي إبقائها بِحَقِيقَة فِي حق الْوُجُود وَإِن كَانَ فِي حق الدّلَالَة على الْمُسْتَدلّ وَالله أعلم فَحصل إِذا القَوْل مِنْهُم على مَا توجبه اللُّغَة وَظهر كذبه فِي الْحِكَايَة ثمَّ الْأمة كَانَت قبل حُدُوث الإعتزال وَأَهله على قَوْلَيْنِ فِي صَاحب الْكَبِيرَة على أَنه مُؤمن فَاسق أَو كَافِر فَاسق ليعلم وَجه كفره عِنْد من يرَاهُ كَافِرًا وَوجه فسقه عِنْد من يرَاهُ فَاسِقًا وَذَلِكَ مَا يُقَال حرَام مَكْرُوه وحلال مَكْرُوه ليعلم أَن الْحُرْمَة هِيَ بَيَان أخف الحرمتين وَهِي حُرْمَة الْكَرَامَة لَا حُرْمَة الْإِطْلَاق وَإِن الْحل لَيْسَ هُوَ حل الإيثار وَالرَّغْبَة بل فِيهِ بعض مَا يُورث الشّبَه فَمثله أَمر الْأمة فِيمَا ذكرت ثمَّ اسقطت الْمُعْتَزلَة أحد الأسمين وَهُوَ الَّذِي يعرف معنى التَّنَازُع وألزم الآخر على الإتفاق فِي منع ذَلِك مُطلقًا دون معرفَة حَقِيقَته فخالفوا بذلك الْأمة وَهَذِه حجَّة مقنعة لمن تصح نِيَّته لله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ عَارض نَفسه بأنك اتبعت الإسم الْأَحْكَام هلا فرقت بَين أَصْحَاب الْكَبَائِر بِمَا اخْتلفت أَحْكَامهَا مهما قَالَ أفعل فأسمى هَذَا سَارِقا وَهَذَا قَاذِفا فَيُقَال فَإذْ سميته فَاسِقًا مَعَ تَحْقِيق اسْمه الَّذِي بِهِ فسق وَلم تمنع عَنهُ اسْم فعله مِمَّا بالك منعت عَن الْمُؤمن اسْم الْإِيمَان الَّذِي هُوَ لَهُ مُسْتَحقّ لفعله إِلَّا أَن توسع التَّسْمِيَة بِمَا يقبح من الْفِعْل وَيمْنَع بِمَا يحسن وَذَلِكَ جور فِي الْفِعْل ثمَّ اسْم الْفسق لم يجب بجلد الثَّمَانِينَ وَلَكِن بالموالاة والتعظيم وَهَذَا بَين الحيد عَن تَقْدِير الْمعَارض لَهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ وَالله أعلم أَن الْأَسْمَاء لم تقدر عَن الْأَحْكَام بِوُجُود الإختلاف فِي الْأَحْكَام على الإستواء فِي الْأَسْمَاء وَبِذَلِك كَانَ تَقْدِيره فِي الإبتداء وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ الْمُوَالَاة والتعظيم متفاوت على تفاضل الْمنَازل والدرجات فِي الْمنَازل فِي الدّين كالرسل ثمَّ الْأَئِمَّة ثمَّ الْعلمَاء ثمَّ الْمُؤمنِينَ وعَلى ذَلِك لَازم الْأَمْرَانِ جَمِيعًا فِي الدّين ارتكبوا الْكَبَائِر على قدر مَا أُوتُوا من الْحَسَنَات والمقت بِمَا أُوتُوا من السَّيِّئَات

стр. 352

فَمن رام دفع مَا جَاءَ بِهِ من الْخيرَات بسيئات لسن بأضداد لَهُنَّ فَهُوَ جَائِز فِي الحكم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ احْتج بِالْآيَةِ الَّتِي فِيهَا ﴿يَوْم لَا يخزي الله النَّبِي وَالَّذين آمنُوا مَعَه﴾ فِي صَاحب الْكَبِيرَة إِنَّه لَو كَانَ مُؤمنا لَكَانَ لَا يعذب وَلَا يوعد عَلَيْهِ وَالْآيَة ترجع إِلَى وُجُوه أَحدهَا أَن لَا يجْزِيه عَن شَفَاعَة رَسُول الله بل يشفعه فِيهِ وينجيه بهَا وَالثَّانِي أَن يكون ذَلِك عِنْدَمَا يَقُول لَهُم تواهنوا مظالمكم وعَلى معذرتكم وَالثَّالِث أَن يكون لَا يجزيهم خزى الْكَفَرَة من الخلود فِي النَّار إِذْ هُوَ أَنْوَاع كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَيْسَ لَهُم طَعَام إِلَّا من ضَرِيع﴾ وَقَالَ فِي مَوضِع ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْم هَا هُنَا حميم وَلَا طَعَام إِلَّا من غسلين﴾ على اخْتِلَاف الدركات فَمثله على إختلاف الْأَوْقَات وَيحْتَمل لَا يجزى أَي لَا يفضح فيهتك ستره وَذَلِكَ كَذَلِك فِي كل مُؤمن ثمَّ الَّذِي ينْقض على الْمُعْتَزلَة إبتداء الْآيَة وَهُوَ قَوْله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا﴾ ألزمهم التَّوْبَة وَجعلهَا شرطا للمغفرة على إبْقَاء اسْم الْإِيمَان لَهُم والصغائر مغفورة بإجتناب الْكَبَائِر على قَوْلهم ثَبت أَن الْآيَة فِي أَصْحَاب الْكَبَائِر وَقد بقى لَهُم اسْم الْإِيمَان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَالدَّلِيل على أَن اسْم الْإِيمَان لَا يَزُول بِزَوَال الْعَدَالَة قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا شَهَادَة بَيْنكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت حِين الْوَصِيَّة اثْنَان ذَوا عدل مِنْكُم﴾ وَلَو كَانَ كل مُؤمن عدلا لَكَانَ يَقُول إثنان مِنْكُم إِذْ كَانَ ابْتِدَاء الْآيَة فِي مُخَاطبَة الْمُؤمنِينَ ثَبت أَن قد يكون مُؤمنا عدلا وَغير عدل وَقَالَ

стр. 353

الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تداينتم بدين﴾ إِلَى قَوْله ﴿مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء﴾ فَلَو كَانَ كل مُؤمن مرضيا لم يكن للشّرط فَائِدَة وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَأشْهدُوا ذَوي عدل مِنْكُم﴾ ثَبت أَن الْمُؤمن يكون عدلا وَغير عدل وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم﴾ ثَبت أَنه قد يكون مِنْهُم رشيد وَغير رشيد وَلَو كَانَ كل مُؤمن عدلا وكل من لَيْسَ بِعدْل لَيْسَ بِمُؤْمِن لَكَانَ لَا شَهَادَة ترد بِالْفِسْقِ بعد الإمتحان وَلَا يجوز السُّؤَال عَن الْأَحْوَال ليعلم بهَا الْعَدَالَة وَالْفِسْق بل على الْمَكَان الَّذِي يسْأَل عَمَّا عَلَيْهِ من الْإِيمَان فِي ذَلِك ويمكنه الْوَفَاء فَيجب قبُول شَهَادَته بِلَا سُؤال عَنهُ وَلَا اعْتِبَار بأحواله وَفِي إِجْمَاع الْأمة على الفحص عَن الْأَحْوَال وَترك النُّزُول على مَا يظْهر من الْأَمْوَال الَّتِي يَكْتَفِي بهَا فِيمَا كَانَ شرائطها الْإِيمَان من الْحل وَالْحُرْمَة والتوارث ثمَّ الْعِبَادَات دَلِيل يبين أَن الْإِيمَان وَمَا بِهِ يصير الْمَرْء مُؤمنا ويستوجب أَحْكَامه لَيْسَ هُوَ كل مَا يبْقى أَنْوَاع الفسوق والعصيان ولاقوة إِلَّا بِاللَّه وعَلى ذَلِك معنى أَمر هَذِه الْأمة فِي تعاهد الصَّلَوَات فِي الْجَمَاعَات وَالصِّيَام وَإِخْرَاج الزكوات على مَا هم عَلَيْهِ من الإختلاف فِي هتك الحرمات والإنهماك فِي الْمعاصِي ثَبت بِالَّذِي عَلَيْهِ الْأمة عدُول الْمُعْتَزلَة والخوارج عَن الْحق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ نذْكر مَا ذكر الكعبي فِيمَا احْتج عَلَيْهِ من الْقُرْآن بالحيل المستبعدة ليصرف عَن نَفسه وإتباعه اسْم الْإِيمَان وَيُوجب الْإِيَاس عَن رَحْمَة الله والإختيار لعداوته بكبيرة كَأَنَّهُ بِهِ يحصل على نفع فِي الدُّنْيَا وَحمد فِي الدّين وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه

стр. 354

فَقَالَ لمن احْتج عَلَيْهِ بقوله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة﴾ وَالتَّوْبَة لَا تكون إِلَّا عَن ذَنْب بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن التَّوْبَة عَن الصَّغِيرَة وَإِن كَانَت مغفورة وَالثَّانِي على التَّعَبُّد كتكرار التهليل وكدعاء الْمَلَائِكَة بقوله ﴿فَاغْفِر للَّذين تَابُوا﴾ نقُول لَهُ الْوَجْه الأول دلّ على جَهله بِمَعْنى التَّوْبَة إِذْ هِيَ الرُّجُوع والندم ومحال ذَلِك عَمَّا لَيْسَ عَلَيْهِ وَهُوَ مغْفُور لَهُ لَا يجوز عَلَيْهِ التعذيب وَالثَّانِي إِن حق عَلَيْهِ إِذا غفر لَهُ الْحَمد لَهُ وَالشُّكْر على الْعَفو وَفِي التَّوْبَة كفران ذَلِك لِأَنَّهُ يُوهم بَقَاءَهُ بِالتَّوْبَةِ وَالثَّالِث أَنه قَالَ ﴿عَسى ربكُم أَن يكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ فَجعله مَوْقُوفا على مَا يكفره بِالتَّوْبَةِ ثَبت أَن الذَّنب بَاقٍ وَهُوَ لم يزل مُسْتَحقّا إسم الْإِيمَان وَالله أعلم والتسهيل لَهُ فِي كل وَقت حكم التَّحْدِيد لِأَن حَقِيقَة الْأَفْعَال أَن لَا يبْقى وَالتَّوْبَة يكون عَن ذَنْب وَلَا ذَنْب وَبعد فَإِنَّهُ يجوز الْأَمر بالتهليل على التَّعَبُّد وَلَا يجوز بِالتَّوْبَةِ والإستغفار عَن ذَنْب مغْفُور لما فِيهِ إِيهَام أَنه لَيْسَ بمغفور وَذَلِكَ كفران النعم وَغير جَائِز ذَلِك كَمَا لَا يجوز الدُّعَاء بِأَن لَا يجوز وَلَا يظلم وَدُعَاء الْمَلَائِكَة لما قد يكون لمن ذكر ذنوبا غير مغفورة فَإلَى ذَلِك ينْصَرف الدُّعَاء وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ قَالَ فِي قَوْله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إِلَّا أَن ذَا يكون فِيمَا لم يكن فعله كمن يرى آخر يَدعُوهُ بعض الغواة إِلَى أَمر قَبِيح فَيَقُول على سَبِيل النهى لم تفعل يَا أخي مَا ينقص دينك وَيُوجب عَلَيْك سخط رَبك لَا أَنه فعله لَكِن لِئَلَّا يَفْعَله

стр. 355

فَيُقَال لَهُ إِن كَانَ جهدك فِي صرف اسْم الْإِيمَان عَن الْمُبْتَلى بكبيرة على مَا فِيهِ من تَعْظِيم الرَّحْمَن وخشية العواقب لِئَلَّا تسمى أَنْت بِهِ فلك مَا اخْتَرْت فِي نَفسك وسويته وَإِن كَانَ ذَلِك لتزيل هَذَا عَن غَيْرك فَهُوَ يعلم جرأتك فِي ذَلِك على الله بِمَا فهم من تَسْمِيَة الله إِيَّاه بِغَيْر الَّذِي سميته فَلَا يحْتَمل أَن يرتاب فِي خبر الله مَعَ مَا يعلم من نَفسه كَذَلِك بإفترائك على الله بتسويل الشَّيْطَان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ الَّذِي ذكرته لَا يحْتَمل إِلَّا سَفِيه أَن يَقُول ويعاقب على مَا يعلم كذبه فِيمَا يعاتبه عَلَيْهِ فَأَما الله سُبْحَانَهُ الَّذِي لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء يتعالى عَن هَذِه الرُّتْبَة الَّتِي يأنف مِنْهَا كل ذِي لب وَالله الْمُسْتَعَان وَأما أَنْت فحقيق لذَلِك لِأَنَّك تيأس بِهِ من روح الله وتؤثر شهوتك عَدَاوَة الله وَولَايَة الشَّيْطَان ويتعرك فِي مذْهبه لمقته ولعنه فهنيئا لَك مَا خترته لنَفسك عِنْد الْكَرِيم والرحيم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ألم يَأن للَّذين آمنُوا أَن تخشع قُلُوبهم لذكر الله إِنَّه أثبت اسْم الْإِيمَان وَإِن لم تخشع قُلُوبهم إِن أول ذَلِك إِثْبَات إسم الْإِيمَان بِلَا خشوع وَأَنْتُم لَا ترَوْنَ إِلَّا التَّصْدِيق بِاللِّسَانِ والمعرفة بِالْقَلْبِ وَالثَّانِي أَن قد يَقُول لمن يخْشَى الله وَيقوم بالغاية فِي شكره أما يَنْبَغِي لَك أَن تخشاني وتشكرني لَا أَنه غير شَاكر لَهُ وَلَكِن على التَّنْبِيه قَالَ الْفَقِيه ﵀ فَأَما الأول فَإِنَّمَا الْآيَة إِنَّمَا هُوَ فِي الْخُشُوع لذكر الله وَأَن من لَا يخشع لَهُ مَذْمُوم فَاسق وخشوع الْإِيمَان هُوَ الَّذِي يكون بِمَعْرِِفَة جَلَاله وكبريائه وَهَذَا لَا يَزُول عَن الْمُؤمن وَمَعَ الْإِيمَان قد سمى مُؤمنا وَإِن كَانَ بِهِ مذموما وَفِي الْآيَة دلَالَة طول ذَلِك فيهم وَذَلِكَ يُوجب الْوَصْف بالكبيرة عِنْدهم وَقد أبقى لَهُم اسْم الْإِيمَان فَبَطل بذلك قَوْلهم وَالله الْمُوفق

стр. 356

وَالثَّانِي هُوَ وصف من لَا يعرف الْمِنَّة وَالشُّكْر فَيعرض عَن قبولهما ويعاتب على مَا كَانَ حَقه التَّعْظِيم وَالْقَبُول فَإِن كَانَ هَذَا وصف الله عِنْد الْمُعْتَزلَة فَهُوَ قد بلغ مناه من التسمى بأقبح اسْم وَالْخُلُود فِي أَسْفَل الدَّرك نَعُوذ بِاللَّه من الشَّقَاء ثمَّ أطنب فِي هَذَا القَوْل لَكِن من أصل بنائِهِ مَا ذكرت فَمَا نُرِيد إطنابه إلابعدا عَن الْإِصَابَة وَبِاللَّهِ المعونة ثمَّ أجَاب فِي قَوْله ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ أَنه كَقَوْلِه ﴿وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه﴾ وَقد كَانَ سَمَّاهُ مُؤمنا من قبل وَالثَّانِي أَن يكون الإقتتال بِغَيْر سلَاح نَحْو المجاذبة أَو كَانُوا مجتهدين فَلَا يخرجُون بِهِ من الْإِيمَان فَيُقَال إِذْ جرى الْأَمر بالإصلاح بَينهم وَتَسْمِيَة الْإِخْوَة بَطل معنى الرِّدَّة وَقَوله ﴿فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي﴾ دلّ أَن الْبَاغِي كَانَ مَعْلُوما لَا أَن كَانَ ثمَّة اجْتِهَاد مَعَ مَا كَانَ رَسُول الله ﷺ بَين أظهرهم أَبى لَهُم الإجتهاد إِلَى ذَلِك الْحَد ثمَّ دلّ الْأَمر بِالْقِتَالِ وَالصَّغِيرَة تكون مغفورة لَا يُقَابل عَلَيْهَا على أَن ذنوبهم قد كَبرت وَقد أبقى الله لَهُم اسْم الْإِيمَان وَالله الْمُوفق وَقَالَ فِي قَوْله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة﴾ بِمثل ذَلِك وَقد بَينا وهمه ثمَّ على قَوْله إِن صَاحب الْكَبِيرَة عَدو الله لَا يسع لَهُ الدُّعَاء بِالْخَيرِ وَيلْزم لَعنه وَمَا الْإِصْلَاح إِلَّا الدُّعَاء بِالْخَيرِ وَالصَّلَاح وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَقَالَ فِي آيَة الْقصاص وَمَا فِيهِ من تَسْمِيَة الْإِخْوَة إِن الله لم يعد على الْإِخْوَة الْمُطلقَة ثَوابًا وَلَا مدحا وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك فِي الْإِخْوَة فِي الدّين فَيُقَال لَهُم قد سماهم مُؤمنين فِي أول الْآيَة ثمَّ أبقى لَهُم اسْم الْإِخْوَة فِي آخرهَا وَلَا معنى سبق يحْتَمل حرف ذكر الْإِخْوَة إِلَيْهِ ثَبت أَنه فِي الدّين مَعَ إبْقَاء اسْم الْإِيمَان

стр. 357

وَأما الثَّوَاب فقد شَرط مرّة باسم الْمُطلق وَمرَّة باسم الْمُقَيد من ذَلِك قَوْله ﴿فأثابهم الله بِمَا قَالُوا﴾ ثمَّ قد يجوز عنْدك التحذير مَعَ وجود القَوْل وَإِن وعد عَلَيْهِ الثَّوَاب فَمثله الْمُؤمن باسم الْإِطْلَاق وَقَالَ ﴿وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله أُولَئِكَ هم الصديقون﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله وَلم يفرقُوا بَين أحد مِنْهُم﴾ وَصَاحب الْكَبِيرَة يُقَال آمن بِاللَّه وَرُسُله وَلم يفرق بَين أحد من رسله ثمَّ جَائِز فِي مثله التخويف والوعيد وَلذَلِك قَالَ الله ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْت من لَدنه أجرا عَظِيما﴾ وَصَاحب الْكَبِيرَة قد أَتَى بحسنة وَيسْتَحق الَّذِي جَاءَ بِهِ اسْم الْحَسَنَة فَمَا تنكر أَن يسْتَحق اسْم الْمُؤمن وَإِن أوعد وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ عَارض نَفسه بالحقوق الَّتِي أوجبت باسم الْإِيمَان وَأحلت بِهِ وَقد دخل فِي ذَلِك أَصْحَاب الْكَبَائِر فَأجَاب بِأَن إدخالهم بِالْإِجْمَاع لَا بالإسم كَمَا أدخلتم فِي قَوْله ﴿حَقًا على الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿حَقًا على الْمُحْسِنِينَ﴾ وَإِن لم يكن الْفَاسِق كَذَلِك قيل لَهُ الْإِجْمَاع أدخلهم فِي ذَلِك بالفهم من الْخطاب بِالْإِيجَابِ والتحليل بِالْآيَاتِ إِذْ لَيْسَ أحد مِنْهُم ذكر وَجها بِهِ عرفُوا سواهُ وَلَا أحد من متعاطى الْفسق سَأَلَ أحدا عَن خَاص بل عرف تضمنه تِلْكَ الْآيَات وَلم يجز الْخطاب بِالْوَجْهَيْنِ باسم التَّقْوَى لذَلِك بَطل التَّقْدِير وَقَوله حق على كَذَا أَي حق على من يُرِيد التَّقْوَى ذَلِك وَلَيْسَ فِيهِ إِيجَاب مَعَ مَا كَانَ فِي الَّذِي يذكر تَخْصِيص معنى التَّقْوَى فِي حق الْخطاب فِيمَا نَحن فِيهِ يدْخلهُ فِي الْخطاب بِلَا اسْم الَّذِي بِهِ خُوطِبَ لَا بِالْإِطْلَاقِ وَلَا بتخصيص وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه

стр. 358

وعارض فِي التَّحْلِيل بالمجنون وَالصَّغِير قيل لَهما حكم الْإِيمَان بِغَيْرِهِمَا إِذْ لَوْلَا ذَلِك الْغَيْر لم يجب لَهما ذَلِك كَمَا لَو لم يجب لأَوْلَاد الْكَفَرَة وَمَا نَحن فِيهِ لَا غير فِي ذَلِك يتبعهُ فَثَبت أَنه أستوجبه بِإِيمَان نَفسه ثمَّ عورض بِمَا يصلى الْفَاسِق ويصوم فَقَالَ لِئَلَّا يزْدَاد فسقه وَيَزُول عَنهُ عَذَاب تَركهمَا قَالَ الشَّيْخ ﵀ يُقَال لَهُ لم يفهم السُّؤَال إِنَّمَا معنى ذَلِك أَنَّهُمَا يجوزان بِالْإِيمَان فولا أَنه مُؤمن لم يكن ليمضيا لَهُ ويزيلا عَذَاب تَركهمَا عَنهُ بل لَا شَيْء عَلَيْهِ فِي تَركهمَا وَلَا يجوز أَن يَفْعَله لَو لم يكن مُؤمنا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَقد أفردنا فِي بعض كتبنَا فِي هَذِه الْآيَات كتابا أغنانا عَن الإطناب فِي هَذَا الْبَاب ثمَّ نذْكر الْفَصْل بَين مَا يخلد لَهُ الْعَذَاب وَلَا يخلد من طَرِيق الْحِكْمَة وَذَلِكَ يخرج على وَجْهَيْن أَحدهمَا من طَرِيق الإعتبار بتفاوت الذُّنُوب فِي أَنْفسهَا وَقد وعد الله أَن لَا يجزى إِلَّا مثله وَكَذَلِكَ حق الْحِكْمَة إِذْ التعذيب يكون بِمَا يُوجِبهُ الْحِكْمَة لَا بِمَا يخْتَار إِذْ لَيْسَ هُوَ نوع مَا يخْتَار وبخاصة مِمَّن لَا يضرّهُ الْخلاف ثمَّ هُوَ الْمَوْصُوف بِالْعَفو وَالرَّحْمَة وَلِهَذَا مَا أوجب الْمَغْفِرَة وَالْعَفو عَن كثير من الذُّنُوب ثمَّ يخرج ذَا على وُجُوه أَحدهَا أَنه مَا من أحد يعْصى الله بِنَوْع من الْكَبَائِر دون الشّرك إِلَّا وَهُوَ لوقت الْعِصْيَان مكتسب الطَّاعَة من خوف عِقَاب والفزع عَن مقته ورجاء رَحمته والثقة بكرمه وَذَلِكَ عَن خيرات لَو قوبل بهَا مَا ارْتكب من الْخلاف بِغَلَبَة شَهْوَة وقهر غضب أَو نَحْو ذَلِك ليرجح مَا كَانَ مِنْهُ من خير على مَا كَانَ من شَرّ فَلَا يجوز أَن يحرم نفع الْخَيْر وَيُوجب لَهُ عُقُوبَة الشَّرّ وَمن ذَلِك فعله مَوْصُوف بالجود وَالْكَرم وَلَا كَذَلِك مَعْنَاهُمَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَلَيْسَ مَعَ من يكفر بِاللَّه ويشرك بِهِ معنى يسْتَحق اسْم الْحَسَنَة وَالْخَيْر لِأَنَّهُ يكذبهُ وينكر أمره وَنَهْيه فَلَا يحْتَمل أَن يكون لَهُ الرجا وَفِي دوَام عَذَابه مضادة معنى الْكَرم والجود وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه

стр. 359

وَالثَّانِي أَن الله جلّ ثَنَاؤُهُ وعد أَن لَا يَجْزِي إِلَّا مثلهَا وَمثل الشّرك الَّذِي فِي الْعقل أكبر من كل ذَنْب مَعَ مَا لَا حَسَنَة يكون مَعَه وَمَعَ غَيره إِنَّمَا هُوَ الخلود فِي النَّار إِذْ مَعْلُوم أَن الْكَافِر يرضى بأضعاف مَا يعذب مَعَ النجَاة يَوْمًا من الدَّهْر فيبين ذَلِك أَن تَمام جَزَائِهِ الخلود فَإِذا كَانَ لغيره مثله فيجزى غَيره أَكثر من مثل الْفِعْل وَذَلِكَ جور فِي حكمته وَالله يجل عَنهُ فَهَذَا مَعَ مَا كَانَ مرتكب مَا دونه حَسَنَات وَلَيْسَ مَعَه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَأَيْضًا أَن الْحُدُود فِي الدُّنْيَا جعلن كَفَّارَات لما يرتكب من الذُّنُوب فَلَو لم يكن فِيهَا تَكْفِير كَانَت تكون زيادات على عقوبات الْكفْر ومحال أَن يزْدَاد عُقُوبَة مَا دون الْكفْر فَثَبت أَنَّهَا كَفَّارَات وَلَا كَفَّارَة للكفر فِي الدُّنْيَا ثَبت أَنه لَا يحْتَمل فِي الْعقُوبَة فَجعلت أبدية وعقوبة غَيره بِحَدّ فَكَذَلِك الْعقُوبَة الموعودة فِيهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَأَيْضًا أَن الله جلّ ثَنَاؤُهُ أخبر أَن الموعودة عُقُوبَة الَّذين كفرُوا وأضلوا غَيرهم ضعف عُقُوبَة من كفر وَلم يضل غَيره ثمَّ لَو كَانَ للْكَافِرِ عُقُوبَة غير الإضلال مثل عُقُوبَة الإضطلال لَكَانَ كل كَافِر عُقُوبَته مضاعفة لِأَنَّهُ لَا كَافِر إِلَّا مَعَه سوى الْكفْر كَبَائِر وَقد خص الله بالمضاعفة المضلين بقوله ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مَعَ أثقالهم﴾ وَقَول الأتباع ﴿رَبنَا هَؤُلَاءِ أضلونا﴾ وَجعل لكل ضعفا فَبَطل أَن يكون ذَلِك عُقُوبَة الْكَبِيرَة بل هَل لَو كَانَت فِي الْكفْر كَانَ أَحَق للضعف مِنْهُ فِي الْإِسْلَام للمثل أَلا ترى أَنه يُعَاقب الْكَافِر بِجَمِيعِ الآثام من صغائر وكبائر وَلَا كَذَلِك أَمر من اعْتقد دين الْإِسْلَام وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه

стр. 360

ثمَّ الْوَجْه الآخر من طَرِيق الإعتبار أَن الْكفْر مَذْهَب يعْقد والمذاهب تعقد لِلْأَبَد فعلى ذَلِك عُقُوبَته وَسَائِر الْكَبَائِر يفعل للأوقات وَهُوَ عِنْد غَلَبَة الشَّهَوَات لَا لِلْأَبَد فعلى ذَلِك عقوبتها وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَالثَّانِي أَن الْكفْر قَبِيح لعَينه لَا يحْتَمل الْإِطْلَاق وَرفع الْحُرْمَة فعلى ذَلِك عُقُوبَته فِي الْحِكْمَة لَا يحْتَمل الإرتفاع وَالْعَفو عَنهُ وَسَائِر المأثم جَائِز رفع الْحُرْمَة عَنْهَا فِي الْعقل وَإِبَاحَة مَا لَهُ الْعقُوبَة فَمثله عُقُوبَته وَالله الْمُوفق وَالثَّالِث أَن الْعَفو عَن الْكَافِر عَفْو فِي غير مَوضِع الْعَفو لِأَنَّهُ مُنكر الْمُنعم وَيرى ذَلِك حَقًا فَيكون فِي ذَلِك تَضْييع الْعَفو وَإِبْطَال النِّعْمَة وَلَا كَذَلِك أَمر سَائِر المأثم بل يعرف صَاحبهَا الْمُنعم فَلهُ أعظم الْموضع ولإكرامه أبين الْمحل فَجَائِز الْمَغْفِرَة لَهُ وَالْعَفو عَنهُ فِي الْحِكْمَة وَبِاللَّهِ المعونة وَالرَّابِع أَن يكون الله تَعَالَى قد أحسن إِلَيْهِ فِي الدّين فِي الْوَقْت الَّذِي خفاه هُوَ بِفِعْلِهِ فِي أَن جعل حَقه أعظم فِي قلبه من الدَّاريْنِ وأنبيائه وَرُسُله أجل فِي صَدره من أَن يحْتَمل نَفسه الإستحقاق بشعرة من شُعُورهمْ أَو الإستهانة بِشَيْء من أُمُور دين الله أَو الركون إِلَى أحد من أعدائه فِيمَا قد اخْتَارَهُ وآثره من الخلان لله وكل ذَلِك هُوَ إِحْسَان الله إِلَيْهِ وإنعامه عَلَيْهِ فَلَا يحْتَمل أَن يضيع مننه ويغير نعمه بجفوة يعلم أَن قدرهَا من الذُّنُوب لَا يبلغ حرفا مِمَّا لَا يُحْصى من نعمه عَلَيْهِ وإحسانه إِلَيْهِ وَهُوَ يُؤمن خلقه بِأَن لَا يُغير نعْمَة أنعمها على قوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم وَأَن يضيع جَمِيع مَا أكْرمهم بِهِ فَمثل الَّذِي ذكر وَقد أنطق لِسَان رَسُوله أَنه يدْخل الْجنَّة إِلَّا من أَبى ذَلِك وَيجمع بَين من ذكرت وَبَين أعدائه مَعَ كَثْرَة مجاهدته إيَّاهُم فِي نصر دينه وإعلاء كَلمته وَقد ختم عَلَيْهِ لَا وَالله مَا يفعل ذَلِك وَهُوَ الْغنى الْكَرِيم وَهُوَ الْعَفو الغفور وَهُوَ الرَّحِيم الْوَدُود مَعَ مَا جَاءَت الْبشَارَة عَن رَسُول الله ﷺ فِي لُحُوق العبيد لمن أحبوهم ثمَّ كَانَ الَّذِي ذكر أحب رَسُول الله فَيَجْعَلهُ قرين الشَّيْطَان ويحرمه زِيَارَة رَسُوله جلّ ثَنَاؤُهُ عَن هَذَا الْوَصْف الَّذِي وَصفته بِهِ الْمُعْتَزلَة والخوارج على ظُهُور هَذَا الصَّنِيع فِي جُمْلَتهمْ حَتَّى لَا يسلم من

стр. 361

ذَلِك أحد وَلَعَلَّه لَا يذكر عَن خارجي أَو معتزلي قبض سليما عَن ذَلِك وبعيد فِي الْحِكْمَة أَن يوفق للصَّوَاب فِي الدّين من آثر عداوته فِي شَهْوَته وآيس من رَحمته فِي أدنى مَنْفَعَة ويؤثر الْخُرُوج من دينه فِي مذْهبه إشفاقا على نعْمَة يسيرَة من الدُّنْيَا وَيحرم من هُوَ فِي ضد هَذَا الْوَصْف وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه قَالَ الشَّيْخ ﵀ ثمَّ جملَة مَا جَاءَت بِهِ الْآثَار فِي الْوَعيد بِالتَّسْمِيَةِ من فسق أَو فجور أَو عصيان أَو ظلم أَنَّهَا أَسمَاء لخصال ثَلَاث مِنْهَا مَا قد يجوز أَن يصير فِي الْحِكْمَة على الْإِشَارَة إِلَى الْفِعْل الَّذِي سمى لأَجله بِهِ غير فسق وَلَا غَيره من الْأَسْمَاء الذميمة وَمِنْهَا مَا لَا يجوز وَمن الْبعيد قصد شَيْئَيْنِ بَينهمَا هَذَا التباعد فَحق ذَلِك أَن يصرف إِلَى مَا لَا يرتاب فِي الإسم وَالْحكم وَإِذ كَانَ على أَقسَام ثَلَاثَة وَلم يتَضَمَّن كل الْأَقْسَام ثَبت الْخُصُوص فِي ذَلِك فَلَزِمَ صرف ذَلِك إِلَى مَا لَا يشك فِيهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه على أَن فِي الصّرْف إِلَى الْعُمُوم يُحَقّق لَهُ التَّنَاقُض لمجيء أَخْبَار الْعَفو فَثَبت بذلك الْخُصُوص وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه أَو إِذا احْتمل الْخُصُوص والعموم بِمَا يَنْقَسِم الْمُسَمّى بِهِ مَا ذكرت فَحق مثله الْخَوْف لَا الْقطع فَمن قطع جرح مِمَّا يُوجِبهُ الْحِكْمَة عِنْد الشّبَه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ الدّلَالَة على وَعِيد الخلود لَا يحْتَملهُ مَا دون الشّرك الْأَمر الَّذِي جبل عَلَيْهِ الْخلق من نفارهم عَمَّا بِهِ الْخُرُوج من أديانهم الَّتِي اعتقدوها وَإِن كَانُوا اعتقدوها عقلا أَو حجَّة أَو تقليدا على وجود مَا دون ذَلِك من الزلات فيهم وَإِن اخْتلفت أديانهم فَدلَّ أَن ذَا مِمَّا جبل عَلَيْهِ الْخلق بل أيد ذَلِك الْعُقُول إِذْ الإعتقادات تكون عِنْد أَرْبَابهَا أبديات وَلَا كَذَلِك الْأَفْعَال الَّتِي تشار إِلَيْهَا وعَلى ذَلِك أضدادها وَكَذَلِكَ السّمع فِي الْأَفْعَال المشارة أَنَّهَا على الإختلاف فعلى ذَلِك

стр. 362

تَركهَا فَدلَّ مَا ذكرنَا على خُرُوج مَذْهَب الإعتزال عَن الْأَمر المجبول عَلَيْهِ والمدفوع إِلَيْهِ أَيْضا بِالتَّدْبِيرِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ نذْكر طرفا مِمَّا يلْزم الْمُعْتَزلَة على مَذْهَبهم الْوَقْف فِي التسمى بِالْإِيمَان وَهُوَ أَن من مَذْهَبهم أَن الْحَد الَّذِي بَين الصَّغِيرَة والكبيرة من الْمعاصِي غير مَعْرُوف ليَكُون الْمَرْء خَائفًا راجيا لَا آمنا آيسا فَنَقُول إِذْ لَا أحد مِنْكُم يدعى بَرَاءَة نَفسه من كل وَلَا الْعلم ببلوغ الْحَد الَّذِي يُوجب الْأَمْن والإياس فَذَلِك تردد الْحَال بَين الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة والكبيرة تزيل اسْم الْإِيمَان وَالصَّغِيرَة لحقكم الشَّك فِي اسْم الْإِيمَان وزواله كَمَا لحقكم فِي اسْم الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة فَإِذا منع ذَلِك الشَّك القَوْل بالأمن والإياس ثمَّ لما منع التسمى بِالْإِيمَان وَالَّذِي يدْفع هذَيْن وَاحِد ثمَّ لما جَازَ إِثْبَات الإسم مَعَ الْخَوْف وأمركم أَن الْمُؤمن لَا خوف عَلَيْهِ وَلم لَا يخَافُونَ من تسميتكم أَنفسكُم مُؤمنين الْكَذِب الَّذِي لَعَلَّه كَبِيرَة يزِيل عَنْكُم اسْم الْإِيمَان فَيكون بِالتَّسْمِيَةِ من كبر أَنفسكُم وَقد حذرتم عَن تَزْكِيَة الْأَنْفس بقوله تَعَالَى ﴿فَلَا تزكوا أَنفسكُم﴾ ثمَّ تعارضون بِالْبرِّ وَالتَّقوى أتشهدون أَنفسكُم بهما أَو لَا فَإِن شهدُوا لَزِمَهُم بالخوف فِي الْمُتَّقِينَ الْأَبْرَار أَن يَكُونُوا استوجبوا مقت الله وَالْخُلُود فِي النَّار فَيكون جَهَنَّم دَار الْمُتَّقِينَ الْأَبْرَار لَا دَار الْفَاسِقين وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم﴾ وَيبْطل الدُّعَاء بقوله ﴿وتوفنا مَعَ الْأَبْرَار﴾ وَإِن أَبَوا التَّسْمِيَة بذلك لَزِمَهُم مثله فِي الْإِيمَان إِذْ هُوَ اسْم لما بِهِ النجوة من مقت الله كالبر وَالتَّقوى ثمَّ يُقَال إِنَّه قد ثَبت عَن الْأَنْبِيَاء وَالرسل أَنهم كَانُوا يدعونَ الله رعْبًا وهبا وخوفا وطبعا ويزعمون أَنهم لم يبتلوا بكبائر فقد كَانَ هَذَا الْخَوْف مِم لم يبل بهَا لم لَا دلكم أَن لَيْسَ ترك بَيَان الْحَد لما يخَاف ويرجى بل ذَلِك لما لله معاقب من شَاءَ بالصغائر وَمن قَوْلكُم إِن مَا يُوجب

стр. 363

الْعقُوبَة يزِيل اسْم الْإِيمَان فاعتبروا بِأَن لَسْتُم مُؤمنين على مَا أخبرتم فِي الْحَقِيقَة وَالله الْمُوفق وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا﴾ وعندكم الْمُؤمن لَا يخَاف نقمة الله وَلَا يَرْجُو رَحمته بل قد اسْتوْجبَ رَحمته لَو كَانَ مُؤمنا وَلَيْسَ لله أَن يعذبه لَو كَانَ مُؤمنا وَالْإِيمَان هُوَ الَّذِي حملهمْ على ذَلِك فَكيف ألزمتموهم الْخَوْف وَذَلِكَ لَيْسَ على الْمُؤمن فِي الْحَقِيقَة ومنعتموهم على الإرتياب فِي الْإِيمَان والإرتياب فِيهِ بِمَا رأى الْخَوْف وَذَلِكَ بَين التَّنَاقُض وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه مَسْأَلَة الشَّفَاعَة ثمَّ قَالَ بَعضهم لَو كَانَت الْكَبِيرَة مِمَّا يجوز الشَّفَاعَة لَهُ لَكَانَ من يحلف بِفعل شَيْء يسْتَوْجب بِهِ الشَّفَاعَة يُؤمن بإرتكاب الْكَبِيرَة قَالَ الْفَقِيه ﵀ فَنَقُول ذَلِك وهم لِأَنَّهُ لَيْسَ الَّذِي لَهُ يشفع هُوَ الَّذِي بِهِ يسْتَوْجب الشَّفَاعَة بل يسْتَوْجب بِالْحَسَنَاتِ الَّتِي بهَا يجب الْولَايَة فِيمَا ترك فَحق من حلف بذلك لَيْسَ أَن يُقَال لَهُ اعص وَلَكِن يُقَال لَهُ اطع ليستوجب بِهِ الشَّفَاعَة فِيمَا عصيت وَكَذَلِكَ من يحلف لَأَفْعَلَنَّ الْفِعْل الَّذِي اسْتوْجبَ بِهِ الْمَغْفِرَة لَا يُقَال لَهُ ارْتكب الصَّغَائِر بل يُؤمر بإتقاء الْكَبَائِر وَالتَّوْبَة عَنْهَا ليغفر لَهُ فَمثله أَمر الشَّفَاعَة والشفاعة من أعظم مَا احْتج بهَا وَقد جَاءَ الْقُرْآن بهَا والْآثَار عَن رَسُول الله والشفاعة فِي الْمَعْهُود والمتعالم من الْأَمر تكون عِنْد زلات يسْتَوْجب بهَا المقت والعقوبة فيعفى عَن مرتكبها بشفاعة الأخيار وَأهل الرِّضَا ثمَّ كَانَت الصَّغَائِر

стр. 364

مِمَّا لَا يجوز التعذيب عَلَيْهَا عِنْد الْقَائِلين بالخلود فِي الْكَبَائِر وَالْكفَّار مِمَّا لَا يُعْفَى عَنْهُم بالشفاعة فَإِذا بَطل عَظِيم مَا جَاءَ بِهِ من الْقُرْآن والْآثَار فِي الإمتنان وَسقط مَا جبل عَلَيْهِ أهل الْعلم من الرجا بِاللَّه وبرحمته وَيبْطل دُعَاء الْمُسلمين بشفاعة الرُّسُل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَقَالَ بَعضهم الشَّفَاعَة تخرج على وَجْهَيْن على ذكر محَاسِن أحد عِنْد آخر ليقدر لَهُ عِنْده الْمنزلَة والرتبة وَالثَّانِي أَن يَدْعُو لَهُ فَالْأول هُوَ الَّذِي يحْتَمل تَوْجِيه الشَّفَاعَة إِلَيْهِ وَالثَّانِي قد بَين فِيمَن يَقُوله ﴿الَّذين يحملون الْعَرْش﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ وَقَوله ﴿وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى﴾ والحرف يدل على وَجْهي الشَّفَاعَة لِأَن المرتضى هُوَ ذُو منزلَة وَقدر هُوَ مِمَّن تضمنته آيَة شَفَاعَة الْمَلَائِكَة قَالَ الشَّيْخ ﵀ فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْوَجْه فِي الْآخِرَة لَا معنى لَهُ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنه فِي تَقْدِير الْأَمر عِنْد من يجهله وَالله جلّ ثَنَاؤُهُ هُوَ الْعَلِيم بِحَقِيقَة ذَلِك بل غَيره مِمَّا يجوز عَلَيْهِ خفا الحقايق كَقَوْلِه يَوْم يجمع الله الرُّسُل فَيَقُول ﴿مَاذَا أجبتم﴾ قَالُوا ﴿لَا علم لنا﴾ وَقَالَ عِيسَى ﴿مَا قلت لَهُم إِلَّا مَا أَمرتنِي بِهِ﴾ فَكَانَ فِي ذَلِك عبد الله وهم قد تبروا عَن الْعلم بذلك وأقروا بِأَن الله هُوَ المتفرد بِعلم ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَالثَّانِي أَن ثمَّة كتب يقْرَأ فِيهَا أَعمال بني آدم وَمَا سبق مِنْهُم من صَغِير أَو كَبِير فَهِيَ الكافية فِي التَّقْدِير إِن كَانَ فِي حق الإحتجاج وَإِن كَانَ فِي حق الْإِعْلَام فَعلم الله بهم مغن عَن ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه

стр. 365

وَأما الْآيَة فِي الدُّعَاء فَكَذَلِك نقُول بِدُعَاء لمن لَهُ ذَلِك الْوَصْف ويشفع لَهُ فِيمَا كَانَ فِي ذَلِك مِنْهُ من المآثم والذنُوب لَا أَنه إِذا كَانَ أفعالهم ذَلِك فَيشفع لَهُم لِأَنَّهُ لَا يجوز فِي الْحِكْمَة تعذيبهم على مَا ذكر من الْأَفْعَال بل لَهُم عَلَيْهَا أعظم الثَّوَاب وَأَرْفَع المأوى فَطلب الشَّفَاعَة وَالْمَغْفِرَة لمثله يقبح من وُجُوه أَحدهَا أَن ذَلِك إِذْ لَا يجوز فِي الْحِكْمَة تعذيبه فكأنهم طلبُوا مِنْهُ أَن لَا يجوز وَلَا يسفه وَذَلِكَ لأفسق الْخلق يخرج مخرج التفسيق فضلا من أَن يتَضَرَّع إِلَى الله جلّ الْكَرِيم الْحَكِيم عَن هَذَا الْوَصْف وَالثَّانِي أَن الْحق فِي مثله إِذْ هُوَ مثاب غير معاقب يلقى ذَلِك مِنْهُ بالشكر وَالْحَمْد وَفِي الدُّعَاء كتمان ذَلِك وكفرانه ومحال الْإِذْن فِي مثله وَالدُّعَاء وَالله الْمُوفق وَالثَّالِث أَن ذَلِك فِي الْمَوْعُود لَهُ الْجنَّة والمبشر بهَا فبطلان مثله يُوجب الْجَهَالَة فِي ذَلِك إِلَّا أَن يكون الْوَقْت لم يبين يكون ذَلِك فِي الإستعجال وَهُوَ قَوْلنَا فِي أَصْحَاب الْكَبَائِر أَنهم لَو عذبُوا بِقدر الذُّنُوب لَكَانَ ذَلِك فِي الْحِكْمَة عدلا فَيشفع لسائلهم بِالْفَضْلِ وَالْإِحْسَان دون الْعدْل والإستيفاء وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه قَالَ أَبُو بكر الْكسَائي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ أَن الله وعد الْمَغْفِرَة فِيمَن شَاءَ ثمَّ بَين ذَلِك فِي الصَّغَائِر بقوله ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ وَقد ثَبت الْوَعيد فِي الْكَبَائِر بقى الْوَعْد فحقه لم يزل بِالَّذِي ذكر لإحتماله مَا وصفت

стр. 366

قَالَ الْفَقِيه ﵀ فَنَقُول لَهُ بأوجه أَحدهَا أَن الْوَعيد الَّذِي ذكرته يحْتَمل الإستحلال والإستخفاف بِالْأَمر والنهى فَلَا يتْرك مَا أطمع بِهَذِهِ الْآيَة من الْمَغْفِرَة فيزال الطمع والرجاء بالوعيد المتوجه وَجْهَيْن أَو يُوقف فيهمَا فَأَما الْقطع فِي أحد الْوَجْهَيْنِ بالمحتمل وَمنع الْقطع بِالْآخرِ للإحتمال فَهُوَ تحكم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَالثَّانِي أَن الْآيَة فِي التَّفْضِيل بَين الْمُحْتَمل للغفران وَالَّذِي لَا يحْتَمل فَإِذا صرفت إِلَى الصَّغَائِر بَطل تَخْصِيص اسْم الشّرك وتلبيس على السَّامع مَحَله وَلَيْسَ أَمر الْوَعيد فِيمَا جَاءَ بِموضع التَّفْضِيل بل الَّذِي جَاءَ بِحَق التَّفْضِيل ذكر الغفران بالتكفير والتكفير يكون بِمُقَابلَة الْجَزَاء من حَسَنَات أَو عقوبات كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ﴾ وَالله الْمُوفق وَالثَّالِث أَنه قَالَ ﴿لمن يَشَاء﴾ وَهَذَا كنابة عَن الْأَنْفس المغفورات لَا عَن الآثام الَّتِي تغْفر لم يجز صرف التَّخْصِيص إِلَى الآثام بِالْآيَةِ المكنى بهَا عَن الْأَنْفس وَفِي آيَات الْوَعيد تَحْقِيق فِي الَّذِي جَاءَتْهُم وَفِيمَا جَاءَ على مَا قيل لَا صرف فِي ذَلِك فَهُوَ أولى وَالله الْمُوفق وَبعد فَإِنَّهُ قَالَ ﴿لمن شَاءَ﴾ والصغائر عنْدكُمْ مغفورة بالحكمة لَا بالوعد وَالْآيَة فِي التَّعْرِيف وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ قَالَت الْمُعْتَزلَة صَاحب الصَّغِيرَة إِذا أصر عَلَيْهَا يصير صَاحب كَبِيرَة والإصرار على ذَلِك الْفِعْل لَيْسَ هُوَ لُزُومه لِأَنَّهُ لَا فعل يُمكن لُزُومه حَتَّى لَا يتَحَوَّل مِنْهُ إِلَى غَيره فَلَيْسَ إِذا الْإِصْرَار إِلَّا ترك التَّوْبَة والندامة عَلَيْهِ وكل الذُّنُوب من الشّرك وَغَيره مغْفُور بِالتَّوْبَةِ عَنْهَا والندامة عَلَيْهَا فَيبْطل على قَوْلهم حق هَذِه الْآيَة من التَّفْضِيل بَين الشّرك وَمَا دونه وَحقّ الأية الْأُخْرَى من التَّفْضِيل بَين الْكَبَائِر وَمَا دونهَا وَيحصل على أَن كل دنب يُوجب الخلود إِلَّا أَن يُتَاب عَنهُ وَذَلِكَ بَين لمن تَأمله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه

стр. 367

وَقَالَ قَائِل إِذا كَانَ كل خلاف لله فَهُوَ مِمَّا دَعَا إِلَيْهِ الشَّيْطَان وَيسر بِهِ لَو فعل لم لَا صَار ذَلِك طَاعَة لَهُ وَمن فعل فعلا لطاعة الشَّيْطَان يكفر أَو يصير بِهِ عابدا لَهُ إِذْ ذَلِك مِنْهُ وضع شرع مُقَابل لشرع الله وداع إِلَيْهِ وَمن عبد الشَّيْطَان فقد بَين الله منَازِل عباد الشَّيْطَان قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ لَيست هَذِه الْمَسْأَلَة للخوارج والمعتزلة لإقرارهم فِي الْأَنْبِيَاء بالزلل والأخيار لَكِنَّهَا لبَعض الموسوسين يوسوس إِلَيْهِم الشَّيْطَان هَذَا ليكفرهم بِهَذَا إِذْ ذَلِك مَعْلُوم أَنه من تَزْيِين الشَّيْطَان وَمَا دَعَا إِلَيْهِ فيصيرون على قَوْلهم مُطِيعِينَ لَهُ كفار نسْأَل الله الْعِصْمَة عَنهُ ثمَّ نقُول فِي ذَلِك بِوُجُوه أَحدهَا أَن لَيْسَ فِي ذَلِك طَاعَة للشَّيْطَان وَإِن كَانَ هُوَ يسر بِهِ ويتلذذ لشوم طبعه وَسُوء اخْتِيَاره إِذْ لم يكن الَّذِي يتعاطاه بِفِعْلِهِ لأَمره ودعائه إِلَيْهِ وَالطَّاعَة هِيَ الَّتِي تُؤدِّي على الْأَمر لَا على مَا يسر ويتلذذ لِأَن للعباد فِيمَا أَعْطَاهُم الله الشَّهَوَات لذات وسرورا ومحال وصف الله بِالطَّاعَةِ لَهُم أَو يُمكن الْأَمر مِنْهُم إِيَّاه بِالْفِعْلِ دلّ أَن لَيْسَ ذَلِك الْوَجْه هُوَ سَبِيل معرفَة الطَّاعَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَالثَّانِي أَن الديانَات هن اعتقادات لَا أَفعَال تكتسب إِذْ الإعتقادات لَا يجرى عَلَيْهَا الْقَهْر وَالْغَلَبَة وَلَا لأحد من الْخَلَائق على اعْتِقَاد آخر وَمنعه سُلْطَان وَهن أَفعَال الْقُلُوب خَاصَّة وَرُبمَا كَانَ للألسن بهَا تعلق من حَيْثُ لَا يقدر على اسْتِعْمَال لِسَان غَيره وَكَذَلِكَ قلبه وَيقدر على سَائِر الْجَوَارِح وَإِذا كَانَت الديانَات مَا ذكرنَا وَالْكفْر وَالْإِيمَان دين لم يصر الَّذِي ذكرت لَو كَانَ طَاعَة دينا وَالْكفْر دين فَكيف وَهُوَ من الْوَجْه الَّذِي ذكرت لَيْسَ بِطَاعَة وَقد روى عَن أبي حنيفَة ﵀ أَنه أجَاب لهَذَا السُّؤَال أَن الَّذِي ذكرته حق الْقَصْد لَا حق الْوُقُوع على حَال لَا يقْصد ذَلِك وعَلى ذَلِك أُمُور علقت بِالْقَصْدِ وَذَلِكَ يخرج على مَا بَينا من تَرْتِيب الإعتقادات وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه

стр. 368

وَأَيْضًا إِن كل مُؤمن فِيمَا يعْصى الله فِي شَيْء يكون كالمدفوع إِلَيْهِ بِمَا يغلب عَلَيْهِ من شَهْوَة أَو غضب أَو حمية أَو نَحْو ذَلِك وَبِمَا بِهِ يصير إِلَيْهِ إِذا لم يقْصد عصيان الرب أَو طَاعَة الشَّيْطَان يصير من الْوَجْه الَّذِي ذكرت كالمدفوع لم يلْزمه الْكفْر بِهِ وَللَّه أَن يجْزِيه عَلَيْهِ بِمَا ملكه مَا بِهِ يمْتَنع عَن الدّفع إِلَيْهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَأمكن أَن يُقَال ذَلِك فضل الله إِلَى عباده إِذْ لم يلْزمهُم بِمثل ذَلِك طَاعَة الشَّيْطَان وعبادته أَو علم شدَّة ذَلِك عَلَيْهِم على مَا أكْرمهم الله حَال الْعِصْيَان بمعاداه الشَّيْطَان وَأَنه لَا أحد أبْغض إِلَيْهِم مِنْهُ وَلَا شَيْء أثقل على طباعهم وعقولهم مِمَّا فِيهِ سروره ولذته فضلا عَن طَاعَته وعبادته فَتَجَاوز الله عَنْهُم عَن ذَلِك لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا فِي العاجل بِمَنْع اسْم الطَّاعَة وَالْعِبَادَة لَهُ وَالثَّانِي باطماع الْمَغْفِرَة والتجاوز بِمَا آثر عَدَاوَة الشَّيْطَان فِي وَقت عصيانه رَحْمَة رب الْعَالمين الْمَعْرُوف بِالْكَرمِ والجود الَّذِي لم يزل يعودهم بإحسانه إِلَيْهِم وأفضاله عَلَيْهِم لَهُ الْحَمد على ذَلِك أوفره وَبعد فَإِن العَبْد إِذا إعتقد طَاعَة الرب وَعرف الْعُبُودِيَّة وأشعر قلبه عَظِيم نعمه عَلَيْهِ وآلائه لَدَيْهِ ثمَّ أرَاهُ عَظِيم سُلْطَانه وَقدرته بِمَا ذكره حكمته فِي خلقه ونفاذ مَشِيئَته فِيهِ كف نَفسه عَن أَن يمِيل إِلَى طَاعَة من لَا يكون طَاعَته طَاعَته وصانها عَن توهم عبَادَة دونه لم يجز صرف فعله الْوَاقِع مِنْهُ بعد أَن اطْمَأَن قلبه على هَذَا وصير ذَا آثر عِنْده من الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لشَهْوَة غلبته أَو لرحمة يأملها أَو لأمر دَفعه إِلَيْهَا طَاعَة لغيره أَو عبَادَة مِنْهُ أحدا دونه وَمَا ذكرته هُوَ لَازم قلبه وَقت فعله وَإِنَّمَا يكون مثله من الْكَافِر الَّذِي اعْتقد طَاعَة من دونه وَعبادَة من لَا يَسْتَحِقهَا أَن يصرف ذَلِك إِلَى من بِهِ صَار إِلَى ذَلِك من الشَّيْطَان أَو النَّفس وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ الأَصْل فِي كل شَيْء أوعد عَلَيْهِ أَن حَقِيقَة ذَلِك تقع من صَاحبه على وُجُوه من الْقبْح مِمَّا يعلم كل تفَاوت ذَلِك فِي

стр. 369

الْعُقُول وَكَذَلِكَ كل اسْم جَاءَ بِهِ تَسْمِيَة الْفَاعِل أَن ذَلِك يقتضى مُخْتَلفا من معَان لَا يعقل لَا تكون هِيَ من كل الْوُجُوه على وزن وَاحِد فِي الْقبْح وَلَا فَاعله فِي الذَّم وَذَلِكَ عيب عَن السَّامع لزمَه بعقله الَّذِي أكْرم معرفَة اخْتِلَاف مواقع ذَلِك أَن لايجمع بَينهَا إِلَّا أَن يمْتَحن مَا عَلَيْهِ الْأمة من الأفهام فَوَجَدَهَا حصلت على ذَلِك أَو يمْتَحن جَمِيع مَا ورد فِي السّمع فَوَجَدَهُ محققا لذَلِك أَو جعله يحْتَمل الْإِحَاطَة بِكُل فنون الْحِكْمَة فَوجدَ ذَلِك يضيق عَن التَّخْصِيص وَيلْزمهُ القَوْل بِالْعُمُومِ فَأَما أَن يحصل على الْمخْرج من الْعُمُوم فِي الْقَضَاء وَقد علم أَن ذَلِك لَو كَانَ حَقًا فِي الْحِكْمَة أَو وَاجِبا فِي التَّدْبِير ليجد أهل الْإِلْحَاد أوضح طعن فِي الْقُرْآن وأيسر سَبِيل إِلَى القَوْل بِأَنَّهُ غير منزل من عندالرحمن إِذْ بِهِ وَصفه أَنه ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ وَقَالَ ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ ثمَّ وجد أَكثر مَا فِيهِ الحكم منصرفا إِلَى غير الْمخْرج ومحصلا على غير مجْرى اللَّفْظ من الْعُمُوم وَالْخُصُوص وَذَلِكَ على هَذَا القَوْل صرف عَن طَرِيق الْحِكْمَة ومزيل حق التَّدْبِير جلّ الله عَن أَن يلْحق حجَّته هَذَا الْوَصْف أَو دَلِيله هَذَا التَّنَاقُض ثمَّ قد بَين جلّ ثَنَاؤُهُ لما أرسل من الْأَسْمَاء المحمودة والمذمومة المقابلات الَّتِي لَدَيْهَا يظْهر لُزُوم حق صرف الْمُطلق من ذَلِك فَقَالَ ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم وَإِن الْفجار لفي جحيم﴾ ثمَّ وَصفهم فَقَالَ ﴿كلا إِن كتاب الْفجار لفي سِجِّين﴾ إِلَى آخر السُّورَة فَبين الْفَاجِر الْمُطلق الْمَقْصُود بالوعيد وَمَا مِنْهُ من

стр. 370

التَّكْذِيب لما قد بَينه فِي غير مَوضِع علمه ثمَّ قَالَ ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤمنا كمن كَانَ فَاسِقًا لَا يستوون﴾ ثمَّ بَين من المُرَاد بِالْمُؤمنِ وَمَا لَهُ من المآب وَالْفَاسِق وَمَا إِلَيْهِ مرجعه مَعَ تَكْذِيبه فِي ذَلِك بِالْيَوْمِ وَقَالَ فِيمَا قَالَ ﴿كَيفَ يهدي الله قوما كفرُوا بعد إِيمَانهم﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ وَقَالَ ﴿قَالُوا لم نك من الْمُصَلِّين﴾ وفيمن لم يؤد الزَّكَاة ﴿وهم بِالآخِرَة هم كافرون﴾ وَفِي أَمر الرِّبَا مَا ذكر من قَوْله ﴿وَمن عَاد﴾ وَقَوله ﴿وَأَخذهم الرِّبَا﴾ إِنَّهُم أحلُّوا حَيْثُ ﴿قَالُوا إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا﴾ وَكَذَلِكَ أَمْوَال الْيَتَامَى لم يَكُونُوا يُعْطون الَّذين لم يبلغُوا الْقِتَال وَلَا ضربوا بِالسِّهَامِ فِي الْمَغَانِم وَأمر الْقَتْل كَذَلِك كَانُوا يقتلُون بغيا واستحلالا على مَا ذكر من قَوْله ﴿واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ كُنْتُم أَعدَاء﴾ فَهَذَا الْآن طَرِيق حقائق الْوَعيد وَمَا فِيهِ إبِْطَال تَسْمِيَة الْإِيمَان وعَلى ذَلِك الْقِسْمَة فِي الْآخِرَة فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير والمعطى بِيَمِينِهِ وشماله وَالْمُؤمن وَالْكَافِر وَقَوله تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا النَّار الَّتِي أعدت للْكَافِرِينَ﴾ ففيهم تحقق الْوَعيد ولزمت الْأَسْمَاء الَّتِي هن نهايات فِي الْقبْح إيَّاهُم وَأما من لم يبلغ ذَلِك الْحَد فَإِن الَّذِي جَاءَ فيهم من الْوَعيد يخرج على وُجُوه على تحذير اخْتِيَار تِلْكَ الْأَحْوَال الَّتِي ذكرت أَو على أَن ذَلِك جَزَاؤُهُ لَو

стр. 371

لم يكن مَعَه غير ذَلِك من المحاسن أَو على أَن لله فِي حكمته فيهم على مَا استحقوا وَجه عَفْو ولشفيع الأخيار فيهم أَو تَكْفِير بِغَيْر ذَلِك من الْحَسَنَات أَو وَجه من الْعَذَاب على قدر ذَنبه من ذَنْب الشّرك وَله من الثَّوَاب فِيمَا جَاءَ بِهِ على مَا أكْرم بِهِ وأنعم فِي الدُّنْيَا من التَّوْفِيق لطاعة ربه وَالْحَمْد على ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه مَسْأَلَة فِي الْإِيمَان قَالَ قوم الْإِيمَان هُوَ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ خَاصَّة وَلَيْسَ فِي الْقلب شَيْء قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَنحن نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق أَحَق مَا يكون بِهِ الْإِيمَان الْقُلُوب بِالسَّمْعِ وَالْعقل جَمِيعًا أما السّمع فَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِي الْمُنَافِقين الَّذين قَالُوا آمنا بأفواههم وَلم تؤمن قُلُوبهم وَقَالَ ﴿قَالَت الْأَعْرَاب آمنا قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا وَلما يدْخل الْإِيمَان فِي قُلُوبكُمْ﴾ أبطل أَن يكون قَوْلهم إِيمَانًا إِذا لم يُؤمن قُلُوبهم وَقَالَ ﴿يمنون عَلَيْك أَن أَسْلمُوا قل لَا تمنوا عَليّ إسلامكم بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فَأخْبر أَنهم لَو كَانُوا بِمَا ادعوا من الْإِيمَان مُؤمنين بهداية الله لكانوا مُؤمنين لَو صدقُوا وَلَو لم يكن الْإِيمَان إِلَّا بِاللِّسَانِ لَكَانَ إِذا نطقوا بِهِ فقد صدقُوا وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن﴾

стр. 372

أخبر أَن الله تَعَالَى أعلم بإيمانهن وَلَو كَانَ الْإِيمَان لَيْسَ إِلَّا القَوْل بِاللِّسَانِ لَكَانَ كل سامع وَاحِد فِي الْعلم وَقَالَ تَعَالَى ﴿ويحلفون بِاللَّه إِنَّهُم لمنكم وَمَا هم مِنْكُم﴾ أخبر أَنهم كذبُوا فِي ذَلِك وَقَالَ ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ﴾ وَلَو لم يكن غير اللِّسَان لم يكن لينفى إِيمَانهم بِوُجُود الْحَرج فِي الْأَنْفس وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَالله أعلم بإيمانكم﴾ بَين أَن الْإِيمَان حَقِيقَة حَيْثُ يعلم الله بِهِ وَحده وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن النَّاس من يَقُول آمنا بِاللَّه وباليوم الآخر وَمَا هم بمؤمنين﴾ نفى أَن يكون الَّذِي قَالُوا بألسنتهم إِيمَانًا إِذا خَالَفت قُلُوبهم ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ إِن الله وعد للْمُؤْمِنين الثَّوَاب الدَّائِم وَأخْبر فِي الْمُنَافِقين أَنهم فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار فَلَو كَانَ مَا أظهرُوا إِيمَانًا فِي الْحَقِيقَة لَكَانَ حَقه على الْمَوْعُود الْجنَّة لَا الزِّيَادَة على عُقُوبَة الْكفْر وَقَالَ تَعَالَى ﴿يخادعون الله وَالَّذين آمنُوا﴾ صير إِيمَانهم الَّذِي أظهرُوا مخادعة الله فَمن زعم أَن مرتبَة دين الْإِسْلَام وَالْإِيمَان بالأنبياء وَبِاللَّهِ وَبِمَا أرسلهم بِهِ يحصل على مخادعة الله فَهُوَ عَظِيم القَوْل فِي دين الله جَاهِل بربه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَقَالَ الله ﴿سَوَاء عَلَيْهِم أَسْتَغْفَرْت لَهُم أم لم تستغفر لَهُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا مَنعهم أَن تقبل مِنْهُم نفقاتهم إِلَّا أَنهم كفرُوا بِاللَّه وبرسوله﴾ وَغير

стр. 373

ذَلِك مِمَّا أخبر الله عَن الْمُنَافِقين أَنهم كفرُوا وَالْكفْر ضد الْإِيمَان وبالإيمان ننتهى عَن الْكفْر وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يفعل ذَلِك يلق أثاما﴾ إِلَى آخر تِلْكَ الْآيَات وَإِذ ثَبت أَن الْمُنَافِقين كفرة فِي التَّحْقِيق كذبة فِي قَوْلهم بِمَا قَالَ الله وَالله يشْهد أَن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ وَقَالَ ﴿يَوْم يَبْعَثهُم الله جَمِيعًا﴾ أخبر أَنهم كذبة فَجعل قَول الْإِسْلَام مِنْهُم على جحوده الْقلب كذبا فَمن جعل ذَلِك إِيمَانًا وَالْإِيمَان فِي اللُّغَة هُوَ التَّصْدِيق فقد جعل الشَّيْء ضِدّه وَذَلِكَ فَاسد وَقَالَ ﴿لَا تعتذروا قد كَفرْتُمْ بعد إيمَانكُمْ﴾ وَقَالَ ﴿سيحلفون بِاللَّه لكم إِذا انقلبتم إِلَيْهِم﴾ وَقَالَ ﴿ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ وَلَكِن الْمُنَافِقين لَا يعلمُونَ﴾ أخبر أَنهم كفرة وَأَنَّهُمْ لَا يعلمُونَ لمن الْعِزَّة وَأَنَّهَا لمن ذكر وَلَو كَانُوا مِنْهُم لكَانَتْ لَهُم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه مَعَ مَا جعل الله ذَلِك مِنْهُم استهزاء ومخادعة وسخرية وَأوجب لَهُم جَزَاء ذَلِك وَلم يجز أَن يكون الْإِيمَان هَذَا وَصفه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَقد قَالَ الله ﴿إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان﴾ لم يَجْعَل لَهُم كفر بِاللِّسَانِ إِذا لم يكن عبارَة عَن الْقلب وَمنع ذَلِك بِإِيمَان الْقلب فَثَبت أَن الْقلب هُوَ مَوضِع الْإِيمَان وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 374

وَلَيْسَ بِمَا يُقَاتلُون إِلَى أَن يشْهدُوا بِاللِّسَانِ دَلِيل أَن ذَلِك هُوَ الْإِيمَان أَو لَا إِيمَان بالقلوب بل ذَلِك مِنْهُم دَلِيل الْإِيمَان وَعبارَة عَنهُ فَيقبل قَوْلهم فِي الْأَحْكَام الظَّاهِرَة بِحَق الْعبارَة بِمَا لَا سَبِيل لنا إِلَى حَقِيقَة الْعلم بِهِ وعَلى ذَلِك عَامَّة الْأُمُور بَين الْخلق مَحْمُولَة على مَا يحْتَملهُ وسعهم من المعارف وَإِن كَانَت لَهَا حقائق غَيرهَا مَعَ مَا كَانَ فِي الَّذِي بَينا دلَالَة ذَلِك وَكَذَلِكَ الْأَمر المتوارث فِي التَّفْصِيل بَين الْكَفَرَة وَبَين الْمُؤمنِينَ بالإعلام وأنواع أَو المخالطة من الْأَهْل وَإِن لم يكن تِلْكَ بِكفْر وَلَا إِسْلَام فَمثله أَمر الْعبارَة بِاللِّسَانِ وعَلى هَذَا مَا بَينا من الْآيَات فِي الْعلم بِالْإِيمَان وَأمر الْقُلُوب فِيمَا جَاءَ بِهِ النُّصُوص فَمثله الَّذِي نَحن فِيهِ وَالله أعلم وعَلى ذَلِك أَمر الْمُكْره على الْكفْر وَقَول نَبِي الله ﷺ إِنَّمَا يعبر عَمَّا فِي قلبه لِسَانه وعَلى مَا ذكرت أَمر الْأَمْلَاك والشهادات وأنواع الْمذَاهب فِي الْأَدْيَان بِمَا علمه ذَلِك الْأُمُور الظَّاهِرَة فَمثله حكم الْقبُول وَقد تَجِد الله أَمر بِأَن يُقَاتل ليعطوا الْجِزْيَة وَأَن يجاروا إِلَى أَن يسمعوا كَلَام الله وَفِي ذَلِك التّرْك بَين الْمُسلمين يتعيشون لينظروا فِي أُمُورهم ويتدبروا فِي أحكامهم فيعلموا بذلك حقائقها وَإِن كَانَ لَا يحْتَمل تأسيسها على مَا فِيهَا من تأليف الْقُلُوب وَدفع التظالم وأنواع الْفساد إِلَّا بِاللَّه لِيَطمَئِن قُلُوبهم بِالْإِيمَان وَيحْتَمل أنفسهم الْإِجَابَة إِلَى الْإِسْلَام فَمثله فِي الدّين أظهرُوا الْإِيمَان بِاللَّه وَأَجَابُوا الْمُؤمنِينَ إِلَى مَا عِنْدهم من الْأَحْكَام وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ يُقَال لَهُم فَإِن كَانَ مَا يقبل مِنْهُم من الْإِيمَان فِي ظواهر الْأَحْكَام بِاللِّسَانِ دَلِيلا على أَنه خَاصَّة فَلَمَّا حرمُوا بِهِ الغفران والموعود على الْإِيمَان من النَّعيم الدَّائِم وَالثَّوَاب الجزيل ثمَّ بِمَا لَا يجوز لَهُم عبَادَة فِي الْحَقِيقَة وَلَا ينالون بهَا فَضِيلَة عِنْد الله دَلِيل على أَنهم لَيْسُوا بمؤمنين وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه

стр. 375

ثمَّ يُقَال لَهُم قَالَ الله ﴿قَاتلُوا الَّذين يلونكم من الْكفَّار﴾ وَقَالَ ﴿وقاتلوا الْمُشْركين كَافَّة﴾ وَقَالَ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وَيُقَاتل على مَا يظهرون من الشّرك وَالْكفْر دون مَا يضمرون وَلم يجب بِهَذَا أَن لَا يكون الشّرك وَالْكفْر بالقلوب فَمَا يبعد أَن يُؤمر بِالْقِتَالِ حَتَّى يُؤمنُوا ثمَّ يمْنَع عَن الْقِتَال إِذا أظهرُوا الْإِيمَان بِاللِّسَانِ وَإِن كَانَ حَقِيقَة مَوضِع إِيمَان الْقلب إِذْ لَا يمْنَع هَذَا كَونه فِيهِ وَالله الْمُوفق ثمَّ يُقَال لَهُم فِي الْخَبَر أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله وَقيل حَتَّى يشْهدُوا فَيكون الشَّهَادَتَيْنِ سَبَب منع الْقَتْل لَا حَقِيقَة الْإِيمَان وَالله الْمُوفق وَأما الْعقل فَلِأَنَّهُ دين والأديان تعقد وَمَا بِهِ إعتقادات الْأَدْيَان الْقُلُوب وَكَذَلِكَ الْمذَاهب مَعَ مَا كَانَ الْإِيمَان فِي اللُّغَة التَّصْدِيق وَحَقِيقَته الَّذِي لَا يحْتَمل الْقَهْر والجبر هُوَ الدّين فِي الْقلب إِذْ لَا يجرى سُلْطَان أحد من الْخلق وَجُمْلَة ذَلِك أَنه يجوز أَن لَا يكون لِسَان وَلَا يحْتَمل رفع الدّين الْحق وَلَا الْإِيمَان بِاللَّه وَالرسل من أحد ثَبت أَن حق ذَلِك الْقلب مَعَ مَا كَانَ ذَلِك من الْمحَال ارْتِفَاع فعل الْإِيمَان عَن الممتحن فِي حَال الْخطاب بِحَال وباللسان عَامَّة الْأَوْقَات على الْخلق يمر بِدُونِهِ بل من الْأَحْوَال أَحْوَال ينْهَى الْمَرْء فِيهِ أَن يَقُول آمَنت بالكتب والنبيين والبعث وَنَحْو ذَلِك نَحْو الْكَوْن فِي الصَّلَاة فَيصير الْإِيمَان على هَذَا القَوْل بِحَيْثُ ينْهَى وَدين الْإِسْلَام بِحَيْثُ يفْسد عِبَادَته وَالله جعله شرطا للْجُوَاز وَجعله دَائِما لَا يتَغَيَّر وَلَا يتبدل وَلَا يجوز فِيهِ النّسخ ثَبت أَنه على غير

стр. 376

مَا ظنت الكرامية على أَن الله تَعَالَى أعلا دَرَجَة الْإِيمَان فِي الْقُلُوب حَتَّى صيرها أعلا الدَّرَجَات وصير الْإِيمَان مِمَّا يقوم بِهِ الْخيرَات وَعند وجوده يصلح الْعِبَادَات وَمَا يحْتَمل مَا وصفت إِنَّمَا هُوَ الْقُلُوب لَا الألسن لذَلِك كَانَت أَحَق وَبعد فَإِنَّهُ الْخطاب بِالْإِيمَان يلْزم بالعقول وَيعرف حَقِيقَة مَا بِهِ الْإِيمَان بالفكر وَالنَّظَر وَذَلِكَ عمل الْقُلُوب فَمثله الْإِيمَان مَعَ مَا كَانَ الألسن قد تسْتَعْمل وتخبر كَغَيْرِهَا من الْآيَات وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿لَا إِكْرَاه فِي الدّين﴾ لم يجز أَن يَجْعَل حَقِيقَته فِيمَا فِيهِ الْإِكْرَاه وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بِاللَّه﴾ وَلَيْسَ الْكفْر بالطاغوت بِاللِّسَانِ خَاصَّة فَمثله الْإِيمَان أَلا يرى إِلَى قَوْله ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين يَزْعمُونَ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَقد أمروا أَن يكفروا بِهِ﴾ فَيصير الْميل والتحاكم ترك للكفر وَإِن أخبر عَن لِسَانه أَنه يزْعم أَنه مُؤمن بِالَّذِي عَلَيْهِ الْإِيمَان بِهِ وَالله الْمُوفق وَفِي كتاب الله الْخطاب بقوله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ فِي غير مَوضِع ثمَّ لم يرتب أحد مِمَّن ينْسب إِلَى الْإِسْلَام وَالْإِيمَان فِي ذَلِك أَنه مِمَّا تضمنه وَإِن لم يكن هُوَ وَقت فرغ الْخطاب مَعَه يسْتَعْمل لِسَانه فِي فعل الْإِيمَان ثَبت أَن حَقِيقَته الَّتِي بهَا سماهم بِهَذَا قَائِمَة فيهم وَقت الْخطاب وَهِي لَا تحْتَمل إِلَّا أَن تكون فِي الْقلب وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَفِي هَذَا النَّوْع آيَات هِيَ تنقض على الْمُعْتَزلَة والخوارج والكرامية والحشوية مَذْهَبهم على اخْتِلَاف مذاهبهم نَحْو قَوْله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾

стр. 377

إِلَى قَوْله ﴿كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا مَا لكم إِذا قيل لكم انفروا فِي سَبِيل الله﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا لكم لَا تقاتلون فِي سَبِيل الله وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ألم يَأن للَّذين آمنُوا أَن تخشع قُلُوبهم لذكر الله﴾ فعاتب على صنيعهم ذَلِك وَأعظم الْوَعيد فِي ذَلِك وَلم يزل عَنْهُم اسْم الْإِيمَان بل بِهِ عَاتَبَهُمْ وَكَذَلِكَ فِي الْعقل تكون المعاتبة بالتقصير يكون بَين الْأَوْلِيَاء وَيكون بَين الْأَعْدَاء مُحَاجَّة ومحاربة فَبَان أَن قد بقى لَهُم اسْم الْإِيمَان فَيبْطل قَول من يخرج من الْإِيمَان وَقَول من يكفره وَكَذَلِكَ إِذْ لَا أحد الْتبس عَلَيْهِ تضمنه تِلْكَ الْآيَات مِمَّن يصدق بِاللَّه وبرسوله ثَبت أَن الْإِيمَان اسْم لمعروف الْحَد وَأَن كلا مِمَّن ذَلِك لِسَانه يعقل فَيبْطل بِهِ قَول من يَقُول الْإِيمَان اسْم لجَمِيع الطَّاعَات مَعَ مَا ذَلِك الْخطاب على الْمَتْرُوك من الْفَرَائِض فَلَو كَانَ اسْما للك لكانوا يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا بِبَعْض الْإِيمَان أَو آمنُوا مَعَ الثنيا فِيهِ وكما لَا يصلح فِي مثل ذَلِك المعاتبة باسم الْأَبْرَار والمتقين ثَبت أَن الْإِيمَان اسْم للخاص من الْعِبَادَات لَا للْكُلّ ثمَّ لَا أحد مِنْهُم فِي وَقت نزُول الْآيَة يعرف مِنْهُم اسْتِعْمَال اللِّسَان بذلك ثَبت أَن التَّسْمِيَة كَانَت لِأَنَّهُ بِالْقَلْبِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه

стр. 378

مَسْأَلَة الْإِيمَان تَصْدِيق بِالْقَلْبِ أم معرفَة وَظن قوم أَن لَا يكون بِالْقَلْبِ تَصْدِيق وَإِنَّمَا يكون بِهِ معرفَة خَاصَّة وَالْأَصْل أَنه يكون وَإِن كَانَ لَا يقدر على الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك بِحرف يفضل إِلَّا من طَرِيق الدّلَالَة بِالْمَعْرُوفِ من القَوْل إِن الْإِيمَان تَصْدِيق فِي اللُّغَة وَالْكفْر تَكْذِيب أَو تَغْطِيَة فضد الْمعرفَة فِي الْحَقِيقَة النكرَة والجهالة وَلَا كَانَ جَاهِلا بِشَيْء أَو مُنْكرا لَهُ من حَيْثُ الْمعرفَة مكذب على مَا قَالَ قوم منكرون أَي لَا يعْرفُونَ وَكَذَلِكَ كل من جهل حَقًا لَا يُوصف بالتكذيب لَهُ ثَبت أَن للْإيمَان بِالْقَلْبِ فِي التَّحْقِيق غير الْمعرفَة على أَن الْمعرفَة هِيَ سَبَب يبْعَث على التَّصْدِيق كَمَا قد يبْعَث الْجَهَالَة على التَّكْذِيب رُبمَا فَكَذَلِك لكل معنى لَيْسَ للْآخر فِي التَّحْقِيق وعَلى هَذَا قَول من يَقُول الْإِيمَان معرفَة إِنَّمَا هُوَ التَّصْدِيق عِنْد الْمعرفَة هِيَ الَّتِي تبْعَث عَلَيْهِ فَسمى بهَا نَحْو مَا وصف الْإِيمَان بِهِبَة الله وَنعمته وَرَحمته وَنَحْو ذَلِك بِمَا يظفر بِهِ لَا أَنه فِي الْحَقِيقَة فعل الله لَكِن لَا يَخْلُو حَقِيقَته عَن ذَلِك فنسب إِلَيْهِ فَمثله أَمر الْإِضَافَة إِلَى الْعلم والمعرفة وَذَلِكَ أَيْضا كَمَا سمى كل خَطِيئَة الْمُؤمن جَهَالَة وكل مآثم الْكَافِر نِسْيَانا وَكَذَلِكَ الْمُؤمن بِمَا كَانَ على الْجَهَالَة تَعْظِيم مَا يحل بِهِ أَو النسْيَان أَو بِمَا كَانَ كل منسى مَتْرُوك فَسمى بِهِ لَا أَنه اسْم حَقِيقَته وَالله الْمُوفق وعَلى ذَلِك جَائِز القَوْل بِالْإِيمَان بِجَمِيعِ الرُّسُل على غير القَوْل بِمَعْرِِفَة جَمِيع الرُّسُل بالقلوب وعَلى ذَلِك قَوْله ﴿من كفر بِاللَّه من بعد إيمَانه إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان﴾ لَو لم يكن فِي الْقلب إِلَّا الْمعرفَة لَكَانَ لَا يزيلها الْكفْر وَلَا يُفِيد الشَّرْط فِي ذَلِك وَقد يخْتَار الْمَرْء لدفع الْإِكْرَاه غير الَّذِي هُوَ

стр. 379

حق عِنْده لدفع ذَلِك عَنهُ فَلهُ شَرط طمأنينة الْقلب وَكَذَلِكَ القَوْل لإِبْرَاهِيم ﴿أَو لم تؤمن﴾ قَالَ ﴿بلَى﴾ وَإِنَّمَا يُقَال ﴿أَو لم تؤمن﴾ بخبري أَو بِالَّذِي عرفت قَالَ ﴿بلَى﴾ وَلم يكن أولم تعلم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه على أَن المعارف رُبمَا تقع بأَشْيَاء بِلَا أَسبَاب لَا يُوصف بِالْإِيمَان بهَا وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿فَمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بِاللَّه﴾ فَهُوَ التَّكْذِيب بالطاغوت فِيمَا يدعونَ وَالْإِيمَان بِاللَّه لَا على القَوْل بِهِ وَلَكِن على حَقِيقَة الْإِنْكَار والتكذيب بِالْقَلْبِ وَالْقَبُول والتصديق بِاللَّه وَالْأَصْل فِي ذَلِك أثبت من الْأَمر الْمُتَعَارف أَن لَا يُوصف كل جَاهِل بالشَّيْء بالتكذيب وَلَا كل عَارِف بِهِ بالتصديق بِهِ لَكِن الْمعرفَة تبْعَث على التَّصْدِيق والجهالة عل التَّكْذِيب فَسمى بذلك نَحْو السَّبَب لَا الْحَقِيقَة وَالله أعلم مَسْأَلَة فِي الإرجاء ثمَّ اخْتلف فِي الْمَعْنى الَّذِي سمى بِهِ من سمى مرجئا بعد اتِّفَاق أهل اللِّسَان على الإرجاء أَنه التَّأْخِير وعَلى ذَلِك قَوْله أرجه وأرجاه وَقَالَ مرجون لأمر الله قَالَت الحشوية سميت المرجئة بِمَا لم يسموا كل الْخيرَات إِيمَانًا وَهَذَا مِمَّا لَا يحْتَملهُ اللِّسَان وَلَا الْعقل فَأَما اللِّسَان فَهُوَ أَن الإرجاء هُوَ التَّأْخِير وَلَا وَجه لهَذَا الإسم فِيمَا يُسمى كل خير بإسمه الْخَاص وَمنع هَذَا الإسم الْعَام ثمَّ لَا يَخْلُو من أَن يكون هَذَا فِي الْحَقِيقَة أسما لكل أَو لَا فَإِن كَانَ إسما لَهُ فَمن يَأْبَى تَسْمِيَة

стр. 380

الشَّيْء باسمه الَّذِي هُوَ إسمه فِي الْحَقِيقَة جهلا بِهِ أَو تعنتا فَلَا أحد يُسَمِّيه بِهَذَا الإسم فَمَا بَال هَؤُلَاءِ سموا بِهِ خُصُوصا من بَين جَمِيع الْخلق وَلَو كَانَ بذا يلْزم هَؤُلَاءِ هَذَا الإسم فَهُوَ لَازم لمن سماهم بِهِ لأَنهم وَقت التَّسْمِيَة بِهَذَا تاركون لإسماء الْخَاصَّة لَهَا فيصيرون بذلك مستحقين لهَذَا الإسم ثمَّ بقَوْلهمْ الْإِيمَان إسم لِاجْتِمَاع الْخيرَات إبِْطَال هَذَا الإسم عَن كل خير على الإنفراد فيلزمهم هَذَا أَو لَيْسَ بإسم لَهَا فِي الْحَقِيقَة فَلَا يُوَجه لتسمية من لم يسم الشَّيْء بِمَا لَيْسَ ذَلِك بإسم لَهُ وَيكون ذَلِك فِي الْحَقِيقَة سمة الصَّادِقين بالإسم المذموم عِنْده فِي الدّين فقد أعلا دَرَجَة الْكَاذِبين عِنْد الله وَحط دَرَجَة الصَّادِقين وَذَلِكَ عَظِيم عِنْد من يعقل وَأما الْعقل فَإِنَّمَا يدْرك حقائق الْأَشْيَاء بجهتين إِمَّا بِمَا تُؤدِّي المشاعر المجعولة مسلكا وَهِي الْحَواس أَو بالتدبر فِي علم الْحس وَمَا أظهر الدَّلِيل وَلَيْسَ فِي شَيْء من المحسوس إِيجَاب ذَلِك وَلَا كَانَ فِيهِ مِمَّا يسْتَخْرج بِالتَّأَمُّلِ حَقِيقَة الإرجاء أَنه فِيمَن لَا يُسمى الْخيرَات إِيمَانًا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه بل ذَلِك فِي الْحَقِيقَة مَذْهَبهم حِين أرجوا دينهم وَلم يشْهدُوا لأَنْفُسِهِمْ واستثنوا فِي ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَقَالَت الْمُعْتَزلَة المرجئة هِيَ الَّتِي أرجت الْكِبَار لم تنزل أَهلهَا نَارا وَلَا جنَّة قَالَ الشَّيْخ ﵀ هَذَا الَّذِي قَالُوهُ حق فِي لُزُوم إرجاء تِلْكَ الْأَعْمَال لَكِن المروى بالذم لَيْسُوا هم إِن ثَبت خبر الذَّم وَهَذَا هوالحق وَعَن مثله سَأَلَ أَبُو حنيفَة ﵀ مِم أخذت الإرجاء فَقَالَ من فعل الْمَلَائِكَة حَيْثُ قيل لَهُم ﴿أنبئوني بأسماء هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ إِنَّه لما سئلوا عَن أَمر لم يكن لَهُم بِهِ علم فَوضُوا الْأَمر فِي ذَلِك إِلَى الله وَكَذَلِكَ الْحق فِي أَصْحَاب الْكَبَائِر إِذْ مَعَهم خيرات الْوَاحِدَة مِنْهَا لَو قوبلت جَمِيع مَا دون الشّرك من الشرور لمحتها

стр. 381

وأبطلتها فَلَا يحْتَمل أَن يحرم صَاحبهَا ويخلد فِي النَّار لَكِن يُرْجَى أمره إِلَى الله فَإِن شَاءَ عَفا عَنهُ إِذا هُوَ لم يحرمه عِنْد فعله مَعْرفَته ومعاداة أعدائه لَهُ وتعظيم أوليائه فَعِنْدَ شدَّة حَاجته إِلَى عَفوه وإحسانه يَرْجُو أَن لَا يحرمه وَالله الْمُوفق إِذْ قَالَ هُوَ الغفور وَهُوَ الرَّحِيم الْوَدُود وَإِن شَاءَ قَابل بسيئته مَا أكْرمه بِهِ من الْحَسَنَات فجعلهن كَفَّارَات لَهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾ وَقَالَ فِي غير مَوضِع ﴿نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ وَقد ذكر الْأَنْوَاع الَّتِي وعد بهَا التَّكْفِير وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَذَلِكَ كَقَوْلِه ﴿أُولَئِكَ الَّذين نتقبل عَنْهُم أحسن مَا عمِلُوا ونتجاوز عَن سيئاتهم﴾ وَقَوله ﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لنكفرن عَنْهُم سيئاتهم﴾ وَنَحْو ذَلِك وَالله أعلم وَإِن شَاءَ جزاه قدر عمله وَمَا كَانَ مِنْهُ من الْحَسَنَات فقدرها أَيْضا بقوله ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره﴾ وَغير ذَلِك من الْآيَات الَّتِي فِيهَا ذكر جَزَاء الْخَيْر وَالشَّر وَذَلِكَ وصف الْعدْل فِي الْمُؤَاخَذَة وَإِن كَانَ هُوَ فِيمَا أعْطى الثَّوَاب مفضلا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَهَذَا النَّوْع من الإرجاء حق لزم القَوْل بِهِ والمعتزلة أرجت فعل نَفسه حَيْثُ أَبى تَسْمِيَته مُؤمنا وكافرا فجهله بحقيقته ألزمهُ القَوْل بإرجاء الإسم لكنه جهل حَقِيقَة فعله فَلَا عذر لَهُ وَالْأول جهل حَقِيقَة مَا يعْمل بِهِ الله وَذَلِكَ لَا يعرف إِلَّا بِالسَّمْعِ وَلم يَجِيء مَا يقطع القَوْل بِشَيْء فَهُوَ لَازم

стр. 382

وَقَالَ بَعضهم المرجئة هم الَّذين أرجوا أَمر عَليّ بن أبي طَالب وَمن خرج مَعَه وَعَلِيهِ فَإِن أَرَادوا بِهِ الإرجاء من الْوَقْف فِي القَوْل فيهم فَلَا معنى لذَلِك من غَيره وَإِن أَرَادوا الإرجاء المذموم فَهُوَ قريب وَلما لم يكن أحد يعدل عليا فِي الإستحقاق مَعَ دلَالَة الْخَبَر الْمَرْفُوع لَهُ فِي عهد أبي بكر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن وليتم أَبَا بكر تجدونه ضَعِيفا فِي بدنه قَوِيا فِي دينه وَإِن وليتم عمر وجدتموه قَوِيا فِي بدنه قَوِيا فِي دينه وَإِن وليتم عليا وجدتموه هاديا مهديا يسْلك بكم طَرِيق الْهدى أَو كَمَا قَالَ ﵇ ثمَّ إِدْخَال عمر إِيَّاه فِي الشورى ثمَّ إتفاق أخيار الصَّحَابَة عَلَيْهِ لم يكن أمره بِحَيْثُ الخفا ليعذر من جوز القَوْل جَائِز أَن يلْحق أَهله الذَّم بذلك إِذْ هُوَ جهل مَا لَا يحْتَمل الْجَهْل إِلَّا عَن إغفال أَو ترك التَّأَمُّل فِي أَمر الدّين وَالله الْمُوفق ثمَّ إِن ثَبت الْخَبَر الْمَرْفُوع أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ صنفان من أمتِي لَا تنالهم شَفَاعَتِي الْقَدَرِيَّة والمرجئة وَمَا ذكر أَن المرجئة لعنت على لِسَان سبعين فَهُوَ يخرج وَالله أعلم على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يُرَاد بِهِ الجبرية بِمَا جمع إِلَى الْقَدَرِيَّة وهما قَولَانِ متقابلان جَمعهمَا الْخَبَر فِي الذَّم وَهُوَ أَن الْقَدَرِيَّة تحقق قدر أَفعَال الْخلق لِلْخلقِ لَا تجْعَل لله فِيهَا مشْيَة وَلَا تدبيرا والجبرية أرجتها إِلَى الله تَعَالَى لم تجْعَل لِلْخلقِ فِيهَا حَقِيقَة الْبَتَّةَ فَحملت الجبرية كل قَبِيح وذميم جلّ الله تَعَالَى من أَن يكون ذَلِك وصف فعله وحملت الْقَدَرِيَّة الْأَمر على الْخلق على مَا هم بهَا من الْجَهْل وَالْحق هُوَ الْوسط من القَوْل أَن يكون من الْعباد أَفعَال على مَا هِيَ مِنْهُم وَمن الله خلقهَا على الْحَد الَّذِي كَانَت عَلَيْهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَقد تقدم بَيَان الْمَعْنى بالقدرية

стр. 383

وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يكون ذَلِك فِيمَا عَلَيْهِ حَال الْفَاعِل فِي فعله من الْوَقْف فِي ذَلِك نَحْو مَا قَالَت الحشوية فِي اسْم الْمُؤمن والثنيا فِيهِ وَمَعْلُوم أَن الإرجاء هُوَ الْوَقْف فِي الْجَواب والإمهال للنَّظَر ثمَّ لَا يقطعون فِي أنفسهم القَوْل بِالْإِيمَان بل يستثنون والثنيا إرجاء وَقد ذكر ذَلِك فِي بعض الْأَخْبَار لَكِن لَا يشْهد بِصِحَّتِهِ وَفِي الْعقل بَيَان معنى الإرجاء إِذْ هُوَ الْوَقْف فِي الْأَمر فِي أَمر هُوَ فعلهم وَمَا قَالَت الْمُعْتَزلَة فِي إرجاء صَاحب الْكَبِيرَة بِالتَّسْمِيَةِ أَنه مُؤمن أَو كَافِر مَعَ مَا قسم الْخلق الَّذين امتحنوا قسمَيْنِ فِي التَّحْقِيق مُؤمن وَكَافِر وصير الْقسم الثَّالِث الْمُنَافِق إِذْ هُوَ مَعَ هَؤُلَاءِ فِي الظَّاهِر وَمَعَ هَؤُلَاءِ فِي السِّرّ فاستوجبوا أَحْكَام أهل الْإِيمَان فِي الظَّاهِر مِمَّا عَلَيْهِ أهل الْأَدْيَان فِي الدُّنْيَا وَفِي الْبَاطِن من الْأَحْكَام على مَا عَلَيْهِ أَمر الْكفْر فِي الظَّاهِر من أَمر الْآخِرَة وَالله الْمُوفق خلق الْإِيمَان ثمَّ القَوْل فِي خلق الْإِيمَان فِيمَا بَيْننَا وَبَين فريق من الحشوية مَعَ مَا قد بَينا القَوْل فِي خلق أَفعَال الْعباد مَا يكفى ذَلِك من تَأمل أَمر الْإِيمَان أَن الْإِيمَان لَا يَخْلُو من أَن يكون مَعْرُوفا أَو مَجْهُولا فَإِن كَانَ مَجْهُولا لَا يُعلمهُ أحد فَنَقُول من يَقُول بنفى الْخلق لَا معنى لَهُ لِأَن الَّذِي يجهل حَتَّى لَا يصل إِلَى الْعلم بِهِ من طَرِيق الدَّلِيل هُوَ الْخلق الَّذِي لم يَجْعَل الله فِيمَا يشهده عَلَيْهِ دَلِيلا يعرف مائيته وَحَقِيقَته وَذَلِكَ خلق فِي جملَة القَوْل وبدلالة المحسوس على أَن كل شَيْء سوى الله خلق كَائِن بعد أَن لم يكن فَأَما الله تَعَالَى وَمَا يُوصف بِهِ فَفِي الشَّاهِد دَلِيل على التَّحْقِيق وَالْإِثْبَات فَلَا وَجه للْجَهْل بِهِ وَفِي ذَلِك تثبيت جعله خلقا مَعَ مَا لَا يجوز الْجَهْل بِهِ إِذْ الْأَمر بِفِعْلِهِ عَن الله فِي جَمِيع كتبه الْمنزلَة وَرُسُله الَّذين أرسلهم وَبِه خُوطِبَ الْعباد بِجَمِيعِ شرائع الْإِسْلَام فمحال يعرفهَا

стр. 384

على الْجَهْل بِحَقِيقَة مَا بِهِ وَجب التَّكْلِيف وَجَرت بِهِ المحنة وعَلى ذَلِك جرت البشارات وبالإغفال عَنهُ جَاءَ الْإِنْذَار والوعيد وعَلى ذَلِك اتّفق قَول الْأمة على اخْتلَافهمْ فِي الْإِضَافَة إِلَى مَا يعقله الْخلق فَثَبت أَنه مَعْلُوم ثمَّ لَا يَخْلُو إِذْ علم من أَن يكون إِيمَان كل أحد يُوصف فِي الْأَزَل بالكون بعد أَن لم يكن فَإِن لزم الْوَصْف لَهُ بالكون فِي الْأَزَل لزم الْوَصْف بِمَا فِي الْعقل دَفعه وَفِي السّمع إحالته لإحالة كَون إِيمَان أحد فعلا لَهُ قبل كَونه وَالدَّلِيل أَنه فِي العَبْد الْأَمر بِهِ والنهى عَن تَركه ومجئ الْوَعْد لمن أَتَى بِهِ والوعيد على من أعرض عَنهُ ومحال كَون ذَلِك كُله على غير فعل ثمَّ الْأَخْبَار فِي الْقُرْآن عَن الَّذِي جَاءَ بِهِ وَتَسْمِيَة ذَلِك عملا وَتَسْمِيَة صَاحبه بِهِ والمعقول فِي ذَلِك أَن يكون هُوَ الَّذِي يشْهد بوحدانية الله ويؤمن برسله ويعتقد ذَلِك وَذَلِكَ أَنه فعله على أَنه لَو لم يكن فعله فَيكون سَائِر مَا لَهُ مِمَّا لَا صنع لَهُ فِيهِ خلقا عِنْد الْجَمِيع وَإِن كَانَ فعله فَهُوَ عِنْد الْقَائِلين بِهَذَا إِن كل فعل العَبْد مَخْلُوق وَقد بَينا ذَلِك فِيمَا تقدم فعلى ذَلِك الْإِيمَان بل هُوَ أَحَق أَن يُوصف بالخلق من سَائِر أَفعَال العَبْد إِذْ هُوَ أعلا أَفعاله وأجلها وَمن الْبعيد وصف الرب بخالق الْأَشْيَاء الدنية والخبيثة وتنزيهه عَن خلق الْأَشْيَاء الرفيعة الْحَسَنَة فَيكون واصفه بِهَذَا شرا من الْمَجُوس والزنادقة حَيْثُ أضافوا إِلَى الله خلق الْخيرَات وَنَفَوْا عَنهُ خلق الشَّرّ وهم لَا نفوا خلق أرفع الْخيرَات وَهُوَ الْإِيمَان مَعَ مَا كَانَ فيهم من يرى جَمِيع الخبرات إِيمَانًا ثمَّ لَا يرى الله يخلق الْإِيمَان فَيكون على قَوْله هُوَ خَالق كل شَرّ وَلَيْسَ بخالق خير الْبَتَّةَ جلّ الله عَن هَذَا الْوَصْف ثمَّ لَا يَخْلُو تعرف الْخَلَائق من أَن يكون طريقها السّمع من غير أَن كَانَ لِلْعَقْلِ من ذَلِك نصيب فَيجب بِمُطلق القَوْل خلق الْإِيمَان بقوله ﴿خَالق كل شَيْء﴾ وَهُوَ شَيْء غير الله فَيجب بِهِ القَوْل بخلقه أَو القَوْل بخلقه بِمَا هُوَ من

стр. 385

الْأَعْمَال وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ يحِق القَوْل وَفعل الضَّمِير دون غَيرهمَا من الْجَوَارِح وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور أَلا يعلم من خلق وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير﴾ فَهُوَ دَاخل فِي جملَة الشيئية بِالْأولِ وَفِي جملَة الْأَعْمَال فِي الثَّانِي وَفِي جملَة مَا يسر ويجهر مَعَ مَا قد يكون فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض مِمَّا لَا إِشَارَة إِلَى خلقه بإسمه دَاخل ذَلِك فِيمَا بَينا وَفِي قَوْله ﴿الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا﴾ فَمثله الْإِيمَان من الَّذِي بَينهمَا وَالله الْمُوفق أَو أَن يكون لِلْعَقْلِ فِي تعرف ذَلِك نصيب فَوجدَ جَمِيع مَا فِي سَائِر المخلوقين من آثَار الصَّنْعَة والخلقة مَا فِي الْإِيمَان فَيجب من طَرِيق النّظر الْجمع بَين ذَلِك على أَنه مِمَّا هُوَ يحدث للْعَبد لحدثه وَعرف خلق الْأَشْيَاء بِمَا كَانَ بعد أَن لم يكن على أَنا نسْأَل من أنكر سؤالا مقررا عَن حَقِيقَة ذَلِك من تَصْدِيق أَو إِقْرَار أَو جَمِيع الْأَعْمَال أَو إِقْرَار وَمَعْرِفَة ذَلِك أَو نَحْو ذَلِك فَيلْزم الإعتراف بِشَيْء من ذَلِك بِمَا يُقَابل بِهِ كل نوع ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَقد روى فِي ذَلِك خبر عَن رَسُول الله ﵇ أَنه قَالَ إِن الله خلق الْإِيمَان فحفه بالسماحة والحيا وروى أَن الله خلق مائَة رَحْمَة وَمَعْلُوم تَسْمِيَة الْإِيمَان رَحْمَة فَيجب أَن يكون فِيمَا خلق ثمَّة لَهُ ضد يَدْفَعهُ وشكل يعضده أَو يُوَافقهُ وكل ذِي ضد وشبيه خلق ثمَّ هُوَ طَرِيق يسْلك فِيهِ وَدين يدان بِهِ وَمذهب يخْتَار ونحله تعتقد وكل ذَلِك مَخْلُوق ثمَّ الله تَعَالَى ضرب مثله مرّة

стр. 386

بِالشَّجَرِ وَمرَّة بِالسَّمْعِ وَالْبَصَر وَمرَّة بِالْحَيَاةِ وَمرَّة بِالْأَرْضِ الطّيبَة وَمرَّة بالسراج وكل ذَلِك مَخْلُوق فَمثله الْإِيمَان ثمَّ قد ضرب مثل الْكفْر بمضادات مَا بَينا على الإجتماع فِي الحدثية والخلقة فَمثله أَمر الْإِيمَان وَالْكفْر وَالله الْمُوفق ثمَّ الْإِيمَان حسن وَخير وَهدى وزين لصَاحبه وكل مَا ذَلِك وَصفه فَهُوَ مَخْلُوق قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَلما يدْخل الْإِيمَان فِي قُلُوبكُمْ﴾ وَقَالَ ﴿وَلم تؤمن قُلُوبهم﴾ دلّ أَنه فِي الْقلب وَهُوَ فعله وبعيد كَون مَا لَيْسَ بمخلوق فِيهِ ثمَّ كذب الله تَعَالَى فِي ذَلِك قوما ادعوا لأَنْفُسِهِمْ فَلَو لم يكن فعلهم لم يكن ليكذبهم لِأَنَّهُ مَوْجُود وَإِنَّمَا يعْدم من حَيْثُ الْفِعْل وَالله الْمُوفق مَسْأَلَة ترك الإستثناء فِي الْإِيمَان قَالَ الْفَقِيه ﵀ الأَصْل عندنَا قطع القَوْل بِالْإِيمَان وبالتسمى بِهِ بِالْإِطْلَاقِ وَترك الإستثناء فِيهِ لِأَن كل معنى مِمَّا بإجتماع وجوده تَمام الْإِيمَان عِنْده مِمَّا إِذا اسْتثْنى فِيهِ لم يَصح ذَلِك الْمَعْنى فعلى ذَلِك أمره فِي الْجُمْلَة نَحْو أَن يَقُول أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله إِن شَاءَ الله أَو مُحَمَّد رَسُول الله إِن شَاءَ الله وَكَذَلِكَ الشَّهَادَة بِالْبَعْثِ وَالْمَلَائِكَة وَالرسل والكتب وَبِاللَّهِ الْعِصْمَة وَأَيْضًا أَن حرف الثنيا إِذا ألحق بالْقَوْل منع مضيه على مَا تفوه بِهِ لَوْلَا هُوَ من الْإِقْرَار والعقود والمواعيد وَغير ذَلِك فعلى ذَلِك أَمر الْإِيمَان وَكَذَلِكَ قَالَ

стр. 387

الله سُبْحَانَهُ ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وَقَالَ ﴿ستجدني إِن شَاءَ الله صَابِرًا﴾ فَلم يلْحقهُ وصف الْخلف إِذا كَانَ الْعَهْد مَقْرُونا بالثنيا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق ثمَّ الْعرف الظَّاهِر فِي الْخلق أَنهم لَا يستعملونه فِي مَوضِع الْإِحَاطَة وَالْعلم وَمن سمع ذَلِك استعظم القَوْل نَحْو أَن يشار إِلَى محسوس وَيسْتَثْنى ويستعملونه فِي مَوضِع الشكوك والظنون وَقد حذر الله تَعَالَى بقوله ﴿ثمَّ لم يرتابوا﴾ أَو بِمَا وصف أهل النِّفَاق بِالشَّكِّ والريب لم يجز الثنيا فِي كل مَا لَا يجوز أَظُنهُ وَأَحْسبهُ وأشك فِيهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق ثمَّ إِن الله شهد لمن آمن بِاللَّه وَرَسُوله وَالْيَوْم الآخر بِالْإِيمَان بقوله ﴿آمن الرَّسُول﴾ وَقد مدح بِقطع القَوْل بِهِ بقوله ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه﴾ ثمَّ خَاطب الله فِي كثير من الْعِبَادَات بإسم الْإِيمَان وَفِي كثير من الْحل وَالْحُرْمَة فِي ذَلِك ثمَّ لم يُوجد أحد يخرج فِي شَيْء مِمَّا أحل بإسم الْإِيمَان وَأمر بِهِ ظنا مِنْهُ بِنَفسِهِ أَنه لَيْسَ تَحْقِيق لذَلِك الإسم وَأَن المُرَاد ينْصَرف إِلَى غَيره فَكَذَلِك فِي التسمى ثمَّ الأَصْل فِي ذَلِك أَن الْإِيمَان مِمَّا ينْسب إِلَى الله بالإنعام كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم﴾ وبالإمتنان بقوله ﴿يمن عَلَيْكُم﴾ وبالتزيين فِي الْقُلُوب والتحبيب بقوله ﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ﴾

стр. 388

وبالأفضال قَوْله ﴿فلولا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته﴾ فَلَا يَخْلُو من يسْتَثْنى من أَن يكون عرف صدق نَفسه وعظيم نعم الله وأفضاله أَو لم يعلم ذَلِك أَو علم أَنه على غير ذَلِك فَإِن علم أَنه على غير ذَلِك فبعدا لَهُ فَإِن الثنيا لَا تَنْفَعهُ سوى الإرتياب فِيمَا زعم أَنه لم يُعلمهُ وَإِن لم يعلم صدقه فِيمَا قَالَ وَلَا إمتنان الله وأنعامه فويل لَهُ إِذْ جهل أعظم نعم الله وَكفر بِهِ وَإِن علم ذَلِك فَإِن فِي حرف الشَّك عِنْد السامعين ستر نعم الله وكفران مننه فَذَلِك آيَة الزَّوَال وَسبب المحق وَالله الْمُوفق ثمَّ الأَصْل عندنَا أَن الثنيا حرف يسْتَعْمل فِي مَوضِع التحرج وَهَذَا مَوضِع لَو تحقق الَّذِي لَهُ يتحرج لَا يَنْفَعهُ التحرج بل يلْزمه مقت الله ونقمته وَلَو لم يتَحَقَّق يلْحقهُ حكم كفران نعم الله حَيْثُ لم يره مِنْهُ وَلم يشْكر لَهُ إِذْ أوجب لَهُ ولَايَته وأضاف إِلَى نَفسه الأخراج من الظُّلُمَات إِلَى النُّور وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ الْحق على مَذْهَب الْمُعْتَزلَة والخوارج والحشوية الإستثناء فِي الدّين وبخاصة فِي الْإِيمَان فَأَما عِنْد الْمُعْتَزلَة والخوارج فَإِنَّهُ يخرج من حَيْثُ لَا يشْعر بِهِ وَيمْتَنع عَن الْإِجَابَة من حَيْثُ لَا يعلم بِهِ وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ أبدا فِي جهل من حَاله فحقه أَن يتسمى بِهِ وعَلى ذَلِك لم يسمع أحد سمى نَفسه برا تقيا زكيا طيبا مُطيعًا لله إِذْ هُوَ اسْم لأحد نَوْعي الْخيرَات أَو لَهَا جَمِيعًا فالإيمان عِنْد ذَلِك مَا كَانَ لَهُم التسمى بِهِ دون الثنيا وَكَذَلِكَ الحشوية إِذْ القَوْل عِنْدهم فِي الْإِيمَان وَفِي كل من أَسمَاء الْمَدْح وَاحِد وَلَا يسمون بِغَيْر ذَلِك بِلَا ثنيا وَفِي لُزُوم هُوَ لَا فِي مَذْهَبهم الثنيا ثمَّ الله تَعَالَى قَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ فِي غير مَوضِع باسم مَقْطُوع لم يجز أَن يسْتَحق شَيْئا مِمَّا جرى الْخطاب بِهِ من أَمر وَنهى ووعد ووعيد وترغيب وترهيب

стр. 389

فَيكون عَامَّة آيَات الله فِي الْخطاب خَارِجَة مخرج عَبث إِذْ الْحق من جملَة الْمذَاهب من لَا يلْزمه هَذَا القَوْل بمذهبه قَالَ أَو لم يقل وَالله الْمُوفق فَإِن قَالَ قَائِل فقد ذكر الله الثنيا فِي غير مَوضِع الشَّك فَيجوز الثنيا على ذَلِك ثمَّ قَوْله ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين﴾ قيل هَذَا لَيْسَ لكم لأَنا قد بَينا تَحْقِيق الشَّك على مذهبكم ثمَّ لم يكن الإحتجاج بِخُرُوج عَن مَوضِع الشَّك وَلَو كُنْتُم كَذَلِك إِذْ قد ذكر الله أهل الْيَقِين فِي غير مَوضِع بإسم الْقطع فَقولُوا لَا يتم بِلَا ثنيا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ يُقَال قد ذكر الله تَعَالَى الظَّن وَلَعَلَّ وَعَسَى وَالْخَوْف فِي مَوضِع الْيَقِين فَقولُوا عِنْد السُّؤَال نظن ونخاف وَلَعَلَّ وَمثل ذَا فَإذْ لم يجب هَذَا بِمَا الْعرف فِيهِ عبر وَإِن اعْترض فِي مَوَاضِع لهَذِهِ الأحرف مساغ فِي حق الْيَقِين لَعَلَّك وَكَذَلِكَ أَمر الثنيا ثمَّ يُعَارض لجَمِيع مَا ذكر من الْإِيمَان بِاللَّه وَمُحَمّد مَعَ الثنيا فإيذا كَانَ القَوْل مُمْتَنعا والواصف بِهِ فِي حق من لم يُؤمن قُلُوبهم فَكَذَلِك الأول وَقد روى عَن رَسُول الله ﷺ أَنه سُئِلَ عَن أفضل الْأَعْمَال فَقَالَ إِيمَان لَا شكّ فِيهِ وَجِهَاد لَا غلُول فِيهِ وَحج مبرور فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا﴾ فَإِن قيل مَا الْحِكْمَة فِي قَوْله ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ قيل يخرج هَذَا عندنَا على وُجُوه وَالله أعلم بِحَقِيقَة ذَلِك لكنه خبر أخبر عَن قَول غَيره لم يقل لتدخلن إِن شِئْت وَلَكِن قَالَ إِن شَاءَ الله ليعلم أَنه قَول غَيره ثمَّ احْتمل أَن يكون الله علم رَسُوله أَن يَقُول ذَلِك وَيسْتَثْنى لما هُوَ وعد

стр. 390

وَقد كَانَ قَالَ ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ ولأفعلنا ولتدخلن وَاحِد لكنه أَمر بالثنيا إِن كَانَ وعده لَهُ أَو لَا ليعلم النَّاس حق الْوَعْد كَمَا أمره بالمشورة ليعلم النَّاس خطرها أَو لما كَانَ أضَاف الله إِلَيْهِ الدُّخُول وَقد كَانَ وعد خاصته أَو من بقى مِنْهُم فالثنيا لما خشِي الفناء على بعض المخاطبين أَو كَانَ فِي قَوْله ﴿لقد صدق الله رَسُوله الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ ثمَّ هُوَ يتَوَجَّه وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون رَأْي كَذَلِك قولا مَقْرُونا بالثنيا فَذكر على ذَلِك إِذْ كَانَ رَسُول الله أخبر الْقَوْم بِالدُّخُولِ لوقت لم يبين لَهُ فاستثنى فِي ذَلِك وَذَلِكَ حق فِي كل مَا يرتاب لَا مَا يتقين فِيهِ على مَا ذكرنَا فَمن كَانَ على يَقِين من دينه وَعلم من صدق مِمَّن يعلم حد الْإِيمَان وَأَنه قد أوفاه فَعَلَيهِ أَن يَقُوله شكرا لما أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي ذَلِك تَزْكِيَة لاشتراك الْجَمِيع فِي ذَلِك وَلما أمروا بِهِ وَلما هُوَ مَعْلُوم الْحَد وَلما بِالْيَقِينِ بِهِ يعلم مواقع الْخطاب ودخوله فِيهِ وَلما يعلم أَن الله إِذْ سماهم بِهِ سماهم بِمَا استحقوا ذَلِك مَعَ مَا ألزم الله بِظَاهِر الدّين أحكاما من معاملات الْخلق وأنواع الْحُقُوق مِمَّا يلْزمهُم إِظْهَار ذَلِك للْقِيَام بالحقوق الَّتِي يلْزم النَّاس بهَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعَظِيم
следующие страницы →