Полный текст (399 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
مَسْأَلَة
لَا يجوز إِطْلَاق لفظ الْجِسْم على الله تَعَالَى
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ القَوْل بالجسم يخرج على وَجْهَيْن أَحدهمَا فِي مائية الْجِسْم فِي الشَّاهِد أَنه اسْم ذِي الْجِهَات أَو اسْم مُحْتَمل النهايات أَو اسْم ذِي الأبعاد الثَّلَاثَة فَغير جَائِز القَوْل بِهِ فِي الله سُبْحَانَهُ على تَحْقِيق ذَلِك لما هِيَ أَدِلَّة الْخلق وإمارة الْحَدث إِذْ ذَلِك معنى الْأَجْزَاء وَالْحُدُود الَّتِي هن آيَات الْحَدث وَقد بَينا أَن لَيْسَ كمثله شَيْء وَفِي ذَلِك إِيجَاب جعله كأكثر الْأَشْيَاء
وَإِن كَانَ على التَّسْمِيَة بِهِ بِلَا تَحْقِيق مَا ذكرنَا خرج الإسم عَن الْمَعْرُوف بِهِ فَبَطل تعرف ذَلِك من جِهَة الْعقل والإستدلال وَحقه السّمع عَن الله إِن الْجِسْم لَيْسَ من أَسْمَائِهِ وَلم يرد عَنهُ وَلَا عَن أحد مِمَّن أذن لأحد تَقْلِيده فَالْقَوْل بِهِ لَا يسع وَلَو وسع بالنحت من غير دَلِيل حسي أَو سَمْعِي أَو عَقْلِي لوسع القَوْل بالجسد والشخص وكل ذَلِك مستنكر بِالسَّمْعِ وليسع القَوْل بِكُل مَا يُسمى بِهِ الْخلق وَذَلِكَ فَاسد
وَثَانِيهمَا أَن يكون الْجِسْم لَيست لَهُ مائية تعرف سوى الْإِثْبَات فَيجوز القَوْل بِهِ لَو لم يُرَاد بِهِ غَيره لكنه لَا أحد يَجْعَل الْجِسْم من أَسمَاء الْإِثْبَات إِذْ لَا يُسمى بِهِ الْأَعْرَاض وَالصِّفَات على احتمالهما اسْم الْإِثْبَات لذَلِك بَطل القَوْل بِهِ
стр. 37
فَإِن عورضنا باسم الْفَاعِل أَو الْعَالم وَنَحْو ذَلِك قيل لَهُ جوابان أَحدهمَا أَنا لَو لم نعقل معنى هَذَا لَكَانَ يجوز التَّسْمِيَة بِهِ بِمَا ثَبت فِي السّمع وَلم يثبت فِي الأول لذَلِك اخْتلفَا
وَالثَّانِي أَن معنى الْفَاعِل والعالم كَانَ معقولا فِي الشَّاهِد وَلَيْسَ ذَلِك من أَدِلَّة الْحَدث وَلَا مِمَّا فِي الْمَعْرُوف من مَعْنَاهُ دَلِيله وَقد احْتمل وصف الله بِهِ لذَلِك لزم القَوْل بِهِ على نفي الشّبَه شبه الْخلق عَنهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
فَإِن قيل لم لَا قلت بِأَنَّهُ بِمَا سمى بِهِ فَاعِلا كَانَ جسما وَكَذَلِكَ الْقَادِر والعالم إِذْ لَا أحد فِي الشَّاهِد سمى بِهِ إِلَّا وَهُوَ جسم
قيل لَا سمى بذلك فِي الشَّاهِد لِأَنَّهُ جسم لوجودنا أجساما لَا تسمى بِهِ فَلذَلِك لم يلْزم بِهِ القَوْل على أَنا بَينا الْوُجُوه الَّتِي أحقت التَّسْمِيَة بِمَا سمى من السّمع وَالْعبْرَة ولسنا نجد ذَلِك فِي الَّذِي عَارض بِهِ وَلَو جَازَ لنا ليجوز الآخر أَيْضا أَن يقابلنا بِمثلِهِ فِي الْجَسَد والشخص وَنَحْو ذَلِك مَعَ مَا كَانَ اسْم الْجِسْم غير وَاقع فِي الشَّاهِد على مَا لَا يحْتَمل التجزئة والتبعيض من نَحْو الْعرض وَالْفِعْل وَالْحَرَكَة والسكون ثَبت أَنه اسْم ذِي الْأَجْزَاء كالطويل والعريض والمؤلف وَلَو لم يبطل القَوْل بالمؤلف لما يدل ظَاهره على فعل بِهِ إِذْ لَو بَطل ليبطل القَوْل بموجود بِذَاتِهِ فِي الْأَزَل وَلَو كَانَ كَذَلِك ليجوز القَوْل بطويل وجسد ولون وَطعم وَنَحْو ذَلِك لما لَيْسَ الظَّاهِر إِلَّا ذَلِك فَإِذا لم يجز لما فِي الْحَقِيقَة إِيجَابه وَإِن لم يكن فِي اللَّفْظ دَلِيله فَمثله فِي الْجِسْم وَالله الْمُوفق
يجوز إِطْلَاق لفظ الشَّيْء على الله
فَإِن قيل إِذْ قُلْتُمْ شَيْء لَا كالأشياء لم لَا قُلْتُمْ جسم لَا كالأجسام
стр. 38
قيل لَهُ لِأَن السَّبَب الَّذِي ألزمنا القَوْل بالشَّيْء لم يُوجد فِي الْجِسْم لذَلِك لم نقل
وَبعد فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو فِيمَا يُرِيد إلزامنا من القَوْل بالجسمية من أَن يلْزمنَا بقولنَا بالشَّيْء فَوَجَدنَا أَكثر الْأَشْيَاء وَهِي الْأَعْرَاض وَالصِّفَات من غير لُزُوم القَوْل فِيهَا بالجسمية يمْنَع ذَلِك وَإِن كَانَ يُرِيد بقولنَا لَا كالأشياء فَلَيْسَ هُوَ حرف الْإِثْبَات ليدل على مائية الْمُثبت فَلَا وَجه لهَذَا السُّؤَال وَهُوَ كمن يَقُول إِذْ جَازَ أَن يكون شَيْئا لَا كالأشياء لم لَا جَازَ أَن يكون إنْسَانا لَا كالناس
قَالَ الشَّيْخ ﵀ فجواب مثله أَن يُقَال لِأَنَّهُ لَيْسَ بجسم فَيُقَال جسم لَا كالأجسام وَلَيْسَ هَذَا النَّوْع بمعارضة إِنَّمَا هُوَ محاكمة وَنحن لَا نملك إِيجَاد الْإِلَه حَتَّى نقابل بِمثل هَذَا فَيُقَال لنا إِذْ جعلتم ذَا لم لَا جعلتم ذَا بل يتعالى عَن الْجعل على جِهَة بل يُوصف بِمَا هُوَ عَلَيْهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الْمُعَارضَة عِنْد التَّحْصِيل تنَاقض لِأَنَّهُ قَالَ إِذْ قُلْتُمْ شَيْء لَا كالأشياء لم لَا قُلْتُمْ جسم لَا كالأجسام فَإِذا قُلْنَا جسم يصير قَوْلنَا شَيْء لَا كالأشياء هُوَ شَيْء لَا كبعض الْأَشْيَاء إِذْ الْجِسْم أحد قسمي الْأَشْيَاء وَفِي ذَلِك بطلَان القَوْل بجسم لَا كالأجسام وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ معنى قَوْلنَا شَيْء لَا كالأشياء هُوَ إِسْقَاط مائية الْأَشْيَاء وَهِي نَوْعَانِ عين وَهُوَ جسم وَصفَة وَهِي عرض فَيجب بِهِ إِسْقَاط مائية الْأَعْيَان وَهُوَ الْجِسْم وَالصِّفَات وَهِي الْأَعْرَاض فَإِذا أزلنا ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي هُوَ جسم من الْأَعْيَان أبطلنا الإسم الَّذِي هُوَ لذَلِك الْمَعْنى كَمَا إِذا أزلنا معنى التَّشْبِيه من الْإِثْبَات وَنفى التعطيل أبطلنا القَوْل بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 39
وَلنَا فِي القَوْل بالشَّيْء عباراتان
إِحْدَاهمَا أَن يَجْعَل الشَّيْء اسْما والموافقة فِي الْأَسْمَاء لَا توجب التشابه لما قد يسْتَعْمل فِي مَوضِع نفى الْمُوَافقَة فِي الْمَعْنى نَحْو أَن يُقَال فلَان وَاحِد عصره وَوَاحِد قومه على نفى أَن يكون لَهُ فيهم نَظِير أَو شَبيه من الْوَجْه الَّذِي أُرِيد وَإِن كَانُوا جَمِيعًا فِي تَسْمِيَة الْوَاحِد شُرَكَاء وَلَو كَانَت الْمُوَافقَة فِي الإسم توجب التشابه لَا يحْتَمل اسْتِعْمَاله فِي مَوضِع إِرَادَة نفى الْمُوَافقَة وَكَذَلِكَ نجد قَول كفر وَإِسْلَام على تَحْقِيق الإسم لكل وَاحِد مِنْهَا والموافقة من حَيْثُ القَوْل وَلَكِن الْمَعْنى متناقض وَكَذَا ذَلِك فِي الحركات وَالْأَفْعَال وَنَحْو ذَلِك
وَدَلِيل إِثْبَات القَوْل بالشَّيْء وَجْهَان
أَحدهمَا السّمع من قَوْله ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وَلَو لم يكن هُوَ شَيْئا لم ينف عَنهُ شيئية الْأَشْيَاء باسم الشيئية إِذْ الشَّيْء فِي التَّحْقِيق خلاف مَا لَا يحْتَمل القَوْل بالشَّيْء وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿قل أَي شَيْء أكبر شَهَادَة قل الله شَهِيد﴾ فَلَو لم يكن يَقع عَلَيْهِ اسْم الشَّيْء لَكَانَ لَا يحْتَمل تضمنه ذَلِك القَوْل حَتَّى ينْسب إِلَيْهِ
وَأما الْعقل فَهُوَ أَن الشيئية اسْم الْإِثْبَات لَا غير فِي الْعرف إِذْ القَوْل بِلَا شَيْء نفى إِذا لم يرد بِهِ التصغير فَثَبت أَنه اسْم الْإِثْبَات وَنفى التعطيل فَإِن كَانَ قوم لَا يعْرفُونَ أَن معنى الشَّيْء الْإِثْبَات وَالْخُرُوج من التعطيل يتقى عَن ذَلِك بَينهم كَرَاهَة أَن يعْتَقد قُلُوبهم معنى مَكْرُوها وَيَقُولُونَ بالهستية فَإِنَّهُ أوضح فِي معنى الْإِثْبَات وَإِن كَانَا وَاحِدًا عِنْد أهل الْعلم بِهَذَا اللِّسَان
стр. 40
مَعَ مَا كَانَ القَوْل بِلَا شَيْء يسْتَعْمل فِي نفى الْحَقِيقَة أَو تَصْغِير الثَّابِت فَثَبت أَن القَوْل بالشَّيْء إِنَّمَا هُوَ فِي إِثْبَات الذَّات وتعظيمه وَالله حقيق لذَلِك وَالْقَوْل بِلَا جسم لَا يُوجب وَاحِدًا مِنْهُمَا فَكَذَلِك القَوْل بالجسم لَيْسَ فِيهِ تثبيت وَاحِد مِمَّا يحمد وجوده أَو يعظم لذَلِك اخْتلفَا
وعَلى ذَلِك القَوْل بِلَا عَالم وَلَا قَادر اسْم ينفى العظمة والجلال فَمثله فِي الْعَالم والقادر إِيجَاب الْوَصْف بالعظمة والجلال وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
فَإِنَّهُ فِي الشَّاهِد لَا يفهم من قَول الرجل شَيْء مائية الذَّات وَلَا من قَوْله عَالم وقادر الصّفة وَإِنَّمَا يفهم من الأول الْوُجُود والهستية وَمن الثَّانِي أَنه مَوْصُوف لَا أَن فِيهِ بَيَان مائية الذَّات كَقَوْل الرجل جسم إِنَّه ذكر مائية أَنه ذُو أبعاد أَو ذُو جِهَات أَو مُحْتَمل للنهايات وقابل للأعراض وَكَذَا ذَا فِي الْإِنْسَان وَسَائِر الْأَعْيَان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبعد فَإِن القَوْل بِهَذَا كُله وَاجِب بِمَا ثَبت فِي السّمع التَّسْمِيَة بِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مَنْصُور وَالْأَصْل فِي حرف التَّوْحِيد أَن ابتداءه تَشْبِيه وإنتهاءه تَوْحِيد دفعت إِلَى ذَلِك الضَّرُورَة إِذْ بالمدرك الْمَفْهُوم يسْتَدلّ على مَا قصرت الأفهام من إِدْرَاك مَا عَن الأوهام نَحْو مَا يدْرك ثَوَاب الْآخِرَة وعقابها بلذات الدُّنْيَا والأذيات الَّتِي فِيهَا وَكَذَا وصف الله تَعَالَى بالمدرك من خلقه للدلالة والعبارة فَقيل عَالم وقادر وَنَحْو ذَلِك إِذْ فِي الْإِمْسَاك عَن ذَلِك تَعْطِيل وَفِي تَحْقِيق الْمَعْنى الْمَوْجُود فِي خلقه تَشْبِيه فوصل بِهِ لَا كالعلماء وَنَحْوه ليجعل نفى التَّشْبِيه ضمن الْإِثْبَات فَهَذَا فِيمَا ألزمت ضَرُورَة الْعقل القَوْل بِهِ والسمع جَمِيعًا فَأَما مَا لَا سمع فِيهِ وَلَا فِي الْعقل إحتماله فالتسمية بِهِ جرْأَة عَظِيمَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 41
وَجَوَاب آخر أَن الشَّيْء لَيْسَ باسم لِأَن لكل اسْم خاصيه إِذا ذكرت أعلمت مائية الشَّيْء نَحْو أَن يُقَال مَا الْجِسْم فَنَقُول مَا لَهُ أبعاد ثَلَاثَة وَمَا الْإِنْسَان فنذكره حَده الْمَعْرُوف فِي الشَّاهِد من الْحَيّ النَّاطِق الْمَيِّت أَي الْمُحْتَمل لذَلِك وَكَذَلِكَ كل جَوْهَر لَهُ حد يذكر باسم الخاصية لَهُ وعَلى ذَلِك عَالم قَادر لَا يذكر خاصيته بِحرف يحد ذَاته أَو يعلم مائيته إِنَّمَا يذكر ارْتِفَاع الْجفَاء عَنهُ وَتَأْتِي الْأَشْيَاء لَهُ وَلَا تذكر مائية ذَاته فَجَائِز القَوْل بذلك وَلَيْسَ فِي ذَلِك حرف التَّشْبِيه فِي مائية الذَّات فخشي أَن يفهم غيرية الْعلم وَالْقُدْرَة كَمَا هما فِي الشَّاهِد فَقيل لَا كَغَيْرِهِ مِمَّن ذكر ليعلم أَنه بِذَاتِهِ عَالم لَا بِغَيْرِهِ قَادر وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَسُئِلَ وَاحِد عَن معنى الْوَاحِد قَالَ ينْصَرف على أَرْبَعَة كل لَا يحْتَمل التَّضْعِيف وجزء لَا يحْتَمل التنصيف وَالَّذِي بَينهمَا يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ كارتفاعه عَمَّا لَا يتنصف وانحطاطه عَمَّا لَا يتضعف إِذْ لاشيء وَرَاء الْكل وَالرَّابِع هُوَ الَّذِي قَامَ بِهِ الثَّلَاثَة هُوَ وَلَا هُوَ هُوَ أخْفى من هُوَ وَالَّذِي انخرس عَنهُ اللِّسَان وَانْقطع دونه الْبَيَان وانحسرت عَنهُ الأوهام وحارت فِيهِ الأفهام فَذَلِك الله رب الْعَالمين
وَمن أحب أَن يَقُول فِي الله بالجسم على التحقق مِمَّا بَينا من مَعَاني الْأَجْسَام الَّتِي هِيَ مَحل الْأَعْرَاض المحتملة للنهايات وَنَحْو ذَلِك يجب أَن يكلم فِي مَعَاني خلق الْأَجْسَام الْمُشَاهدَة إِن أمكن تثبيته من كل جِهَة من جهاته من حَيْثُ تِلْكَ الْجِهَة فَالْقَوْل بِهِ فِي الله محَال فَاسد لِأَنَّهُ وصف لَهُ بِمَا قَامَ دَلِيل حَدثهُ وَإِن كَانَ لَا يتهيأ إِيجَابه فحقه التَّسْمِيَة وَإِن ثَبت قيل بِهِ وَإِلَّا لَا وَلَا وَقُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 42
مَسْأَلَة
فِي صفة الله تَعَالَى
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ الْوَصْف لله بِأَنَّهُ قَادر عَالم حَيّ كريم جواد وَالتَّسْمِيَة بهَا حق من السّمع وَالْعقل جَمِيعًا فالسمع مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن وَسَائِر كتب الله وسمى بِالَّذِي ذكرت الرُّسُل وَالْخَلَائِق كل مِنْهُم إِلَّا أَن قوما وجهوا تِلْكَ الْأَسْمَاء إِلَى غَيره ظنا مِنْهُم أَن فِي إِثْبَات الإسم تشابها بَينه وَبَين كل مُسَمّى وَلَو كَانَ بِهِ ذَلِك لَكَانَ بنفى التعطيل ذَلِك وبنفيه أَيْضا تشابه بَينه وَبَين مَا لَا يدْخل تَحت إسم وَهُوَ مَا لَيْسَ كَذَلِك وَلَكِن قد بَينا بعد التشابه لموافقة الإسم فَهُوَ مُسَمّى بِمَا سمى بِهِ نَفسه مَوْصُوف بِمَا وصف بِهِ نَفسه
وَالْعقل يُوجب ذَلِك لِأَن الله سُبْحَانَهُ إِذْ ثَبت عَنهُ مُخْتَلف الْخلق بجوهره وَصِفَاته دلّ أَن فعله لَيْسَ بِفعل الطباع بل هُوَ فعل الإختيار
وَأَيْضًا أَن اتساق الْفِعْل المتوالي بِلَا فَسَاد يظْهر وَلَا خُرُوج عَن طَرِيق الْحِكْمَة يثبت كَون الْمَفْعُول بالإختيار من الْفَاعِل فَثَبت أَن الْخلق كَانَ بِفِعْلِهِ حَقِيقَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَن الله تَعَالَى إِذْ أنشأ شَيْء ثمَّ أفناه وَفِيه أَيْضا مَا قد أَعَادَهُ نَحْو اللَّيْل وَالنَّهَار ثَبت أَن فعله بالإختيار إِذْ تحقق بِهِ صَلَاح مَا قد أفْسدهُ وإعادة مَا قد أفناه وإيجاد الْمَعْدُوم وإعدام الْمَوْجُود فَثَبت أَن طَرِيق ذَلِك الإختيار إِذْ من كَانَ الَّذِي مِنْهُ يكون بالطبع لَا يجِئ مِنْهُ نفى مَا يُوجد وإيجاد مَا يعدمه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 43
وَأَيْضًا إِنَّا قد بَينا حدث الْعَالم لَا من شَيْء وَذَلِكَ نوع مَا لَا يبلغهُ إِلَّا فعل من هُوَ فِي غَايَة معنى الإختيار وَمَا يكون بالطبع فحقه الإضطرار ومحال أَن يكون من يبلغ شَأْنه إِلَى إنْشَاء الْأَشْيَاء لَا من شَيْء ثمَّ يكون ذَلِك بالطبع مَعَ مَا كَانَ وُقُوع الشَّيْء بالطبع هُوَ تَحت قهر آخر وَجعله بِحَيْثُ يسْقط عَنهُ الْإِمْكَان وَذَلِكَ آيَة الْحَدث وأمارة الضعْف جلّ رَبنَا عَن ذَلِك وَتَعَالَى مَعَ مَا جرى التعارف المتوارث من الْخلق بالدعوات والتضرع إِلَى الله تَعَالَى بالفرج وَأَنه قهر كَذَا وَنصر كَذَا وأعان فلَانا وخذل فلَانا وَأَن كل ذِي قُوَّة يفعل بِقُوَّة أَنْشَأَهَا وَلَا ينَال شَيْء من ذَلِك بالمضطر وَلَا يرغب فِيهِ دلّ ذَلِك على أَن الْعَالم بإختياره
فَإِذا ثَبت الإختيار ثبتَتْ لَهُ الْقُدْرَة على الْخلق والإرادة لكَونه على مَا هُوَ عَلَيْهِ لِأَن من لَا قدرَة لَهُ يخرج الَّذِي يكون مِنْهُ مضطربا فَاسِدا وَلَا يملك الشَّيْء وضده فَثَبت أَن مَا كَانَ مِنْهُ بقدرة كَانَ وإختيار وَذَلِكَ أَمَارَات الْفِعْل الْحَقِيقِيَّة فِي الشَّاهِد الَّذِي هُوَ أصل للْعلم بالغائب وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وعَلى مَا ذكرنَا من تواصل الْفِعْل أَعنِي الْوَاقِع بِهِ بِالْفِعْلِ وتتابع محكما متقنا هُوَ الدَّلِيل أَنه كَانَ فعله على الْعلم بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَأَيْضًا أَنه إِذْ خرج كل الْجَوَاهِر الَّتِي لَا يمْتَحن فِي مصَالح الممتحنين وَخلق كل شَيْء أُرِيد بِهِ الْبَقَاء مَعَ خلق مَا بِهِ بَقَاؤُهُ علم أَنه كَانَ بِمن يعلم كَيْفيَّة كل شَيْء وَحَاجته وَمَا بِهِ القوام والمعاش وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَن الله سُبْحَانَهُ خلق الْخلق خلقا دلّ على حَدثهُ وعَلى أَن لَهُ مُحدثا وعَلى وحدانية محدثه فلولا أَن علم بالخلق يعلم أَنه إِذا خلق على مَا خلق كَانَ فِيهِ دَلِيل الْعلم بِهِ وبخلقه لَا يحْتَمل أَن يخرج على ذَلِك خلقه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 44
وعَلى ذَلِك مجئ الرُّسُل بِالْأَمر الَّذِي لَو اتبعُوا وَعمِلُوا بِمَا جَاءُوا بِهِ مَا احْتمل الْخلاف وَلَا التَّفْرِيق وَلَا الْفساد لَوْلَا علمه أمكنة مُتَفَرِّقَة
كَذَلِك قَول من قَالَ كَانَ الله وَلَا خلق ثمَّ كَانَ الْخلق بِلَا تكوين هُوَ غير الْخلق كَقَوْل من ذكر بِلَا غير الْمُضَاف إِلَيْهِ الْعَالم وَالله الْمُوفق
على أَن قَوْله قَول من نسب إِلَى الطبائع والأغذية أَحَق إِذْ فِي ذَلِك إِثْبَات أَمر كَانَ بِهِ غَيرهَا من قَول من يَجْعَل الْخلق لله بعد أَن لم يكن بِلَا شَيْء من الله سوى كَون الْخلق فَيكون للنسبة مِنْهُم تَحْقِيق وَلَيْسَ من هَؤُلَاءِ تَحْقِيق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَكَذَلِكَ لَا يُوجد فِي الشَّاهِد قَادر غير مَمْنُوع لَا فعل لَهُ وقادر على الْكَلَام لَا كَلَام لَهُ وَالشَّاهِد هُوَ دَلِيل الْغَائِب فَلَزِمَ ذَلِك فِيهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
مَعَ مَا قد يُوصف الْخلق بِالْفَسَادِ وَالشَّر والقبح وَالسوء فَلَو كَانَ لذاته فعل الله لَكَانَ بذلك كُله مَوْصُوفا مُسَمّى فَيُقَال مُفسد شرير قَبِيح الْفِعْل سيء الْعَمَل فَإِذا كَانَ الْوَصْف بِهَذَا وَالتَّسْمِيَة كفرا ثَبت أَن الَّذِي سمى بِهِ وَوصف هُوَ غير هَذَا وَبِاللَّهِ النجَاة على ذَلِك الولاد وَالطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة وَالْكَسْب لَو كَانَ فِي الْحَقِيقَة لَهُ لسمى بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَن الله تَعَالَى إِذْ لم يجز مِنْهُ الْفِعْل فِي الأَصْل ثمَّ جَازَ فإمَّا أَن يكون لَا يجوز لنَفسِهِ فَيجب أَن يكون كَذَلِك أبدا أَو لغيره وَهُوَ الَّذِي عَنهُ السُّؤَال وَإِذ ثَبت أَنه لَا لنَفسِهِ يجوز غير فَاعل فَهُوَ لنَفسِهِ فَاعل وَالله الْمُوفق
وَقَالَ بعض من يزْعم أَن الْخلق هُوَ فعل الله فِي الْحَقِيقَة إِنَّه كَالصَّلَاةِ وَهِي فعل فِي الْحَقِيقَة
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَذَلِكَ وهم إِذْ ذَلِك اسْم هُوَ اسْم لفعله فِي الْحَقِيقَة ثمَّ لم يدل على أَن الْخلق هُوَ فِي الْحَقِيقَة فعله ليسلم لَهُ على أَنا قد بَينا من حق التَّسْمِيَة بِهِ مَا يبين إِحَالَة ذَلِك
стр. 45
فَإِن قيل إِذْ وصف الله بالتكوين فِي الْأَزَل لم لَا كَانَ المكون قيل لما كَون ليَكُون الْأَشْيَاء على مَا تكون وَذَلِكَ نَحْو القَوْل بِالْقُدْرَةِ على الْأَشْيَاء والإرادة لَهَا وَالْعلم بهَا ليَكُون كل شَيْء فِي وقته وَالْحَدَث على الَّذِي يكون لَا على الْعلم بِهِ وَإِن كَانَ الَّذِي يكون من بعد فِي حد الْكَائِن من غير تغير الْعلم بِهِ وَالْقُدْرَة عَلَيْهِ
وَالْأَصْل أَن الله تَعَالَى إِذا أطلق الْوَصْف لَهُ وصف بِمَا يُوصف من الْفِعْل وَالْعلم وَنَحْوه يلْزم الْوَصْف بِهِ فِي الْأَزَل وَإِذا ذكر مَعَه الَّذِي هُوَ تَحت وَصفه بِهِ من الْمَعْلُوم والمقدور عَلَيْهِ وَالْمرَاد والمكون يذكر فِيهِ أَوْقَات تِلْكَ الْأَشْيَاء لِئَلَّا يتَوَهَّم قدم تِلْكَ الْأَشْيَاء وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
دَلِيل الأول مَا سبق لَهُ الْوَصْف وَدَلِيل الثَّانِي أَنه إِذا لم يذكر وَقت الْمَفْعُول بِهِ يُومِئ قدم الْمَفْعُول أَو الْجَهْل بِهِ فِي غير وقته وَكَذَلِكَ الْعَجز لِأَنَّهُ إِذا قيل هُوَ مكون للساعة يُومِئ أَنه كَون ليَكُون فِي هَذِه السَّاعَة وَكَذَلِكَ الْعلم بِهِ وَالْقُدْرَة عَلَيْهِ والإرادة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ولفعل الْقِيَامَة والفناء معنى آخر إِن السَّائِل عَنْهَا إِن أَرَادَ أَنه يفعل السَّاعَة لَا يَخْلُو من أَن يُرِيد جعل هَذِه السَّاعَة وقتا للقيامة أَو لتكوين الله الْقِيَامَة فَالْأول محَال لما لَيست كَذَلِك وَالثَّانِي فَاسد لما فِيهِ جعل الْوَقْت للتكوين وَذَلِكَ أَمارَة الْحَدث
فَإِن قيل فِي التكوين وَلَا مكون إِثْبَات الْعَجز
قيل إِنَّمَا يكون ذَلِك لَو كَانَ التكوين ليَكُون لوقت فَلم يكن وَكَذَلِكَ فِي الْإِرَادَة وَالْعلم بِهِ إِذا لم يكن جهل وإضطرار فَأَما ليَكُون للْوَقْت الَّذِي يكون فِيهِ فَلَا على مَا بَينا من الْعلم وعَلى ذَلِك السّمع وَالْبَصَر وَالْكَرم والجود إِنَّه مَوْصُوف بهَا فِي الْأَزَل وَإِن كَانَ مَا يسمع ويبصر وَمَا ذكر حَادث وعَلى ذَلِك جرى الْحُدُوث وَلَا بُد من ذكر الْوَقْت للمسموع عِنْد ذكر الْأَمريْنِ فَمثله الأول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 46
وَالْأَصْل أَن الَّذِي لَا يعدو الْوَاقِع بِفِعْلِهِ وَقت الْوَصْف لَهُ بِالْفِعْلِ وصف عجز وَالَّذِي يعدوه وَيَقَع عِنْده وصف قدرَة كمن يكون مِنْهُ فعل الشَّيْء وضده المتمكن مِنْهُ أَنه أتم من جِهَة فعله وَكَذَلِكَ من لَا يعدو (و) فعله حيزه هُوَ دون من يَقع فعله فِي كل حيّز كَذَلِك وصف الله بِالَّذِي ذكرت إِذْ هُوَ وصف التَّمام مَعَ مَا لَا يَقع فعل العَبْد لغير وقته لِأَنَّهُ عَن شغله بِالْفِعْلِ يكون وبالآلات وَالله سُبْحَانَهُ بِنَفسِهِ يفعل وَذَلِكَ كَمَا علم سُبْحَانَهُ بِذَاتِهِ وَقدر بِذَاتِهِ وكل من سواهُ بِغَيْر الَّذِي (ذكرت) لَوْلَا ذَلِك لما قَامَ بِهِ فعل واللله هُوَ ينشيء من لَا شَيْء لذَلِك بَطل التَّقْدِير بِالَّذِي قَالُوا
وعَلى مثل مَا ذكرت أَمر الْقُدْرَة والإرادة وَجَمِيع مَا بَينا
وَدَلِيل آخر أَنه يُوجد من العَبْد الْفِعْل الْمُتَوَلد يَقع الْفَرَاغ بعده بأوقات كالرمى والجنايات يسْتَحق اسْم الْقَاتِل والجاني والمصيب بعد انْقِضَاء حَقِيقَة فعله فَمثله مُسْتَقِيم من الله وَإِن كَانَ لَا يُوصف فعله بالطباع والتولد لما أَن خُرُوج أحد الْوَجْهَيْنِ فِي الشَّاهِد لم يمْنَع من تَحْقِيق الْفِعْل فَمثله فِي الْغَائِب وَإِن لم يكن من ذَلِك الْوَجْه على مَا بَينا من إِثْبَات شَيْء لَيْسَ بجسم على جَوَاز القَوْل فِي الله بالشَّيْء وَإِن لم يكن عرضا وكل شَيْء فِي الشَّاهِد غير جسم فَهُوَ عرض بِحَق الْوُجُود لَا أَن ذَلِك اسْمه فَمثله الأول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا إِن الَّذِي قَالُوا أَمارَة الْعَجز إِذْ لَا يقدر العَبْد على مَا لَا يتَحَقَّق مَفْعُوله مَعَه كَمَا لَا يقدر عَلَيْهِ دون اسْتِعْمَال نَفسه بِالتَّحْرِيكِ والتسكين وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 47
وَبعد فَإِنَّهُ لَا أحد أَبى القَوْل بِأَنَّهُ مَأْمُور منهى فِي وقته من غير مجئ أَمر فِي هَذَا الْوَقْت وَكَذَلِكَ الْوَعْد والوعيد فَيصير بالمنزل على رَسُول الله ﷺ هُوَ للْحَال مَأْمُورا مَنْهِيّا مَا يُنكر أَن يكون للْحَال كَائِنا بالتكوين فِي الْأَزَل وَكَذَلِكَ الله سُبْحَانَهُ يُوصف بِكُل كَائِن أَنه عَالم بِهِ كَائِنا وَإِن كَانَ يُوصف من قبل بِعِلْمِهِ والكون وَالْحَدَث كُله على الْكَائِن دونه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
على أَن معنى التكوين وَإِن كَانَ لَا يبلغهُ فهم الْبشر لأمكن الْأَدَاء بأيسر قَول يحْتَملهُ من القَوْل ب كن كل شَيْء على مَا علم أَنه يكون فَيكون بِهِ مكونا كل شَيْء على مَا عَلَيْهِ كَونه فِي وَقت كَونه من غير تكْرَار وَفِيه يدْخل الْأَمر كُله والنهى والوعد والوعيد وَيصير إِخْبَارًا عَن كَائِن وَعَما يكون على اخْتِلَاف أَحْوَال الكائنات بأوقاتها وأمكنتها أبدا لَكِن وسع الْخلق لَا يحْتَمل دَرك التكوين الَّذِي لَا يشغل وَلَا يتعب وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَهَذَا بَاب لَو استقصى فِيهِ لشغل عَن بُلُوغ النِّهَايَة عَن الْمَقْصُود وَنَرْجُو أَن يكون فِيمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ مقنع لذى اللب والفهم
مَسْأَلَة
آراء الكعبي فِي صِفَات الذَّات وصفات الْفِعْل وَالرَّدّ عَلَيْهَا
وَنَذْكُر بعض مَا ذكر الكعبي لِتَعْلَمُوا مبلغه فِي معرفَة الله وَالْعلم بِهِ فَيكون فِي ذَلِك الْإِحَاطَة بمبلغ مَذْهَب الإعتزال إِذْ هُوَ عِنْدهم إِمَام أهل الأَرْض وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 48
قَالَ مَا احْتمل اخْتِلَاف الْحَال والشخص فَهُوَ صفة الْفِعْل نَحْو القَوْل يرْزق فلَانا وَيرْحَم فِي حَال وَلَا يرحم فِي حَال وَكَذَلِكَ الْكَلَام وَمثله فِي الْأَشْخَاص وَمثله فِي الْقُدْرَة وَالْعلم والحياة لَا يحْتَمل فَهُوَ صفة الذَّات
وَقَالَ كل مَا يَقع عَلَيْهِ الْقُدْرَة فَهُوَ صفة الْفِعْل نَحْو الرَّحْمَة وَالْكَلَام وَمَا لَا يَقع عَلَيْهِ فَهُوَ صفة الذَّات نَحْو أَن لَا يُقَال أيقدر أَن يعلم أَو لَا ثمَّ يسْأَل عَن صفة الذَّات أَنه لم لَا يجب الْوَصْف بضده قَالَ لِأَنَّهُ يرجع إِلَى ذَاته وذاته غير مُخْتَلف وَذَلِكَ يُوجب الإختلاف ثمَّ قَالَ وَإِذا كَانَ ذَاته غير مُخْتَلف لم يجز الإختلاف ثمَّ مَا بقيت نَفسه كالشيء الَّذِي يجب لعِلَّة يَدُوم بدوامها
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَمن قَوْله أَن لَيْسَ لله فِي الْحَقِيقَة صفة وَإِنَّمَا هُوَ وصف الواصف لَهُ أَو تَسْمِيَة الْمُسَمّى وَقد وجد الْأَمْرَانِ جَمِيعًا فِي وصف الواصفين أَنى وصفوه بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة وَالْفِعْل على غير اخْتِلَاف من حَيْثُ الْوَصْف ثمَّ سمى هُوَ فِي الْحَقِيقَة عَالما خَالِقًا قَادِرًا فِي التَّحْقِيق فَلَا وَجه لتعريفه من حَيْثُ وصف إِذْ حقيقتهما ترجع إِلَى مَا فِيهِ الْوِفَاق
ثمَّ قد يُقَال سمع دُعَاء فلَان وَلم يسمع دُعَاء فلَان وَيَقُول الرجل مَا علم الله ذَلِك مني وَيَقُول علم مني فِي وَقت كَذَا وَلم يعلم مني فِي وَقت كَذَا ثمَّ لم يجب بِهِ أَن السّمع وَالْعلم لَا يكونَانِ من صِفَات الذَّات فَمَا منع كَذَلِك فِي التكليم وَالرَّحْمَة
فَإِن قَالَ يُرِيد نفى الْمَعْلُوم والمسموع
قيل لَهُ كَذَلِك فِي الأول يُرِيد نفى فِرْعَوْن من بره وإكرامه بِذكر نفى الْكَلَام وَهُوَ شَيْء يُرِيد بِهِ بره وَذَلِكَ مَعْرُوف مِمَّا بشر الْمُؤمنِينَ بالْكلَام وأيأس الْكفَّار وَذَلِكَ عندنَا على ذَلِك
стр. 49
وَبعد فَإِن الْمَسْأَلَة سَاقِطَة لِأَنَّهُ علق الحكم بِجَوَاز القَوْل وَقد بَينا الْمَسْأَلَة قد عرفنَا بِمَا سبق أَن لَا يجوز أَن يُوصف الله بحادث وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز الْوَصْف بمصلح ومفسد وَخير وشرير وَذَلِكَ بَاطِل فَثَبت أَنه لَا بِمَا ظن وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَن كل غير الصَّوْت لَا يتَكَلَّم فِيهِ بتسميع وَجَائِز أَن يتَكَلَّم فِيهِ بِعلم ثمَّ لم يجب التَّفْرِيق بَينهمَا بالإختلاف فِي حرف الْإِثْبَات وَلم يُوجب فِي ذَاته إختلافا فَمَا منع كَذَلِك فِي حق النفى وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَنه لَا يجوز وصفى الله تَعَالَى بنفى الْعدْل ثمَّ لم يقل هُوَ صفة الذَّات عِنْدهم ثَبت أَن تَقْدِيره فَاسد
ثمَّ يُقَال لَهُ تعنى بِصفة الْفِعْل الْفِعْل نَفسه وَهُوَ الْخلق أهوَ عنْدك فعل أَو غَيره
فَإِن قَالَ الْخلق قيل لم قلت إِن الْخلق صفة وَهُوَ صفة من إِذْ لَا صفة إِلَّا لموصوف
فَإِن قَالَ هُوَ صفة الله أعظم القَوْل بِأَن يَجْعَل الْخلق لله صفة والخلق فَسَاد وقبيح وضرورة وَعجز وأنجاس وخبائث وكل بِصفتِهِ مَوْصُوف وَهَذِه الْأَوْصَاف مِمَّا يَأْبَى كل من لَهُ عقل أَن يُوصف بهَا فَكيف يُوصف بهَا الله
وَإِن قَالَ غير الْخلق لزمَه القَوْل أَن المُرَاد أَن صفته هِيَ فعل وَقد بَينا ذَلِك تَعَالَى الله عَن الْوَصْف بخلقه فَثَبت أَن صفته الَّتِي هِيَ الْفِعْل هِيَ صفة ذَاته
стр. 50
وَكَذَلِكَ يُقَال الله خَالق رَحْمَن رَحِيم فَإِنَّمَا سمى بِهِ ذَاته فَمثله صفة الْفِعْل أَي الْفِعْل وتوصف بِهِ ذَاته وَذَلِكَ كَمَا يُقَال كَلَام حِكْمَة وَصدق وَكذب على أَنه كَذَلِك وَهُوَ صفة لصَاحبه فَمثله يُضَاف إِلَى الله
وَبعد فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ قَوْلك رَحْمَة ومغفرة صفة للْفِعْل ولعنة وَشتم أَيْضا عنْدك صفة الْفِعْل فَمَا الْفِعْل الَّذِي سمى رَحْمَة ولعنة حَتَّى يُوصف الله بِهِ
فَإِن قَالَ جنَّة ونار وَقبُول ورد وَنَحْو ذَلِك بَطل قَوْله فِي الْمسَائِل الَّتِي ذكر فِي الْأَصْلَح وَالتَّعْدِيل والتجوير إِن الله رَحِيم لَا يفعل بعباده ذَلِك وكل ذَلِك مِمَّا فعل بعباده وَإِن أثبت معنى سوى ذَلِك فصارا غير خلقه بهما يُوصف على أَن قَوْله يشْتم كَلَام قَبِيح لَا يُوصف الله بِهِ
ثمَّ يُقَال لَهُ لم اعْتبرت بِالَّذِي ذكرت فِي صفة الذَّات وَالْفِعْل وَقد رَأَيْت صِفَات الذَّات مُخْتَلفَة فِي الإستعمال من وَجه الْإِثْبَات نَحْو أَن يُقَال بِالْعلمِ فِي أَشْيَاء لَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ فِيهَا وبالقدرة على أَشْيَاء لَا يُوصف بِالسَّمْعِ فِيهَا وبالرؤية فِي أَشْيَاء لَا يُوصف بِالْكَرمِ فِيهَا وبالجود وبالحكمة فِي أَشْيَاء لَا يُوصف بِالسَّمْعِ لَهَا وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يكثر الإختلاف بِهِ لم يجب بهَا الْفرق بل هُوَ الْمَوْصُوف بهَا فِي الْأَزَل لم لَا قلت كَذَلِك فِي جَمِيع مَا يُوصف بِهِ إِذْ هُوَ يتعالى عَن الإستحالة وَالْفساد إنَّهُمَا آيتان للْحَدَث أمارتان للكون بعد أَن لم يكن
وَأَيْضًا يُقَال لَهُ رَأَيْت الْخلق أقساما يُسمى الله عنْدك بِبَعْض الْخلق وَلَا يُسمى بِبَعْض ثمَّ لم يدل على اخْتِلَاف فِي حق الصّفة مَا منع كَذَلِك فِي أَمر الصِّفَات وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ قَوْله مَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ من صِفَات الذَّات فَهُوَ عِنْد خَصمه لَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على شَيْء من صِفَاته إِلَّا على مجَاز اللُّغَة من إِرَادَة الْمَفْعُول فِي ذَلِك كَمَا يُسمى مَا يفعل بِالْأَمر أمرا وَنَحْو ذَلِك
стр. 51
وَبعد فَإنَّا قد بَينا اخْتِلَاف أَحْوَال الصِّفَات فِي التوسيع والتضييق فِي أَشْيَاء على الإتفاق فِي أَنَّهَا صِفَات الذَّات فلنقل فِيمَا ذكر كَذَلِك
ثمَّ من مذْهبه أَن الله تَعَالَى كَانَ غير خَالق وَلَا رَحْمَن وَقدر على أَن يَجْعَل ذَاته خَالِقًا رحمانا وَيجوز أَن نعْبد الرَّحْمَن الْخَالِق فَيكون على قَوْله قدر على أَن يَجْعَل لِلْخلقِ معبودا وَذَلِكَ اسْم تقع عَلَيْهِ الْقُدْرَة فَيصير فِي الْحَقِيقَة يعبد غير الله وَهُوَ أَيْضا من وَجه هَذِه الْأَسْمَاء مُحدث من حَيْثُ كَانَت مِمَّا تقع عَلَيْهِ الْقُدْرَة
ثمَّ يُقَال لَهُ أيقدر الله أَن لايخلق الْخلق
فَإِن قَالَ لَا صيره خَالِقًا بِالضَّرُورَةِ أَو بِنَفسِهِ وَبَطل قَوْله وَإِن قَالَ يقدر فَيلْزمهُ أَن يَجْعَل غير الْمَخْلُوق خلقا بِوُقُوع الْقُدْرَة عَلَيْهِ وَفِي ذَلِك إِثْبَات قدم الْخلق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَاحْتج فِي حدث الْكَلَام بِذكر الْإِتْيَان والمجئ وَهُوَ من ذَلِك الْوَجْه مُحدث وَقد بَينا أَن الله تَعَالَى إِذْ وصف بالْكلَام على تعاليه عَن إحتمال التَّغَيُّر والزوال فَمثله فِي صفة الْكَلَام وَالْفِعْل وَمَا ذكرت
على أَن الله قد أضَاف المجئ إِلَى نَفسه ثمَّ لم يجب أَنه حدث بل صرف إِلَى الْوَجْه الَّذِي يحِق بالربوبية فَمثله الأول
وَكَذَلِكَ وَجب صرف الْإِتْيَان إِلَى الْوَجْه الَّذِي يحِق بالربوبية لَا إِلَى مَا عرف بِهِ الْخلق من التَّغَيُّر والزوال فَمثله فِي حَقِيقَة الْفِعْل وَالْكَلَام على مَا قَالَ إِبْرَاهِيم ﴿لَا أحب الآفلين﴾ وَمن يكون على حَال ثمَّ على أُخْرَى فَهُوَ من الآفلين بالتحقيق وَالله أعلم
стр. 52
وَاحْتج بِمَا يحفظ وَقد يحفظ الله وَقد يكون ذَلِك على حفظ حُدُوده وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْكَلَام وَمَا يُضَاف إِلَى الله من الْكَلَام بَين الْخلق فَهُوَ مجَاز على الْمُوَافقَة بِمَا يعرف بِهِ الْكَلَام الَّذِي هُوَ صفته وَذَلِكَ كَمَا ذكرنَا من المجئ وَغَيره والعهد وَنصر الرب وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يُحَقّق ذَلِك الْمَعْنى لذاته فَمثله الْقُرْآن
وَقد احْتج بأنواع هُوَ من ذَلِك الْوَجْه مُحدث مَخْلُوق من النّسخ والسور والآيات وَنَحْو ذَلِك وَمن ذَلِك الْوَجْه لَا يُوصف الله بِهِ ثمَّ رَجَعَ إِلَى أَنه لَو قيل هُوَ صفة الذَّات كَالْعلمِ فَزعم أَنه لَا يَقُول لَهُ علم فِي الْحَقِيقَة
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ وَمَا قَالَه فَاسد لِأَنَّهُ عورض بقوله صفة الذَّات فَلْيقل بِهِ كَمَا قلت فِي الْعَالم بِلَا حَقِيقَة وَكَذَا السّمع وَنَحْوه وَنحن قد بَينا بِحَمْد الله مَا يكفى ذَا الْعقل دونه
ثمَّ عَارض الْكَلَام بِالْفِعْلِ وَلَا فرق بَينهمَا عِنْد خَصمه ثمَّ عَارض بِمَا لَا يَخْلُو فِي الشَّاهِد من يجوز مِنْهُ الْكَلَام يجوز مِنْهُ خرس أَو سكُوت وَقد أَخطَأ فِي السُّؤَال إِنَّمَا هُوَ من عجز أَو سكُوت وعارض بِالْفِعْلِ وَهُوَ كَذَلِك عِنْد الْخصم مَعَ مَا ذكر فِيهِ الْفِعْل وَالتّرْك وَمَا التّرْك إِلَّا الْفِعْل لَكِن الْحيرَة تعْمل بِهِ مَا ذكر ثمَّ عَارض بِالصَّبِيِّ أَنه لَيْسَ بأخرس وَقد بَينا أَنه يعجز عَن ذَلِك مَعَ مَا كَانَ من عظم الْجُزْئِيَّة أَن لَا يجد لنَفسِهِ مثلا يعرف بِهِ الرب إِلَّا الصّبيان والمجانين وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأجَاب لما عورض بِمَا لَا يَخْلُو الْقَادِر مِمَّا لَهُ الْقُدْرَة من فعل وَكَلَام بِهِ فِي
стр. 53
حَال حُدُوث الْقُدْرَة من فعل وَذَلِكَ جهل الْمُعْتَزلَة جعله دَلِيلا فبورك لَهُ فِي توحيده الَّذِي ذَلِك دَلِيله
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن الْوَصْف بالْكلَام وَالْعلم وَالْفِعْل الْحَمد عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ وصف بِالْبَرَاءَةِ من الْآفَات والتعالى عَن الْعُيُوب وَهُوَ كَذَلِك فِي الْأَزَل مَعَ مَا لَو كَانَ بِغَيْرِهِ خَالِقًا رحمانا متكلما يجوز أَن يصير لَا كَذَلِك وَالْقَوْل بيا من لَيْسَ برحمن وَلَا رَحِيم وَلَا خَالق قَول ذمّ وإلحاق بِغَيْرِهِ من الْخَلَائق ثَبت أَنه بِذَاتِهِ رَحْمَن رَحِيم خَالق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَنه لَو كَانَ يُسمى بِمَا يحل فِي غَيره ليجب أَن يُسمى بِكُل شَيْء يحل فِي غَيره مَعَ مَا لَو جَازَ ذَلِك لجَاز أَن يكون أحد يحْتَمل مثله فِي الشَّاهِد وَفِي امْتنَاع ذَلِك فِي مُحْتَمل التَّغَيُّر وصف لَهُ بالعلو عَن ذَلِك وَالله الْمُوفق
ثمَّ قَالَ يُرِيد بِصِفَات أَن لَا يثبت ثمَّة غير وَلم يرد أَنَّهَا ذَاته بل كل صفة لقديم أَو حَدِيث فَهِيَ غَيره وَهِي قَول أَو كتاب وصفات الله هِيَ قَوْلنَا الَّذِي نصفه أَو قَوْله وَكتابه وهما محدثان
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵁ ذكرت جملَة قَوْله الَّذِي بِهِ ختم مَسْأَلته لِتَعْلَمُوا مبلغ علمه بِاللَّه ثمَّ بِالصِّفَاتِ مرّة قَالَ لَا يثبت ثمَّة غير وَلَا يُرِيد أَنَّهَا هُوَ فَإِذا لم يرد بِالصِّفَاتِ هُوَ وَلَا غَيره أما يعلم أَنه قَول أهل الْإِثْبَات ثمَّ قَالَ هُوَ قَوْلنَا فقولنا هِيَ لَيست غَيره حَتَّى نقُول لَيْسَ ثمَّة غير ثمَّ ذكر أَن صِفَات الله هِيَ مَا ذكر وَقَالَ هِيَ صِفَات الذَّات فَإِذا مَا ذكر هِيَ صِفَات الذَّات وَهُوَ لم يزل بهَا مَوْصُوفا وَهِي أغيار لَهُ جلّ رَبنَا عَمَّا يصفه المبطلون
стр. 54
ثمَّ قَالَ فَإِن قيل لم لَا جعلتم الرَّحْمَة صفة فِي الْحَقِيقَة دون أَن يَقُول رَحِيم فَزعم أَن رَحِيم صفة دون الرَّحْمَة إِذْ كل من فعل صفة الشَّيْء فقد وَصفه كمن يشْتم آخر أَو يسوده أَنه شَتمه وسوده فَكَذَلِك خلق الرَّحْمَة وَلَا يجوز أَن يُوصف بهَا إِذْ خلقهَا حَتَّى يَقُول إِنِّي رَحِيم فبذلك علمنَا أَن الصّفة قَوْله إِنَّه رَحِيم
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ مَا أعرف هَذَا التائه بِالصِّفَاتِ حَتَّى يشرع فِي تَفْسِير صِفَات الله جلّ الله عَن مثل هَذَا المتحير الخيال وَتَعَالَى وَلَو كَانَت الصّفة فِي الْحَقِيقَة وصف الواصف ليبطل قَول الْخلق بِأَن الْخلق أَعْيَان وصفات وَيبْطل قَوْله فِي الإجتماع والتفرق وَالْحَرَكَة والسكون الَّتِي لَا تَخْلُو الْأَعْيَان عَنْهَا فِي إِثْبَات حديها إِذْ هِيَ تَخْلُو عَن وصف واصف لَهَا فَثَبت أَنَّهَا صِفَات تلْزم الْأَعْيَان لَا مَا ذكر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ نتم هذاالنوع من حماقته لتحمدوا الله معاشر إخْوَانِي على مَا أكْرمكُم الله بمعرفته ولتعلموا عَظِيم مقت الله على من زعم أَنه قد استوعب جَمِيع مَا عِنْد الله من الْمصَالح لَهُ فِي الدّين حَتَّى لَو أَرَادَ الله أَن يزِيد لَهُ شَيْئا لَا يملكهُ مِمَّا بِهِ صَلَاحه لَا يقدر عَلَيْهِ بل بِهِ يفْسد لتتبينوا أَنه جعل خذلانه صلاحا فِي الدّين وإضلاله نعْمَة من نعم الرب جلّ ثَنَاؤُهُ
قَالَ لم نقل إِن الله إِذا خلق الْحمرَة فِي الثَّوْب أَنه جعل لَهُ صفة وَلَو كَانَت الْحمرَة صفة لَهُ جَازَ أَن يُقَال إِذْ خلقهَا الله وصف الثَّوْب بهَا وَمثله فِي الْحَرَكَة السّكُون وَكَذَا من يكْتب إِلَى آخر يصف طوله يجوز أَن يُقَال وَصفه لنا فِي كِتَابه زعم أَن هَذَا وَاضح
стр. 55
ثمَّ قَالَ إِنَّا لَا ننكر جَوَاز إِطْلَاق القَوْل بِأَن الْحمرَة صفة الْأَحْمَر وَالرَّحْمَة صفة الْفِعْل لَكِن على الْمجَاز والحقيقة مَا ذكرت
ثمَّ عورض بِأَنَّهُ يجوز إِذا أَن يكون للصفة صفة
قَالَ نعم بِمَعْنى أَنَّهَا تُوصَف لَكِن ذَلِك إِنَّمَا يُوجد مَا دَامَ الواصف بِهِ قَائِلا فَإِذا أمسك لَا
قَالَ الْفَقِيه ﵀ تأملوا عَظِيم منزلَة الْمُعْتَزلَة بِهَذَا الَّذِي هَذَا مبلغ علمه بِالصّفةِ والموصوف وَالْمجَاز والحقيقة مِمَّا لَو قرن بِهِ أَجْهَل أهل تَوْحِيد الله لاستعظمه ثمَّ يقدم قومه يَوْم الْقِيَامَة فيوردهم المورد الَّذِي هَذَا وصف سَبيله نسْأَل الله الْعِصْمَة
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ الأَصْل أَن الله قد ثَبت وَصفه بالْكلَام بِحجَّة السّمع وَالْعقل فالسمع قَوْله ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ ذكره بِالْمَصْدَرِ مَعَ غير تمانع بَين الْخلق بِكَلَام الله وَقد وجد الإتفاق على أَنه مُتَكَلم وَأَن لَهُ كلَاما فِي الْحَقِيقَة وَإِن اخْتلفت الآراء فِي مائيته وَلَا أنكر على الَّذين قَالُوا ﴿لَوْلَا يُكَلِّمنَا الله﴾ إِلَّا بِوَصْف التكبر وَالْجهل بِمَنْزِلَة أنفسهم وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَقد كَانَ فريق مِنْهُم يسمعُونَ كَلَام الله﴾
وَأما الْعقل إِن كل عَالم قَادر لَا يتَكَلَّم فَعَن آفَة يكون من عجز أَو منع وَالله عَنهُ متعال ثَبت أَنه مُتَكَلم على أَن الَّذِي لَا يتَكَلَّم فِي الشَّاهِد إِنَّمَا لَا يتَكَلَّم بِالْمَعْنَى الَّذِي لايسمع وَلَا يبصر من الآفة وَالله منزه عَن الْمَعْنى الَّذِي يقتضى الصمم والعمى وَكَذَلِكَ الْبكم وَهُوَ أولى إِذْ هُوَ أجل مَا يحمد بِهِ
стр. 56
فِي الشَّاهِد وَبِه ينْفَصل الْبشر من سَائِر الْحَيَوَان مَعَ مَا كَانَ كل مُحْتَمل الْكَلَام فَعَن عجز لَا يتَكَلَّم أَو عَن سكُوت
ثمَّ لَا يَخْلُو من أَن يكون على تَقْدِير كَلَام غَيره فَيكون فِيهِ تشابه وَدلّ قَوْله ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ على نفى الشّبَه لَهُ فِي الصّفة والذات وأيد ذَا قَوْله ﴿خلقُوا كخلقه﴾ دلّ أَن شبه الْفِعْل يُوجب التشابه مَعَ القَوْل أَن الْخلق لَو اجْتمع لَا يأْتونَ بِمثلِهِ فَانْتفى الشّبَه إِذْ فِيهِ تماثل فَثَبت لَهُ الخلافية لكَلَام الْخلق جَمِيعًا على مَا ثَبت لذاته مَعَ مَا لم يمْتَحن جَمِيع كَلَام الْخلق ليدرك مُنْتَهى مَعَانِيه وَقد ذكر كَلَام النَّمْل والهدهد وتسبيح الْجبَال وَغَيرهَا مِمَّا لَا يفهم شَيْء من ذَلِك بالحروف الْمُعْجَمَة وَلَا على الْمَفْهُوم من كَلَام الْبشر
وَإِذ ثَبت أَن من الْكَلَام مَا لَا يبلغ تَقْدِيره وسع الْخلق وَلَا يبلغهُ فهم فَمن أحب تَقْدِير كَلَام الرب بذلك فَهُوَ مُغفل وَكَذَلِكَ فعله تَعَالَى خَارج عَن وصف فعل الْخلق وَفِي ثُبُوت الخلافية من جَمِيع الْوُجُوه نفى الحدثية لما بِهِ يَقع الْوِفَاق وَبَطل معنى الْأَعْرَاض والتفرق والإجتماع وَالْحَد والغاية وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان إِذْ ذَلِك وصف كَلَام الْخلق وَالله الْمُوفق
ثمَّ لَا يَخْلُو من أَن يكون غَيره فيزول عَنهُ مَا ذكرنَا من الآفة بِغَيْرِهِ وَذَلِكَ علم الْحَاجة وأمارة الْحَدث أَو لَيْسَ غَيره فَيكون بِنَفسِهِ متكلما قَادِرًا عَالما وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَيجوز القَوْل بِمَا يسمع من الْخلق كَلَام الله على الْمُوَافقَة كَمَا يُقَال فِي الرسائل والقصائد والأقاويل دَلِيله أَن ذَلِك خلق من الْخلق وَلَا يحْتَمل أَن
стр. 57
يكون الله بِذَاتِهِ متكلما مَعَ مَا لَا يَخْلُو أَن يكون المسموع عرضا فمحال كَونه فِي مكانين وَكَذَلِكَ الْجِسْم أَو لَا هما فمحال كَونه فِي مَكَان وَعَن الْمَكَان يسمع فَثَبت أَن وَجه الْإِضَافَة إِلَيْهِ على مَا ذكرنَا مَعَ مَا يجوز أَن يسمعنا الله كَلَامه بِمَا لَيْسَ بِكَلَامِهِ كَمَا أسمع كل منا الآخر كَلَامه وَإِن لم يكن ذَلِك بِعَيْنِه كَلَامه وكما أعلمنَا قدرته وَعلمه وربوبيته بخلقه وَإِن لم يكن هُوَ هُوَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
فَإِن قَالَ قَائِل هَل أسمع الله كَلَامه مُوسَى حَيْثُ قَالَ ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ قيل أسمعهُ بِلِسَان مُوسَى وبحروف خلقهَا وَصَوت أنشأه فَهُوَ أسمعهُ مَا لَيْسَ بمخلوق
وَالْقَوْل بِالْوَقْفِ يخرج على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يُقَال لَيْسَ هُوَ الله وَلَا غَيره فَيكون وَقفا عَن علم وَهُوَ حق على مَا ثَبت فِي الْعلم وَالْقُدْرَة وَالثَّانِي أَن يكون لَا يعلم أخلق هُوَ أَو غَيره فَإِنَّهُ بعيد لما لَا يَخْلُو من أَن يذهب مَذْهَب التَّقْلِيد وَأكْثر الْقَوْم على نفى ذَلِك بل أجمع على لُزُوم الْعلم أَنه الْخلق أَو غَيره
وَبعد فَإِنَّهُ لَا يعدو من أَن يعلم أَنه بِذَاتِهِ مُتَكَلم فَيكون بِمَعْنى مَا ذكرت أَو لَا بِذَاتِهِ فَهُوَ غَيره وكل الأغيار لله خلق على مَا روى فِيهِ سمع أَو لَا ثَبت أَن القَوْل بالغيرية لله يُوجب الْحَدث وَالْحَدَث والخلق إِذْ هُوَ مِنْهُ أَو لَا يعلم أَنه بِذَاتِهِ مُتَكَلم أَو لَا فَيكون الْوَقْف وَقفا للْجَهْل بِهِ فَحق مثله التَّعَلُّم لِأَنَّهُ لَا دَلِيل دَفعه إِلَى ذَلِك القَوْل ليَتَكَلَّم فِيهِ إِنَّمَا هُوَ الْجَهْل أَو أَن يكون الْوَقْف بِمَا لَا يعلم مُرَاد السَّائِل فِيهِ أَنه مَا يعْنى بِكَلَام الله وَالْقُرْآن أهوَ هَذَا المتبعض المتجزئ أَو الَّذِي لَا يُوصف بِشَيْء من ذَلِك وَذَلِكَ على الْوَصْف الَّذِي بَينا فَهُوَ حق أَن لَا يُجيب لأحد يسْأَله عَن كَلَام مُتَوَجّه حَتَّى يعلم مَا يُرِيد بِهِ وَالله أعلم
стр. 58
مَسْأَلَة
مناقشة قَول الكعبي فِي أَن أَفعَال الله بِاخْتِيَار
وَقَالَ الكعبي أَفعَال الله بِاخْتِيَار لِأَن المطبوع يكون فعله نوعا
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَمَا قَالَه حسن وَذَلِكَ مَذْهَب أهل التَّوْحِيد لكنه لَا معنى لَهُ على مذْهبه لما يُقَال الْخلق اخْتِيَاره أَو غَيره وَكَذَلِكَ مَا يُقَال فِي أَفعاله فَإِن قَالَ اخْتِيَاره فَمَعْنَى أَفعاله إِذا اخْتِيَاره فَالْقَوْل بِأَن أَفعَال الله بِاخْتِيَار خطأ بل هُوَ اخْتِيَار وَلَا غير هُنَالك ليقال الَّذِي قَالَ وَإِن قَالَ غير فإمَّا أَن يكون فعله فَيجب أَن يكون بِاخْتِيَار إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَذَلِكَ محَال لِأَن الْخلق متناه أَو هُوَ فعل بِلَا اخْتِيَار فَيبْطل قَوْله
وَذَلِكَ يلْزم من يصف الله بالإرادة فِي الْأَزَل وَهِي اخْتِيَار كَون شَيْء فِي وقته
ثمَّ الدّلَالَة عندنَا على الأختيار خُرُوج الْخلق على تفَاوت مائيته على مَا فِيهِ من الْحِكْمَة وَالدّلَالَة على وحدانية الله فَدلَّ ذَلِك على اخْتِيَار كَون كل شَيْء على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ من يَقُول بِخُرُوج الْخلق على مَا عَلَيْهِ بالطبائع والأغذية وَمن يَقُول ذَلِك عمل النَّجْم وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَمن يَقُول ذَلِك بدوران الْفلك وَمن يَقُول فِي التوالد بتدبير الْآبَاء والأمهات يرجع كُله إِلَى كَون شَيْء بِشَيْء إِذا لم يثبت لَهُ أولية يبطل بالأدلة الَّتِي مر ذكرهَا وَإِذا ثَبت لَهُ أَو لكل جنس من ذَلِك أولية ثمَّ اسْتَحَالَ كَونه بِنَفسِهِ لما يُوجد نَفسه إِمَّا حِين عَدمه وَذَلِكَ محَال أَن يُوجد عديما مَعَ مَا إِذْ رَجَعَ إِلَيْهِ تَدْبِير كل شَيْء لَا يحْتَمل أَن يبلغهُ
стр. 59
العديم فَإِنَّهُ لَو جَازَ أَن يُوجد نَفسه لجَاز فِي ذَلِك الْوَقْت أَن يعدمه وَذَلِكَ متناقض أَو بعد الْوُجُود فَثَبت الْوُجُود بِغَيْرِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَأَيْضًا أَن جَمِيع مَا يذكر إِنَّمَا هُوَ نوع الْموَات إِلَّا من ذكر من الْآبَاء والأمهات مِمَّا يعلمُونَ أَن تدبيرهم لَا يبلغ مبادي الْأَوْلَاد وَأَنَّهُمْ يكونُونَ على غير مَا يأملون وَأَنَّهُمْ لَو فسدوا لَا يُمكن إصلاحهم وَأَن وسعهم لَا يبلغ مَا استتر من الْأَشْيَاء فضلا من تقديرها هُنَالك وَغير ذَلِك من الْوُجُوه الَّتِي يبطل كَون ذَلِك بهم وَنَوع الْموَات غير عَالم بِمَا فِيهِ من الْمَنَافِع وَلَا بِالَّذِي يحْتَمل مِنْهُم منع ذَلِك ثَبت أَن الَّذِي يكون بالإغتذاء وبالطبائع إِنَّمَا كَانَ ذَلِك فيهم بِجعْل حَكِيم عليم جعل كل شَيْء على مَا عَلَيْهِ من النَّفْع وَالضَّرَر
على أَنه فِي الْحَيَوَان معَان لَيْسَ فِي شَيْء مِمَّا وصف آثَار ذَلِك من نَحْو السّمع وَالْبَصَر وبخاصة فِي الْبشر من نَحْو النُّطْق والميز وَالْوُقُوف على أَشْيَاء مَعَ مَا كَانَ ذَلِك فِي أول الْأَحْوَال غير كَائِن وَلَا يربى إِلَّا بأغذية الْآبَاء والأمهات ثمَّ لم يُؤثر ذَلِك فيهم فَكيف فِي الْأَوْلَاد
وَبعد فَإِن كل شَيْء لَهُ حد إِذا بلغ ذَلِك الْحَد لَا يزْدَاد لَهُ طول وَلَا عرض وَلَا سمع وَلَا بصر وَلَا عقل بل يَأْخُذ كل شَيْء من ذَلِك بالإنتقاص على قيام الأغذية ودوام التربية عقل أَن ذَلِك كَذَلِك لَا بِمَا ذكر وَلَكِن بِمن هُوَ عَالم بِذَاتِهِ حَتَّى لَا يعزب عَنهُ شَيْء قَادر بِنَفسِهِ فَلَا يعجزه شَيْء جلّ ثَنَاؤُهُ
وَأَيْضًا أَنه مَا من شَيْء مِمَّا ذكر من أَنْوَاع الْجَوَاهِر إِلَّا وَقد يحْتَمل الْإِفْسَاد والإصلاح جَمِيعًا وَذَلِكَ أَيْضا كُله متضاد متدافع لَا يحْتَمل الإجتماع للتعاون ثَبت أَنَّهَا كَانَت على مَا عَلَيْهِ بغَيْرهَا إِذْ كل شَيْء على جِهَة بِنَفسِهِ لَا يحْتَمل التَّغَيُّر مَا دَامَت نَفسه وَبِاللَّهِ الْعِصْمَة
وَأَيْضًا أَن كل حَيّ فِيمَا يعاين مبْنى على الْحَاجَات والشهوات الَّتِي تغلبهم
стр. 60
وتقهرهم وَلَوْلَا ذَلِك مَا احتاجوا إِلَى الأغذية ثمَّ كَانَت هِيَ أسبابا عِنْد وجودهَا للغنا لم يحْتَمل أَن يكون مِنْهَا تهيج الشَّهَوَات وحدوث الْحَاجَات وَلَا يجوز أَن تكون لأنفسها شهوات وحاجات لأوجه أَحدهَا أَن الْقيام بِالذَّاتِ دون الْغَيْر دَلِيل الْغِنَا لَا يجوز أَن يصير حَاجَة وَلِأَن مَا كَانَ لذاته على جِهَة لَا يحْتَمل زَوَاله وَقد يَقع لَهَا الْغِنَا بِالْغَيْر أَو للإحالة أَن يكون الشَّيْء من حَيْثُ نَفسه محوجا إِلَى غير بل إِذا أحْوج إِلَى غير من حَيْثُ نَفسه بدوم الْحَاجة مَا بقيت نَفسه فَثَبت أَن هُنَالك غير أنشأهم على الْحَاجَات وَركب فيهم الشَّهَوَات ثمَّ أنشأ لَهُم مَا بِهِ الْغِنَا وَقَضَاء الشَّهَوَات فَيكون بِمَا أُرِيد بِهِ نفى الْمُدبر الْعَالم تثبيته وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مَعَ مَا لَا يُوجد شَيْء من أَعْيَان الْعَالم وصفاتها إِلَّا مسخرا مذللا بِمَا لَوْلَا ذَلِك كَانَ أَهْون عَلَيْهِ وألذ نَحْو الْقَرار الدَّائِم وَالسير المتتابع مِمَّا كَانَ بِهِ معاش أحد وَمَا لَهُ المعاش فَصَارَ الْعَالم بكليته بِالْمَعْنَى الَّذِي ذكرت وَلَا يجوز أَن يكون المسخر الْمُذَلل بِملك التَّدْبِير حَتَّى يكون بِهِ غنى الْغَيْر وقيامه وَلَا يملك إِزَالَة الذلة عَن نَفسه والسخرة ثَبت أَن لكل ذَلِك مُدبرا عليما علم وُجُوه حاجاتهم وغناهم فخلقهم على ذَلِك مَعَ مَا أحْوج بَعْضنَا إِلَى بعض فِي الْقيام والبقاء على جهل كل مِنْهُم بِالْوَجْهِ الَّذِي أحْوج إِلَى غَيره وعجزه عَن صرف وَجه الْحَاجة عَن نَفسه ثَبت أَن لذَلِك كُله مُدبرا عليما على تَدْبيره جرى أَمرهم
وَبعد لَو خلى بَين أَعقل الْخلق وأعظمهم تدبيرا وَبَين تَقْدِير أَحْوَاله وأفعاله من الزَّمَان وَالْمَكَان فِيمَا لطف مِنْهَا لما احْتمل وسعهم فَمن دونه أَحَق ثمَّ لَا يملك أحد مِنْهُم صرف قهر الزَّمَان عَن نَفسه وَلَا إحاطة الْمَكَان ثَبت أَن الْعَالم على مَا هُوَ عَلَيْهِ لَا يجوز كَونه بِهِ دون خَارج من مَعْنَاهُ فِي إحاطة الْحَاجة بِهِ بل بِالْقيامِ بِذَاتِهِ عَالما قَادِرًا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ من يَقُول بقدم طِينَة الْعَالم فَأَما إِن كَانَت من جَوْهَر هَذِه الْمعَانِي فيلحقها
стр. 61
مَا يلْحق الْعَالم وَيظْهر جوهرها عجزها وحاجاتها وهما دَلِيلا حدث الْعَالم وَكَونه بِغَيْرِهِ فَيلْزم فِيهَا مَا يلْزم فِي غَيرهَا أَو كَانَت خَارِجَة من هَذَا الْجَوْهَر غنية قَوِيَّة لَا تمسها الْحَاجَات وَلَا يعترضها الشَّهَوَات الباعثة على الْحِيَل المفزعة إِلَى غير بِهِ تَأمل غناها وقوتها فَأَما إِن كَانَ الْعَالم بهَا بِأَن اعترضت بهَا الْعَوَارِض وانقلبت بجوهرها عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ فَصَارَت إِلَى هَذِه الْحَاجَات والشهوات فَصَارَت بجوهرها مُحْتَملَة لكل حَاجَة مُحْتَملَة لكل شَهْوَة متمكنة للإستحالة والتغير فَيبْطل عَنْهَا جَمِيع أَوْصَاف الْغنى وَالْقُوَّة وَصَارَت أصل الْحَاجَات وَأم الشَّهَوَات فَلَزِمَ إنصراف تدبيرها إِلَى حَكِيم عليم على مَا لزم ذَلِك فِي جَمِيع الْعَالم أَو كَانَت هِيَ بِحَالِهَا لَكِن الْعَالم كَانَ فِيهَا بِقُوَّة ظهر بِالْفِعْلِ وَذَلِكَ هُوَ قَول أَصْحَاب الهيولي ثمَّ دلّ تلف جَمِيع مَا فِي الْعَالم من كَون شَيْء فِي شَيْء بِالْقُوَّةِ إِذا خرج مِنْهُ بِالْفِعْلِ نَحْو مَا يَقُولُونَ من كَون النَّسمَة فِي النُّطْفَة وكل حَيَوَان فِي النطف أَو الْبيض والعصف فِي الْحبّ وَالشَّجر فِي النواة وَكَذَلِكَ كل الْجَوَاهِر وَمثله عِنْدهم الْبَقَاء فِي الأغذية والنماء وَنَحْو ذَلِك فَيجب أَن يكون أَمر الطينة الَّتِي قَالُوا بهَا وَأمر الهيولى كَذَلِك إِذْ هما الأَصْل لجَمِيع الْعَالم
وَكَذَلِكَ يلْزم القرامطة فِي قَوْلهم إِن الْمُبْدع الأول فِيهِ جَمِيع الْعَالم مبروزا
стр. 62
تستمد مِنْهُ النَّفس الْكل فيمد الهيولى وَمِنْه تركيب الْعَالم أَن يتْلف الأول إِذْ هَذَا حق كل شَيْء فِي شَيْء بِالْقُوَّةِ يظْهر بِالْفِعْلِ
وَقد صيروا جَمِيعًا الْوُجُود للْحَال دَلِيل الأولية لَكِن الأول جَوْهَر الْكل وَالثَّانِي جَوْهَر الْجُزْء وَقد صَار جَوْهَر الْكل مَعْرُوفا بجوهر الْجُزْء إِذْ لَيْسَ مِمَّا يبلغهُ أحد بالحس وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَإِذا ثَبت هَذَا ثَبت جَمِيع مَا بَينا من الْحَوَادِث والحاجات الَّتِي هِيَ الْأَدِلَّة للْحَدَث لذَلِك الأَصْل إِذْ صَار مُحْتملا للتلف والفناء وَذَلِكَ أَيْضا يلْزم القرامطة يجعلونه أبديا وَإِن كَانُوا يَقُولُونَ كَانَ بعد أَن لم يكن بالإبداع وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَدَلِيل الْجَهْل مِمَّن فِيهِ مَا فِيهِ بِالْقُوَّةِ بأحوال مَا فِيهِ وَمن فِيهِ وَمَا يكون مِنْهُ كَمَا ذكرت من جهل النطف والحبوب وَغَيرهَا فَيلْزم كَذَلِك فِي الهيولى والطينة وَمَا قَالُوا وَلزِمَ أَن لَيْسَ لما قَالُوا تَدْبِير وَلَا كَانَ شَيْء من ذَلِك بِهِ وَلَكِن إِن كَانَ فَهُوَ بِمن علم مَا يكون فَيجْعَل أَصله مبروزا فِيهِ بِالْقُوَّةِ يظْهر بِالْفِعْلِ بِمَا جعل لَهُ من الْموَاد والأمكنة الَّتِي بهَا تنمو
فِي ذَلِك القَوْل بِالتَّوْحِيدِ وَأَنه منشئ ذَلِك كُله ليَكُون بِهِ كل شَيْء يكون على مَا قَالُوا أَو أَن يكون مُحدثا لكل شَيْء يكون أبدا على مَا يَشَاء أَن يكون من أصُول وإبتداء أَو كَيفَ شَاءَ على مَا يَقُوله أهل التَّوْحِيد وَإِذ الله سُبْحَانَهُ قَادر على إنْشَاء أصل فِيهِ كل شَيْء مبروزا هُوَ قَادر على إبتداء كل شَيْء كَمَا شَاءَ من غير بروز بِالْقُوَّةِ وَلَا خُرُوج بِالْفِعْلِ وَلَكِن بالتقدير والتكوين وَإِن زَعَمُوا أَن الْأَشْيَاء كَانَت فِي الأَصْل مستجنة بجوهرها فَيظْهر بِالْفِعْلِ فَهِيَ أَيْضا ترجع إِلَى مَا قُلْنَا لِأَن ذَلِك قَوْلهم فِي النطف والحبوب مَعَ مَا فِي هَذَا مِمَّا فِي الْعقل دَفعه بِمَا لَا يحْتَمل تمكن أَضْعَاف الشَّيْء بجوهره فِيهِ للتناقض وَالْفساد وَتَكْذيب العيان
стр. 63
أَو أَن يكون ذَلِك الأَصْل الَّذِي سموهُ طِينَة أَو هيولى أَو مبدعا أَو نفس الْكل يملك إنْشَاء الْعَالم لَا بِأَن كَانَ فِيهِ وَلَكِن بِالْفِعْلِ والتكوين على مَا شَاءَ كَيفَ شَاءَ لَا مرد لحكمه وَلَا نقيض على تَدْبيره فَهُوَ قَول أهل التَّوْحِيد لكِنهمْ سموا بأسماء غير الْأَسْمَاء الَّتِي هِيَ أَسمَاء منشئ الْعَالم عِنْد أهل التَّوْحِيد ومبدعه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مَسْأَلَة
فِي أَسمَاء الله
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ القَوْل فِي أَسمَاء الله عندنَا على أَقسَام فِي مَفْهُوم اللُّغَة قسم مِنْهَا يرجع إِلَى تسميتنا لَهُ بهَا وَهن أغيار لِأَن قَوْلنَا عليم غير قَوْلنَا قدير وعَلى هَذَا المروى إِن لله تَعَالَى كَذَا وَكَذَا إسما وَذَلِكَ نَحْو مَا ذكر من خلق كَذَا وَكَذَا رَحْمَة لَا أَنه كَانَ رحِيما بِتِلْكَ الرَّحْمَة المخلوقة إِذْ لَا يحْتَمل أَن يكون فِي أول خلقه غير رَحِيم أَو كَانَ كَذَلِك غير رَحِيم حَتَّى خلق تِلْكَ الرَّحْمَة وَجعل وَاحِدَة بَين خلقه وَلَكِن بِمَا كَانَت برحمته سميت بِهِ وَكَذَلِكَ اسْم الْجنَّة والمطر وَنَحْوه وعَلى ذَلِك قيل فِي الْعبارَات هِيَ أمره وَإِنَّمَا كَانَت بِهِ لَا أَنَّهَا هُوَ وَمثله يتَكَلَّم بِعِلْمِهِ وَقدرته على إِرَادَة معلومه ومقدوره إِذْ ذَلِك سَببه فَمثله الأول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالثَّانِي يرجع مَعْنَاهُ إِلَى ذَاته مِمَّا عجز الْخلق عَن الْوُقُوف على مُرَاد ذَاته إِلَّا بِهِ وَإِن كَانَ يتعالى عَن الْحُرُوف الَّتِي بهَا يفهم وَذَلِكَ أَيْضا يخْتَلف بإختلاف الألسن على إِرَادَة حَقِيقَة ذَاته بِهِ وَذَلِكَ نَحْو الْوَاحِد الله الرَّحْمَن الْمَوْجُود وَالْقَدِيم والمعبود وَنَحْو ذَلِك
وَالثَّالِث يرجع إِلَى الإشتقاق عَن الصِّفَات من نَحْو الْعَالم الْقَادِر مِمَّا لَو كَانَت
стр. 64
فِي التَّحْقِيق غَيره لاحتمل التبديل ولصارت التَّسْمِيَة على غير تَحْقِيق الْمَعْنى الْمَفْهُوم ولجازت تَسْمِيَته بِكُل مَا يُسمى غَيره إِذا لم يرد تَحْقِيق الْمَفْهُوم من مَعْنَاهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مَعَ مَا يسْأَل من يَجْعَل هَذِه الْأَسْمَاء حَادِثَة ثمَّ لَا تحقق لله علما فِي الْأَزَل إِذْ كَيفَ كَانَ أمره قبل الْخلق أَكَانَ يعلم ذَاته أَو مَا يفعل أَو لَا وَكَذَلِكَ أَكَانَ يعلم ذَاته شَيْئا أَو لَا يعلمهَا فَإِن كَانَ لَا يعلمهَا فَهُوَ إِذا جَاهِل حَتَّى أحدث الْعلم لَهُ فَصَارَ بِهِ عَالما وَإِن كَانَ يعلمهَا فَإِذا بِعلم ذَاته عَالما أَو لَا فَإِن كَانَ بِعلم ذَاته عَالما فَلَزِمَ القَوْل بِهَذَا الإسم فِي الْأَزَل وَفِي غيرية الإسم فَسَاد التَّوْحِيد
وَالْأَصْل على قَول منكري الصِّفَات إِذْ لم يكن لَهُ هَذَا الإسم وَلم يكن لَهُ صفة هِيَ علم يعلم ذَاته فِي الْأَزَل يجب مَا قَالَه جهم بنفى الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وحدثها فَيكون غير عَالم وَلَا قَادر ثمَّ علم جلّ الله عَن ذَلِك وَتَعَالَى
ثمَّ يسْأَل كَيفَ كَانَ إِن علم أَنه كَانَ كَذَلِك فِي الْأَزَل فَيلْزمهُ الإسم كَذَلِك أَو علم أَنه لم يكن فيلحقه إسم الْجَهْل وَهُوَ بقَوْلهمْ لَازم لِأَن تَأْوِيل الْعَالم عِنْدهم نفى الْجَهْل فَإِذا لم يكن عَالما فِي الْقَدِيم فَهُوَ إِذا عِنْد ذَلِك كَانَ جَاهِلا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
بِمَ يكلم فِي الْعلم إِذْ لم يكن حَتَّى كَانَ إِن حدث فَيجب ذَلِك فِي كل شَيْء مَعَ مَا يُقَال كَيفَ حدث بِهِ وَلم يكن لَهُ قدرَة أَو بِغَيْرِهِ فَيبْطل بِهِ توحيدهم
стр. 65
ثمَّ يُقَال لَهُ فِي الْفَصْل الَّذِي ذكرت إِنَّه كَانَ يعلم ذَاته قبل الْخلق أَو لم يكن لَهُ علم فِي الْحَقِيقَة كَيفَ كَانَ يعلم ذَاته فَإِن كَانَ بِعلم ذَاته عَالما بَطل قَوْله بِحَدَث الإسم وَإِن قَالَ غير عَالم وَلَا قَادر عَلَيْهِ دخل عَلَيْهِ جَمِيع مَا ذكرت مَعَ إِحَالَة الْوَصْف لَهُ بِالْعلمِ بِهِ فِي الْأَزَل مَعَ فَسَاد مَا بَينا فِي الْحَدث وَإِن قَالَ من بعد بِغَيْرِهِ رَآهُ مِمَّن يعْتَرض فِيهِ الْعَوَارِض بِهِ تكون الْعَالم وَفِي ذَلِك مُوَافقَة الدهرية فِي الطينة وَأَصْحَاب الهيولي والثنوية فِي كَون الْعَالم بإعتراض الْعَوَارِض فِي الأَصْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَهَذِه الْمَسْأَلَة هِيَ مَسْأَلَة الصِّفَات فِي التَّحْقِيق وَقد بَينا ذَلِك
مَسْأَلَة بَيَان الْعَرْش
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵁ ثمَّ اخْتلف أهل الْإِسْلَام فِي القَوْل بِالْمَكَانِ فَمنهمْ من زعم أَنه يُوصف بِأَنَّهُ على الْعَرْش مستو وَالْعرش عِنْدهم السرير الْمَحْمُول بِالْمَلَائِكَةِ المحفوف بهم ﴿وَيحمل عرش رَبك فَوْقهم يَوْمئِذٍ ثَمَانِيَة﴾ وَقَوله ﴿وَترى الْمَلَائِكَة حافين من حول الْعَرْش﴾ وَقَوله ﴿الَّذين يحملون الْعَرْش وَمن حوله﴾ وَاحْتَجُّوا لِلْقَوْلِ بِهِ بقوله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾
стр. 66
وَيرْفَع النَّاس إِلَى السَّمَاء بالدعوات أَيْديهم وَمَا يأملون من الْخيرَات وَيَقُولُونَ هُوَ صَار إِلَيْهِ بعد أَن لم يكن لقَوْله ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾
وَمِنْهُم من يَقُول هُوَ بِكُل مَكَان بقوله ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ وَقَوله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ وَقَوله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم وَلَكِن لَا تبصرون﴾ وَقَوله ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض﴾ وظنوا أَن القَوْل بِأَنَّهُ فِي مَكَان دون مَكَان يُوجب الْحَد وكل ذى حد مقصر عَمَّا هُوَ أعظم مِنْهُ وَذَلِكَ عيب وَآفَة وَفِي ذَلِك إِيجَاب الْحَاجة إِلَى الْمَكَان مَعَ مَا فِيهِ إِيجَاب الْحَد إِذْ لَا يحْتَمل أَن يكون أعظم من الْمَكَان لما هُوَ سخف فِي الْمُتَعَارف أَن يخْتَار اُحْدُ مَكَانا لَا يَسعهُ فَيصير حد الْمَكَان حَده جلّ رَبنَا عَن ذَلِك وَتَعَالَى
وَمِنْهُم من قَالَ بنفى الْوَصْف بِالْمَكَانِ وَكَذَلِكَ بالأمكنة كلهَا إِلَّا على مجَاز اللُّغَة بِمَعْنى الْحَافِظ لَهَا والقائم بهَا
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَجُمْلَة ذَلِك أَن إِضَافَة كُلية الْأَشْيَاء إِلَيْهِ وإضافته إِلَيْهَا يخرج مخرج الْوَصْف لَهُ بالعلو والرفعة ومخرج التَّعْظِيم لَهُ والجلال كَقَوْلِه ﴿لَهُ ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ ﴿رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ إِلَه الْخلق ﴿رب الْعَالمين﴾ وَفَوق كل شَيْء وَنَحْوه وَإِضَافَة الْخَاص إِلَيْهِ يخرج
стр. 67
مخرج الإختصاص لَهُ بالكرامة والمنزلة والتفضيل لَهُ على من هُوَ بجوهره نَحْو قَوْله ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا﴾ وَقَوله ﴿وَأَن الْمَسَاجِد لله﴾ ﴿نَاقَة الله﴾ بَيت الله وَغير ذَلِك وَلَا يخرج شَيْء من ذَلِك على مثل الْمَفْهُوم من إِضَافَة الْخلق بَعضهم إِلَى بعض لَا قطع إحتمال مثله فِي الْخلق إِذْ قد تخرج أَيْضا إِضَافَة التَّخْصِيص مخرج التَّفْضِيل والعموم مخرج فضل السُّلْطَان وَالْولَايَة
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ الأَصْل فِيهِ أَن الله سُبْحَانَهُ كَانَ وَلَا مَكَان وَجَائِز ارْتِفَاع الْأَمْكِنَة وبقاؤه على مَا كَانَ فَهُوَ على مَا كَانَ وَكَانَ على مَا عَلَيْهِ الْآن جلّ عَن التَّغَيُّر والزوال والإستحالة والبطلان إِذْ ذَلِك أَمَارَات الْحَدث الَّتِي بهَا عرف حدث الْعَالم وَدلَالَة إحتمال الفناء إِذْ لَا فرق بَين الزَّوَال من حَال إِلَى حَال ليعلم أَن حَاله الأولى لم تكن لذاته إِذْ لَا يحْتَمل زَوَال مَا لزم ذَاته وَبَين أَنَّهَا لَيست لذاته لما احْتمل هُوَ قبُول الْأَعْرَاض وانتقال الْأَحْوَال وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبعد فَإِن فِي تَحْقِيق الْمَكَان لَهُ وَالْوَصْف لَهُ بِذَاتِهِ فِي كل مَكَان تَمْكِين الْحَاجة لَهُ إِلَى مَا بِهِ قراره على مثل جَمِيع الْأَجْسَام والأعراض الَّتِي قَامَت بالأمكنة وفيهَا تقلبت وقرت على خُرُوج جُمْلَتهَا عَن الْوَصْف بِالْمَكَانِ فَمن أَنْشَأَهَا وَأمْسك كليتها لَا بمَكَان يتعالى عَن الْحَاجة إِلَى مَكَان أَو الْوَصْف بِمَا عَلَيْهِ الْعَالم أَن كليته لَا فِي مَكَان وَأَنه بجزئياته فِي الْمَكَان
ثمَّ إِن الله تَعَالَى لَو جعل فِي مَكَان لجعل بِحَق الْجُزْئِيَّة من الْعَالم وَذَلِكَ أثر النُّقْصَان بل لما استقام قيام جَمِيع الْعَالم لَا بالأمكنة للجملة فقيمه على ذَلِك أَحَق وَأولى وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 68
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ القَوْل بالكون على الْعَرْش وَهُوَ مَوضِع بِمَعْنى كَونه بِذَاتِهِ أَو فِي كل الْأَمْكِنَة لَا يعدو من إحاطة ذَلِك بِهِ أَو الإستواء بِهِ أَو مجاوزته عَنهُ وإحاطته بِهِ فَإِن كَانَ الأول فَهُوَ إِذا مَحْدُود بِهِ محاط مَنْقُوص عَن الْخلق إِذْ هُوَ دونه وَلَو جَازَ الْوَصْف لَهُ بِذَاتِهِ بِمَا يُحِيط بِهِ من الْأَمْكِنَة لجَاز بِمَا يُحِيط بِهِ من الْأَوْقَات فَيصير متناهيا بِذَاتِهِ مقصرا عَن خلقه وَإِن كَانَ على الْوَجْه الثَّانِي فَلَو زيد على الْخلق لَا ينقص أَيْضا وَفِيه مَا فِي الأول وَإِن كَانَ على الْوَجْه الثَّالِث فَهُوَ الْأَمر الْمَكْرُوه الدَّال على الْحَاجة وعَلى التَّقْصِير من أَن ينشئ مَا لَا يفضل عَنهُ مَعَ مَا يذم ذَا من فعل الْمُلُوك أَن لَا يفضل عَنْهُم من المعامد شَيْئا
وَبعد فَإِن فِي ذَلِك تجزئة بِمَا كَانَ بعضه فِي ذِي أبعاض وَبَعضه يفضل عَن ذَلِك وَذَلِكَ كُله وصف الْخَلَائق وَالله يتعالى عَن ذَلِك
وَبعد فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الإرتفاع إِلَى مَا يَعْلُو من الْمَكَان للجلوس أَو الْقيام شرف وَلَا علو وَلَا وصف بالعظمة والكبرياء كمن يَعْلُو السطوح أَو الْجبَال إِنَّه لَا يسْتَحق الرّفْعَة على من دونه عِنْد إستواء الْجَوْهَر فَلَا يجوز صرف تَأْوِيل الْآيَة إِلَيْهِ مَعَ مَا فِيهَا ذكر العظمة والجلال إِذْ ذكر فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ فدلك على تَعْظِيم الْعَرْش أَي شَيْء كَانَ من نور أَو جَوْهَر لَا يبلغهُ علم الْخلق وَقد روى عَن نَبِي الله ﷺ أَنه وصف الشَّمْس أَن جِبْرِيل يَأْتِيهَا بكف من ضوء الْعَرْش فيلبسها كَمَا يلبس أحدكُم قَمِيصه كل يَوْم تطلع وَذكر فِي الْقَمَر كفا من نور الْعَرْش فإضافة الإستواء إِلَيْهِ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا على تَعْظِيمه بِمَا ذكره على أثر ذكر سُلْطَانه فِي ربوبيته وخلقه مَا ذكر وَالثَّانِي على تَخْصِيصه بِالذكر بِمَا هُوَ أعظم الْخلق وأجله على الْمَعْرُوف من إِضَافَة الْأُمُور الْعَظِيمَة إِلَى أعظم الْأَشْيَاء كَمَا يُقَال تمّ لفُلَان ملك بلد كَذَا واستوى
стр. 69
على مَوضِع كَذَا لَا على خُصُوص ذَلِك فِي الْحق وَلَكِن مَعْلُوم أَن من لَهُ ملك ذَلِك فَمَا دونه أَحَق وعَلى ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ بِمَا صَارَت لَهُ أم الْقرى وأيس الَّذين كفرُوا من دينهم وَكَذَا مَا ذكر من إرْسَال الرُّسُل إِلَى الفراعنه وَإِلَى أم الْقرى لَا يتخصص ذَلِك وَلَكِن بِذكر عظم الْأَمر فَمثله أَمر الْعَرْش وَهُوَ كَقَوْلِه ﴿أكَابِر مجرميها﴾ وَقَوله ﴿أمرنَا مُتْرَفِيهَا﴾ على لُحُوق غير بهم وَيحْتَمل أَن يكون على المنفى بِوَصْف الْمَكَان إِذْ هُوَ أَعلَى الْأَمْكِنَة عِنْد الْخلق وَلَا تقدر الْعُقُول فَوْقه شَيْئا فَأَشَارَ إِلَيْهِ ليعلم علوه عَن الْأَمْكِنَة وتعاليه عَن الْحَاجة وعَلى ذَلِك قَوْله ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ والنجوى لَيْسَ من نوع مَا يُضَاف إِلَى الْمَكَان وَلَكِن يُضَاف إِلَى الْأَفْرَاد فَأخْبر بعلوه عَن الْأَمْكِنَة وتعاليه عَن أَن يخفى عَلَيْهِ شَيْء ثمَّ بقدرته بقوله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ أَي بالسلطان وَالْقُوَّة وبألوهيته فِي الْبِقَاع كلهَا لِأَنَّهَا أمكنة الْعِبَادَة وَبِقَوْلِهِ ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه﴾ وَيملك كل شَيْء بقوله ﴿لَهُ ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ ثمَّ بعلوه وجلاله بقوله ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ وَقَوله ﴿وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم﴾
стр. 70
وَقَوله ﴿وَهُوَ على كل شَيْء قدير﴾ فَجمع فِي هَذِه الأحرف مَا فرق فِي تِلْكَ ليعلم أَنه بِكُل مَا سمى بِهِ وَوصف كَانَ ذَلِك لَهُ بِذَاتِهِ لَا بِشَيْء من خلقه وَكَذَلِكَ عزه وشرفه ومجده جلّ ثَنَاؤُهُ عَن الْأَشْبَاه وَلَا إِلَه غَيره
وَقَالَ بَعضهم يُرِيد بالعرش الْملك إِذْ هُوَ اسْم مَا ارْتَفع من الْأَشْيَاء وَعلا حَتَّى سمى بِهِ السطوح ورؤوس الْأَشْجَار والإستواء قيل فِيهِ بأوجه ثَلَاثَة أَحدهَا الإستيلاء كَمَا يُقَال اسْتَوَى فلَان على كورة كَذَا بِمَعْنى استولى عَلَيْهَا وَالثَّانِي الْعُلُوّ والإرتفاع كَقَوْلِه ﴿فَإِذا استويت أَنْت وَمن مَعَك على الْفلك﴾ وَالثَّالِث التَّمام كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلما بلغ أشده واستوى﴾ وَقد قيل بِالْقَصْدِ إِلَى ذَلِك وَجه بعض أهل الْأَدَب قَوْله ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ بِمَعْنى خلق على التَّمْثِيل بِفعل الْخلق فِيمَا يَتْلُو فعلهم أَن يكون بِالْقَصْدِ وَإِن كَانَ لَا يُقَال لَهُ قصد وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الشَّاعِر ... ظَنَنْت أَن عرشك لَا يَزُول وَلَا يُغير ...
وَقَالَ آخر ... إِذا مَا بنوا مَرْوَان ثلث عروشهم ... وأودوا كَمَا أودت إياد وحمير ...
وَقَالَ النَّابِغَة ... عروش تفانوا بعد عز وَأَنَّهُمْ ... هووا بعد مَا نالوا السَّلامَة والغنى ...
стр. 71
وَقَالَ آخر ... بعد ابْن جَفْنَة وَابْن ماثل عَرْشه ... والحاربين تؤملون فلاحا ...
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ الْوَجْه فِي ذَلِك لَو كَانَ على الإستيلاء وَالْعرش الْملك إِنَّه مستول على جَمِيع خلقه وعَلى هَذَا التَّأْوِيل الْمَحْمُول غير هَذَا يدل على الْأَمريْنِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم﴾ بِمَعْنى الْملك الْعَظِيم وَفِيه إِثْبَات عروش غَيره فَذَلِك يحْتَمل مَا يحمل ويحف بِهِ الْمَلَائِكَة وَالله الْمُوفق
وَأما على التَّمام والعلو فَهُوَ أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿قل أئنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿فقضاهن سبع سماوات﴾ فَأخْبر بِخلق مَا ذكر فِي سِتَّة أَيَّام على التفاريق ثمَّ أجملها فِي مَوضِع فَقَالَ ﴿إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ بِمَعْنى خلق الممتحن من خلق الأَرْض وَالسَّمَاوَات فبهم ظهر تَمام الْملك وَعلا وارتفع إِذْ هم المقصودون من خلق مَا بَينا فبذلك تمّ معنى الْملك وَعلا إِذا وصل إِلَى الَّذين لَهُم وَقد قيل ذَا فِي خلق الْبشر خَاصَّة بقوله ﴿هُوَ الَّذِي خلق لكم مَا فِي الأَرْض﴾ وَقَوله ﴿وسخر لكم اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ وَقَوله ﴿وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ وَذكر ابْن عَبَّاس ﵁ أَن الْبشر خلق
стр. 72
الْيَوْم السَّابِع فِيهِ التَّمام والعلو إِذْ خلق لَهُم كل شَيْء وهم لعبادة الله وَلحق بهم الْجِنّ بقوله ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ لَكِن الْمَقْصُود الْبشر إِذْ تسخير مَا ذكرت كُله لَهُم ثمَّ بِمَا يرجع إِلَى منافعهم وَالله الْمُوفق
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَأما الأَصْل عندنَا فِي ذَلِك أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ فنفى عَن نَفسه شبه خلقه وَقد بَينا أَنه فِي فعله وَصفته متعال عَن الْأَشْبَاه فَيجب القَوْل بالرحمن على الْعَرْش اسْتَوَى على مَا جَاءَ بِهِ التَّنْزِيل وَثَبت ذَلِك فِي الْعقل ثمَّ لَا نقطع تَأْوِيله على شَيْء لاحْتِمَاله غَيره مِمَّا ذكرنَا وإحتماله أَيْضا مَا لم يبلغنَا مِمَّا يعلم أَنه غير مُحْتَمل شبه الْخلق ونؤمن بِمَا اراد الله بِهِ وَكَذَلِكَ فِي كل أَمر ثَبت التَّنْزِيل فِيهِ نَحْو الرُّؤْيَة وَغير ذَلِك يجب نفى الشّبَه عَنهُ وَالْإِيمَان بِمَا أَرَادَهُ من غير تَحْقِيق على شَيْء دون شَيْء وَالله الْمُوفق
الأَصْل فِي هَذَا أَن الْأَمر يضيق على السَّامع بِمَا يقدره من الْمَفْهُوم عَن الْخلق فِي الْوُجُود وَإِذ لزم القَوْل فِي الله بالتعالى عَن الْأَشْبَاه ذاتا وفعلا لم يجز أَن يفهم من الْإِضَافَة إِلَيْهِ الْمَفْهُوم من غَيره فِي الْوُجُود مَعَ مَا كَانَ الْوُقُوف على الْمَعْنى يصرف إِلَيْهِ الْكَلَام فِي الْخلق بِمَا هُوَ علمه بِهِ قبل سمع ذَلِك الْكَلَام وَالله سُبْحَانَهُ عرف قبل سمع ذَلِك الْكَلَام على غير الَّذِي عرف عَلَيْهِ الْخلق لم يجز صرف التَّأْوِيل إِلَى مَا فهمه من الْخلق إِذْ سَببه الْعلم الْمُتَقَدّم مِنْهُ على إحتمال ذَلِك الْمَعْنى معنى قد يفهم من الشَّاهِد من على وَمن الْعَرْش وَمن الإستواء معَان مُخْتَلفَة لم يجز صرف ذَلِك إِلَى أوحش وَجه وثمة لأحسن ذَلِك مساغ مَعَ مَا كَانَ الله يمْتَحن بِالْوُقُوفِ فِي أَشْيَاء كَمَا جَاءَ من نعوت الْوَعْد والوعيد وَمَا
стр. 73
جَاءَ من الْحُرُوف الْمُقطعَة وَغير ذَلِك مِمَّا يُؤمن الْمَرْء أَن يكون ذَا مِمَّا المحنة فِيهِ الْوَقْف لَا الْقطع وَالله أعلم
وَقَالَ الكعبي مرّة لَا يجوز أَن يكون الله يحويه مَكَان لما كَانَ وَلَا مَكَان لم يجز أَن يحدث لَهُ حَاجَة إِلَى الْمَكَان إِذْ خلقه لما لَا يجوز عَلَيْهِ التَّغَيُّر ثمَّ قَالَ هُوَ فِي كل مَكَان على معنى أَنه عَالم بِهِ حَافظ لَهُ كَمَا يُقَال فلَان فِي بِنَاء الدَّار أَي فِي فعله
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ فَمَا قَالَ بِأَنَّهُ لَا يحويه مَكَان بِمَا كَانَ وَلَا مَكَان حق إِذْ ذَلِك تغير وَالْقَوْل بِالْحَاجةِ لَا يَقُوله خَصمه فتعليق الدّفع بِهِ خطأ ثمَّ هُوَ يزْعم أَنه كَانَ غير خَالق وَلَا رَحْمَن وَلَا مُتَكَلم ثمَّ صَار كَذَلِك بعد أَن لم يكن ثَبت بِهِ التَّغَيُّر بل التَّغَيُّر فِي الْمَكَان من حَيْثُ أَن يصير الْمَرْء فِي مَكَان لم يكن فِيهِ بِلَا تغير نَحْو أَن يتَّخذ لَهُ مَكَان يُحِيط بِهِ وَلَا يجوز أَن يُوجد تغير من حَيْثُ لَا تغير فِي ذَات الْفَاعِل فِي الشَّاهِد وَإِذ منع القَوْل بِهَذَا فِي الْمَكَان فَهُوَ فِي الْفِعْل أولى إِذْ يكون التَّغَيُّر فِيهِ أَشد وَأولى مَعَ مَا لَا يكون أحد فِي الشَّاهِد فَاعِلا بِلَا تغير يَعْتَرِضهُ وَجَائِز كَونه فِي مَكَان وَهُوَ الَّذِي فِيهِ خلق لَا تغير لذَلِك كَانَ معنى التَّغَيُّر فِي الْفِعْل أَشد وَالله الْمُوفق
ثمَّ الْعجب فِي قَوْله هُوَ فِي كل مَكَان بِمَعْنى الْعَالم والعالم اسْم ذَاته وَهُوَ بِذَاتِهِ عِنْده لَيْسَ فِي مَكَان وَلَا تحقق لله علما ليبلغ الْمَكَان الَّذِي قَالَ هُوَ فِيهِ
تأملوا لتفهموا تناقضه فِي القَوْل
ثمَّ زعم أَنه يحفظه مرّة وَمرَّة أَنه يَفْعَله وَحفظه وَفعله فِي الْأَمْكِنَة لَيْسَ غير الْأَمْكِنَة فَصَارَ حَاصِل قَوْله الله فِي كل مَكَان فِي الْأَمْكِنَة وَذَلِكَ خلف من القَوْل بل هُوَ عَالم بالأمكنة كلهَا قبل كَونهَا وَبعد كَونهَا وَالله الْمُوفق
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ وَأما رفع الْأَيْدِي إِلَى السَّمَاء فعلى الْعِبَادَة
стр. 74
وَللَّه أَن يتعبد عباده بِمَا شَاءَ ويوجههم إِلَى حَيْثُ شَاءَ وَإِن ظن من يظنّ أَن رفع الْأَبْصَار إِلَى السَّمَاء لِأَن الله من ذَلِك الْوَجْه إِنَّمَا هُوَ كظن من يزْعم أَنه إِلَى جِهَة أَسْفَل الأَرْض بِمَا يضع عَلَيْهَا وَجهه مُتَوَجها فِي الصَّلَاة وَنَحْوهَا وكظن من يزْعم أَنه فِي شَرق الأَرْض وغربها بِمَا يتَوَجَّه إِلَى ذَلِك فِي الصَّلَاة أَو نَحْو مَكَّة لِخُرُوجِهِ إِلَى الْحَج وَفِي المشاعر بالسعي فِيهَا ضَالَّة أَو نَاحيَة الْعَدو ويقصدون قصد من يغلب على شَيْء يستنفد مِنْهُ جلّ الله عَن ذَلِك ثمَّ الله سُبْحَانَهُ إِذْ لَيْسَ وَجه أقرب إِلَيْهِ من وَجه وَلَا أَحَق أَن يُعلمهُ من وَجه وَلَا فِي وسع الْخلق وَجه الْوُصُول إِلَيْهِ من وَجه دون وَجه وَلَا طمع الْعُقُول بِمَا هُوَ عَالم بِذَاتِهِ غنى عَن عبَادَة خلقه فعبدهم لأَنْفُسِهِمْ أَن يقومُوا بشكر نعمه لَهُ المحنة كَيفَ شَاءَ لَا يسْبق إِلَى وهم أحد الْوُصُول إِلَيْهِ فِي جِهَة دون جِهَة إِلَّا من يعرف الله حق الْمعرفَة
وَقد بَينا فِيمَا تقدم وصف قربه وَذَلِكَ بالإجابة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب﴾ وبالنصر والمعونه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون﴾ والتقرب إِلَى الْمنزلَة وَالْمحل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿واسجد واقترب﴾ وَمَا روى أَن من تقرب إِلَيّ شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا إِلَى آخر ذَلِك وَقَوله ﴿وابتغوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة﴾ وَفِي الْكلأ وَالْحِفْظ كَقَوْلِه ﴿وَرَبك على كل شَيْء حفيظ﴾ ﴿وَهُوَ على كل شَيْء وَكيل﴾ وَقَوله ﴿أَفَمَن هُوَ قَائِم على كل نفس بِمَا كسبت﴾
стр. 75
وبالعلم بقوله ﴿يعلم سركم وجهركم﴾ وَغير ذَلِك فعلى مثل بعض هَذِه الْوُجُوه المجئ والذهاب وَالْقعُود مَعَ مَا كَانَ مجئ الْأَجْسَام يفهم مِنْهُ الإنتقال ثمَّ مَجِيء الْحق يفهم مِنْهُ الظُّهُور كَقَوْلِه ﴿قل جَاءَ الْحق﴾ وعَلى ذَلِك ذهَاب الْبَاطِل بُطْلَانه وَذَهَاب الْجِسْم إنتقاله فَهَذَا مَحل الْمَجِيء والذهاب فِي الْمَعْرُوف من الْأَعْرَاض والأجسام وَالله يتعالى عَن الْمَعْنيين جَمِيعًا لم يجز أَن يفهم من الْمُضَاف إِلَيْهِ ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
للمسألة عبارَة أُخْرَى إِنَّه مَا من جِهَة وَلَا حَالَة إِلَّا لله على عباده فِيهَا نعم لَا تحصى فَجعل عَلَيْهِم بهَا وفيهَا عبادات كَمَا جعل فِي الْجَوَارِح وَالْأَمْوَال بهَا لَهُ فيهمَا من النعم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَن السَّمَاء هِيَ مَحل ومهبط الْوَحْي وَمِنْهَا أصُول بَرَكَات الدُّنْيَا فَرفع إِلَيْهَا الْبَصَر لذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مَسْأَلَة رُؤْيَة الله
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ القَوْل فِي رُؤْيَة الرب عندنَا لَازم وَحقّ من غير إِدْرَاك وَلَا تَفْسِير فَأَما الدَّلِيل على الرُّؤْيَة فَقَوله تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ وَلَو كَانَ لَا يرى لم يكن لنفى الْإِدْرَاك حِكْمَة إِذْ يدْرك غَيره بِغَيْر رُؤْيَة فموضع نفى الْإِدْرَاك وَغَيره من الْخلق لَا يدْرك إِلَّا بِالرُّؤْيَةِ لَا معنى لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
следующие страницы →