Полный текст (399 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَقَالَ آخر ... بعد ابْن جَفْنَة وَابْن ماثل عَرْشه ... والحاربين تؤملون فلاحا ...
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ الْوَجْه فِي ذَلِك لَو كَانَ على الإستيلاء وَالْعرش الْملك إِنَّه مستول على جَمِيع خلقه وعَلى هَذَا التَّأْوِيل الْمَحْمُول غير هَذَا يدل على الْأَمريْنِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم﴾ بِمَعْنى الْملك الْعَظِيم وَفِيه إِثْبَات عروش غَيره فَذَلِك يحْتَمل مَا يحمل ويحف بِهِ الْمَلَائِكَة وَالله الْمُوفق
وَأما على التَّمام والعلو فَهُوَ أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿قل أئنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿فقضاهن سبع سماوات﴾ فَأخْبر بِخلق مَا ذكر فِي سِتَّة أَيَّام على التفاريق ثمَّ أجملها فِي مَوضِع فَقَالَ ﴿إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ بِمَعْنى خلق الممتحن من خلق الأَرْض وَالسَّمَاوَات فبهم ظهر تَمام الْملك وَعلا وارتفع إِذْ هم المقصودون من خلق مَا بَينا فبذلك تمّ معنى الْملك وَعلا إِذا وصل إِلَى الَّذين لَهُم وَقد قيل ذَا فِي خلق الْبشر خَاصَّة بقوله ﴿هُوَ الَّذِي خلق لكم مَا فِي الأَرْض﴾ وَقَوله ﴿وسخر لكم اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ وَقَوله ﴿وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ وَذكر ابْن عَبَّاس ﵁ أَن الْبشر خلق
стр. 72
الْيَوْم السَّابِع فِيهِ التَّمام والعلو إِذْ خلق لَهُم كل شَيْء وهم لعبادة الله وَلحق بهم الْجِنّ بقوله ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ لَكِن الْمَقْصُود الْبشر إِذْ تسخير مَا ذكرت كُله لَهُم ثمَّ بِمَا يرجع إِلَى منافعهم وَالله الْمُوفق
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَأما الأَصْل عندنَا فِي ذَلِك أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ فنفى عَن نَفسه شبه خلقه وَقد بَينا أَنه فِي فعله وَصفته متعال عَن الْأَشْبَاه فَيجب القَوْل بالرحمن على الْعَرْش اسْتَوَى على مَا جَاءَ بِهِ التَّنْزِيل وَثَبت ذَلِك فِي الْعقل ثمَّ لَا نقطع تَأْوِيله على شَيْء لاحْتِمَاله غَيره مِمَّا ذكرنَا وإحتماله أَيْضا مَا لم يبلغنَا مِمَّا يعلم أَنه غير مُحْتَمل شبه الْخلق ونؤمن بِمَا اراد الله بِهِ وَكَذَلِكَ فِي كل أَمر ثَبت التَّنْزِيل فِيهِ نَحْو الرُّؤْيَة وَغير ذَلِك يجب نفى الشّبَه عَنهُ وَالْإِيمَان بِمَا أَرَادَهُ من غير تَحْقِيق على شَيْء دون شَيْء وَالله الْمُوفق
الأَصْل فِي هَذَا أَن الْأَمر يضيق على السَّامع بِمَا يقدره من الْمَفْهُوم عَن الْخلق فِي الْوُجُود وَإِذ لزم القَوْل فِي الله بالتعالى عَن الْأَشْبَاه ذاتا وفعلا لم يجز أَن يفهم من الْإِضَافَة إِلَيْهِ الْمَفْهُوم من غَيره فِي الْوُجُود مَعَ مَا كَانَ الْوُقُوف على الْمَعْنى يصرف إِلَيْهِ الْكَلَام فِي الْخلق بِمَا هُوَ علمه بِهِ قبل سمع ذَلِك الْكَلَام وَالله سُبْحَانَهُ عرف قبل سمع ذَلِك الْكَلَام على غير الَّذِي عرف عَلَيْهِ الْخلق لم يجز صرف التَّأْوِيل إِلَى مَا فهمه من الْخلق إِذْ سَببه الْعلم الْمُتَقَدّم مِنْهُ على إحتمال ذَلِك الْمَعْنى معنى قد يفهم من الشَّاهِد من على وَمن الْعَرْش وَمن الإستواء معَان مُخْتَلفَة لم يجز صرف ذَلِك إِلَى أوحش وَجه وثمة لأحسن ذَلِك مساغ مَعَ مَا كَانَ الله يمْتَحن بِالْوُقُوفِ فِي أَشْيَاء كَمَا جَاءَ من نعوت الْوَعْد والوعيد وَمَا
стр. 73
جَاءَ من الْحُرُوف الْمُقطعَة وَغير ذَلِك مِمَّا يُؤمن الْمَرْء أَن يكون ذَا مِمَّا المحنة فِيهِ الْوَقْف لَا الْقطع وَالله أعلم
وَقَالَ الكعبي مرّة لَا يجوز أَن يكون الله يحويه مَكَان لما كَانَ وَلَا مَكَان لم يجز أَن يحدث لَهُ حَاجَة إِلَى الْمَكَان إِذْ خلقه لما لَا يجوز عَلَيْهِ التَّغَيُّر ثمَّ قَالَ هُوَ فِي كل مَكَان على معنى أَنه عَالم بِهِ حَافظ لَهُ كَمَا يُقَال فلَان فِي بِنَاء الدَّار أَي فِي فعله
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ فَمَا قَالَ بِأَنَّهُ لَا يحويه مَكَان بِمَا كَانَ وَلَا مَكَان حق إِذْ ذَلِك تغير وَالْقَوْل بِالْحَاجةِ لَا يَقُوله خَصمه فتعليق الدّفع بِهِ خطأ ثمَّ هُوَ يزْعم أَنه كَانَ غير خَالق وَلَا رَحْمَن وَلَا مُتَكَلم ثمَّ صَار كَذَلِك بعد أَن لم يكن ثَبت بِهِ التَّغَيُّر بل التَّغَيُّر فِي الْمَكَان من حَيْثُ أَن يصير الْمَرْء فِي مَكَان لم يكن فِيهِ بِلَا تغير نَحْو أَن يتَّخذ لَهُ مَكَان يُحِيط بِهِ وَلَا يجوز أَن يُوجد تغير من حَيْثُ لَا تغير فِي ذَات الْفَاعِل فِي الشَّاهِد وَإِذ منع القَوْل بِهَذَا فِي الْمَكَان فَهُوَ فِي الْفِعْل أولى إِذْ يكون التَّغَيُّر فِيهِ أَشد وَأولى مَعَ مَا لَا يكون أحد فِي الشَّاهِد فَاعِلا بِلَا تغير يَعْتَرِضهُ وَجَائِز كَونه فِي مَكَان وَهُوَ الَّذِي فِيهِ خلق لَا تغير لذَلِك كَانَ معنى التَّغَيُّر فِي الْفِعْل أَشد وَالله الْمُوفق
ثمَّ الْعجب فِي قَوْله هُوَ فِي كل مَكَان بِمَعْنى الْعَالم والعالم اسْم ذَاته وَهُوَ بِذَاتِهِ عِنْده لَيْسَ فِي مَكَان وَلَا تحقق لله علما ليبلغ الْمَكَان الَّذِي قَالَ هُوَ فِيهِ
تأملوا لتفهموا تناقضه فِي القَوْل
ثمَّ زعم أَنه يحفظه مرّة وَمرَّة أَنه يَفْعَله وَحفظه وَفعله فِي الْأَمْكِنَة لَيْسَ غير الْأَمْكِنَة فَصَارَ حَاصِل قَوْله الله فِي كل مَكَان فِي الْأَمْكِنَة وَذَلِكَ خلف من القَوْل بل هُوَ عَالم بالأمكنة كلهَا قبل كَونهَا وَبعد كَونهَا وَالله الْمُوفق
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ وَأما رفع الْأَيْدِي إِلَى السَّمَاء فعلى الْعِبَادَة
стр. 74
وَللَّه أَن يتعبد عباده بِمَا شَاءَ ويوجههم إِلَى حَيْثُ شَاءَ وَإِن ظن من يظنّ أَن رفع الْأَبْصَار إِلَى السَّمَاء لِأَن الله من ذَلِك الْوَجْه إِنَّمَا هُوَ كظن من يزْعم أَنه إِلَى جِهَة أَسْفَل الأَرْض بِمَا يضع عَلَيْهَا وَجهه مُتَوَجها فِي الصَّلَاة وَنَحْوهَا وكظن من يزْعم أَنه فِي شَرق الأَرْض وغربها بِمَا يتَوَجَّه إِلَى ذَلِك فِي الصَّلَاة أَو نَحْو مَكَّة لِخُرُوجِهِ إِلَى الْحَج وَفِي المشاعر بالسعي فِيهَا ضَالَّة أَو نَاحيَة الْعَدو ويقصدون قصد من يغلب على شَيْء يستنفد مِنْهُ جلّ الله عَن ذَلِك ثمَّ الله سُبْحَانَهُ إِذْ لَيْسَ وَجه أقرب إِلَيْهِ من وَجه وَلَا أَحَق أَن يُعلمهُ من وَجه وَلَا فِي وسع الْخلق وَجه الْوُصُول إِلَيْهِ من وَجه دون وَجه وَلَا طمع الْعُقُول بِمَا هُوَ عَالم بِذَاتِهِ غنى عَن عبَادَة خلقه فعبدهم لأَنْفُسِهِمْ أَن يقومُوا بشكر نعمه لَهُ المحنة كَيفَ شَاءَ لَا يسْبق إِلَى وهم أحد الْوُصُول إِلَيْهِ فِي جِهَة دون جِهَة إِلَّا من يعرف الله حق الْمعرفَة
وَقد بَينا فِيمَا تقدم وصف قربه وَذَلِكَ بالإجابة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب﴾ وبالنصر والمعونه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون﴾ والتقرب إِلَى الْمنزلَة وَالْمحل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿واسجد واقترب﴾ وَمَا روى أَن من تقرب إِلَيّ شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا إِلَى آخر ذَلِك وَقَوله ﴿وابتغوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة﴾ وَفِي الْكلأ وَالْحِفْظ كَقَوْلِه ﴿وَرَبك على كل شَيْء حفيظ﴾ ﴿وَهُوَ على كل شَيْء وَكيل﴾ وَقَوله ﴿أَفَمَن هُوَ قَائِم على كل نفس بِمَا كسبت﴾
стр. 75
وبالعلم بقوله ﴿يعلم سركم وجهركم﴾ وَغير ذَلِك فعلى مثل بعض هَذِه الْوُجُوه المجئ والذهاب وَالْقعُود مَعَ مَا كَانَ مجئ الْأَجْسَام يفهم مِنْهُ الإنتقال ثمَّ مَجِيء الْحق يفهم مِنْهُ الظُّهُور كَقَوْلِه ﴿قل جَاءَ الْحق﴾ وعَلى ذَلِك ذهَاب الْبَاطِل بُطْلَانه وَذَهَاب الْجِسْم إنتقاله فَهَذَا مَحل الْمَجِيء والذهاب فِي الْمَعْرُوف من الْأَعْرَاض والأجسام وَالله يتعالى عَن الْمَعْنيين جَمِيعًا لم يجز أَن يفهم من الْمُضَاف إِلَيْهِ ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
للمسألة عبارَة أُخْرَى إِنَّه مَا من جِهَة وَلَا حَالَة إِلَّا لله على عباده فِيهَا نعم لَا تحصى فَجعل عَلَيْهِم بهَا وفيهَا عبادات كَمَا جعل فِي الْجَوَارِح وَالْأَمْوَال بهَا لَهُ فيهمَا من النعم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَن السَّمَاء هِيَ مَحل ومهبط الْوَحْي وَمِنْهَا أصُول بَرَكَات الدُّنْيَا فَرفع إِلَيْهَا الْبَصَر لذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مَسْأَلَة رُؤْيَة الله
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ القَوْل فِي رُؤْيَة الرب عندنَا لَازم وَحقّ من غير إِدْرَاك وَلَا تَفْسِير فَأَما الدَّلِيل على الرُّؤْيَة فَقَوله تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ وَلَو كَانَ لَا يرى لم يكن لنفى الْإِدْرَاك حِكْمَة إِذْ يدْرك غَيره بِغَيْر رُؤْيَة فموضع نفى الْإِدْرَاك وَغَيره من الْخلق لَا يدْرك إِلَّا بِالرُّؤْيَةِ لَا معنى لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 76
وَالثَّانِي قَول مُوسَى ﵇ ﴿رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ وَلَو كَانَ لَا يجوز الرُّؤْيَة لَكَانَ ذَلِك السُّؤَال مِنْهُ جهل بربه وَمن يجهله لَا يحْتَمل أَن يكون موضعا لرسالته أَمينا على وحيه
وَبعد فَإِن الله تَعَالَى لم يَنْهَهُ وَلَا أيأسه وَبِدُون ذَلِك نهى نوحًا وعاتب آدم وَغَيرهمَا من الرُّسُل وَذَلِكَ لَو كَانَ لَا يجوز يبلغ الْكفْر ثمَّ قَالَ ﴿فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني﴾ فَإِن قيل لَعَلَّه سَأَلَ آيَة يعلم بهَا قيل لَا يحْتَمل ذَلِك لوجوه أَحدهَا أَنه قَالَ ﴿لن تراني﴾ وَقد أرَاهُ
وَأَيْضًا إِن طلب الْآيَات يخرج مخرج التعنت أَو قد أرَاهُ الْآيَات وَذَلِكَ تعنت الْكَفَرَة أَنهم لَا يزالون يطْلبُونَ الْآيَات وَإِن كَانَت الْكِفَايَة قد ثبتَتْ فَمثله ذَلِك
وَأَيْضًا أَنه قَالَ ﴿فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني﴾ وَالْآيَة الَّتِي يسْتَقرّ مَعهَا الْجَبَل دون الْآيَة الَّتِي لَا يسْتَقرّ مَعهَا ثَبت أَنه لم يرد بذلك الْآيَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا مُحَاجَّة إِبْرَاهِيم قومه فِي النُّجُوم وَمَا ذكر بالأفول والغيبة وَلم يحاجهم بِأَن لَا يحب رَبًّا يرى وَلَكِن حاجهم بِأَن لَا يحب رَبًّا يأفل إِذْ هُوَ دَلِيل عدم الدَّوَام وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 77
وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ ثمَّ لَا يحْتَمل ذَلِك الإنتظار لأوجه أَحدهَا أَن الْآخِرَة لَيست لوقت الإنتظار إِنَّمَا هِيَ الدُّنْيَا هِيَ دَار الْوُقُوع والوجود إِلَّا وَقت الْفَزع وَقيل إِنَّهُم يعاينوا فِي أنفسهم مَا لَهُ حق الْوُقُوع وَالثَّانِي قَوْله ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة﴾ وَذَلِكَ وُقُوع الثَّوَاب وَالثَّالِث قَوْله ﴿إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ و ﴿إِلَى﴾ حرف يسْتَعْمل فِي النّظر إِلَى الشَّيْء لَا فِي الإنتظار وَالرَّابِع أَن القَوْل بِهِ يخرج مخرج الْبشَارَة تَعْظِيم مَا نالوا من النعم والإنتظار لَيْسَ مِنْهُ مَعَ مَا كَانَ الصّرْف عَن حَقِيقَة الْمَفْهُوم قَضَاء على الله فَيلْزم القَوْل بِالنّظرِ إِلَى الله كَمَا قَالَ على نفى جَمِيع مَعَاني الشّبَه عَن الله سُبْحَانَهُ على مثل مَا أضيف إِلَيْهِ من الْكَلَام وَالْفِعْل وَالْقُدْرَة والإرادة يجب الْوَصْف بِهِ على نفى جَمِيع مَعَاني الشّبَه وَكَذَلِكَ القَوْل بالهستية فَمن زعم أَن الله تَعَالَى لَا يقدر أَن يكرم أحدا بِالرُّؤْيَةِ فَهُوَ يقدر بِالرُّؤْيَةِ الَّتِي فهمها من الْخلق وَإِن كَانَ القَوْل بالرحمن على الْعَرْش اسْتَوَى وَغير ذَلِك من الْآيَات لَا يجب دَفعهَا بِالْعرضِ على الْمَفْهُوم من الْخلق بل يُحَقّق ذَلِك على نفى الشّبَه فَمثله خبر الرُّؤْيَة وَالله الْمُوفق
وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى ﴿للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة﴾ وَجَاء فِي غير خبر النّظر إِلَى الله وَقد يحْتَمل غير ذَلِك مِمَّا جَاءَ فِيهِ التَّفْسِير لكنه لَوْلَا أَن القَوْل بِالرُّؤْيَةِ كَانَ أمرا ظَاهرا لم يحْتَمل صرف ظَاهر لم يَجِيء فِيهَا إِلَيْهَا وَيدْفَع بِهِ الْخَبَر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا مَا جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ فِي غير خبر أَنه قَالَ
стр. 78
سَتَرَوْنَ ربكُم يَوْم الْقِيَامَة كَمَا ترَوْنَ الْقَمَر لَا تضَامون وَسُئِلَ هَل رَأَيْت رَبك فَقَالَ بقلبي قيل فَلم يُنكر على السَّائِل السُّؤَال وَقد علم السَّائِل أَن رُؤْيَة الْقلب هِيَ الْعلم وَأَنه قد علمه وَأَنه لم يسْأَل عَن ذَلِك وَقد حذر الله الْمُؤمنِينَ عَن السُّؤَال عَن أَشْيَاء قد كفوا عَنْهَا بقوله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تسألوا عَن أَشْيَاء﴾ فَكيف يحْتَمل أَن يكون السُّؤَال عَن مثله بحي وَذَلِكَ كفر فِي الْحَقِيقَة عِنْد قوم ثمَّ لَا ينهاهم عَن ذَلِك وَلَا يوبخهم فِي ذَلِك بل يلين القَوْل فِي ذَلِك وَيرى أَن ذَلِك لَيْسَ ببديع وَالله الْمُوفق
وَأَيْضًا أَن الله تَعَالَى وعد أَن يجزى أحسن مِمَّا عمِلُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا وَلَا شَيْء أحسن من التَّوْحِيد وَأَرْفَع قدرا من الْإِيمَان بِهِ إِذْ هُوَ المستحسن بالعقول وَالثَّوَاب الْمَوْعُود من جَوْهَر الْجنَّة حسنه حسن الطَّبْع وَذَلِكَ دون حسن الْعقل إِذْ لَا يجوز أَن يكون شَيْء حسنا فِي الْعُقُول لَا يستحسنه ذُو عقل وَجَائِز مَا استحسنه الطَّبْع أَن يكون طبع لَا يتلذذ بِهِ كطبع الْمَلَائِكَة وَمثله فِي الْعقُوبَة لذَلِك لزم القَوْل بِالرُّؤْيَةِ لتَكون كَرَامَة تبلغ فِي الْجَلالَة مَا أكْرمُوا بِهِ وَهُوَ أَن يصير لَهُم المعبود بِالْغَيْبِ شُهُودًا كَا صَار الْمَطْلُوب من الثَّوَاب حضورا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَن كلا يجمع على الْعلم بِاللَّه فِي الْآخِرَة الْعلم الَّذِي لَا يَعْتَرِيه الوسواس وَذَلِكَ علم العيان لَا علم الإستدلال وَكثر الْآيَات لَا تحقق علم الْحق الَّذِي لَا يعتري ذَلِك دَلِيله قَوْله ﴿وَلَو أننا نزلنَا إِلَيْهِم الْمَلَائِكَة﴾ وَمَا ذكر من استعانة الْكَفَرَة بالتكذيب فِي الْآخِرَة وإنكار الرُّسُل وَقَوْلهمْ لم نمكث إِلَّا سَاعَة من النَّهَار وَغير ذَلِك
وَبعد فَإِنَّهُ إِذْ لَا يجوز أَن يصير علم العيان نَحْو علم الإستدلال لم يجز أَن يصير علم الإستدلال نَحْو علم العيان فَثَبت أَن الرُّؤْيَة توجب ذَلِك
стр. 79
وَبعد فَإِن فِي ذَلِك الْعلم يستوى الْكَافِر وَالْمُؤمن والبشارة بِالرُّؤْيَةِ خص بهَا الْمُؤمن وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ وَلَا نقُول بالإدراك لقَوْله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ فقد امتدح بِهِ بنفى الْإِدْرَاك لَا يَنْفِي الرُّؤْيَة وَهُوَ كَقَوْلِه ﴿وَلَا يحيطون بِهِ علما﴾ كَانَ فِي ذَلِك إِيجَاب الْعلم وَنفى الْإِحَاطَة فَمثله فِي حق الْإِدْرَاك وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَأَيْضًا إِن الْإِدْرَاك إِنَّمَا هُوَ الْإِحَاطَة بالمحدود وَالله يتعالى عَن وصف الْحَد إِذْ هُوَ نِهَايَة وتقصير عَمَّا هُوَ أَعلَى مِنْهُ على أَنه واحدي الذَّات وَالْحَد وصف الْمُتَّصِل الْأَجْزَاء حَتَّى يَنْقَضِي مَعَ إِحَالَة القَوْل بِالْحَدِّ أَو كَانَ وَلَا مَا يحد أَو بِهِ يحد فَهُوَ على ذَلِك لَا يتَغَيَّر على أَن لكل شَيْء حدا يدْرك بسبيله نَحْو الطّعْم واللون والذوق والرائحة وَغير ذَلِك من حُدُود خاصية الْأَشْيَاء جعل الله لكل شَيْء من ذَلِك وَجها يدْرك بِهِ ويحاط بِهِ حَتَّى الْعُقُول والأعراض فَأخْبر الله أَنه لَيْسَ بِذِي حُدُود وجهات هِيَ طرف إِدْرَاكه بالأسباب الْمَوْضُوعَة لتِلْك الْجِهَات وعَلى ذَلِك القَوْل بِالرُّؤْيَةِ وَالْعلم جَمِيعًا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبعد فَإِن القَوْل بِالرُّؤْيَةِ يَقع على وُجُوه لَا يعلم حَقِيقَة كل وَجه من ذَلِك إِلَّا بِالْعلمِ بذلك الْوَجْه حَتَّى إِذا عبر عَنهُ بِالرُّؤْيَةِ صرف إِلَى ذَلِك وَمَا لَا يعرف لَهُ الْوَجْه بِدُونِ ذكر الرُّؤْيَة لزم الْوَقْف فِي مائيتها على تحقيقها وَأما الْإِدْرَاك إِنَّمَا هُوَ معنى الْوُقُوف على حُدُود الشَّيْء أَلا ترى أَن الظل فِي التَّحْقِيق يرى لكنه لَا يدْرك إِلَّا بالشمس وَإِلَّا كَانَ مرئيا على مَا يرى لوقت تسبح الشَّمْس وَلَكِن لَا يدْرك بِالرُّؤْيَةِ إِلَّا بِمَا يتَبَيَّن لَهُ الْحَد وَكَذَلِكَ ضوء النَّهَار يرى لَكِن حَده لَا يعرف بِذَاتِهِ وَكَذَلِكَ الظلمَة لِأَن طرفها لَا يرى فيدرك ويحاط بِهِ وبالحدود يدْرك الشَّيْء وَإِن كَانَ يرى لَا بِهِ وَلذَلِك ضرب الْمثل
стр. 80
بالقمر أَنه لَا يعرف وَحده وَلَا سعته ليوقف ويحاط بِهِ وَيرى بِيَقِين وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَالْأَصْل فِيهِ القَوْل بذلك على قدر مَا جَاءَ وَنفى كل معنى من مَعَاني الْخلق وَلَا يُفَسر لما لم يَجِيء فِي ذَلِك تَفْسِير وَالله الْمُوفق
ثمَّ احْتج الكعبي بِأَنَّهُ الْإِدْرَاك وَقد بَينا ذَلِك ثمَّ زعم أَن الْعلم بالغائب إِذْ لم يخرج عَن الْوُجُوه الَّتِي بهَا يعلم فَكَذَلِك لَا يرى إِلَّا بالوجوه الَّتِي بهَا يرى من المباينة للمرئى وَلما حل فِيهِ المرئى بالمسافة والمقابلة وإيصال الْهَوَاء والصغر وَعدم الصغر والبعد وَلَو جَازَت الرُّؤْيَة بِخِلَاف هَذَا لجَاز الْعلم بِهِ
وَقَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَقد أَخطَأ فِي هَذَا الْفَصْل بِوُجُوه أَحدهَا أَنه قدر بِرُؤْيَة جوهره وَقد علم أَن غير جوهره جَوَاهِر يرَوْنَ من الْوَجْه الَّذِي لَا يقدر على الْإِحَاطَة بجوهره فضلا عَن إِدْرَاك بَصَره نَحْو الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وَغَيرهم مِمَّا يروننا من حَيْثُ لَا نراهم والجثة الصَّغِيرَة نَحْو البق والبعوض وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يرى لما لَو توهم ذَلِك الْبَصَر لما احْتمل الْإِدْرَاك وَيرى الْملك الَّذِي يكْتب جَمِيع أفعالنا وَيسمع جَمِيع أقوالنا على مَا إِذا أردنَا تَقْدِير ذَلِك بِمَا عَلَيْهِ جبلنا للَزِمَ إِنْكَار ذَلِك كُله وَذَلِكَ عَظِيم وَكَذَلِكَ مَا ذكر من نطق الْجُلُود والجوارح وَغَيرهَا مِمَّا لَو امتحن بِمِثْلِهَا أَمر الشَّاهِد لوجد عَظِيما
وَبعد فَإِنَّهُ فِي الشَّاهِد يفصل بَين الْبَصَر فِي الرُّؤْيَة والتمييز على قدر تفاوتهما بِمَا اعتراهما من الْحجب مِمَّا لَو قَابل أَحدهمَا حَال الآخر على حَالَته وجده مستنكرا وَإِذا كَانَ كَذَلِك بَطل التَّقْدِير بِالَّذِي ذكر وَالله الْمُوفق
وَأَيْضًا أَنه فِي الشَّاهِد بِكُل أَسبَاب الْعلم لَا يعلم غير الْعرض والجسم ثمَّ جَاءَ من الْعلم بالغائب خَارِجا مِنْهُ فَمثله الرُّؤْيَة وَالله أعلم
стр. 81
وَالثَّالِث مَا بَينا من رُؤْيَة الظل والظلمة والنور من غير شَيْء من تِلْكَ الْوُجُوه
وَالرَّابِع أَنه قد يجوز وجود تِلْكَ الْمعَانِي كلهَا مَعَ عدم الرُّؤْيَة إِمَّا بحجب أَو جَوْهَر فَجَاز تَحْقِيق الرُّؤْيَة على نفي تِلْكَ الْمعَانِي نَحْو مَا أُجِيب الْقَائِل بالجسم عِنْد معارضته بالفاعل والعالم أَنه جسم لَا كَذَلِك فَيجوز وجود ذَلِك وَلَا جسم فَمثله فِي الرُّؤْيَة
على أَن الْبعد الَّذِي يحجبنا والدقة يجوز أَن يبلغهُ بصر غَيرنَا فَصَارَ ارْتِفَاع الرُّؤْيَة بالحجاب فَإِذا ارْتَفع جَازَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبعد فَإِن الَّذِي يَقُوله تَقْدِير بِرُؤْيَة الْأَجْسَام وَلم يمْتَحن بَصَره بِغَيْر الْأَجْسَام والأعراض أَن كَيفَ سَبِيل الرُّؤْيَة لَهُ
وَبعد فَإِن كل جسم يرى وَإِن كَانَ الدقة والبعد يحجبان فَيجوز إرتفاعهما عَن بصر غَيره فَيرى علما مَا يرى ملك الْمَوْت من بأطراف الأَرْض ووسطها مِمَّا لَو اعْتبر ذَلِك ببصر الْبشر لما احْتمل الْإِدْرَاك فَثَبت أَن الَّذِي قدر بِهِ لَيْسَ هُوَ سَبَب تَعْرِيف مَا يبصر وَلَكِن سَبَب تَعْرِيف مَا يحجب بِهِ الْبَصَر فَإِذا ارْتَفع رأى مَعَ مَا كَانَ المنفى رُؤْيَته لذاته عرض وَإِلَّا فَكل جسم يرى فَإِن لزم إِنْكَار الرُّؤْيَة لما لَيْسَ بجسم أَو لما لَا يرى إِلَّا بِمَا ذكر ليلزم الْإِقْرَار بِهِ لِأَن الَّذِي لَا يرى لذاته هُوَ الْعرض وَإِلَّا فَكل عين يرى وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وعارض بِأَمْر الدُّنْيَا وَلَا يُحَال ذَلِك وَلَكِن يسْقط المحنة وَيرْفَع الكلفة وَالدُّنْيَا لَهما خلقت
ثمَّ ذكر فِي أَمر مُوسَى ﵇ أَن ذَلِك على علم الْإِحَاطَة بِالْآيَاتِ وَقد بَينا فَسَاد ذَلِك وَمَا ذَلِك بلغ الْعلم بِالَّذِي يسْأَل وَهُوَ رَسُول بعث إِلَى مَا بِهِ نجاة الْخلق وَذَلِكَ لَا يكون بِغَيْر الممتحن إِذْ هُوَ تَبْلِيغ الرسَالَة وَالدُّعَاء
стр. 82
إِلَى الْعِبَادَة وَهِي محنة بل سَأَلَ الرُّؤْيَة ليجل قدره وليعرف عَظِيم مَحَله عِنْد الله أَو أَن يكون الله أمره بِهِ ليعلم الْحلق جَوَاز ذَلِك وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
ثمَّ اسْتدلَّ بِأَنَّهُ لم ير من يعقل إِنَّمَا أرى الْجَبَل والجبل لَا يعقل ليعلمه وليراه
فَيُقَال لَهُ وَلَو كَانَت آيَة فالجبل لَا يَرَاهَا وَلَا يعقل وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالآية إِذا صَار اندكاك الْجَبَل لَا أَن أرَاهُ الْآيَة ليندك بهَا وَفِي هَذَا آيَة قد أرى مُوسَى الْآيَة وَهُوَ اندكاك الْجَبَل وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿لن تراني﴾ وَحَمَلته على الْآيَة وَقد رَآهَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ سَأَلَ نَفسه عَن معنى تَوْبَته وَلَا يسْأَل عَنهُ فَزعم أَنه لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنه علم بِمَا أرَاهُ من الْأَدِلَّة أَن ذَلِك صَغِيرَة تَابَ عَنْهَا وَالثَّانِي على الْعَادة فِي الْخلق من تجديدها عِنْد الْأَهْوَال بِلَا حُدُوث ذَنْب
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَلَو كَانَ صَغِيرَة لَكَانَ أولى من تَركه إِلَى أَن يعلم بالأدلة وَهِي فِي الْأَعْلَام فِي غير حَال الْإِغْمَاء أَحَق مِنْهَا فِي حَال الْإِغْمَاء وَالثَّانِي يَصح ذَلِك عِنْد معاينته الهول لَا عِنْد سكونه وإبداله بالأمن والإفاقة وَذَلِكَ وَقت معاينته عَصَاهُ يَهْتَز فولى مُدبرا أَحَق وَالله الْمُوفق
لكنه يحْتَمل أَن يكون إِذْ قَالَ لَهُ لن تراني وَكَانَ عِنْده جَوَاز الرُّؤْيَة فِي الشَّاهِد وإحتمال وَسعه ذَلِك بِمَا وعد الله لَهُ فِي الْآخِرَة رَجَعَ عَمَّا كَانَ عِنْده وآمن بِالَّذِي قَالَ ﴿لن تراني﴾ وَإِن كَانَ فِي أصل إيمَانه دَاخِلا على نَحْو إِحْدَاث الْمُؤمنِينَ الْإِيمَان بِكُل آيَة ينزل وَبِكُل فَرِيضَة تتجدد وَإِن كَانُوا فِي الْجُمْلَة مُؤمنين بِالْكُلِّ وَالله الْمُوفق
وَقد بَينا مَا قَالَ فِي قَوْله ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ وَالْأَصْل فِي الْكَلَام أَنه إِذا كَانَ على أَمر مَعْهُود أَو يقرن بِهِ الْمَقْصُود إِلَيْهِ صرف عَن حَقِيقَته وَإِلَّا لَا نَحْو قَوْله
стр. 83
﴿ألم تَرَ إِلَى رَبك كَيفَ مد الظل﴾ و ﴿ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك﴾ وَأَصله أَن من قَالَ رَأَيْت فلَانا أَو نظرت إِلَى فلَان لم يحْتَمل غير ذَاته وَإِذا قَالَ رَأَيْته يَقُول كَذَا وَيفْعل كَذَا أَنه لَا يُرِيد بِهِ رُؤْيَة ذَاته فَمثله أَمر قصَّة مُوسَى ﵇ وَهَذِه الْآيَة
ثمَّ الأَصْل أَن من تَأمل الَّذِي ذكر عرف أَنه مشبهي النحله لِأَنَّهُ لم يذكر الْمَعْنى الَّذِي لَهُ يجب أَن تكون الرُّؤْيَة بِتِلْكَ الشَّرَائِط إِنَّمَا أخبر أَنه كَذَلِك وجد وَهُوَ قَول الْمُشبه إِنَّه وجد كل فَاعل فِي الشَّاهِد جسما وَكَذَا كل عَالم فَيجب مثله فِي الْغَائِب ثمَّ ذكر معنى رُؤْيَة الْجِسْم وَلم يذكر معنى رُؤْيَة غير الْجِسْم حَتَّى يكون لَهُ دَلِيلا
وَبعد فَإِنَّهُ نفى بالدقة والبعد وهما زائلان عَن الله سُبْحَانَهُ ثمَّ احْتج بامتداح الله بقوله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ وَقَالَ لَا يجوز أَن يَزُول فَمثله عَلَيْهِ فِي قَوْله ﴿خَالق كل شَيْء﴾ وَقَوله ﴿وَهُوَ على كل شَيْء قدير﴾ فَلَا يجوز أَن يَزُول ثمَّ قد وصف الله بِالرُّؤْيَةِ على إِسْقَاط مَا ذكر فَثَبت أَن ذَلِك طَرِيق لَا يُؤَدِّي على كنه مَا بِهِ الرُّؤْيَة
فَإِن قيل كَيفَ يرى
قيل بِلَا كَيفَ إِذْ الْكَيْفِيَّة تكون لذى صُورَة بل يرى بِلَا وصف قيام وقعود وإتكاء وَتعلق وإتصال وانفصال ومقابلة ومدابرة وقصير وطويل وَنور وظلمة وَسَاكن ومتحرك ومماس ومباين وخارج وداخل وَلَا معنى يَأْخُذهُ الْوَهم أَو يقدره الْعقل لتعاليه عَن ذَلِك
стр. 84
شيئية الْمَعْدُوم عِنْد الْمُعْتَزلَة والإجابة عَنْهَا
قَالَ الْفَقِيه ﵀ ثمَّ نذْكر طرفا مِمَّا يدل الْعَاقِل على مَذْهَب الإعتزال فِي أُصُوله ومضاهاتهم أهل الْأَدْيَان ليعلم المتأمل أَن مذاهبهم نتيجة مذاهبهم
قَالَت الْمُعْتَزلَة الْمَعْدُوم أَشْيَاء وشيئية الْأَشْيَاء لَيست بِاللَّه وَبِاللَّهِ إخْرَاجهَا من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ فَعَلَيْهِم فِي ذَلِك تَحْقِيق الْأَشْيَاء فِي الْأَزَل لَكِنَّهَا مَعْدُومَة ثمَّ وجدت من بعد وَفِي تَقْدِيمهَا نفى التَّوْحِيد لما كَانَت الْأَشْيَاء بعد مَعْدُومَة فاختلفا فِي الْخُرُوج والظهور وَإِلَّا فَهِيَ فِي الْقدَم أَشْيَاء مَعْدُومَة فصيروا مَعَ الله أغيارا فِي الْأَزَل وَذَلِكَ نقض للتوحيد
وَفِيمَا قَالُوا قدم الْعَالم لِأَنَّهُ الْأَشْيَاء سوى الله والمعدوم أَشْيَاء سواهُ لم يزل وَفِي ذَلِك مُخَالفَة جَمِيع الْمُوَحِّدين فِي إنْشَاء الله تَعَالَى الْأَشْيَاء من لَا شَيْء وعَلى قَوْلهم إِنَّمَا هُوَ إنْشَاء بِمَعْنى الإيجاد وَإِلَّا فَهِيَ أَشْيَاء قبل الْإِنْشَاء وَالله الْمُوفق
فَقَوْل من يَقُول من الدهرية بالباري على أَنه لم يزل صانع الْأَشْيَاء لتَكون فِي الْأَزَل أقرب من قَول هَؤُلَاءِ وَفِيمَا قَالُوا أَيْضا إِيجَاب مُوَافقَة الدهرية فِي قَوْلهم طِينَة الْعَالم قديمَة وَكَذَلِكَ قَول أَصْحَاب الهيولي أَن حدثت الْأَعْرَاض فَظهر بهَا الْعَالم وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ يجْعَلُونَ الْأَشْيَاء بالشيئية غير حادثه ثمَّ وجدت مَعَ مَا فِي ذَلِك من أَن الله لم يكن خَالِقًا وَلَا منشئا كَمَا كَانَت الْأَشْيَاء لَا مَوْجُودَة فَوجدت وَالله سُبْحَانَهُ كَانَ بِذَاتِهِ غير فَاعل ثمَّ ظهر بِخلق الْخلق أَو كَانَ غير خَالق ثمَّ وجد خَالِقًا وَالله الْمُوفق
وَقَوْلهمْ إِن الله كَانَ بِذَاتِهِ وَلم يكن الْعَالم وَلَا شَيْء مِنْهُ ثمَّ كَانَ الْعَالم من غير أَن كَانَ مِنْهُ إِلَيْهِ معنى بِهِ كَانَ لِأَن الْإِرَادَة عِنْدهم هِيَ الْعَالم وَكَذَلِكَ التكوين
стр. 85
فَكَانَ الْعَالم لَا معنى مِنْهُ إِلَيْهِ بِهِ كَانَ ثمَّ صيروه دَلِيلا عَلَيْهِ على القَوْل بِمَا ذكرت
فَأَما إِن كذبُوا بجعله دَلِيلا وبقولهم أَن لم يكن مِنْهُ غير كَونه بعد أَن لم يكن ومذهبهم أَن الْعلم بِكَوْن شَيْء لَا يُوجب تكوينه والقدم لَا يُوجب كَونه بِهِ وَلَيْسَ من الله عِنْدهم إِلَّا هذَيْن لَا يُوجب وَاحِد مِنْهُمَا كَونه فأوجبوا كَون الْعَالم لَا بِأحد على مَا قَالَ الْقَائِلُونَ بقدم الْعَالم إِذْ كَانَ لَا بِغَيْرِهِ فضاهوا بقَوْلهمْ هَذَا قَول أُولَئِكَ إِلَّا أَن أُولَئِكَ ألزم للْقِيَاس إِذْ لما كَانَ الْعَالم لَا بِغَيْرِهِ جَعَلُوهُ أزليا وَهَؤُلَاء جَعَلُوهُ من الْوَجْه الَّذِي بَينا لَا بِغَيْرِهِ حَادِثا
ثمَّ أعجب مِنْهُ أَن جعلُوا الْعَالم خَالِقًا وَنَفسه مخلوقة وجعلوه صانعا وَنَفسه مصنوعة فَصَارَ الْعَالم عَالما لَا بصنع لغيره فِيهِ ثمَّ ألزم نَفسه كل اسْم دنئ وكل اسْم سنى لَو قلب اسْم الْعَالم لَكَانَ أعذر وَلَكِن ذَا آيَة عواقب السوء
وَأَيْضًا من مضاهاتهم فِي هَذَا قَول الثنوية إِن الْأَشْيَاء كَانَت مَعْدُومَة ثمَّ وجدت من غير أَن كَانَت بِهِ ثمَّ إيجادها غير خُرُوجهَا من الْعَدَم وَقَالَت الثنوية كَانَ النُّور والظلمة متباينين فامتزجا فَكَانَ هَذَا الْعَالم من غير أَن كَانَ ثمَّ تبَاين غيرا وامتزاج غير فَصَارَ الْعَالم عَالما بِنَفسِهِ بعد أَن لم يكن عَالما إِذْ لَا غير هُنَالك أوجب ذَلِك وَكَذَا قَول الْمُعْتَزلَة على مَا ذكرنَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
واستدلت الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم على حدث الْعَالم بِمَا لَا يَخْلُو عَن مُحدث وَلم يكن دليلهم على ذَلِك سوى وجود الْعَالم فأوجبوا حَدثهُ وَقَالُوا ذَلِك بمحدث ثمَّ
стр. 86
قَالَت الْمُعْتَزلَة فِي الله سُبْحَانَهُ إِنَّه كَانَ غير خَالق وَلَا رَحْمَن وَلَا رَحِيم وَهُوَ الْيَوْم كَذَلِك فصيروه فِي أول أَحْوَاله مَا وَقع لِلْخلقِ بِهِ الْعلم غير خَال عَن الْحَوَادِث كالعالم الَّذِي وجدوه بالحس غير خَال عَنْهَا فَصَارَ السَّبَب الَّذِي عرفُوا حدث الْعَالم بِهِ هُوَ الَّذِي بِهِ عرفُوا حدث الْخَالِق الرَّحْمَن وَالله قديم لم يزل
ثمَّ بعد هَذَا وَجْهَان أَحدهمَا أَنه إِذا لزم القَوْل فِي جملَة الْعَالم بِالْحَدَثِ وَإِن لم نشهده بوجودنا مَا شَهِدنَا مِنْهُ غير خَال من الإحداث للَزِمَ ذَلِك فِي الصَّانِع الْخَالِق لوجودنا لَهُ مَا بِهِ نُسَمِّيه حَدثا وَالثَّانِي أَنه قد وَجب قدم ذَاته مَعَ مَا لَا يعلم وجوده إِلَّا بحوادث لم لَا وَجب القَوْل بقدم جملَة الْعَالم وَإِن كَانَ غير خَال عَن الْحَوَادِث
وَبعد فَإِن معرفَة إحتمال الْحَوَادِث فِيمَا لَا يحسن من الْعَالم بِمَا أضيف إِلَيْهِ من الإجتماع والإفتراق والتحرك والسكون فَالله على قَوْلهم يُضَاف إِلَيْهِ الرَّحْمَة والصنع والأبداع والإعادة وكل هَذَا عِنْدهم حوادث فَيجب القَوْل فِيهِ بِمَا يجب فِي الْعَالم وَيكون لمن هُوَ بِهَذَا الْوَصْف خَالق صانع خَارج من ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَت الْمُعْتَزلَة كَانَ الله سُبْحَانَهُ ثمَّ حدث مِنْهُ إِرَادَة كَانَ بهَا الْعَالم من غير أَن كَانَ مِنْهُ إِيَّاهَا إِحْدَاث أَو إِرَادَة أَو لَهَا اخْتِيَار إِذْ لَا غير لَهَا سوى ذَاته وَقد كَانَ ذَاك قبلهَا
وَكَذَلِكَ قَالَت الْمَجُوس أَن كَانَ الله سُبْحَانَهُ فَحدثت فكرة رَدِيئَة كَانَ مِنْهَا الشَّيْطَان وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِهِ كل شَرّ فَسَمت الْمَجُوس تِلْكَ فكرة وسمتها الْمُعْتَزلَة إِرَادَة واختيارا وَكَانَ حدوثها لَا بِاخْتِيَار وَإِرَادَة فَهِيَ بالفكرة أشبه ثمَّ لم تكن هِيَ غير الشَّرّ وَلَا الْإِرَادَة عِنْد الْمُعْتَزلَة غير الْعَالم فَهَذَا وَالله أعلم
стр. 87
معنى قَول رَسُول الله ﷺ الْقَدَرِيَّة مجوس هَذِه الْأمة
وَبعد فَإِن الْعَالم عِنْدهم إِذْ لَا يَخْلُو عَن إجتماع وافتراق وَزَوَال وقرار وَهَذِه أَحْوَال احْتمل كَونهَا بِغَيْر الله على مَا يكون من إجتماع آجر السفن والبنيان وَالْكِتَابَة وَنَحْوهَا وَكَذَلِكَ التَّفْرِيق وعَلى مَا كَانَ سير الشَّمْس وَالْقَمَر وحركات الْخلق وسكونهم وَلَا عَالم بِدُونِ وجود هذَيْن النَّوْعَيْنِ من الأعرض والأجسام وَكَانَ ذَلِك جملَة يحْتَمل الْكَوْن بِاللَّه وبالخلق فَكَانَ الْعَالم جملَة يحْتَمل الْكَوْن بِاللَّه وبالخلق فَكَانَ الْعَالم جملَة بِعَدَد وَذَلِكَ قَول الزَّنَادِقَة بإثنين وَأَصْحَاب الطبائع والنجوم بِأَكْثَرَ من إثنين
وَبعد فَإِن الله جلّ ثَنَاؤُهُ لم يقم على قَوْلهم حجَّة إحداثه سوى الْعَالم وَلَا حجَّة قدمه ثمَّ لم يفصل بَين الْأَعْرَاض الَّتِي هِيَ صنع غَيره وَبَين الَّتِي هِيَ صنعه لِأَن الإجتماع والزوال وَنَحْو ذَلِك قد يُوجد فِي العيان وَلَا يرى لَهُ الْجَامِع المحرك وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك لغيره لَا لَهُ وَإِن لم يعاين إِذْ هُوَ نَظِير مَا يعاين مِنْهُ فَصَارَ ذَلِك كَقَوْل الثنوية وَأَصْحَاب الطبائع تكون الْأَشْيَاء بهَا من غير أَن أَقَامَ كل مِنْهَا دَلِيل صنعه مِمَّا يفصل بِهِ من صنع غَيره وَذَلِكَ آيَة الْعَجز
وَالْمعْنَى الَّذِي احْتج الله بِهِ على كَون الْعَالم بكليته بِهِ إِذْ قَالَ ﴿إِذا لذهب كل إِلَه بِمَا خلق﴾ فعلى قَوْلهم فَالله تَعَالَى أَيْضا لم يذهب بِمَا خلق لِأَنَّهُ لم يَجْعَل عَلَيْهِ علما
وَبعد فَإِن الْأَجْسَام اللطيفة إِذا توهمت تفرقها أَجزَاء مِمَّا لَا يتجزى كل جُزْء مِنْهَا امْتنع ذَلِك عَن الْإِدْرَاك بالحس ليؤدي إِلَى الْعقل وَقد يتهيأ جمعهَا بِغَيْر
стр. 88
الله على قدر لطف الْجَوَاهِر وكثافتها فَصَارَت حجج الله على دَرك الْأَجْسَام فعل غَيره فِي الْإِمْكَان وَلم يبين الله تَعَالَى الْخلق بِمَا يعلمُونَ بِهِ أَنه مِنْهُ بِدَلِيل يدْفع الْإِمْكَان من غَيره ليقرر كَونه مِنْهُ فِيمَا أحسهم فَكيف فِيمَا غيب عَنْهُم فضهى بِهِ من ذكرت من الثنوية وَغَيرهم أَنه لم يَجْعَل أحد مِنْهُم على فعله دَلِيلا إِذْ مَا من شَرّ إِلَّا وَأمكن أَن يكون ذَلِك خيرا لأحد وَكَذَا فِي الْجَوَاهِر من الْحَرَارَة والبرودة إِلَى آخر مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ الطبائع وَكَذَلِكَ النُّجُوم السيارة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَاسْتدلَّ أهل التَّوْحِيد على نفى قَول الثنوية بحرفين أَحدهمَا بقدرة كل وَاحِد مِنْهُمَا على أَن يسد شَيْئا عَن الآخر وَيقدر أَن يفعل مَا لَا يُعلمهُ الآخر حَتَّى إِذا قَالُوا نعم جهلوهما أَو أَحدهمَا وَإِن قَالُوا لَا عجزوهما وَالْجهل وَالْعجز يسقطان الربوبية وَالثَّانِي أَن مَا أَرَادَ هَذَا إثْبَاته يُرِيد الآخر نَفْيه فيتناقض فَدلَّ الْوُجُود على كَون الْوَاحِد
ثمَّ من مَذْهَب الْمُعْتَزلَة أَن العَبْد يقدر على فعل خَارج مِمَّا علم الله أَن يكون إِذْ كل من هُوَ فِي علم الله أَن يكون كَافِرًا يقدر على أَن يكون مُؤمنا وَحَقِيقَة كَونه خُرُوج عَن علمه فَأوجب ذَلِك للْعَبد قدرَة إسرار الْفِعْل عَن الله ثمَّ لم ينف وحدانيته فَكَذَلِك لَو كَانَ ثمَّة إِلَه آخر فَهَذَا لتعلم أَن مَذْهَبهم عِنْد التَّحْصِيل مَذْهَب الزَّنَادِقَة إِذْ الَّذِي بِهِ ثَبت التَّوْحِيد هُوَ الَّذِي ينْقض المذهبين جَمِيعًا وَالله الْمُوفق
والحرف الثَّانِي يثبتون للْعَبد قدرَة فِي نفى جَمِيع تَدْبيره من التوالد وَدفع وعيده من قَوْله ﴿لأملأن جَهَنَّم﴾ ويثبتون فعل جَمِيع الْكَفَرَة والأبالسة بِغَيْر الَّذِي يُرِيد الله كَونه بل هُوَ يُرِيد أَن لَا يكون ويبذل فِي منع ذَلِك كل مَا فِي خزائنه حَتَّى لَو أَرَادَ أَن يزِيد فِيهِ شَيْئا لم يقدر عَلَيْهِ ثمَّ لم يمْنَع القَوْل بالإله وَقَامَ الْخلق على
стр. 89
مَا فِي علمه قِيَامه وَكَونه فَكَذَلِك فِي أَمر الْعَالم وَهُوَ يُوضح مَا أَخْبَرتك أَن مَذْهَبهم ينْتج مَذْهَب أهل الدَّهْر والزنادقة لَا مَذْهَب أهل الْإِسْلَام وَالله الْمُوفق
وَمذهب الزَّنَادِقَة أَن الْعَالم كَانَ فعل اثْنَيْنِ لَيْسَ لأَحَدهمَا فِي فعل آخر صنع وَلَا تَدْبِير وَلَا قدرَة وَأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا ينْفَرد بِنَوْع من الْفِعْل من الشَّرّ وَالْخَيْر لَا يقدر عَلَيْهِ الآخر وَكَذَلِكَ مَذْهَب الْمَجُوس
وعَلى مَذْهَب الإعتزال أَن العَبْد لَهُ قدرَة على نوع من الْفِعْل وَهُوَ الْكسْب وللمعبود نوع وَهُوَ الإيجاد وَلَيْسَ لله على مَا للْعَبد قدره وَلَا صنع وَلَا للْعَبد على مَا لله وعَلى هذَيْن الْأَمريْنِ دَار تَدْبِير الْعَالم فضهوا بِهِ من ذكرت فِي التَّحْصِيل
ثمَّ ازْدَادَ مَذْهَب هَؤُلَاءِ قبحا من حَيْثُ جعلُوا مِنْهُ قدرَة على مَا للْعَبد من السّكُون وَالْحَرَكَة فَلَمَّا أقدر الله العَبْد عَلَيْهِمَا ذهبت عَنهُ الْقُدْرَة وَلَا نرى الثنوية تزيل قدرَة وَاحِد مِنْهُمَا بالتمكين من الآخر ليعلم معنى الْقُدْرَة فِي الَّذِي أضيف إِلَيْهِ الربوبية عِنْد الثنوية أَحَق أَن يكون بِنَفسِهِ مِنْهُ عِنْد الْمُعْتَزلَة وَفِي ذَلِك إِزَالَة الْقُدْرَة لله أَن يكون بِذَاتِهِ وَهُوَ أقبح قَول
وَالثَّانِي كذبهمْ إِذْ ثبتوا للْعَبد فِي نوع فعله جَمِيع مَا ثبتوا للصانع وَلم يثبتوا لَهُ اسْم الألوهية الَّذِي عرف الله بِهِ من فعل الْإِنْشَاء وَكَذَلِكَ اسْم الْخَالِق
مَعَ مَا كَانَت الْمُعْتَزلَة يزِيدُونَ فِي رُتْبَة قدرَة العَبْد الْقَادِر على قدرَة الله لأَنهم يَقُولُونَ إِن الله لَا يقدر بالموعود أَن يكون وَبِمَا كَانَ الْوَفَاء فعله مَعَ الْوَصْف بِالْقُدْرَةِ وَذَلِكَ نَحْو مَا ضرب لعبيده مدَدا وَلَهُم أرزاقا قدرهَا لَهُم ثمَّ يجِئ عبد فيقتله قبل اسْتِيفَائه مدَّته وإنجازه وعده على بَقَاء قدرته وَالله تَعَالَى لَا يقدر على منع العَبْد مِمَّا هُوَ فعله يُرِيد الْوَفَاء بِهِ على غير منع الْقُدْرَة عَنهُ فَصَارَت قدرَة العَبْد أعظم ومشيئة أنفذ جلّ رَبنَا وَتَعَالَى عَن هَذَا الْوَصْف
والثنوية تزْعم أَن النُّور وَقع فِي حبس الظلمَة ووثاقها من الْوَجْه الَّذِي هم بِهِ الصّلاح وَدفع شَرها عَن جوهره وَكَذَلِكَ الظلمَة على قَول من يَجْعَل ابْتِدَاء
стр. 90
الْقدح مِنْهَا فَأَخْطَأَ جَمِيعًا لما خرج فعلهَا على خلاف مَا أَرَادَا وَصَارَ كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي جِهَة من يَد الآخر فلزمهم القَوْل فِي النُّور بالْخَطَأ وبالجهل وَالْعجز أما الْخَطَأ فَلَمَّا لم يكن عاقبته على مَا أَرَادَ وَالْجهل لما لم يكن علم أَنه يبْقى فِي وثاق عدوه وَأما الْعَجز هُوَ أَنه فِي جهد الْخَلَاص وتدبيره فَلم يتهيأ لَهُ
وَكَذَلِكَ قَول الْمُعْتَزلَة إِن الله لم يقو كَافِر وَلَا أحدا إِلَّا ليطيعه وَلَا ملك أحدا شَيْئا إِلَّا ليشكر وَلَا خلق أحدا إِلَّا ليخضع لَهُ وَكَذَلِكَ يُرِيد وَله فعل مَا فعل وَلَو كَانَ مِنْهُ غير هَذَا كَانَ يكون سَفِيها ظَالِما ثمَّ لم يكن بِجَمِيعِ مَا أعْطى أعداءه مَا أَرَادَ وَله أخطاء وَذَلِكَ الْخَطَأ الْمَعْرُوف أَن لَا يخرج الْأَمر على مَا يُريدهُ ثمَّ الْقُدْرَة على مَا لم لَو فعل لَكَانَ خَارِجا عَن علمه ثمَّ ثَبت من الْفِعْل فِيمَا بعد هُوَ فعل الله فِي الْمَنْع مِنْهُ فَأوجب قَوْلهم مضاهاة من ذكرت بِكُل وُجُوه المذمة
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَأنْكرت الزَّنَادِقَة قَول شَيْء يحدث لَا من شَيْء لما لَا يتَصَوَّر مثله فِي الْوَهم وَكَذَلِكَ المشبهة فِي قَوْلهم بالجسم
وَأنْكرت الْمُعْتَزلَة خلق أَفعَال الْعباد لما لَيْسَ بقائم فِي الْعُقُول وَلَا متوهم فِي الأوهام وَزَعَمت الْقَدَرِيَّة أَن الله لَا يدع الْغَايَة من الْخَيْر الَّذِي يقدر عَلَيْهِ إِلَّا فعله وَكَذَلِكَ قَول الزَّنَادِقَة أَنه يفعل غَايَة الْخَيْر وَأَن خَالق الشَّرّ غَيره وَكَذَلِكَ قَول الْقَدَرِيَّة أَن الله لَا يقدر على شَيْء مَوْجُود من الشَّرّ وَأَنه كُله فعل الْعباد وَيَقُول الْمُعْتَزلَة إِن الله لَا يُرِيد كَون الشَّرّ لأحد وَمن أحد ويريده الشَّيْطَان ثمَّ يكون ذَلِك وَإِن لم يكن مَا يُريدهُ الله كَمَا قَالَت الزَّنَادِقَة فِي كَون ذَلِك من الشَّيْطَان وخالق الشَّرّ وَإِن لم يردهُ الله
стр. 91
مَسْأَلَة الْوَصْف لله وَالتَّسْمِيَة لَا يوجبان التشابه
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ أنكر قوم أَن يكون صفة لله ذاتية يُوصف بهَا أَو إسم ذاتي يعرف بِهِ وظنوا ان ذَلِك يُوجب التشابه إِذْ لَهُ اسْم كَمَا كَانَ لغيره وَقَالُوا وَإِذ لم يجز أَن يكون لَهُ مُوَافقَة فِي شَيْء من جملَة الْخلق على الْإِشَارَة إِلَيْهِ كَانَ أَدِلَّة تَحْقِيق الْمُوَافقَة بالإسم الَّذِي لكل شَيْء أَحْرَى وَلِهَذَا أَنْكَرُوا القَوْل بالشَّيْء والعالم والقادر وضربوا لَهُ الْمثل بِأَن القَوْل لَهُ وَفِيه بِالْمَكَانِ إِذْ يُوجب التَّشْبِيه وَالْحَد فَهُوَ بِكُل مَكَان كَذَلِك إِذْ للأمكنة نِهَايَة فالوصف بهَا وبالواحد مِنْهَا وَاحِد فَمثله الأول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَأما الأَصْل عندنَا أَن لله أَسمَاء ذاتية يُسمى بهَا نَحْو قَوْله الرَّحْمَن وصفات ذاتية بهَا يُوصف نَحْو الْعلم بالأشياء وَالْقُدْرَة عَلَيْهَا لَكِن الْوَصْف لَهُ منا والإسم إِنَّمَا هُوَ بِمَا يحْتَملهُ وسعنا وتبلغه عبارتنا بِالضَّرُورَةِ إِذْ سَبِيل ذَلِك إِنَّمَا هُوَ عَن الْمَعْرُوف فِي الشَّاهِد وَذَلِكَ يُوجب التشابه فِي القَوْل إِذْ عَن مَعْرُوف بِهِ فِي الشَّاهِد قدر وَلَكِن الضَّرُورَة أطلقت لنا على نفى الْمَفْهُوم من الشَّاهِد لينفى بِهِ الشّبَه ونسميه بِالَّذِي ذكرت ضَرُورَة وَلَو احْتمل وسعنا التَّسْمِيَة بِمَا لَا يُسمى بِهِ غَيرنَا نُسَمِّيه لكنه إِذْ كَانَ الشَّاهِد دَلِيله وَبِه يجب مَعْرفَته فَمِنْهُ قدر اسْمه على مَا يقرب من الْفَهم بِمَا يُرِيد بِهِ وَإِن كَانَ الله يتعالى عَن أَن يكون لَهُ مِثَال أَو شبه أَلا ترى أَن الْعبارَة الَّتِي بهَا نُسَمِّيه عَالما قَادِرًا فِي الألسن مُخْتَلفَة من غير أَن كَانَ ثمَّة اخْتِلَاف فيدلك أَن الْأَسْمَاء الَّتِي نُسَمِّيه بهَا عِبَارَات عَمَّا
стр. 92
يقرب إِلَى الأفهام لَا أَنَّهَا فِي الْحَقِيقَة أسماؤه وَلما تَأْخُذ الْقُلُوب مِنْهَا مَعَاني يتعالى عَنْهَا قرن بِالتَّسْمِيَةِ حرف نفى فَجعل التَّوْحِيد إِثْبَات ذَات فِي ضمن نفي ونفيا فِي ضمن إِثْبَات على مَا فسرت وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
ثمَّ الدَّلِيل على مَا قُلْنَا مَجِيء الرُّسُل والكتب السماوية بهَا وَلَو كَانَ فِي التَّسْمِيَة بِمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل تَشْبِيه لكانوا سَبَب نقض التَّوْحِيد وهم جَمِيعًا دعوا إِلَى عبَادَة الْوَاحِد وَإِلَى معرفَة وحدانية الْبَارِي لم يجز أَن يكون ذَلِك مِمَّا يُحَقّق الْعدَد وَيثبت الْمُوَافقَة لِلْخلقِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَلَكِن لما احتملت تِلْكَ الْأَسْمَاء خُرُوج الْمُسَمّى بهَا عَن المعروفين من المسمين بهَا جَازَ مجيهم بهَا مَعَ قَوْله ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ لينفى بِهِ شيئية الْأَشْيَاء من الإدراكات البسيطة وَهِي الْأَعْرَاض وَالصِّفَات والأعيان المركبة وَهِي الْأَجْسَام وَبِاللَّهِ المعونة
وَبعد فَإنَّا لما وجدنَا جَمِيع مَا يعاين من الْعَالم مُضْطَرّا عَاجِزا عَن تَدْبِير نَفسه جَاهِلا ببدء حَاله وبمقدار الْأَخْذ فِي كل أَحْوَال من الزَّمَان وَالْمَكَان فِيهِ يتقلب وَبِه بِكَوْن مجتمعا فِي الأضداد الَّتِي هِيَ بِحَق الطباع متنافرة عقل أَنه لَا كَانَ بِنَفسِهِ وعقل أَن الَّذِي دبره وَقدره كَانَ لَهُ بِهِ علم وَعَلِيهِ قدرَة إِذْ خرج على إحتمال الأتفاق لذاته وَلَا على دلَالَة قُوَّة لَهُ بِنَفسِهِ وَعلم بِحَالهِ فَلَا بُد من تَحْقِيق الْمَعْنى الَّذِي فِي الشَّاهِد دَلِيله إِذْ لاوجه لمعرفته إِلَّا بِهِ وَكَذَلِكَ لَو كَانَ ذَلِك بتدبير من دونه فإليه يرجع الْأَمر الأول وَفِي ذَلِك كُله مَا ذكرنَا
وَقَالَت الباطنية وهم الَّذين يصرفون الْمَذْكُور من الْأَسْمَاء إِلَى الْمُبْدع الأول وَالثَّانِي نَحْو الْعقل وَالنَّفس ويجعلون كل الْعَالم مبروزا فِي الْعقل تستمد مِنْهُ النَّفس
стр. 93
فيمد الهيولي يَقُولُونَ كَانَ الْعقل بالإبداع والإبداع علته مبروز فِيهِ كل شَيْء يكون ومحال أَن يبرزه بالإبداع من لم يعلم مَا يكون أَو من لَا يقدر على أَن يبرزه أَو من لَا يُرِيد أَن يكون مبروزا فَيخرج الإبداع مِنْهُ خُرُوج فعل ذِي طبع من حَيْثُ لَا يشْعر بِهِ وَلَا يُعلمهُ وَلَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَيكون الله تَعَالَى عِنْده فِي نفى الصِّفَات عَنهُ والأسماء كَرَاهِيَة التَّشْبِيه يصير فِي حد التعطيل وَيصير بِحَيْثُ لَا شَيْء عَلَيْهِ بِدَلِيل وَيحصل القَوْل مِنْهُ على التَّقْلِيد وَذَلِكَ بعيد وَالله الْمُوفق
مَعَ مَا يُقَال ﴿الله﴾ إسمه أَو هُوَ اسْم غَيره فَيرجع فِي الْحَقِيقَة إِلَى أَنه اسْم الْعقل والرحمن اسْم النَّفس وعَلى هَذَا مَذْهَبهم وأبوا الإسم كَرَاهَة التَّشْبِيه ثمَّ جعلُوا المعبود باسم الْإِلَه والرحمن والرحيم أغيارا لَا يُحْصى عَددهمْ وأجزاء يصعب احصاؤهم فَكَأَن الرُّسُل جَاءُوا عِنْدهم بِعبَادة الْعدَد لَا بِالتَّوْحِيدِ وَالله الْمُسْتَعَان
ثمَّ يُقَال لَهُم عِنْد قَوْلهم لَيْسَ لَهُ اسْم مَا تعنون بقولكم لَيْسَ لَهُ اسْم ذاتي وَلَا صفة ذاتية فَلَا يَجدونَ السَّبِيل إِلَى أَن يعبروا عَن أنفسهم بِمَا قَالُوا لَيْسَ لَهُ اسْم وَيبْطل جُمْلَتهمْ الَّذِي قَالُوا الله الَّذِي لَيْسَ لَهُ اسْم ذاتي ثمَّ زَعَمُوا أَن لَهُ اسْما من غَيره نَحْو الْمُبْدع بإبداع هُوَ عِلّة لمبدع هُوَ العال لَا الْمَعْلُول وَلَا عِلّة لِأَن كل مَعْلُول يجوز أَن يصير عِلّة محَال
فَيُقَال لَهُ إِذْ جعل اسْمه عَن غَيره أَكَانَ مَا حقق لَهُ غَيره ذَلِك الإسم أَو سمى بِهِ فَإِن قَالَ لَا لَهُ أَن يُسَمِّيه مَا شَاءَ من الأغيار وَالْعلَّة والمعلول إِذْ بِغَيْرِهِ اسْتحق لِأَنَّهُ كَذَلِك يَقُول كَانَ وَلَا عِلّة وَلَا مَعْلُول فَإِذا هُوَ قَول كَانَ بِحَق الْمجَاز لَا بِالْحَقِيقَةِ بِالضَّرُورَةِ فَأوجب هَذَا الإسم لَهُ غَيره من غير أَن كَانَ مِنْهُ مَا اسْتوْجبَ فَإِن قَالَ كَانَ مِنْهُ الإبداع قيل كَانَ مِنْهُ الإبداع بعد أَن لم يكن حَتَّى حقق لَهُ الإسم بِأَن كَانَ بِهِ من أَي وَجه حَتَّى
стр. 94
أوجب لَهُ الإسم فَيلْزم جعله بإبداع إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَذَلِكَ محَال وَلَا يَقُول بِهِ فَيجب أَن يكون الإبداع بِذَاتِهِ فَيكون لم يزل مبدعا وَفِي ذَلِك كُله وجوب الإسم الذاتي لَهُ بِالضَّرُورَةِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ الأَصْل عندنَا أَن الإسم الْمُطلق لَا يحْتَمل تحقق التَّشْبِيه لما وجد كل متضاد فِي الشَّاهِد تَحت الإسم نَحْو الْحَيَاة وَالْمَوْت والنور والظلمة وَالشَّر وَالْخَيْر وَالْكفْر وَالْإِيمَان لكل إسم على حِدة فَلَو كَانَ بالإسم الْمُطلق تشابه لَكَانَ لَا تضَاد يعلم وَلَا إختلاف بالإسماء ثَبت أَنَّهَا جعلت لما يُرَاد من الإختلاف والإتفاق الَّذِي لَا يعلم حَقِيقَة ذَلِك لَو لم يكن لَهُ اسْم وَلَو كَانَ بموافقة الإسم عِنْد نفى الْمَعْنى الَّذِي لَهُ الْمَعْلُول من الْمُسَمّى تشابه فِي الشَّاهِد لَكَانَ لَو لم يسم للْعَالم الْعُلُوّ والسفلي والمبدع الأول وَالثَّانِي ولكان بَين من زَعَمُوا أَن لَهُ إسما وَبَين غَيره مُوَافقَة فِي نفى الإسم مَعَ جَمِيع الْأَشْيَاء على أَنه يجد فِي القَوْل بِوَاحِد الْخلق نفى التَّشْبِيه وَإِن كَانَ من حَيْثُ اسْم الْآحَاد اجْتِمَاع
وَبعد فَإِن الإبداع عِنْده عِلّة وَلَا يُوصف بالشَّيْء لما كَانَ بِهِ الْأَشْيَاء والأعراض كلهَا لَا تُوصَف بعالم وَلَا قَادر وَلَا نَحْو ذَلِك فَلَو كَانَ فِي إِثْبَات الإسم تشابه لَكَانَ فِي نفى ذَلِك كَذَلِك من الْوَجْه الَّذِي ذكرت وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
اخْتِلَاف النَّاس فِي جَوَاب سُؤال السَّائِل لم خلق الله الْخلق
الْحَمد لله الَّذِي لَا غَايَة لما يسْتَحق من الشُّكْر والمحامد على مَا لدينا من جزيل المنن وعظيم العوائد وإياه نسْأَل التَّوْفِيق لأهدى سبل المراشد
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ اخْتلف النَّاس فِي جَوَاب سُؤال السَّائِل لم خلق الله الْخلق
قَالَ قوم السُّؤَال فَاسد لَا يسْأَل عَن ذَلِك إِذْ الله سُبْحَانَهُ حَكِيم
стр. 95
لم يزل عليم غنى فعله لَا يحْتَمل الْخُرُوج عَن الْحِكْمَة إِذْ يخرج الْفِعْل عَنْهَا لجهل بهَا أَو لما يخَاف فَوت نفع لَو حفظ طَرِيق الْحِكْمَة فَإِذا كَانَ الله سُبْحَانَهُ عليما لَا يجهل غَنِيا لَا يمسهُ حَاجَة ينْتَفع بدفعها بَطل أَن يخرج فعله عَن جِهَة الْحِكْمَة وسؤال لم لَيست فِيهِ الْحِكْمَة وَلذَلِك نفى الله توهم اللّعب عَن فعله فَقَالَ ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا لاعبين﴾ إِلَى قَوْله ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وَالْحق الويل بِمن يظنّ بِهِ الْحَاجة أَو فِي فعله السَّفه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَ قوم من الْمُعْتَزلَة رأى الْأَصْلَح كَذَلِك فَفعل وَلَا يسْأَل عَن فعله الْأَصْلَح
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَهَذَا كَلَام لَا يَخْلُو من أَن يُرَاد بالأصلح الْحِكْمَة فَهُوَ الأول وَإِن أَرَادَ بِهِ معنى سواهُ فَإِن القَوْل فِي معرفَة الْأَصْلَح كَهُوَ فِي أَنه لم فعل سَوَاء مَعَ مَا يسْأَل عَن شَرط الْأَصْلَح لَهُ فِي الْفِعْل من أَيْن يجب على أَن أَحَق النَّاس بالإستحياء من هَذَا اللَّفْظ هم إِذْ لَيْسَ من شَيْء يَجْعَل شرطا للأصلح إِلَّا وَأمكن أَن يكون ذَلِك بِعَيْنِه شرطا للْفَسَاد وَيكون بِهِ أعظم الْفساد وَلَا يجوز أَن يكون شَيْء حِكْمَة يصير سفها لِأَن تَأْوِيل الْأَصْلَح أَن يكون أصلح لغيره وَقد يكون بِهِ الْفساد عِنْدهم وَتَأْويل الْحِكْمَة الْإِصَابَة وَهُوَ وضع كل شَيْء مَوْضِعه وَذَلِكَ معنى الْعدْل وَلَا يخرج فعله عَن ذَلِك وَقَالَ إِن الله خَالق بِذَاتِهِ إِذْ هُوَ اسْم الْمَدْح وَالْعَظَمَة ومحال أَن يكون الله سُبْحَانَهُ يسْتَحقّهُ بِغَيْرِهِ لما فِيهِ إِيجَاب النَّفْع لَهُ وَمن ذَلِك وصف فعله فَهُوَ مُحْتَاج وَإِذ قد ثَبت أَنه خَالق بِذَاتِهِ لم يجز أَن لَا يكون خَالِقًا البته وَالسُّؤَال عَن اللم محَال كالسؤال عَن لم قدر وَلم علم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَ قوم إِذْ هُوَ جواد كريم لزم الْوَصْف بإفاضته الْجُود فَلَا بُد من خلق
стр. 96
يكون بخلقه واهبا مفيضا جوده عَلَيْهِ وَهُوَ قَادر وقدرة لَا تحقق الْفِعْل البته ضائعة فَلذَلِك خلق وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَقَالَ قوم السُّؤَال محَال لما يُوجب تقدم عِلّة لما يخلق وَالْعلَّة إِمَّا أَن يكون خلقا فالسؤال عَنْهَا هُوَ السُّؤَال عَن جملَة أَو لَا يكون فَيكون غير إِلَه فِي الْأَزَل بل خلق بِأَن فعل الْخلق بِذَاتِهِ على مَا مر بَيَانه وَالله الْمُوفق
وَقَالَ قوم السُّؤَال لَا يعدو معَان إِمَّا أَن نقُول لم خلق هَذَا الْعَالم دون أَن يخلق غَيره فَيكون هَذَا السُّؤَال فِيهِ كَهُوَ فِي هَذَا وَكَذَلِكَ فِي قَوْله لم لَا خلق الْخلق ليَكُون قبل الْوَقْت الَّذِي كَانَ على أَن الْخلق لَيْسَ هُوَ غير الْوَقْت بل هُوَ إِخْبَار عَن كَونه يصير كَونه وقتا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
أَو يسْأَل عَن حَقِيقَة هَذَا الْعَالم فَيكون سُؤَاله مِنْهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ لم أسأَل وَلم عقلت أَن أسأَل وَلم لَا كنت غير عَاقل وَذَلِكَ فَاسد لِأَنَّهُ فِي منع نَفسه عَن السُّؤَال وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَقَالَ قوم خلق الْعَالم لعلل يكون مِنْهَا وفيهَا وَمَا بعْدهَا وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْقُول من جَمِيع الْحُكَمَاء أَنه لمقاصد يعقب الصَّنِيع وَكَذَا كل فَاعل لَا يعلم عواقب فعله أَنه لماذا يَفْعَله فَهُوَ غير حَكِيم ثمَّ اخْتلف فِي الْمَعْنى الَّذِي لَهُ خلق من يَقُول خلق جلّ الْعَالم للممتحن فِيهِ إِذْ ظُهُور الْحِكْمَة فيهم وَكَذَلِكَ فيهم يظْهر الْعُلُوّ وَالسُّلْطَان والجلال والرفعة وبهم تظهر الْحِكْمَة والسفه فهم المقصودون من الْخلق وَغَيرهم من الْخَلَائق خلقُوا لَهُم لمنافع لَهُم وللإمتحان بهَا وللدلالة وَسَخِرُوا لَهُم والممتحنون خلقُوا لِلْعِبَادَةِ أَو لأَنْفُسِهِمْ ليسعوا لعواقب يحْمَدُونَ عَلَيْهَا ويذمون إِلَيْهِم يَقع ذَلِك وضرورة جلّ خالقهم عَن الْوَجْهَيْنِ
стр. 97
إِذْ هم الَّذين خلقُوا مُحْتَاجين ركب فيهم مَا عرفُوا بِهِ حوائجهم وَمَا يقومُونَ فِي قَضَائهَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَ قوم لم يخلق الْكل لعِلَّة لِأَنَّهُ لَيْسَ وَرَاء الْكل شَيْء يكون ذَلِك عِلّة وَخلق الْبَعْض لعِلَّة وَذَلِكَ كَمَا لم يخلق الْكل فِي مَكَان لِأَن الْمَكَان فِي الْكل وَخلق بَعْضًا لبَعض وعَلى هَذَا الْأَمر التوالد ثمَّ الْجَزَاء والمحنة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَقَالَ الْحُسَيْن فِي جَوَاب هَذَا السُّؤَال إِنَّه خلق لأسباب يكثر مِنْهَا دلَالَة وَحجَّة ثمَّ عِبْرَة وعظمة ثمَّ نعْمَة وَرَحْمَة ثمَّ غذَاء وقوام ومتصرفا فِي الْحَوَائِج وَمِنْه مَا خلق نعْمَة لأحد بلية على آخر قَالَ وَلَو خلق ابْتِدَاء الْخلق للْمصَالح وَالْمَنَافِع لَا غير لم يكن يجوز تَقْدِيم شَيْء وَلَا تَأْخِيره وَلَا خلق شَيْء قبل خلق الممتحن وَلَا قلب أمرا من حَال إِلَى حَال وَلَا زِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَإِذ خلق الله من الْخَلَائق مَا لَا يُحِيط بهم الأوهام واستترت عَن نصْرَة الْأَنَام ثَبت أَن الْأَمر لَيْسَ على ذَلِك لكنه فِي وضع الْأَشْيَاء موضعهَا وَصرف الْأُمُور من النَّفْع إِلَى الضَّرَر وَالضَّرَر إِلَى النَّفْع وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الْفَقِيه ﵀ وَجُمْلَة هَذَا الْفَصْل أَنه على قَوْلهم إِذْ لم يكن لَهُ غير الَّذِي فعل لم يكن شَيْء من فعله مفضلا إِذْ هُوَ أبقى بِكُل فعله صفة الْجور وَلَا كَانَ لما يَفْعَله مُخْتَارًا لَهُ إِذْ لَو كَانَ مِنْهُ غير ذَلِك كَانَ مُفْسِدا وَكَانَ عَن جعل الْإِصْلَاح فِي غَيره عَاجِزا وَذَلِكَ هُوَ النِّهَايَة من صفة الذَّم وَالله الْمُوفق
وَلَو كَانَ لَا يجوز لَهُ غير الَّذِي فعل لَكَانَ بِفِعْلِهِ مُنْتَفعا وَيصير هُوَ إِلَيْهِ مُحْتَاجا ليحمد بِهِ ويثنى عَلَيْهِ إِذْ من لَا يسْتَحق حمدا وَلَا مدحا إِلَّا بِغَيْرِهِ فَهُوَ إِلَيْهِ مُحْتَاج فِي أَن يحِق لَهُ الثَّنَاء وَبِه منتفع إِذْ من قَوْلهم إِن فعله غَيره وَلم
стр. 98
يكن لَهُ تَركه ولاغير الَّذِي فعله إِذْ غَيره يحط رتبته ويسفهه فَثَبت بِمَا فعل النَّفْع وَهُوَ غَيره عِنْدهم وَهَذِه صفة الْحَاجة فِي عرف الْعُقُول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ القَوْل بِالْأَمر والنهى وَالتَّرْغِيب والترهيب مَعَ مَا يقدم مِنْهُ الْكَافِي من ذَلِك الَّذِي ذكره الْحُسَيْن أَن الله خلق خلقا مذللا بالتأديب عَارِفًا بالنفع والضر مستدلا بِالَّذِي شهد من الْحجَّة على الَّذِي غَابَ لم يجز أَن لَا يفْرض الْمعرفَة وَلَا يحضر عَلَيْهِ الْجَهْل فَيكون فِيهِ إِبَاحَة الْكَذِب وكل ذميم مَعَ مَا كَانَ لمن خلقه نعم عَلَيْهِ فِي الْخلقَة وشكر النِّعْمَة لَازم فِي الْعقل فاستاده ثمَّ الْوَعْد والوعيد فِي التَّرْغِيب بتعظيمه والترحيب عَن الإستخفاف بِهِ ثمَّ إِذْ كرمه بفنون كل الْكَرم فعلى ذَلِك ثَوَابه لَا أمد لَهُ وَإِذ كَانَ الْكفْر غَايَة فِي الْعِصْيَان فَكَذَلِك عُقُوبَته وَأَيْضًا أَن الْإِيمَان تَصْدِيق بِمَا لَا نِهَايَة لَهُ وَلَا نَفاذ وَالْكفْر تَكْذِيب بِمَا لَا نِهَايَة لَهُ وَلَا نَفاذ فعلى ذَلِك جزاؤهما وَلِهَذَا يجوز الْعَفو عَمَّا دون الْكفْر لِأَنَّهُ لَيْسَ بجحد لما لَا نِهَايَة لَهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ وَدَلِيل الْأَمر عندنَا والنهى معرفَة الْآمِر والناهي إِذْ خص الله الْبشر من بَين الْبَهَائِم فِي تعرف ذَلِك لم يحْتَمل إهمالهم عَن ذَلِك كَمَا لَا يحْتَمل شَيْء مِمَّا فِيهِ النَّفْع إهماله عَنهُ وَبِمَا فِي الْعقل حسن كل حسن وقبح كل قَبِيح ثمَّ فِي الْفِعْل يقبح فعل الْقَبِيح وَيحسن فعل الْحسن فَلَزِمَ الْأَمر والنهى لما كَانَ مَا بِهِ الْأَمر والنهى وَلِأَن الله خلق خلقا يدل على وحدانيته وحكمته فَلم يجز إخلاء الْخلق عَن معرفَة ذَلِك فَيصير خلقه عَبَثا وَلما فِي رفع الكلفة زَوَال الْخلقَة إِذْ حصلت للفناء وكل بَان شَيْئا للنقض لَا غير فَهُوَ عابث غير حَكِيم ثمَّ الْوَعْد والوعيد للترغيب والترهيب إِذْ لَوْلَا ذَلِك يذهب نفع الإئتمار وضرر الْعِصْيَان وَلم يكن لمن خلق فِي فعلهم نفع فَإِذا لم يكن للمؤتمر نفع وَلَا للعاصي ضَرَر يبطل معنى الْأَمر والنهى إِذْ لَيْسَ لنفع الْآمِر والناهي فَلذَلِك لزم الْوَعْد والوعيد فِي الْحِكْمَة مَعَ مَا فِي الْأَمر والنهى
стр. 99
مجاهدة النَّفس وَحملهَا على مَا يكرههُ الطَّبْع وَالَّذِي يكرههُ تنفر عَنهُ النَّفس فَلَا يجد الممتحن على قهره وَصَرفه إِلَى مَا يُريدهُ وَيُؤمر بِهِ سَبِيلا إِلَّا إِحْضَار الْوَعْد والوعيد حَتَّى إِذا رأى ذَلِك سهل عَلَيْهِ ترك الملاذ وَهَان عَلَيْهِ تحمل الْمُؤَن الْعِظَام
وَبعد فَإِن الْبشر خلق خلقا قبح عَلَيْهِ فعل الَّذِي لَا يَقْصِدهُ بِهِ نفع العواقب أَو لاتتقي بِهِ ضَرَر العواقب فَلَا بُد أَن يَجْعَل لأعماله ذَلِك وَذَلِكَ حق الْوَعْد والوعيد وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ يستوى عواقب الْعَدو وَالْوَلِيّ وعَلى مَا تَفَاوتا هما بِحَيْثُ الإختيار والإيثار يجب تفَاوت عواقبهما وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَقد أمكن أَن نجْعَل الثَّوَاب كُله فضلا إِذْ قد سبق من الله من النعم مَا اسْتحق الشُّكْر عَلَيْهِ بعامة مَا احْتمل الوسع فَيكون الثَّوَاب فضلا من الله ثمَّ كَذَلِك المضاعفة فِي ذَلِك كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يجزى إِلَّا مثلهَا﴾ فَذكر فِي السَّيئَة مَا توجبه الْحِكْمَة من الْجَزَاء وضاعف فِي الثَّوَاب على مَا تحتمله الأفضال إِذْ ذَلِك أَصله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
فَهَذَا فِيمَا احتمله عقولنا مِمَّا يلْزم الْأَمر والنهى وَمَعَ مَا كَانَ فِيمَا جَاءَ بهما الرُّسُل عَن الله دَلِيل كَاف يلْزم القَوْل بِعظم الْحِكْمَة لَهما لَو قصرت عقولنا عَن الْوُقُوف على ذَلِك مَعَ مَا فِي الْعقل إِذا ترك اسْتِعْمَاله كَسَائِر الْجَوَارِح لم يحْتَمل تعطيلها عَن الْمَنَافِع الَّتِي هِيَ سَببهَا فَمثله الْعقل مَعَ مَا كَانَ الَّذِي ذكرت فِي سَائِر الْجَوَارِح هُوَ حق الْفِعْل أَيْضا وإشارته وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 100
مَسْأَلَة فِي التَّوْحِيد من عرف نَفسه عرف ربه
فَإِن قَالَ قَائِل أجمع أَن من عرف نَفسه عرف ربه لكِنهمْ اخْتلفُوا فِي وَجه الْمعرفَة فَقَالَت الثنوية لما عرف إشتمال نَفسه على الْخَيْر وَالشَّر عرف أَن لكل جِهَة مِنْهُ رَبًّا
وَالْيَهُود صيرته وَاحِد جُزْء
وَقَالَت المشبهة هُوَ جسم إِذْ فِي الشَّاهِد تكون معرفَة النَّفس للجسم
وَقَالَ جهم إِذْ عرف أَنه كَانَ بعد أَن لم يكن وَهُوَ شَيْء جسم عَالم سميع بَصِير علم أَن كل مَا كَانَ لَهُ ذَلِك الإسم فَهُوَ حدث وربه الَّذِي أنشأه لَا يحْتَمل أَن يكون حَدثا
وَعِنْدنَا أَن من عرف نَفسه عرف ربه لما يعرفهَا بِالْجَهْلِ مِمَّا احتملته هِيَ من السّمع وَالْبَصَر وَغَيرهمَا من الْأَعْرَاض وَكَذَلِكَ بإصلاح مَا فسد مِنْهَا وبقدر مَا تَأْخُذ هِيَ من الزَّمَان وَالْمَكَان وبأنواع حاجات ترد عَلَيْهَا لَا يعرف مأتاها وَلَا حَقِيقَة مَا بِهِ زَوَالهَا فَهَذَا شَأْنه مَعَ مَا يشْهد زَوَالهَا بِمَا شهد من نَفسه فَعلمه بِمَا مضى من أحوالها من أول مَا كَانَت إِلَى الْحَال الَّتِي هُوَ فِيهَا مَعَ الْعلم فِيمَا يخْتَلف عَلَيْهَا من الْأَحْوَال إِلَى وَقت قِيَامهَا مِنْهُ أبعد وَعَن تصور ذَلِك فِي وهمه أعْسر وَعَن إحتمال إحاطة عقله بِهِ أعجز علم بضرورة أَنه لم يدبر أَمر نَفسه على ماهي عَلَيْهَا بل لَو كَانَ الْأَمر إِلَيْهِ لدبرها على مَا يعلم جَمِيع ذَلِك إِذْ لَو كَانَت ثمَّة قدرَة على شَيْء من ذَلِك لم يكن ليدفع إِلَى الْجَهْل الَّذِي ثَبت ثمَّ إِلَى الْعَجز فِيمَا أخْبرت من دفع الْحَاجَات عَن نَفسه وَإِصْلَاح مَا فسد مِنْهَا فَيعلم عِنْد ذَلِك إِذْ هُوَ أملك الْخَلَائق تدبيرا فِيمَا يحس وَأَعْلَاهُمْ إدراكا لحقائق مَا يلقى وأسرعهم وقوفا على مَا يعلم وَيذكر من الْأُمُور فَيعلم
стр. 101
خُرُوجه من تَدْبِير نَفسه فِي التكوين والإفناء والإبقاء ثمَّ من إبداء جَمِيع المحسوسين إِذْ هم تَحت تَدْبيره كالمتحيرين فِي حَوَائِجه وَيعلم بِأَن مثله على مَا عَلَيْهِ من الإحتمال وَالْوُقُوف على الْأُمُور والإدراك للأسباب لَا يكون إِلَّا بِمن هُوَ خَارج من جَمِيع الْمعَانِي الَّتِي عَلَيْهَا نَفسه وفيهَا تقلبها فَيعلم أَنه بِقَادِر لَا يعجز وعالم لَا يجهل وجبار لَا يُنَازع فِي تَدْبيره فَيعرف أَنه جلّ وَعلا لَا يُشبههُ شَيْء من ذَلِك وَلَا معنى إِذْ من الْوَجْه الَّذِي يُشبههُ يُوجب مَا أوجب فِيهِ من حدث أَو قدم أَو تَدْبِير غير فِيهِ وَكَذَلِكَ جَمِيع الْأَشْيَاء إِذْ بَينهَا مُوَافقَة فِي الْحَاجَات وأنواع الْعَجز والصنف ثمَّ فِي الحدثية من كل الْوُجُوه فَيجب بِهَذَا أَن يعرف أَنه خلاف لَهُ بِكُل الْجِهَات والجهات لَهُ لَا لمدبره فَيكون فِي ذَلِك تَعْرِيف الرب بِمَا هُوَ أَهله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وعَلى هَذَا يبطل قَول جهم إِنَّه لم يكن عَالما قَادِرًا ثمَّ صَار كَذَلِك وَقَول من يَقُول لم يكن فَاعِلا متكلما ثمَّ صَار كَذَلِك إِذْ مكنوا فِيهِ تغير الْجِهَات وَالْأَحْوَال الَّتِي هِيَ سَبَب معرفَة العَبْد نَفسه خلقا وحدثا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبِمَا ذكرت من إِمْكَان قبُول الْأَحْوَال اخْتِيَارا وإحتماله الصِّفَات العليه من نَحْو الْعلم وَالْقُدْرَة والحياة والسمع وَالْبَصَر مَا يُوضح كَونه بالصانع الْعَلِيم لَا بالطبائع الَّتِي هِيَ عاجزة عَن الإختيار وجاهلة بالأحوال وَكَذَلِكَ جَمِيع الأغذية وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَكَذَلِكَ بإحتماله الْخَيْر وَالشَّر ومختلف الْأَحْوَال دَلِيل صرف تَدْبيره إِلَى من لَا يُوصف بالإحتمال وَلَا بمختلف الْأَحْوَال ليَكُون كل شَيْء على مَا عَلَيْهِ تَقْدِيره لَهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَ قوم من عرف نَفسه الْخفية عرف ربه وَنَفسه الْخفية هِيَ الكيان
стр. 102
المجعول لصلاح الْأُمُور وإحتمال الْمَعَالِي وَملك تَدْبِير الْخَلَائق ودرك الخفيات من الْأُمُور بالفكر وَالنَّظَر فِي الْأَسْبَاب
زما قَالُوهُ حسن وَقد يَقع بِمَا ذكرت فِي معرفَة الصَّانِع كِفَايَة عَن دَرك الْخَفي بِمَا وصل خفى من أَحْوَاله وَوصل الى الْعلم بِمَا استتر وَظهر بالأسباب وَبِه يعرف مَا خفى مِنْهُ سمى نفسا أَو لَا وَظهر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مَسْأَلَة معنى القَوْل بَان الله شَيْء
ثمَّ الشَّيْء إِثْبَات لَا غير وَإِثْبَات عَن الهستية إِذْ لَا شَيْء نفى فَيعلم بِأَن الله سُبْحَانَهُ شَيْء لَا نفى عَن نَفسه أَنه شَيْء إِذْ ينفى عَامَّة أَحْوَال نَفسه وَيعلمهَا من غير أَن ينفى شيئيتها فَصَارَ يعرف ربه لَا من الْوَجْه الَّذِي يعرف أَنه شَيْء لذَلِك لم تمنع مَعْرفَته بشيئية نَفسه الْمعرفَة بربه أَنه شَيْء إِذْ لَا شيئية دلته على الرب وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأما الْجِسْم فَهُوَ اسْم لكل مَحْدُود وَالشَّيْء إِثْبَات لَا غير وَفِي وجود الْعَالم على مَا عَلَيْهِ دَلِيل الْإِثْبَات لذَلِك قيل بالشَّيْء وَفِيه إِذْ هُوَ متناه لَا من حَيْثُ الشيئية بل من حَيْثُ الْحَد دَلِيل نفى الْحَد عَن الله جلّ ثَنَاؤُهُ إِلَّا أَن يُرَاد بِالْحَدِّ الوحدانية والربوبية فَهُوَ كَذَلِك وحرف الْحَد سَاقِط لِأَنَّهُ يغلب فِي الدّلَالَة على نِهَايَة الشَّيْء من طَرِيق الْعرض وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يتعالى عَن ذَلِك وَذَلِكَ معنى الْجِسْم فِي الشَّاهِد وَفِيه أَيْضا إِيجَاب الْجِهَات الْمُحْتَمل كل جِهَة أَن يكون أطول مِنْهَا وَأعْرض وأقصر فَلذَلِك بَطل القَوْل بذلك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 103
ثمَّ الهوية فِي الشَّاهِد كِنَايَة عَن الْوُجُود وتأويله نفى الْعَدَم عَنهُ وَالله تَعَالَى لم يزل وَلَا يزَال بِلَا تغير وَلَا زَوَال وَلَا انْتِقَال من حَال إِلَى حَال وَلَا تحرّك وَلَا قَرَار إِذْ هُوَ وصف اخْتِلَاف الْأَحْوَال وَمن تخْتَلف الْأَحْوَال عَلَيْهِ فَهُوَ غير مفارق لَهَا وَمن لَا يُفَارق الْأَحْوَال وَهن أَحْدَاث فَيجب بهَا الْوَصْف بالإحداث وَفِي ذَلِك سُقُوط الوحدانية ثمَّ الْقدَم ثمَّ جرى لتدبير الْغَيْر عَلَيْهِ إِذْ حَال من الْأَحْوَال لَو كَانَت لذاته لم يجز تغيرها مَا دَامَت ذَاته فَثَبت بذلك الْغَيْر لتغير الْأَحْوَال عَلَيْهِ وبنقله من حَال إِلَى حَال وَذَلِكَ دَلِيل تعاليه عَن الْوَصْف بِالْمَكَانِ إِذْ قد ثَبت أَن كَانَ وَلَا مَكَان وَلَيْسَ فِي الْإِضَافَة إِلَى أَنه على الْعَرْش اسْتَوَى تثبيت مَكَان كَمَا لم يكن فِي قَوْله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ وَقَوله ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ وَقَوله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم﴾ ذَلِك على أَن القَوْل بِالْمَكَانِ لَيْسَ من نوع التَّعْظِيم والتبجيل بل الْأَمْكِنَة إِنَّمَا شرفت بِهِ وتفاوتت أقدارها بتفضيله مَكَانا على مَكَان يَجعله مَخْصُوصًا لأخيار خلقه أَو لما جعل لعبادته وتعظيمه فِيهِ فَأَما أَن يكون أحد تعلو رتبته بِالْمَكَانِ من مُلُوك الأَرْض أَو الأخيار فَلَيْسَ بِهِ فَكيف بِالْملكِ الْجَبَّار الَّذِي مَا ارْتَفع قدر مَكَان وَلَا جلّ خطره إِلَّا بِهِ وَإِذا كَانَ كَذَلِك بَطل أَن يكون فِي الْإِضَافَة تَعْظِيمه ثمَّ يكون فِيمَا بعد ذَلِك للْحَاجة وَهُوَ يتعالى عَنْهَا فَلذَلِك لم يجب بقوله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ معنى الْكَوْن فِي الْمَكَان إِذْ ذَلِك الْحَرْف يعبر بِهِ عَن الْعُلُوّ والجلال ومحال مثله لَهُ بخلقه فَثَبت أَن ذَلِك من الْوَجْه الَّذِي يسْتَحقّهُ بِذَاتِهِ من الْعُلُوّ والرفعة وَمَا هُوَ بِذَاتِهِ عَلَيْهِ فَهُوَ كَانَ كَذَلِك وَلَا خلق لم يجز الْوَصْف لَهُ بالخلق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 104
مَعَ مَا يكون ذَلِك الإعتقاد عَن علم تقدم بِحَال من يُضَاف إِلَيْهِ ذَلِك فِي الشَّاهِد قبل الْإِضَافَة من الإحتمال ثمَّ الله سُبْحَانَهُ كَانَ وَلَا مَكَان وعَلى ذَلِك اعْتِقَاد الْأَنَام لم يجز أَن يتَغَيَّر الْفَهم عَن الْإِضَافَة عَمَّا كَانَ من قبل وَإِلَيْهِ ينْصَرف الْفَهم عَن الْإِضَافَة إِلَى خلقه على أَن تَخْصِيص إضافات الْأَشْيَاء إِلَى الله فِي الشَّاهِد يخرج مخرج التَّعْظِيم لَهَا بِمَا جعل فِيهَا من الْأُمُور المرضية وَالْأَحْوَال المحمودة فَمَا بَال الْعَرْش من بَين ذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وعَلى ذَلِك يفْسد قَول من يصفه بِكُل مَكَان إِذْ لَا فرق بَين مَكَان وَاحِد مَخْصُوص يُضَاف إِلَيْهِ وَبَين الْجُمْلَة بل الْفَرد فِي بَيَان تَعْظِيمه أولى إِذْ فِي ذَلِك تَخْصِيص ذَلِك الشَّيْء بِالذكر وَفِي الذّكر تشريف وتكريم فَيرجع إِلَى ذكر علو ذَلِك الشَّيْء وَفِي الْإِرْسَال وَجمع الْكل إِلَى تَخْصِيصه وَحَقِيقَته صفة الله كَمَا يُقَال رب كل شَيْء وإله كل شَيْء على تَعْظِيم الرب وتبجيله وَإِذا قيل رب مُحَمَّد وإله إِبْرَاهِيم فَإِنَّمَا يقْصد قصد تشريفهما وتعظيمهما فَقِيَاس ذَلِك أَن تكون الْإِضَافَة إِلَى الْعَرْش توجب تَعْظِيم الْعَرْش وتكريمه وَإِلَى كل الْأَمْكِنَة توجب وصف الله بهَا وَذَلِكَ قَبِيح إِذْ لم يكن يُوصف بِهِ فِي الْأَزَل وَلَا يُوصف شَيْء بِالْقربِ إِلَى الله من طَرِيق الْمسَافَة والمساحة وَلَا هُوَ بِالْقربِ إِلَى شَيْء من ذَلِك الْوَجْه إِذْ ذَلِك جِهَة الْحُدُود وَالتَّقْدِير بالأمكنة وَقد كَانَ وَلَا مَكَان فَهُوَ على مَا كَانَ يتعالى عَن الزَّمَان وَالْمَكَان إِذْ إِلَيْهِمَا ترجع حُدُود الْأَشْيَاء ونهايتها وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 105
مَسْأَلَة فِي أَسمَاء الله
وَقَول الرجل قد يكنى بِهِ عَن اسْمه كَقَوْل فِرْعَوْن وَمَا رب الْعَالمين قَالَ ﴿رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَقَول الله لمُوسَى ﴿وَمَا تِلْكَ بيمينك يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عصاي﴾ فجواب الأول أَن يُقَال
وَقد يكون مَا هُوَ مَا صفته فَجَوَابه سميع بَصِير
وَمَا هُوَ أَي مِمَّا يعرف لَهُ مائية فِي الْخلق فَهُوَ يتعالى عَن الْمِثَال
وَمَا هُوَ يحْتَمل مَا فعله فَجَوَابه خلق الْخلق وَوضع كل شَيْء مَوْضِعه وَذَلِكَ حكمته
وَقد يحْتَمل مَا هُوَ أَي مِمَّن هُوَ فَهُوَ يتعالى عَن أَن يكون من شَيْء بل هُوَ مكون الْأَشْيَاء وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالسُّؤَال عَن الْكَيْفِيَّة يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا طلب الْمِثَال لَهُ أَن يكون مثلا لشَيْء من الْأَشْيَاء وَالله وَاحِد يجل عَن الْأَشْبَاه وَيحْتَمل كَيفَ صفته فَجَوَابه مثل الأول أَن لَيْسَ لصفته كَيفَ إِذْ هُوَ طلب الْمِثَال وَهُوَ يتعالى عَن الشّبَه بِالذَّاتِ وَالصّفة إِلَّا أَن يُرِيد بِهِ أيوصف هُوَ قيل بلَى بِمَا وصف بِهِ نَفسه من الرَّحْمَة وَالْعلم وَالْقُدْرَة
وَقَول الْقَائِل أَيْن هُوَ سُؤال عَن مَكَان وَقد بَينا أَنه يتعالى عَن ذَلِك وَلَا يُوصف الله سُبْحَانَهُ بالإتصال بالأشياء وَلَا الإنفصال وَلَا بالحلول فِيهَا وَلَا بِالْخرُوجِ مِنْهَا من جِهَة الْمسَافَة على مَا هُوَ لِأَن الله تَعَالَى كَانَ وَلَا غَيره فمحال انْتِقَاله مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ لما مر بَيَانه وعَلى التَّفْسِير بِالْخرُوجِ من صِفَات الْخلق وَشبهه يجوز وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 106
ويوصف بِالْقربِ من طَرِيق العون والنصر وَمن جِهَة التشريف والتخصيص وَمن جِهَته الرَّحْمَة وَالْإِحْسَان وَمن جِهَة التَّوْفِيق والإرشاد وَهَذَا النَّوْع لِأَن وصف هَذَا كُله وصف ذاتي جَائِز أَن يُقَال لم يزل رحِيما بأوليائه محبا لَهُم لوقت كَونهم لَهُ أَوْلِيَاء مبغضا لأعدائه على ذَلِك وَأما الْوُجُوه هِيَ حَقِيقَة تِلْكَ الصِّفَات يحققها غَيره لَا أَنه بِذَاتِهِ يُوصف فَإِنَّهُ فَاسد لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من أَن يكون لَهُ مدح وتمجيد وتعظيم فَيكون لَهُ ذَلِك بِغَيْرِهِ فَيصير بخلقه الْخلق ممدوحا مُنْتَفعا وَهُوَ الْغنى بِنَفسِهِ يتعالى أَن يكون لَهُ بِأحد مدح أَو نفع فَلذَلِك لَا يُوصف بذلك ﷻ
ثمَّ القَوْل بِفِعْلِهِ أَنه لَا يجوز أَن يكون مَفْعُوله لما لَا يعرف ذَلِك فِي الشَّاهِد وَلما يُوصف بِهِ وَلَا يُوصف بِغَيْرِهِ وَلما بَينا أَن الْوَصْف بِغَيْرِهِ يُوجب الْحَاجة إِلَيْهِ ويوصف بِهِ فِي الْأَزَل لما بَينا من إِحَالَة التَّغَيُّر والزوال وَلما لَو جَازَ الْوَصْف بِمَا هُوَ حَال فِي غَيره لجَاز الْوَصْف بِكُل شَيْء من خلقه وَذَلِكَ مُمْتَنع وَقد بَينا هَذَا فِيمَا تقدم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
الْحِكْمَة فِي خلق الْجَوَاهِر الضارة
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ الْحِكْمَة فِي خلق الْحَيَّات والجواهر الضارة وَإِن كَانَت الْعُقُول تقصر عَن بُلُوغ كنه حِكْمَة الربوبية على مَا سبق القَوْل فِي لُزُوم الْحِكْمَة لكل شَيْء من الْوَجْه الَّذِي خلقه الله وَإِن لم يعرف مائيتها يكون من وُجُوه المحنة بالضار والنافع الْحَاضِرين ليعلم بهما لَذَّة الثَّوَاب على الطَّاعَة وألم الْعقَاب على الْمعْصِيَة إِذْ الْخلق جبلوا على قصد العواقب فِي الْأَفْعَال فَجعل لَهَا مِثَالا من العيان لتتصور الْمَوْعُود فِي الأوهام فيسهل بِهِ السَّبِيل وَالله الْمُوفق
وَالثَّانِي أَن المحنة هِيَ تحمل الْمُؤْنَة الَّتِي تسهل وتصعب على الْبدن بِالنّظرِ والفكر وَالنَّاس فِي تكلّف النّظر والفكر يَخْتَلِفُونَ لِأَنَّهُ لَيست لَهما مَنْفَعَة حَاضِرَة
стр. 107
وَبِهِمَا الشّغل عَن اللَّذَّات والشهوات وَتحمل مثله على الْبدن عسير وَفِي التَّقْصِير فيهمَا اخْتِلَاف وتفرق وَذَلِكَ يعقب المعاداة والمجادلة وَفِي الْمُوَافقَة مولاة ومسالمة فَجعل الله تَعَالَى لَهُم فِيمَا خلق لَهُم شَبيه الْأَعْدَاء بِمَا فِيهَا من المضار وَمِثَال الْأَوْلِيَاء بِمَا فِيهَا من الْمَنَافِع ليَكُون بشرهم زاجرا لَهُم على اعتياد كَيْفيَّة معاملات الْأَعْدَاء والأولياء حَتَّى إِذا بلغُوا بمثلهم فِي جوهرهم عرفُوا كيفيته من الحذر وَالتَّأَهُّب والمعونة والنصر وعَلى ذَلِك يُؤمر الصّبيان عِنْد احْتِمَال وسعهم الْعِبَادَات والأخلاق المحمودة للإعتياد ليسهل سَبِيل ذَلِك عَلَيْهِم وَقت التَّكْلِيف فَمثله فِي خلق مَا ذكر وَالله أعلم
وَأَيْضًا أَن الْخلق على اخْتِلَاف جوهرهم فِي المضار وَالْمَنَافِع جعلهم الله فِي الدّلَالَة على مُدبر لَهُم حَكِيم عليم وعَلى وحدانيته كجوهر وَاحِد فِي الإتفاق من جِهَة الدّلَالَة وَالشَّهَادَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
فَيكون فِي ذَلِك بَيَان عَجِيب حكمته أَن جمع بَين الضار والنافع وَالْخَيْر وَالشَّر على تناقضهما فِي الدّلَالَة على وحدانيته وَالشَّهَادَة بربوبيته وَاحِدًا
وَأَيْضًا إِنَّه خلق ذَلِك ليذل بِهِ الْجَبَابِرَة والملوك فيعلو بذلك ضعفهم وَلِئَلَّا يغتروا بِكَثْرَة الْحَوَاشِي والجنود فيتعدوا حُدُود الله بِمَا يرَوْنَ من سُلْطَان فِي قدرته تسليط من يَشَاء على من يَشَاء وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وليعلم من تَأمل خلقه على جَوْهَر الضَّرَر والنفع على غناهُ وتعاليه عَن أَن تمسه الْحَاجَات لِأَن من ذَلِك وَصفه فَإِنَّمَا يخرج فعله على وُجُوه تَنْفَع وَلَا تضر وليعلم قدرته على مَا يَشَاء مَعَ مَا لَا يُشَاهد من الْجَوَاهِر الضارة إِلَّا وَفِيه مَنَافِع تعجز الْخَلَائق عَن الْإِحَاطَة بكنهها من ذَلِك النَّار مَعَ مَا فِيهَا من الإحراق فَفِيهَا من إصْلَاح الأغذية وَالْمَاء يجوز أَن يكون بِهِ حَيَاة كل ذِي روح وهلاكه
стр. 108
وَكَذَلِكَ كل جَوْهَر مر أَو سم إِلَّا فِيهِ دَوَاء للداء المعضل ليعلم النَّاظر أَن القَوْل بِالشَّرِّ بالجوهر وَالْخَيْر خطأ بَاطِل بل كل جَوْهَر مِنْهُ ضرّ ونفع فَيكون فِي ذَلِك أعظم آيَات التَّوْحِيد مَعَ مَا فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا الْقُدْرَة التَّامَّة على ملك مَا يضر وينفع ليرجو وَيخَاف وَمن لَا يكون كَذَلِك لَا يتم الْأَمر بِهِ لِأَنَّهُ لَا يرهب مِنْهُ وَلَا يرغب فِيمَا عِنْده وَقد يغلبه من لَهُ الْأَمْرَانِ أَيْضا وَالثَّانِي ليتم العبر وليصح الْأَمر والنهى فَيكون للنَّظَر والفكر مجَال فِي الْأَمريْنِ وَلِأَنَّهُمَا عظة بهما وعبرة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
إختلاف الْفرق فِي الْعَالم
نبتدأ الْحَمد لله الْعلي الحميد ونتوجه إِلَيْهِ بالشكر لَهُ والتمجيد على مَا أيدنا بِهِ من التسديد ونرغب إِلَيْهِ فِي العون على مَا قصدنا لَهُ والتأييد فَإِنَّهُ على كل شَيْء شَهِيد ونسأله أَن يصلى على مُحَمَّد أفضل مَا صلى على أحد من خِيَار خلقه وَأَن يُعْطِيهِ سؤله وَأَن يلحقنا بِهِ بجوده فَإِنَّهُ غنى كريم
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور ﵀ أما بعد فَإِنِّي تَأَمَّلت وَجه اخْتِلَاف الْبشر فِي الْعَالم بعد ظُهُور آيَات حَدثهُ وأدلة جرى تَدْبِير غَيره عَلَيْهِ إِذْ مَا من شَيْء من جَوْهَر الْعَالم وأركانه إِلَّا وَهُوَ بجوهره يشْهد بِأَنَّهُ مُدبر مفطور وَأَنه مُضْطَر إِلَى عليم بأحواله غنى بِملك حَوَائِجه حَكِيم يضع كل شَيْء مَوْضِعه لِئَلَّا يتناقض فيتبدد وَأَنه لَا يحْتَمل بجوهره أَن يرجع إِلَى عدد من المدبرين بِمَا لَدَيْهِ تمكن الإختلاف الَّذِي عِنْده يُرِيد كل أَن يظْهر سُلْطَانه ويغلب ملكه ويقهر كل من نازعه وَفِي ذَلِك التفاني وَالْفساد اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون لوَاحِد مِنْهُم فضل قُوَّة أَو نصر يخضع لَهُ الْجَمِيع فَيصير كل خاضعا لَهُ ذليلا بِمَعْنى كل جَوْهَر من جَوَاهِر الْعَالم فِي خُرُوجه على مَشِيئَة غَيره وجريه عَلَيْهِ سُلْطَانه وَهُوَ
стр. 109
الْمَعْنى الَّذِي هُوَ دَلِيل مُدبر الْعَالم عليم حَكِيم ليقوم بِهِ هُوَ وَيتم وَيخرج من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود إِذْ الأعجوبة فِي ابْتِدَاء كَونه إِلَى من يعلم كَيْفيَّة إنْشَاء الْأَشْيَاء لَيست بِدُونِ الأعجوبة فِي دَوَامه وقيامه على مَا هُوَ عَلَيْهِ بل كَانَت أظهر وَالْحَاجة فِي ذَلِك إِلَى غَيره أعظم إِذْ هُوَ عَن تَدْبِير نَفسه أعجز وَأَسْبَاب آجاله لَهُ بِهِ أعظم مَعَ مَا فِي كل براهين كَونه بعد أَن لم يكن أيبن إِذْ كل ذِي عقل وبصر لَعَلَّه يذكر ابتداءه أَو تقلبه من أَحْوَال تقدّمت من الصغر واللطافة مِمَّا إِذا لم يَجْعَل لتِلْك الْجُمْلَة ابْتِدَاء يبطل كَونه ثمَّ احْتِمَال كل الوهن والضعف إِلَى أَن يتلاشى وَيبْطل مِمَّا يضطره إِلَى الْعلم بِكَوْنِهِ بعد أَن لم يكن وَإِن كَانَ ذَا أَمر من يملك التَّدْبِير وَيعلم بالأحوال فالموات هُوَ الَّتِي تَحت تَدْبِير الْأَحْيَاء يَنْتَفِعُونَ بِهِ من حَيْثُ لَا يشْعر بذلك أَحَق بذلك ثمَّ دلّ كَون الْأَمْوَات على مَا للأحياء بهَا الإستمتاع على أَن الَّذِي دبرهَا هُوَ الَّذِي دبر الْأَحْيَاء إِذْ جعلهَا مستمتعا لَهُم بهَا صَلَاحهمْ
فَرَأَيْت الشُّبْهَة اعترضت الْبشر من بعد مَا بَينا مِمَّا يجب أَن يكون بِهِ دفع الشُّبْهَة لمن تصح من أوجه ثَلَاثَة أَحدهَا التَّقْلِيد بِمن ألفت نَفسه بِهِ ومالت إِلَيْهِ فَترك التفكر فِي الْأَدِلَّة وَأَقْبل على أماني النَّفس ثِقَة بهم أَو رَغْبَة فِي صحبتهم والوصول بهم إِلَى شهوات النَّفس أَو أتهاما لآرائهم أَن تهيء بهم إِلَى رشد أَو إنعامهم وَغَيره من أَسبَاب الشَّقَاء حَتَّى يبلغ بهم العياذ بشره النَّفس وَسُوء عاداتها
وَالثَّانِي نظر إِلَى الْوُجُود مِمَّا يَقع تَحت الْحَواس فَوَجَدَهُ يتقلب من حَال إِلَى حَال بالمواد والأغذية وتولد بعض عَن تعض وظنوا أَن كَون الْأَشْيَاء لَا عَن شَيْء وَالْفُرُوع لَا عَن أصل محَال وجوده لأَنهم لم يعاينوا ذَلِك وَالشَّاهِد عِنْدهم هُوَ دَلِيل الْغَائِب ثمَّ تفَرقُوا فَمنهمْ من يَقُول على هَذَا أَمر الْعَالم فِي الْأَزَل
стр. 110
لكِنهمْ اخْتلفُوا فَمنهمْ من يَجعله كَذَلِك على مَا بَينا من غير أَن يكون لَهُ صنع وعَلى هَذَا يخرج مَذْهَب أَصْحَاب الطبائع إِن التَّفَاوُت والإختلاف على اخْتِلَاف الطبائع وتفاصيلها وسماها قوم هيولي والتفاوت فِي الَّذِي ذكرت على مِثَال الأصباغ إِنَّهَا تخرج على ألوان مُخْتَلفَة بتفاوت المزاج واعتداله وعَلى ذَلِك جعلُوا جَوْهَر الْبشر من اعْتِدَال الطبائع وَالدَّوَاب من اضطرابه وعَلى هَذَا كل شَيْء
وَمِنْهُم من يرى أَصله الْأَرْبَع من الطبائع وَلَكِن لكل جَوْهَر أصلا والطبائع دخيلة فِيهَا وَمِنْهُم من يَجعله كَذَلِك بالطبائع وَيَقُول هُوَ وَاحِد ويجعله عِلّة لكَون الْعَالم فَيُوجب قدمه بِوُجُودِهِ وَيذْهب فِي إِثْبَات الصَّانِع إِلَى اتساق الْأَشْيَاء واتقانها إِذْ ذَلِك لَا يكون إِلَّا بمدبر عليم إِذْ الطَّبْع لَا يرجع إِلَى قدرَة وَبِه صَلَاح الْأَشْيَاء فَقَالُوا بالصانع ثمَّ إِذْ هُوَ كَانَ فِي الْأَزَل فأوجبوا كَون الْعَالم فِي الْأَزَل على نَحْو اقتران الْأَشْيَاء بعللها على أَنه إِذْ كَانَ الْعَالم مواهبه ونعمه وَأَنه قَادر بِذَاتِهِ فَثَبت وجوده وَكَرمه بِذَاتِهِ فَيلْزم كَون الَّذِي كرمه يُوجِبهُ وَقدرته توجده وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَمِنْهُم من يَقُول هَذَا الْعَالم كَانَ عَن أصل حدثت الصَّنْعَة فِيهِ لكِنهمْ اخْتلفُوا فَمنهمْ من يَجْعَل أصلة طِينَة أحدث الْبَارِي مِنْهَا هَذَا الْعَالم
وَقوم يجعلونه النُّجُوم وَالشَّمْس بِمَا كن يجرين دائبات وبجريهن نشوء الْعَالم ويجعلون للجرى ابْتِدَاء بإحالة كَون شَيْء بِشَيْء إِلَى مَا لَا أول لَهُ وَمِنْهُم من يَجْعَلهَا تعترض فِيهَا الْأَعْرَاض فَمن ذَلِك تولد الْعَالم يسمونه من قبل هيولي ويصفونه على مَا يصف أهل التَّوْحِيد الصَّانِع ثمَّ أبطلوا ذَلِك بإحتمال قبُول الْأَعْرَاض وتغيره من حَال إِلَى حَال
следующие страницы →