Полный текст (1 701 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
النبي ﵊ لما حدث هذا الحدث العظيم وهو كسوف الشمس في عهده ﵊ فزع، وخرج يجر رداءه يظنها الساعة، بخلاف ما نحن عليه الآن، يأتي ونحن آمنون، ولا يحرك فينا ساكناً، بل بعض الناس يتتبعه في المواقع التي يكون فيها أجلى وأوضح، وبعضهم يشتري النظرات والنواظير التي توضح هذا الكسوف، بل بعضهم يسافر من أجله، إذا قيل: إنه في البلد الفلاني أوضح سافر من أجله، والذي هون الأمر في نفوس الناس كون معرفة الكسوف وهي مسألة خلافية عند أهل العلم من القديم، كثير منهم قال: يدرك بالحساب، وبعضهم قال: لا، إنه من إدعاء علم الغيب، كابن العربي وغيره يقولون: إن هذا أبداً هذا ضرب من الكهانة، من إدعاء علم الغيب، لكن الأكثر على أنه يدرك، ولا مانع من إدراكه، ويُحدد، لكنه اختلال لهاتين الآيتين العظيمتين عن مسارهما المحدد لهما، فإذا اختل اختلت هذه الآية عن مسارها، لا يدرى ما يصاحبها من كوارث، الناس لا يحسبون حساب لما يصاحب هذه الآيات التي حادت عن مسارها، انكسف ذهب ضوؤها، نقص ضوؤها، تتابع الناس على أنه يدرك بالحساب، ويحددونه بالثانية بداية ونهاية، فخف الأمر في نفوس الناس، وأحالوه إلى أمر طبيعي عادي، وجعلوا .. ، قالوا: إن الأرض تحول بين الشمس والقمر، فيفقد ضوءه أو العكس، الأرض تحول دون الشمس، أو القمر يحول دون الشمس؟! المقصود في كلام لهم معروف عندهم عند أهل الهيئة، لا يهمنا كثيراً، إنما يهمنا ما الأثر؟ وماذا يجب فعله بعد وقوع هذه الحوادث؟ النبي ﵊ قال: ((افزعوا إلى الصلاة)) "فزع إلى الصلاة" "خرج يجر رداءه" فكوننا نتقبل هذه الأخبار بدون تأثر هذا خلاف الهدي النبوي يُخشى من آثار وعواقب تتبع هذه الآيات، وقد حصل في تركيا وفي غيرها من البلدان صاحبه زلازل وفيضانات، والناس في مأمن، أُخذوا على غرة، في كوارث مصاحبة لهذا التغير لهاتين الآيتين العظيمتين، فكون الإنسان يمر عليه الحدث ولا يحرك فيه ساكناً لا شك أنه من ضعف في قلبه، والنبي ﵊ وهو أعرف الناس بربه وأتقاهم له وأخشاهم يخرج يجر رداءه يظنها الساعة، والناس في لهوهم ولعبهم، وكثير منهم لا ينهض ولا
стр. 1297
للصلاة، يعني حتى البدن تبلد تبعاً للقلب، بعضهم لا ينهض للصلاة، يقول: الحمد لله ساعة أو ساعتين وهو رايح وش الفائدة؟ أمر معروف، يعني أمر طبيعي.
"كسفت الشمس على عهد النبي ﵊" في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم" يوم مات إبراهيم ابن النبي ﵊ من مارية القبطية، مات وهو ابن ثمانية عشر شهراً، فحزن عليه النبي ﵊، فانكسفت الشمس في اليوم الذي مات فيه، وافق كسوف الشمس في هذا اليوم، فاستصحب الناس ما كانوا يقولونه في جاهليتهم "انكسفت الشمس لموت إبراهيم" لأن إبراهيم وهو ابن النبي ﵊ عظيم، اكتسب هذه العظمة من والده ﵊.
стр. 1298
"فقال رسول الله ﷺ " مفنداً هذا الزعم ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله)) ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [(٣٧) سورة فصلت] ((آيتان من آيات الله)) مخلوقتان مدبرتان مسيرتان ((لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته)) هم قالوا: إن الشمس والقمر تنكسفان لموت عظيم، لكن ما فيهم من قال: إن الشمس والقمر ينكسف لحياة أحد، لكن من باب التأكيد، وأنه لا يؤمن أنه في يوم من الأيام من يقول: انكسفت الشمس لحياة فلان، وحياته إما بولادته أو بشفائه من مرضه العضال، كأنه حيا من جديد كما يقول بعضهم، فتنكسف الشمس، يعني هل انكساف الشمس علامة على العظمة أو على عدمها؟ لحياته أو لموته دليل على عظمته، يعني هذا الزعم تعظيم لهذا الرجل الذي مات في وقت انكساف الشمس على حد زعمهم، وأنه لعظمته تغيرت حتى الأفلاك تغيرت عن مجاريها، لكن لحياته! حينما يولد لا بد أن يمكث سنين طويلة ليكون عظيماً، وما يدريهم أنه عظيم، اللهم إلا إذا تبين أنه عظيم فيما بعد وقد حصل الكسوف في وقت حياته يمكن أن تقوم الدعوى بعد أن يكون عظيماً، لكن هم ما يقولون: إنها تنكسف لحياته، لكن هذا من باب التأكيد، وأنه لا فرق بين الموت والحياة، فمن زعم أنها تنكسف للموت قد يزعم أنها تنكسف للحياة، وهذا من باب المبالغة في التعظيم، كما جاء في الحديث: "كانوا لا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم لا في أول قراءة ولا في آخرها" آخر القراءة ما فيها بسم الله الرحمن الرحيم، لكن لتأكيد النفي.
стр. 1299
((لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما)) رأيتم هذا التغير لهاتين الآيتين ذهاب لضوئهما أو لبعضه ((فادعوا الله وصلوا حتى ينشكف ما بكم)) يعني: نلجأ إلى الله -جل وعلا- بالصلاة، بالدعاء، بالتضرع، بالصدقة؛ ليكشف ما بنا، وهذه من علامات التوبة، ومثل هذه الأمور إنما تكثر حينما تكثر المعاصي والجرائم، فهي مربوطة بمشيئة الله -جل وعلا-، ومقدرة مصاحبة لكثرة الجرائم، ففي عهده ﵊ طول البعثة ثلاثة وعشرين سنة ما حصل إلا مرة واحدة، ما حصل الكسوف إلا مرة واحدة، وإلى وقت قريب وعشر السنين تمر بدون كسوف ولا خسوف، أما بالنسبة للشمس فقد تمكث أكثر من عشرين سنة ما مرت إلا في السنين الأخيرة، مما يدل على أنها علامة غضب وليست علامة رضا، والذي يتصور هذا الغضب هو النبي ﵊، ومن يقتدي به ويستشعر شعوره ﵊، أما الذي لا يهتم ولا يكترث هذا تنكسف أو ما تنكسف، ما في إشكال، هي سوف تنكسف في الساعة الفلانية وتعود في الساعة الفلانية، الأمر عادي طبيعي عندهم، ولا شك أن هذا دليل على مرض في القلوب.
стр. 1300
((فإذا رأيتموهما)) يعني رأيتم هذا التغير في هاتين الآيتين ((فادعوا الله وصلوا)) أمر ((حتى ينكشف ما بكم)) ((فإذا رأيتموهما)) يعني بمجرد الرؤية افزعوا إلى الدعاء والصلاة والتضرع، فالصلاة مربوطة بالرؤية، فلو قرر جميع الفلكين أن الشمس تنكسف في الساعة الفلانية من اليوم الفلاني أو القمر فإننا لا نصلي حتى نرى؛ لأنه يقول: ((فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا)) وهذا يدل على أن الصلاة صلاة الكسوف تفعل عند قيام السبب وهو الرؤية في أي وقت، سواء كان وقت نهي أو غير وقت نهي، على الخلاف المعروف بين أهل العلم في الجهتين، في فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي، والخلاف تقدم ذكره ولا حاجة إلى إعادته، مع ملاحظة الخلاف في حكم صلاة الكسوف، هل هي سنة أو واجبة؟ نقل النووي الإجماع على أنها سنة، وأبو عوانة في صحيحه يقول: باب وجوب صلاة الكسوف، فالذي يقول بوجوبها يقول: تفعل؛ لأن النهي عن الصلاة في الأوقات المعروفة لا يتناول الواجبة، هذا ما عنده إشكال، لكن الإشكال عند من يقول: إنها سنة، فالذي يقول بفعل ذوات الأسباب في أوقات النهي يقول: تفعل لأنها ذوات سبب، والذي يقول: لا تفعل يقول: لا تصلى في وقت النهي، وهذا هو المعروف عند الحنابلة والحنفية والمالكية، في وقت النهي ما تصلى؛ لأنها نفل والنهي مقدم على ما جاء في ذوات الأسباب على ما تقدم بسطه.
((فإذا رأيتموهما فادعوا الله)) عليكم بالدعاء والتضرع حتى يكشف ما بكم، يعني ما يتصور الإنسان مقدار الانتفاع بهاتين الآيتين؛ لأن النعم الموجودة لا يقدرها الإنسان قدرها حتى يفقدها، ما يدرى وش الأثر المترتب على ذهاب الضوء من هذين النيرين؟ وفائدة ضوء هذين النيرين للأرض ولمن يسكن الأرض، ما ندري، لكن لو حصل هذا الكسوف واستمر وقتاً طويلاً عرفنا مقدار هذه النعمة، الإنسان الصحيح المعافى لا يقدر قيمة هذه الصحة، ولا يستشعر خطورة المرض ولا شدة الألم؛ إنما يستشعرها من وقع فيها، وكذلك الأمن لا يقدره قدره إلا من عاش في بيئة مخوفة، ونحن لا نشعر بفائدة ضوء الشمس وحرارة الشمس وأشعة الشمس ولا ضوء القمر إلا إذا فقدت لا سمح الله.
стр. 1301
فهناك أمور تخفى على كثير من الناس، يعني عاشوا عيشة عادية روتينية تطلع الشمس في أول النهار وتغيب في آخره، ويطلع القمر من كذا إلى كذا، وفي ليلة كذا أقوى من كذا إلى آخره، والناس لا يقدرون هذه النعم قدرها، ولذا قال: ((فادعوا الله)) لأنه حل بكم شيء يحتاج إلى دعاء ليرفع ويكشف ((فادعوا الله وصلوا)) والغاية إلى متى؟ ((حتى ينكشف ما بكم)) هذه غاية، أو تغيب الشمس وهي كاسفة، أو تطلع الشمس والقمر خاسف، قالوا: لذهاب وقت الانتفاع بهما، ولا يكفي هذا؛ لأننا لا ندري هل انكشفت أو لم تنكشف، إذا غابت الشمس ما ندري عنها، فالغاية مغيبة عنا، وكذلك إذا طلعت الشمس والقمر خاسف لا ندري هل انكشف ما به أو لم ينكشف، فالصلاة مربوطة برؤية الكسوف والخسوف، ونحن لا نراه.
" ((حتى ينكشف ما بكم)) وليس عند مسلم "فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم".
стр. 1302
"وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ جهر في صلاة الخسوف بقراءته" حديث عائشة صريح في كون النبي ﵊ جهر في صلاة الخسوف بقراءته، وقد حضرت الصلاة كما في الصحيح، ودخلت أختها أسماء فاستغربت كونهم يصلون في هذا الوقت ضحى يصلون جماعة، استغربت، فاستفهمت من عائشة وهي تصلي بالإشارة، فأشارت عائشة إلى السماء، فسألتها أسماء فقالت: آية؟! فأشارت عائشة برأسها: أن نعم، فقد حضرت الصلاة، وسمعت القراءة، ولذا صرحت بأن النبي ﵊ جهر في صلاة الخسوف بقراءته، وإذا كان الخسوف الحاصل في عهده ﵊ للشمس وجهر في صلاة الخسوف بالنهار فالجهر بالليل من باب أولى؛ لأن من أهل العلم من يرى أنه يجهر في خسوف القمر كسائر الصلوات الليلية، ولا يجهر بكسوف الشمس كالصلوات النهارية، لكن من الصلوات النهارية التي يُجمع لها يجهر بها، كصلاة العيد والاستسقاء والجمعة، فقياسها على هذه الصلوات الطارئة أولى من قياسها على الصلوات الثابتة كالظهر والعصر، بعضهم يقول: القراءة في صلاة الكسوف سرية، عائشة صرحت بأن النبي ﷺ جهر في صلاة الخسوف بقراءته، وسيأتي في حديث ابن عباس: "قياماً طويلاً نحواً من سورة البقرة" قالوا: لو جهر بها ﵊ ما قال ابن عباس: نحواً من سورة البقرة، قال: قرأ سورة البقرة، أو قرأ سورة كذا، ما قال: نحواً لو جهر بها، لكن التصريح من عائشة ﵂ بأنه جهر ﵊، والحديث متفق عليه لا يقاومه قول ابن عباس ﵄: "نحواً من سورة البقرة" لما يطرقه من احتمال البعد مثلاً، بعد ابن عباس ما سمع، أو لعارض ما سمع، المقصود أن التصريح مقدم على مجرد الاحتمال.
"أن رسول الله ﷺ جهر في صلاة الخسوف بقراءته، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات" متفق عليه" يعني من حديث عائشة ومن حديث ابن عباس وغيرهما النبي ﵊ صلى أربع ركوعات في ركعتين، وأربع سجدات، كما سيأتي تفصيله في الحديث الذي يليه.
"متفق عليه، واللفظ لمسلم".
стр. 1303
"وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "انخسفت الشمس" يطلق الخسوف على الشمس، كما يطلق الكسوف عليها كما في الحديث الأول "انكسفت الشمس" ويطلق الخسوف على القمر كما في القرآن. "انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى رسول الله عليه وسلم فقام قياماً طويلاً نحواً من قراءة سورة البقرة" هذا ما يستدل به من يرى أن قراءة الكسوف سرية، قال: "نحواً" ما قال: قرأ سورة البقرة، وعرفنا أن التصريح من عائشة ﵂ بأنه جهر مقدم على الاحتمال المفهوم من قوله: "نحواً من قراءة سورة البقرة".
стр. 1304
"ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم قام فقام قياماً طويلاً" يكبر ويستفتح ويتعوذ ويسمي ويبسمل ويقرأ الفاتحة، ثم يقرأ سورة طويلة، تعادل سورة البقرة، ثم يركع ركوعاً طويلاً، ثم يرفع من الركوع، ثم يقرأ الفاتحة، ويقرأ سورة طويلة، لكنها دون السورة الأولى، فيقوم قياماً طويلاً دون القيام الأولى "ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول ثم سجد" وليس في حديث ابن عباس ما يدل على إطالة السجود مع أنه جاء ما يدل عليه "سجد سجوداً طويلاً" كما قال في الركوع في غير حديث ابن عباس، كما قال في الركوع والقيام "ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فقال رسول الله ﷺ " عندنا أربع، القيام والقراءة في أربعة مواضع، القيام الأول، ثم الركوع الأول، ثم القيام الثاني، ثم الركوع الثاني، هذا في الركعة الأولى، ثم سجدتين، وتكون بهذا انتهت الركعة الأولى، ثم الركعة الثانية مثلها، عندنا ركوع أول أولية مطلقة وهو الذي يلي دعاء الاستفتاح "نحواً من سورة البقرة" القيام الذي يليه بعد الركوع الأول دون القيام الأول هذا ما فيه إشكال، ولا في فهمه أدنى لبس، إذا قام للركعة الثانية في قيامها الأول بالنسبة للركعة الثانية، وقيام ثالث بالنسبة للصلاة تقدمه القيام الأول والثانية من الركعة الأولى، يقول: وهو دون القيام الأول، هل هو دون القيام الأول؟ عندنا أربعة: واحد اثنين ثلاثة أربعة هذا الأول وهذا ثاني وهذا ثالث وهذا رابع، هذا الأول أولية مطلقة، هذا الثاني دون القيام الأول، الثالث دون القيام الأول، الرابع دون القيام الأول، فإذا قلنا: المراد بالقيام الأول الأولية المطلقة الذي ورد تكراره في الحديث ثلاث مرات، المراد بالأول أولية مطلقة قلنا: إن الثلاثة متساوية، تشترك في كونها دون القيام الأول، وإن كانت متساوية، وإذا قلنا: إن الأولية نسبية قلنا: الأول هو الأطول، ثم الذي يليه دونه، ثم الذي يليه دون الثاني، ثم الذي يليه دون الثالث، فالثاني أول بالنسبة
стр. 1305
للثالث، والثالث أول بالنسبة للرابع، فتكون الأولية نسبية، وقل مثل هذا في الركوع ومثله في السجود؛ لأنه يقول في الحديث: "ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم قام ثم رفع فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قياماً طويلاً هو دون القيام الأول" هل المراد به الأول أو الثاني؟ على الاعتبارين: إن قلنا: الأولية مطلقة قلنا: الثلاثة متساوية، وإذا قلنا: كل قيام وكل ركوع وكل سجود دون الذي يليه قلنا: الأولية نسبية، هذه صفة صلاة الكسوف، تقرأ الفاتحة أربع مرات، يكون القيام في أربع مرات، يُقرأ فيها الفاتحة وبعده سورة طويلة، ويكون طولها متدرجاً من الأول إلى الأخير، والركوع كذلك متدرج الأول أطول من الثاني، والثاني أطول من الثالث، والثالث أطول من الرابع، وقل مثل هذا في السجود، الركوع الأول هو الركن الذي تدرك به الركعة، والثاني ركوع زائد لا تدرك به الركعة، فإذا فات الركوع الأول فاتت الركعة، هذا ما قرره أهل العلم، قالوا: إن الركوع الثاني زائد لا تُدرك به الركعة.
стр. 1306
هذه صفة صلاة الكسوف، وأقوى ما جاء فيها من الحديث المتفق عليه بهذه الصفة أربع ركوعات في أربع سجدات، في ركعتين، جاء في مسلم: ثلاث ركوعات، وجاء فيه: أربع ركوعات، وجاء في أبي داود: خمس ركوعات، فالصورة التي معنا أربعة في الركعتين، وفي الصورة الثانية: ستة في الركعتين، وفي الصورة الثالثة: ثمانية في ركعتين، وفي الصورة الرابعة: عشرة في ركعتين، وجاء في الصحيح -صحيح مسلم-: ثلاثة، وجاء: أربعة، وفي سنن أبي داود: خمسة، والمتفق عليه ركوعين في كل ركعة، وعند الحنفية هما ركعتان لا صفة لهما زائدة كصلاة الصبح، لا صفة لهما زائدة مع أن الحديث متفق عليه، وجاء في الخبر ولا يمكن أن يقاوم ما جاء في هذا الباب: ((فإذا رأيتموهما فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة)) أقرب صلاة، لكن هذا لا يتعين أن يكون العدد ركعتين؛ لأنه قد تكون بعد صلاة المغرب، وقد يكون بعد صلاة العشاء، وقد يكون بعد صلاة الظهر، وقد يكون بعد صلاة الصبح، فعلى هذا نصلي ركعتين أو نصلي ثلاث أو نصلي أربع، لكن الحديث شاذ، ولا يقاوم ما جاء في الصحيحين وغيرهما من الأعداد في الركوع والقيام والسجود، فقال ﵊: " ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فذكروا الله)) قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئاً في مقامك ثم رأيناك تكعكعت" يعني: تقدم وهو قائم يصلي تقدم وكأنه تناول شيء، ثم تأخر، تكعكع تأخر "فقال: إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقوداً" يعني مد يده ليأخذ العنقود "قال: ((ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا)) " ((لأصبتم منه ما بقيت الدنيا، وأريت النار فلم أر منظراً كاليوم قط أفضع ولا أبشع ولا أشنع من منظر النار، يحطم بعضها بعضاً)) نسأل الله السلامة والعافية ((ورأيت أكثر أهلها النساء)) لماذا؟ قالوا: بما يا رسول الله؟ قال: ((بكفرهن)) قيل: يكفرن بالله؟! قال: ((لا، يكفرن العشير)) الزوج ((ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت منك خيراً قط)) ويشابه النساء في هذا الوصف بعض الرجال الذين لم يُطبعوا على الكرم، بل عندهم شيء من اللؤم، تجده لو تأخرت عنه
стр. 1307
في مرة من المرات أنت تحسن عليه الدهر، وتحوطه بعنايتك، وتنفق عليه، لو تتأخر يوم من الأيام قال: "ما شفنا شيء" يعني من الغرائب أن يأتي شخص يطلب شفاعة من شخص ثم يحصل مانع لا تكتب هذه الشفاعة في اليوم الأول أو الثاني تجد طالب الشفاعة يتحدث به في المجالس، وقد يدعو عليه، أخرنا وفوت مصالحنا، من هذا النوع، هذا كفر النعم، الرجل محسن، وهذا مجرب ومشاهد لو يجي مرتين وأنت ما كتبت الخطاب بدأ يتحدث في المجالس، وقد يرفع صوته عليك، يعني من هذا النوع يوجد نماذج، ومع الأسف أن يوجد من بعض طلاب العلم، نعم على المحسن أن يكمل إحسانه، وأن يبادر به، لكن إذا حصل مانع ما تمكن من كتابته نسي يقابل بالإساءة المرأة تقابل الزوج بالإساءة يحسن إليها الدهر كله، ثم إذا رأت أدنى خلل قالت: ما رأيت خيراً قط، والله المستعان.
"متفق عليه، واللفظ للبخاري".
"وعنه عن النبي ﷺ " ...
في بعض الأحاديث: ((يكثرن اللعن)) النساء كثير منهن لا يتورع عن اللعن، وجاء في الحديث الصحيح: ((لعن المؤمن كقتله)) وجاء في اللعان في جانب الرجل ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [(٧) سورة النور] لأنه يهاب اللعن، والخامسة بالنسبة للمرأة ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [(٩) سورة النور] تخشى الغضب أكثر من اللعن لأنه درج على لسان كثير من النساء، لكن هذا موجود في بعض الأوقات دون بعض، وفي بعض الأقطار دون بعض؛ لأنه يوجد في بعض الأقطار الرجال يكثرون اللعن والشتم والسب والنساء بعكس ذلك، ويوجد في بعض الأوقات وفي بعض الأقطار العكس من ذلك، على كل حال في وقته ﵊ هذا هو الحاصل، يكثرن اللعن، يعني في مجتمعاتنا نستغرب إذا سمعنا أن امرأة تلعن، لو قلت: إني ما سمعت امرأة تلعن، إن حصل فشيء نادر جداً في وقت متطاول ومتباعد نسيته أو شيء من هذا، هذا أمر غريب جداً، مستغرب على النساء، لكن مع ذلك قوله: ((يكثرن اللعن)) يدل على أنهن في وقته ﵊ يتساهلن بذلك أكثر من الرجال، وإن كان كله بالنسبة للرجال والنساء نادر بالنسبة لمن جاء بعدهم.
стр. 1308
"قالت: ما رأيت منك خيراً قط" متفق عليه، واللفظ للبخاري".
"وعنه" يعني عن ابن عباس "عن النبي ﷺ أنه صلى في كسوف قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم ركع ثم ركع، ثم سجد" "قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع" أربع ركوعات، قال: "والأخرى مثلها أربعة" وهذه في مسلم "وفي لفظ له: "صلى رسول الله ﷺ حين كسفت الشمس ثمان ركعات في أربع سجدات" وعن علي مثل ذلك" وجاء في مسلم: ثلاث ركوعات، والرابع: "ثم قرأ" لا يوجد في بعض النسخ، فلعلها هي رواية: الثلاث ركوعات، والتي تليها: صلى رسول الله ﷺ حين كسفت الشمس ثمان ركعات في أربع سجدات، وفي سنن أبي داود: الخمس، طيب كم مرة حصل الكسوف في عهده ﵊؟ أهل السير يتفقون على أنها مرة واحدة، ما حصل إلا مرة واحدة، ويذكرونه في اليوم العاشر من الشهر، وبعضهم يقول: في اليوم الرابع، مع أن المتفق عليه عند أهل الهيئة أنه في الاستسرار في آخر الشهر، كسوف الشمس في آخر الشهر، وخسوف القمر في منتصفه في الإبدار، الكسوف في عصره ﵊ يتفقون، يتفق أهل السير على أنه ما حصل إلا مرة واحدة، فكيف تتعدد صفات صلاة الكسوف منسوبة إلى النبي ﵊ وهو ما صلى إلا مرة واحدة؟ يعني لو الروايات الأخرى في السنن أو في المسانيد أو في الجوامع أو في المعاجم، يعني يسهل أن يقول الإنسان: هذه شاذة أو منكرة ولو صح سندها، لكن في صحيح مسلم! من أهل العلم ممن له عناية في حماية جناب الصحيحين يقول: نصحح ما في الصحيح ونقول بتعدد القصة، ونوهم أهل السير، وش المانع؟ عندنا مسلم أوثق وأصح مما يجيء في السير، وهذا منهج عند بعض أهل العلم، يقول: ما في ما يمنع من أن يكون الكسوف وقع أربع مرات، وصلى مرة بركوعين، ومرة بثلاثة، ومرة بأربعة، ومرة بخمسة، صيانة وحماية لجناب الصحيح الذي اتفقت الأمة على تلقيه بالقبول.
стр. 1309
ومنهم من يقول: لا مانع من أن يقع الوهم من الراوي وإن كان صحابياً، ويصح السند إليه، ويبقى جناب الصحيح هذا على شرطه السند، والعهدة على الصحابي الذي وهم فيه، يعني لنا في حديث ابن عباس في زواج النبي ﵊ بميمونة، وأنه تزوجها وهو محرم، وهو في الصحيح، وفي الصحيحين أيضاً من حديث ميمونة نفسها، ومن حديث أبي رافع السفير بينهما أنه تزوجها وهو حلال، فلا بد أن يكون أحدهما محفوظ، والثاني شاذ، يعني يكون وهم من الصحابي، الصحابي ليس بمعصوم، ولا ينزله عن مرتبة الثقة والحفظ والضبط والإتقان؛ لأنه لا يتصور من غير المعصوم أن يكون حفظه مائة بالمائة من كل وجه، أنس يقول: سلوا الحسن، فإنه حفظ ونسينا، لا سيما مع تقدم الوقت، فيجري هذا على الصحابة مثل غيرهم، ويبقى شرط الصحيح على الصحيح، فيبقى السند صحيح على شرط مسلم، ويكون الصحابي وهم، إما لطول عهد؛ لأننا نرجح ما في الصحيحين على ما في صحيح مسلم إذا أردنا الترجيح، وإذا قلنا بتعدد القصة كما يقوله بعض العلماء صيانة لجناب الصحيح هذا مسلك وهذا منهج، فإذا أمكن فلا محيد عنه، الإشكال فيما إذا لم يمكن تعارضاً .. ، يعني لو جاءنا بسند صحيح عن النبي ﵊ أنه لم يحصل الكسوف إلا مرة واحدة احتجنا .. ، لكن ما جاءنا إلا عن أهل السير، وأنهم اتفقوا على أنه لم يحصل.
على كل حال أهل العلم يتفاوتون، فمنهم من لديه الجرأة والشجاعة على التوهيم، ولو كان الخبر في كتاب تلقته الأمة بالقبول، إذا وجد ما هو أقوى منه، ولا يحط من قيمته، ولا ينزل من قدره، وشيخ الإسلام ﵀ من هذا النوع، حكم على رواية الصحيحين بأنها محفوظة ومع عداها كله شاذ، ويجزم بأن الكسوف ما حصل إلا مرة واحدة، وإبراهيم ما مات إلا مرة واحدة، يعني: لو قال: إن الكسوف ما حصل إلا مرة واحدة قلنا: هذا مثل أهل السير، لكن لما قال: إبراهيم ما مات إلا مرة واحدة، أحد ينازع في أن إبراهيم ما مات إلا مرة واحدة؟ فإذا كانت الروايات الأخرى والصور الأخرى مقرونة بموت إبراهيم فلا محيد من أن يرجح ما في الصحيحين، ويحكم على ما عداها بأنها شاذة.
طالب:. . . . . . . . .
هاه؟
стр. 1310
طالب:. . . . . . . . .
قراءة الفاتحة في الأربعة القيامات.
طالب:. . . . . . . . .
بعد الركوع تقرأ الفاتحة، نعم.
"وعن علي مثل ذلك، وحكى الترمذي عن البخاري أنه قال: أصح الروايات عندي في صلاة الكسوف: أربع ركعات في أربع سجدات" وهي المخرجة في الصحيح عنده.
"وعن عائشة ﵂ أن الشمس خسفت على عهد رسول الله ﷺ فبعث منادياً: الصلاة جامعةً" أو "الصلاةُ جامعةٌ" إما أن يقال: مبتدأ وخبر، فيرفع الجزآن، أو يقال: الصلاة منصوب على الإغراء وجامعة حال، احضروا الصلاة حال كونها جامعة "الصلاة جامعة، فاجتمعوا" لما سمعوا الصوت يجتمعون، هرعوا إلى الداعي "وتقدم ﵊ فكبر وصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات" متفق عليه، واللفظ لمسلم".
سم.
ودنا نكمل جزاك الله خير.
طالب:. . . . . . . . .
أنها واحدة نعم، لكن قول ضعيف.
نعم.
سم.
بسم الله، والحمد لله.
وقال ﵀:
باب: صلاة الاستسقاء
عن إسحاق بن عبد الله بن كنانة قال: أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس يسأله عن الصلاة في الاستسقاء، فقال ابن عباس: "ما منعه أن يسألني؟ خرج رسول الله ﷺ متواضعاً متبذلاً متخشعاً مترسلاً متضرعاً، فصلى ركعتين كما يصلي في العيد، لم يخطب خطبكم هذه" رواه أحمد وهذا لفظه، وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه، وأبو عوانة في صحيحه، وابن حبان والحاكم.
стр. 1311
وعن عائشة قالت: "شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، وكبر ﷺ ، وحمد الله ، ثم قال: ((إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم)) ثم قال: ((الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، واجعل ما أنزلته لنا قوة وبلاغاً إلى حين)) ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب أو حول رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأتِ مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، فقال: ((أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله)) رواه أبو داود، وقال: هذا حديث غريب، إسناده جيد.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وإنه يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه" متفق عليه، واللفظ للبخاري.
стр. 1312
وعنه أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائماً وقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادعُ الله أن يغيثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: ((اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا)) قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحابة ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من وراءه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائماً فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله أن يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: ((اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر)) قال: فأقلعت، وخرجنا نمشي في الشمس، قال شريك: فسألت أنساً أهو الرجل الأول؟! قال: لا أدري. متفق عليه.
وعن عبد الله بن زيد المازني قال: "خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة، وصلى ركعتين" وفي لفظ له: وقلب رداءه، وفي لفظ: وجعل إلى الناس ظهره يدعو الله" متفق عليه، واللفظ لمسلم.
وفي البخاري: "ثم صلى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة" وله: "فقام فدعا الله قائماً ثم توجه قبل القبلة وحول رداءه فاسقوا" ولأحمد: أن النبي ﷺ استسقى وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها فثقلت عليه، فقلبها عليه الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن" ولأبي داود والنسائي نحوه.
وعن أنس أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب ﵁، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون، رواه البخاري.
وقال الدارقطني: لم يروه غير الأنصاري عن أبيه، وأبوه عبد الله بن المثنى ليس بالقوي.
стр. 1313
وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: ((صيباً نافعاً)) رواه البخاري.
وعن أنس ﵁ قال: أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر فحسر رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟! قال: ((لأنه حديث عهد بربه )) رواه مسلم.
وعن عائشة بنت سعد أن أباها حدثها أن رسول الله ﷺ نزل وادياً دهشاً لا ماء فيه، وسبقه المشركون إلى القلات، فنزلوا عليها، وأصاب العطش المسلمين، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ، ونجْم النفاق ...
ونَجَم.
ونجم النفاق، فقال بعض المنافقين: لو كان نبياً كما يزعم لاستسقى لقومه كما استسقى موسى لقومه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ((أو قالوها ... ))
أو قالوها؟
((أو قالوها؟! عسى ربكم أن يسقيكم)) ثم بسط يديه وقال: ((اللهم جللنا سحاباً كثيفاً قصيفاً دلوقاً مخلوفاً ضحوكاً زبرجاً تمطرنا منه رذاذاً قطقطاً ...
قِطْقِطاً.
((قطقطاً سجلاً بغاقاً يا ذا الجلال والإكرام)) فما رد يديه من دعائه حتى أظلتنا السحاب التي وصف، تتلون في كل صفة وصف رسول الله ﷺ من صفة السحاب، ثم أمطرنا كالضروب التي سألها رسول الله ﷺ ، فأفعم السيل الوادي، وشرب الناس فارتووا. رواه أبو عوانة الإسفرايني في صحيحه.
يقول -رحمه الله تعالى-:
باب: صلاة الاستسقاء
стр. 1314
الاستسقاء السين والتاء للطلب، يعني طلب السقيا، كما أن الاستصحاء طلب الصحو وكشف المطر عند زيادته التي يخشى منها الضرر، فالاستسقاء طلب السقيا إذا أجدبت الأرض، وقل المطر، وضعفت الأموال والمواشي، تطلب السقيا من الله -جل وعلا-، خرج النبي ﵊ بأصحابه بعد أن ضرب لهم موعداً يخرجون فيه، وصلى بهم واستسقى، واستسقى على المنبر يوم الجمعة، واستسقى على المنبر في غير جمعة ومن غير صلاة، ودعا استسقى وهو جالس في المسجد بين أصحابه، واستسقى عند أحجار الزيت، ويقول ابن القيم: إنه استسقى على ست صور: منها ما ذكرنا، والسادسة: لما سبقه المشركون إلى الماء دعا الله -جل وعلا- فنزل المطر، فأنواع استسقائه ﵊ على ستة أنحاء، الذي يُذكر في هذا الباب هو المقرون بالصلاة، أو في خطبة الجمعة؛ لأنه مُدخل في كتب الصلاة.
باب: صلاة الاستسقاء
الاستسقاء كما ذكرنا هو طلب السقيا، فإذا تأخر نزول المطر، وتضرر الناس بذلك خرجوا يطلبون من الله -جل وعلا-، ويتوسلون إليه بما يقربهم إليه، ويتضرعون إليه أن يغيثهم ويسقيهم، ولا شك أن امتناع القطر عقوبة من الله -جل وعلا-، سببها كثرة الذنوب والمعاصي، ومنع زكوات الأموال، كما جاء في خبر عند ابن ماجه بإسناد لا بأس به: ((وما منعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء)) ونرى الأموال الطائلة عند التجار يعني بإمكان بعضهم من زكاته أن يرفع حاجة أسر كثيرة جداً، ونرى حاجة المسلمين تزداد والأموال في بلدانهم تزداد، ومع ذلك لا تجود النفس بإخراج ما فرض الله -جل وعلا- على بعض التجار، وإن كان يوجد من التجار من فيه الخير، فيخرج الواجب، ويضرب في كل باب من أبواب الخير بسهم من أمواله، ونجد أمواله تزيد ما تنقص، إذا منعت الزكاة منع القطر، إذا كثرت الذنوب والمعاصي كثرت المصائب ﴿وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [(٣٠) سورة الشورى].
قال -رحمه الله تعالى-:
стр. 1315
"عن إسحاق بن عبد الله بن كنانة قال: أرسلني أمير من الأمراء" جاء في بعض الروايات: أنه الوليد بن عتبة، وما سمي في رواية الباب؛ لأن تسميته لا تضر، يعني وجوده مثل عدمه، المقصود الخبر المترتب على هذا السؤال "أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس يسأله عن الصلاة في الاستسقاء؟ فقال ابن عباس: ما منعه أن يسألني؟ " لأن ابن عباس خشي أن يكون منعه الكبر، وهو متصور، لكنه أجابه؛ لأن من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار، يعني حتى لو كان المانع الكبر لا بد أن تجيب إذا سئلت عن علم.
стр. 1316
"فقال ابن عباس: ما منعه أن يسألني؟ خرج رسول الله ﷺ متواضعاً" لأننا نحتاج إلى التذلل والانكسار والخضوع بين يدي الله -جل وعلا-، ليس مثل العيد يخرجون بكامل الزينة، ويتطلب لها أحسن لباس "خرج رسول الله ﷺ متواضعاً متبذلاً" يعني لابساً لباس البذلة لا لباس الزينة "متخشعاً" في بصره وفي جوارحه وفي صوته "مترسلاً" متأنياً غير مستعجل في مشيه "متضرعاً" ملحاً على الله -جل وعلا- بدعائه أن ينزل الغيث "فصلى ركعتين كما يصلي في العيد" يعني صفة صلاة الكسوف هي صفة صلاة العيد، يكبر في الأولى سبعاً، وفي الثانية خمساً، ويقرأ كما يقرأ في العيد؛ لأن ابن عباس صلى ركعتين كما يصلي في العيد "لم يخطب خطبتكم هذه" التي تطيلون فيها، وتضمنونها ما تضمنونها من الكلام المنمق المرتب المسجوع، المسلمون بحاجة إلى قلب سليم يخطب في الناس، ويدعو الله -جل وعلا- لتجاب دعوته، وليسوا بحاجة في مثل هذا المقام إلى مقامات ومقطوعات أدبية كما يفعله بعضهم، الناس بحاجة إلى قلب صالح سليم، كانوا يتوسلون بدعاء النبي ﵊ فيسقون، وتوسل عمر بدعاء العباس فيسقون، وتوسل معاوية بدعاء يزيد بن الأسود الجرشي فيسقون، نحن بحاجة إلى أمثال هذه القلوب، لسنا بحاجة إلى جمال الظاهر مع أن الباطن الله أعلم به، ولا يقال هذا في شخص بعينه، لكن النتائج تدل على المقدمات، كم نستسقي من مرة؟ وكم نسقى من مرة؟! نستسقي مراراً، المرتين والثلاث والأربع والخمس ولا ينزل قطرة، نحتاج إلى معالجة القلوب، نحتاج إلى إعادة النظر في المعاملة مع علام الغيوب، نحتاج إلى النظر في معاملتنا مع أنفسنا، ومع أهلينا، ومع جيراننا، ومع معارفنا وأرحامنا وأصهارنا، نحتاج إلى أن نعيد النظر في سائر أعمالنا، نستسقي ثم نستسقي ولا يلزم من هذا أننا نقنط، لا، أو نترك، لا، نبذل الأسباب، لكن نسعى في نفي الموانع؛ لأننا نبذل الأسباب، وولي الأمر يضرب موعد لصلاة الاستسقاء، ويخرج المسلمون يستسقون، وفيهم الصالحون، وفيهم المخلطون، لكن النتائج كما رأيتم، والسبب في هذا وجود الموانع، الحرام يؤكل ((أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة)) والناس يأكلون المحرم،
стр. 1317
ويرفعون أيدهم "وذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب" كل هذه من أسباب القبول، كونه أشعث، وكونه أغبر، وكونه مسافر، وكونه يمد يديه من أسباب الإجابة، لكن المانع ((ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له! )) استبعاد، وهذا واقع كثير من المسلمين، وليس هذا سر، هذا الآن أمور معلنة، ولا تنقيب عما في القلوب الناس بدؤوا يظهرون معاصيهم، يعني استفاضت المعاصي، وظهرت للعيان، وكثر الخبث في المسلمين "أنهلك وفيها الصالحون؟ قال: ((نعم إذا كثر الخبث)) وإلا العلماء موجودون، العباد موجودون، في زهاد، وفي علماء، وفيه دعاة، وفيه أخيار من الرجال والنساء، لكن الخبث كثير، الموانع موجودة، ولا يعني هذا أننا نيأس، فنحن بحاجة إلى الخروج بهذه القلوب، بالتواضع، بالتبذل، بالتخشع، بالترسل، بالتضرع.
وقد يوجد بعض المنكرات أثناء الخروج لهذه الصلاة، يوجد، تجد امرأة خرجت للصلاة بدون محرم، تجد شخص يؤذي الناس وهو في طريقه إلى المسجد في سيارته، في حاشيته، المقصود أنك تجد مثل هذه، وهم يخرجون لهذه الصلاة، والنبي ﵊ خرج متواضعاً متبذلاً متخشعاً مترسلاً متضرعاً، نقول: هذه من أسباب القبول، وكان الناس إلى وقت قريب قبل انفتاح الدنيا يعني ما يعوقهم من المطر إلا الخروج للاستسقاء، فتجدهم يبذلون الأسباب قبل الخروج للاستسقاء؛ لأن البيوت ما كانت مشيدة من الأسمنت والحديد، كانت من الطين، فتجدهم ييسرون نزول الماء من السطوح؛ لئلا تكف على أصحابها، ويصنعون بعض الاحتياطات لنزول المطر لثقتهم بما عند الله -جل وعلا-، ومع الأسف أنه يوجد من بعض من ينتسب إلى طلب العلم يقول: إذا خرجنا لصلاة الاستسقاء كأننا نستهزئ، نصر على المعاصي والمنكرات ثم نخرج للاستسقاء! يا أخي أبذل السبب، ومع ذلك تسعى في انتفاء المانع، أما أن المانع موجود والسبب غير موجود ظلمات بعضها فوق بعض.
"فصلى ركعتين كما يصلي في العيد لم يخطب خطبتكم هذه" النفي للخطبة ليس على إطلاقه، إنما نفي الخطبة المشابهة لخطبهم التي وجدت في آخر وقت ابن عباس من بعض الأمراء.
стр. 1318
"رواه أحمد، وهذا لفظه، وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه، وأبو عوانة في صحيحه وابن حبان والحاكم" والحديث مقبول لا بأس به.
"وعن عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه" وعد الناس يوماً يخرجون فيه ليتأهبوا للخروج، يعني ما أخذهم على غرة قال: هيا مشينا إلى الاستسقاء، إنما ليستعدوا بالتوبة النصوح، وبالخروج من المظالم "وعد الناس يوماً يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس" يعني وقتها إذا ارتفعت الشمس، وخرج وقت النهي "فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله ثم قال: ((إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم)) " يعني وقت نزوله، ((وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم)) ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [(٦٠) سورة غافر] ثم قال: ((الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد)) كل الأمور بيده، أزمة الأمور بيده -جل وعلا- ((يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت)) توسل بكلمة التوحيد، ((أنت الغني)) اعتراف وتمجيد لله -جل وعلا- ((ونحن الفقراء)) اعتراف على النفس بالذل والحاجة والفاقة ((أنزل علينا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، واجعل ما أنزلته لنا قوة وبلاغاً إلى حين)) ثم رفع يديه فلا يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه" بالغ ﵊ بالرفع حتى صار ظهور كفيه إلى السماء، كما جاء في بعض الروايات: "ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب أو حول رداءه" جعل ما على الكتف الأيمن على الأيسر والعكس "وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين" وفي الحديث ما يدل على أن الدعاء والخطبة قبل الصلاة، لكن أكثر الروايات على أن الصلاة قبل كالعيد، وعليها عامة أهل العلم، يرون أن الصلاة قبل الخطبة.
стр. 1319
"فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله" النبي ﵊ ما استسقى إلا سقي وأجيب "ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأتِ مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن" يتقون المطر، انطلقوا إلى ما يكنهم ويقيهم المطر "فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه" أنيابه بدت ﵊ من حالهم "فقال: ((أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله)) رواه أبو داود، وقال: هذا حديث غريب" وفي بعض ألفاظه غرابة لا سيما ما يتعلق بتأخير الصلاة "إسناده جيد" يعني كون الإسناد جيد لا يعني أن في بعض ألفاظه ما ينكر، والعلماء إذا قالوا: حديث جيد، أو إسناد جيد بعضهم يقول: إنه يعني صحيح، وأطلق الترمذي الجودة بإزاء الصحة، فقال: هذا حديث حسن جيد، في مقابل ما يقوله: هذا حديث حسن صحيح، مع أن ابن حجر ﵀ يقول: الحكم بالجودة يدل على قوة الحديث، لكن الجهبذ النقّاد الخبير لا يعدل عن صحيح إلى جيد إلا لنكتة، وأنه قد لا يبلغ درجة الصحة.
"وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وأنه يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه" متفق عليه، واللفظ للبخاري" يعني في صلاة الاستسقاء، وفي الاستسقاء في خطبة الجمعة رفع النبي ﵊ يديه، ورفع المصلون أيديهم في خطبة الاستسقاء، وفي خطبة الجمعة إذا استسقى فقط لا في جميع الدعاء.
"متفق عليه، واللفظ للبخاري".
стр. 1320
"وعنه عن أنس ﵁" راوي الحديث السابق "أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء" دار القضاء هي دار لعمر بن الخطاب، القضاء في الصدر الأول هو في المسجد، يتولاه الإمام الأعظم في المسجد، ودار القضاء هذه دار لعمر بيعت بعد وفاته لقضاء دينه "ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائماً وقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السُبل" هلكت الأموال من الجدب وعدم الخصب، وانقطعت السبل ما في سبل ولا طرق ووسائل الانتقال من المواشي التي ينتقل إليها وتقطع بها السبل، والطرق قد هلكت "فادعُ الله أن يغيثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه وهو يخطب في الجمعة، فقال: ((اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا)) " وكان إذا دعا ﵊ دعا ثلاثاً "قال أنس: "ولا والله ما نرى في السماء من سحابة ولا قزعة" يعني ما في سحابة مجتمعة، ولا قزعة سحاب متفرق "وما بيننا وبين سلع" جبل معروف بالمدينة
"من بيت ولا دار، قال: فطلعت من رواءه سحابة مثل الترس" سحابة ليست بالكبيرة "فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً" أسبوعاً من الجمعة إلى الجمعة، إلى أن جاء يطلب رفع المطر خشية ضرره "فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة" لا يدرون هل هو الرجل الذي جاء في الأسبوع الماضي أو غيره كما قال أنس؟
стр. 1321
"ثم دخل رجل من ذلك الباب" الذي هو نحو دار القضاء "في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائماً فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل" هلكت في الأول وهلكت في الثاني، انقطعت في الأول وانقطعت في الثاني، لكن السبب الأول غير السبب الثاني، السبب الأول الجدب والقحط، والثاني زيادة المطر، والمطر والغيث كما هو غيث إلا أنه ليس بخير محض، هو خير على كل حال ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [(٣٠) سورة الأنبياء] لكن مع ذلك إذا زاد صار فيضان وغرق، وقوم نوح أهلكوا بالطوفان، فلما كثر هلكت الأموال غرقاً، وانقطعت السبل، أنتم تعرفون إذا كثرت السيول توقفت السيارات فكيف بالمواشي؟
"هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادعُ الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: ((اللهم حوالينا ولا علينا)) " يعني حوالينا لا تبعد عنا لأننا نريد الخير والفضل، نريد كثرة المخزون من الماء في جوف الأرض، ونريد ما ينتج وينبت بسبب هذا الغيث من عشب وربيع.
((اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام)) على الهضاب ((والظراب)) يعني على الجبال ((وبطون الأودية)) التي تخلو من السكان ((ومنابت الشجر)) يعني الأراضي التي تنبت الشجر لا القيعان التي لا تنبت ولا ويستفاد منها.
"قال: فأقلعت" وقفت فوراً "قال: وخرجنا نمشي في الشمس" وبقدر الإرث من النبي ﵊ في العلم والعمل يحصل لنا مثل ما حصل لهم، بقدره، وبقدر البعد عن منهجه ﵊ علماً وعملاً وإخلاصاً وإتباعاً يحصل لنا ما يحصل من الحرمان "قال شريك: فسألت أنساً أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري" متفق عليه".
"وعن عبد الله بن زيد المازني قال: "خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى فاستسقى" خرج ما يدل على أن صلاة الاستسقاء كصلاة العيد تكون خارج البلد، ولا تكون في المساجد إلا لحاجة من برد شديد أو مطر، بخلاف المسجد الحرام فإنه لا يخرج عنه، وما عداه حتى المسجد النبوي تكون صلاة العيد وتكون صلاة الاستسقاء خارج المدينة، فضلاً عن غيرها من البلدان.
стр. 1322
"خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه حين يستقبل القبلة، وصلى ركعتين، وفي لفظ: وقلب رداءه، وفي لفظ: وجعل إلى الناس ظهره يدع الله" متفق عليه، واللفظ لمسلم" استسقى وصلى ركعتين الواو كما هو معلوم لا تقتضي الترتيب.
"وفي البخاري: "ثم صلى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة" وهذا لفظ مشكل على قول عامة أهل العلم، وأن الصلاة قبل الدعاء والاستسقاء، منهم من يقول: إنه دعا قبل الصلاة ودعا بعدها، فالذي قال: إنه صلى قبل ما نقل الدعاء الأول، والذي قال: صلى بعد ما نقل الدعاء الثاني "ثم صلى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة" وله أي البخاري: "فقام فدعا الله قائماً، ثم توجه قبل القبلة وحول رداءه فاسقوا".
"ولأحمد: أن النبي ﵊ استسقى وعليه خميصة سوداء" يعني من صوف، خميصة سوداء "فأراد أن يأخذ بأسفلها" يقلبها فيجعل أسلفها أعلاها وأعلاها أسفلها "فثقلت عليه" لأنها من صوف "فقلبها عليه، الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن" يعني بدلاً من أن تقلب من أسفل إلى أعلى قلبت من جهة إلى جهة، فتحويل الرداء سنة للإمام بالاتفاق، وأما بالنسبة للمأموم فهو قول جماهير أهل العلم، والذي يعني الإمام من ذلك وهو التفاؤل بتغير الحال يعني المأموم أيضاً، فتخصيص الإمام به لا وجه له كما قال بعضهم.
"ولأبي داود والنسائي نحوه".
стр. 1323
"وعن أنس أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب ﵁" كانوا يسقون "فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا" يعني بدعائه ﵊ كما تقدم يستسقون ويتوسلون فيسقون، النبي ﵊ مات، والميت لا يتوسل به؛ لأنه لا يتصور دعاءه وهو في قبره ﵊، ولو أمكن ذلك ما عدلوا عنه وهو بين أظهرهم قريب منهم إلى العباس، فدل على أن الدعاء إنما يطلب من الحي لا من الميت، والتوسل بدعاء الحي لا بالميت "إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون" يعني العباس ﵁ قال كلاماً فيه شيء من التواضع والانكسار: "اللهم إنهم توجهوا بي إليك لقربي من نبيك ﵊ فسقوا" فنحن بحاجة إلى مثل هذا الانكسار من مثل هذا الرجل العظيم، عندنا مع الأسف أنه يوجد من بعض الخطباء شيء بل قد لا يفرقون بين الأحوال، فتجده في خطبة الاستسقاء لا يختلف وضعه عن خطبة العيد، الظروف تختلف، معاوية عنده علماء الصحابة وعلماء التابعين، عنده الأسود بن يزيد، وعنده سعيد بن المسيب، وعنده كثير من الصحابة، ما قال: يا سعيد بن المسيب يا أفقه التابعين تعال استسقِ بنا، ولا قال للأسود بن يزيد النخعي: تعال استسقِ بنا لأنك أفقه أصحاب بن مسعود، قال: يا يزيد بن الأسود، ليس معدود من فقهاء التابعين، إنما معدود مع عبادهم وزهادهم؛ لأننا في هذا الموضع نحتاج لمثل هذا، الأمة كما هي محتاجة إلى سعيد في علمه، ومحتاجة إلى الأسود بن يزيد في علمه، هي أيضاً محتاج إلى مثل يزيد بن الأسود، ومثل أويس القرني وغيرهم من العباد، ممن يتحرى منهم إجابة الدعوة، والله المستعان.
"إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون" رواه البخاري، وقال الدارقطني: لم يروه غير الأنصاري عن أبيه، وأبوه عبد الله بن مثنى ليس بالقوي" لكن الخبر في البخاري فلا كلام للدارقطني ولا لغيره.
стр. 1324
"وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: ((صيباً نافعاً)) " صيباً الصيب هو الذي ينزل، وجاء في صفة صلاته ﵊: "إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه" يشخصه يرفعه، ويصوبه ينزله، فالصيب هو الذي ينزل في الأرض، يعني المطر معروف أنه ينزل "رواه البخاري" فيشرع هذا الدعاء إذا رئي المطر.
"وعن أنس ﵁ قال: أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر، قال: فحسر رسول الله ﷺ " كشف رسول الله ﷺ "ثوبه حتى أصابه من المطر" أصاب جسده من المطر، ويحسر رأسه وقدميه وذراعيه، لكي يصيبها هذا المطر المبارك، هذا الماء المبارك، "أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال: ((لأنه حديث عهد بربه )) " الآن ينزل من جهة العلو، حديث عهد بأمر الله -جل وعلا- " ((حديث عهد بربه )) رواه مسلم".
"وعن عائشة بنت سعد أن أباها حدثها أن رسول الله ﷺ نزل وادياً دهشاً" الذهبي وغيره حكموا على هذا الخبر بأنه موضوع، وفيه ألفاظ غريبة ينبو عنها السمع السليم، فلا يتصور أنها ثابتة عنه ﵊.
стр. 1325
"أن رسول الله ﷺ نزل وادياً دهشاً، لا ماء فيه، وسبقه المشركون إلى القلات" القلات نُقَر في الجبال كأنها أوعية، يجتمع فيها الماء "فنزلوا عليها" وعرفنا أن الحديث موضوع، فلا يتكلف اعتباره، ولا الاستنباط منه، لكن لا مانع من أن ننظر إلى بعض الألفاظ الغريبة فيه "فنزلوا عليها، وأصاب العطش المسلمين" لأن المشركين استولوا على أماكن تجمع المياه "فشكوا إلى رسول الله ﷺ ونجم النفاق" في هذه الأزمات ينجم النفاق، في الأزمات ينجم النفاق، وإذا حصل على المسلمين شدة أو ضر أو نزل بهم شيء برز المنافقون "فقال بعض المنافقين: لو كان نبياً كما يزعم لاستسقى لقومه كما استسقى موسى لقومه، فبلغ ذلك النبي ﵊ فقال: ((أو قالوها؟ عسى ربكم أن يسقيكم)) ثم بسط يديه وقال: ((اللهم جللنا)) " يعني: ظللنا، وعمم ما حولنا من أرض ((سحاباً كثيفاً)) يعني متكاثفاً متراكماً بعضه فوق بعض ((قصيفاً)) فيه قصف الرعد يسمع بقوة ((دلوقاً)) يعني ينصب بقوة كأفواه القرب كما حصل في بعض الأحيان ((مخلوفاً)) يعني: يخلف بعضه بعضاً لا ينقطع ((ضحوكاً)) مصحوباً بالبرق ((زبرجاً)) فيه سحاب ملون، مما يدل على أن هذا اللفظ يعني ينبو عنه السمع، كون السحاب ملون فيه حمرة وفيه ألوان هل هذا من المقاصد؟ على كل حال الخبر لا يتكلف اعتباره، ولا الإجابة عنه؛ لأنه من أصله باطل، موضوع.
((تمطرنا منه رذاذاً قطقطاً)) رذاذاً مع قوله: ((دلوقاً)) تنافر ((قطقطاً سجلاً بُعاقاً)) يقولون: متواصلاً لا انقطاع له " ((يا ذا الجلال والإكرام)) فما رد يديه من دعائه حتى أظلتنا السحاب التي وصف" بهذه الصفات التي ذكرت "تتلون في كل صفة وصف رسول الله ﷺ من صفات السحاب، ثم أمطرنا كالضروب التي سألها رسول الله ﷺ ، فأفعم السيل الوادي، وشرب الناس وارتووا" رواه أبو عوانة الإسفرايني في صحيحه" وعرفنا أن الحافظ الذهبي حكم عليه بالوضع.
стр. 1326
فيما يتعلق بصلاة الكسوف، واختلاف الروايات في عدد الركوعات، بعضهم يبدي جواباً عن الروايات الواردة في الصحيح من عدد الركوعات التي تخالف ما في الصحيحين، فيقول: إن الركوعات التي ذكرت من الثالث والرابع والخامس ليست هي ركوعات في الحقيقة، وإنما النبي ﵊ يرفع رأسه لينظر هل انجلى الكسوف أو لا؟ ثم يعود، هذا لا شك أنه محاولة فيها شيء من النباهة، لكنها لا تكفي؛ لأن الركوع يعني يختلف عن مجرد رفع الرأس وإنزاله، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
طالب: .... إذا كانت الركعة الأولى لا تدرك بالركوع الثاني ...
إيه.
طالب: هل الركعة الثانية تدرك بالركوع الثاني؟
كذلك مثلها، الركوع الثاني لا يدرك به شيء لا في الركعة الأولى ولا في الركعة الثانية.
طالب: هل يتوسل بآل البيت ....
بالصالح منهم، إذا كان فيهم من فيه صلاح، ظهر صلاحه، العبرة بالتقوى، ومع ذلك أهل البيت لهم حقهم ولهم شأنهم، وقربهم من النبي ﵊ له منزلة في الشرع، وهم وصيته ﵊ فلهم حق على الأمة حق عظيم.
طالب:. . . . . . . . .
نعم، يقلب الشماغ، الذي ما عليه إلا شماغ إيش يسوي؟ يفسخ ثوبه!
طالب:. . . . . . . . .
لا، لا ما عنده إلا شماغ في حكم الرداء، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
هو يرفع يديه عادي هكذا حذاء وجهه، ثم بعد ذلك مع الإلحاح والتضرع يرفعها حتى يبالغ، ويرى بياض إبطيه، ويترتب على ذلك أن يكون ظهورها إلى السماء، ومن أهل العلم من يقول: إن ظهورها إلى السماء هكذا.
اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1327
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: المحرر - كتاب الزكاة (١)
الشيخ: عبد الكريم الخضير
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين.
قال الإمام ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في كتابه المحرر:
كتاب الزكاة:
عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن، فقال: ((ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم)) متفق عليه، واللفظ للبخاري.
وعن أنس بن مالك ﵁ أن أبا بكر الصديق ﵁ لما استخلف كتب له حين وجهه إلى البحرين هذا الكتاب، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1328
هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله ﷺ ، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط، في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها ابنة لبون أنثى، فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان، طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمساً من الإبل ففيها شاة، وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاث مائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاث مائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المصدق، وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن تيسرتا له.
إن استيسرتا.
стр. 1329
إن استيسرتا له، أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهماً، أو شاتين ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده إلا بنت لبون فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطي معها شاتين أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة، ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست عنده، وعنده بنت مخاض فإنها تقبل منه بنت مخاض، ويعطي معها عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده، وعنده بنت لبون فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين، فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه، وليس معه شيء" رواه البخاري.
وعن مسروق عن معاذ بن جبل ﵁ قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن فأمرني أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم ديناراً، أو عدله معافرياً" رواه أحمد وهذا لفظه، وأبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وعن إسحاق ...
عن ابن.
وعن ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: ((لا جلب ولا جنْب ولا تؤخذ)) ...
ولا جنَبَ.
((ولا جنَبَ، ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم)) رواه أبو داود.
وللإمام أحمد عن أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: ((تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم)).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)) متفق عليه، ولمسلم: ((ليس على العبد صدقة إلا صدقة الفطر)) ...
في، في.
((ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر)) ولأبي داود: ((ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر في الرقيق)).
стр. 1330
وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((في كل سائمة إبل في كل أربعين بنت لبون لا تفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجراً بها فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، ليس لآل محمد منها شيء)) رواه أحمد وأبو داود وهذا لفظه، والنسائي، وعند أحمد والنسائي: ((وشطر إبله)) وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال أحمد: هو عندي صالح الإسناد، وقال الشافعي: لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولو ثبت لقلت به، وذكر ابن حبان: أن بهزاً كان يخطئ كثيراً، ولولا رواية هذا الحديث لأدخلته في الثقات، قال: وهو ممن أستخير الله فيه، وفي قوله نظر، بل هذا الحديث صحيح، وبهز ثقة عند أحمد، وإسحاق وابن المديني وأبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم، والله أعلم.
وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم -وسمى آخر- عن ابن إسحاق ...
عن أبي، عن أبي.
عفا الله عنك.
عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء -يعني في الذهب- حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك)) قال: فلا أدري أعلي يقول: فما زاد فبحساب ذلك أو رفعه إلى النبي ﷺ ؟ وليس في مال زكاة حق حتى يحول عليها الحول، إلا أن جريراً قال: ابن وهب ...
قال ابن وهب.
إلا أن جريراً قال: ابن وهب يزيد في الحديث عن النبي ﷺ ((ليس في مال زكاة حتى يحول عليها الحول)) قال أبو داود: رواه شعبة وسفيان وغيرهما عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي ﵁ ولم يرفعوه.
وعاصم بن ضمرة وثقه أحمد وابن معين وابن المديني والعجلي وغيرهم، وتكلم فيه السعدي وابن حبان وابن عدي والبيهقي وغيرهم، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال الثوري: كنا نعرف فضل حديث عاصم على حديث الأعور.
стр. 1331
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين،
أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
كتاب: الزكاة
عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن.
الكتاب مر التعريف به مراراً في كتاب الطهارة، وفي كتاب الصلاة، وكتاب الجنائز فهو أقرب مذكور.
والزكاة أصلها في اللغة تطلق على النماء والزيادة، تطلق على النماء والتطهير والزيادة ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [(١٠٣) سورة التوبة] فهي تطهر النفس من الشح والبخل والجشع، وتطهر البدن فجاء ما يدل على أنها دواء، ((داووا مرضاكم بالصدقة)) وهي أيضاً تزكي المال، وتزيده وتنميه ولا تنقصه ((ما نقص مال من صدقة)) والمال الذي بيد من يسره الله له ليس له، إنما مال الله استأمنه عليه ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [(٣٣) سورة النور] فلا منة للغني حينما يبذل هذا القدر المفروض عليه، من فوق سبع سماوات، هذا القدر عليه في فرض من أشد الفرائض، في ركن من أركان الإسلام، ليس له منة على فقير، كما أن الفقير ليس له أن يلوم الغني، إذا أعطى غيره ولم يعطه، ولذا جاء في الحديث الصحيح: ((إنما أنا قاسم، والله المعطي)) يدخل الرجلان في ظروف متقاربة جداً على غني من الأغنياء، فيعطي واحد، ولا يعطي الثاني، الله هو المعطي، الله -جل وعلا- سخره أن يعطي فلاناً ولا يعطيك، لكن على الغني أن يبذل ما افترض الله عليه.
стр. 1332
والزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام بعد الشهادتين والصلاة، وقرنت مع الصلاة في مواضع كثيرة جداً من نصوص الكتاب والسنة، وإذا كان الإجماع قائم على أنه لا يدخل في الإسلام من لا ينطق بالشهادتين والمرجح من حيث قوة الأدلة أن تارك الصلاة كافر، فإن الزكاة يختلف في حكم تاركها أهل العلم، فالجمهور على أنه لا يكفر إذا ترك الزكاة إذا كان مقراً بوجوبها، لا يكفر، وجمع من أهل العلم يرون أنه يكفر كتارك الصلاة، وكذلك بقية الأركان، وهو قول في مذهب مالك، ورواية عن الإمام أحمد، وأبو بكر ﵁ قاتل مانعي الزكاة، لما امتنعوا من دفع الزكاة، قاتلهم وراجعه بعض الصحابة ومنهم عمر، كيف تقاتل من يشهد أن لا إله إلا الله؟ والنبي ﵊ يقول: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)) فأجاب أبو بكر ﵁ أن الحديث فيه استثناء ((إلا بحقها))، ((فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم إلا بحقها)) والزكاة من حقها، ثم قال: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة" فوافقه الصحابة على ذلك، وقاتلهم ﵁، وهكذا إذا امتنع أهل بلد من أي شعيرة من إقامة أي شعيرة عامة من الشعائر فإنهم يقاتلون ولو لم تكن من الأركان، فالنبي ﵊ إذا غزا قوماً انتظر، فإن سمع أذاناًَ كف، وإن لم يسع الأذان قاتلهم، ولذا لو امتنع أهل بلد من الأذان وهو ليس بمثابة ... ، بل الخلاف في وجوبه معروف، فإنه يقاتلهم ... فكيف بركن من أركان الإسلام؟! "والله لو منعوني عقالاً، أو قال: عناقاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه" شرح الله صدر أبي بكر ﵁ لقتالهم، ووافقه الصحابة فدل على عظم شأن الزكاة.
стр. 1333
من امتنع من دفع الزكاة أخذت منه قهراً، أخذت منه، أخذها الإمام منه قهراً، ويسقط بها الطلب، بمعنى أنه لا يطالب بها ثانية، أما كونها مجزئة عند الله -جل وعلا- هذا الأمر إلى الله -جل وعلا-، كونها مجزئة في الدنيا نعم مجزئة تسقط عنه الطلب، فتؤخذ منه قهراً بحيث لا تؤخذ منه مرة ثانية، لا يقال: إنه ما نوى الدفع، بل زكاته باطلة هذا إليه، لو قال: إنه أخذت منه من غير نية والأعمال بالنيات، وأراد أن يعيدها ويخرج غيرها فالأمر إليه.
قال ﵀: "عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ " الزكاة كثيراً ما تطلق على المفروضة، والصدقة على الندب والنفل، والزكاة على المفروضة، وسيأتي في حديث أنس إطلاق الصدقة على الزكاة المفروضة؛ لأنها دليل على صدق مؤديها، ولذا جاء في الحديث الصحيح: ((والصدقة برهان)) يعني دليل قاطع على صدق إيمان مخرجها.
قال: "عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن" بالنسبة لفرضية الأركان معلوم أن الشهادتين مع بداية الدعوة، وإنما الدعوة إليهما، والصلاة فرضت قبل الهجرة ليلة الإسراء، والزكاة والصيام فرضا بعد الهجرة في السنة الثانية، والحج في السنة التاسعة، وهنا بعث النبي ﷺ معاذاًَ إلى اليمن، وكان هذا في السنة العاشرة، وقيل في آخر التاسعة، وبقي معاذ قاضياً ومعلماً في اليمن إلى أن مات النبي ﵊، وقدم في خلافة أبي بكر.
"أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن، فقال: ((ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله)) " قبل ذلك قال: ((إنك ستأتي قوماً أهل كتاب)) وهذا للتنبيه، تنبيهاً لمعاذ من أجل أن يستعد لهم؛ لأن أهل الكتاب ليسوا كغيرهم من طوائف الكفر، هؤلاء عندهم علم، وعندهم بقية، عندهم أثارة من علم، وإن كان جل ما عندهم محرف، لكن عندهم شيء، يحاجون به، ولذا نبهه النبي ﵊ إلى ذلك من أجل أن يستعد لهم.
هذا يقول سؤال امرأة موجودة الآن تريد جواب الآن: أعطاها رجل مال لتتصدق به في الحرم، فتصدقت ببعضه، فهل يجوز لها أخذ شيء من الصدقة؛ لأنها بأمس الحاجة إليها، أم تتصدق بغيرها؟
стр. 1334
على حسب لفظ المتصدق، إن قال: تصدقي به عني أو ادفعيه عني، لا بد أن تدفعه كاملاً، والمفترض أنها بينت حاجتها له؛ ليقول لها: خذيه أو خذي بعضه، أما والحال أنه أعطاها شيئاً تتصدق به في الحرم، فعليها أن تتصدق بكامله.
((إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله)) هذا الأصل الذي يبنى عليه جميع فروع الدين، وبدون شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله لا يصح شيء، وعلى هذا على الداعية والمعلم والموجه أن يبدأ أول ما يبدأ بالأصل، فإذا تقرر الأصل دعا إلى ما يليه الأهم فالأهم.
((ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله)) هذا هو الركن الأول من أركان الإسلام.
((فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة)) الركن الثاني، لكن لا يؤمرون بالصلاة إلا إذا شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وليس معنى هذا أنهم غير مخاطبين بالصلاة والزكاة وغيرهما من شرائع الإسلام، إذا لم يدخلوا في الإسلام، الكافر مخاطب بفروع الشريعة كأصلها عند جمهور أهل العلم، لكن هذه الفروع لا يصح شيء منها إلا إذا تحقق الأصل، فلا يقال لكافر: صل، ولا ادفع الزكاة، ولا صم، إلا إذا شهد أن لا إله إلا الله؛ لأنها لا تصح منه ولو أداها ما لم يشهد أن لا إله إلا الله، ويحكم بإسلامه.
((فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة)) وهذا من أدلة من يقول بعدم وجوب أي صلاة غير الخمس، وجاء في حديث الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال: ((لا، إلا أن تطوع)) والذي يوجب العيد، أو يوجب الوتر، أو يوجب صلاة الكسوف عليه أن يأتي بأدلة خاصة، وقد أوردوا أدلة، كل أورد ما يدل لقوله، المقصود أن الجمهور على هذا، الحنفية يوجبون صلاة العيد، ويوجبون الوتر، وأبو عوانة وجمع من أهل العلم يوجبون صلاة الكسوف ((فإذا رأيتموهما فصلوا)) تبعاً لهذا الأمر.
стр. 1335
((فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم)) في الجملة الأولى ((أطاعوك لذلك)) وفي الجملة الثانية ((أطاعوا لذلك)) هل بينهما فرق؟ بينهما فرق أو هذا من تصرف الرواة؟ الذي يظهر أنه من تصرف الرواة، والمعنى واحد.
((فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة)) افترض صدقة يعني زكاة واجبة، ((افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم)) يعني ممن يملك النصاب بأي نوع من الأنواع التي تجب فيها الزكاة كالماشية والخارج من الأرض، والنقدين، وعروض التجارة، وغيرها على ما سيأتي تفصيله.
((تؤخذ من أغنيائهم، وترد في فقرائهم)) ((تؤخذ من أغنيائهم)) يعني من أغنياء هؤلاء القوم الذين بعثت إليهم وهم أهل اليمن ((وترد في فقرائهم)) يعني في فقراء البلد نفسه، وهذا دليل من يقول بعدم جواز نقل الزكاة من بلد إلى بلد ((تؤخذ من أغنيائهم، وترد في فقرائهم)) والمعنى ظاهر أن فقراء البلد أقرب الناس إلى هؤلاء الأغنياء وأولى ببرهم، وهم أيضاً ينظرون إلى هذه الأموال، ونفوسهم معلقة بهذه الأموال، فلهم نصيب فيها، والذي يقول: لا مانع من نقل الزكاة من بلد إلى بلد يقول: إن المراد بفقرائهم فقراء المسلمين في أي بلد، نعم إذا لم يكن في البلد الذي فيه الزكاة فقراء، أو كانت الحاجة في غيره أشد فهذا مبرر عند جمع من أهل العلم في نقل الزكاة.
والشاهد من الحديث: ((فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة)) والمراد بذلك الزكاة.
متفق عليه، واللفظ للبخاري.
следующие страницы →