← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6366

شرح المحرر في الحديث - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (1 701 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح: المحرر – كتاب الصلاة (١٦) الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن بكير بن عبد الله بن الأشج عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: "ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان ... فلان هذا: واحد من الإخوان يقول: بحثت المراد بقول أبي هريرة في حديث بكير: بفلان، فوجدت ثلاثة أحاديث، عند أبي هريرة ما كان أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من ابن أم سُليم، يعني أنس بن مالك، وهذا في المسند. حديث أبي الدرداء: يقول: ما رأيت أحداً أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من صاحبكم، يعني معاوية. وحديث أنس ابن مالك: قال: ما صليت خلف أحد أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من فلان، وكان الأمير هو عمر بن عبد العزيز، هذا في المسند، فأيهما المراد؟ الأقرب أن يكون الأول لأنه من حديث أبي هريرة، ما رأيت أحداً أشبه صلاة برسول الله ﷺ من ابن أم سليم، وهو أنس بن مالك، وهذا في المسند. قول أبي الدرداء ما رأيت أحداً أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من صاحبكم يعني معاوية، رواه الطبراني، وقال: رجاله رجال الصحيح إلا فلان ... إلى آخره. المقصود أن كون المراد معاوية بقول أبي هريرة: "ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان" يعني معاوية أولاً: ليس من حديث أبي هريرة، والتقدير تقدير الشبه يختلف من شخص لشخص، فكونها أشبه بصلاة رسول الله ﷺ على حد ظن أبي الدرداء لا يلزم منه أن يكون أشبه على تقدير أبي هريرة.

стр. 387

أما ما روي عن أنس في المسند، قال: ما صليت خلف أحد أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من فلان، وكان الأمير هو عمر بن عبد العزيز، هذا ليس بوارد أصلاً؛ لماذا؟ لأن عمر بن عبد العزيز ولد سنة ستين أو واحد وستين، وأبو هريرة مات سنة تسعة وخمسين، فلا يمكن أن يراد بكلام أبي هريرة ألبتة. المحتمِل حديث أبي الدرداء، لكن ما جاء من طريق أبي هريرة نفسه من أن المراد به أنس بن مالك هذا هو الأقرب. يقول: "ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان" هذه كناية عن الرجل، كما أن فلانة كناية عن المرأة، ويؤتى بالكناية في مثل هذا حينما يخشى الإنسان على نفسه، أو على المتحدث عنه، أو يترجح عنده أن التكنية أولى من التصريح، وقد يكون لشيء في النفس، وهنا لا يظن أن يكون السبب شيء في النفس، وإن كانت النفوس قد تعتمد مثل هذا؛ لأنه ليس فيه كذب، وليس بممنوع ألا يصرح بالاسم، لكن كما قالت عائشة ﵁: "خرج رسول الله ﷺ بين العباس وآخر، أو ورجل" تعني بذلك علي ﵁، ما صرحت باسمه؛ لأن في نفسها شيئاً لا يؤثر، لما استشاره النبي ﵊ في حادثة الإفك أشار بقوله: النساء غيرها كثير، هذا لا شك أنه يوجد في النفس ما يوجد، لكن هل ارتكبت محظور بسبب ما في النفس، أو تركت واجب بسبب ما في نفسها؟ أبداً، لما قتل عثمان جاء الناس يستشيرونها فأشارت بعلي ﵁ وأرضاه-، يعني ما منعها ما في نفسها أن تنصح النصيحة الواجبة، وأن تكتم الحق، ما حملها ذلك على أن تكتم الحق الواجب بيانه، فالتكنية لها فوائد، لو أن شخصاً أفتى بفتوى مناسبة ومحررة ومقررة، وأراد الإنسان إشاعتها بين الناس، لكن عليه ضرر في التصريح باسم هذا المفتي، يقول: أفتى بعض أهل العلم، ما في ما يمنع؛ لان المقصود إيصال الفائدة كما هنا "ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان" وقد يصرح به في موضع آخر كما في المسند، صرح بابن أم سُليم يعني أنس.

стр. 388

"قال سليمان" سليمان بن يسار، أحد الفقهاء السبعة، موضحاً وجه الشبه بين صلاة هذا المبهم، وبين صلاة النبي ﵊: "كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين" لأنه يقرأ في الركعة الأولى أو في الأوليين على ما تقدم بـ (آلم التنزيل) بقدر (آلم التنزيل) الرواية الأخرى مقدار ثلاثين آية في كل ركعة، هذا تطويل بالنسبة للركعتين الأخريين، سواءً قلنا: إنه لا يزاد فيهما على الفاتحة، أو قلنا: إنه يقرأ فيهما على النصف مما يقرأ في الركعتين الأوليين "ويخفف العصر" لأن الأوليين منها بمقدار الأخريين من صلاة الظهر على ما تقدم في الحديث الذي قبله. "ويقرأ في المغرب بقصار المفصل" أولاً: المفصل يبدأ عند الجمهور من (ق) وقال بعضهم: يبدأ من الحجرات. سمي المفصل بهذا الاسم لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة، يبدأ من (ق) وهذا قول الأكثر؛ لأن التسبير والتقسيم -تقسيم القرآن- على أسباع، الذي ذُكر عن الصحابة في سنن أبي داود وغيره، في اليوم الأول ثلاث، وفي الثاني خمس، وفي الثالث سبع، وفي الرابع تسع، وفي الخامس إحدى عشرة، وفي السادس ثلاث عشرة، وفي السابع المفصل، فإذا قلنا في اليوم الأول: البقرة وآل عمران والنساء، وفي الثاني المائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة، وهكذا، صار نصيب اليوم السابع يبدأ من (ق) نزر يسير من أهل العلم قالوا: يبدأ من الحجرات، وكأنهم عدوا الفاتحة، قالوا: في اليوم الأول ثلاث: الفاتحة والبقرة وآل عمران، والثاني النساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال، ثم يقف في اليوم السادس عند الحجرات، لكن يختل التوازن بهذا التقسيم، يكون بعضها أطول من بعض طولاً واضحاً، يعني يكون في اليوم الأول أربعة إلا ربع، وفي الثاني كم؟ خمسة ونصف، فيكون هناك فرق واضح، وإن كان بين .. ، حتى على الترتيب الأول، اليوم الأول خمسة وربع، والثاني خمسة وورقة، والثالث إلى آخره أربعة، وقد تنقص يسيراً. المقصود أن هذا هو سبب الخلاف، والحافظ ابن كثير ﵀ ذكر في فضائل القرآن أن الأكثر على أن المفصل يبدأ من (ق) وفي تفسير سورة (ق) ذكر أن من أهل العلم من يرى أن المفصل يبدأ من الحجرات.

стр. 389

المقصود أنه يقرأ في المغرب بالقصار، بقصار المفصل، وتقسيم المفصل إلى ثلاثة أقسام: طوال، وأوساط، وقصار إن قلنا بالترتيب فقد تأتي السورة الطويلة بعد السورة القصيرة، فمثلاً إذا قلنا: بأن الطوال، ثم الأوساط، ثم القصار مترتبة على حسب ترتيبها في المصحف، قلنا: ماذا نعد الانفطار، ثم المطففين بعدها، وهي أطول منها بكثير؟ والانفطار قبلها، المطففين من الطوال تعد إذا قلنا بالانتقاء، يعني ننظر إلى الواقع في السور الطويلة والقصيرة، سواءً تقدمت أو تأخرت، فليست الانفطار بمنزلة المطففين، ولا بمنزلة الفجر التي بعدها بسور، والقصر والطول لا شك أنه يدل على أن المغرب تخفف، والعشاء يتوسط فيها، والفجر تطول فيها القراءة، كما جاء في الحديث، حديث عائشة: "وإلا الصبح فإنها تطول فيها القراءة". يقرأ في المغرب بقصار المفصل، ثبت عنه ﵊ أنه قرأ في المغرب بالأعراف، وقرأ فيها بالمرسلات، وقرأ فيها بالطور، وقرأ فيها بالطور، وقرأ فيها بأوساط، وقرأ فيها بقصار. فقوله: "يقرأ في المغرب بقصار المفصل" وزيد بن ثابت أنكر على مروان التزامه القراءة في المغرب بالقصار، أنكر عليه، فكيف نوجه قول سليمان: "ويقرأ في المغرب بقصار المفصل"؟ إن قلنا: نحمل هذا على الغالب على أن لا يكون ديدن للإمام أن يقرأ بالقصار في المغرب مستمراً اتجه؛ لأنه خالف النبي ﵊، هذا الاطراد المذكور هنا بأنه قرأ سور طويلة، وسورة الأعراف إذا رتلت تأتي على جميع الوقت، وقت المغرب، وقد صلى بها أحد المشايخ، فما فرغ من الصلاة حتى دخل وقت العشاء، نعم على طريقة السرد، الهذ، يمكن أن يؤتى بها مع الصلاة بأقل من نصف ساعة، للضابط المتقن. على كل حال يجب أن يحمل مثل هذا الكلام مع أن فيه كلام لأهل العلم في ثبوته، والأكثر على أنه حسن، يعني مقبول، واعتمده جمع من أهل العلم الحنابلة مشوا على هذا قالوا: يقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء من أوساطه، وأضافوا إليها الظهر والعصر، وجعلوا صلاة الصبح بالطوال، طوال المفصل.

стр. 390

إذا حمل هذا على الغالب استقام، ويكون قراءة النبي ﵊ بالأعراف وبالطور وبالمرسلات وبالصافات أحياناً، كل هذا لبيان الجواز، جواز الإطالة. "ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل" ولا شك أن الطول والقصر والتوسط أمور لا يمكن تحديدها بترتيب السور، مثل ما أسلفت، وإن كان بعضهم حددها، وجعل القصار من الضحى، والأوساط من إيش؟ نعم؟ طالب: من النازعات. من (ق) إلى (عم) هذه الطوال. طالب: من النازعات. إلى آخر عم طوال، ومن النازعات إلى عم تكون أوساط، لكن إذا قلنا هذا يمكن سورة البينة تعادل بعض الأوساط، مثل الطارق مثلاً، ومثل الانفطار تعادلها البينة، والذي ينبغي أن يقال في مثل هذا أنه لا يحدد على الترتيب، بل ينظر إلى السورة نفسها، هل هي طويلة أو قصيرة.

стр. 391

"يقرأ في الصبح بطوال المفصل" يعني جاء عن النبي ﵊ أنه قرأ في صلاة الصبح بـ (إذا زلزلت) في الركعتين، في صلاة الصبح بـ (إذا زلزلت) وهي من الأوساط على هذا، وحجمها يعادل حجم بعض القصار، يعني عدد آيها وحروفها، وهذا لبيان الجواز، وأنه لا مانع أن يقرأ في يوم أو في أيام بالقصار لظرف من الظروف، أو لبيان الجواز، الناس بعد صلاة التهجد في ليالي العشر إذا جاءوا إلى صلاة الصبح، وقد أحيوا الليل، بعد تعب وسهر، ينبغي أن يخفف عنهم، ولا يقول قائل: كيف نخفف في فريضة من أجل إقامة نافلة؟ لأن بعض الناس يقول: العناية بالفريضة أولى من العناية بالنافلة، نخفف صلاة التهجد، ونأتي بصلاة الصبح على وجهها، لكن هذا أمر يفوت، استغلال العشر يفوت، أفضل وأشرف ليالي العام، وفيها ليلة خير من ألف شهر، وأما بالنسبة لصلاة الصبح فالخلل في أمر مستحب، يعني القدر الزائد على الواجبات والأركان والشروط هذا كله مستحب، فالتقليل من هذا المستحب لهذا الظرف الذي يفوت لا يجعلنا ننظر إلى المسألة بأننا قدمنا النفل على الفرض، وإلا كثير من طلاب العلم يستشكل الإمام يصلي صلاة التهجد ثلاث ساعات مثلاً، والناس يتعبون لا سيما في هذه الأوقات التي لا ينامون فيها، ثم بعد ذلك يصير على حساب -كما زعموا- صلاة الصبح، صلاة الصبح جاء تخفيفها، قرأ فيها النبي ﵊ بـ (إذا زلزلت) في الركعتين، وذلك إما أن يقال لبيان الجواز، أو يقال: لظرف من الظروف، يمكن أن يكون متعباً، وفي بعض طرق الحديث أنه كان مسافراً، على كل حال الخلل لم يتطرق إلى الواجبات؛ ليقال: إن إطالة صلاة التهجد على حساب الفرض. "رواه ابن ماجه والنسائي وهذا لفظه، وهو أتم، وإسناده صحيح" إسناده صحيح، وفيه من وصف بصدوق، فالحكم عليه بالحسن أقرب. الحديث الذي يليه يقول -رحمه الله تعالى-:

стр. 392

"وعن ابن إسحاق" محمد بن إسحاق المطلبي إمام أهل المغازي، إمام في هذا الباب في المغازي وفي السير، لكنه في الحديث فيه ضعف، وإن كان بعضهم قد توسط في أمره، وقال فيه: صدوق، وعلى كل حال وصف بالتدليس فلا بد أن يصرح بالتحديث، ومدح أهل العلم لابن إسحاق في المغازي، واعترافهم بإمامته فيها هذا يدل على أن الإنسان قد يكون ثقة في باب، وفيه كلام في باب آخر، من أمثلة ذلك ابن إسحاق، إمام في المغازي والسير، وفي الحديث فيه ضعف، من ذلكم أيضاً عاصم ابن أبي النجود، إمام في القراءة، وفي الحديث فيه كلام، من ذلكم الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان، إمام في الفقه، وفي الحديث أيضاً فيه كلام، وكونه فيه كلام في هذا الباب لا يؤثر على إمامته في الباب الآخر، فقد يضبط الإنسان ما هو بصدده، ويغفل عما عداه، وإذا اتجه الإنسان إلى أمر من الأمور ضبطه وأتقنه، وإذا غفل عن شيء من الأشياء دخل فيه أو عليه فيه الدخل، فكون أبي حنيفة فقيهاً لا يؤثر في فقهه واستنباطه ودقة نظره أن يكون في حديثه شيء، وإن كان مبنى الفقه على الحديث، وظهر هذا في بعض اجتهاداته ﵀، واجتهادات أتباعه، وعلى كل حال إمامته في الفقه لا ينازع فيها، لا ينازع فيها أحد، وعاصم بن أبي النجود القارئ المشهور المتقن باتفاق أهل العلم للقراءة، الضابط لها، المبرز فيها، هو عند أهل الحديث فيه كلام، ولا أثر لهذا الكلام في قراءته ألبتة، مثل ما ذكرنا أن الإنسان قد يضبط شيئاً ويعتني به، ومن شدة عنايته به يغفل عن أبواب أخرى.

стр. 393

الآن كثير من القضاة تجدهم في أبواب القضاء الدعاوى والبينات وما يتعلق بالقضاء تجدهم أئمة في هذا الباب، يضبطونه ويتقنونه، لا سيما من تقدمت به السن في القضاء، لكن في الأبواب الأخرى لانشغالهم عنها بهذا العمل العظيم قد يكون عندهم شيء من الخلل، أيضاً المدرس مثلاً، مدرس العلم الشرعي تجد عنايته وضبطه للعبادات أكثر من ضبطه للجنايات مثلاً، فاهتمامه بالعبادات والمعاملات جاء على حساب بعض الأبواب، وبعض الناس يهتم بمسائل المال والاقتصاد، ويكون هذا على حساب أبواب أخرى وهكذا، وبعض الناس يعرف بضبط مسائل الحج، عطاء إمام في هذه المسائل، لكن تجده في أبواب أخرى قد يوجد من هو فوقه في هذه الأبواب. على كل حال الذي دعا إلى هذا الكلام أن بعض المبتدعة طعن في عاصم بن أبي النجود، وقال: كيف يعتمد على قراءة من وصفه أهل الحديث بأن في حفظه شيئاً، وهذا مثل ما قلنا: ابن إسحاق إمام لا يجارى في المغازي، وفي الحديث منهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، حتى قال مالك، ماذا قال؟ طالب: دجال. دجال من الدجاجلة، لكن التوسط بين أقوال أهل العلم؛ لأنه وجد من رفع من شأنه، ووجد من أنزله عما يستحق، فوصفه بأنه صدوق قول معتبر عند أهل العلم، ومع ذلك مدلس، لا بد أن يصرح، وهنا ما صرح، ولذا حكم على حديثه بالضعف.

стр. 394

ألا يُذكر عن بعض الناس أنه يتقن الفرائض، علم المواريث إتقاناً بحيث أن يقل أن يوجد له نظير، فإذا سألته عن بعض مسائل الصلاة كان شأنه فيها أقل، لماذا؟ لأنه اهتم في هذا الباب، وهكذا، فإذا اهتم الإنسان لباب من أبواب الدين ضبطه وأتقنه، وإذا غفل عن شيء دخل عليه الدخل، تجد من الأئمة الذي يحفظون القرآن، والقرآن محفوظ بين الدفتين، وضبطه أيسر من ضبط السنة، أيسر من ضبط السنة، فكثير من أهل العلم يضبط القرآن، ويتقن القرآن إتقاناً لا يمكن أن يخل فيه بحرف، أو بشكل أو بضبط، بينما تجده في السنة أقل؛ لأن السنة بحر محيط، الإحاطة بها فيه عسر، والعكس نادر جداً، يعني لا تجد من أئمة الحديث من يحفظ مئات الألوف من الأحاديث لا يحفظ القرآن ولا يضبطه، يندر جداً، ولذا لما جاءوا إلى ترجمة ابن أبي شيبة قالوا: إمام حافظ ثقة ضابط إلا أنه لم يحفظ القرآن، هذا نادر جداً، يعني ما يمكن أن ينوه على آخر أنه لم يحفظ القرآن وهو حافظ للسنة، لكن العكس ممكن، القرآن مضبوط بين الدفتين كثير من شباب المسلمين يحفظه في القديم والحديث، لكن السنة دون حفظها خرط القتاد، فتجد الضابط للقرآن يصعب عليه أن يحفظ البلوغ إذا صارت حافظته متوسطة، لكن مع ذلك يحفظ القرآن بكل سهولة وبكل راحة. أنا أريد أن أقرر أن كلام أهل العلم في عاصم بن أبي النجود بالنسبة للحديث ورواية الحديث وضبط الحديث لا يتطرق إلى قراءته بوجه من الوجوه؛ لأن مثل هذه المسائل تثار وتشوش على الناس، فلا بد من تفنيدها.

стр. 395

"وعن ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده" تقدم مراراً أن ما يروى بهذه السلسة مختلف فيه بين أهل العلم، فمن مصحح ومن مضعف، وقول المتوسطين أنه حسن إذا صح الطريق إلى عمرو، وهنا لم يصح؛ لأن فيه عنعنة ابن إسحاق، والذين ضعفوا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ذكرنا السبب مراراً، لكن قالوا: مرد ذلك إلى الاختلاف في عود الضمير في جده؛ لأنه عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فالجد إن عاد إلى عمرو فجده محمد، فيكون الخبر مرسلاً، وإن عاد الضمير إلى شعيب فالجد عبد الله بن عمرو، لكن شعيباً لم يسمع من عبد الله بن عمرو على قول، وإن كان بعضهم يثبت سماعه، وجاء التصريح في رواية عند النسائي وغيره لا لهذا الحديث، لكن من روايته عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، فتعين مرجع الضمير إلى شعيب، وأن جده عبد الله بن عمرو، وقد سمع من جده عبد الله بن عمرو في قول كثير من أهل العلم، الحديث ضعيف لهذه العلة. "أنه قال: "ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول الله ﷺ يؤم الناس بها في الصلاة المكتوبة" هذا كلام عبد الله بن عمرو إن صح الخبر "ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول الله ﷺ يؤم الناس بها في الصلاة المكتوبة" وسنه يؤهله لمثل هذا، وملازمته للنبي ﵊ يؤهله لمثل هذا، على مر السنين مرة يقرأ بـ (ق) ومرة بالذاريات ومرة بكذا لا على الترتيب، ما يلزم أن يكون مرتباً. "رواه أبو داود".

стр. 396

"وعن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بالطور في المغرب" وفي بعض روايات حديث جبير: "فكاد قلبي أن يطير" وفي بعضها: "وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي" وهذا الحديث متفق عليه، جبير بن مطعم لما جاء في فداء الأسرى بعد غزوة بدر لم يكن مسلماً، فسمع النبي ﵊ يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطور، سورة الطور مؤثرة لا سيما من يتدبر ويفقه المعاني مؤثرة كاد قلبه أن يطير وهو كافر، ومع الأسف أن بعض المسلمين أو كثير من المسلمين وبعض طلاب العلم تقرأ سورة الطور ولا كأن شيئاً قد حصل، لا تحرك ساكناً، وكافر كاد قلبه أن يطير ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى﴾ [(٨٢) سورة المائدة] بأي شيء؟ لماذا صاروا أقرب إلى المسلمين مودة؟ في الآية التي تليها: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [(٨٣) سورة المائدة] فكيف بالمسلم الذي تقرأ عليه الآيات التي لو أنزلت على جبل لرأيته متصدعاً، ومع ذلك تقرأ هذه الآيات وهذه السور على المسلمين في الصلوات ويقرؤونها في النوافل، ويقرؤونها في القراءة -قراءة القرآن-، ولا كأن شيئاً حصل، ولا شك أن هذا سببه ما ران على القلوب، الحسن البصري يقول: "ابحث عن قلبك في ثلاثة مواطن: في الصلاة، وعند قراءة القرآن، والذكر، فإن وجدته وإلا فاعلم أن الباب مغلق" طيب الباب مغلق نجزم بأن الباب مغلق، لكن نرجع، وجدنا الباب مغلق ونرجع وإلا نحاول؟ نقول: خلاص ما دام مغلق ما في فائدة؟ أو نحاول فتح الباب؟ نحاول فتح الباب بلا شك، وإلا كل إنسان يجد من نفسه هذا الأمر، والله ما كأننا إلا نقرأ في صحيفة، نقرأ القرآن ولا يحرك ساكناً، نصلي ونخرج كما دخلنا، نخرج من الصلاة بلا شيء، لا بالعشر ولا بما دونه، وقد لا ينتبه الإنسان أنه يصلي إلا إذا حصل شيء يثيره لأمر خارجي لا داخلي، نصلي وراء الإمام ولا نعلم أننا نصلي في صلاة التهجد إلا إن بكى الإمام أو بكى أحد، تحركت القلوب، وعرفنا أننا نصلي، وإلا فالقلوب سارحة غافلة، وقل مثل هذا في

стр. 397

تلاوة القرآن أحياناً يبدأ الإنسان بالسورة ويختمها ما عرف كيف قرأ؟ ولا يدري هل فتح ورقة وإلا ورقتين؟ وإذا تحرك شيء لا يدري هل هو في الصفحة اليمنى أو اليسرى؟ هذا هو الواقع، يعني لو كابر الإنسان وغالط ما ينفع؛ لأنك تتعامل مع من يعلم السر وأخفى، لو تظاهرت أمام الناس أنك خاشع أو متخشع أو شيء من ذلك مثل هذا لا يجدي، بل يضر ولا ينفع. هذا كافر جاء في فداء الأسرى فكاد قلبه أن يطير، وتحمل هذه السنة حال كفره، ثم أداها بعد أن أسلم، وقبلها الناس منه، وخرجت في الصحيحين وغيرهما، فدل على أن الشروط إنما تطلب للأداء لا للتحمل، فيصح تحمل الكافر، يصح تحمل الصبي، تحمل الفاسق صحيح، لكن حال الأداء لا بد أن تكون الشروط مكتملة. والطور من طوال المفصل، فدل على أن قراءته لقصار المفصل في صلاة المغرب لا على جهة الاستمرار، وليس ذلك بديدن له ﵊، وإنما خرج عنه، وإن كان هو الغالب من أحواله. سم. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. قال المؤلف ﵀: وعن فليح قال: حدثني عباس بن سهل قال: اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة فذكروا صلاة رسول الله ﷺ فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، وفيه قال: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه، كأنه قابض عليهما، ووتر يديه، فتجافى عن جنبيه، قال: ثم سجد، فأمكن أنفه وجبهته، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه، ثم رفع رأسه حتى رجع كل عظم في موضعه، حتى فرغ، ثم جلس، فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته، ووضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى، وأشار بإصبعه" رواه أبو داود، وروى الترمذي بعضه وصححه. وعن ابن عباس ﵄ قال: كشف رسول الله ﷺ الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: ((أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)) رواه مسلم.

стр. 398

وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)) متفق عليه. وعن ثابت عن أنس قال: إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا، قال: فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه: كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل: قد نسي" متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجداً، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل مثل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس" متفق عليه، وهذا لفظ مسلم، غير أنه قال: "من المثنى بعد الجلوس" وفي المتفق عليه عنه أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" رواه مسلم، وله من حديث ابن عباس نحوه. يكفي، يكفي. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

стр. 399

"وعن فليح قال: حدثني عباس بن سهل قال: اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة" جمع من الصحابة اجتمعوا "فتذاكروا صلاة رسول الله ﷺ " وأبو حميد كما في الحديث الصحيح في عشرة من أصحاب النبي ﵊ وصفَ صلاة النبي ﷺ ، فهم يتذاكرونها، وهم يتدارسونها؛ لأنهم أمروا بأن يصلوا كما كان يصلي ﵊، والعلم مظنة للنسيان، والحفظ كما يقول أهل العلم خوان، فلا بد من المذاكرة، لا بد من مذاكرة العلم ليثبت، وهذه سنة مندرسة لا تجد من طلبة العلم من يجتمع الخمسة والستة والعشرة يجتمعون يتذاكرون في باب من أبواب الدين؛ ليذكر بعضهم بعضاً، وليذكر بعضهم بعضاً ما خفي عليه، هؤلاء صحابة اجتمعوا، أبو حميد الساعدي وأبو أسيد، وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة، ذكروا صلاة رسول الله ﷺ ؛ لأن الإنسان مع طول العهد ينسى ويهم؛ لكنهم تذاكروا ليذكر بعضهم بعضاً. "فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ " يقول هذا على سبيل الإخبار، ومن أجل أن يفقه عنه ما يقول، لا على سبيل التكبر والاغترار "أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ " عرفنا أن الإنسان قد يقول مثل هذا الكلام من أجل أن يحفز همة السامع، تجد في كلام الأئمة العلماء المحققين كابن القيم وغيره من يغري بكلامه، ويقول: عليك بهذا الكلام، علك ألا تجده في مصنف آخر ألبتة، لا يقول ذلك تكبراً ولا تشبعاً، وإنما يقوله من باب الإغراء بهذا الكلام لينتفع به، وقد يقوله من يترفع به على غيره، لكن الناس على ما ذكرنا سابقاً مقامات، هل يظن بمثل ابن القيم أن يترفع بمثل هذا الكلام، أو يتكثر به، أو يتزيد به؟ لا يظن به مثل هذا، والقرائن هي التي تحدد وترجح هذا أو ذاك.

стр. 400

"أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ " وفيه قال: "ثم ركع" يعني المؤلف اقتصر من الحديث على ما يناسب المقام، انتهى المؤلف من القيام وفرض القيام والقراءة الذي يليه الركوع، فاحتاج من حديث أبي حميد لأنه تقدم بعضه، واحتاج منه إلى: "ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه" يعني في مثل هذا السياق، أو في مثل هذا الموضع يحسن مثل هذا، لكن إنسان يريد أن يشرح حديث أبي حميد في درس أو في محاضرة أو يقرأه على الجماعة وكذا، ثم يقول: "ثم ركع" يبدأ من قوله: "ثم ركع"؟ لا، ما يمكن، لا بد أن يأتي بالحديث كاملاً. تقطيع الحديث عند أهل العلم جائز، ويصنعه الإمام البخاري كثيراً، يقطع الحديث الواحد الطويل في مواضع كثيرة حسب ما يقتضيه المقام، شريطة ألا يكون المذكور له تعلق بالمحذوف، بحيث يتوقف فهمه عليه، أو المحذوف يكون استثناءاً مثلاً، أو يكون شرطاً، لا يجوز حذفه لأن في هذا تضليل للناس. "ثم ركع، فوضع يديه على ركبتيه، كأنه قابض عليهما" يمسك ركبتيه بيديه، وهذه هي السنة، وأما بالنسبة للتطبيق فهو منسوخ كانوا يفعلونه، ثم نهاهم النبي ﵊، فالتطبيق منسوخ، والتطبيق جمع اليدين هكذا، ووضعهما بين الفخذين، هذا منسوخ، والسنة وضع اليدين على الركبتين كأنه قابض عليهما. طالب:. . . . . . . . . إيه، هكذا نعم. طالب:. . . . . . . . . لا لا على الركبتين، هذا متى؟ طالب:. . . . . . . . . في الركوع نعم، أما في الجلوس لا، يختلف، لا يقبضهما في الجلوس.

стр. 401

"ووتر يديه" يعني جعل يديه كالوتر في القوس، الوتر في القوس مستقيم وإلا منحني؟ مستقيم، إذاً يجعل يديه مستقيمتين، وإذا كانتا يداه معتدلتين خلقة فإن ظهره سوف يكون مستوياً، لكن إن كان في يديه طول ووتر يديه أو فيهما قصر لا يتحقق وصف الركوع المأثور عن النبي ﵊، يسوي ظهره، ولم يصوب رأسه ولم يشخصه، وكما جاء في وصفه أنه لو صب الماء على ظهره لاستقر، هذا إذا كانت اليدان معتدلتين في الطول، أما إذا كانتا طويلتين فعلى هذا يرتفع ظهره، وإن كانتا قصيرتين نزل ظهره، وهذا كله خلاف السنة، وحينما يقال: وتر يديه الملاحظ في مثل هذا غالب الناس، غالب الناس أن اليدين مساوية، أو متناسقة مع البدن، ليستا بطويلتين ولا قصيرتين، هذا الغالب، لكن إن وجد من في يديه طول لا يلزم أن يتر يديه؛ لئلا يختل الركوع، وإن وجد فيهما قصر كذلك؛ لئلا يختل الركوع؛ لأن في الركوع الظهر هو الملاحظ، الملاحظ الظهر في الركوع صح وإلا لا؟ نعم لو افترضنا أنه وضع يديه على جنبيه وهو راكع أو أرسل يديه في الهواء يصح الركوع وإلا ما يصح؟ نعم يصح، لكن لو قبض يديه، قبض ركبتيه بيديه ولا حنى ظهره، أو حناه على وجه لا يستقيم يتأثر الركوع، وفي حديث في صفة ركوعه ﵊: "ثم هصر ظهره" يعني ثناه. "ووتر يديه، فتجافى عن جنبيه" يعني لم يلصق يديه بجنبيه، تجافى عن جنبيه، قال: "ثم سجد، فأمكن أنفه وجبهته" يعني من الأرض على ما سيأتي في حديث: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم الجبهة -وأشار إلى أنفه- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين)).

стр. 402

"ونحى يديه عن جنبيه" يجافي، نحى يديه عن جنبيه، وجاء أيضاً أنه يرفع ظهره عن فخذيه، وبطنه عن فخذيه، فالمجافاة سنة، وهي سنة مع الإمكان، أما مع عدمه بحيث يتعدى أذاه لو أراد تحقيق هذه السنة لأثم، لو قال: المجافاة سنة ثم جافى يديه، وآذى من على يمينه وعلى شماله في الصف، يعني الإمام يستقل بالمكان ويتفرد به، فيطبق ما جاء عن النبي ﵊، لكن المأموم في حال التراص، وفي حال المصافة لا يستطيع أن يجافي إلا مع الأذى، والأذى لا شك أنه لا يجوز، ولا يحرص على سنة في مقابل ارتكاب محظور، وبعض الناس قد يعرف السنة، ويحرص على تطبيق السنة لكنه لا يفقه كيف يطبق هذه السنة؟ وهذا في مواضع من الصلاة يرى الخلل في تطبيق السنة من بعض الإخوان، مما يترتب عليه أذى للمصلين. "ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه" حذو: مقابل منكبيه، بإزاء منكبيه، كما في رفعهما عند تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الركوع، والرفع منه ... إلى آخره. "ووضع كفيه حذو منكبيه" وجاء في بعض الروايات: أنه يسجد بين يديه، هذا أيضاً مثل الرفع، رفع اليدين كما تقدم جاء فيه حذو منكبيه، يعني مقابل المنكبين هكذا، وجاء أيضاً إلى فروع أذنيه، وهكذا وضع اليدين حال السجود. "ووضع كفيه حذو منكبيه، ثم رفع رأسه حتى رجع كل عظم في موضعه" وفي الحديث -في حديث عائشة-: "حتى يعود كل فقار إلى مكانه" وتقدم "حتى فرغ" يعني هذا بين السجدتين رفع رأسه حتى رجع كل عظم في موضعه، حتى فرغ يعني من دعائه وجلسته. يقول: "ثم رفع رأسه حتى رجع كل عظم في موضعه حتى فرغ، ثم جلس" يعني حتى فرغ من إيش؟ من السجود، نعم "ثم جلس فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته" اليمنى، نعم ينصب اليمنى، وظهرها إلى القبلة هكذا، واليسرى يفرشها ويجلس عليها، وهذه الجلسة في ما بين السجدتين، وفي التشهد الأول، فيما بين السجدتين هذا الافتراش وفي التشهد الأول، وجاء في حديث ابن عباس أنه نصب رجليه وقال: هي السنة، لكن السنة ليست محصورة في هذا؛ لما جاء في الأدلة الأخرى من الافتراش.

стр. 403

"وأقبل بصدر اليمنى على قبلته، ووضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى، وأشار بإصبعه" أشار بإصبعه، الآن الجلوس هذا هل هو بين السجدتين أو بعد السجدتين للتشهد؟ طالب:. . . . . . . . . اللفظ محتمل، وبين السجدتين موضع دعاء، والدعاء يناسبه الإشارة بالإصبع وتحريكها؛ لأن النبي ﵊ كان يرفع أصبعه، ويدعو بها، لكن أهل العلم حكموا على الإشارة بين السجدتين بالشذوذ، ومنهم من أثبتها، والمسألة محل خلاف بين أهل العلم، وأما بالنسبة للتشهد وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بالنسبة للتشهد جاء يحركها، وجاء الإشارة بها وقت الشهادة ووقت الدعاء، وهذا بحث سيأتي -إن شاء الله تعالى-. وأما الإشارة بالأصبع بين السجدتين فإثباته محل خلاف بين أهل العلم، قد يأتي ما يبسط فيه القول -إن شاء الله تعالى- مع الإشارة في التشهد. "رواه أبو داود، وروى الترمذي بعضه وصححه". "وعن ابن عباس ﵄ قال: كشف رسول الله ﷺ الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر" يعني في مرضه ﵊، حينما أناب عنه أبا بكر ليصلي بالناس، فكشف الستارة "والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: ((أيها الناس)) " ظاهر الكلام أنه قال ذلك وهم يصلون، ظاهر ذلك أنه قال: ((أيها الناس)) وهم يصلون "كشف الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: ((أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له)) " يعني خطاب النبي ﵊ بقوله: ((أيها الناس)) هل هو للناس وهم صفوف خلف أبي بكر، فيكون الكلام هذا في أثناء الصلاة؟ وهل يخاطب المصلي بما يشوش عليه؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . هذا هو الظاهر من اللفظ، قال: "كشف رسول الله ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: ((أيها الناس)) " لأن فقال تقتضي التعقيب، لكن لو قال: ثم قال: أيها الناس لقلنا: إنه انتظر حتى سلموا من صلاتهم.

стр. 404

((أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له)) الصالحة والصادقة هذه من الوحي، جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، وأول ما بدء به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة، وفي رواية: الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ((يراها المسلم)) بنفسه له ((أو ترى له)) يراها غيره له ((ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً)) وهذا هو الشاهد من الحديث؛ لأن الحديث عن الركوع والسجود، القرآن فرض القيام، أو ذكر القيام، وأما بالنسبة للركوع والسجود فالتنزيه، الأصل فيه سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى، ثم بعد ذلك ما يأتي من قوله: ((فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء)). ((ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن)) والناهي له هو الله -جل وعلا- ((أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً)) وعلى هذا فلا يجوز قراءة القرآن في حال الركوع ولا في حال السجود، وأطلق بعضهم التحريم، وهو مقتضى النهي، وإن حمله بعضهم على الكراهة، لكن إن كان القرآن لا يراد به التلاوة، وإنما هو دعاء فيدعو به في السجود؛ لأنه دعاء وليس بتلاوة، ((ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً)) وبعضهم يرى بطلان الصلاة إذا قرأ في حال الركوع، أو في حال السجود. وبعض الناس إذا شرع في سورة خلف الإمام ثم ركع الإمام وبقي من السورة آية أو آيتين أو ما أشبه ذلك تجده يتمهما في حال الركوع، ثم ينوي الركوع، وهذا داخل في النهي، مجرد ما تهوي للركوع أو تهوي للسجود اقطع القراءة، لا يجوز أن تقرأ وأنت راكعاً أو ساجداً ((ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً)) يعني حال كوني راكعاً أو ساجداً. ثم جاء بالفاء التفريعية: ((فأما الركوع)) وأما تفصيل ((فأما الركوع فعظموا فيه الرب )) سبحان ربي العظيم يكررها، سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، وسبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي، على ما سيأتي.

стр. 405

((وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)) الركوع عظموا فيه الرب، فقولوا: سبحان ربي العظيم، وجاء في سنن أبي داود ((وبحمده)) في الركوع السجود سبحان ربي العظيم وبحمده، سبحان ربي الأعلى وبحمده. طالب:. . . . . . . . . لحظة، لحظة. ((وبحمده)) واستنكرها أبو داود، وقال الإمام أحمد: أنا لا أقولها، وفيها كلام لأهل العلم، وينبغي حينئذٍ الاقتصار على سبحان ربي العظيم في الركوع، سبحان ربي الأعلى في السجود. ((أما الركوع فعظموا فيه الرب )) ولا يضر الدعاء الخفيف؛ ليكن الغالب التعظيم؛ والدعاء اليسير لا يضر؛ لأنه في الحديث الذي يليه: كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: ((سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي)) هذا دعاء، يعني قوله: ((أما الركوع فعظموا فيه الرب)) لا ينفي الدعاء اليسير، وأما السجود فقولوا: سبحان ربي الأعلى، كما جاء لما نزل قول الله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [(١) سورة الأعلى] قال: ((أجعلوها في سجودكم)). ((فاجتهدوا في الدعاء)) يعني أكثروا وألحوا في الدعاء أثناء السجود؛ لأنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ((فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)) قمِن وقمَن بكسر الميم وفتحها، أي حري وجدير وخليق بأن يجاب لكم؛ لقربكم منه -جل وعلا-، والقرب لله -جل وعلا- صفة ثابتة بالأدلة الصحيحة على ما يليق بجلاله وعظمته، ومع ما لا يتنافى مع علوه واستوائه على عرشه. فقمِن وقمَن حري وجدير أن يستجاب لكم. يقول الحافظ العراقي ﵀: وكثر استعمال (عن) في ذا الزمن ... . . . . . . . . . إيش؟ طالب:. . . . . . . . . بعده؟ طالب:. . . . . . . . . وهي بوصل ما قمن ... وكثر استعمال (عن) في ذا الزمن ... إجازة وهي بوصل ما قمَن قمن بالفتح لتتم المقابلة مع الزمن، وهي لغة معروفة. وهنا: ((فقمن)) يعني حري وجدير أن يستجاب لكم "رواه مسلم".

стр. 406

"وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)) يتأول القرآن" تقول: يتأول القرآن، يعني لما نزل قول الله -جل وعلا-: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [(١) سورة النصر] كان كثيراً ما يقول في صلاته في ركوعه في سجوده، وفي خارج صلاته أيضاً ((سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي)) يتأول سورة النصر "متفق عليه". "وعن ثابت عن أنس قال: إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله ﷺ يصلي بنا" أنس بن مالك خادم النبي ﵊ فهو من أقرب الناس إليه، ملازم للنبي ﵊، فهو حري وجدير وقمن أن يضبط صلاة الرسول ﵊ "إني لا آلو" يعني لا أقصر، بل أجتهد أن أصلي بكم، كما كان رسول الله ﷺ يصلي بنا، وهذا يرجح أن المراد بقول أبي هريرة: فلان أنس بن مالك. "كما كان رسول الله ﷺ يصلي بنا، قال: فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً حتى يقول القائل: قد نسي" وهذه السنة مهجورة من القدم، ولذا يقول أنس: يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه، يدل على أنهم لا يطيلون القيام بعد الرفع من الركوع، وهذا موجود في بعض المذاهب، وفي بعض الأمصار، تجده مجرد ما يتحرك حركة يسيرة يشعر بها أنه انتقل من الركوع يسجد، وكذلك بين السجدتين، الوافدون من المشرق يصنعون هذا بكثرة، تجده مجرد ما يشعر نفسه أنه انتقل من الركوع يهوي إلى السجود، وفي هذا مخالفة لما جاء عنه ﵊. "كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً حتى يقول القائل: قد نسي" يعني من طول هذا القيام.

стр. 407

"وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل: قد نسي" وإذا أطال الإمام ركن من الأركان لا شك أن المأموم يظن بإمامه النسيان، وإذا أطال السجود أحياناً تجد بعض المأمومين يرفع رأسه لعله لم يسمع التكبير، نعم هذا واضح، بعض الناس يفعل هذا يستعجل، أو يظن الإمام قد نسي أنه في صلاة، واستغرق في سجوده أو في قيامه أو بين السجدتين، النبي ﵊ هذه صفة صلاته يطيل الأركان، يطيل هذه الأركان. "متفق عليه". "وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم" يعني تكبيرة الإحرام، فلا تجوز تكبيرة الإحرام قبل استتمامه قائماً، وتقدم حكمها، وأنها ركن عند الجمهور، وشرط عند الحنفية. "ثم يكبر حين يركع تكبيرة الانتقال، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع" وهذه ما عدا تكبيرة الإحرام من تكبيرات الانتقال والتسميع وكلها واجبات عند الحنابلة، وسنن عند غيرهم "ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد" وربما قال: ربنا لك الحمد، وربما قال: اللهم ربنا لك الحمد، وربما قال: اللهم ربنا ولك الحمد، خلافاً لابن القيم الذي قال: إنه لم يثبت الجمع بين اللهم والواو، مع أنه ثابت في صحيح البخاري، فالصيغ أربع، ربنا ولك الحمد، ربنا لك الحمد، اللهم ربنا ولك الحمد، اللهم ربنا لك الحمد. يقول ﵊: " ((سمع الله لمن حمده)) حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ((ربنا ولك الحمد)) " يدل على أن الإمام يجمع بين قول: سمع الله لمن حمده، وربنا ولك الحمد، خلافاً لمن قال: إن الإمام يقول: سمع الله لمن حمده فقط، والمأموم يقول: ربنا ولك الحمد فقط، عملاً بحديث: ((وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد)) مع أن هذا لا ينفي أن يقول الإمام: ربنا ولك الحمد، لكنه ينفي أن يقول المأموم: سمع الله لمن حمده، وإن كان عند الشافعية أنه يجمع بينهما كل مصلٍ، بمعنى أنه كل مصلٍ يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد.

стр. 408

والحنفية يقولون: يقول الإمام: سمع الله لمن حمده فقط، والمأموم يقول: ربنا ولك الحمد فقط، وغيرهم يقولون: الإمام يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وكذلك المنفرد، وأما المأموم فيقول: ربنا ولك الحمد، ولا يقول: سمع الله لمن حمده. ففي الحديث الجمع بينهما، فالذي يقول: إن الأصل الاقتداء كما يقوله الشافعية، و ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وهذا خطاب للجميع للإمام والمأموم والمنفرد يدل على أن كل مصلٍ يجمع بينهما، هذا دليل من يقول بأنه يجمع بينهما كل مصلٍ بما في ذلك المأموم، لكن الذين قالوا: إن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده يستدلون بقوله: فإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، فالعطف بالفاء لا يترك فرصة لأن يقول المأموم: سمع الله لمن حمده، والذين قالوا: إن الإمام لا يقول: ربنا ولك الحمد يرد عليهم بحديث الباب. "ثم يكبر حين يهوي ساجداً" حينما يسجد يكبر "ثم يفعل مثل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها" يعني في جميع صلاته في الركعات كلها "ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس" يكبر عرفنا أنه يرفع يديه مع تكبيرة الإحرام ومع الركوع ومع الرفع منه، وحينما يقوم من الثنتين بعد التشهد الأول، بعد الجلوس. "متفق عليه، وهذا لفظ مسلم، غير أنه قال: "من المثنى بعد الجلوس" يعني بدلاً من الثنتين بعد الجلوس، من المثنى بعد الجلوس. "وفي المتفق عليه عنه" يعني عن أبي هريرة صحابي الحديث السابق -أو نفس الحديث- قال: "أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد)) " بزيادة اللهم، ودون الواو مع أن الواو ثابتة في صحيح البخاري: ((فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)) يعني لا يتأخر المأموم عن قول: اللهم ربنا لك الحمد تأخراً يفوته هذا الأجر، وهذا الثواب العظيم، بل بمجرد ما يقول الإمام: سمع الله لمن حمده، يقول المأموم: اللهم ربنا لك الحمد.

стр. 409

ثم ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: ((اللهم ربنا لك الحمد)) " يعني بعد أن يقول: سمع الله لمن حمده حين الركع، قال: اللهم ربنا لك الحمد، وهذا يأتي به كل مصلٍ ((ملء السموات والأرض)) يعني لو قدر أن الحمد أجرام محسوسة لملأت السماوات والأرض ((ملء السماوات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد)) وجاء في بعض الروايات: ((وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد)) يعني غير السماوات والأرض وما بين السماوات والأرض، وهذا يعني كثرة هذا التحميد لله -جل وعلا- من قبل المصلي. ((أهلُ الثناء والمجد)) أو أهلَ الثناء والمجد، إما أن يكون منادى مع حذف حرف النداء، منادى مضاف فهو منصوب، أهل الثناء والمجد، أو يكون خبر لمبتدأ محذوف هو أهلُ الثناء والمجد. ((أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد)) هذا الكلام أحق، يعني أفعل تفضيل من الحق ما قال العبد؛ لأنه تحميد وتمجيد لله -جل وعلا-، وتعظيم له بهذا الحجم، وبهذا المقدار، أحق ما قال العبد، يعني المطيع لربه الممتثل لأمره ((وكلنا لك عبد)) الناس كلهم عبيد لله -جل وعلا- ((اللهم لا مانع لما أعطيت)) الذي يقدره الله -جل وعلا-، ويكتبه للإنسان لا يستطيع أحد منعه، مهما بلغ من القوة والجبروت، لا يستطيع أن يمنع شيئاً كتبه الله -جل وعلا-.

стр. 410

((اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت)) ((واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك)) ولو أن الإنس والجن اجتمعوا على أن يمنعوا شيئاً كتبه الله -جل وعلا-، أو قدره عليك لن يستطيعوا، ولو أرادوا وبذلوا ما استطاعوا مجتمعين على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك فإنهم حينئذٍ لا يستطيعون، والناس والخلق إنما هم أسباب، إنما هم مجرد أسباب، والنبي ﵊ يقول: ((إنما أنا قاسم، والله هو المعطي)) فقد يدخل الإنسان لأمر من الأمور في غاية من الأهمية، وقد ضمن من دخل عليه أنه يستجيب، ثم يخرج صفر اليدين، لا لشيء، أو لا لأن الأمر غير مهم، مهم، وقد بذل هذا الرجل أضعاف ما يتوقع منه في أقل من هذا، أحياناً يدخل الإنسان وهو على يأس تام من تنفيذ هذا الأمر، ثم يكون الله -جل وعلا- قد كتب قضاؤه على يد هذا السبب من الناس ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [(٣٣) سورة النور] فالمال مال الله، فإذا دخلت في أمر من الأمور المهمة على تاجر فإنك لا تضمن منه أن يعطيك، وإذا كان أقل منه فلا تتوقع أن يردك؛ لأن الله -جل وعلا- هو القاسم، وهو المعطي وهو المانع. ((لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) الجد الحظ، فمهما كان حظ الإنسان، مهما كان له من الحظ فإن حظه لا ينفعه ولا يغنيه من الله -جل وعلا-، فأزمة الأمور كلها بيديه، ولا يقال: إن فلان حظيظ، وإلا فلان تعيس، أو ليس له حظ، لا، المعطي والمانع هو الله -جل وعلا-، وقلوب العباد كلها بين أصبعين من أصابعه. ((ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) الجد الحظ، وقال بعضهم: هو بكسر الجيم الجِد، الجد يعني الهمة والنشاط والحزم لا ينفع صاحبه إذا لم يكن الله -جل وعلا- قد وفقه. إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يقضي عليه اجتهاده الاجتهاد ما ينفع، والحظ لا ينفع وحده، لا بد من إعانة الله -جل وعلا- وتوفيقيه. يقول: "رواه مسلم، وله من حديث ابن عباس نحوه" الأسئلة كثيرة، نأتي على شيء منها، وغداً معروف أنه ليس فيه درس؛ لأنه في محاضرة بجدة، غداً ما في درس.

стр. 411

يقول: ما حكم الدراسة المختلطة في دول وذكر بعض الدول التي منها العربية وغير العربية؟ على كل حال الاختلاط بين الجنسين محرم، وذريعة إلى فساد كبير، وأمر لا يقر لا شرعاً ولا عقلاً، وأثره على الدين وعلى التحصيل حتى في أمور الدنيا أثره بالغ، وضرره ظاهر، والله المستعان، فلا يجوز بحال، وإذا لم يتمكن الإنسان من طلب العلم الشرعي الواجب إلا بما حرم الله -جل وعلا- فلا يجوز له أن يرتكب هذا المحرم؛ لأن ما عند الله لا ينال بسخطه. هذا من المغرب يقول: أنا عندي رغبة في الزواج عمري حالياً واحد وعشرين سنة، وليس عندي وظيفة ما الحكم في ذلك؟ ليعلم أن الأرزاق بيد الله -جل وعلا-: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [(٣٢) سورة النور] وكم من شخص تزوج وهو فقير لا يملك شيئاً، ثم فتح الله عليه أبواب الرزق، وعلى كل حال هذا ليس بعائق، فالنبي ﵊ قال لمن خطب المرأة الواهبة: ((التمس ولو خاتماً من حديد)) يعني هل يتوقع أن هذا عنده وظيفة وعنده دخل؟! هو جاء لم يجد ولا خاتم من حديد، ما وجد إلا إزاره الذي على عورته، فأراد أن يشقه بنصفين، قال: لا ما يحتاج؛ لأنه لا يستفيد منه ولا تستفيد هي، وعلى كل حال الفقر ليس بعيب ولا يرد عن الزواج. يقول: أنا مستقيم لهذا العام ولله الحمد، وأريد النصيحة؟ على كل حال عليك بأسباب الثبات على دين الله، بهجر الأشرار، وعدم العود إليهم، وعدم تذكرهم، وعدم غشيان مجالسهم، وعليك بصحبة الأخيار الذين يعينونك على الثبات. يقول: كثير من طلاب العلم أهملوا جانب الدعوة الفردية بالموعظة الحسنة، مما ترك فراغاً كبيراً في الساحة، وأصبح العامة يتخبطون في الأخذ من المنابع الآسنة.

стр. 412

على كل حال من كانت لديه القدرة لنفع الناس عليه أن ينفع ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [(١ - ٢) سورة العصر] هذا الأصل بعد هذا القسم إن الإنسان جنس الإنسان لفي خسر، في خسارة، وليست خسارة يسيرة من أمور الدنيا لا، خسارة الآخرة -نسأل الله السلامة والعافية- ولم يستثنَ من ذلك إلا ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [(٣) سورة العصر] أما من عدا هؤلاء فإنهم في خسران -نسأل الله السلامة والعافية-، فعلى الإنسان أن يبلغ ما سمع ((ليبلغ الشاهد الغائب)) عليه أن يبلغ ما يعرفه من العلم، وعليه أن ينصح فالدين النصيحة. يقول: هناك هجمة في بعض الدول العربية، على كتب وأشرطة علمائنا الأفاضل أمثال ابن باز وابن عثيمين والفوزان وغيرهم، ويقولون: إنهم مبتدعة، فهل هناك كلمة حول هذا الأمر؟ على كل حال هؤلاء معروف أنهم من أئمة أهل السنة في هذا العصر، ومع ذلك المبتدع يرى المتمسك بالكتاب والسنة مبتدع، ما من طائفة إلا وترمي غيرها بالبدعة، والعبرة بما وافق الكتاب والسنة، والمسألة مسألة مدافعة ومجاهدة وبقدر المستطاع، بالقدر الذي يحقق المصلحة، ولا يترتب عليه مفسدة، وهؤلاء ليس مثلنا من يسأل عنهم، وإنما على الإنسان أن يجتهد في نشر العلم قدر استطاعته، وإذا كان بلده لا يرضى بمثل هذه الأسماء، فلا مانع أن يستفاد من علمهم من غير إضافة لهم، يعني كما فعل شارح الطحاوية حينما نقل النقول الكثيرة عن شيخ الإسلام وابن القيم ولم يعزُ إليهما، ما عزا إلى شيخ الإسلام ولا ابن القيم، ومع ذلك أكثر الكتاب مأخوذ من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم إلا أنه في وقت كان يحارب فيه كتب هذين الإمامين، فنقل منهما، وأفاد الناس منهما من غير تصريح، والمداراة في مثل هذا، والترويج بمثل هذه الطريقة أمر معروف. يقول: رجل احتار في ثلاثة أمور، وصلى صلاة الاستخارة مرتين، ولم يتضح له شيء، فماذا يفعل؟ يكرر الاستخارة حتى قال أهل العلم: إنها تكرر سبعاً.

стр. 413

يقول: كيف بابن عباس لا يحرص على السنة في ارتكابه محظور -هذه كتابة رديئة سقيمة جداً- يقول: هذا قولك، فكيف بابن عباس في الحديث الصحيح: كان ابن عباس يزاحم على الركنين زحاماً شديداً، ما رأيت أحداً من أصحاب الرسول ﷺ يفعل ذلك؟ الذي نعرف أنه ابن عمر، أنه كان يزاحم على الحجر حتى يخرج الدم من أنفه، حتى يرعف، وهذا اجتهاده، وقد نهى النبي ﵊ عن هذه المزاحمة. يقول: هل السجود على الأعضاء السبعة واجب أو مستحب؟ هو ركن من أركان الصلاة على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-. هذه المسائل تحتاج إلى درس كامل. هذا يسأل عن تسوية الصفوف، وهذا أجبنا عن السؤال بحروفه بالأمس. هل اليسار الأقرب أفضل من اليمين الأبعد؟ لا شك أن اليمين أفضل من اليسار في الجملة، لكن إذا كثر الناس في جهة اليمين فقد جاء في حديث: ((من عمر شمال الصف كان له كفلان من الأجر)) والحديث فيه مقال، ولا بد من توسط الإمام. ما حكم صلاة من صلى في ساحات المسجد الحرام مع خلو الحرم؟ على كل حال إذا احتيج إليها في أوقات الزحام، احتيج إليها، واتصلت الصفوف صحت الصلاة، وإلا فالأصل أنها خارج المسجد، ومنهم من يقول: إذا كان مجرد ما يرى المأمومين يكفي، لكن لا شك أن هذا تساهل يؤدي إلى تعطيل المسجد. من صلى في المصابيح مع وجود أماكن خالية في الصحن؟ كل ما قرب من الإمام أفضل، لكن إذا صلى داخل المسجد غير فذ خلف صف فإن صلاته صحيحة. هل يستغني طالب العلم بكتاب إكمال المعلم عن كتاب المعلم؟ القاضي عياض ذكر كلام المازري في المعلم، بل ذكر ما يحتاج إليه، وبعضه رأى أنه ليس بحاجة إليه، ولا حاجة لطالب العلم فيه، والأولى أن تستكمل السلسلة، يقتني طالب العلم الأصل المعلم، ثم إكمال المعلم، ثم إكمال الإكمال، ثم مكمل الإكمال، وهكذا سلسلة كاملة مع شرح النووي، وشرح القرطبي، وعله أن يظفر من جميعها بشرح كافي. يقول: أريد جواباً شافياً كافياً حول تقليد بعض الناس لبعض القراء المعاصرين كأئمة الحرم وغيرهم لا سيما وأننا نسمع لهم كثيراً فنتأثر بصوتهم؟

стр. 414

أما التأثر والتقليد من غير قصد فهذا لا إشكال فيه، التقليد إذا كان من قصد فإن كان سببه الإعجاب بهذا الصوت، وأنه كما تأثر به يريد أن ينقل التأثر إلى غيره فهذا أيضاً مقصد صحيح، وإذا كان المقصود مجرد التقليد والمحاكاة دون هدف صحيح فلا، وينظر في تقليد النساء لأصوات الرجال، ويكثر سؤال النساء، تقول: أنا أريد أن أقلد الإمام الفلاني في القراءة؛ لأنه يعجبها، فهل هذا من التشبه بالرجال؟ نقول: لا، الأصوات هذه مشتركة، أداء القرآن مشترك بين الرجال والنساء، وليس فيه تقليد، ليس للرجال صوت، أو قراءة تخصهم أو أداء يخصهم دون النساء ولا العكس. لعلنا نكتفي بهذا لضيق الوقت، والله أعلم. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 415

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح: المحرر – كتاب الصلاة (١٧) الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سم. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لشيخنا وللحاضرين والمستمعين يا رب العالمين. قال الإمام بن عبد الهادي في محرره: وعن شُريك عن عاصم بن ... شَريك، شَريك. وعن شَريك عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والحاكم، وقال: على شرط مسلم، وقال الترمذي: حسن غريب، وروى همام عن عاصم هذا مرسلاً، وشريك كثير الغلط والوهم. وقال الدارقطني: تفرد به يزيد بن هارون عن شريك، ولم يحدث به عن عاصم غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به، وقال الخطابي: حديث وائل أصح من حديث أبي هريرة. وعن محمد بن عبد الله بن حسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)) رواه أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه، والنسائي والترمذي، ولفظه: ((يعمد أحدكم فيبرك في صلاته برك الجمل)) وقال: حديث غريب، ومحمد وثقه النسائي، وقال البخاري: لا يتابع عليه، ولا أدري أسمع من أبي الزناد أم لا. وقال البخاري: وقال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه، وقد رواه ابن خزيمة في صحيحه مرفوعاً. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -وأشار بيده إلى أنفه- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب والشعر)) متفق عليه، ولفظه للبخاري. وعن عبد الله بن بحينة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه" متفق عليه. وعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك)) رواه مسلم.

стр. 416

وعن وائل ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا ركع فرج بين أصابعه، وإذا سجد ضم أصابعه" رواه البيهقي والحاكم، وقال: على شرط مسلم. بركة، يكفي. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في باب صفة الصلاة من كتاب الصلاة يقول: "وعن شريك" وهو القاضي النخعي، معروف عند أهل العلم بسوء الحفظ، طعن فيه بسوء حفظه، وأخرج له مسلم متابعة، ولم يعتمد عليه، وكما يقول أهل العلم: إنه ممن لا يحتمل بتفرده، لا يحتمل تفرده.

стр. 417

"عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر" وائل بن حجر حفظ لنا من صفة صلاة النبي ﵊ ما يدل على أنه اعتنى بها، واهتم بها، بل إنه جاء من أجلها "﵁ قال: "رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه" وكلام أهل العلم في هذا الحديث معروف، مع الحديث الذي يليه حديث أبي هريرة: ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)) والمؤلف أشار إلى بعض ما قيل في الحديثين، وكلام أهل العلم في الحديثين في ثبوتهما، وفي دلالتهما، وفي رجحان أحدهما على الآخر كثير ولن ينحسم؛ لأنه خلاف بين أئمة، وهو محتمل، لكن الذي لا يرتضى صنيع بعض المحققين تصحيح أحد الحديثين وتضعيف الآخر؛ لأن إمامه يقول بما صححه، يصحح تبعاً لإمامه، يعني عرف المذهب ثم صحح وضعف، والأصل أن يعرف الدليل ثم يتبع، ولذلك تجدون الذين يحققون البلوغ أو المحرر أو غيرهما من كتب أحاديث الأحكام، تجد بعضهم يحكم على حديث وائل بأنه ضعيف، وعلى حديث أبي هريرة أنه صحيح؛ لأن إمامه يرى العمل بحديث أبي هريرة، ولا يرى العمل بحديث أبي وائل، وبعضهم بالعكس يصحح حديث وائل، ويضعف حديث أبي هريرة؛ لأن إمامه يعمل بحديث وائل، ولا يعمل بحديث أبي هريرة، وهذه طريقة ليست مرضية، أن تكون الأدلة تابعة للمذاهب، هذه طريقة ليست مرضية، إنما المذهب يجب أن يكون تابعاً للدليل هذا الأصل، هذا إذا كان أهلاً للنظر، أما إذا لم يكن المحقق أهلاً للنظر فإنه حينئذٍ يقلد أهل العلم، ويذكر ما قيل في الحديثين، أو يذكر الحديثين بإسناديهما، يقول: هذا الحديث رواه فلان بإسناده، ويبرأ من عهدته إذا لم يكن أهلاً للتصحيح والتضعيف، أما إذا كان متأهلاً فلا يجوز له بحال أن يضعف تبعاً لإمام، أو يصحح تبعاً لإمام قال به من حيث الاستدلال.

стр. 418

الحديث الأول: "رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه" حديث وائل "رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه" وحديث أبي هريرة أخرجه الثلاثة، ومن الغريب أن نجد من يرجح حديث وائل على حديث أبي هريرة؛ لأن هذا خرجه الأربعة، وذاك خرجه الثلاثة، لا يلزم من هذا الرجحان أبداً، يعني الترجيح بكثرة الرواة ليس هذا محله، وقد يوجد حديث يتفرد به أبو داود أقوى من حديث يخرجه الخمسة تبعاً لنظافة الإسناد وصحته، وعدم المخالفة، فليس الترجيح هنا له وجه ألبتة، وكم من حديث خرجه النسائي أنظف إسناد مما يخرجه غيره ولو اجتمعوا، وقد يخرج أبو داود حديث يكون مرجحاً على ما رواه أبو داود وغيره من الخمسة، أو الترمذي أو غيره، وقد يوجد في المسند حديث لم يخرجه الأربعة ويكون مرجحاً على ما خرجه الخمسة، فليس هذا محل الترجيح، نعم إذا خرجه الشيخان أو أحدهما يرجح، أما من عداهم فمخرجاتهم أو ما يخرجونه قابل للرجحان والمرجوحية تبعاً لإسناده. "رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه" الحديثان هما متضادان متعارضان إلا على كلام ابن القيم بالقول بالقلب، وعلى هذا الخطابي قال: حديث وائل أصح من حديث أبي هريرة، وابن حجر قال: حديث أبي هريرة أصح من حديث وائل، وحديث وائل له شاهد من حديث أنس، وحديث أبي هريرة له شاهد من حديث ابن عمر، موقوفاً ومرفوعاً على ما سيأتي، فهما حديثان قريبان من التكافؤ إلا أن الكفة قد ترجح مع حديث أبي هريرة.

стр. 419

من حيث العمل نسب العمل بمضمون حديث وائل للجمهور، ونسب العمل بمقتضى حديث أبي هريرة لأهل الحديث، وكون القول بمقتضى حديث أبي هريرة ينسب لأهل الحديث يدل على أنه هو الراجح عندهم، من أهل العلم من ضعف الحديثين، وحينئذٍ يكون المصلي مخيراً بين تقديم الركبتين أو اليدين؛ لأنه لم يثبت في الباب شيء، ومنهم من يصحح الحديثين، ويقول أيضاً: هو مخير، ومنهم من يقول: إن حديث وائل من فعل النبي ﵊، وذلك من قوله، وفعله يدل على أنه خاص به، إذا عارض الفعل القول يكون الفعل محمول على أنه خاص بالنبي ﵊ والقول لأمته، ومنهم من يقول: إن حديث وائل ناسخ لحديث أبي هريرة، ومنهم من يقول بالعكس، أقوال كثيرة في المسألة، أقوال متعددة في المسألة. يقول: "رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والحاكم، وقال: على شرط مسلم" بناءً على أن مسلماً خرج لشريك، لكنه خرج له متابعة ولم يخرج له أصالة، فلا يكون على شرطه، إنما الذي على شرطه إذا خرج له معتمداً عليه، محتجاً به، وإلا فكلام أهل العلم في حفظه معروف سيء الحفظ، ثم بعد ذلك اختلط وازداد سوؤه. "وقال الترمذي: حسن غريب" والترمذي يحسن مثل هذا الإسناد؛ لأن تحسينه يستروح بعض من له عناية بالصناعة أنه لا يرقى إلى درجة الحسن، وقد حسن أحاديث ضعيفة كثيرة فيها ما هو انقطاع ظاهر، وفيها ما في بعض رواته كلام واضح لأهل العلم. "حسن غريب، وروى همام عن عاصم هذا مرسلاً، وشريك كثير الغلط والوهم" وهذا قبل اختلاطه. "وقال الدارقطني: تفرد به يزيد بن هارون عن شريك، ولم يحدث به عن عاصم غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به" يعني ممن لا يحتمل تفرده، ولا يحسن ما تفرد به.

стр. 420

"وقال الخطابي: حديث وائل أصح من حديث أبي هريرة" متنه ما فيه إشكال، يعني جاري على الطبيعة "رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه" بحيث ينزل إلى الأرض ما هو الأقرب فالأقرب، ينزل الركبتين الأصل أن القدمين في الأرض، ثم ينزل الركبتين وهما أقرب إلى الرجلين، ثم ينزل اليدين، وهما أقرب إلى الركبتين، ثم الوجه، الجبهة مع الأنف، هذا أمر طبيعي ومعتاد بالنسبة لمن أراد الجلوس، وإذا نهض رفع يديه، معلوم أنه يرفع رأسه قبلها، قبل يديه، يرفع رأسه، ثم يديه قبل ركبتيه، ثم الركبتين، يعني عكس النزول. وهذا يعمل به جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية وقول للشافعي، وهو المعروف عند الحنابلة، وإن كان هناك رواية عن أحمد تقول بخلافه. كلام أهل العلم قال: "وروى همام عن عاصم هذا مرسلاً" يعني همام تابع شريك لكنه مرسل "وشريك كثير الغلط والوهم" يعني الذي وصله شريك وهمام أرسله هل يكون شاهد مقوي أو يعل به؟ حديث شريك حينما رواه عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل موصول، وهمام رواه عن عاصم عن أبيه مرسلاً، ولم يذكر وائل "وشريك كثير الغلط والوهم". الآن عندنا تعارض الوصل مع الإرسال، فأحياناً يكون المرسل مقوي للموصول، وأحياناً يكون المرسل يعل به الموصول، وإشارة ابن عبد الهادي في قوله: "وروى همام عن عاصم هذا مرسلاً، وشريك كثير الغلط والوهم" يدل على أنه يعل خبر شريك برواية همام. ننتبه لمثل هذا؛ لأنه قال: "روى همام عن عاصم هذا مرسلاً" يعني المرسل يقبل الانجبار، وشريك سيء الحفظ يقبل الانجبار، فإذا ضممنا هذا إلى هذا قلنا: بحسنه، لكن إردافه -إرداف المؤلف- لقوله: "روى همام عن عاصم هذا مرسلاً، وشريك كثير الغلط والوهم" يريد أن يعل رواية شريك برواية همام، وأن الأصح فيه أنه مرسل. وقال الدارقطني: تفرد به يزيد بن هارون عن شريك، ولم يحدث به عن عاصم غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به.

стр. 421

لم يحدث به عن عاصم غير شريك، وقد قال: "وروى همام عن عاصم" كيف يقول: لم يحدث به عن عاصم غير شريك وقدم أن قال: وروى همام عن عاصم هذا مرسلاً؟ يعني لم يروه عن عاصم غير شريك موصولاً، وإن رواه عنه همام مرسلاً، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به. وقال الخطابي: حديث وائل أصح من حديث أبي هريرة. لما له مما يقويه من شاهد من حديث أنس، وفعل عمر ﵁ وأرضاه-، وهذا العمل منسوب لجمهور أهل العلم، حديث وائل أصح من حديث أبي هريرة. قال: "وعن محمد بن عبد الله بن حسن" بن علي بن أبي طالب، معروف بالنفس الزكية، وثقه النسائي وغيره "عن محمد بن عبد الله بن حسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)) رواه أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه والنسائي والترمذي، ولفظه: ((يعمد أحدكم فيبرك في صلاته برك الجمل)) وقال: حديث غريب" الترمذي "ومحمد وثقه النسائي" محمد بن عبد الله بن حسن النفس الزكية، "وقال البخاري: لا يتابع عليه" يعني لا يوجد له من يتابعه عليه في روايته، ولا أدري أسمع من أبي الزناد أم لا؟ كونه لا يتابع عليه، وقد وثق، النسائي وثقه مع أنه متشدد يكفي، هذا يحتمل تفرده، فلا نحتاج إلى متابع، بينما شريك نحتاج إلى متابع، وهذا لا نحتاج إلى متابع، وقول البخاري: لا أدري أسمع من أبي الزناد أم لا؟ هذا لا يقدح؛ لأنه لم يجزم بعدم سماعه، وهذا كاف عند الجمهور في الاتصال؛ لأنه لم يعرف بتدليس، والمعاصرة ثابتة، عند الجمهور هذا كافي، احتمال مع إمكان في السماع هذا يكفي عند الجمهور، والذي قرره الإمام مسلم. "وقال البخاري -يعني في صحيحه-: وقال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه" هذا من فعله، موقوف عليه، وهو ثابت عنه أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه، وقد رواه ابن خزيمة في صحيحه مرفوعاً بإسناد لا بأس به، وهذا هو الشاهد الذي أشار إليه ابن حجر، حيث قال: وهو أصح من حديث وائل، يعني حديث أبي هريرة، فإن له شاهداً من حديث ابن عمر الذي رواه ابن خزيمة في صحيحه.

стр. 422

يقول: "إذا سجد أحدكم" ذاك من فعله ﵊ وهذا من قوله، ومعروف أن الفعل عند أهل العلم لا عموم له، وإن كان الأصل الاقتداء والائتساء، فيقال: لا عموم له إذا عورض، وهذه قاعدة عند جمع من أهل العلم أنه إذا تعارض القول والفعل فإنه يرجح القول، ويكون الفعل محمولاً على الخصوصية، لكن هذا ليس بمطرد كما تقدم لنا في نهيه عن استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط، مع أن ابن عمر رآه في بيت حفصة يقضي حاجته مستدبراً الكعبة مستقبلاً بيت المقدس، وقالوا: هذا من فعله وذاك من قوله، فيكون خاصاً به، وقررنا هنالك أن كل فعل يتضمن كمالاً، فالنبي ﵊ أولى به، واستدبار الكعبة بالبول أو بالغائط أكمل أو عدمه أكمل؟ عدمه أكمل، فكيف نقول: إن الأمة مطالبة باحترام الكعبة، وتعظيمها والنبي ﵊ لا يطالب؟ هو أولى بالكمال من هذه الأمة، ونظيره ما قيل في الفخذ عورة ((غط فخذك، فإن الفخذ عورة)) وفي حديث أنس: حسر النبي ﷺ عن فخذه، قالوا: إن كشف الفخذ خاص بالنبي ﵊، والأمر للأمة، نقول: ستر الفخذ أكمل من كشفه، فالنبي ﵊ أولى به، وتقدم تقرير هذا كله، وأن كون فخذه انحسر وهو على الدابة، لا يعني أن هذا يقضي على الدوام والاستمرار في حال الاختيار، عند الركوب لا بد أن يبدو شيء، ثم بعد ذلك يغطى. وليس هذا محل تقرير المسألتين، هنا ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)) عرفنا قول من يضعف الحديثين، وقول من يصحح الحديثين، ويجعل المكلف مختار، وكأن هذا هو ما يميل إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، فإذا ضعفنا الحديثين، قلنا: مخير؛ لأنه لا يثبت في الباب شيء، وإذا صححنا الحديثين فهنا نهي، ((فلا يبرك)) فهل يكون مع هذا النهي تخيير؟ ((وليضع)) أمر، هل يكون مع هذا الأمر تخيير على حد سواء؟ فلا.

стр. 423

ابن القيم ﵀ حاول أن يوفق بين الحديثين، فقال: إن أول الحديث ما فيه إشكال، ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير)) الإشكال في آخره؛ لأنه مضاد لأوله، ((وليضع يديه قبل ركبتيه)) لأن البعير إذا برك وضع يديه قبل ركبتيه، هذا لا ينازع فيه أحد إلا شخص ما رأى البعير، البعير إذا برك يقدم أمامه على خلفه، والتصوير مطابق لمن يضع يديه قبل ركبتيه في الصورة، ((وليضع يديه قبل ركبتيه)) قال: انقلب على الراوي، وإلا فالأصل: ((وليضع ركبتيه قبل يديه)) والمقلوب نوع من أنواع علوم الحديث معروف، ووقع القلب في بعض الأحاديث، وإن أمكن التوجيه فالقلب خلاف الأصل؛ لأن الراوي إما أن يحكم بثقته وضبطه، أو يحكم بضعفه، وعدم الاحتجاج به، إذا حكم بضعفه فالتضعيف من قبله، ما في إشكال، ما نحتاج إلى أن نقول: مقلوب، نقول: الخبر ضعيف؛ لأن فيه فلان وهو ضعيف، لكن العبرة فيما إذا كان الراوي ثقة، كيف نوهم هذا الراوي الثقة مع إمكان حمله على وجه يصح؟ يعني كتب علوم الحديث تمثل للمقلوب بما خرجه مسلم في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)) الحديث في الصحيحين: ((حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) وهذا الأصل أن الإنفاق باليمين، وقالوا: حديث مسلم مقلوب، كيف يتصدق بشماله ويخفي هذه الصدقة عن يمينه؟ نقول: ممكن، أولاً: لأن هذا الرجل كثير الإنفاق، ينفق أحياناً عن يمينه، وأحياناً عن شماله، وأحياناً من خلفه، وأحياناً من أمامه، مبالغة في الإخفاء، والنبي ﵊ كما في الحديث الصحيح في صحيح البخاري وغيره ((ما يسرني أن لي مثل أحد ذهباً تأتي علي ثالثة وعندي منه دينار إلا دينار أرصده لدين، أقول به هكذا وهكذا وهكذا)) عن يمينه، وعن شماله، ومن أمامه، ومن خلفه. والإخفاء قد يتطلب الإنفاق بالشمال بحيث يكون عنده عن يمينه أناس جلوس، ويأتيه فقير من جهة الشمال، فيعطيه بشماله بحيث لا يعلم من هو على يمينه، فإذا أمكن رفع توهيم الراوي الثقة تعين.

стр. 424

ابن القيم حكم على الراوي بأنه وهم في هذا الحديث، وأنه انقلب عليه، نعم المقلوب يوجد، هناك أحاديث لا يمكن الجواب عنها. ((وليضع يديه قبل ركبتيه)) قال ابن القيم: مقلوب، وصوابه: ((وليضع ركبتيه قبل يديه)) منهم من قال للخروج من هذا المأزق: إن ركبتي البعير في يديه، ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير)) على ركبتيه؛ لأن ركبتي البعير في يديه، إذا برك برك على ركبتيه؛ لأنها في يديه، فلا يبرك المصلي على ركبتيه، لكن الصورة متكاملة وإلا غير متكاملة؟ يعني إذا وافقت من وجه خالفت من وجه، أنكر ابن القيم ﵀ أن تكون ركبتي البعير في يديه، مع أنه ثابت في اللغة، وجاء ما يدل عليه من بعض النصوص، فلا داعي ولا وجه لإنكاره. هل نرجح كلام ابن القيم ليتسق آخر الحديث مع أوله؟ أو نضعف الحديث لأنه مقلوب ولا نقبله ونرجع إلى الحديث الأول؟ أو نرجح الحديث بما يشهد له من حديث ابن عمر، وننصرف عن الحديث الأول لأنه مرجوح؟ أو نقول بالنسخ كما قال بعضهم؟ وأورده الحازمي في الناسخ والمنسوخ، وأورد الجعبري في رسوخ الأحبار، له كتاب في الناسخ والمنسوخ اسمه: رسوخ الأحبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، وأن هذا الحديث منسوخ بالذي قبله، وبعضهم من يعكس يقول: الحديث الذي قبله منسوخ بهذا الحديث، وهذا يدل على أن التاريخ معلوم وإلا مجهول؟ مجهول، ولا يمكن القول بالنسخ إلا إذا عرف التاريخ. الذي يحل الإشكال في هذا الحديث، الحديث الأول ما في إشكال من حيث المعنى، الإشكال في ثبوته، الحديث الثاني إشكاله في معناه، والذي يحله أن نعرف معنى البروك. جاء البروك على الركبتين في نصوص كثيرة، في كتاب العلم من صحيح البخاري لما قام الصحابي وقال: من أبي؟ فغضب النبي ﵊ فبرك عمر ﵁ بين يدي النبي ﵊ على ركبتيه، وبوب عليه الإمام البخاري: باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث، برك على ركبتيه، إذاً ما معنى برك لينحل عندنا الإشكال؟

стр. 425

أولاً: مشابهة الحيوانات ممنوعة في الصلاة، وفي خارج الصلاة، النهي عن بروك البعير كما هنا، والنهي عن التفات الثعلب، وتحريك اليدين عند السلام كأذناب خيل شمس، وتدبيح الحمار، والتفات الثعلب، ونقر الغراب، وانبساط الكلب، كلها منهي عنها، فنحن منهيون عن مشابهة البعير فيما نهينا عنه من مشابهة الحيوانات.
следующие страницы →