← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6369

الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 678 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

ويشترط في صيغة العقد ما يلي: ١ - أن لا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول بما يُشعر عرفاً بالإعراض عن القبول، وهو ما يسمى باتحاد مجلس العقد، فلو أوجب البائع البيع، ثم حصل سكوت طويل، أو كلام أجنبي عن العقد ولا صلة له به، ولو قصر الزمن، ثم قبل المشتري، لم يصح العقد. فلو استمر الحديث عن البيع دار حوله، ثم قبل بعد، صحّ العقد وإن طال الفصل. ٢ - أن يكون القبول موافقاً للإيجاب ومطابقاً له في كل جوانبه، فلو قال: بعتك بمائة، فقال: اشتريت بخمسين. أو قال: بعتك هذه الدار بألف، فقال: اشتريت نصفها بخمسين. أو قال: بعتك بألف معجَّلة، فقال: اشتريت بألف مؤجلة. لم ينعقد البيع في جميع هذه الصور، لعدم توافق القبول مع الإيجاب، إلا إذا قبل الموجب ثانيةً بما قبله القابل أولاً، فيصير الإيجاب الأول لاغياً، والقبول الأول إيجاباً، والقبول الثاني هو القبول الذي وافق الإيجاب. ٣ - عدم التعليق على شرط أو التقييد بوقت، بأن تكون الصيغة تدل على التنجيز في العقد والتأبيد في التمليك، فلو قال: بعتك هذه الدار إن جاء فلان أو شهر كذا، فقال: قبلت، لم يصح العقد، لوجود الشرط. وذلك لأن التعليق يدل على عدم الجزم بإرادة البيع والرضا به، وقد علمنا أن الرضا شرط في صحته. وكذلك لو قال: بعتك هذه السيارة سنة مثلاً، فقال: اشتريت، لم ينعقد البيع، لوجود التقييد بالوقت. وذلك لأن ملكية الأعيان لا تقبل التوقيت. وهذا إذا كان التوقيت أو التعليق في المبيع، أما لو كان في الثمن، كما لو باعه على أن يوفيه الثمن أول شهر كذا أو بعد شهرين مثلاً، فإن البيع صحيح، لأن الثمن دين يثبت في الذمة، فيقبل التوقيت والتعليق، بخلاف الأعيان. فإذا كان البيع مقايضة، أي بيع سلعة بسلعة كبيع سيارة بسيارة مثلاً أو دار، فلا تقبل التعليق أيضاً.

стр. 1052

الركن الثالث: المعقود عليه: وهو ما يسمى محل العقد، وهو في عقد البيع: المبيع والثمن، ويشترط في كلِّ منهما شروط، وإليك بيانها: ١ - أن يكون المبيع موجوداً عند العقد: فلا يجوز بيع ما هو معدوم، كبيع ما ستثمره أشجاره، وما ستحمل به أغنامه. وكذلك ما كان في حكم المعدوم، كبيع ما تحمله الأغنام ونحوها، أو ما في الضرع من اللبن ونحوه. ودليل ذلك: أن النبي ﷺ نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان، فقد روى نهى أصحاب السنن عن حكيم بن حزام ﵁ قال: قلت يا رسول الله، يأتيني الرجل فيسألني عن بيع ما ليس عندي ما أبيعه منه، ثم أبتاعه من السوق؟ فقال: " لا تبع ما ليس عندك " (انظر: سنن أبي داود: البيوع والإجارات، باب: في الرجل بيع ما ليس عنده، رقم: ٣٥٠٣). وكذلك: فإن في هذا النوع من البيع غرراً، لأنه على خطر الوجود وعدمه، ولما فيه من الجهالة، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغَرَر. (مسلم: البيوع، باب: بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر، رقم ١٥١٣). ٢ - أن يكون مالاً متقوماً شرعاً: وذلك شرط في المبيع والثمن، ويخرج بذلك جميع الأعيان النجسة والمحرمة شرعاً، فلا يصح كون المبيع أو الثمن خمراً أو ميتةً أو دماً أو زبْلاً أو كلباً. ودليل ذلك: ما رواه جابر بن عبدالله ﵂: أنه سمع النبي ﷺ يقول " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: " لا، هو حرامُ " ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك " قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه ". (أخرجه البخاري في البيوع، باب: بيع الميتة والأصنام، رقم: ٢١٢١. ومسلم في المساقاة، باب: تحريم بيع الخمر والميتة ... ، رقم: ١٥٨١). [يستصبح: أي يوقدونها في المصباح ليستضيئوا بها. جملوه: أذابوه.

стр. 1053

شحومها: شحوم البقر والغنم، كما ذكر القرآن في (الأنعام: ١٤٦)]. وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب. (أخرجه البخاري في البيوع، باب: ثمن الكلب، رقم ٢١٢٢. ومسلم: المساقاة، باب تحريم ثمن الكلب. رقم: ١٥٦٧). ويقاس على ما ذكر كل ما في معناه من الأعيان النجسة والمحرمة. ويلحق بها الأعيان المتنجسة التي لا يمكن تطهيرها، كالخل واللبن والزيت والسمن المائع ونحوه. أما الأعيان التي يمكن تطهيرها إذا تنجست فلا مانع من بيعها أو جعلها ثمناً لأنها في حكم الأعيان الطاهرة. ٣ - أن يكون منتفعاً به شرعاً وعرفاً: أي أن تكون له منفعة مقصودة عرفاً ومباحة شرعاً، فلا يصح بيع الحشرات أو الحيوانات المؤذية التي لا يمكن الانتفاع بها أو لا تقصد منفعتها عادة، وكذلك آلات اللهو التي يمتنع الانتفاع بها شرعاً، لأن بذل البدل مقابل مالا نفع به إضاعة للمال، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال. (البخاري: الاستقراض، باب: ما ينهى عن إضاعة المال، رقم: ٢٢٧٧). ويجوز بيع الفهد للصيد، والفيل للقتال، والقرد للحراسة، والنحل للعسل، ونحو ذلك، لأن فيها منفعة مقصودة عرفاً ومباحة شرعاً، ولم يرد نهي عن شيء منها بخصوصه كالكلب مثلاً. وكما لا يصح بيع ما ذكر من الأشياء لا يصح جعلها ثمناً. ولو كان المبيع أو الثمن لا نفع فيه عند العقد، ولكن ينتفع به مستقبلاً - كالمُهْر الصغير - جاز بيعه أو جعله ثمناً. ٤ - أن يكون مقدوراً على تسليمه حساً وشرعاً: فإن كان العاقد عاجزاً عن تسليم المبيع أو الثمن - عن كان معيناً - وقت لعقد فلا ينعقد البيع، لأن العاقد الآخر ليس على يقين في هذه الحالة أنه سيحصل على عوض عما يبذله، وبالتالي يكون في بذله له إضاعة للمال، وهو منهي عنه كما علمت.

стр. 1054

وعليه: فلا يصح بيع سيارة ضائعة، أو طائر في الهواء أو سمك في الماء، ونحو ذلك لعدم القدرة على تسليمها حسّاً. كما لا يصحّ بيع جزء معَّين من مبيع لا يقبل القسمة، أي إن قسمته تنقص قيمته وتجعله غير صالح للانتفاع به ككتاب أو سيف أو بيت صغير ونحو ذلك، لأنه غير مقدور على تسليمه شرعاً، إذ إن تسليمه لا يكون إلا بقسمته وتمييزه، وفي ذلك نقصه وذهاب منفعته، وهو تضييع للمال، وهو منهي عنه كما علمت. أما لو بيع جزء منه غير معين - أي على سبيل الشيوع - فإن ذلك جائز، لأن المشتري لا يحق له أن يطالب بقسمته، ويكون الانتفاع به على التناوب. ٥ - أن يكون للعاقد سلطان عليه بولاية أو ملك: فيصح بيع المالك لمال نفسه وشراؤه به، لأن الشرع جعل له سلطاناً على ماله. وكذلك يصح بيع الولي أو الوصيّ لما مَنْ تحت ولايته من القاصرين وشراؤه به، كما يصح بيع الوكيل لمال موكَّله وشراؤه به، لأن لهؤلاء جميعاً سلطاناً على المال، إما بتسليط الشرع كالأولياء والأوصياء، وإما بتسليط المالك نفسه كالوكلاء. فإذا تصرف بالمال بيعاً أو شراءً من لا سلطان له عليه - وهو الذي يسمى في رف الفقهاء الفضولي - كان تصرفه باطلاً، لقوله ﷺ : " لا بيع إلا فيما تملك " (أخرجه أبو داود في البيوع، باب: في الرجل يبيع ما ليس عنده، رقم ٣٥٠٣. وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه). ويستثنى من ذلك ما لو باع مال مَن يرث منه ظاناً حياته، فتبين أن المورِّث كان ميتاً عند العقد، فيُصحَّح البيع وتترتب علي آثاره، لأنه تبيّن خطأ ظنه، وأنه في الحقيقة مالك لما تصرف فيه وليس فضولياً، والعبرة في العقود بما في حقيقة الأمر، لا بما في ظن العاقد. ٦ - أن يكون معلوماً للعاقدَيْن: فلا يصح البيع إذا كان في المبيع أو الثمن جهالة لدى العاقدين أو أحدهما، تقضي في الغالي إلى النزاع والخصومة، لأن في

стр. 1055

ذلك غرراً، وقد علمت أنه ﷺ نهى عن بيع الغَرَرِ. فلا يصح بيع ما يجهله العاقدان أو أحدهما، ولا جعله ثمناً. كما لا يصح بيع واحد من أشياء دون تعيينه، ولا البيع به. ولا يصح بيع شيء معين بألف مثلاً، دون بيان المراد من الألف، ولا عرف في مكان البيع يحدد المراد منها، فإن كان عرف فسِّرت به، كما لو باع في سورية مثلاً مبيعاً وقال ثمنه ألف، فالعرف يحدد أنه ألف ليرة سورية. ولا يصح أن يبيع سلعةً ما أو داراً مثلاً بما باع به فلان داره، دون أن يكون العاقدان على علم بما باع به، وهكذا. ويمكن أن يحصل العلم بالأمور التالية: ١ - إن كان العوض حاضراً ومشاهداً صح بيعه ولو لم يبيّن مقداره ولا صفته الظاهرة، كما لو باع سيارة مشاهدة ومشاراً إليها بثمن معين، ولم يبّين نوع السيارة وطرازها. وكذلك لو باع صُبْرة من قمح مثلاً بألف ليرة سورية، دون أن يبيِّن مقدارها. وكذلك لو باعه سلعة حاضرة بهذه الدراهم مثلاً، فكل ذلك صحيح، لقيام المشاهدة والتعيين مقام العلم. ٢ - إذا رأى المتعاقدان البدل قبل العقد، وكانا ذاكرَيْن لأوصافه، وكان مما لا يتغيّر غالباً خلال المدة التي كانت بين الرؤية والعقد، كالثوب والدار ونحو ذلك. فإن كان مما يتغيّر غالباً في تلك المدة فلا يكفي ذلك. ٣ - رؤية بعض العوض إذا كانت تغني عن رؤية باقية، كرؤية جزء من القماش الذي يدل على باقي الثوب، أو رؤية أنموذج من الأشياء المتماثلة. ٤ - رؤية ظاهر العوض الذي يُعتبر حافظاً لباقية، كالبطيخ والرمان والبيض، فيُكتفى برؤية قشره، كما يُكتفى برؤية القشرة السفلى من الجوز واللوز إذا تم نضجه، لأن بقاء هذه القشور من مصلحة هذه الأشياء. فإذا كان مما يؤكل مع قشره الخارجي كفت رؤية قشرته الخارجية وصحّ بيعه.

стр. 1056

ومما يتعلق هنا بمعلومية العوضين: العلم بالأجل إذا كان الثمن مؤجلاً، فلو كان غير معلوم، كما إذا باع إلى الحصاد أو قدوم فلان من سفره، فإنه لا يصح. وكذلك العلم بوسائل التوثيق، كالرهن والكفيل، إذا شرط ذلك في العقد، فلو باعه بشرط أن يأتيه بكفيل أو رهن بالثمن، دون أن يعيّن الكفيل أو الرهن، فلا يصح العقد. قبض المبيع وضمانه إذا تم عقد البيع بتوفر أركانه وتحقق شروطه، والمبيع لا يزال في يد البائع، فهو من ضمانه، بمعنى أنه إن تلف أو أتلفه البائع انفسخ البيع، ولا يلزم المشتري شيء، ويسترد الثمن إن كان قد دفعه. فإذا قبضه المشتري دخل في ضمانه، فإن هلك يهلك عليه. ويختلف القبض باختلاف المبيع، إذ إن قبض كل شيء بحسبه: فقبض المنقول: يكون إما بالتناول إذا كان يُتناول باليد، كالثوب والكتاب ونحوهما، وإما بالنقل إذا كان لا يُتناول باليد كالسيارة والدابة وما إلى ذلك. وأما غير المنقول: كالدار والأرض فقبضه بالتخلية بينه وبين المشتري وتمكينه منه، وإزالة الموانع من تسلّمه، وتسليم مفتاحه إن كان داراً ونحو ذلك. ولا بد في القبض من إذن البائع، لأن الأصل أنه ملكه، ولا يخرج من يده إلا بإذن منه.

стр. 1057

الخيارات في البيع الأصل في عقد البيع أنه إذا وُجدت أركانه وتحققت شروط أن ينعقد مبرماً، بحيث تنتقل ملكية المبيع إلى المشترى وملكية الثمن إلى البائع، وليس لأحدهما الخيار في نقض ما أبرم. إلا أن الشارع راعى مصالح المكلَّفين، وأن المتعاقد قد يكون استعجل بعض الشيء ولم يتروَّ في الأمر، ولذلك اعتبر انعقاد البيع لوجود أركانه وتحقق شروطه غير لازم، وأثبت لكل عاقد حق الخيار في إمضاء العقد أو فسخه، وذلك رفقاً به وحفاظاً على تمام رضاه بالعقد ورغبته به. وقد أثبت الشّارع هذا الخيار للعاقد في أحوال ثلاثة اعتبرت أنواعاً للخيارات المشروعة، وهي: خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار العيب. وإليك بيانها مفصلة: ١ - خيار المجلس: والمراد به أن المتعاقدين كلاِّ منهما له حق الرجوع عن البيع - بعدما تم وانعقد صحيحاً - ما داما في المجلس الذي حصل فيه عقد البيع، ولم يتفرّقا عنه بأبدانهما. فإذا تفرّقا عن مجلس العقد سقط الخيار وأصبح العقد لازماً، ويكفي في ذلك ما يسمى تفرقاً في العرف: فلو كانا في دار كبيرة وخرج أحدهما من الغرفة إلى الصحن، أو بالعكس حصل التفرّق. ولو كانا فيدار صغيرة كفى خروج أحدهما منها.

стр. 1058

وإن كانا في سوق، أو صحراء، أو على ظهر سفينة ونحو ذلك، كفى أن يولِّي أحدهما ظهره للآخر ويمشي خطوات. أما لو خرجا جميعاً أو تماشيا معاً فيبقى المجلس مستمراً، ولا يسقط الخيار. وكذلك يسقط الخيار إذا اختار أحدهما أو كلاهما إبرام العقد ولزومه، بأن يقولا: أمضينا العقد أو اخترنا لزومه، وكذلك إذا خيَّر أحدهما الآخر كأن يقول له: اختر إمضاء البيع أو فسخه، فيكون ذلك إسقاطاً لخياره، فإذا اختار الآخر سقط خيار المجلس، لأنهما أسقطا حقاً أعطاهما الشارع إياه. فإن اختار أحدهما ولم يختر الآخر سقط الخيار في حق من اختار، وبقي في حق من لم يختر. والأصل في كل ما سبق: قوله ﷺ " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً، أو يخير أحدهما الآخر " (أخرجه البخاري في البيوع، باب: إذا لم يوقت في الخيار .. ، رقم ٢٠٠٣. ومسلم في البيوع، باب: ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، رقم: ١٥٣١). ودلّ على أن المقصود بالتفرّق التفرق بالأبدان - على ما ذكرنا - تفسير ابن عمر ﵄ له بفعله، وهو راوي الحديث، فقد روى مالك عن نافع رحمه الله تعالى قال: وكان ابن عمر ﵄ إذا اشترى شيئاً يُعجبه فارق صاحبه. (انظر البخاري: البيوع، باب: كم يجوز الخيار، رقم: ٢٠٠١) وعنه ﵁ قال: بِعْتُ من أمير المؤمنين عثمان مالاً بالوادي بمالٍ له بخيبر، فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته، خشية أن يرادني البيع، وكانت السُّنَّةُ أنّ المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا (انظر: البخاري: البيوع، باب: إذا اشترى شيئاً فوهب من ساعته ... ، رقم: ٢٠١٠). ٢ - خيار الشرط: وهو أن يشترط بأحد المتعاقدين أو كُلُّ منهما: أن له الخيار - أي حق فسخ العقد - خلال مدة معلومة. ويمكن أن يشترط ذلك مع العقد، ويمكن أن يشترط بعده، ولكن قبل مفارقة مجلس التعاقد. وسمي خيار الشرط لأن سببه اشتراط العاقد. ويشترط فيه: ١ - أن يكون لمدة معلومة، فإن قال: لي الخيار، ولم يحدد مدة لم يصح، وكذلك

стр. 1059

لو حدّد مدة مجهولة، كقوله: بعض يوم، أو: إلى مجيء فلان، ونحو ذلك. والصحيح أنه يبطل البيع في هذه الحالة، لما في ذلك من الغرر والجهالة. ٢ - أن لا تزيد المدة على ثلاثة أيام، إذا كان المبيع لا يفسد خلالها، لأن الحاجة لا تدعو إلى التروِّي أكثر من هذه المدة غالباً. فإن زاد على ذلك ولو لحظة بطل البيع، وكذلك يبطل البيع إذا كانت المدة يفسد المبيع خلالها، ولو كانت أقل من ثلاثة أيام. ٣ - أن تكون المدة متوالية ومتصلة بالعقد، فلو شرط الخيار ابتداءً من التفرق، أو في أيام معينة غير متوالية أو غير مبتدأة من العقد لم يصح الشرط، وبطل العقد، لأنه شرط فيه ما ليس من مقتضاه، وما لم يرد به الشرع. والدليل على ما سبق: حديث حِبّان بن منقذ ﵁، وقد شكا إلى رسول الله ﷺ أنه يُخدع في البيوع، فقال له النبي ﷺ : " إذا بايعت فقلْ: لا خلابة " وفي رواية: " ولي الخيار ثلاثة أيام ". (انظر: البخاري: البيوع، باب: ما يكره من الخداع في البيع، رقم: ٢٠١١. والبيهقي: ٥/ ٢٧٣). [والخلابة: معناها الغبن والخداع]. قال العلماء: الحديث صريح في إثبات الخيار لحبّان ﵁، بائعاً كان أو مشترياً، ولا دليل فيه على أنه خاص به وإن كان ورد بسببه، والعلماء يقولون: العبرة بعموم الفظ لا بخصوص السبب، فيكون الحديث عاماً يتناول كلَّ بيع، وكلَّ بائع ومشترٍ، إلا ما دلّ دليل آخر على عدم جواز الخيار فيه من البيوع، كبيوع الربا والسلم، كما ستعرف إن شاء الله تعالى في أبوابها. اشتراط الخيار لأجنبي: هذا وكما يصح للعاقد أن يشترط الخيار لنفسه يصحّ له أن يشترطه لأجنبي، أي لغيره ممّن لا صلة له بالعقد. وذلك لأن الخيار شُرع للحاجة والمصلحة، لدفع الغبن والضرر عن العاقد، وربما لا يتحقق ذلك لو كان الخيار له، لعدم خبرته، بينما يكون غيره أعرف بالمبيع، فتدعو الحاجة أن يشترط الخيار له. والصحيح في هذه الحالة أن الخيار يثبت لمن شُرِط له وهو الأجنبي، ولا يثبت للعاقد الذي شرطه.

стр. 1060

متى يسقط الخيار؟ إذا اختار مَن له الخيار فسخ العقد، كأن يقول: فسخت البيع، أو قال البائع إذا كان الخيار له: استرجعت المبيع، أو قال المشتري: استرجعت الثمن، ونحو ذلك، انفسخ العقد عقد البيع. بينما يلزم البيع إذا سقط الخيار، ويسقط خيار الشرط بالأمور التالية: ١ - بانتهاء المدة المشروطة، فإذا انتهت المدة المشروطة ولم يفسخ العقد مَن له الخيار، سواء أكان البائع أو المشتري أو كليهما، فقد لزم العقد وسقط الخيار، ولا يحق لأحد فسخه بعد ذلك. ٢ - بإمضاء البيع وإجازته في مدة الخيار، كأن يقول مَن له الخيار: أجزت العقد، أو أمضيته، أو اخترت البيع. ٣ - بتصرّف من له الخيار بالمبيع تصرفاً لا ينفذ عادة من غير المالك، فيكون ذلك إجازة للبيع وإمضاءً له، وبالتالي إسقاطاً لخياره. وهذا إذا كان مَن له الخيار المشتري، فإذا كان المتصرف هو البائع كان تصرفه فسخاً للعقد. حكم المبيع زمن الخيار: ١ - ملكية المبيع زمن الخيار: إذا كان الخيار للمتبايعين كانت ملكية المبيع موقوفة حتى يتبين الحال من فسخ العقد أو إمضائه، فإذا فسخ العقد تبيّن أن الملكية لم تنتقل من البائع. وإذا أمضي البيع وأُجيز تبين أن المبيع ملك للمشتري من تاريخ العقد، وأن الثمن ملك للبائع كذلك. وبالتالي يملك كل واحد منهما زوائد ومنافع ما تبين أنه ملكه من تاريخ العقد. والزوائد كثمر الشجر ولبن المواشي، والمنافع كأُجرة الدار والسيارة ونحو ذلك. وبالمقابل يكون على كل واحد منهما نفقة ومؤونة ما تبيّن أنه ملكه من تاريخ العقد، كعلف الدابة وإصلاح السيارة ونحو ذلك. وإذا كان الخيار لواحد منهما كان المُلْك له، لأنه هو الذي يملك التصرّف دون غيره. وبالتالي كانت له المنافع والثمرات، وكانت عليه المؤونة والنفقات.

стр. 1061

٢ - هلاك المبيع زمن الخيار: إذا تلف المبيع في زمن الخيار يُنظر: فإن كان قبل القبض، أي أن المبيع لا يزال في يد البائع، فإن البيع ينفسخ ويسقط الخيار، سواء أكان الخيار للمشتري أم للبائع، لعدم القدرة على تسليم المبيع، ويكون من ضمان البائع. وإن كان الهلاك بعد القبض، أي في يد المشتري، فإن البيع لا ينفسخ، لدخوله في ضمان المشتري بقبضه له. كما أن الخيار لا يزال باقياً، سواء أكان للبائع أم للمشتري، لأن الحاجة التي دعت إليه - وهي الحفظ من الغبن - لا تزال باقية، فلمَن له الخيار حق إمضاء البيع وفسخه. فإذا أُمضى العقد وأُجيز وجب على المشتري ثمنه للبائع، لأنه تبين أنه ملكه. وإذا فسخ العقد وجب عليه رد مثله أو قيمته يوم التلف، ويسترد المشتري الثمن، لأنه تبيّن أنه لم يدخل في ملكه. ٣ - خيار العيب: الأصل في تعامل المسلم مع غيره النصح وعدم الغش، لأن في ذلك أكلاً لأموال الناس بالباطل، وقد حذر رسول الله ﷺ من الغش أشد تحذير حين قال: " من غش فليس منّا " ومن الغش أن يكون في المبيع عيب يعلمه البائع، فيكتمه عن المشتري ولا يبيِّنه له. يدل على ذلك سبب ورود الحديث المذكور، فقد روى أبو هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ مرّ في السوق على صُبَرةِ طعام، فأدخل يدَه فيها، فنالت أصابعه بلَلاً، فقال: " ما هذا يا صاحب الطعام؟ " قال: يا رسول الله أصابْتُه السماءُ، فقال: " ألا جعلته فوق الطعام كيْ يراه الناسُ؟ من غش فليس مني " (أخرجه مسلم في الإيمان ن باب: قول النبي ﷺ : من غشّنا فليس منا، رقم: ١٠٢. ولفظ " فليس منا " أخرجه في نفس الباب، رقم: ١٠١). [صبرة طعام: كومة من قمح ونحوه. أصابته السماء: أي المطر النازل من السماء] فقد دلّ الحديث أن عدم بيان العيب غش، وأنّ من واجب البائع أن يظهر العيب الذي في المبيع ويبيّنه للناس، يؤكد هذا قوله ﷺ : " المسلمُ أخو المسلم، ولا يحلُّ لمسلم باَع من أخيه بيعاً فيه عيب إلا بينه لهُ " (أخرجه ابن ماجه عن

стр. 1062

عقبة بن عامر ﵁ في التجارات، باب: مَن باع عيباً فليبَّينه، رقم: ٢٢٤٦). ويلحق غير المسلم به استدلالاً بعموم الحديث الذي قبله، ولأن الأخلاق في الإسلام أخلاق ذاتية إنسانية، يجب التخلق بها مع المسلم وغيره. وكما يجب على البائع بيان العيب يجب بيانه أيضاً على كل من علم به ولو كان غير المتعاقدين، لقوله ﷺ : " لا يحلُّ لأحدٍ يبيع شيئاً إلا بَيَّنَ ما فيه، ولا يَحلُّ لمنْ يَعْلَمُ ذلك إلا بَيَّنَهُ ". (أخرجه الإمام أحمد في مسنده [٣/ ٤٩١] عن واثلة بن الأسقع ﵁. فإذا حصل عقد البيع ولزم، وقبض المشتري المبيع ولم يُذكر له فيه عيب، ثم اطّلع بعد ذلك على عيب فيه كان البيع صحيحاً، وإنما يثبت للمشتري حق الخيار: بين أن يرضى بالمبيع على ما فيه، وبين أن يردّه على البائع فيفسخ البيع ويستردّ الثمن، طالما أنه لم يكن على علم بهذا العيب، لا عند العقد ولا عند القبض. ودليل ذلك: ١ - حديث عائشة ﵂: أن رجلاً ابتاع غلاماً، فاسْتغَلََّهُ، ثم وجد به عيباً فردّه بالعيب، فقال البائع: غَلّةُ عبدي؟ فقال النبي ﷺ : " الغلة بالضَّمانِ " (أخرجه أحمد في مسنده [٦/ ٨٠]). [ابتاع: اشترى. غلاماً: أي عبداً مملوكاً. غلّة عبدي: أي كسبه وأُجرة ما قام به من عمل. بالضمان: أي يستحقها ويملكها مَن كان ضامناً للسلعة حين حصلت]. ويُستدل لهذا أيضاً بحديث المصراة، وسيأتي عند الكلام عن بيع المصراة. ٢ - وكذلك يُستدل لهذا بالمعقول: فإن الأصل في البيع أنه على شرط السلامة، وأن المشتري ما بذل كامل الثمن إلا ليسلم له كامل المبيع، لتحصل المقابلة بين الثمن والمثمن، وتلك رغبة المشتري الذي رضي بالبيع. فإذا اختلّ شيء من ذلك بسبب العيب فقد فات مقصوده ولم يتحقق رضاه، فتثبت له حق الفسخ وردُّ المبيع واسترداد الثمن.

стр. 1063

ويشترط لثبوت خيار العيب: ١ - أن يثبت أن العيب قديم، أي قد حدث في المبيع قبل أن يقبضه المشتري، سواء أكان ذلك قبل العقد أم بعده، لأن المبيع قبل قبضه من ضمان البائع. فلو حدث العيب بعد القبض فليس له حق الخيار، إلا إذا كان مستنداً إلى سبب سابق على القبض، كما إذا اشترى سلعة فظهر عليها الصدأ ثم تبين أنها قد تبللت بالماء قبل القبض، فللمشتري حق الرد، لأن العيب ترتب على سبب حدث عند البائع، فكأن العيب حدث عنده. ٢ - أن يكون العيب منقصاً لقيمة المبيع في عُرف التجّار، سواء أنقصت العين أم لم تنقص، لأن البيع معاوضة، والعبرة فيها للقيمة، والمرجع في اعتبارها التجار أصحاب الخبرة. فإذا كان العيب ينقص العين ولا ينقص القيمة فلا يثبت حق الرد، إلا إذا كان النقص يفوت به غرض مقصود للمشتري، كمن اشترى شاة للأضحية، ثم تبيّن له أن بعض أُذنها مقطوع، فإنه يثبت له حق الرد، لأنها لا تجزئ في الأضحية. أما لو اشتراها لغير ذبح واجب عليه، أي للحمها، فلا يُعتبر العيب ولا يثبت له حق الرد، لأن قيمتها لا تنقص بذلك، ونقص عينها لا يفوِّت عليه غرضاً مقصوداً. ٣ - أن يغلب في جنس المبيع عدمه، كَمن اشترى سيارة من وكالتها، ثم تبين له اهتراء عجلاتها، فيثبت له حق الرد والفسخ بالعيب. أما لو اشتراها مستعملة ثم اطّلع على ذلك فلا يثبت له خيار العيب، لأن الغالب في المستعمل منها ذلك. متى يكون الرد بخيار العيب؟ يثبت حق الرد بخيار العيب فور الاطّلاع على العيب، حسب العُرْف والعادة. فإذا علم به وهو يأكل أو يصلي فله تأخير الرد حتى الفراغ، أو في الليل فله التأخير حتى الصباح، فإذا أخَّر عن الوقت الذي كان يستطيع فيه ردُّه سقط خياره. كذلك يسقط خياره لو استعمله بعد الاطلاع على العيب وقبل التمكّن من

стр. 1064

ردّه. وذلك لأن تأخيره عن الوقت الذي تم فيه من ردّه، وكذلك استعماله له قبل التمكّن من الرد، دليل على اختياره للمبيع ورضاه به على ما فيه من العيب. الزيادة في المبيع المعيب: إذا قبض المشتري المبيع، ثم اطّلع على عيب قديم فيه بالشروط السابقة، وكان المبيع قد زاد عنده عمّا كان عليه عند العقد، فإن هذه الزيادة لا تمنع الردّ بالعيب. وإنما يُنظر: فإن كانت الزيادة متصلة - كالسِّمَن للدابة والخياطة للثوب مثلاً - فإن شاء أمسكه وإن شاء ردّه، ولا شيء له في الحالين، لأن هذه الزيادة تبع للأصل ونماء للملك. وإن كانت الزيادة منفصلة: فله ردّ الأصل دون الزيادة، لأنها حدثت على ملْكه وفي ضمانه، وقد مر بك قوله ﷺ : " الغلة بالضمان " والغلة الزيادة مطلقاً من كسب وغيره. العيب الطارئ على العيب القديم: إذا اطّلع المشتري على عيب قديم في المبيع، وكان قد طرأ عليه عيب جديد بعد قبضه، سقط حقه في الرد القهري لى البائع، أي ليس له أن يجبره على الرد، وإنما ينظر: فإن رضي البائع بردّه على حاله ردّه، ورضي المشتري به على ما فيه أمسكه. وإن لم يتراضيا: فإما أن يدفع المشتري عوضاً عن العيب الحادث ويردّه على البائع، وإما أن يدفع البائع عوضاً عن نقص العيب القديم للمشتري. فأيّهما اتفقا عليه ورضيا به جاز، لأن الحق لهما، فيعمل برضاهما. فإن اختلفا - بأن طلب البائع الرد مع التعويض عن العيب الحادث، وطلب المشتري الإمساك بالمبيع مع التعويض عن العيب القديم، أو طلب المشتري الرد ويدفع العوض عن العيب الحادث، وطلب البائع إبقاء المبيع عند المشتري ويدفع العوض عن العيب القديم - فإنه يُجاب منهما مَن كان في طلبه إقرار العقد وإبقاؤه،

стр. 1065

ففي الصورة الأولى يُجاب المشتري إلى طلبه، وفي الصورة الثانية يُجاب البائع. ويستثنى من سقوط الرد القهري بالعيب الطارئ ما إذا كان العيب القديم لا يُعرف إلا به، كمَن اشترى ما مأكولٌه داخل قشره - كالبطيخ والرمان ونحوهما - وشرط سلامته والاطّلاع على ما في داخله، فإن له رد المبيع إذا ظهر فيه عيب قديم رغم العيب الجديد، إذا لم يكن زائداً عن الحاجة لمعرفته، لأن البائع قد سلّطه على إحداث هذه العيب. شرط البراءة من العيوب: لو شرط البائع على المشتري عند العقد: أنه بريء من كل عيب يظهر في المبيع صحّ عقد البيع، لأنه شرط يؤكد العقد ويقرره، إذ ينفي الرد والفسخ، كما يوافق ظاهر الحال من سلامة المبيع من العيوب. وهل يسقط هذا الشرط خيار العيب، وبالتالي ليس للمشتري ردّ المبيع وفسخ العقد إذا ظهر فيه عيب قديم على ما قد علمنا؟. والجواب أنه يُنظر: فإن كان المبيع غير حيوان: فإن هذا الشرط لاغٍ، ولا يسقط حق الرد، ولا يبرأ البائع من أيّ عيب يظهر في المبيع ويُثْبت الخيار على ما سبق. وإن كان المبيع حيواناً: فإنه يبرأ من كل عيب باطن في الحيوان، موجود عند العقد، ولم يعلمه البائع. وذلك لأن الحيوان لا يخلوا غالباً من وجود عيوب خفية فيه، فكان للبائع الحق في أن يحترز عن المسؤولية عنها بشرط البراءة. وقد صح عن ابن عمر ﵄: أنه باع عبداً له بثمانمائة درهم بالبراءة، فقال له المشتري: به داء لم تسمَّه لي، فاختصما إلى عثمان ﵁، فقضي على ابن عمر أن يحلف: لقد باعه العبد وما به داء يعلمه، فأبى أن يحلف وارتجع العبد، فباعه بألف وخمسمائة. وروى أن المشتري زيد بن ثابت ﵁ وأن ابن عمر كان يقول: تركت يميناً لله، فعوضني الله عنها.

стр. 1066

فدلّ قضاء عثمان ﵁ على صحة البراءة في صورة الحيوان المذكورة، واشتهر قضاؤه بين الصحابة ﵃ ولم ينكره عليه أحد، فكان إجماعاً. فإذا كان العيب ظاهراً لم يبرأ منه لسهولة الاطّلاع عليه. وكذلك إذا علمه البائع، لأن الواجب بيانه، وإلا كان غشّاً، ومثله لو جهله ولكن كان من السهل الاطلاع عليه. كما لا يبرأ عما حدث بعد العقد وقبل بالقبض، لأن الشرط ينصرف إلى ما كان موجوداً عند العقد، ولو شرط البراءة عما يحدث لم يبرأ، لأنه إسقاط للشيء قبل ثبوته.

стр. 1067

البيوع الخاصة ما تقدم من كلام عن عقد البيع إنما هو في البيع على وجه العموم، وهو عقد البيع الذي ليس له تسمية خاصة، والذي يتعامل به غالب الناس، والصورة الغالبة والعامة في بياعات الناس وتجاراتهم ومعاوضاتهم. وهناك حالات وصور لعقد البيع تأخذ أسماءً خاصة بهم، وتقع في أحوال نادرة، منها ما هو جائز ومنها ما هو ممنوع، والممنوع منها: بعض منه صحيح مع الإثم والحرمة، وبعض منه باطل، وإليك بيان هذه البيوع: أ - البيوع الجائزة: هي بيوع تختلف بعض الشيء عن صورة البيع العامة، وقد يوهم اختلافها ذلك عدم جوازها، ولذلك ينص عليها الفقهاء بخصوصها دفعاً لتوهم عدم صحتها، وهي: ١ - التولية: وهي أن يبيع ما اشتراه وقبضه بالثمن الذي اشتراه به دون أن يذكر هذا الثمن، أو يقو للمشتري: وليتك هذا العقد. ٢ - الإشراك: وهو كالتولية، ولكنه على جزء من المبيع لا على جميعه، كأن يقول له: أشركتك في هذا العقد نصفه بنصف الثمن، ونحو ذلك. ويشترط أن يبين هذا الجزء الذي يشركه فيه، فإن ذكر جزءاً ولم يبينه، كأن قال: أشركتك في بعض العقد، لم يصح العقد للجهالة. فإن أطلق الإشراك كأن يقول: أشركتك في هذا العقد، صح وكان مناصفة.

стр. 1068

٣ - المرابحة: وهي أن يبيعه ما اشتراه وقبضه بما اشتراه به مع ربح معلوم محدد، كأن يقول: بعتك هذه الدار بما اشتريتها به وربح عشرة في المائة مثلاً، أو: وربح هذه السيارة مثلاً، وهكذا، فيجوز أن يكون الربح ليس من جنس الثمن. ٤ - المحاططة (الوضعية): وهي أن يبيعه ما اشتراه وقبضه بما اشتراه به مع حط - أو وضع، أو خسارة - قدر معين من الثمن، كعشرة في المائة مثلاً ونحو ذلك. فالمحاططة والوضعية بعكس المرابحة كما ترى. فهذه البيوع الأربعة جائزة ومشروعة، ودليل لك: ١ - أنها بيوع مستوفية لأركان عقد البيع وشروطه، فهي داخله في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ البقرة٢٧٥. ٢ - قد يستدل لبعضها بما جاء في حديث الهجرة الطويل عن عائشة ﵂: أن أبا بكر ﵁ قال للنبي ﷺ : خذ - بأبي أنت وأمي - إحدى راحلتي هاتين، فقال ﷺ : " بالثمن ". فالظاهر أنه عقد تولية، والله تعالى أعلم. (أخرج الحديث البخاري في فضائل الصحابة، باب: هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، رقم ٣٦٩٢). ويشترط لصحة هذه البيوع: أن يكون المتبايعان على علم بالثمن الأول عند العقد، فإن كانا يجهلان الثمن عند العقد، أو كان أحدهما يجهله، لم ينعقد البيع، حتى ولو حصل العلم بذلك في مجلس التعاقد وقبل التفرق. وكون المشتري الثاني يجهل الثمن الأول غير بعيد التصور، وكذلك البائع له، فقد يكون قد نسي الثمن، أو ما إلى ذلك. وينبغي التنبيه هنا: إلى أنه إن قال بعتك بما اشتريت - في جميع الصور- لم يدخل في ذلك غير الثمن المشتري به أولاً، ولا يدخل فيه شيء آخر من النفقات إن وجدت. وإن قال بعتك: بما قام علي، دخل في ذلك كل ما أنفقه على المبيع، من أجرة نقل ومخزن ونحو ذلك.

стр. 1069

وهناك بيوع خاصة جائزة، كالسلم وبيوع الربا والصرف، سنتكم عنها بالتفصيل بعد الكلام عن البيوع المنهي عنها . ب - البيوع المنهي عنها: هناك صور من البيوع نهى عنها الشارع لخللٍ فيها أو لأمر اقترن بها، ولذلك كانت على نوعين: باطلة، وصحيحة مع الحرمة. أولاً: البيوع المحرمة والباطلة: وهي البيوع التي نهى عنها الشارع لخلل في أركانها أو نقص في شروطها، وقد سمى الشارع أنواعاً من هذه البيوع ونهى عنها، وحكم الفقهاء ببطلانها، وهي: ١ - بيع اللبن في الضرع قبل أن يحلب، والصوف على ظهر الدابة قبل أن يُجَزّ أي يُقَصّ، وكذلك بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها. فعن ابن عباس ﵄ قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يباع ثمر حتى يطعم، أو صوف على ظهر، أو لبن في ضرعٍ، أو سمن في لبن" أي قبل أن يمخض ويستخرج منه. (أخرجه الدارقطني في البيوع، رقم الحديث: ٤٢). وسبب البطلان هنا الجهالة في المعقود عليه وهو المبيع، فالثمر قبل بدو صلاحه - أي نضجه - لا يعرف كم سيكون مقداره بعد النضج، وقد يختلف اختلافاً كبيراً. وكذلك اللبن في الضرع، والصوف أيضاً: إذا قصّ من أُصوله كان في ذلك ضرر بالحيوان لا يجوز، وإن ترك منه شيء كي لا يؤذي الحيوان لا يعلم مقدار ما يترك منه، وفي ذلك كله غرر وجهالة تبطل البيع. ونريد أن نتوسع في الكلام عن بيع الثمر قبل نضجه، لكثرة وقوع الناس في هذه المخالفة في هذه الأيام. بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها (الضمان) وضعنا كلمة الضمان بين قوسين في العنوان لأن الناس في هذه الأيام يسّمون هذا النوع من البيع بهذه التسمية (الضمان). وتعنينا التسمية ـ فهي

стр. 1070

خاطئة على كل حال - وإنما يعنينا المضمون، فهو بيع للثمار قبل ظهور نضجها وصلاحها للأكل، بل لقد ذهب الناس أكثر من ذلك فأصبحوا يشترون الثمار قبل وجودها، وبمجرد ظهور الطَّلْع أي الزهر، وهذا خلل أكبر يجعل هذا البيع أكثر بطلاناً واشد إثماً، لأنه بيع المعدوم الذي قد لا يوجد. وعلى كل حال علينا البيان، وعلى مَن آمن بالله تعالى وصدق برسوله ﷺ وآمن بالوقوف بين يدي الله ، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، أن يسمع ويذعن ويخضع لأمر الشرع، فيبتعد عمّا نهى عنه، ولو كان يظنّ في ذلك مصلحة له، على أن الضرر كل الضرر كامِن فيما يخالف أمر الله تعالى أو أمر رسوله ﷺ . نقول: إن بيع الثمار قبل بدو صلاحها - بالإضافة إلى ما ذكرناه من الجهالة بمقدار المبيع - فيه غرر كبير، إذ قد تأتي آفة عليه من صقيع أو مرض أو ما إلى ذلك فلا يخرج، وهنا يأخذ صاحب الشجر مالاً بدون عوض يبذله مقابل ما زعمه ثمناً لثمر أشجاره، فيكون أكلاً لأموال الناس بالباطل، وهذا ما صرح به حديث رسول الله ﷺ إذ قال: " أرأيْت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ " وفي رواية فبم تستحل مال أخيك؟ (رواه البخاري في البيوع، باب: إذا باع الثمار قبل أن يبدوا صلاحها ... رقم: ٢٠٨٦. ومسلم: المساقاة، باب: وضع الجوائح، رقم: ١٥٥٥) فبيع الثمار قبل بدوّ الصلاح حرام وباطل، وقد جاء النهي عنه صريحاً، ويحتمل الإثم البائع والمشتري. فعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يَبْدُوَ صَلاحُها، نهى البائعَ والمبتاعَ - أي المشتري " (البخاري: البيوع، باب: بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، رقم: ٢٠٨٢. ومسلم: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها، رقم: ١٥٣٤). وحكمة التشريع واضحة في واقع الناس، فقلّما تجد المتعاملين بهذا، أي الذين يَضْمَنُون ويُضمِّنون بلغة العامة، إلا ويختلفون ويختصمون، وربما

стр. 1071

أدّى ذلك إلى إراقة الدماء أحياناً، نتيجة مخالفتهم لشرع الله وإعراضهم عن نهيه ﷺ وبيان حكمته، فأحرى بالمؤمنين، بل وبالناس أجمعين، أن يلتزموا شرع الله تعالى، لتكون لهم السعادة والرضا، ومَن ترك شيئاً لله عوّضه الله تعالى خيراً منه. وأما بيعه بعد بدوّ صلاحه وظهور نضجه فجائز، ودلّ على ذلك مفهوم الحديث السابق وغيره من الأحاديث التي سيأتي بعضها، فالنهى عن بيعها قبل بدوّ صلاحها يُفهم منه جواز بيعها بعد بدوّ صلاحها، والحكمة في ذلك واضحة: فإن آفات الثمار تصبح مأمونة غالباً بعد ذلك، لغلَظ الثمرة وكبر نواها، وأما قبله فتسرع إليها الآفات لضعف الثمر وصغَر نواه، ونحو ذلك. فإذا بيع الثمر بعد نضجه كان للمشتري أن يُبْقيه على الشجر إلى أوان قطفه وقطعه، حسب العُرف الجاري والعادة المعمول بها، إلا إذا شرط البائع قطعه في الحال. وضابط بدوّ الصلاح وظهور النضج: فيما كان يتلوّن: أن يحمرّ أو يصفّر أو تظهر عليه علامات نضجه المعهودة. وفي غير المتلوّن: أن تظهر عليه مبادئ النضج، ويتحقق فيه ما يُقصد منه، كحموضة أو حلاوة ولين تين، ونحو ذلك. وفي الحديث: " نهى أن تُباع ثمرة النخل حتى تزهو، أو: يزهو. قيل: وما يزهو؟ قال: يَحْمَارُّ أو يصفارّ " وفيه: " حتى تُشْقِحَ. فقيل: ما تُشْقِحَ؟ قال: تحمارُّ وتصفارُّ ويُؤكَلُ منها ". (البخاري ومسلم: المواضع المشار إليها قبل قليل). هذا ويجوز بيع الثمار قبل نضجها بشرط القطع، إذا كانت يُنتفع بها، كحصرم مثلاً، لانتفاء المانع من البيع وهو الغرر بإبقائها، وتحقق شرط المبيع وهو أن يكون منتفعاً به. فإذا كان المقطوع لا ينتفع به لم يصحّ، وكذلك إذا بيعت بشرط الإبقاء لما سبق، ومثل شرط الإبقاء إذا بيعت بدون شرط وكان

стр. 1072

العرف جارياً بإبقائها، فهو باطل، لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، فيٌقام جريان العرف بإبقائه مقام شرط إبقائه فيبطل. ومثل الثمر في كل ما سبق الزرع، لأنه في معناه، إذ المقصود منهما واحد، والله تعالى أعلم. ٢ - البيوع التي فيها معنى المقامرة: وهي بيوع إما فيها جهالة بالمبيع أو خلل في إرادة العاقدين، ومما نُصًّ عليه من هذه البيوع: بيع المنابذة أو الملامسة: وهو أن يتبايعا أحد المبيعات دون تعيين، فإذا نبذ - أي ألقى - البائع أحدها ولمس المشتري أحدها كان هو المبيع. ومنها أن يبيعه الثوب - مثلاً - في الظلمة، فيلمسه دون أن يراه. أو أن يتبايعا مبيعاً معيناً، على أنه متى نبذه البائع أو لمسه المشتري فقد وجب البيع ولزم. وواضح أن في الصورة الأولى جهالة في المبيع، وفي الصورة الثانية خللاً في إرادة المتبايعين، لأنه لا يُدرى متى يلقي ذاك أو يلمس هذا ليُلزم الآخر بالبيع. وقد روى أبو سعيد الخدري رضي اله عنه قال: " نهى رسول الله ﷺ عن المُلاَمَسَةِ والمنابَذَةِ في البيع ". وقد جاء تفسيرهما عن راوي الحديث إذ قال: (والملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار، ولا يقلِبُهُ إلا بذلك. المنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه، وينبذ الآخر إليه ثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراضٍ). (رواه البخاري في اللباس، باب: اشتمال الصمّاء، رقم: ٥٤٨٢. ومسلم: البيوع، باب: إبطال بيع الملامسة والمنابذة، رقم: ١٥١٢). ومثل المنابذة الملامسة في المعنى: بيع الحصاة، وهو أن يتبايعا إحدى السلع، على أن يلقي أحدهما حصاة، فعلى أيّها وقعت كان هو المبيع، وقد ورد النهي عنه وحكم الفقهاء ببطلانه لما فيه من الجهالة والخلل في إرادة العاقدين.

стр. 1073

فعن أبي هريرة ﵁: " أنّ النبيَّ ﷺ نهى عن بَيْع الحَصَاةِ" (أخرجه مسلم في البيوع، باب: بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر، رقم: ١٥١٣). ومثله ما يجري الآن من وضع أشياء في أماكن، وتدار عليها خشبة أو حديدة، فأيّ شيء وقفت عنده الحديدة أو الخشبة ثبت بيعه للمشتري بقيمة معينة. وكذلك إذا وضع للأشياء أرقام، وأديرت دواليب ذات أرقام، فإذا وقفت عند أرقام يحملها أحد الأشياء كان هو المبيع، ولزم البيع. ٣ - بيعتان في بيعة: وهو أن يذكر في صيغة العقد عقدان في آن واحد، كأن يقول البائع: بعتك هذه الدار - مثلاً - بألف نقداً وبألفين تقسيطاً أو إلى سنة. فيقبل المشتري البيع بالنقد أو بالتقسيط. أو أن يقول: بعتك هذه السيارة - مثلاً بألف - على أن تبيعني دارك بألفين. فهذا النوع من البيوع منهيُّ عنه وباطل، للجهل بالثمن في الصورة الأولى، والتعليق على الشرط في الصورة الثانية. روى أبو هريرة ﵁ قال: " نهى رسول الله ﷺ عن بّيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ ". (أخرجه الترمذي في البيوع، باب: ما جاء في النهي عن بيعتين في بيعه، رقم: ١٢٣١، كما أخرجه النسائي وأحمد). البيع بالتقسيط وبالمناسبة نبيِّن أن البيع بالتقسيط لا مانع منه وهو صحيح، شريطة أن لا يذكر في صيغة العقد السعران، كما سبق، فيكون بيعتين في بيعة، وهو باطل كما علمت. أما لو تساوم المتبايعان على السعر قبل إجراء العقد، ثم اتفقا في نهاية المساومة على البيع تقسيطاً، وعقد العقد على ذلك، فإن العقد صحيح، ولا حرمة فيه ولا إثم، حتى ولو ذكر السعر نقداً أثناء المساومة، طالما أنه لم يتعرض له أثناء إنشاء العقد. وينبغي أن ينتفي من الأذهان أن في هذا العقد رِباً، لأن الفارق بين السعرين هو في مقابل الأجل. لأننا نقول: إن الربا هو الزيادة التي يأخذها أحد

стр. 1074

المتعاملين من الآخر من جنس ما أعطاه، مقابل الأجل. كأن يقرضه ألف درهم مثلا، على أن يأخذها منه بعد شهر ألفاً ومائة، أو أن يبيعه ألف صاع حنطة مثلاً بألف صاع ومائة من الحنطة، يعطيها له الآن أو بعد أجل، كما ستعلم في باب الربا. أما أن يعطيه سلعة قيمتها الآن ألف، فيبيعها له بألف ومائة إلى أجل أو تقسيطاً، فهذا ليس من الربا في شيء، بل هو نوع من التسامح في التعامل والتيسير، لأنه أعطاه سلعة ولم يعطه دراهم أو غيرها، ولم يأخذ منه زيادة من جنس ما أعطاه، ولا شك أن للحلول فضلاً على الأجل، فكل الناس يؤثر الأقل الحال - أي الذي يُدفع الآن - على الكثير الذي يُدفع بعد حين. ٤ - بيع العُرْبون: وهو أن يبيعه شيئاً على أن يعطيه جزءاً من الثمن، يكون هبة للبائع إن لم يتم البيع، وإن تم البيع حُسب من الثمن. فهو منهي عنه وباطل لأن فيه شرطاً فاسداً، وهو الهبة للبائع. روى عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع العُرْبان ". (أخرجه أبو داود في البيوع والإجارات، باب: في العُربان، رقم: ٣٥٠٢ كما أخرجه ابن ماجه في التجارات). [والعُرْبان لغة في العُرْبون]. هذا وينبغي التنبيه على أن المحرم والباطل هو الذي شرط فيه ذلك أثناء العقد، أما لو لم يشرط ذلك في العقد، ويعد تمام العقد طالب البائع بقسط من الثمن عربوناً فلا بأس، ولكن لا يحلّ له إذا فُسخ العقد فيما بعد إلا برضا المشتري. ٥ - بيع الدّيْن بالدَّيْن: وهو أن يكون - مثلاً - لشخص دين على آخر، ولثالث دين على الأول، فيبيع أحد الدائِنَيْن دَيْنه من الآخر بالدَّيْن الذي له على الثالث فهذا البيع وأمثاله منهيُّ عنه وباطل، لعدم القدرة على تسليم المبيع. وروى ابن عمر ﵄: " أن النبي ﷺ نهى عن بيعِ الكَالِئِ بالكَالِئ " (أخرجه الدارقطني في البيع، رقم الحديث: ٢٦٩).

стр. 1075

[والكالئ هو الدَّيْن، من كلأ يكلأ إذا تأخر، فهو كالئ] وفسره بعضهم بأن يشتري أحد سلعة يستلمها بعد أجل معين، ويسلم ثمنها الآن، فإذا حلّ الأجل وعجز البائع عن تسليم السلعة قال للمشتري: بعني هذه السلعة بكذا إلى أجل. وهذا باطل أيضاً. ومن صور بيع الدَّيْن بالدَّيْن: أن يبيعه لمن عليه الدَّيْن أيضاً بدين. وكذلك لو باع الدين الذي له على شخص بعين - أي سلعة حاضرة، أو قدر من المال يبرزه ويدفعه - لشخص آخر غر مَنْ عليه الدين، فهو باطل أيضاً، لعدم القدرة على تسليم المبيع. أما لو باع الدين بعين لمن هو عليه الدين، كأن باعه الألف التي له في ذمّته بسجادة مثلاً، أو خمسمائة يخرجها مَنْ عليه الدين ويدفعها، صحّ هذا البيع، لأنه في معنى الصلح، وهو جائز كما ستعلم إن شاء الله تعالى. ويستدل أيضاً لهذه الصورة بحديث عبدالله بن عمر ﵄ قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: إني أبيع الإبل بالبَقِيعِ، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير؟ فقال: " لا بأسَ أنْ تَأخُذّ بسعرِ يومِها، ما لم تَفْتَرِقا وبينَكُما شيءٌ " (انظر: الترمذي: البيوع، باب: في اقتضاء الذهب من الورق، رقم: ٣٣٥٤ كما أخرجه باقي أصحاب السنن والإمام أحمد). فقوله: (أبيع بالدنانير ... ) أي ديناً، لأنه لم يقبضها، ثم يستبدل بها دراهم يقبضها، فهذا بيع للدين بعين ممّن عليه الدين. والبقيع: اسم موضع فيه قبور أهل المدينة، وكان سوقاً للتجار. ٦ - بيع المبيع قبل قبضه: وذلك بأن يشتري إنسان سلعة أو بضاعة، ثم يبيعها قبل أن يقبضها. فهو بيع منهي عنه وباطل، لما علمنا أن المبيع لم يدخل في ضمان المشتري قبل قبضه، فلا يملك أن يبيعه. روى ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: " من ابْتَاعَ طعاماً فلا يَبِعْهُ حتَّى يَقْبِضَهُ ".

стр. 1076

وعن ابن عباس ﵄ قال: (أما الذي نهى عنه النبي ﷺ فهو الطعام أن يُبَاع حتى يُقبَضَ). قال ابن عباس: (ولا أحسَبُ كلّ شيء إلا مثْلَهُ). (البخاري: البيوع، باب: بيع الطعام قبل أن يقبض وبيع ما ليس عندك ٢٠٢٨، ٢٠٢٩. مسلم: البيوع، باب: بطلان بيع المبيع قبل القبض، رقم: ١٥٢٥، ١٥٢٧). وهذا إذا كان البيع لغير البائع الأول، فإذا كان البيع لنفس البائع الأول كان باطلاً أيضاً إذا كان بغير الثمن الأول أو بمثله، لأنه بيع يدخل في عموم النهي. أما إذا باعه للبائع الأول بنفس الثمن الذي اشتراه به، أو بمثله إن تلف الثمن الأول، كان صحيحاً، لأنه في الحقيقة إقالة من البيع الأول وليس بيعاً جديداً، وإن كان على صورة البيع. ثانياً - البيوع المحرّمة غير الباطلة: وهي البيوع التي ورد النهي عنها لا لنقص في أركانها ولا لخلل في شروطها، وإنما لأمر خارج عنها، ولذا يحكم بصحتها مع ثبوت التحريم لها والإثم على فاعلها. وهذه البيوع هي: ١ - بيع المُصَرّاة: وهي الناقة أو البقرة أو الشاة، يترك حلبها عمداً أياماً ليجتمع اللبن في ضَرعها، فيتوهم المشتري كثرة اللبن فيها على الدوام، فيرغب بشرائها، وربما زاد في ثمنها. فإذا وقع الشراء كان العقد صحيحاً، ولكن مع الحرمة، لما فيه من الغش والتدليس. فإذا علم المشتري بذلك ثبت له خيار الرد على الفور، لأنه في حكم خيار الرد بالعيب، فإذا ردّها وكان قد حلبها ردّ معها صاعاً من تمر بدل اللبن الذي أخذه، أو ردّ البن نفسه إذا رضي البائع بذلك. وإن رضي بالشاة مع العلم بالتصرية لم يكن له شيء. ودليل ما سبق: حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: لا تُصَرُّوا الإبل والغنم، فمن ابْتَاعها بعدَ ذلك فهو بخير النَّظَرّيْنِ بعد أن يَحْلُبها: إن

стр. 1077

رضيها أمسكَها، وإن سَخِطَها ردّها وصاعاً من تمر". (أخرجه البخاري في البيوع، باب: النهي أن لا يحفل الإبل .. ، رقم: ٢٠٤١. ومسلم في البيوع، باب: تحريم بيع حبل الحبلة، رقم ١٥١٥). ويقاس على الإبل الغنم غيرهما مما يتحقق فيه هذا المعنى، ولا سيما الحيوان المأكول اللحم. ٢ - النَّجْش: وهو أن يزيد شخص في ثمن السلعة وهو لا يقصد الشراء، وإنما ليوهم غيره نفاستها، فيشتريها بأكثر من ثمنها. واصل النجش الاستتار، لأنه يستر قصده. وهذا العمل حرام، لما رواه عبدالله بن عمر ﵄ قال: " نهى النبي ﷺ عن النَّجْش ". (أخرجه البخاري في البيوع، باب: النجش، رقم: ٢٠٣٥. ومسلم في البيوع، باب: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه ... ، رقم: ١٥١٦) فإذا حصل الشراء كان صحيحاً. فإذا قام الدليل على أن ذلك كان بتواطؤ بين البائع والناجش كانت الحرمة عليهما، وكان البائع غارّاً وغاشّاً للمشتري ومدلِّساً عليه، فيثبت له بذلك حق الخيار. وإن لم يثبت أن ذلك كان بتواطؤ منهما لم يكن للمشتري الخيار، لأنه مقصِّر في التحرِّي والبحث. ٣ - بيع الحاضر للبادي: وهو أن يَقْدَم رجل من سفر - من بادية أو غيرها - ومعه متاع يريد بيعه، وأهل البلد في حاجة إليه، فيقول له من آخر من أهل البلد: لا تبع حتى أبيع لك هذه البضاعة شيئاً فشيئاً، ويزداد الثمن. فمثل هذا العمل حرام، لما رواه ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يَبْع حاضِرٌ لبادٍ ". فقيل لابن عباس: ما قوله: " لا يبع حاضر لبادٍ"؟ قال: (لا يكون سمساراً) (أخرجه البخاري في البيوع، باب: هل يبيع حاضر لبادٍ بغير أجر ... ، رقم: ٢٠٥٠. ومسلم في البيوع، باب: تحريم بيع الحاضر للبادي، رقم: ١٥٢١).

стр. 1078

وسبب النهي والتحريم ما في ذلك من تضييق على الناس. وينبغي التنبيه إلى أن هذا لا ينطبق على ما يفعله اليوم الوسطاء، حين يقومون ببيع البضائع لمن يجلبونها إلى البلد، لأن معنى التضييق لأهل البلد غير وارد، بل ربما كان عملهم تسهيلاً وتيسيراً على المنتج والمستهلك. ٤ - تلقَّي الركبان: وهو أن يخرج التاجر إلى خارج البلد، فيستقبل القادمين بالبضائع، ويوهمهم أن ما معهم من السِّلَع كاسد في البلد، وأن أسعارها بخسة، ليشتريها منهم بأقل من ثمنها. فإذا اشترى منهم هذه البضائع كان البيع صحيحاً مع حرمته، لما فيه من الخداع، وقد دل على ذلك قوله ﷺ في حديث ابن عباس ﵄ السابق: " لا تَتَلَقَّوْا الرُّكْبَان ". فإذا نزل أصحاب البضائع السوق وعرفوا الأسعار، وبانَ لهم أنهم مغبونون بالثمن، ثبت لهم خيار فسخ البيع. روى أبو هريرة ﵁ قال " نهى النبي ﷺ أن يُتَلَقَّى الجَلَبُ، فإن تلقاه إنسانٌ فابتاعَهُ فصاحب السلعةِ فيها بالخيارِ إذا ورد السوق ". (انظر مسلم: البيوع، باب: تحريم تلقي الجلب، كما أخرجه أصحاب السنن). ٥ - الاحتكار: وهو أن يشتري البضائع التي تعتبر أقواتاً للناس من الأسواق، ولا سيما عند حاجة الناس إليها، فيجمعها عنده ولا يظهرها، ليرتفع ثمنها أكثر فأكثر، فيبيعها شيئاً فشيئا مستغلاً حاجة الناس. فمثل هذا التصرف حرام، لما رواه معمر بن عبدالله العدوي ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا يحتكر إلى خاطئ" (أخرجه مسلم في المساقاة، باب تحريم الاحتكار في الأقوات، رقم ١٦٠٥). [والخاطئ هو المذنب العاصي].

стр. 1079

فإذا صار الناس في حاجة شديدة إلى هذه الأقوات، أو ضرورة، أُجبر المحتكر على بيعها بالسعر المناسب، فإن أبى باعها القاضي عليه وأدى له ثمنها. وهذا ينبغي أن يعلم أن شراء مثل هذه البضائع في المواسم وحال توفرها في الأسواق، من أجل ادّخارها لتباع وقت الحاجة إليها، كما يفعل الكثيرون من التجّار حين يشترون الجبن مثلاً، وكما تفعل المعامل حين تُصَنِّع بعض الأغذية وتحفظها من الفساد، لينتفع الناس بها حين عدم توفرها، كل ذلك ليس باحتكار، وإنما هو تجارة مشروعة وعمل نافع، وقد يكون في ذلك خير العباد والبلاد، ويؤجر هؤلاء الذين يحفظون الفائض عن الحاجة في موسمه ليتوفر في أوقات أخرى، لا سيما لأولئك الناس الذين قد لا يتمكنون من ادّخار الأقوات، وما يسمى (المونة) في بعض البلدان اليوم. ٦ - البيع على بيع أخيه أو السوم على سومه: أما البيع: فهو أن يجئ إلى من اشترى شيئاً وهو مدة الخيار فيقول له: أنا أبيعك أجود مما اشتريت بنفس الثمن، أو أبيعك مثله بأقل من هذا الثمن. وأما السَّوْم: فأن يكون رجل يسوم سلعة، وربما اتفق مع صاحبها على ثمن، فيأتي آخر ويعرض على صاحب السلعة ثمناً أكبر ليبيعها له. أو أن يعرض على المشتري سلعة مثلها بثمن أقل، أو أنفس منها بنفس الثمن. فكل ذلك حرام، لما رواه أبو هريرة وابن عمر ﵄ من قوله ﷺ : " لا بيع الرجُلُ على بيع أخيه ". وقوله: " لا يَسُم المسلمُ على سَوْمِ أخيه " (البخاري: البيوع، باب: لا يبيع على بيع أخيه ... ، رقم: ٢٠٢٣. ومسلم: البيوع، باب: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه .. ، رقم: ١٥١٥). والحكمة من تحريم هذه الأمور: ما فيها من إخلال بالمروءة، وإيغار للصدور، وزرع للبغضاء وإثارة للنزاع والشحناء، وإفساد للمجتمعات بقطع الصلات وإلقاء العداوة بين الناس، مما يتنافى مع حرص الإسلام على تآلف المجتمعات، وتمتين الروابط بين الناس وتحسين الصلات.

стр. 1080

٧ - مبايعة من يعلم أن جميع ماله حرام: إذا علم أن فلاناً من الناس كل ماله حرام، كأن كان ثمن محرم بيعه كخمرٍ أو خنزير أو ميتة أو كلب، أو كسبه بطريق غير مشروع، كاليانصيب مثلاً أو رشوة، أو أُجرة على محرم ونحو ذلك، فإنه يحرم بيعه كما يحرم الشراء منه، وكذلك كل أنواع التعامل معه كإجارة أو عارية أو نحو ذلك. كما يحرم الأكل من طعامه. فإذا لم يكن كل ماله حراماً، بل كان مخلوطاً من حرام وحلال، كره التعامل معه بجميع الأوجه التي سبقت. دلّ على ذلك: ما رواه النعمانُ بن بشير ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " الحلال بَيِّنٌ والحرامُ بَيِّنٌ، وبينهما أمورٌ مشتبهاتٌ لا يعلمُها كثيرُ من الناس فمَن اتَّقَى الشبهات فقد اسْتَبْرَأَ لدينه وعرضْه، ومَن وقَع في الشبهات وقع في الحرامِ " (أخرجه البخاري في الإيمان، باب فضل مَن استبرأ لدينه، رقم: ١٥٢. ومسلم: المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم: ١٥٩٩). و من آداب البيع: ١ - السماحة في البيع والشراء: وذلك بأن يتساهل البائع في الثمن فينقص منه، والمشتري في المبيع فلا يتشدد في الشروط، وفي الثمن فيزيد فيه، وأن يتساهل مع المعسر بالثمن فيؤجله إلى وقت يساره، وإذا طالبه بدينه فلا يشدد عليه ولا يحرجه. روى جابر بن عبدالله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " رحم الله رجلاً سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقْتضى - أي طالب بدينه - " (أخرجه البخاري في البيوع، باب: السهولة والسماحة في الشراء والبيع .. ، رقم: ١٩٧٠). ٢ - الصدق في المعاملة: بأن لا يكذب في إخباره عن نوع البضاعة ونفاستها، أو مصدر صنعها ونحو ذلك، وكذلك لا يدّعي ن تكاليفها أو رأس مالها أكثر مما يعطيه المشتري من الثمن، إلى غير ذلك، بل يصدق في كل هذا فيما لو سئل وينصح. عن رفاعة ﵁: أنه خرج مع النبي ﷺ إلى المصلى، فرأى الناس يتابعون، فقال: " يا معشر التُّجار ". فاستجابوا لرسول الله ﷺ ورفعوا

стр. 1081

أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: الترمذي " إنّ التجارّ وصححه، يُبعثُون يومَ القيامة فُجّاراً، إلا اتقى الله وَبَرّ وصَدَقَ " (أخرجه الترمذي في البيوع وصححه، باب: ما جاء من في التجار وتسمية النبي ﷺ إياهم، رقم: ١٢١٠). [بَرّ: أحسن في المعاملة]. وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: " التّاجرُ الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء " (الترمذي: البيوع، باب: ما جاء في التجار وتسمية النبي ﷺ إياهم، رقم: ١٢٠٨). وعن حكيم بن حزام ﵁، عن النبي ﷺ قال: " البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرِّقا - أو قال " حتى يتفرّقا - فإنْ صَدَقا وبيِّنا بُورك لهما في بيعهما، وإنْ كتَما وكَذَبا مُحقَتْ بركة بيعهما " (البخاري: البيوع، باب: ما يمحق الكذب والكتمان في البيع، رقم: ١٩٧٦. ومسلم: البيوع، باب: الصدق في البيع والبيان، رقم: ١٥٣٢). ٣ - عدم الحلف ولو كان صادقاً: ومن آداب البيع والشراء ودلائل الصدق فيه عدم الإكثار من الحلف، بل عدم الحلف مطلقاً، حال كونه صادقاً في البيع، لأن في ذلك امتهاناً لاسم الله تعالى، وقد قال جلّ وعلا: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (البقرة٢٢٤). وروى أبو هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الحلفُ مَنفْقَة للسلعة، ممحقة للبركة " (البخاري: البيوع، باب: (يمحق الله الربا ويربى الصدقات ... ) رقم: ١٩٨١. مسلم: المساقاة، باب: النهي عن الحلف في البيع، رقم: ١٦٠٦). وليحذر كل الحذر أولئك الذين يروِّجون بضائعهم ويغرون زبائنهم بالأيمان الكاذبة، فعن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ قال: " ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ". قلنا: من هم يا رسول الله فقد خاُبوا وخسرُوا؟ فقال: " المنَّان، والمُسْبل إزارهُ، والمُنفق سلْعته بالحَلف الكاذب " (أخرجه مسلم في الإيمان، باب: غلظ تحريم إسبال الإزار ... رقم: ١٠٦) [وإسبال الإزار: المراد به إطالة الثياب تكبراً وتعالياً]

стр. 1082

٤ - الإكثار من الصدقات في الأسواق وحال البياعات: عسى أن يكون ذلك تكفيراً لما قد يقع من حلف لم ينتبه إليه، أو غش بسبب عيب لم يفطن البائع إلى بيانه، أو غبن في السعر، أو سوء خلق أو ما إلى ذلك. روى قيس بن أبي غرزة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نسمَّي السماسرة، فقال: " يا معشَرَ التجار، إنَّ الشيطان والإثْم يحْضُرَانِ البيع، فشُوبُوا بيعكُم بالصدقة " (أخرجه الترمذي في البيوع، باب: ما جاء في التجار وتسمية النبي ﷺ إياهم، رقم ١٢٠٨. كما أخرجه أبو داود وابن ماجه). [وقوله: " شوبوا " أي اخلطوا] ٥ - الكتابة والإشهاد: إذا كان البيع بالنسيئة - أي أن الثمن مؤخر إلى أجل - استحب كتابة العقد وبيان مقدار هذا الدين وأصله وما يتعلق بذلك مما ينفي المنازعة، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (البقرة٢٨٢) ففي ذلك مزيد من الضمان للحق، وتمتين للثقة والتعاون بين المسلمين، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ﴾ أي أقرب إلى الحق وأعدل بين الناس، والتبديل للحق، الذي يغلب أن يؤدي إلى فقد الثقة وعدم التداين بين الناس، وفي ذلك من التضييق ما فيه. وكذلك يستحب الإشهاد على التبايع ولو لم يكن في ذلك تداين، وكان البيع مع نقد الثمن وتسليم المبيع، كي لا يقع إنكار للعقد أو شيء من شروطه، فيحصل النزاع والتخاصم، وامتثالاً لأمر الله إذ يقول: ﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.

стр. 1083

الإقالة تعريفها: الإقالة - في اللغة - معناها الرفع، واستعمالها في العقود يعني: رفع أحكام العقد وآثاره. فهي في اصطلاح الفقهاء: توافق المتعاقدين على رفع العقد القابل للفسخ بخيار. فمن التعريف نعلم أن الإقالة إنما تكون في العقود اللازمة، أي التي إذا تمّت - بتحقق شروطها وكما أركانها - لم يكن للمتعاقد فسخها إلا بموافقة الطرف الآخر. أما العقود الجائزة - وهي التي لكلِّ من العاقدين فسخها متى شاء، ولو لم يرض الطرف الآخر - فلا داعي فيها للإقالة. وكذلك نعلم من التعريف أن الإقالة إنما تكون في العقود التي تقبل الفسخ، كالبيع والإجارة ونحو ذلك. أما العقود التي لا تقبل الفسخ - كالنكاح - فلا إقالة فيها. مشروعيتها: والإقالة مشروعة، بل هي مندوبة إذا طلبها أحد المتعاقدين، لما فيها من التيسير على الناس، وتخليصهم مما يظنون أنه ورطة يندمون على الوقوع فيها، فقد يعقد أحدهم عقداً ثم يرى أنه مغبون فيه، أو أنه ليس بحاجة إليه، فيبقى في غمِّ وكرب، ويكون في إقالته منه تنفيس لكربه وتفريج لغمّه وفي ذلك من الأجر ما فيه.

стр. 1084

ودل على مشروعيتها: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من أقال مسلماً بيعته أقال الله عثرته ". وفي لفظ: " من أقال مسلماً أقال الله عثرته يوم القيام ". وفي لفظ: " من أقال نادماً ". (أخرجه أبو داود في البيوع، باب: في فضل الإقالة، رقم: ٣٤٦٠. كما أخرجه ابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم، وغير هؤلاء). ركن الإقالة: لا بدّ في الإقالة من صيغة هي ركن الإقالة، وهي الإيجاب: كأقلني بيعتي، والقبول: كأقلتك. وتصح بلفظ الفسخ والترك والرفع. ويُشترط فيها اتحاد المجلس بين الإيجاب والقبول، كغيرها من العقود، لأنها عقد. شروطها: ١ - رضا المتقايلَيْن بها، كما عُلم من قولنا في التعريف: (بخيار). فلو كان أحدهما مكَرهاً لم تصح، لأنها فسخ للعقد، فيلزم لها ما يلزم له من الرضا والاختيار. ٢ - أن لا يكون فيها زيادة ولا نقصان عن أصل العقد، فلا يُزاد في أحد البدلين ولا يُنقص منه، لأنها - كما قلنا - فسخ، أي رفع للعقد الذي جرى، وعودة بالمتعاقدين إلى ما كانا عليه قبل العقد. ولذا لو كانت الإقالة في البيع، وزاد المبيع زيادة منفصلة متولِّدة من الأصل، كأن يكون المبيع شاة فتلد، امتنعت الإقالة. وبناء على ذلك تصحّ على الزيادة والنقصان. وهذا ما يجري عليه أكثر الناس في أيامنا هذه، إذ إنهم لا يرضَوْن بالإقالة ما لم يكن من طالبها تنازل عن شيء من حقه، أو أن يعطي الطرف الثاني ما يرضيه ليرجع عن العقد ويقبل برفعه.

стр. 1085

الباب الثاني السلم

стр. 1086

السلم تعريفه: هو - في اللغة - السلف، أي التقديم. وشرعاً: هو بيع شيء موصوف في الذمة بلفظ السلم أو السلف. وهو نوع من البيوع، وهو مستثنى من بيع المعدوم وما ليس عند الإنسان. مشروعيته: قلنا: إن عقد السلم مستثنى من بيع المعدوم، وقد علمنا أنه لا يصحّ بيع المعدوم، وإنما استُثني السلم من ذلك لحاجة الناس إلى مثل هذا العقد. روى عبدالله بن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قَدِمَ المدينةَ وهم يُسْلِفُونَ في الثمار السنة والسنتين، فقال: " من أسْلَفَ فَلْيُسلفْ في كيل معلوم، ووزْن معلم، إلى أجل معلوم " (البخاري: السلم، باب: السلم في وزن معلوم، رقم: ٢١٢٥. مسلم في المساقاة، باب: السلم، رقم: ١٦٠٤). وعن عبد الرحمن بن أبزي وعبدالله بن أبي أوفى ﵄ قالا: كنّا نصيب المغانم مع رسول الله ﷺ ، وكان يأتينا من أنْبًاطِ الشام، فنسلفهم في الحنطة والشعير والزيت إلى أجَل مسمى. قبل: أكان لهم زرع أو لم يكن؟ قالا: ما كنا نسألُهم عن ذلك (البخاري: السلم، باب: السلم إلى من ليس عنده أصل، رقم: ٢١٢٨).

стр. 1087

وقد روى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أشهد أن الله تعالى أحلّ السلف المضمون، وأنزل فيه أطول آية في كتابه، وتلا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ .. ﴾ البقرة٢٨٢ وانظر تفسير الآية عند ابن كثير. ووجه دلالة الآية على مشروعية السلم أنه نوع ديْن، والآية أقرت الدين وأجازته، فيكون السلم جائزاً. حكمة تشريعه: أشرنا أن القياس في السلم أن يكون غير مشروع، لأنه بيع المعدوم وما ليس عند الإنسان، وإنما شرع لحاجة الناس إليه. وهذه الحاجة تظهر في أن أصحاب الصناعات والأعمال، وكذلك أصحاب الأراضي والأشجار، كثيراً ما يحتاجون إلى المال من اجل تأمين السلع الأولية لمنتجاتهم، أو تهيئة الآلات والأدوات لمصانعهم، وكذلك الزرّاع ربما احتاجوا للمال من رجل رعاية أراضيهم وحفظ بساتينهم. وقد لا يجد هؤلاء المال لدى مَن يمكن أن يقدّمه لهم قرضاً، وقد لا يرضى بذلك، فيسّر لهم الشرع أن يستلفوا هذا المال على أساس أن يقدموا بدله منتجاتهم من زرع أو ثمر أو سلع ونحو ذلك. وكذلك التجار الذين يرغبون بتأمين السلع والبضائع في الوقت المناسب، قد لا يجدون مَن يبيعهم ذلك في حينه، ويكون المال متوفراً لديهم، فيسّر لهم الشرع أن يسلفوا هذا المال في البضائع التي يرغبون. وهكذا نجد أن تشريع السلم حقّق مصالح عدّة، إذ يسّر المال لمن لا يجده والبضاعة لمن يرغب بها، وفتح الطريق أمام المال ليقوم بوظيفته الأساسية، ألا وهي قوام عيش الناس، فلم يبق مخزوناً مكنوزاً. وتلافي أخطار بيع المعدوم بالشروط والقيود التي أحاط بها هذا العقد، والتي ستراها خلال البحث. أركانه وشروطه: أركان عقد السلم أربعة: عاقدان وصيغة ورأس مال السلم والمُسلَم فيه، ولكلِّ منها شروط.

стр. 1088

١ - الركن الأول: العاقدان: وهما المشتري الذي يسلف ماله مقابل السلعة التي يرغب بها، ويسمى المُسلم. والبائع الذي يستسلف المال ليقدم السلعة بمقابله، ويسمى المسلَم إليه. ويشترط فيهما ما يشترط في البائع والمشتري في عقد البيع، من العقل والبلوغ والاختيار ونحو ذلك. ويستثنى شرط البصر، فإن الأعمى يصحّ السلم منه بينما لا يصح بيعه كما علمنا، لأن البيع يُشترط فيه رؤية المبيع من المتعاقدين، وفي السلم المبيع موصوف في الذمّة، فيمكن معرفة صفاته بالسماع، وعند القبض يوكل مَن يقوم بذلك ليتحقق من وجود الصفات المشروطة. ٢ - الركن الثاني: الصيغة: وهي الإيجاب والقبول، كأن يقول صاحب المال: أسلفتك أو أسلمتك هذه الألف دينار في ألف ثوب صفتها كذا مثلاً، فيقول المسلَم إليه: قبلت، أو استلفت، أو استسلمت، ونحو ذلك. ويشترط فيها ما يشترط في الصيغة في البيع من اتحاد المجلس وموافقة الإيجاب للقبول ونحو ذلك. ويضاف إلى ما سبق: أن تكون الصيغة بلفظ السلم أو السلف، فلا تصحّ بغيرهما. وكذلك يشترط خلو العقد عن خيار الشرط، أي أن يكون العقد باتاً، لأن خيار الشرط شُرع استثناءً في عقد البيع المطلق، فلا يُقاس على البيع غيره، فيبقى شرط الخيار فيه على أصل المنع. وكذلك يشترط في السلم تسليم رأس المال في مجلس العقد - كما ستعلم - وخيار الشرط في العقد بمنع تحقّق ذلك، لأن شرط الخيار يمنع ثبوت الملْك للمسلَم إليه في الثمن، فيكون قبضه صورة، ويؤدي ذلك إلى افتراق العاقدين قبل تمام العقد، وذلك لا يجوز، فيكون العقد الذي شرط فيه الخيار باطلاً.

стр. 1089

أما خيار المجلس: فإنه يثبت في عقد السلم، لأنه ينقضي بالتفرّق، فيكون تفرّق العاقدين عن تمام العقد، فلا تعارض بين خيار المجلس وشروط عقد السلم. ٣ - الركن الثالث: رأس المال: وهو الثمن الذي يدفعه المشتري سلفاً إلى البائع، ويشترط فيه: أ - أن يكون معلوماً للعاقدين قدراً وصفة، بأن يكون - مثلاً - ألف دينارٍ أو ألفي درهم، وإذا كان الثمن مما يُباع بالكيل أو الوزن، كأن يكون حنطة أو سكراً ونحو ذلك، يشترط بيان قدره كيلاً ووزناً، كألف مدّ أو ألف رطل، وكذلك يشترط عندها بيان صفته من حيث الجودة والرداءة. فإن كان مشاهداً، كأن يسلفه كومة من الحنطة في سلعة ما، أو هذه الدراهم، اشترط بيان القدر، ويستغنى عن ذكر الصفة والجنس والنوع، لأن المشاهدة تنوب مناب ذلك في البيان. ب - تسليم رأس المال من رب المال في مجلس العقد وقبض المسلَم إليه له، وذلك قبل تفرق أبدانهما، لأن التسليم هو أصل معنى السلم، فإذا لم يوجد ذلك لم يوجد العقد، ولأنه يصير في معنى بيع الدين بالدَّيْن، وهو منهي عنه كما علمت. ويشترط فيه القبض الحقيقي، فلو أحال برأس مال السلم ليقبضه المسلم إليه لم يصح، لأن الحوالة ليست بقبض. ٤ - الركن الرابع: المسلم فيه: وهو الشيء المبيع محل العقد، الذي تعهّد البائع بتأديته إلى المشتري، مقابل رأس مال السلم المدفوع سلفاً. ويشترط فيه: أ - أن يكون مما يمكن ضبطه بالوصف، الذي تختلف به الأغراض، بحيث تنتفي الجهالة عنه، ولا يبقى إمكان للاختلاف بين أفراد جنسه إلا بتفاوت يسير يتساهل الناس به عادة.

стр. 1090

ودليل ذلك: ما رواه عبدالله بن أبي أوفى ﵁ قال: إنّا كنّا نُسْلف على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ في الحنطة والشعير والزبيب والتَّمْر (أخرجه البخاري في المسلم، باب: السلم إلى مَن ليس عنده أصل، رقم: ٢١٢٨). وهذه الأصناف كلها مما يمكن ضبطه. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال في السلم في الكرابيس: إذا كان ذَرْعاً معلوماً إلى أجلِ معلوم فلا بَأْسَ. والكرابيس: ثياب تتخذ من القطن الأبيض، فهي مما يضبط بالوصف وعن أبي النضر ﵁ قال: سئل عمر ﵁ عن السلم في السّرَق، قال: لا بأس. والسّرَقة: الشقة من الحرير، وهو مما يمكن ضبطه. ويقاس على هذه الأشياء المذكورة غيرها مما لم يذكر، سواء أكان موجوداً قديماً أم وجد الآن أو يوجد في المستقبل، طالما أنه في معناها، أي مما يمكن ضبطه بالوصف، ولو لم يكن مثلياً. فإذا كان لا يمكن ضبطه بالوصف فلا يجوز السلم فيه ولا يصح، لأنه عقد على ما فيه جهالة فاحشة تؤدي إلى النزاع. ويذكر الفقهاء هنا أمثلة كالجلود، فإنها تختلف رقّة وثخونة، وتلك أغراض مقصودة. وكالجواهر النفيسة، فإن قيمتها تختلف باختلاف صفائها، وذلك مما لا يمكن ضبطه. ويلحق بهذا في أيامنا كل ما كان في معناه لدى التجار. ويدخل في مالا ينضبط ولا يصح السلم فيه: كل ما أثَّرت فيه النار شيّاً أو قلياً أو طبخاً، لأن تأثير النار فيه مختلف، فلا يمكن ضبطه. أما ما أثرت فيه النار للتمييز، كالسمن ليميز منه اللبن، والعسل ليميز منه الشمع، فإنه يصح السلم فيه، لضعف تأثير النار فيه في هذه الحالة. ب - أن يكون معلوم الجنس والنوع والقدر والصفة للمتعاقدين، أما الجنس كأن يكون قمحاً أو شعيراً. والنوع كأن يكون بلدياً أو جلباً (أي مستورداً من بلد معين). والقدر كألف صاع إن كان مكيلاً، أو بالوزن كان موزوناً، أو بالعدد
следующие страницы →