← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6369

الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 678 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

بلاده غير المسلمين حرب - فإن الربا لا يجري فيه إذا كان المسلم هو الآخذ للزيادة. فلو دخل تاجر مسلم دار الحرب بعقد أمان منهم، وتعامل مع أهلها وكسب منهم مالأً عن طريق الربا، فإنه يجوز له ذلك عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى. أما الذميّ - وهو المواطن غير المسلم في بلاد الإسلامية - فإن ماله معصوم باتفاق، وكذلك المستأمن - وهو الحربي الذي يدخل بلد المسلمين بعقد أمان وإذن من حاكم المسلمين - فلا يجوز التعامل بالربا معهما، ولا عبرة باختلاف الدين، لأن اتحاد الدين ليس شرطاً من شروط جريان الربا بالاتفاق. وحجه الجمهور: أن حرمة الربا ثابتة في حق المسلمين وغير المسلمين، لأن غير المسلمين مخاطبون بفروع الشريعة على الصحيح. وكذلك النصوص الواردة في التعامل الربوي عامة، ولا مخصص لها، فتبقى على عمومها. وحجة أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى: أن مال الحربي غير معصوم، بل هو مباح في نفسه، إلا أن المسلم المستأمن في دار الحرب مُنع من تملكه من غير رضاه، لما فيه من الغدر والخيانة، فإذا بذله الحربي باختياره ورضاه فقد زال المنع لزوال موجبه، كالاستيلاء على الحطب والحشيش غير المحرز من قبل أحد. والذي ينبغي التنبيه إليه هو: أن هذا القول لا مجال للعمل به في هذه الأيام، لأن المسلم لا يتمكن من العمل والمتاجرة في دار الحرب أو مع الحربي، حسب القوانين والأعراف القائمة، لذلك نرى من الأولى أن لا يتعرض الفقهاء والمفترون لهذا القول والبحث فيه. وإنما خالفنا ما نراه الأولى وذكرناه من كثرة ما نسمع من استغلال له من قبل أولئك الناس الذين يتمسكون بخيوط العنكبوت ليتوصلوا إلى تحليل الحرام،

стр. 1122

وذلك أن الكثير من هؤلاء من يتعاملون بالربا مع المصارف الأجنبية، فيأكلون الربا وربما أطعموها، مدّعين أنهم استفتوا فأفتوا بجواز ذلك، فذكرنا هذا القول لننبّه على الحق فيه، وهو أن القول خاص بالحربي، والحربي هو الذي بيننا وبين بلدة حرب قائمة بالمعنى الشرعي والعرفي لهذا، ولا ينطبق ذلك الآن إلا على ما بيننا وبين اليهود المغتصبين لأرضنا ومقدساتنا في فلسطين، أما بلاد الغرب أو الشرق من غير المسلمين فليسوا بحربيين بالمعنى الشرعي، وأن كان فريق منهم وأعواناً ومناصرين للصهاينة في الحقيقة، إلا أنهم لا ينطبق عليهم الحكم الذي ذكره أبو حنيفة وصاحبه رحمهما الله تعالى، ولذلك نقول: إن التعامل بالربا مع أي مصرف من المصارف الأجنبية أو الأفراد منهم حرام وممنوع، كما لو كان في بلاد المسلمين، هذا إذا لم يكن أشد حرمة ومنعاً، لما فيه من إخراج الأموال من بلاد المسلمين وتسخيرها لمصلحة غيرهم، مما يكون فيه كبير ضرر في كثير من الأحيان على مصالح البلاد الإسلامية، ووقوعها في أزمات اقتصادية. لأننا ندخل بلادهم ويدخلون بلادنا دون عائق، والذين قالوا بهذا القول بينوا أنه لا ينطبق على التعامل مع من دخل بلاد المسلمين بأمان من أهل الحرب، فضلاً عمن دخلها من غيرهم.

стр. 1123

الباب الرّابع الَصَرْف

стр. 1124

الصرف معناه: أ - في اللغة: يقع الصرف على معانٍ عدة، منها: - الفضل والزيادة، ومنه سميّت النافلة صرفاً، لأنها زيادة على الفريضة. جاء في الحديث: " ذمّة المسلمين واحدةّ، يَسْعى بها أدناهم، فمن أخْفَرَ مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ". (أخرجه البخاري في الاعتصام باب: ما يكره من التعمّق والتنازع في العلم والغلّو في الدين والبدع، رقم ٦٨٧٠. ومسلم في الحج، باب: فضل المدينة ودعاء النبي ﷺ فيها بالبركة، رقم ١٣٧٠). [ذمة المسلمين: إعطاؤهم الأمان لغير المسلم. يسعى بها أدناهم: عهدهم صحيح ومعتبر وينبغي أن يراعى ولو صدر من أقل واحد منهم. أخفر مسلماً: نقض عهده واعتدى على مَن أعطاه الأمان]. فالصرف النافلة، والعدل الفريضة. والمعنى: لا يرضى الله تعالى من فعله لهما ولا يثيبه عليهما. - الرد والدفع، والنقل، والنقل والتحويل، جاء في القرآن قوله تعالى (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ) (يوسف ٣٤) أي دفعه وردّه، وقوله تعالى: (صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون) (التوبة ١٢٧) أي حوّلها ونقلها عن الحق. وقوله تعالى (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ) (الأحقاف ٢٩) أي نقلناهم إليك وحوّلناهم نحوك.

стр. 1125

ب - وفي الاصطلاح: بيع كلُّ واحد من عوضيه من جنس الأثمان، أو: هو بيع النقد بالنقد والمراد بالأثمان والنقد الدراهم والدنانير أو ما كان من جنسهما، وهو الذهب والفضة مطلقاً، سواء أكانت مضروبة أم مصوغة أم غير ذلك. ويدخل في هذا العملات المتعارفة في هذه الأيام، لأن لها رصيداً ذهبياً محفوظاً، وكل قطعة منها عبارة عن وثيقة بيع أو شراء ما يقابلها من هذا الرصيد المحفوظ. ومن الواضح أن التعامل بها في هذه الأيام يقوم مقام التعامل بالدراهم والدنانير في الأيام السالفة، فوجب أن تنزل منزلتها في الحكم الشرعي. ويصحّ بلفظ البيع والفظ الصرف. حكم عقد الصرف من حيث مشروعيته: عقد الصرف عقد جائز ومشروع، وحكمه من هذه الحيثية كحكم عقد البيع المطلق، مع زيادة شروط سيأتي بيانها. ودلّ على مشروعية الصرف أحاديث كثيرة وآثار عن الصحابة ﵃ سيأتي بعضها في الباب، وعلي ذلك إجماع المسلمين. الشروط الخاصة لصحة عقد الصرف: من خلال تعريفنا لعقد الصرف يتبين لنا أنه عقد ربوي، لأن كلاً من البدلين فيه مال ربوي تتحقق فيه علة الربا، وهي الثمنية، إذ كل من الذهب والفضة ثمن من الأثمان. وإنما أفرد هذا العقد بالكلام عنه تحت هذا العنوان لأنه خاص بما يكثر تداوله والتعامل به وهو النقد، ولهذا كانت شروطه الخاصة به هي شروط صحة العقد الربوي، وقد مرّت بك مفصّلة، وسنعيدها لك موجزة هنا حسب تعلقها بعقد الصرف. وهي: ١ - المماثلة عند اتحاد الجنس: فإذا بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، فلا بد من تساوي العوضين في الوزن، سواء أكانا مضروبين أو مصوغين أم غير ذلك، أو كان أحدهما مصوغاً أو

стр. 1126

مضروباً والآخر غير ذلك، وسواء أكان أحدهما جيداً والآخر رديئاً أم لا. فإذا كان الدبلان مختلفين في الجنس، كما إذا كان أحدهما فضة والآخر ذهباً، جاز التفاضل بينهما وبيعهما مجازفة، أي بدون وزن، كما لو قال له: بعنك هذا الذهب بهذه الفضة فيجوز. وكّل ذلك مرّ معك بأدلته في باب الربا، فارجع إليه. وكل ما يقال في الدراهم والدنانير يقال في العملات الرائجة الآن، والتساوي بينها حسب نوعها المتعامل به. ٢ - التنجير في العقد: فيشترط في عقد الصرف استبعاد الأجل في العوضين أو أحدهما فلو قال: اصرف لي ديناراً بعشرة دراهم، على أن أعطيك الدينار بعد ساعة، فقال له: صرفت لك، وقال الأول: قبلت، لم يصح العقد. ودلّ على اشتراط عدم التأجيل - بالإضافة إلى ما سبق في باب الربا - ما رواه البخاري ومسلم واللفظ له - عن أبي المنهال قال: باع شريك لي ورقاً بنسيئة إلى الموسم، أو إلى الحج، فجاء إليّ فأخبرني، فقلت: هذا أمر لا يصلح قال: قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك عليّ أحد. فأتيت البراء بن عازب فسألته، فقال: قدمَ النبي ﷺ المدينة ونحن نبيع هذا البيع، فقال: " ما كان يداً بيد فلا بأس به " وما كان نسيئة فهو رباً " وائت زيد بن أرقم، فإنه أعظم تجارة مني. فأتيته، فسألته فقال مثل ذلك. وفي لفظ لدى البخاري ومسلم: سألت البراء بن عازب عن الصرف؟ فقال: سَلْ زيد ابن أرقم، فهو أعلم، فسألت زيداً، فقال: سَلِ البراء فإنَّه أعلمُ. ثم قالا: " نهى رسول الله ﷺ عن بيع الورق بالذهب ديناً " (البخاري: البيوع، باب: بيع الورق بالذهب نسيئة، رقم: ٢٠٧٠ ومسلم: المساقاة باب: النهي عن بيع الورق بالذهب ديناً، رقم: ١٥٨٩). [الورق: الفضة. نسيئة: أي ديناً إلى أجل].

стр. 1127

٣ - التقابض في مجلس العقد: وذلك بأن يسلم كل من المتعاقدين البدل الذي في يده للآخر في مجلس العقد قبل التفرّق، سواء أكان البدلان جنساً واحداً كالذهب بذهب أو فضة بفضة، أم كانا جنسين مختلفين كذهب بفضة. والمراد بالتقابض هنا التقابض الفعلي، فلا بدّ من أن يسلم كل من المتعاقدين ما في يده بحيث يقبضه الآخر، فلو خلّى بينه وبينه ولم يقبضه إياه لم يصح، لأن الشرط القبض الكامل، والتخلية ليست قبضاً كاملاً. والمراد بالمجلس هنا مجلس الأبدان، وبالتفرّق تفرّق الأبدان، فلو تماشيا معاًً في جهة واحدة لم ينقطع المجلس، حتى يذهب كل منهما في جهة. فإذا افترقا بأبدانهما ولم يقبض أحدهما البدل الذي في يده للآخر لم يصحّ العقد، وكان باطلاً. ودلّ على اشتراط التقابض قوله ﷺ " ولا تبيعوا منها غائباً بناجز " والناجز الحاضر، وقوله " إلا هاءَ وهاءَ " أي خذ وخذ. وقد مرّ هذا عند الكلام عن أنواع الربا. وروى مالك مثله عن عمر ﵁ موقوفاً، وفيه زيادة " وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تُنْظرْه " إني أخاف عليكم الرّماء " (الموطأ: البيوع، باب: بيع الذهب بالفضة تيراً وعيناً (١): ٢/ ٦٣٢). [والرماء: هو الربا. يلج: يدخل]. وعن مالك بن أوس بن الحدثان: أنه التمس صرفاً بمائة دينار، قال: فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضْنا حتى اصْطَرَف منِّي، وأخذ الذهب يقلِّبُها في يده ثم قال: حتى يأتيَنِي خازني من الغابَةِ وعمر بن الخطاب يسمع، فقال عمر: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه. ثم قال: قال رسول الله ﷺ : " الذهب بالوَرِق رباً إلا هاءَ وهاءَ، والبُرّ بالبُرّ إلا هاءَ وهاءَ والتمرُ بالتمر إلا هاء وهاء، والشعيرُ بالشعير رباً إلا هاءَ وهاءَ (البخاري: البيوع، باب: بيع الشعير بالشعير، رقم: ٢٠٦٥.

стр. 1128

ومسلم المساقاة:، باب الرف وبيع الذهب بالورق نقداً، رقم: ١٥٨٦. ومالك في الموطأ: البيوع باب: ما جاء في الصرف: ٢/ ٦٣٦. واللفظ لمالك رحمه الله تعالى). وبهذا يُعلم أن ما يجري بين الكثير من الناس من عقود صرف - أي بيع العملات بعضها ببعض - بدون تقابض، وربما كان بالهاتف، فهي عقود باطلة، والكسب بها كسب خبيث. استبدال بدل الصرف بغيره أو التصرف به قبل قبضه: لا يصحّ استبدال بدل الصرف بغيره قبل قبضه، فلو تصارفا مائة درهم من فضة مثلاً بسوار من ذهب، وقبل أن يقبض كل منهما أو أحدهما البدل من الآخر استبدل بما استحقه من بدل شيئاً آخر، فإنه لا يصحّ ذلك، لأنه لم يحصل التقابض في البدلين اللذين جرى عليهما التعاقد. فإذا ردّ ما استبدل به بدل الصرف في نفس المجلس، وقبض البدل الذي جرى عليه التعاقد قبل التفرق، صحّ العقد. وكذلك ليس لأحد المتعاقدين التصرّف بما استحقه من بدل قبل قبضه، كأن يبيعه أو يهبه، لأن في ذلك تفويتاً للقبض الذي هو شرط صحة عقد الصرف. وبهذا يتبين - أيضاً - بطلان ما يجري من تبايع للنقد، من مُشترٍ إلى مشترٍ آخر .. وهكذا، دون أن يقبض أحدهما ما باعه ممن اشتراه منه، بل ربما حصل التبايع من واحدٍ لآخر ولثالث على الهاتف، فكل هذه العقود باطلة، والكسب بها كسب خبيث. ٤ - أن يكون العقد باتاً: أي ليس فيه شرط الخيار لأحد المتعاقدين أو لهما، فلو تصارفا على أنهما - أو أحدهما - بالخيار يوماً أو يومين، أو أكثر أو أقل، لم يصحّ الصرف، لأن الشرط صحته التقابض كما علمت، والخيار يمنع ثبوت الملك، فينعدم التقابض حقيقة بانعدام المالك، فلم يصحّ الصرف لعدم تحقق شرط من شروطه. خيار الرؤية وخيار العيب: عقد الصرف يصحّ على مُعَيَّنَيْن، كما لو قال: بعتك أو صارفتك هذا الدينار

стр. 1129

بهذه الدراهم. وعلى موصوفين في الذمة، كما لو قال: بعتك عقْداً من الذهب صفته كذا في ذمتي بمائة غرام من الذهب في ذمتك، أو بسوار من الفضة يصفه له الآخر في ذمته، فإن ذلك جائز إذا أخرجا البدلين وتقابضا قبل التفرّق على ما علمت. وعلى هذا: فللعاقد الذي لم يرَ البدل الذي تعاقد عليه أن يأخذه حين يخرج له ويراه، وأن يردّه إن وجد على غير الصفة التي وصف بها، ويلزمه قبوله إن وجد على الصفة التي وصف به. وكذلك إذا قبض كل من المتصارفين بدله من الآخر، سواء أكان معيناً أم موصوفاً في الذمة، ثم وجد فيه عيباً: فله ردّه بالعيب وفسخ الصرف واسترداد ما دفعه للآخر من بدل. وله الرضا به وإمضاء العقد وعدم فسخه. وبهذا يعلم أن خيار الرؤية وخيار العيب يثبتان في عقد الصرف ولا يمنعان من صحته، لأنهما لا يمنعان من الملك، فلا يمنعان من التقابض الذي هو شرط صحة هذا العقد.

стр. 1130

البَاب الخَامس القرض

стр. 1131

القرض تعريفه: هو في اللغة: القطع، قال في " المصباح المنير ": (قرضت الشيء قرضاً قطعته. ويطلق اسماً على ما تعطيه غيرك من المال لتُقضاه، وسمي بذلك لما فيه من قطع يد مالكه عنه). وهو في اصطلاح الفقهاء: تمليك شيء مالي للغير على أن يردّ بدله من غير زيادة. وسمي قرضاً، لأن المقرض يقطع جزءاً من ماله ليعطيه إلى المقترض، ففيه معنى القرض الغوي. ويسميه أهل الحجاز سلفاً، ولذلك يصحّ بلفظ أسلفت، كما سيأتي. مشروعيته: القرض جائز ومشروع، ويجوز سؤاله لمحتاجه ولا نقص عليه، بل وهو مندوب إليه في حق من سُئِلَه. دل على ذلك الكتاب وصريح السنّة وإجماع الأُمة: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ البقرة ٢٤٥. والقرض لله تعالى يتناول الصدقات كما يتناول القرض للعباد.

стр. 1132

وأما السنة: - فما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يتقاضاه دَيْناً كان علْيه، فاشْتَدَّ عليه حتّى قال له: أُحَرَّجُ عليك إلاّ قضَيْتني. فاْنَتَهرهُ أصحابُه وقالوا: ويْحَكَ، تدري مع من تَكَلَّمَ؟ قال: إني اطلبُ حقي. فقال النبي ﷺ : " هلا مع صاحب الحق كنتم " ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: " إن كان عندَك تمرّ فأقرضينا حتى يأتينا تَمْر فنقضيك " فقالت: نعم، بأبي أنت يا رسولَ الله. قال: فأقَرضته، فقضى الأعرابي وأطعمه، فقال: أوفيتَ أوفى الله لك. فقال " أولئك خيارُ النّاس، إنه لا قُدِّسَتْ أمّة لا يأخُذُ الضعيفُ فيها حقَّه غير مُتَعْتَع " (أخرجه ابن ماجه في كتاب الصدقات، باب: لصاحب الحق سلطان، رقم: ٢٤٢٦). [أُحّرج عليك: أضيِّق عليك؟ غير متعتَع: من غير أن يصيبه أذى يقلقه ويزعجه]. - ما رواه ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال " ما من مسلمٍ يُقْرضُ مسلماً قرضاً مرتين إلاّ كان كصدقَتها مَرَّةْ " (أخرجه ابن ماجه في الصدقات، باب: القرض، رقم: ٢٤٣٠. وابن حبّان: الزوائد: البيوع، باب: ما جاء في القرض، رقم: ١١١٥). - ما رواه أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " من أخذ أموال الناس يريدُ أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله " (أخرجه البخاري في الاستقراض وأداء الديون، باب: من أخذ أموال الناس .. ، رقم: ٢٢٥٧). وأما الإجماع: فإن الأمة لا تزال تتعامل به من عهد رسول الله ﷺ إلى عصرنا هذا، والعلماء يُقِرّونه، من غير أن ينكر ذلك واحد منهم. حكمة تشريعه: إن الحكمة من تشريع القرض واضحة جليّة، وهي تحقيق ما أراده الله تعالى من التعاون على البرّ والتقوى بين المسلمين، وتمتين روابط الأخوّة بينهم بالتنادي إلى مدّ يد العون إلى مَن ألمّت به فاقه أو وقع في شدة، والمسارعة إلى تفريج

стр. 1133

بعضهم كربة بعض، فلربما تلكأ الناس عن دفع المال على وجه الهبة أو الصدقة، فيكون القرض هو الوسيلة الناجحة في تحقيق التعاون وفعل الخير، والله ﵎ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الحج٧٧ ورسول الله ﷺ يقول: " المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة " (أخرجه البخاري في المظالم، باب: لا يظلم المسلم ولا يسلمه، رقم: ٢٣١٠. ومسلم في البرّ والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم، رقم: ٢٥٨٠). ويقول " والله في عَوْن العبد ما كان العبدُ في عون أخيه " (أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، رقم: ٢٦٩٩). وأبلغ حكمة لتشريع القرض هو القضاء على استغلال عوز المعوزين وحاجة المحتاجين، إذ الغالب أن المكلّف لا يقترض إلا وهو في حاجة، فإذا لم يكن القرض الحسن كان الربا وكان الاستغلال - كما هو الحال لدى مَن لا يتعاطون القرض الحسن - ولهذا جاء في الحديث أن أجر القرض يفوق أجر الصدقة. فقد روى أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوباً: الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر. فقلت: يا جبريل: ما بالُ القرض أفضلُ من الصدقة؟ قال لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرضُ لا يستقرض إلا من حاجة " (أخرجه ابن ماجه في الصدقات، باب: القرض، رقم: ٢٤٣١). حكم القرض من حيث الوصف الشرعي القائم به: مما سبق من أدلة على مشروعية القرض نعلم أنه مندوب في حق المُقْرض، مباح في حق المقترض. وهذا حكمه في حالته العادية، وقد تعتريه حالات يتغيّر فيها حكمه حسب الغرض الذي يقترض من أجله، فيكون: - حراماً: إذا أقرضه وهو يعلم أنه يقترض لينفق المال في محرم، كشرب خمر أو لعب قمار ونحو ذلك.

стр. 1134

- مكروهاً: إذ كان يعلم أن يفترض المال ليصرفه في غير مصلحة، أو ليبذخ فيه ويبدِّدَه. أو كان المستقرض يعلم من نفسه العجز عن وفاء ما يستقرضه. - واجباً: كأن يعلم أن المقترض يحتاج إليه لينفقه على نفسه وعلى أهله وعياله في القدر المشروع، لا طريق له لتحصيل هذه النفقة إلا اقتراضه منه. أركان القرض: للقرض أركان ثلاثة، وهي: صيغة، وعاقد، ومعقود عليه. ١ - الصيغة: وهي إيجاب وقبول، كأقرضتك واقترضت. ولا يشترط لفظ القرض، بل يصحّ بكل لفظ يؤدي معناه كأسلفتك وملكتكه ببدله وخذه بمثله، وقول المقترض: استلفت وتملّكته ببدله، ونحو ذلك. ويصحّ أيضاً بلفظ الماضي والأمر، كقوله: أقرضني وأسلفني، واقترض منّي واستلف، ونحوها، لما اعتاده الناس فيه من المسامحة. ولابدّ من الصيغة، أي الإيجاب من المقرض والقبول من المقترض، لأنها عنوان التراضي، وهو المبدأ الذي تقوم عليه العقود ولا تكفي المعاطاة، كأن يقول: أقرضني، فيعطيه المطلوب ويأخذه. ٢ - العاقد، وهو المقرض والمقترض، ويشترط فيهما: أ - الرشد، وهو الاتّصاف بالبلوغ والصلاح في الدِّين والمال، لأن القرض عقد معاوضة مالية، والرشد في العاقد شرط في صحة عقود المعاوضة، فلا يصحّ الإقراض ولا الاستقراض من صبي ولا مجنون ولا محجور عليه لسفه، لأن كلاً منهم غير جائز التصرّف في المال. ب - الاختيار: فلا يصحّ من مكرَهٍ لأن الإكراه يفقد الرضا. ج - أهلية التبرع في المقرض فيما يقرضه: لأن القرض فيه شائبة تبرع، فيجب أن يكون المقرض أهلاً له، فلا يصحّ من الولي أن يقرض من مال من تحت ولايته لغير حاجة أو ضرورة.

стр. 1135

٣ - المعقود عليه وهو المال المقرض محل القرض: لا تُُشترط في المال المقرض أن يكون مثلياً، بل يجوز قرض كل مال يُملك بالبيع، ويضبط بالوصف على وجه لا يبقى معه إلا تفاوت يسير، ويصح أن يُسْلَم فيه. وعلى هذا: يصحّ القرض في الدراهم والدنانير، والقمح والشعير، والبيض واللحم وغير ذلك من المثليات. ويصحّ القرض في الحيوانات والعقارات وغيرها من القيميات التي تنضبط بالوصف. ولا تثبت في الذمة، ففي صحة القرض فيها قولان: والأصح أنه لا يجوز، لأن ما لا ينضبط بالوصف يتعذر أو يعسر رد بدله. والدليل على ما ذكر: أ - حديث أبي رافع، مولى رسول الله ﷺ ورضي الله عنه: أن النبي ﷺ اسْتَلَفَ من رجل بَكْرَاًُ، فقدمت عليه إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضيَ الرجل بكره، فقال: لا أجد إلا خياراً رباعياً؟ فقال: " أعطه إياه فإن خيار الناس أحسنهم قضاءً ". (أخرجه مسلم في المساقاة، باب: من استلف شيئاً فقضى خيراً منه، رقم: ١٦٠٠. وأخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁ في الوكالة، باب: الوكالة في قضاء الديون، رقم: ٢١٨٣، مع اختلاف في بعض الألفاظ). [بكراً: البكر الفتي من الإبل. خياراً: مختاراً جيداً. رباعياً: هو ما أتى عليه ست سنين من الإبل ودخل في السابعة، وهو الذي طلعت رباعيته، وهي السِّنّ التي بين الثنية والناب، والثنية إحدى السِّنَّيْنِ اللتين في مقدمة الأسنان]. وواضح أن البكر ليس مثلياً، فدل ذلك على عدم اشتراط المثلية في المال المقَرض محل القرض. ب - أن ما أمكن ضبطه بالوصف يعطي حكم المثلي لشبهه به، فيصح القرض به لذلك.

стр. 1136

ويشترط في محل القرض: أ - أن يكون معلوم القدر عند القرض - كيلاً أو وزناً أو عدداً أو ذرعاً - ليتمكن من رد بدله فلو أقرضه دراهم لا يعلم عددها، أو طعاماً لا يعلم كيله أو وزنه، لم يصحّ القرض، وكذلك لو أقرضه مطبوخاً لم يصحّ القرض، لاختلاف كميته بالنضج وجهل مقدار نضجه. والعبرة في كون الشيء مكيلاً أو غيره تحديد الشرع، فإن لم يوجد فالمرجع العرف، على ما علمت في باب الربا. ب - أن يكون المال المقرض جنساً لم يختلط به غيره، لأن يتعذر في هذه الحالة رد بدله، ولاسيما إذا جهلت مقادير الخليط. فلا يجوز قرض قمح مخلوط بشعير، ولا لبن بماءٍ. اقتراض الخبز: أجاز العلماء اقتراض الخبز وزناً وعدداً، لجريان العرف بذلك في جميع العصور من غير إنكار. واستثنوا ذلك من منع ما اختلط بغيره وما لا ينضبط. حكم القرض من حيث الأثر الذي يترتب عليه: إذا صح القرض ترتب عليه حكمه، وهو: انتقال ملكية المال المقترَض من المقرض إلى المستقرض على وجه يلتزم معه بردّ بدله حال طلب المقرض له. وهل تنتقل هذه الملكية بقبض العين المستقرضة أو بالتصرف فيها؟ والقول الأصح: أن المستقرض يملك العين المستقرضة بالقبض، لأنه يجوز له التصرّف فيه بعد القبض باتفاق، فدل على ثبوت ملكيته له قبله، إذ لو لم يملكه بالقبض لما جاز له التصرّف فيه. وعلى هذا: إذا تم عقد القرض، وقبض المستقرض العين المستقرضة: فعلى قول: ليس للمقرض استردادها منه إلا برضاه، ولكن له استرداد بدله، لأنه الواجب بعقد القرض. والأصح: أن للمقرض الرجوع بالعين المستقرضة ما دامت باقية على حالها،

стр. 1137

ولم تتعلق بها حقوق لازمة للغير، ولا يمنع ذلك من القول بملكية المستقرض لها بالقبض. لأن للمقرض المطالبة ببدل المستقرَض عند فقده، فالمطالبة بعينه - إذا كان قائماً - أولى، لأنه أقرب منه، فيلزم المستقرض رده إذا طالب به المقرض. - أما إذا كانت العين قائمة، ولكنها لم تبق على حالها - كما لو كانت شاة فذبحت، أو حنطة فطحنت - أو تعلق بها حق زم للغير - كأن رهنها المستقرض - فليس للمقرض حق الرجوع بها واستردادها بعينها. أما لو أجر المستقرض العين المستقرضة فللمقرض الرجوع بها واستردادها، بخلاف الرهن، لأن للمرتهن حقاً لازماً يتعلق بالعين المرهونة، أما المستأجر فليس له ذلك. وكذلك له استردادها ولو زادت زيادة متصلة أو منفصلة، لأن المتصلة تبع للأصل، وأما المنفصلة: فإنها لا تمنع استرداد الأصل، وإن كان المستقرض يملكها، لأنها حصلت على ملكه. ولا خلاف أن للمستقرض ردّ عين القرض على المقرض، وليس للمقرض أن يطالبه برد بدله من مثل أو قيمة. والقول الثاني في وقت انتقال الملكية: إن المستقرض لا يملك المقال المقترَض إلا بالتصرّف المزيل للملك، كالهبة أو البيع أو الَهلاك أو الاستهلاك، لأن الملك يتبين به، ولأن للمقترض الرجوع بها قبل ذلك، كما أن للمستقرض أن يردّها، ولو ملكها المستقرض بالقبض لم يملك واحد منهما فسخ ذلك الملك، ولم يكن لهما حق الرد أو الاسترداد. وعلى هذا القول: للمقرض استرداد العين المستقرضة ما دامت في يد المستقرض - على النحو السابق - قولاً واحداً، لأنها ما زالت على ملكه، ولم تدخل في ملك المستقرض. وتظهر فائدة الخلاف بين القولين فيما إذا كان للمال المستقرض نفقة أو منفعة: - فعلى القول بثبوت الملك بالقبض يكون على المستقِرض نفقته، وله منفعته من حين القبض، ولو لم يتصرف فيه.

стр. 1138

- وعلى القول بثبوت الملك بالتصرف تكون نفقته على المقرض، وله منفعته من حين القبض على وقت التصرف. ما يجب رده بدل القرض: علمنا أن المال المقترض ينبغي أن يكون مثلياً أو أن يكون قيمياً ينضبط بالوصف، وعليه: فيجب ردّ المثل إذا كان محل القرض مالاً مثلياً وكان موجوداً، فإذا انعدم وجب ردُّ قيمته وإن كان محل القرض مالاً قيمياً وجب ردّ مثله صورة، كما لو اقترض شاة، فإنه يردّ شاة بدلها بنفس أوصافها، لحديث أبي رافع ﵁ الذي مرّ معنا، فإن رسول الله ﷺ أمره أن يقضي الرجل بكراً بدل بَكْره. وقيل: يجب ردّ القيمة في القيمي، لأن ما يضمن بالمثل إن كان له مثل يضمن بالقيمة إذا لم يكن له مثل. وعلى القول بوجوب القيمة: - فالواجب القيمة يوم القبض، على القول بأن العين المستقرَضة تُملك بالقبض، وهو الأصح. - وعلى القول بأنه يُملك بالتصرف: فالواجب أكثر القيم من يوم القبض إلى يوم التصرف. وإن اختلف المقرض والمقترض في قدر القيمة أو صفة المثل: فالقول قول المقترض مع يمينه، لأنه هو المدَّعي عليه الذي سيُغَرَّم القيمة أو المثل. متى يطالب بردّ بدل القرض؟ للمقرِض أن يطالب المستقرض بدفع المال المقترض في أي وقت شاء، بعد قبض المستقرض له، لأن حكم القرض - كما تقدم - يوجب على المستقرض ردّ المال المقترض حال طلب المقرض له، وكذلك: لأنه عقد يمتنع فيه التفاضل فامتنع فيه الأجل.

стр. 1139

وسواء في ذلك أحدِّد أجل معين في العقد للوفاء أم لم يحدَّد وسواء أوُجد في ذلك عُرْف معين أم لم يوجد. الشروط في القرض: قد يقترن عقد القرض بشروط، فبعض هذه الشروط تفسده، وبعضها يلغو ولا يؤثر على القرض، وبعضها يلزم الوفاء به، وإليك بيان ذلك: ١ - الشروط المفسدة: هي كل شرط ليس من ملائمات العقد، وفيه منفعة للمقرض، كما لو أقرضه بشرط ردّ زيادة في البدل، أو بشرط رد صحيح بدل مَعيب، أو بشرط أن يبيعه داره مثلاً. فمثل هذا الشرط فاسد ومفسد للعقد. لقوله ﷺ " كل قرضٍ ير منفعة فهو ربا (١) " قال في " مغني المحتاج ": وهو وإن كان ضعيفاً، فقد روى البيهقي معناه عن جمع من الصحابة. وذكر في " المهذَّب ": أنه روي عن أبي بن كعب وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن عباس ﵃ أنهم نَهْوا عن قرضٍ جر منفعة. والمعنى في هذا: أن موضوع القرض قائم على الإرفاق والعون للمقترض، فإذا شرط فيه المقرض لنفسه منفعة زائدة على حقه فقد خرج العقد عن موضوعه، ولم يؤدِّ غرضه، فلم يصح. وكذلك روى عبدالله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال " لا يحل سلف وبيع " (أخرجه الحاكم في المستدرك: البيوع، باب لا يجوز بيعان في بيع .. (٢/ ١٧)، وانظر زوائد ابن حبان: البيوع، باب: ما نهي عنه في البيع من الشروط وغيرها). وقد مّر معنا في تعريف القرض: أنه السف في لغة أهل الحجاز. هذا ومن المعلوم أن فساد العقد يعني بطلانه أصلاً، وأنه لا يترتب عليه شيء من الآثار.

стр. 1140

المنفعة أو الزيادة غير المشروطة: إذا ردّ المستقرض زيادة عن بدل القرض، أو قدم هدية للمقرض، دون أن يشرط المقرض ذلك في العقد ولم يجر به عرف، فما حكم ذلك؟ يُنظر: - فإن كانت تلك المنفعة المقدَّمة قبل وفاء بدل القرض: فالأولى التنزّه عنها إلا إذا كان تبادل تلك المنفعة معتاداً بينهما قبل القرض. لما روي عن أنس ﵁، وقد سئل: الرجل منّا يقرض أخاه المال، فيهدي إليه؟ فقال رسول الله ﷺ : " إذا أقْرَض أحدُكم قرضاً، فأهْدى إليه، أو حملَه على الدابَّةِ، فلا يَرْكَبْهُا ولا يَقْبَلْهُ، إلاَّ أنْ يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك ". (أخرجه ابن ماجه في الصدقات، باب: القرض، رقم: ٢٤٣٢). وكذلك تزول الكراهة إذا كافأه المقرض عليها. - وإذا كانت المنفعة المقدمة - من زيادة أو هدية أو غيرها - بعد وفاء القرض: فلا بأس بها، ولا يكره للمقرض أخذها، لانتهاء حكم القرض بالوفاء. بل يستحب للمستقرض أن يفعل ذلك، اقتداءً بفعله ﷺ ، وامتثالاً لأمره بحسن الوفاء، وهذا من حسن الوفاء. روى البخاري ومسلم عن جابر ﵁ قال: أتيتُ النبي ﷺ ، وكان لي عليه دينُ، فقضاني وزادني (البخاري في الاستقراض، باب: حسن القضاء، رقم٢٢٦٤. ومسلم في المساقاة، باب: بيع البعير واستثناء ركوبه). وقد مرّ بنا أمره ﷺ بإعطاء المقرض خياراً رباعياً بدل بَكْره، وقوله في ذلك: "فإن خيار الناس أحسنهم قضاءً ". وهذا إذا لم يجر عُرف بين الناس بردّ المستقرض زيادة عن بدل القرض أو تقديم منفعة للمقرض، وكذلك إذا لم يكن المستقرض قد تَعَوّد هذا وعرف به. فإن كان معتاداً في عُرف الناس، أو كان المستقرض معروفاً به: فالأوجه كراهة قبول هذه المنفعة، لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً. ٢ - الشروط اللاغية غير المفسدة للعقد: وهي كل شرط ليس من ملائمات العقد، ولكنه لا مصلحة فيه لأحد

стр. 1141

المتعاقدين، أو كان مصلحة للمستقرض، وذلك كما لو شرط عليه أن يردّ معيباً بدل صحيح، أو رديئاً بدل جيد، وكذلك لو شرط عليه أن يقرضه غيره. فمثل هذه لاغيه لا يلزم الوفاء بها. والأصح أنها لا تفسد العقد، لأن فيها تأكيداً لموضوعه وهو الإرفاق، إذ ليس فيها جرّ منفعة للمقرض، وإنما فيها جرّ منفعة للمقترض، فكأن المقرض يزيد في الإرفاق والعون للمقترض. شرط الأجل في القرض: ذكرنا أن للمقرض أن يطالب ببدل القرض متى شاء، سواء أَشُرط أجل في العقد أم لم يُشرط. وعليه: إذا شرط اجل في العقد فلا يلزم الوفاء به، ويعتبر لاغياً. وهل يؤثر على العقد؟ ينظر: - فإن كان في شرط الأجل غير للمقرض - كما لو كان الزمن زمن نهب، وشرط له أجلاً للوفاء يغلب على ظنه الأمن فيه - فإنه يفسد العقد، لما فيه من جر المنفعة للمقرض، فصار كشرط زيادة في العقد. - وإن لم يكن في شرط الأجل غير للمقرض فلا يفسد العقد، ولا يلزم الأجل على الصحيح، وإن كان يُندب الوفاء به، لأنه وعد بالإحسان. ٣ - ما يلزم الوفاء به من الشروط: هي كل شرط فيه توثيق للعقد وإثبات للحق وتأكيد له. كما لو اشترط رهناً بمال القرض، أو كفيلاً، أو إشهاداً على العقد، أو إقراراً به عند حاكم، أو كتابة للدين. فإن ذلك كله جائز، ويحقّ للمقرض أن يشرطه، لأنه توثيق - كما قلنا - ولا زيادة فيه. ولقد روى البخاري عن أنس ﵁: ولقد رهن النبي ﷺ درعاً له بالمدينة عند يهودي، وأخذ منه شعيراً لأهله (البخاري: البيوع، باب: شراء النبي ﷺ بالنسيئة، رقم: ١٩٦٣). ويلزم المستقرض الوفاء بهذه الشروط، فإن لم يوف بها كان للمقرض أن يفسخ العقد.

стр. 1142

الباب السادس الهبة

стр. 1143

الهبَة تعريفها: هي في اللغة: العطية التي لم يسبقها استحقاق، وفيها نفع للمعطَى له. وبهذا المعنى تكون في الأعيان وغيرها. - فمن ورودها في الأعيان: قوله تعالى ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ (الشورى٤٩). وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء﴾ (إبراهيم٣٩). - ومن ورودها في غير الأعيان: قوله تعالى: ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾ (آل عمران٨). وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا﴾ (الأحزاب٥٠) أي يحلّ لك يا محمد ﷺ أن تتزوج بالمرأة المؤمنة التي فوّضت أمرها إليك، ورضيت أن تتزوجها بغير مهر، فيحلّ لك ذلك. قيل: أصل معناها من هبوب الريح، لما في ذلك من العطاء. وقيل: مَن هبَّ من نومه، إذا استيقظ، فكأن فاعلها استيقظ وانتبه للعطاء. وهي في الاصطلاح الشرعي: عقد يفيد تمليك العين بلا عوُض، حال الحياة، تطوعاً. أي إن عقد الهبة يرد على تمليك ذات الشيء الموهوب للموهوب له، دون

стр. 1144

أن يتوجب عليه ردّ بدل لهذا الشيء، فهو بهذا يختلف عن البيع الذي هو تمليك بعوض. وكذلك هذا التمليك يكون حال الحياة، وبهذا تختلف الهبة عن الوصية، التي هي تمليك بلا عوض، ولكن بعد الموت. كما تختلف الهبة عن الزكاة التي هي تمليك واجب على المزكّي، بينما الهبة تمليك على سبيل التطوع والتبرع. والهبة بهذا المعنى تشمل الهدية والصدقة، فإن كلاً منهما تمليك للعين بلا عوض في حال الحياة تطوعاً، وإن كان بين هذه الثلاثة شيء من الاختلاف في المعنى والحكم: - فالهبة: بالمعنى الذي سبق عامّةُ، سواء أكانت من غني لفقير أم لا، وقصد بها الثواب في الآخرة أم لا، نُقلت العين الموهوبة للموهوب أم لا. - أما الصدقة: فالظاهر أنها تمليك للمحتاج، تقرباً إلى الله تعالى وقصداً للثواب في الآخرة غالباً. - وأما الهدية: فالظاهر أنها تمليك لمن يرغب بالتقرّب والتحبّب إليه من الناس، وغالباً ما يكون مع ذلك نقل للموهوب إلى مكان الموهوب له. وهذا الفارق بين الصدقة والهدية يظهر في قوله ﷺ حين طلب أن يُطْعَم من اللحم - الذي رآه يطبخ وقيل له: إنه لحم تُصُدِّق به على بريرة فقال: " هو عليها صدقةُ، وهو لنا هديَّةّ " (أخرجه البخاري في الزكاة، باب: إذا تحولت الصدقة، رقم: ١٤٢٤. ومسلم في الزكاة باب: إباحة الهدية للنبي ﷺ ، رقم: ١٠٧٤) أي فقد اختلف القصد في العطاء، فاختلف الاسم والحكم. ولهذا المعنى كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويأكل منها، بينما كان لا يأكل من الصدقات. فقد روى البخاري ومسلم - واللفظ لمسلم - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أُتِىَ بطعام يسأل عنه: فإن قيل هدية أكل منها، وإن قيل صدقة لم يأكل منها. (البخاري: كتاب الهبة، باب: قبول الهدية، رقم: ٢٤٣٧. ومسلم في الزكاة، باب: قبول النبي ﷺ الهدية وردّه الصدقة، رقم: ١٠٧٧).

стр. 1145

- وكذلك لابدّ في الهبة من الإيجاب والقبول، كما سيأتي، بينما لا يشترط هذا في الصدقة أو الهدية: أما الصدقة: فما أكثر ما كان رسول الله ﷺ يتصدق، وكذلك أصحابه رضوان الله عليهم، ولم يُعهد أو يُنقل أنه كان يَجري إيجاب وقبول بين المتصدِّق ومن يتصدّق عليه. وأما الهدية: فقد ثبت أن الناس من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يتحرون بهداياهم يوم وجود رسول الله ﷺ عند عائشة ﵂. ولم يُنقل أنه كن يحصل إيجاب وقبول بينهم وبينها، أو بينهم وبينه (انظر البخاري: كتاب الهبة، باب: قبول الهدية، رقم، ٢٤٣٥. ومسلم: فضائل الصحابة، باب: في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها، رقم: ٢٤٤١). مشروعيتها: الهبة - بالمعنى العام الشامل الذي سبق بيانه - مستحبة ومندوب إليها، دلّ على ذلك: الكتاب، والسنّة، والإجماع. أما الكتاب: - فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ (النساء٤) أي إذا وهبكم أزواجكم شيئاً من مهورهن - بعد إعطائهنّ ذلك المهر حقاً مفروضاً لهنّ - وكانت نفوسهنّ راضية بتلك الهبة، فما وهبنه لكم كسب طيب حلال، فكلوه سائغاً لذيذاً، ولا حرج عليكم في أكله ولا مؤاخذة عليكم في أخذه. - ومنه قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (١) (البقرة١٧٧)

стр. 1146

فقد شملت الآية بالعطاء المحتاجين وغيرهم، وإعطاء المحتاجين صدقة، وإعطاء غيرهم هبة. وأما السنة: فإن الأحاديث في مشروعية الهبة كثيرة، سيأتي بعض منها خلال البحث، ومنها: - وما رواه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، كانت لهم منائحُ، وكانوا يمْنَحُون رسول الله ﷺ من ألبانِهم فيسقينا (البخاري: الهبة، باب: فضلها والتحريض عليها، رقم: ٢٤٢٨. مسلم في الزهد والرقائق، رقم: ٢٩٧٢). [والمنائح جمع منيحة، وهي العطية، والمراد بها هنا الناقة أو الشاة التي فيها لبن. ويمنحون: أي يجعلون ذلك منحة له، أي عطية]. - ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال " يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة " (البخاري في الهبة، باب: فضلها والتحريض عليها، رقم: ٢٤٢٧. ومسلم في الزكاة، باب: الحث على الصدقة ولو بالقليل، رقم: ١٠٣٠). [أي لا تستصغرن جارة شيئاً يتقدمه لها جارتها عطية وهبة، فتمتنع من قبوله، ولو كان المقدم والمعطى فرسن شاة، وهو ما دون الرسغ من يدها، وقيل: عظم قليل اللحم. أو المراد لا تستصغر ذلك فتمتنع عن هبته لجارتها، بل لتقدّمه لها، فإن في ذلك جلباً للمحبة والألفة]. - ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلى ذراع أو كراع لقبلت " (أخرجه البخاري في الهبة، باب: القليل من الهبة، رقم: ٢٤٢٩). [ذراع: هو اليد من كل حيوان. كراع: هو ما استدق من ساق الحيوان].

стр. 1147

وأما الإجماع: فقد اجمع فقهاء المسلمين في جميع العصور على استحباب الهبة بكل أنواعها لأنها من باب التعاون، والله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة٢). الهبة للأقارب: وإذا كانت الهبة مشروعة ومندوباً إليها، مطلقاً، فهي للأقارب أشد استحباباً وأكثر ندباً وأفضل ثواباً وأجراً، لما يكون فيها - إلى جانب البّر والتعاون - من صلة الرحم. وقد حثّنا الله تعالى في كتابه على صلة الرحم فقال سبحانه: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ (النساء١) أي اتقوا الأرحام من أن تقطعوها. وكذلك فعل رسول الله ﷺ إذ قال: " من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه " (أخرجه البخاري في البيوع، باب: من أحب البسط في الرزق، رقم: ١٩٦١. ومسلم في البر والصلة والآداب، باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها، رقم: ٢٥٥٧). [يُبسط له: يوسَّع عليه ويبارك له فيه. ينسأ له في أثره: يطيل الله عمره ويؤخر له فيه]. المكافأة على الهبة: ويستحب لمن وهب له شيء أن يكافئ الواهب على هبته إن تيسر له ذلك، اقتداءً برسول الله ﷺ ، فقد روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثبت عليها (أخرجه البخاري في الهبة، باب: المكافأة في الهبة، رقم: ٢٤٤٥) حكمة مشروعيتها: يهدف الإسلام لإقامة المجتمع المثالي المتكامل، الذي يقوم على أساس من المحبة والوّد، والصلة والقرْب. ولذا يشرع كل ما من شأنه أن يقوّي روابط القرب بين الأفراد، ويحقق التوادد والألفة بين الناس. والهبة من الوسائل الناجعة التي تحقق هذا المعنى، لما فيها من تعبير عن الإكرام والودّ والاحترام. والإنسان مفطور على حب من أكرمه وأحسن إليه، واظهر له ودّه واحترامه.

стр. 1148

وحديث رسول الله ﷺ صريح في هذا المعنى إذ يقول: " تهادَوْا تحابَّوا " (أخرجه مالك مرسلاً في كتاب حسن الخلق، باب: ما جاء في المهاجرة: ٢/ ٩٠٨) ويقول " تهادوا، فإنّ الهديَّة تُذْهبُ وحَرَ الصّدْر " أي غلَّه والحقد الذي قد يكون فيه. (أخرجه الترمذي في أبواب الولاء، باب: ما جاء في حثّ النبي ﷺ على التهادي، رقم: ٢١٣١). وحتى يتحقق هذا المعنى كاملاً نجد رسول الله ﷺ يحثّ من وُهِبَ له شيء أن يقبله ولا يردّه، لما في الرد على الواهب من إيذاء له، إذ قد يشعر باستصغاره وعدم الاكتراث به. وقد مرّ بك قوله ﷺ : " لا تحقرن جارة لجارتها ولو فْرِسِنَ شاة " وروى الإمام أحمد في مسنده: عن خالد بن عدي ﵁: أن النبي ﷺ قال: " من بلغه معروف عن أخيه، من غير مسألة ولا إشراف نفس، فليقبله ولا يردّه، فإنما هو رزق ساقه الله إليه ". (مسند أحمد: ٤/ ٢٢١). وإذا كان هناك سبب شرعي معتبر لعدم القبول ينبغي أن يبيِّنه، حتى لا يبقى في نفس الواهب شيء، كما فعل رسول الله ﷺ حين أُهدي له صيد وهو محرم. فقد أخرج البخاري ومسلم عن الصعب بن جثامة الليثي ﵁: أنه أهدى لرسول الله ﷺ حماراً وحشياً، وهو بالأبواء أو بودّان، فردّه عليه، فلما رأى ما في وجهه، قال: " أما إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم " ( ... البخاري: الإحصار وجزاء الصيد، باب: إذا أهدى للمحرم حماراً وحشياً حياً لم يقبل، رقم: ١٧٢٩. ومسلم في الحج، باب: تحريم الصيد للمحرم، رقم: ١١٩٣). [حماراً وحشياً: هو الحمار المخطط المعروف، وهو من الأنعام المأكولة اللحم. الأبواء وودّان: اسما موضعين بين مكة والمدينة. ما في وجهة: أي من الحزن والكراهية لردّه ﷺ ، لأنه قد يكون سبب غضب منه وعدم رضا عنه. حرم: محرومون: يمتنع علينا أخذ ما صِيدَ لنا]. أركان الهبة وشروطها: للهبة أركان ثلاثة، وهي: عاقدان، وصيغة، وموهوب. ولكلَّ من هذه الأركان شروطها نبينها فيما يلي:

стр. 1149

١"- العاقدان: وهما الواهب والموهوب له: ويشترط في الواهب: أن يكون مالكاً للموهوب، وأن يكون أهلاً للتبرع، مطلق التصرف في ماله، فلا تصحّ هبة ما لا يملكه، كما لا تصح هبة الصغير والمجنون، لأنها ليسا أهلاً للتبرع ولا يملكانه، لأنه ضرر محض. ولهذا لا يملك وليُّهما أيضاً هبه شيء من مالهما، لأنهما تبرع لا يقابله نفع دنيوي، فهي لذلك ضرر محض لا يملكه الولي، لأن ولايته قاصرة على وجوه النفع لمن تحت ولايته. وكذلك لا تصحّ الهبة من المحجور عليه في ماله، لسفه أو فلس. ويشترط في الموهوب له: أن يكون أهلاً لتملك ما وهب له، فتصح الهبة لكل إنسان مولود، وغير المكلف - كالصبي والمجنون - يقبل عنه وليّه. ولا تصح الهبة للحمل لأنه لا يملك ملكاً اختيارياً. ٢"- الصيغة: وهي الإيجاب والقبول: فمن الإيجاب أن يقول: وهبتك، ونحلتك، وملّكتك بلا ثمن، وأعطيتك. وكذلك: أطعمتك هذا الطعام، وجعلت هذا الثواب لك. فهذه ألفاظ بعضها صريح في الهبة لاستعمالها فيها، وبعضها يجري مجري الصريح لدلالته على التمليك في الحال بلا عوض، وهو معنى الهبة. فهذه الألفاظ لا تحتاج إلى نيّة، ولو ادّعى قائلها وعدم إرادة الهبة به فلا يُصدق بدعواه. وهناك ألفاظ في الإيجاب ليست صريحة في الهبة ولا تجري مجرى الصريح فيها، وفتحتاج إلى نيّة مثل قوله كسوتك هذا الثوب، وحملتك على هذه الدابة، فمثل هذه الألفاظ كناية في الهبة، فإن نواها انعقدت بها، وإن قال: لم أرد بها الهبة صدق في ذلك وكانت عارية وإنها تحتمل العارية وتصلح لها، كما تحتمل الهبة. ولو قال: منحتك هذا الشيء، أو هذا الشيء لك منحه، فهو هبة، لأن هذا اللفظ مستعمل في الهبة صراحة. وأما القبول فأن يقول: قبلت، أو رضيت، أو اتهبت.

стр. 1150

ويشترط في الصيغة: ١ - اتصال القبول بالإيجاب، بحيث لا يفصل بينهما فاصل معتبر عرفاً. ٢ - عدم تقيدها بشرط: كان يقول: إن قدم زيد فقد وهبتك هذا الثوب، لأن الهبة تمليك، والتمليكات لا تحتمل التعليق بما له خطر الوجود والعدم، فلم يصحّ الإيجاب. ٣ - عدم تقيدها بوقت: كوهبتك هذا الكتاب شهراً أو سنة، لأنه شرط منافٍ لمقتضى العقد، الذي هو التمليك المطلق للحال. العمري والرقبي ١ - العمري: مأخوذة من العُمُر، وهي أن يقول الواهب للموهب له: أعمرتك هذه الدار، أو جعلت هذه الدار لك عمري، أو عمَرك، أو حياتك أو حياتي، فإذا متّ فهي لورثتي. وهذه صيغ من صيغ الهبة كما ترى، ولكنها مقيدة بوقت وهو عمر الواهب أو الموهوب له. وقد علمت أن من شرط صيغة الهبة عدم التقييد بوقت، ومع ذلك فالهبة صحيحة والشرط باطل ولاغٍ، استثناء من المنع السابق، لما صحّ في ذلك من أحاديث عن رسول الله ﷺ . فقد روى البخاري ومسلم: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((العمرى جائزة)). ورويا أيضاً عن جابر ﵁ قال: قضى النبي ﷺ بالعمري أنها لمن وهبت له، وفي رواية عند مسلم: قال رسول الله ﷺ ((العُمري لمن وهبت له)). (أنظر البخاري: الهبة، باب: ما قيل في العمري والرقبي ومسلم: الهبات، باب: العمري). وروى مسلم أيضاً عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((أمسكوا عليكم أموالكم ولا تُفْسدُوها، فإنَّه من أعْمَرَ عُمْري فهي للذي أعمرها، حياً وميتاً، ولا عقبه)) (مسلم: الهبات، باب: العمري).

стр. 1151

قال النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم: (المراد به إعلامهم أن العمري هبة صحيحة ماضية، يملكها الموهوب له ملكاً تاماً لا يعود إلى الواهب أبدأ، فإذا علموا ذلك: فمن شاء أعمر ودخل على بصيرة، ومن شاء ترك لأنهم كانوا يتوهمون أنها كالعارية ويرجع فيها). ٢ - الرقبي: وهي أن يقول الواهب لغيرة: داري لك رقبي، أو: أرقبتك هذه الدار، أو: جعلتها رقبي. ومعناها: إن متَّ قبلي عادت إليّ، وإن مت قبلك استقرت لك. فهي مأخوذة من الرقوب والترقب وهو الانتظار، لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه وينتظره. وهذه الصيغة أيضاً من صيغ الهبة المعتبرة شرعاً، رغم تقييدها بشرط فهي هبة صحيحة، والشرط لاغٍ، لورود السنّة بصحتها كالعمري. روى جابر ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: ((العُمْرَي جائزةّ لأهْلها والرُّقْبي جائزة لأهلها)): أي نافذة وماضية. (أخرجه الترمذي في الأحكام، باب: ما جاء في الرقبي، رقم: ١٣٥١، وقال: هذا حديث حسن. وأبو داود في البيوع، باب الرقبي، رقم: ٣٥٥٨. وإبن ماجه في الهبات، باب: الرقبي، رقم: ٢٣٨٣). وهذا استثناء أيضاً من بطلان الهبة المقيدة بشرط كما علمت. جاء في ((مغني المحتاج)): قال السبكي: وصحة العمرى والرقبي بعيد عن القياس، لكن الحديث مقدَّم على كل أصل وكل قياس. ٣"- الموهوب: الركن الثالث من أركان الهبة محل العقد وهو الموهوب، والقاعدة في هذا أن ما جاز بيعه جازت هبته، ومنها تستخرج شروط الموهوب، وهي: أأن يكون موجوداً وقت الهبة: فلا تصح هبة ما كان مفقوداً حال العقد، لأن مقتضي الهبة التمليك للحال , وتملك المعدوم على هذا مُحال، فتبطل الهبة. ومثاله: ما لو وهبة ما ستثمر نخيله هذه العام، أو ما ستلد أغنامه هذه السنة. ومثل المفقود حقيقة المفقود حكماً، كما لو وهبه ما في بطن هذه الشاة

стр. 1152

أو ما ضرعها، فلا تصح الهبة وإن سلطه على القبض عنده الولادة والحلب، لأنه لا وجه لتصحيح الملك للحال لأن اللبن والحمل في حكم المفقود حال العقد، لاحتمال وجودة وعدمه، لأن انتفاخ البطن قد يكون للحمل وغيره، وكذلك انتفاخ الضرع قد يكون باللبن وبغيره. ولا وجه لتصحيح الملك بالإضافة إلى ما بعد الحدوث، لأن التمليك بالهبة مما يحتمل الإضافة إلى الوقت. ب أن يكون مالاً متقوماً: فلا تصح هبة الميتة، ولا الدم، ولا الخنزير ولا الخمر، ولا صيد المحرم أو الحَرَم، لأن هذه الأشياء ليست أموالاً متقوّمة شرعاً. ت أن يكون مملوكاً للواهب: فلا تصح هبة ما ليس مملوكاً بنفسه كالمباحات (١) كما لا تصح هبة مال غيرة بغير إذنه، لأن الهبة تمليك، وتمليك ما ليس بمملوك محال. هبة ما كان مشغولاً بغيرة أو متصلاً به: حسب القاعدة السابقة: أن ما جاز بيعه جازت هبته، ينظر: -فإن كان الموهوب المتصل بغيره يمكن تمييزه عنه دون إلحاق ضرر به، ولا غرر في هذا، صحت الهبة فيه، يجوز بيعه. كما لو وهبه ذراعاً من أرض أو ثوب لا تنقص قيمته بقطعة منه. ـ وإن كان الموهوب المتصل بغيره لا يمكن تمييزه عنه إلا بضرر، كما لو وهبه نصف سيفه، أو كان في تمييزه عسر أو كان في ذلك غرر، كما لو وهبه الصوف على ظهر الغنم، فإنه يعسر تمييزه الموهوب عن غيره، لأنه ينبغي جزّه من أصله، وهو غير ممكن، وكذلك قد يحدث شعر جديد، فيختلط بالذي كان حال الهبة، ولا يمكن تمييزه، ويكون في ذلك غرر أيضاً، فلا تصح الهبة لأن بيع ذلك غير صحيح.

стр. 1153

فإذا وهبه ثمراً على رأس الشجر: فإن كان مما يغلب تلاحقه واختلاط حادثة بالموجود فلا يصح، لتعذر تمييزه. وإن لم يكن كذلك فإنه يصح. هذا فيما كان متصلاً بغيره. أما إن كان مشغولاً بغيره، كدار فيها متاع للواهب أو دابة عليها حمل له، أو شجر عليه ثمر، فإن هبة ذلك كله جائزة وصحيحة، لأن تمييز الموهوب على غيره ممكن، ولا عصر فيه ولا ضرر ولا غرر. ولأن بيع ذلك جائز وصحيح. هبه المشاع وذلك: بأن يكون لإنسان حصة غير معينه في شيء، فيهبها لآخر. أو يكون مالكاً لشيء فيهبه لأثنين أو أكثر. فالهبة جائزة وصحيحة، ويكون القبض في الموهوب بقبض الموهوب له جميع العين، فيستوفي حقه بمقدار حصته منها، ويكون باقيها أمامها في يده كالوديعة والحجة بهذا: أ- ما رواه البخاري ومسلم عن أبي قتادة ﵁ قال: كنت يوماً جالساً مع أصحاب النبي ﷺ في منزل في طريق في مكة، ورسول الله ﷺ نازل أمامنا، والقوم محرمون وأنا غير محرم، فأبصروا حماراً وحشياً، وأنا مشغول أخصف نعلي فلم يؤذنني به، وأحبّوا لو أني أبصرته، والتفت فأبصرته، فقمت إلى الفرس فأسرجته، ثم ركبت ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، فقالوا: لا والله لا نعينك عليه بشيء فغضبت فنزلت فأخذتهما، ثم ركبت فشددت على الحمار فعقرته، ثم جئت به وقد مات، فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنهم شكّوا في أكلهم إياه وهم حُرُم، فرحنا، وخبأت العضد معي، فأدركنا رسول الله ﷺ ، فسألناه عن ذلك، فقال: (معكم منه شيء؟ ) فقلت: نعم، فناولته العضد، فأكلها حتى نفدها، وهو محرم (البخاري: الهبة، باب، من استوهب من أصحابه شيئاً، رقم: ٢٤٣١. ومسلم: الحج، باب: تحريم الصيد للمحرم، رقم: ١١٩٦). فهذا الحديث دليل على جواز هبة المشاع، لأن أبا قتادة هو الذي ملك الصيد، ووهب أصحابه حصصاً شائعة منه، وأقراهم رسول الله ﷺ على فعلهم.

стр. 1154

ب - ما رواه مالك والنسائي وأحمد عن عمير بن سَلَمه الضمري عن البهريّ: أن رسول الله ﷺ خرج يريد مكة وهو محرم، حتى إذا كان بالروحاء، إذا كان بالروحاء، إذا حمارُ وحشي عقير، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: " دعُوهُ، فإنّه يُوشكُ أنْ يأتيَ صاحبُه " فجاء البهري وهو صاحبه، إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله شأنَكُمْ بهذا الحمار. فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر، فقسمه بين الرفاق. (انظر الموطأ: الحج، باب: ما يجوز للمحرم أكله من الصيد. والنسائي: مناسك الحج، باب: ما يجوز للمحروم أكله من الصيد). قالوا: وهذا الخبر صريح في صحة هبة المشاع، إذ وهب الواحدُ للجميع. ج - وقالوا أيضاً: القصد من الهبة التمليك، والملك يثبت في المشاع كما يثبت في المُفْرَز المقسوم، بدليل صحة بيعه. لزوم الهبة بالقبض: عقد الهبة لا يكمل ولا يلزم بمجرد الإيجاب والقبول، بل يبقى عقداً غير لازم من قبل الواهب، فيحقّ له الرجوع بالهبة والتصرف بالموهوب ما دام في يده. وعليه فلا يستقر ملك الموهوب للموهوب له إلا بعد القبض. فإذا حصل القبض بشروطه الآتية فقد تم عقد الهبة وكمل، وأصبح عقداً لازماً، واستقرت فيه ملكية الموهوب له للعين الموهوبة. والدليل على أن الهبة لا تملك ملكاً تاماً إلا بالقبض: أ - ما رواه الحاكم وصحح إسناده: أن رسول الله ﷺ لما تزوج أُم سلمة ﵂ قال لها: " إنّي أهديتُ إلى النجاشيِّ أوَاقاً من مسْك وحُلة، وإني لا أراه إلا قد مات، ولا أرى الهدية التي أهديت إليه إلا سترد، فإذا ردت إلى فهو أو لكن ". فكان كما قال، هلك النجاشي، فلما ردّت الهدية أعطى كل امرأة من نسائه أوقيَّة من ذلك المسك، وأعطى سائرَه أم سلمة، وأعطاها الحُلَْةَ. (المستدرك: كتاب النكاح، باب: حق الزوجة على الزوج ٢/ ١٨٨). فلو كانت الهبة تلزم بدون قبض - والهدية منها - لما رضي ﷺ برجوعها

стр. 1155

إليه، بل كان يردّها إلى ورثة النجاشي، لأنها تعتبر من تركته حينئذ. فقبوله ﷺ لردّها دليل على أنها لم تثبت ملكيتها للمُهدى له قبل قبضها. ب - ما رواه مالك في الموطأ: عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نَحَلَها جادَّ عشرينَ وَسْقا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال: والله - يا بُنَّيُه - ما من الناس أحد أحبَّ إلى غنى بعدي مْنك، ولا أعَزَّ عليَّ فقراً بعدي منك، وإني كنتُ نحلتك جادَّ عشرين وسْقاً، فلو كنت جددتيه، واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارثٍ، وإنّما هما أخواك وأُختاك، فاقتسموه على كتاب الله. قالت عائشة ﵂: فقلت: يا أبت، والله لو كان كذا وكذا بتركته، إنما هي أسماءُ، فمن الأُخرى؟ فقال أبو بكر: ذو بَطْن بنت خارجة، أراها جارية (١). [نحلها: أعطاها بلا عوض، وهي الهبة. جادّ عشرين وسقاً: أي ما يقطع منه هذا القدر، والوسق مكيال يتسع لما يزن (١٤٠) كيلوغرام تقريباً. بالغابة: موضع قريب من المدينة على طريق الشام. أعزّ: أشقّ وأصعب. احتزتيه: قبضتيه وجعلتيه في حوزتك. ذو بطن: الحمل الذي في بطنها. أُراها جارية: أظنها بنتاً]. وهذا صريح في أن الهبة لا تملك إلا بالقبض. ج - روى مالك أيضاً: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ما بال رجال يَنْحَلُونَ أبناءهم نحلاً ثم يمسكُونها، فإن مات ابن أحدهم قال: مالي بيدي لم أعطه أحداً، وإن مات هو قال: هو لابني، قد كنت أعطيته إياه؟ من نحل نحْلَةً، فلم يَحُزْها الذي نُحِلَها، حتى يكونَ إن مات لورثته، فهي باطلة (٢). شروط القبض: حتى يصح القبض وتلزم الهبة لابدّ من تحقق شروط فيه، وهي: أ - إذن الواهب: يشترط لصحة القبض أن يكون بإذن من الواهب، فلو

стр. 1156

قبضها الموهوب له قبل إذنه لم يصحّ القبض ولم تتم الهبة ولم تلزم. أي تبقى ملكية الموهوب للواهب، ويضمنه الموهوب له بقبضه بغير إذن. ويشترط أن يكون الإذن بالقبض صراحة، أو أن يُْقبض الواهب الموهوب بيده للموهوب له، سواء أكان ذلك في مجلس عقد الهبة أم بعده، وسواء أكان الموهوب في يد الموهوب له أم لا. فلو قبضه بلا إذن صريح أو إقباض لم يصح القبض، ولو رأى ذلك الواهب وسكت عنه. ب - أن لا يكون الموهوب مشغولاً بما ليس بموهوب، لأن الفراغ شرط صحة التسليم والقبض ولم يوجد. ولأن معنى القبض التمكّن من التصرّف في المقبوض، وهو لا يتحقق مع الشغل بغيره. فإذا فرغ الموهوب من الشغل بغيره وسلم صحّ القبض. وكذلك لو كان الموهوب متصلاً بغيره اتصال خلقه، كأرض فيها زرع، أو شجر عليه ثمر، فإذا ميز الموهوب عن غيره وسُلِّم صح القبض. وقد مرّ بك كلام نحو هذا في شروط الموهوب، وأنه يشترط فيه أن يكون متميزاً عن غيره غير متصل ولا مشغول به، على النحو الذي فُصِّل وبين. ج - أهلية القبض: يشترط فيمن يقبض الهبة أن يكون أهلاً للقبض، وهو البالغ العاقل، فلا يصح قبض الصبي والمجنون، لأن القبض من باب الولاية، وغير البالغ والعاقل لا ولاية له على نفس أو مال، فلا يصحّ قبضه. القبض بطريق النيابة: وهو القبض لمن لا يصحّ قبضه كالصبي والمجنون، فيشترط في صحة هذا القبض أن يكون للقابض ولاية على المقبوض له، أو عيلة: بأن يكون الصبي أو غيره في حجر وعيال من يقبض له، أي في رعايته وتربيته. ويجوز قبض الزوج عن زوجته الصغيرة بعد الزفاف، لأنها صارت في عياله. ويملك ذلك مع وجود وليّها على الصحيح ولو كان أباها، لأنه فوض أمورها إليه بزفافها، بخلاف ما قبل الزفاف، لأن هذا المعنى لم يحصل، ولأنها لم تدخل في عياله. وإذا وهب أحد من الأولياء شيئاً لمن تحت ولايته صحّت الهبة، وملكه

стр. 1157

الموهوب له بمجرد العقد، لأن الموهوب في قبض الولي فينوب عن قبض الهبة. ويكفي أن يعلم بما وهبه له، وإن أشهد على ذلك فهو أولى، تحرزاً من إنكاره لذلك فيما بعد، أو إنكار الورثة بعد موته. ومثل الأولياء مَن يكون الصبي وغيره في عياله وحجره ولو كان أجنبياً، فإنه إذا وهبه شيئاً ملكه بالعقد واعتبر وجود الموهوب في يده قبضاً له عن الهبة. حكم الهبة: إذا تم عقد الهبة، بتوفر شروطه: في الواهب والموهوب له والصيغة، والموهوب، وتم القبض للعين الموهوبة بشروطه السابقة، ترتب على ذلك حكم الهبة، وهو: ثبوت الملك للموهوب له في الموهوب من غير عوض. لأن الهبة تمليك العين بلا عوض - كما مرّ معنا - فكان حكمها ملك الموهوب من غير عوض. صفة حكم الهبة، وحكم الرجوع فيها: إن حكم الهبة الذي سبق ذكره يثبت على سبيل اللزوم، بمعنى أنه ليس للواهب أن يرجع بالهبة بعد ثبوت حكمها على النحو الذي سبق. ويستثنى من ذلك: هبة الأصل للفرع، فإن له حق الرجوع فيها بعد ثبوت حكمها. دلّ على ذلك: - قوله ﷺ : " العائدُ في هبته كالعائد في قيئه ". وفي رواية: " ليس لنا مثل السوء: الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه " (البخاري في الهبة، باب: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، رقم: ٢٤٧٨، ٢٤٧٩. ومسلم في الهبات، باب: تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض، رقم: ١٦٢٢). وجه الاستدلال بالحديث: أن الرجوع في القيء حرام، فكذلك ما شبه به وهو الرجوع بالهبة. وذكر الكلب في الرواية الأخرى مبالغة في الزجر والمنع. ويؤكد هذا أيضاً قوله: " ليس لنا مثل السوء " أي ليس هذا التصرّف من شأننا ولا خلقاً من أخلاقنا، أي فهو محرم علينا. - وقوله ﷺ : " لا يحل لرجل أن يعطي عطية، أو يهب هبة، فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده ". قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. (أخرجه

стр. 1158

الترمذي في الولاء، باب: ما جاء في كراهية الرجوع في الهبة , رقم: ٢١٣٣. وأبو داود في البيوع والإجارات، باب: الرجوع في الهبة، رقم: ٣٥٣٩). وقيس على الوالد سائر الأصل بهبته لفرعه: إذا خرج الموهوب من سلطانه وزال ملكه عنه، كما لو باعه أو وقفه أو وهبه لأحد وقبضه الموهوب له. أما لو أجره، أو وهبه لأحد ولم يقبضه الموهوب له، فإن ذلك لا يمنع الرجوع، لأنه ما زال في سلطانه، ولم يزل ملكه عنه. وكذلك إذا زاد الموهوب زيادة متصلة أو منفصلة، فإن هذا لا يمنع الرجوع، بل يرجع الواهب بالموهوب والزيادة المتصلة، كسمن دابة وحراثة أرض، لأن الزيادة المتصلة تبع للأصل. أما الزيادة المنفصلة، كالولد والثمرة، فإن كانت موجودة عند الهبة رجع بهاء وإن حدثت بعد الهبة فإنه لا يرجع بها بل تبقى للموهوب له، لأنها حدثت على ملكه. وكذلك لو وهبه دابة غير حامل، أو شجراً لا ثمر عليه، ثم حملت الدابة أو أثمر الشجر قبل الرجوع، فإنه لا يرجع بالحمل أو الثمر، ولو لم ينفصل عند الرجوع، وإنما يرجع بالأصل، وتبقى الثمرة ملكاً للموهوب له، لأنها معلومة، وقد حدثت على ملكه. ولو زال ملك الولد عن الموهوب، ثم عاد إليه بسبب آخر، كشراء أو هبة أو ميراث، لم يكن للوالد الرجوع فيه، لقيام تبدل سبب الملك مقام تبدل العين، فكأن الذي عاد غير عين الأول فلا حق له فيه. الهبة المطلقة والهبة بثواب: إذا وهب إنسان لآخر شيئاً، ولم يشترط في ذلك إثابة على هبته أو تعويضاً عنها، فإنه لا يستحق شيئاً من ذلك، ولا يلزم الموهوب له بالتعويض، لأنه الهبة المطلقة لا تقتضي إثابة ولا تعويضاً، سواء أكان الواهب أعلى من الموهوب له، أم مثله، أم دونه.

стр. 1159

وإن كانت الهبة بثواب، أي بشرط العوض، كأن يقول: وهبتك هذا على أن تثيبني كذا، أو وهبتك هذا الكتاب على أن تعوضني هذا الثوب، أو تهبني كذا، ونحوه، ينظر: فإن كان العوض المشروط معلوماً: صح العقد وكان بيعاً على الصحيح، نظراً للمعنى، فإنه عقد معاوضة بمال معلوم فيصح، كما لو قال: بعتك كذا بكذا، إذ العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني. ولذا تثبت فيه أحكام البيع، فيثبت فيه خيار المجلس، وخيار الشرط، والرد بالعيب، وغير ذلك من أحكام البيع. وإن كان العوض المشروط مجهولاً: كأن يقول: وهبتك هذا الكتاب على أن تعوضني ثوباً، دون بيان لهذا الثوب أو تعيين له، أو: على أن تعوضني شيئاً، فالعوض المشروط في هذه الحالة مجهول، فيكون العقد باطلاً، إذ لا يمكن اعتباره بيعاً لجهالة العوض، كما لا يمكن اعتباره هبة لذكر العوض، والهبة لا تقتضيه. التسوية في الهبة للأولاد وعطاياهم: المراد بالهبات والعطايا هنا غير النفقة الواجبة، فيستحب للوالد - إذا أراد أن يهب أولاده ويعطيهم - أن يسوّي بينهم في الهبة والعطاء ذكوراً كانوا أم إناثاً، كباراً أم صغاراً، وذلك تمتيناً للمحبة فيما بينهم. ويكره له أن يميز بينهم، وأن يفضل بعضهم على بعض، بزيادة أو خصوصية، لما يؤدي إليه ذلك من الحسد بينهم وبغض بعضهم بعضاً، وتفكك روابط الأسرة. روى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير ﵄ قال: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضي حتى تُشْهد رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، فقال: " أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ " قال لا، فقال النبي ﷺ " فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" قال: فرجع فرد عطيته (البخاري في الهبة، باب الإشهاد في الهبة، رقم: ٢٤٤٧. ومسلم في الهبات، باب: كراهية تفضيل بعض الأولاد في الهبة، رقم: ١٦٢٣).

стр. 1160

وهذا محل اتفاق بين العلماء، فقد أجمعوا على استحباب التسوية وإن اختلفوا في المراد منها وكيفيتها: فجمهور الشافعية والحنفية على أن المراد بها أن تعطى الأُنثى مثل ما يعطى الذكر لظاهر الحديث. ونقل عن محمد رحمه الله تعالى - من الحنفية - أن التسوية كقسمة الميراث، وإن كان نقل صاحب البدائع عنه ما يقتضي ظاهرة موافقة الجمهور وقال: وهو الصحيح. وحبذا لو أخذ الناس بهذا وعملوا به ولو كان قولاً مرجوجاً، إذا لكان منهم بعض الإنصاف لبناتهم، ولم ينكصوا على أعقابهم، ويعودوا إلى ما كان عليه أهل الجاهلية من حرمان الأُنثى من كل شيء، بحجة أن الذكر يتعب معهم، وأن ما يعطى للأنثى يذهب للغريب عن الأسرة، وهو زوجها وأولادها. وهذا إذا كانوا متساوين في الحاجة، أو لم يرضوا بالتفضيل، أما لو كان أحدهم أكثر حاجة من الآخرين أو رضي الآخرون بإعطائه زيادة، فلا بأس ولا كراهية بأن يخصّ بعضهم بزيادة عن غيره. ولو فضل الوالد بعض لده على بعض، أو أعطى بعضاً ومنع بعضاً، صحّت هبته، وملكها الولد الموهوب له، وإن كان الأب قد ارتكب مخالفة الشرع، وفعل غير المطلوب والمندوب. المساواة بين الوالدين في العطايا: من واجب الوالد البرّ بوالديه والإحسان لهما: قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ النساء٣٦. وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ الإسراء٢٣ والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة.
следующие страницы →