قبضها الموهوب له قبل إذنه لم يصحّ القبض ولم تتم الهبة ولم تلزم. أي تبقى ملكية الموهوب للواهب، ويضمنه الموهوب له بقبضه بغير إذن.
ويشترط أن يكون الإذن بالقبض صراحة، أو أن يُْقبض الواهب الموهوب بيده للموهوب له، سواء أكان ذلك في مجلس عقد الهبة أم بعده، وسواء أكان الموهوب في يد الموهوب له أم لا. فلو قبضه بلا إذن صريح أو إقباض لم يصح القبض، ولو رأى ذلك الواهب وسكت عنه.
ب - أن لا يكون الموهوب مشغولاً بما ليس بموهوب، لأن الفراغ شرط صحة التسليم والقبض ولم يوجد. ولأن معنى القبض التمكّن من التصرّف في المقبوض، وهو لا يتحقق مع الشغل بغيره. فإذا فرغ الموهوب من الشغل بغيره وسلم صحّ القبض.
وكذلك لو كان الموهوب متصلاً بغيره اتصال خلقه، كأرض فيها زرع، أو شجر عليه ثمر، فإذا ميز الموهوب عن غيره وسُلِّم صح القبض. وقد مرّ بك كلام نحو هذا في شروط الموهوب، وأنه يشترط فيه أن يكون متميزاً عن غيره غير متصل ولا مشغول به، على النحو الذي فُصِّل وبين.
ج - أهلية القبض: يشترط فيمن يقبض الهبة أن يكون أهلاً للقبض، وهو البالغ العاقل، فلا يصح قبض الصبي والمجنون، لأن القبض من باب الولاية، وغير البالغ والعاقل لا ولاية له على نفس أو مال، فلا يصحّ قبضه.
القبض بطريق النيابة:
وهو القبض لمن لا يصحّ قبضه كالصبي والمجنون، فيشترط في صحة هذا القبض أن يكون للقابض ولاية على المقبوض له، أو عيلة: بأن يكون الصبي أو غيره في حجر وعيال من يقبض له، أي في رعايته وتربيته.
ويجوز قبض الزوج عن زوجته الصغيرة بعد الزفاف، لأنها صارت في عياله. ويملك ذلك مع وجود وليّها على الصحيح ولو كان أباها، لأنه فوض أمورها إليه بزفافها، بخلاف ما قبل الزفاف، لأن هذا المعنى لم يحصل، ولأنها لم تدخل في عياله.
وإذا وهب أحد من الأولياء شيئاً لمن تحت ولايته صحّت الهبة، وملكه
стр. 1157
الموهوب له بمجرد العقد، لأن الموهوب في قبض الولي فينوب عن قبض الهبة. ويكفي أن يعلم بما وهبه له، وإن أشهد على ذلك فهو أولى، تحرزاً من إنكاره لذلك فيما بعد، أو إنكار الورثة بعد موته.
ومثل الأولياء مَن يكون الصبي وغيره في عياله وحجره ولو كان أجنبياً، فإنه إذا وهبه شيئاً ملكه بالعقد واعتبر وجود الموهوب في يده قبضاً له عن الهبة.
حكم الهبة:
إذا تم عقد الهبة، بتوفر شروطه: في الواهب والموهوب له والصيغة، والموهوب، وتم القبض للعين الموهوبة بشروطه السابقة، ترتب على ذلك حكم الهبة، وهو: ثبوت الملك للموهوب له في الموهوب من غير عوض. لأن الهبة تمليك العين بلا عوض - كما مرّ معنا - فكان حكمها ملك الموهوب من غير عوض.
صفة حكم الهبة، وحكم الرجوع فيها:
إن حكم الهبة الذي سبق ذكره يثبت على سبيل اللزوم، بمعنى أنه ليس للواهب أن يرجع بالهبة بعد ثبوت حكمها على النحو الذي سبق.
ويستثنى من ذلك: هبة الأصل للفرع، فإن له حق الرجوع فيها بعد ثبوت حكمها. دلّ على ذلك:
- قوله ﷺ : " العائدُ في هبته كالعائد في قيئه ". وفي رواية: " ليس لنا مثل السوء: الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه " (البخاري في الهبة، باب: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، رقم: ٢٤٧٨، ٢٤٧٩. ومسلم في الهبات، باب: تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض، رقم: ١٦٢٢).
وجه الاستدلال بالحديث: أن الرجوع في القيء حرام، فكذلك ما شبه به وهو الرجوع بالهبة. وذكر الكلب في الرواية الأخرى مبالغة في الزجر والمنع.
ويؤكد هذا أيضاً قوله: " ليس لنا مثل السوء " أي ليس هذا التصرّف من شأننا ولا خلقاً من أخلاقنا، أي فهو محرم علينا.
- وقوله ﷺ : " لا يحل لرجل أن يعطي عطية، أو يهب هبة، فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده ". قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. (أخرجه
стр. 1158
الترمذي في الولاء، باب: ما جاء في كراهية الرجوع في الهبة , رقم: ٢١٣٣. وأبو داود في البيوع والإجارات، باب: الرجوع في الهبة، رقم: ٣٥٣٩).
وقيس على الوالد سائر الأصل بهبته لفرعه: إذا خرج الموهوب من سلطانه وزال ملكه عنه، كما لو باعه أو وقفه أو وهبه لأحد وقبضه الموهوب له.
أما لو أجره، أو وهبه لأحد ولم يقبضه الموهوب له، فإن ذلك لا يمنع الرجوع، لأنه ما زال في سلطانه، ولم يزل ملكه عنه.
وكذلك إذا زاد الموهوب زيادة متصلة أو منفصلة، فإن هذا لا يمنع الرجوع، بل يرجع الواهب بالموهوب والزيادة المتصلة، كسمن دابة وحراثة أرض، لأن الزيادة المتصلة تبع للأصل.
أما الزيادة المنفصلة، كالولد والثمرة، فإن كانت موجودة عند الهبة رجع بهاء وإن حدثت بعد الهبة فإنه لا يرجع بها بل تبقى للموهوب له، لأنها حدثت على ملكه.
وكذلك لو وهبه دابة غير حامل، أو شجراً لا ثمر عليه، ثم حملت الدابة أو أثمر الشجر قبل الرجوع، فإنه لا يرجع بالحمل أو الثمر، ولو لم ينفصل عند الرجوع، وإنما يرجع بالأصل، وتبقى الثمرة ملكاً للموهوب له، لأنها معلومة، وقد حدثت على ملكه.
ولو زال ملك الولد عن الموهوب، ثم عاد إليه بسبب آخر، كشراء أو هبة أو ميراث، لم يكن للوالد الرجوع فيه، لقيام تبدل سبب الملك مقام تبدل العين، فكأن الذي عاد غير عين الأول فلا حق له فيه.
الهبة المطلقة والهبة بثواب:
إذا وهب إنسان لآخر شيئاً، ولم يشترط في ذلك إثابة على هبته أو تعويضاً عنها، فإنه لا يستحق شيئاً من ذلك، ولا يلزم الموهوب له بالتعويض، لأنه الهبة المطلقة لا تقتضي إثابة ولا تعويضاً، سواء أكان الواهب أعلى من الموهوب له، أم مثله، أم دونه.
стр. 1159
وإن كانت الهبة بثواب، أي بشرط العوض، كأن يقول: وهبتك هذا على أن تثيبني كذا، أو وهبتك هذا الكتاب على أن تعوضني هذا الثوب، أو تهبني كذا، ونحوه، ينظر:
فإن كان العوض المشروط معلوماً: صح العقد وكان بيعاً على الصحيح، نظراً للمعنى، فإنه عقد معاوضة بمال معلوم فيصح، كما لو قال: بعتك كذا بكذا، إذ العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني. ولذا تثبت فيه أحكام البيع، فيثبت فيه خيار المجلس، وخيار الشرط، والرد بالعيب، وغير ذلك من أحكام البيع.
وإن كان العوض المشروط مجهولاً: كأن يقول: وهبتك هذا الكتاب على أن تعوضني ثوباً، دون بيان لهذا الثوب أو تعيين له، أو: على أن تعوضني شيئاً، فالعوض المشروط في هذه الحالة مجهول، فيكون العقد باطلاً، إذ لا يمكن اعتباره بيعاً لجهالة العوض، كما لا يمكن اعتباره هبة لذكر العوض، والهبة لا تقتضيه.
التسوية في الهبة للأولاد وعطاياهم:
المراد بالهبات والعطايا هنا غير النفقة الواجبة، فيستحب للوالد - إذا أراد أن يهب أولاده ويعطيهم - أن يسوّي بينهم في الهبة والعطاء ذكوراً كانوا أم إناثاً، كباراً أم صغاراً، وذلك تمتيناً للمحبة فيما بينهم. ويكره له أن يميز بينهم، وأن يفضل بعضهم على بعض، بزيادة أو خصوصية، لما يؤدي إليه ذلك من الحسد بينهم وبغض بعضهم بعضاً، وتفكك روابط الأسرة.
روى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير ﵄ قال: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضي حتى تُشْهد رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، فقال: " أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ " قال لا، فقال النبي ﷺ " فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" قال: فرجع فرد عطيته (البخاري في الهبة، باب الإشهاد في الهبة، رقم: ٢٤٤٧. ومسلم في الهبات، باب: كراهية تفضيل بعض الأولاد في الهبة، رقم: ١٦٢٣).
стр. 1160
وهذا محل اتفاق بين العلماء، فقد أجمعوا على استحباب التسوية وإن اختلفوا في المراد منها وكيفيتها:
فجمهور الشافعية والحنفية على أن المراد بها أن تعطى الأُنثى مثل ما يعطى الذكر لظاهر الحديث.
ونقل عن محمد رحمه الله تعالى - من الحنفية - أن التسوية كقسمة الميراث، وإن كان نقل صاحب البدائع عنه ما يقتضي ظاهرة موافقة الجمهور وقال: وهو الصحيح.
وحبذا لو أخذ الناس بهذا وعملوا به ولو كان قولاً مرجوجاً، إذا لكان منهم بعض الإنصاف لبناتهم، ولم ينكصوا على أعقابهم، ويعودوا إلى ما كان عليه أهل الجاهلية من حرمان الأُنثى من كل شيء، بحجة أن الذكر يتعب معهم، وأن ما يعطى للأنثى يذهب للغريب عن الأسرة، وهو زوجها وأولادها.
وهذا إذا كانوا متساوين في الحاجة، أو لم يرضوا بالتفضيل، أما لو كان أحدهم أكثر حاجة من الآخرين أو رضي الآخرون بإعطائه زيادة، فلا بأس ولا كراهية بأن يخصّ بعضهم بزيادة عن غيره.
ولو فضل الوالد بعض لده على بعض، أو أعطى بعضاً ومنع بعضاً، صحّت هبته، وملكها الولد الموهوب له، وإن كان الأب قد ارتكب مخالفة الشرع، وفعل غير المطلوب والمندوب.
المساواة بين الوالدين في العطايا:
من واجب الوالد البرّ بوالديه والإحسان لهما:
قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ النساء٣٦.
وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ الإسراء٢٣ والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة.
стр. 1161
ومن جملة البرّ والإحسان النفقة عليهما، وتقديم الهدايا والهبات والعطايا في المناسبات، ولاسيما في العيدين: الفطر والأضحى.
وكما تسنّ التسوية بين الأولاد في العطايا، تسنّ أيضاً بالنسبة للوالدين ولا بأس أن يفضل الأُم أحياناً ويخصّها بشيء من العطاء والإكرام، عملاً بما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: " أمك " قال: ثم من؟ قال: " أمك " قال: ثم من؟ قال: " أبوك " (أخرجه البخاري في الأدب، باب: من أحق الناس بحسن الصحبة، رقم: ٥٦٢٦. ومسلم في البر والصلة والآداب، باب: برّ الوالدين وأنهما أحق به، رقم: ٢٥٤٨).
المساواة بين الإخوة في الهبات:
وممن يجب على المسلم البرّ بهم والإحسان إليهم الإخوة والأخوات، قال الله تعالى (وَذِي الْقُرْبَى) (النساء ٣٦). وقال (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى) (البقرة: ١٧٧).
وأقرب الناس إلى الإنسان بعد أولاده وأبويه: إخوته وأخواته، فينبغي أن يقدم لهم الهبات والهدايا، وخاصة في المناسبات.؟ وإذا فعل ذلك فيستحب له أيضاً أن يسوّي بينهم إذا كانوا في درجة واحدة من الحاجة، وإن أراد أن يخصّ بعضهم بشيء فليكن ذلك للأكبر، وذلك لقوله ﷺ : " حق كبير الإخوة على صغيرهم كحقّ الوالد على ولده " وفي رواية " الأكبر من الإخوة بمنزلة الأب " (رواه البيهقي في شعب الإيمان).
стр. 1162
البَاب السابع
الإجارة
стр. 1163
الإجارة
تعريفها:
في اللغة: اسم لما يُعطي من كراء لمن قام بعمل ما، جزاءً له علي عمله، فيقال له أجر وأجرة وإجارة. وأُجره وآجره إذا أثابه علي عمله، ولا يقال إلا في النفع دون الضُّر.
ويغلب الأجر في الثواب الأخروي، والأُجرة في الثواب الدنيوي.
وفي الاصطلاح: عرّفها صاحب " مغني المحتاج" بقوله: (عقد علي منفعة مقصودة معلومة، قابلة للبذل والإباحة، بعوض معلوم).
والمراد بالعقد علي المنفعة أو المنافع تمليكها، كما جاء في بعض التعريفات لها: تمليك المنافع بعوض.
وقد نصّ التعريف علي شروط المنفعة، وسيأتي بيان ذلك عند الكلام عن المنفعة وشروطها كركن من أركان الإجارة.
مشروعيتها:
أجمع المسلمون علي أن الإجارة جائزة ومشروعة، وعمدتهم في هذا الكتاب والسنّة
١ - أما الكتاب: فيقوله تعالي: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الطلاق٦.
فقد أمر الله تعالي الآباء بإعطاء الأجر علي الإرضاع، فدلّ علي أن الأجر حق للمرضعة، وهي لا تستحقه إلا بالعقد، إذ لو أرضعت بدون عقد كانت متبرعة، والمتبرع لا يستحق شيئاً، فكان ذلك دليلاً علي مشروعية العقد.
стр. 1164
ويُستأنس لها أيضاً بقوله تعالي علي لسان شعيب ﵇ وبناته: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ. قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ القصص: ٢٦ـ ٢٧): أي أن تكون أجيراً لي ثماني سنين.
وقلنا: يُستأنس بهذا استئناساً، لأنه وارد في شرع من قبلنا، وشرع مَن قبلنا - علي الأصح - ليس شرعاً لنا، حتى يكون هذا دليلاً علي الحكم في شرعنا.
٢ - وأما السنّة: فقد ورد فيها أحاديث كثيرة، منها:
- ما رواه البخاري وغيره عن عائشة ﵂ في حديث الهجرة الطويل ـ قالت: واستأجر النبي ﷺ وأبو بكر رجلاً من بني الدَّيْل ثم من بني عبد بن عديّ، هادياً خرَّيتاً ـ الخرِّيت الماهر بالهداية ـ وهو علي دين كفّار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحلَتَيْهما، ووعداه غار ثَوْر بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث، فارتحلا. (البخاري: الإجارة، باب استئجار المشركين عند الضرورة، رقم: ٢١٤٤).
ـ ما رواه مسلم: أن رسول الله ﷺ نهي عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة وقال: " لا بأس بها ".
وروي أيضاً: عن رافع بن خَديج ﵁ قال: (كنّا أكثر الأنصار حقلاً، قال: كنا نُكْري الأرض علي أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، وأما الورق فلم يَنْهََنا). وفي رواية: (أما بالذهب والورق فلا بأس به). (مسلم: البيوع، باب، كراء الأرض بالذهب والورق، وباب: في المزارعة والمؤاجرة، رقم: ١٥٤٧، ١٥٤٩).
[قوله: (فلم ينهنا): أي فلم ينهنا عن كراء الأرض بالورق، وهو الفضة المضروبة. وقوله: (لنا هذه ولهم هذه): أي لنا ما تخرجه هذه القطعة من الأرض من زرع، ولهم ما تخرجه قطعة أخري].
ـ وما رواه البخاري أيضاً عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ -
стр. 1165
قال: " قال الله تعالي: ثلاثةُ أنا خصمُهم يوم القيامة: رجلّ أعطي بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفي منه ولم يعطه أجْرَه ُ".
(البخاري: الإجارة، باب: إثم مَن منع أجر الأجير، رقم: ٢١٥٠).
[أعطي بي: عاهد باسمي أو حلف. غدر: نقض العهد ولم يف به، أو: لم يبر بقسمه. باع حرّاً: أي ادّعي أنه عبد مملوك فأعطاه مقابل ثمن وأخذ الثمن. فاستوفي منه: أي استوفي منه العمل الذي استأجره للقيام به].
أركان الإجارة وشروطها:
للإجارة أركان أربعة، وهي: عاقدان، وصيغة، ومنفعة، وأُجرة.
١ - الركن الأول: العاقدان: وهما المؤجر والمستأجر.
ويُشترط في كلَّ منهما أن يكون أهلا للتعاقد، بأن يكون بالغاً عاقلاً، فلا يصح عقد الإجارة من مجنون ولا صبي، لأن كلاً منهما لا ولاية له على نفسه ولا على ماله. وأن يكون غير محجور التصرف في المال، لأنها عقد يُقصد به المال، فلا يصحّ إلا من جائز التصرف فيه.
٢ - الركن الثاني: الصيغة: وهي الإيجاب والقبول.
فالإيجاب: كلُّ لفظ يصدر من المؤجر ويدل علي تمليك المنفعة بعوض دلالة ظاهرة، سواء أكان صريحاً أم كناية.
فمن الصريح: آجرتك هذا أو أكريتك، أو ملكتك منافعه سنة بكذا.
ومن الكناية: اسكن داري شهراً بكذا، أو جعلت لك منفعة هذا الشيء بكذا.
والقبول: كل لفظ يصدر من المستأجر ويدل علي الرضا بتملك المنفعة دلالة ظاهرة، كقوله: قبلت أو استأجرت أو اكتريت أو استكريت، ونحو ذلك.
ويقوم مقام الصيغة التعاطي إن جري العرف بذلك، كأن يدخل سيارة لنقل الركاب إلي مكان معلوم، دون أن يجري عقداً، ويعطي الأُجرة عند وصوله أو قبله، فإن ذلك صحيح، لأن التعاطي له حكم الإيجاب والقبول في الدلالة علي الرضا بالعقد إن جري به العرف.
стр. 1166
ويشترط في الصيغة:
أ - موافقة الإيجاب والقبول، فلو قال: آجرتك داري بمائة شهراً، فقال: قبلت بتسعين، لم يصح العقد للمخالفة بين الإيجاب والقبول، وذلك عنوان عدم الرضا الذي جُعلت الصيغة دليلاً عليه، وهو شرط صحة العقد.
ب - أن لا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول بسكوت أو كلام أجنبي عن العقد، لأن ذلك مُشعر بالإعراض عن العقد.
جـ - عدم تعليقها علي شرط: كإذا جاء زيد فقد أجرتكها بكذا.
٣ - الركن الثالث: المنفعة: ويشترط فيها شروط عدة، منها:
أ - أن تكون متقوّمة، أي معتبرة ومقصودة شرعاً أو عرفاً، ليحسن بذل المال في مقابلتها، كاستئجار دار للسكن، أو دابة أو سيارة للركوب، لأنها إذا لم تكن ذات قيمة شرعاً كان بذل المال في مقابلها سفهاً وتضييعاً، وقد نهي الشرع عن إضاعة المال:
ـ فلا يصح استئجار آلات اللهو، لحرمة منفعتها. وكذلك لا يصح استئجار لتصوير ذي روح، أو من تغنِّي أمام الأجانب، لحرمة ذلك.
ـ ولا يصحّ استئجار كلب لصيد أو حراسة، لأن عينه لا قيمة لها شرعاً، فلا قيمة لمنفعته.
ـ ولا يصح استئجار رجل ليقول كلمة لا تُتعب، وإن روّجت سلعة أو حصلت منفعة، وكذلك استئجار دراهم أو دنانير للتزيين بها.
لأن مثل هذه المنفعة غير مقصود عرفاً، ولم يعتد الناس استيفاءه بعقد الإجارة.
ب ـ أن يكون في مقدور المؤجر تسليمها، ليتمكن المستأجر من استيفائها. فلو كان المؤجر عاجزاً عن تسليم المنفعة، حساً أو شرعاً، لم تصح الإجارة.
ـ فلا تصحّ إجارة مغصوب لغير مَنْ في يده، ولا يقدر علي انتزاعه مَمن في يده عقب العقد.
стр. 1167
ـ ولا يصحّ تأجير سيارة مفقودة أو ضائعة.
ـ ولا يصح استئجار أرض للزراعة، ليس لها ماء دائم، ولا يكفيها المطر المعتاد أو ما في معناه كالثلوج والنداوة.
لعدم القدرة علي تسليم المنفعة في هذه الأشياء حسَاً.
ومما لا تصح إجارته لعدم القدرة علي تسليم منفعة شرعاً:
ـ استئجار المرأة الحائض أو النفساء لخدمة المسجد، لأن الخدمة تقتضي مكثها وترددها في المسجد، ولا يجوز لها ذلك، وإن أمنت تلويثه، لأنه أجيز لها العبور فيه، ولا التردّد والمكث. فهي لا تقدر علي تسليم المنفعة شرعاً.
ولو استؤجرت غير الحائض لهذا، فحاضت أو نفست، انفسخت الإجارة، فإذا دخلت المسجد حال حيضها وقامت بالخدمة كانت آثمة، ولم تستحق الأجرة. ومثل خدمة المسجد تعليم القرآن.
ـ وكذلك لا تصح إجارة امرأة متزوجة، لرضاع أو خدمة بغير إذن الزوج، لأن أوقاتها مستغرقة بحقه، فلا يجوز لها شرعاً شغل شيء من وقتها بغير حقه إلا بإذنه. فهي عاجزة إذن ـ شرعاً ـ عن تسليم المنفعة التي استؤجرت لها.
ـ وكذلك لا يجوز إجارة امرأة مطلقاً للقيام بعمل يقتضي سفراً من غير صحبة زوج أو ذي رحم محرم، أو يقتضي خلوة بأجنبي، للحرمة الثابتة بالنهي الصريح والصحيح عن ذلك، فهي إذن غير قادرة شرعاً علي تسليم مثل هذه المنفعة.
جـ - الشرط الثالث للمنفعة: أن يكون حصولها للمستأجر، لا للمؤجر: فلا تصح الإجارة علي القُرب التي تحتاج إلي نيّة ولا تدخلها النيابة كالصلاة والصوم، لأن منفعتها ـ وهي الثواب ـ تعود علي المؤجر لا المستأجر، ولأن القصد منها امتحان المكلف بالامتثال وكسر النفس، ولا يقوم غيره مقامه في هذا.
وتصحّ الإجارة علي كل قربة وعبادة تدخلها النيابة وإن كانت تحتاج إلي
стр. 1168
نيّة. فتصحّ الإجارة علي الحج عن العاجز والميت، وكذلك الصوم عن الميت، ولذبح أُضحية، ونحر هدي، وتفرقة زكاة. لأن هذه العبادات ثبت في الشرع النيابة فيها عن غير المكلّف بها أصلاً
وأما القرب والعبادات التي لا تحتاج إلي نيّة كفروض الكفالة:
ـ فإذا كانت شائعة في الأصل ـ أي أن كل مسلم مخاطب بها، ولكنها إذا فعلها بعض المسلمين سقطت عن الباقين ـ كالجهاد، فلا يصحّ الاستئجار عليها، لأن المسلم الذي أجّر نفسه للجهاد إذا حضر المعركة تعيّن عليه الجهاد، فيقع جهاده عن نفسه لا عمّن استأجره، فلا تعود المنفعة علي المستأجر، وإنما تعود علي المؤجر، فلا تصحّ الإجارة.
ـ وإن لم تكن شائعة في الأصل صحت الإجارة عليها، كتجهيز الميت من غسل وتكفين ودفن، فإنه يختص في الأصل بتركته، فإن لم تكن تركة فبمَن تجب عليه نفقته، فإن لم يكن، وجب علي أغنَياء المسلمين القيام به.
وكذلك تعليم القرآن أو بعضه، لأن الأصل في التعليم أنه يختص بمال المتعلم أو مَن تلزمه نفقته. وقد ثبت أن رسول الله ﷺ قال: " إن أحقَّ ما أخذتم عليه أجراً كتابُ الله ". (أخرجه البخاري في الطب، باب: الشرط في الرقية بقطيع من الغنم، عن ابن عباس ﵄ رقم: ٥٤٠٥).
ومثل القرآن تعليم مسائل العلم والقضاء ونحو ذلك من فروض الكفاية، التي لا يقصد في الأصل كل مكلّف، فإذا استؤجر عليها وقام بها لم تقع عنه، لأنه غير مقصود بفعله، فلا تعود منفعته عليه.
وكذلك الشعائر غير الواجبة كالأذان، فإنه تصح الإجارة عليه.
د ـ الشرط الرابع: أن لا يكون في المنفعة استيفاء عين قصداً: فلا تصحّ إجارة البستان لاستيفاء ثمرته، ولا الشاة لاستيفاء صوفها أو لبنها أو نتَاجها، لأن الأصل في عقد الإجارة تمليك المنافع، فلا تملك الأعيان بعقدها قصداً. ولأن هذا في الحقيقة استهلاك لا انتفاع، وموضوع الإجارة في الأصل الانتفاع لا الاستهلاك.
стр. 1169
فإذا تضمن عقد الإجارة استيفاء منفعة تبعاً لا قصداً جاز، كما إذا استأجر امرأة للحضانة والإرضاع، أو للإرضاع فقط، فإن ذلك يستتبع استيفاء لبن المرضع وهو عين، فيصحّ ذلك للضرورة أو الحاجة الداعية إليه.
قال تعالي: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الطلاق٦.
ومثل هذا لو استأجر داراً للسكني، ولها حديقة فيها أشجار مثمرة، جاز، لأن استهلاك الثمر تبع لاستيفاء المنفعة.
هـ ـ الشرط الخامس من شروط المنفعة: أن تكون معلومة للعاقدين عيناً وصفة وقدراً. فيشترط لصحة الإجارة:
- العلم بعين المنفعة: ويكون ذلك ببيان محلها، فلا تصحّ إجارة إحدى الدارين داراً دون تعيين، لجهالة عين المنفعة بجهالة محلها. وكذلك لو قال: أجرتك داراً، دون بيان أوصافها أو الإشارة إليها. وذلك أن المنفعة هي محل العقد في الإجارة، فلا بدّ من تعيينها ليصحّ العقد، ولما كانت المنفعة ليست شيئاً مادياً يمكن تجسيده وتعيينه، استُعيض عن ذلك ببيان محلها للضرورة، فيقوم بيان محل المنفعة مقام بيانها.
- العلم بنوع المنفعة وصفتها: وذلك حين يكون المستأجَر يختلف الناس في الانتفاع به اختلافاً ظاهراً لا يُتسامح به عادة.
فلا تصحّ إجارة أرض للزراعة دون أن تُعيَّن المزروعات التي ستزرع فيها، لأن أثر المزروعات علي الأرض يختلف من النوع إلي نوع، فإذا ذكر المستأجر أنه يستأجرها ليزرع فيها ما يشاء صحّ العقد، لأنه يُحمل علي الأشد، فإذا انتفع فيها بالأخف كان له ذلك من باب أولي.
فإذا كانت المنفعة المرادة مما لا يختلف الناس فيها اختلافاً ظاهراً يؤدي إلي المنازعة صحت الإجارة دون بيان نوعها، وذلك كاستئجار الدور للسكني، فلا يشترط بيان مَن سيسكن معه من أُسرته، أو بيان ما سيضع في البيت من أثاث وأمتعة، لأن ذلك مما يتسامح الناس فيه عادة.
فإذا انتفع بها بخلاف الغالب والمعتاد لم يكن له ذلك، كما إذا انتفع بالدار بصناعة أو تجارة.
стр. 1170
وعليه: يشترط لصحة إجازة الدار إذا كانت في محلة ينتفع الناس فيها بالدور بالسكني وغيرها، أن يبيِّن نوع المنفعة من سكني أو تجارة أو صناعة، كما ذكرنا، وأن يبيّن نوع التجارة أو الصناعة كذلك.
وكذلك يشترط لصحة الإجارة علي عمل: أن يبيّن نوع العمل الذي سيقوم به الأجير.
- العلم بقدر المنفعة: ويختلف تقدير المنفعة باختلاف نوعها: فمنها ما يُقدَّر بالزمن، ومنها ما يقدر بالعمل، ومنها ما يصحّ فيه الأمران.
أـ فما تقدر فيه المنافع بالزمن: هو كل منفعة لا يمكن ضبطها بغيره وتقلّ وتكثر، أو تطول وتقصر، كإجارة الدور للسكني، فإن سكني الدار تطول وتقصر، وكالإجارة للإرضاع، فإن ما يشربه الرضيع من اللبن يقلّ ويكثر، وكالإجارة لتطيين جدار، فإن التطيين لا ينضبط رقّة وسماكة.
فمثل هذه المنافع لا يمكن تقديرها بغير الزمن، لأن تحصيلها لا ينضبط بغير ذلك. ولهذا جاء علي لسان شعيب ﵇: (عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) فقد قدّر منفعة استئجار موسي ﵇ بالزمن، وإنما استأجره للرعي ونحوه، والرعي من هذا النوع من المنافع.
ما تجوز عليه الإجارة من الزمن:
وإذا قدرت المنفعة بالزمن وجب أن يكون مدة معلومة، تبقي فيها العين المؤجرة غالباً، ليتمكن المستأجر من استيفاء المنفعة المعقود عليها.
والمرجع في معرفة المدة التي تبقي فيها كل عين غالباً إنما هو العرف وأهل الخبرة. ويختلف ذلك من عين إلي عين:
ـ فالأرض ـ مثلاً ـ تصح إجارتها مائة سنة أو أكثر.
ـ والدار: تصح إجارتها ثلاثين سنة.
ـ والدابة: تصح إجارتها عشر سنين.
وهكذا كل شيء علي ما يليق به، ويقدر أهل الخبرة أنه يبقي هذه المدة.
стр. 1171
ما يستثني من زمن الإجارة:
ويستثني من الزمن المستأجر عليه الزمن الذي تستغرقه العبادات الواجبة التي لا تؤدَّي إلا في المدة المستأجر عليها، وكذلك أوقات الطعام المعتادة لدي الإُجراء والمستأجرين. وكذلك إذا كانت المدة مقدرة بزمن طويل: استُثني أيام الأعياد الثابتة بالشرع، وأيام التعطيل الثابتة بالعُرْف، فإن الأجير يستحق الأجر علي هذه الأيام وتلك الأوقات ولو لم ينص عليها في العقد، فلا ينقصه المستأجر شيئاً من الأجر المتفق عليه لليوم أو الشهر أو السنة.
ب ـ ما تقدر فيه المنافع بالعمل: وذلك إذا كانت المنفعة معلومة في ذاتها ولكنها قد تستغرق زمناً يقصر أو يطول، فلا يمكن ضبطها به.
وذلك كالاستئجار لخياطة ثوب، وطلاء جدار، وطبخ طعام، ونحو ذلك.
فإن مثل هذه المنافع تقدّر بالعمل ولا تقدّر بالزمن، لأن الزمن فيها قد يطول وقد يقصر، بينما العمل فيها منضبط ومحدد.
جـ ما يصحّ تقدير المنفعة فيه بالزمن أو العمل: وذلك كاستئجار شخص لخياطة أو سيارة للركوب، فيصحّ تقدير المنفعة بالزمن كأن يستأجر يوماً ليخيط هذا الثوب. ويصحّ أن يستأجر السيارة لتوصله من دمشق إلي مكة مثلاً، فيكون تقدير المنفعة بالعمل، ولا ينظر إلي ما يستغرق من الوقت، كما يصحّ أن يستأجر السيارة يوماً أو يومين، فتكون المنفعة مقدرة بالزمن، سواء قطع بها المسفة أم لا، وركبها أم لا.
ولا يصح أن تقدر المنفعة بالزمن والعمل معاً، كما إذا استأجره ليخيط له هذا الثوب بيوم، أو ليبني له هذا الجدار بيومين، أو ليوصله من دمشق إلي مكة بثلاثة أيام، لأن العمل قد لا يستغرق الوقت المحدد، وقد يزيد عنه، فيكون في ذلك غرر، فلا يصح العقد.
стр. 1172
٤ - الركن الرابع: الُأجرة: ويشترط في الأجرة ما يشترط في الثمن في العقد البيع، لأن الأجرة في الحقيقة هي ثمن المنفعة المملوكة بعقد الإجارة. فيشترط فيها:
أ - أن تكون طاهرة: فلا يصحّ عقد الإجارة إذا كانت الأُجرة كلباً أو خنزيراً أو جلد ميتة لم يُدبغ أو خمراً، لأن هذه الأشياء نجسة العين. ففي الصحيحين أن رسول الله ﷺ نهي عن ثمن الكلب. وفيهما أنه ﷺ قال: " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ". (البخاري: البيوع، باب: بيع الميتة والأصنام. وباب: ثمن الكلب، رقم: ٢١٢١، ٢١٢٢. ومسلم في المساقاة، باب: تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي، وباب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، رقم: ١٥٦٧، ١٥٨١).
وكذلك إذا كانت عيناً متنجسة لا يمكن تطهيرها، كالخل واللبن والدهن المائع والزيت والسمن، لأن النبي ﷺ أمر بإراقة السمن المائع إذا تنجس. روي ابن حبان عن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الفأرة تقع في السمن فتموت؟ قال: " إنْ كان جامداً ألقي ما حَوْلَها وأكَلَهُ، وإن كان مائعاً لم يقربه ". وفي رواية: " فأريقوه". (انظر: موارد الظمآن إلي زوائد ابن حبان: الأطعمة، باب: في الفأرة تقع في السمن، رقم: ٣٣١).
فالأمر بإراقته والنهي عن قربه دليل علي أنه لا يمكن تطهيره، وبالتالي لا يجوز بيعه.
ولما كانت هذه الأشياء لا يصحّ بيعها لنجاستها لم يصحّ جعلها أُجرة.
وقيس علي ما ذُكر غيرها من الأعيان النجسة التي لم تذكر، وهي في معناها.
ب - أن تكون منتفعاً بها: فلا يصحّ جعل الأجرة شيئاً لا يُنتفع به: إما لخسْته كالحشرات وكحبَّتي حنطة، وإما لإيذائه كالحيوانات المفترسة، وإما لحرمة استعماله شرعاً كآلات اللهو والأصنام والصور. وذلك لأن هذه الأشياء وأمثالها مما لا نفع فيه لا يُعََد مالاً، فلا يصحّ أخذ المال في مقابلته. والمنفعة التي هي محل عقد الإجارة مال متقوم كما ذكرنا، فلا يصح بذلها في مقابلة ما لا يُعدّ مالاً.
стр. 1173
جـ - أن تكون نقدوراً علي تسليمها: فلا يصحّ أن تكون الأجرة طيراً في الهواء، ولا سمكاً في الماء، كما لا يصحّ أن تكون مالاً مغصوباً إلا إذا كانت لمن في يده المغصوب، أو لقادر علي انتزاعه منه.
د - أن يكون للعاقد ولاية علي دفعها: بملك أو وكالة، فإن كانت الأُجرة لا ولاية للعاقد عليها بما ذُكر لم تصح الإجارة.
هـ - أن تكون معلومة للعاقدين: فلا تصحّ إجارة الدار بما تحتاجه من عمارة، ولا إجارة سيارة بوقودها، أو دابة بعلفها، لجهالة الأُجرة في هذه الحالات.
ومن الجهالة في الأُجرة أن تجعل جُزءاً من المأجور يحصل بعمل الأجير، كما إذا استأجره ليذبح شاة ويسلخها بجلدها أو جزء منها، للجهالة بثخن الجلد أو قدر الجزء.
وكذلك إذا استأجره ليطحن له قدراً معيناً من القمح بجزء مما يخرج من دقيقه، كربعه أو خمسه، للجهالة بقدر الدقيق. ولأن الأجير ينتفع هنا بعمله، فيكون عاملاً لنفسه من وجه، فلا يستحق الُأجرة علي عمله. وقد روي الدارقطني (البيوع / الحديث: ١٩٥): أن النبي ﷺ نهي عن قَفيز الطَّحَّان. وقد فسر بأن تُجعل أُجرة الطحن قفيزاً مطحوناً مما استؤجر لطحنه.
[القفيز: مكيال كان معروفاً].
فلو استأجره بجزء من الحنطة ليطحن باقيها صحّ، لانتفاء المعني الذي مُنع من أجله، وهو الجهالة وكون الأجير عاملاً لنفسه.
ويدخل في هذا المنع من باب أولي:
- أن يعطي من يقوم بحصاد الزرع ـ بنفسه أو بواسطة الآلات ـ جزءاً من المحصول ـ كالعشر أو نحوه ـ أُجرة علي الحصاد.
- أن يعطي جباة الأموال، للجمعيات ونحوها، جزءاً مما يجبونه من الأموال كاثنين في المائة ونحو ذلك.
стр. 1174
- أن يعطي سماسرة الدور ونحوها أيضاً جزءاً بنسبة معينة من قيمة ما يَبيعونه كاثنين في المائة أو ثلاثة.
فهذه الأنواع الثلاثة من الإجارة غير صحيحة، لأن الأُجرة فيها مجهولة، وينبغي أن يعلم أن أخذ هذه الأموال بهذه الطريقة كسب خبيث غير مشروع، يُؤاخذ عليه من يأخذ ومَن يعطيه، فليحذر الذين يخالفون شرع الله تعالي، ولا سيما جباة أموال الجمعيات الذين كثيراً ما تكون الأموال التي يجبونها حقاً للفقراء والمساكين، فيأكلون جزءاً منها ظلماً وزوراً، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فليحذر هؤلاء سخط الله تعالي وعقابه.
أقسام الإجارة وشروطها:
الإجارة قسمان: إجارة عين وإجارة ذمة.
١ - فإجارة العين: هي الإجارة الواردة علي منفعة متعلقة بعين معينة. كما لو قال: أجرتك هذه الدار، أو السيارة الفلانية ـ لسيارة معينة يعرفها المتعاقدان ـ أو أن يستأجر شخصاً معيناً لعمل ما، أو ليخيط له هذا الثوب.
٢ - وإجارة الذمة: هي الإجارة الواردة علي منفعة متعلقة بالذمة، كأن يستأجره ليوصله بسيارة موصوفة في ذمته إلي مكان معين، أو يؤجره سيارة موصوفة في ذمته مدة معينة، وكأن يلزم المستأجر المؤجر عملاً في ذمته كبناء أو خياطة أو نحو ذلك، فيقبل.
ومن هذا النوع ما يحصل في هذه الأيام من استئجار وسائل النقل المختلفة، فإن الإجارة ترد علي منفعة موصوفة في الذمة، لا علي منفعة متعلقة بعين معينة.
شروط إجارة العين:
١ - أن تكون العين المؤجرة معينة، فلا يصح أن يؤجره إحدى هاتين السيارتين، كما مرّ
٢ - أن تكون العين المؤجرة حاضرة ومشاهدة من المتعاقدين، عند عقد الإجارة.
فلو قال: أجرتك داري أو سيارتي أو ثوبي، وهما غائبان عن الدار، أو السيارة
стр. 1175
والثوب ليسا في مجلس العقد، لم تصحّ الإجارة، إلا إذا كان المتعاقدان قد شاهدا العين المؤجرة قبل العقد بمدة لا تتغير فيها غالباً فتصحّ الإجارة.
٣ - أن لا يؤجل استيفاء المنفعة عن العقد، كأن يؤجره داره السنة المقبلة، أو يؤجره نفسه علي أن يبدأ العمل أول الشهر، أو يؤجره سيارته غداً، أو أن يؤجره داره سنة أو شهراً اعتباراًُ من أول الشهر القادم، وهكذا، إلاّ إذا كانت الإجارة للمستقبل لمن هو مستأجر للعين وقت العقد، لمدة تنتهي ببدء مدة الإجارة الجديدة فتصحّ الإجارة، لاتصال المدتين مع اتحاد المستأجر، فصار كما لو استأجر العين في المدتين في عقد واحد.
شروط إجارة الذمة:
١ - أن تكون الأُجرة حالة، وأن تسلَّم في مجلس العقد، لأن هذه الإجارة سََلم في المنافع، فيشترط تسليم رأس مال السلم ـ وهو الأجرة ـ في مجلس العقد، واشتراط التأجيل كعدم التسليم.
فلو اتفقا في العقد علي تأجيل الأُجرة لم تصحّ الإجارة حتى ولو سلمت في المجلس. وكذلك إذا لم يتفقا علي التأجيل ولم تسلم الأُجرة بالفعل في مجلس العقد.
٢ - بيان جنس العين التي تُستوفي منها المنفعة ونوعها وصفتها. كما إذا عقد إجارة مع مكتب نقل لينقله إلي بلد معين، فينبغي بيان الوسيلة التي سينقله فيها: هل هي وسيلة جوية أو بحرية أو برية؟ وهل هي سيارة كبيرة أو صغيرة؟ وهل هي حديثة أو قديمة؟ وما إلي ذلك من أُمور تتفاوت فيها الأغراض.
حكم الإجارة:
إذا تم عقد الإجارة بتوفر أركانه وشروطه انعقد صحيحاً، وترتب عليه حكمه ـ أي أثره الشرعي ـ بمجرد انعقاده، وهو:
- ثبوت الملك للمستأجر في منفعة المؤجَّر، وجواز تصرفه فيها واستيفائه لها.
- ثبوت الملك للمؤجَّر في الأُجرة التي هي قيمة المنفعة التي ملكها
стр. 1176
المستأجر من حين العقد. ويراعي في هذا الملك: أنه كلما مضي جزء من الزمن، والعين المستأجرة سليمة في يد المستأجر، بأن أنه استقر ملكه في جزء من الأُجرة يقابل ما استوفي أو فات من المنفعة في ذلك الزمن الذي مضي. فإذا استوفي المنفعة كاملة، أو مضت مدة الإجارة، استقر ملكه في كامل الأُجرة حتى ولو لم ينتفع بالعين المؤجرة، طالما أنها سليمة في يده وسلطانه، لأن منافعها تلفت تحت يده فاستقر عليه بدلها، كما لو تلف المبيع في يد المشتري، فإنه يستقر عليه ثمنه.
وإذا هلكت العين المستأجرة بعد استيفاء جزء من المنفعة أو تمكنه من ذلك ينظر: فإن كان هذا الجزء منتفعاً به عادة استقر للمؤجر ملك ما يقابله من الأُجرة، كما لو استأجر سيارة لتوصله إلى مكان معين، فعطبت قبل الوصول إليه، فإنه يستحق أجرة المسافة التي قطعت إن كان يمكن متابعة السفر دون مشقة من المكان الذي عطبت فيه السيارة، أو كان للمستأجر غرض بذلك المكان.
وإن كان الجزء المستوفى من المنفعة لا ينتفع به عادة، كما لو كان مكان عطب السيارة لا يُقصد عادة، أو يصعب متابعة السفر منه، لم يستقر شيء من الأُجرة للمؤجر، وكان كهلاك العين المؤجرة قبل استلامها، أو قبل استيفاء شيء من منفعتها أو التمكّن منه.
ويثبت الملك في الأُجرة سواء أكانت معجلة أم مؤجلة.
وقد علمت إنه إذا كانت الإجارة ذمة لم يجز تأجيل الأُجرة، واشتُرط تسليمها في مجلس العقد.
أما إذا كانت الإجارة إجارة عين:
- فإن كانت الأُجرة معينة، كما إذا أجّره داره سنة بهذه الدراهم أو بهذه السجادة، وجب تعجيلها ولم يجز تأجيلها، لأن الأعيان لا تقبل التأجيل.
- وإن كانت الأُجرة في الذمة، كما إذا أجّره داره سنة بألف درهم، جاز تعجيلها وتأجيلها، كما يجوز تعجيل بعضها وتأجيل بعض، وتقسيطها على الشهور حسب اتفاق المتعاقدين.
فإذا لم ينص في العقد على التعجبل أو التأجيل كانت معجلة.
стр. 1177
حق استيفاء المنفعة:
علمنا أنه إذا تم عقد الإجارة صحيحاً ملك المستأجر منفعة العين المؤجرة، وبالتالي يثبت له حق استيفائها.
وللمستأجر أن يستوفي المنفعة بنفسه، كما أن له أن يستوفيها بغيره. فإذا استأجر داراً كان له أن يسكنها بنفسه ومع غيره، وأن يسكنها غيره: إعارة أو إجارة. فلو شرط المؤجر على المستأجر أن يستوفي المنفعة بنفسه لم تصحّ الإجارة، وكان كما لو باعه شيئاً وشرط عليه أن لا يبيعه، فلا يصح عقد البيع.
ويشترط لصحة استيفاء المنفعة بغير المستأجر:
١ - أن يكون مَنْ سٌلِّمت إليه العين المؤجَّرة ليستوفي منفعتها أميناً.
٢ - أن يكون مساوياً للمستأجر في استيفاء المنفعة، أو أقل منه إضراراً بالعين المستأجرة
فإذا استأجر داراً للسكنى فليس له أن يسلمها لمن يستعملها للصناعة أو التجارة.
وإذا أجّره سيارة للركوب ليس له أن يسلمها لمن يستعملها للحمل ونحوه، إذا كان ذلك يضرّ بها أكثر من الركوب.
وإذا أجرّه ثوباً ليَلْبَسه ليس له أن يُلْبَسَه مَن هو أضخم منه، وهكذا.
الإجارة الفاسدة وأُجرة المثل:
إذا اختلّ شرط من شروط الإجارة كانت الإجارة فاسدة، ووجب على المستأجر أن يردّ العين المؤجرة إذا كان قد استلمها.
فإذا كان قد استوفى منافعها، أو مضى وقت يمكنه فيه الاستيفاء، وجب عليه أجرة المثل كاملة، سواء أكانت مساوية للأجرة المسمّاة أم أكثر منها أم أقل.
وجمهور الحنفية قالوا: لا يزاد بأُجرة المثل على الأُجرة المسمّاة، لاتفاق المتعاقدين على حطّ ما فوقها.
وكذلك إذا استوفي بعض المنفعة، ثم فُسخ العقد لفساده، وجبت أُجرة مثل المقدار المستوفى من المنافع وسقط الباقي.
стр. 1178
ومثل المنفعة العين ما إذا كانت الإجارة على عمل، وعمل الأجير العمل المستأجَر عليه أو بعضه، فإنه يستحق أُجرة مثل ما عمل، كُلاًّ أو بعضاً، على الخلاف المذكور.
وأُجرة المثل: هي الأُجرة التي يقدرها أهل الخبرة عادة لمثل العين المستأجرة أو العمل المستأجر عليه.
والأُجرة المسماة: هي الأُجرة المتفق عليها بين المتعاقدين، وقد تزيد على أجرة المثل وقد تنقص.
وإنما وجبت أجرة المثل في الإجارة الفاسدة لأن الإجازة بيع المنافع كما علمت، فإذا فسد العقد كان ما سمّياه من الأُجرة غير لازم، لأنه إنما يلزم بالعقد ولا عقد، والمنفعة كالعين المبيعة، فإذا استوفيت وجب بدلها، وهو أجرة المثل.
ضمان العين المستأجرة:
إن يد المستأجر على العين المستأجرة يد أمانة، فلا يضمن ما أصابها من تلف أو تعييب، سواء أكان ذلك أثناء استيفاء المنفعة أم قبلها أم بعدها. وذلك لأن قبضة لها قبض بحق، إذ لا يمكن استيفاء المنفعة - التي هي محل العقد في الإجارة - إلا بقبضها ووضع اليد عليها
وتبقى العين المستأجرة غير مضمونة في يد المستأجر ما دام لم يتعدّ في استعمالها أو يقصر في حفظها.
فإذا استأجر داراً للسكنى فسكنها، ثم أصابها حريق - مثلا - بسبب ما يستعمل عادة في الدار من وسائل الوقود وبدون إهمال أو تقصير، فلا يضمن ما نتج من أضرار عن ذلك الحريق.
أما لو حدث الحريق بسبب لا يكون عادة في دور السكن، كما لو استعمل فيها النار لصناعة حدادة ونحو ذلك، فإنه يضمن، لأنه تعدّى بالاستعمال حيث استعمل الدار لغير ما استأجرها من اجله.
وكذلك لو نتج الحريق بسبب إهمال أو تقصير، كما لو ترك المدفأة موقدة أثناء النوم، فنتج عن ذلك حريق، فإنه يضمن ما نتج عن ذلك من أضرار بالدار،
стр. 1179
لأن تركه لها موقدة أثناء النوم تقصير أو إهمال، ولأنه خلاف المعتاد لدى الغالبية العظمى من الناس، ولأنه منهي عنه شرعاً أيضاً، فإنه ﷺ قال " لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون " وبلغه أنه احترق بيت بالمدينة على أهله من الليل، فقال: " إن هذه النار إنما هي عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم " (البخاري الاستئذان، باب: لا تُترك النار في البيت عند النوم، رقم: ٥٩٣٥، ٥٩٣٦. ومسلم: الأشربة، باب: الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء ... وإطفاء السراج والنار عند النوم .... ، ورقم: ٢٠١٥، ٢٠١٦).
وكذلك لو كان ذلك بسبب ترك وسائل الإيقاد في أيدي الصغار ونحوهم.
وهكذا أيّ ضرر يصيب العين المستأجرة بسبب سوء الاستعمال، كما لو استأجر سيارة للركوب وأسرع بها في السير في الأماكن المزدحمة أو الطرقات الوعرة، فنتج عن ذلك ضرر لها.
وكذلك إذا قصر في الحفظ، كأن يضع العين المستأجرة في مكان لا توضع فيه عادة، كما إذا وضع السيارة في منتصف الطريق، أو مكان غير مأمون دون حراسة، فإنه يضمن ما يطرأ عليها من حوادث. أما لو وضعها في مكان مأمون يعتاد الناس وضعها فيه، ثم أصابها شيء، فإنه لا يضمنه.
وكذلك يضمن المستأجر العين المؤجرة إذا استعملها بعد انتهاء مدة الإجارة، أو لم يستعملها ولكنه لم يخل بينها وبين مالكها. أما لم يستعملها، وأصابها شيء قبل التمكّن من ردّها أو التخلية بينها وبين مالكها، فإنه لا يضمن، استصحاباً لما كان قبل انتهاء المدة من عدم الضمان.
ضمان الأجير:
الأجراء نوعان:
أ - أجير خاص: وهو الذي يتعاقد معه المستأجر علي القيام بعمل ما مدةً من الزمن، يستحق المستأجر نفعه فيها جميع الوقت، ويستحق الأجير فيها الأجر ولو لم يقم بعمل، أو يتعاقد معه المستأجر ليقوم له بعمل معيَّن دون أن يتقبل عملاًً آخر لغيره قبل انتهائه، كالعمال في المعامل، والأجراء في الحوانيت
стр. 1180
ودور الصناعة كالخياطين وغيرهم، وكذلك الدهّان في البيت والبنّاء والنجار، ومَن إلي مَمن يعملون في حوزة المستأجر أو بحضوره، فأمثال هؤلاء الأجراء لا يضمنون ما استؤجروا عليه وما تحت أيديهم أو تعيَّب، كما إذا تعمد الإتلاف، أو تساهل وقصر بأسباب الحفظ وأُصول العمل. وذلك لأن يد المستأجر ثابتة حكماً علي ما استأجر عليه الأجير، وإنما استعان بالأجير لشغله وتصنيعه، فصار كالمستعين بالوكيل.
ب - أجير مشترك: وهو الذي يتعاقد معه المستأجر علي عمل معين يقوم به، ويستحق الأجر بانتهائه، ويمكن أن يتعاقد مع كثيرين علي مثل هذا العمل أو غيره في زمن واحد، ولا يكون عمله غالياً في حوزة المستأجر أو حضوره، وإنما يستقل بعمله في منزله أو دكانه أو معمله، كالخياط والصبّاغ والكوّاء والحمّال إذا حمل لاثنين فأكثر، ومصلحي السيارات ونحو ذلك.
فهؤلاء الأُجراء أيضاً ـ ويسمَّوْن لدي الفقهاء أحياناً: الصُّنّاع ـ لا يضمنون إلا بالتعدي. والعين أمانة في يد الأجير، لأنه متطوع بالحفظ إذ الأُجرة مقابل العمل، ولأن قبضه للعين إنما هو لمصلحة المستأجر، فلا يضمن إلا إذا تعدَّي أو قصر.
وذهب أبو يوسف ومحمد ـ من أصحاب أبي حنيفة ﵏ تعالي إلي: أن الأجير المشترك يضمن ما هلك تحت يده، إلا إذا كان الهلاك بسبب عام لا يمكن الاحتراز عنه كالحريق والغرق الغالب، فإذا كان الهلاك أو التلف بسبب يمكن الاحتراز عنه غالباً، كالسرقة ونحوها، فإنه يضمن.
وحجتهم في هذا: الحفاظ علي مصالح الناس، لأن أمثال هؤلاء الأُجراء إذا لم يضمنوا ما تحت أيديهم من الصناعات استهانوا بأمتعة المستأجرين وأموالهم، وتقبلوا أعمالاً تفوق إمكاناتهم وقدرتهم علي حفظها، والناس في حاجة شديدة إلي صناعاتهم، فكانت المصلحة في تضمينهم، ضرورة حملهم علي الحرص والمحافظة علي ما في أيديهم من أموال الناس (١).
стр. 1181
ونري أن العمل بهذا هو الأرجح في أيامنا هذه.
انتهاء الإجارة:
تنتهي الإجارة وتنقضي أحكامها بأمور، هي:
١ ـ الفسخ:
عقد الإجارة عقد لازم من الطرفين، أي بعد انعقاده صحيحاً ليس للمؤجر أو المستأجر فسخه متى شاء، ولا يفسخ إلا بعذر، وإذا فسخ فقد انتهت الإجارة.
ومن الأعذار التي تنفسخ بها الإجارة:
أهلاك العين المؤجرة في إجارة العين، فإذا استأجر داراً معينة أو سيارة معينة، ثم تهدمت الدار أو عطبت السيارة استيفاء شيء من المنفعة فقد انفسخت الإجارة، لفوات المحلّ المعقود عليه.
ومثل تلف العين تعيبها بحيث يتعذر استيفاء المنفعة المقصودة منها. فإذا حصل التلف أو العيب بعد استيفاء شئ من المنفعة: انفسخت الإجارة بالنسبة للمستقبل من حين الهلاك، ويستحق المؤجر أجرة ما استوفي من المنفعة بقسطه من الأجرة المتفق عليها في العقد.
فإذا كانت الإجارة إجارة ذمة، كما إذا استأجره ليوصله بسيارة موصوفة في الذمة إلي مكان كذا، فأحضر سيارة ثم عطبت أو تعيبت، فإن الإجارة لا تنفسخ، بل علي المؤجر أن يأتي ببدلها، سواء أكان ذلك قبل استيفاء شيء من المنفعة أم بعد استيفاء بعض منها، لأن المعقود عليه لم يفت بهلاك السيارة المحضرة، لأن العقد لم يرد علي سيارة معينة، وإنما علي سيارة موصوفة في الذمة، فيمكن استبدالها.
ومثل العين المستأجرة في كل ما سبق: الأجير، فإذا استأجر شخصاً معيناً ليقوم بعمل، ثم مات أو مرض مرضاً يتعذر معه القيام بالعمل المستأجر عليه، انفسخت الإجارة. وإذا كانت إجارة ذمة، فأحضر له مَن يعمل فحصل الموت أو المرض، لم تنفسخ الإجارة، لأن استيفاء المنفعة يمكن أن يكون بغيره.
стр. 1182
ب - عدم تسليم العين المؤجرة في المدة: إذا كانت الإجارة إجارة عين، وكانت المنفعة محددة بمدة من الزمن، وانقضت تلك المدة ولم يسلم المؤجر العين المؤجر ة، فقد انفسخت الإجارة لفوات المعقود عليه قبل قبضه.
وكذلك إذا كانت الإجارة إجارة ذمة، ولم يُحضر المؤجَّر ما تُستوفي منه المنفعة في الوقت المتفق عليه. فإذا لم يُحدد وقت لاستيفاء المنفعة ولم يتعلق به غرض أصلي للمستأجر، ولم يُحضر المؤجِّر ما تُستوفي منه المنفعة حتى مضي وقت يمكن استيفاؤها فيه، فلا فسخ ولا انفساخ، لأنه دين تأخر وفاؤه.
فإذا سلم المؤجر العين المؤجرة أو أحضرها بعد مضيّ بعض مدة الإجارة الفسخ العقد فيما مضي، وكان المستأجر بالخيار فيما بقي.
وإذا كانت المنفعة محددة بعمل، وتأخر تسليم العين حتى مضي وقت يمكن فيه إنجاز العمل، لم تنفسخ الإجارة، لأن العقد تعلق بالمنفعة لا بالزمن، فلم يتعذر الاستيفاء حتى تنفسخ الإجارة.
ما لا تنفسخ به الإجارة:
أ - لا تنفسخ الإجارة بخروج العين المؤجرة من ملك المؤجر، كما إذا أجر داراً ثم وهبها أو باعها، لأن عقد الإجارة يرد علي المنفعة فلا يمنع بيع الرقبة. وتنتقل ملكية العين حين عقد البيع أو الهبة إلي المشتري أو الموهوب له دون المنفعة، لأن البائع أو الواهب ما كان يملكها حين العقد. وتبقي في يد المستأجر إلي انتهاء مدة الإجارة، ولكن يثبت للمشتري الخيار إن كان يجهل الإجارة، أو كان يعلمها ويجهل مدتها.
ب - وكذلك لا تنفسخ الإجارة بموت أحد المتعاقدين المؤجر أو المستأجر ولا بموتهما، بل تبقي إلي انقضاء المدة، لأنها عقد لازم فلا ينفسخ بالموت كالبيع، ويخلف المستأجرَ في استيفاء المنفعة وارثُه.
جـ - وكذلك لا تنفسخ الإجارة بعذر طرأ في غير المعقود عليه:
- كما أجر سيارة وهو سائق لها، فمرض وعجز عن الخروج مع المستأجر، لأنه يمكن استيفاء منفعة العين المؤجرة بغيره.
стр. 1183
- وكذلك لو استأجر سيارة للسفر عليها، ثم مرض المستأجر وتعذر عليه السفر، أو استأجر داراً للسكني، ثم اضطر إلي السفر.
٢ ـ استيفاء المنفعة المعقود عليها:
ينتهي عقد الإجارة حكماً باستيفاء المنفعة المعقود عليها: فإن كانت مقدرة بعمل انتهت الإجارة بإتمام العمل، وإن كانت مقدّرة بزمن انتهت الإجارة بمضي ذلك الزمن.
فإذا استعمل المستأجر العين المؤجرة بعد انتهاء الإجارة وجب عليه أُجرة المثل، مقابل ما استوفاه من المنفعة بعد استيفاء المعقود عليه، وكان ضامناً للعين المؤجرة، لأنه تعدي باستعمالها بغير عقد.
وكذلك إن استأجر أرضاً مدة لزراعة معينة، وانقضت المدة ولم يستحصد الزرع، فإنه لا يُجبر علي قلعه، لما في ذلك من ضرر عليه، وإنما يجب عليه أُجرة المثل للمدة التي شغل بها الأرض بعد انتهاء مدة الإجارة، ولكنه لا يكون ضامناً الأرض، لأنه لم يكن متعدياً بالاستعمال.
الخيارات في عقد الإجارة
١ ـ خيار المجلس وخيار الشرط: لا يثبت في عقد الإجارة خيار المجلس ولا خيار الشرط، لأن عقد الإجارة من عقود الغرر، لأنها عقد علي معدوم، وهي المنافع، فإنها معدومة عند العقد، وإنما شرعت تيسيراً لحاجة الناس إليها.
والخيار أيضاً غرر، فلا يكون فيها، لأنه يصير عندئذ ضم غرر إلي غرر، ولا يصحّ التعاقد حال وجود الغرر الكثير.
٢ ـ خيار العيب: أما خيار العيب فإنه يثبت في إجارة العين، فإذا حدث عيب بالعين المؤجرة، وأثّر في منفعتها تأثيراً يظهر في تفاوت أُجرتها حال كونها سليمة وحال كونها معيبة بذلك العيب، كما لو استأجر أرضاً للزراعة فانقطع
стр. 1184
ماؤها، أو سيارة للركوب فعطبت عجلاتها ولم يبادر المؤجِّر إلي إصلاح ذلك العيب، كان المستأجر بالخيار بين إمضاء الإجارة أو فسخها، ولا شيء عليه حال الفسخ إن كان قبل مضي شيء من الوقت، فإن كان بعد مضي شيء من الوقت لمثله أُجرة: ثبت عليه قسطه من الأجرة المسماة في العقد.
ولا يثبت خيار العيب في إجارة الذمة، فإذا أحضر المؤجر عيناً تُستوفي منها المنفعة المعقود عليها في الذمة، ثم تعيَّبت تلك العين المحضرة، وجب علي المؤجر أن يُحضر بدلها، لأن المعقود عليه في الذمة مقَّيد بوصف السلامة، وما أحضره غير سليم، فإذا لم يرض به المستأجر رجع إلي ما في الذمة، فلا ينفسخ عقد الإجارة.
اختلاف المؤجر والمستأجر في دعوي الرد أو التلف
أـ دعوي التلف: إذا تلفت العين المؤجرة أو تعيّبت في يد المستأجر، وادعي المستأجر أنه لم يتعدّ بذلك، وإنما حدث بآفة سماوية أي بسبب قهري خارج عن إرادته، أو حدث بسبب الاستعمال المأذون به عادة، وادّعي المؤجر أن ذلك حصل بتعدّ من المستأجر، من تجاوز في الاستعمال أو تفريط وعدم حفظ للعين المؤجرة.
فالذي يُقبل قوله هو المستأجر، فيُصدَّق بيمينه، لأن المؤجر يدّعي التعدّي والمستأجر ينكره ويدّعي عدمه، والأصل عدم التعدي وبراءة الذمة من الضمان، فالقول قول مدعي الأصل بيمينه.
ب ـ دعوي الرد: وإذا اختلف المؤجر والمستأجر: فادعي المستأجر أنه ردّ العين المستأجرة إلي المؤجر، وأنكر ذلك المؤجر فقال: إنك لم تردّها عليّ. فيقبل قول المؤجر بيمينه، لأن المستأجر قبض العين المؤجرة لمنفعته، والأصل عدم الرد، والمستأجر يدّعيه، فالقول قول المنكر بيمينه، فيُقبل قول المؤجرة، لأنه ينكر الرد ويدّعي الأصل وهو عدم الرد.
стр. 1185
البَاب الثَامن
الجعَالة
стр. 1186
الجعالة
تعريفها:
الجعالة - في اللغة - بفتح الجيم وكسرها وضمها، وهي اسم لما يجعله الإنسان لغيره على شيء يفعله، ويقال لها جُعْل وجعيلة.
وشرعاً: هي التزام عوض معلوم على عمل معَّين، معلوم أو مجهول، بمعين أو مجهول. أي يحصل هذا العمل من عامل معين أو مجهول، وسيتضح لنا معنى التعريف عند الكلام عن أركانها.
مشروعيتها:
الجعالة مشروعة، وقد دلّ على مشروعيتها: ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حيَّ من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبَوْا أن يضيِّفوهم، فلُدغ سيد ذلك الحيّ، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فأتَوْهم فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لدغ، وسعَيْنا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم يضيَّفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً. فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: (الحمد لله رب العالمين) فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة. قال: فأوفَوْهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا. فقدموا
стр. 1187
على رسول الله ﷺ فذكروا له، فقال: "وما يدريك أنها رقية؟! ". ثم قال. " قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهماً " فضحك رسول الله ﷺ . (البخاري الإجارة، باب: ما يُعطى في الرقية .. , رقم: ٢١٥٦. مسلم: السلام، باب: جواز أخذ الأُجرة على الرقية ... ، رقم: ٢٢٠١).
فقوله ﷺ تقرير لفعلهم، وهو دليل على مشروعية الجُعْل.
[فلدغ: لسعته حية أو عقرب. الرهط: جماعة الرجال ما دون العشرة. لأرقى: من الرقية، وهي كل كلام يُستشفى به من وجع أو غيره. جعلاً: عطاءً على ما أفعله. فصالحوهم: اتفقوا معهم. قطيع: قبل القطيع ثلاثون من الغنم. يتفل: ينفخ مع بصاق قليل. نشط من عقال: فُك من حبل كان مشدوداً به. قَلَبَة: علة. اضربوا لي: اجعلوا لي منه نصيباً].
واستؤنس لها بقوله تعالى: (قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ) (يوسف: ٧٢). فهو وإن كان ورد في شرع من قبلنا، فقد جاء في شرعنا ما يقرره، كما علمت من الحديث السابق، فيُستأنس به للمشروعية، وإن كان لا يعتبر دليلاً.
[صُواع: مكيال خاص. زعيم: ضامن وكفيل].
حكمتها:
وحكمة مشروعيتها أن الحاجة داعية إلى مثل ذلك، فقد يفقد الإنسان شيئاً ولا يجد من يتطوع له بالبحث عنه وردّه عليه، وقد يعجز عن عمل لا تصحّ الإجارة عليه للجهالة فيه، فيستعين على تحصيل ذلك بمَن يقوم به على جُعْل يلتزمه، فشُرعت تحقيقاً لهذه المصلحة وتلبية لتلك الحاجة.
أركانها:
لها أربعة أركان: عاقدان، وصيغة، وعمل، وعوض.
١ - العاقدان: وهما:
* الجاعل: صاحب العمل الذي يلتزم بالجعل، ويُشترط فيه أن يكون مكلفاً أي بالغاً عاقلاً رشيداً.
стр. 1188
* والعامل: وهو الذي يقوم بالعمل، ويستحق الجعل عليه. ولا يُشترط أن يكون معَّيناً، كأن يقول: مَن ردّ علي سيارتي فله كذا، ولأنه قد يكون له عمل يحتاج إلى إنجازه، ولا يعرف من يقوم به، فجاز أن يجعل جعلاً لمن يقوم به ولو كان مجهولاً.
٢ - الصيغة: وهي لفظ يدل على الإذن في العمل المطلوب بعوض ملتزم، كقول الجاعل: مَن ردّ علي سيارتي - مثلاً - فله كذا. أو أن يقول لطبيب: إن عالجتَ مريضي فبرأ فلك كذا، أو أن يقول لمعلِّم: إن علّمت ولدي القراءة والكتابة فلك كذا، ونحو ذلك.
لا يُشترط قبول من يقوم بالعمل، ولو كان معِّيناً، لأنها تجوز من إبهام العامل وجهالته، فيكفي العمل.
٣ - العمل: وهو ما شرطه صاحب المال لاستحقاق الجعل، من ردّ ضالة، أو تعليم صبيّ، أو معالجة مريض، وما إلى ذلك.
ولا يُشترط أن يكون العمل معلوماً كالمنفعة في الإجارة، التي قد علمنا أنها تحدَّد بعمل أو زمن، فتصحّ الجعالة ولو كان العمل مجهولاً، أي غير محدّد بفعل أو زمن، فقد يستغرق ردّ الضالة أو تعليم الصبي - مثلاً - زمناً طويلاً أو قصيراً، وقد يكلفه الكثير من الجهد وقد لا يكلفه، فكل ذلك جهالة في العمل، وهي مغتفرة للحاجة إلى ذلك.
٤ - العوض: وهو ما يلتزمه صاحب المال للعامل، ويشترط أن يكون معلوماً، لأنه عقد معاوضة، فلا تجوز بعوض مجهول. فلو شرط جعلاً مجهولاً كان العقد فاسداً، فإذا قام العامل بالعمل استحق أُجرة المثل، لأن كل عقد وجب المسمى والمعين في صحيحه وجب المثل في فاسده.
أحكامها:
للجعالة أحكام عدّة، وهي:
١ - هي عقد جائز أي غير لازم، بل هو قابل للفسخ من صاحب العمل متى شاء، كما أن للعامل أن يرجع عن عمله من شاء، رضي الطرف الآخر أو لم يرض،
стр. 1189
علم بذلك أو لم يعلم. وذلك لأنها عقد على عمل مجهول بعرض، فجاز لكل واحد من المتعاقدين فسخه.
فإن فسخه العامل لم يستحق شيئاً، ولو قام بشيء من العمل، لأنه لا يستحق الجعل إلا بالفراغ من العمل - كما ستعلم - وقد تركه، فسقط حقه.
وإن فسخ صاحب العمل: فإن كان قبل الشروع بالعمل لم يلزمه شيء، لأنه فسخ قبل أن يستهلك شيئاً من منفعة العامل، فلم يلزمه شيء. وإن كان بعد الشروع بالعمل لزمه أجرة المثل لمل عُمِل، لأنه استهلك شيئاً من منفعته بشرط العوض، فلزمته أُجرته.
٢ - لا يستحق الجعل إلا بإذن صاحب العمل، كأن يقول: مَن وجد لي ضالّتي الفلانية فله كذا. فإذا عمل عامل بدون إذن لم يستحق شيئاً، كما إذا وجد إنسان ضالة لآخر فردّها عليه، أو علّم ولده دون إذن منه، لأنه بذل منفعته من غير عوض، فلم يستحقه.
فإن أذن له بالعمل ولم يشرط له جعلاً: فالمذهب أنه لا يستحق شيئاً، وقيل: تلزمه أُجرة مثل عمله، إن كان العامل معروفاً أنه يقوم بمثل هذا العمل بالأُجرة.
وإن أذن لشخص بالعمل، فعمل غيره فلا شي له، وإن كان معروفاً بالقيام بهذا العمل بعوض، لأنه لم يلتزم له بعوض، فوقع عمله تبرعاً.
٣ - لا يستحق العامل الجعل إلا بالفراغ من العمل، كالبرء من المرض إن كان الجعل على الشفاء، أو الحذق بالقراءة والكتابة إن كان على التعليم مثلاً، أو تسليم الضالة إن كان على ردّها، وهكذا.
وإن اشترك في العمل أكثر من واحد اشتركوا في الجعل بالتساوي وإن تفاوت عملهم، لأن العمل لا ينضبط حتى يوزَّع الجعل بنسبة ما قام به كل منهم.
٤ - تجوز الزيادة والنقص في الجعل قبل الفراغ من العمل، فلو قال لشخص: اعمل كذا ولك عشرة، ثم قال: اعمله ولك عشرون أو: ولك خمسة لزمه
стр. 1190
بالفراغ منه ما قاله أخيراً من العشرين أو الخمسة، إن كان قاله قبل الشروع بالعمل، وقد علم به العامل إن كان معيناً، أو أعلنه صاحب العمل إن كان العامل غير معين.
وإن كان ذلك بعد الشروع بالعمل وجبت أُجرة المثل للعامل، لأن الالتزام الثاني فسخ للأول، والفسخ أثناء العمل يقتضي الرجوع إلى أُجرة المثل.
وكذلك الحال إذا كان قبل الشروع ولم يعلم به العامل المعين، أو لم يعلنه الملتزم، استحق أُجرة المثل على الراجح.
٥ - إذا اختلف العامل وصاحب المال: فإن اختلفا في شرط الجعل: فقال العامل شرطت جعلاً على هذا العمل، وقال صاحب المال: لم أشرط، فيقبل قول صاحب المال بيمينه، لأن الأصل عدم الشرط، ولأن العامل يدّعى عليه الضمان والالتزام، والأصل عدمه، والقول المعتبر هو قول مَن يتمسك بالأصل مع يمينه.
و ... كذلك لو اختلفا في العمل الذي شرط له الجعل: كأن يقول صاحب المال: شرطت الجعل لردّ سيارتي الضائعة، ويقول العامل: بل شرطته لرد متاعك الفلاني الضائع. أو اختلفا فيمن قام بالعمل: فقال زيد من الناس: أنا الذي قمت بهذا، وقال صاحب العمل: بل قام به فلان غيرك.
ففي الصورتين يُصدِّق صاحب العمل بيمينه، لأن العامل يدعى عليه شرط الجعل في عقد الأصل عدمه، كما أنه يدّعي عليه شغل ذمته، والأصل براءة ذمته.
وإن اختلفا في قدر الجعل أو صفته أو جنسه، كأن قال العامل: شرطت لي ألف درهم، فقال صاحب المال: بل شرطت خمسمائة، أو قال: شرطت عشرة دنانير، فقال: بل عشرة دراهم، ونحو ذلك، تحالفا، أي حلف كل منهما على إثبات قوله ونفي قول الآخر. فإذا حلفا تساقطت أقوالهما، واستحق العامل أجرة المثل.
стр. 1191
وكذلك لو اختلفا في العمل: فقال العامل: شرطت لي كذا على هذا العمل وحده، وقال صاحب العمل: بل شرطته على هذا العمل وذاك.
ما تختلف به الجعالة عن الإجارة:
تختلف الجعالة عن الإجارة من أوجه هي:
١ - جواز الجعالة على عمل مجهول، بينما لا تصح الإجارة إلا على عمل معلوم.
٢ - تصحّ الجعالة مع عامل غير معيّن، ولا تصحّ الإجارة مع مجهول.
٣ - في الإجارة لا بدّ من قبول الأجير القائم بالعمل، وفي الجعالة لا يشترط قبول العامل.
٤ - في الجعالة لا يستحق الجعل إلا بالفراغ من العمل، ولو شرط تعجيله فسد العقد. وفي الإجارة له أن يشرط تعجيل الأجرة.
٥ - الجعالة عقد جائز كما علمنا، بينما الإجارة عقد لازم، ليس لأحدهما أن يفسخه إلا برضا الآخر.
стр. 1192
البَاب التَاسِع
الصُلح
стр. 1193
الصلح
تعريفه:
هو - في اللغة - قطع النزاع والتوفيق بين الخصوم وإحلال السلم بينهم.
وشرعاً: عقد يحصل به التوفيق ورفع النزاع.
مشروعيته: -
الصلح جائز ومشروع، وربما كان مندوباً إليه، وقد وصفه القرآن بأنه خير، قال تعالى: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (النساء: ١٢٨) وذلك دليل على مشروعيته، لأن كل ما كان خيراً فهو مشروع، وكل ما كان شراً فهو في شرع الله تعالى ممنوع.
وقال تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (النساء: ١١٤)
[نجواهم: حديث الناس وكلامهم]
وستأتي أدلة أُخرى من القرآن على مشروعيته.
وقد تثبتت مشروعيته أيضاً في السنة.
روى عمرو بن عوف المزني ﵁: أن النبي ﷺ قال: ((الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً)). أخرجه الترمذي في أبواب الأحكام، باب: ما ذكر عن رسول الله ﷺ في الصلح بين الناس، رقم ١٣٥٢. وأبو داود في الأقضية، باب: الصلح رقم: ٣٥٩٤. وابن ماجه في الأحكام، باب: في الصلح، رقم ٢٣٥٣).
وخُصَ المسلمون بالذكر لأنهم المقصودون غالباً في الخطاب، ولأنهم ألأكثر انقياداً لشرع الله تعالى، وإلا فغير المسلمين في هذا كالمسلمين.
وقد أجمع المسلمون في كل العصور على مشروعية الصلح، وقد ورد عن
стр. 1194
عمر ﵁ أنه قال: (ردّوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث الضغائن). قال ذلك في حضور الصحابة ﵃، ولم ينكر عليه أحد منهم، فكان ذلك إجماعاً ذلك منهم على مشروعية الصلح.
حكمة مشروعيته:
الإسلام دين الوحدة والأُخوة، والتعاون والتضامن، ونبذ التفرقة وأسبابها وما يؤدي إليها، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ) (آل عمران: ١٠٣).
ولذا نجد شرع الله تعالى يحثّ الناس على أداء الحقوق لأصحابها، لأن الإخلال بذلك هو الغالب في إثارة الخصومة والنزاع، فقال تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٨٨). وفي موضع آخر قرن بين ذلك وقتل النفس بغير حق، لأنه غالباً ما يؤدي إليها، قال تعالى
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) (النساء: ٢٩) ورسول الله ﷺ يحذر من التباغض والتنازع، لأن نتيجة ذلك التقاتل الذي قد يعود بالناس إلى الكفر، فيقول: ((لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخواناً))، ويقول: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)).
(البخاري: العلم، باب: الإنصات للعلماء، رقم: ١٢١، والأدب، باب: ما ينهي عن التحاسد والتدابر، رقم ٥٧١٨. مسلم: الإيمان، باب: بيان معنى قول النبي ﷺ : ((ولا ترجعوا بعدي كفاراً .. ، رقم ٦٥، والبر والصلة والآداب، باب: تحريم التحاسد والتباغض والتدابر، رقم ٢٥٥٩).
ويحثَ الناس على ما يمتِّن عرى المحبة بينهم ويزيل بواغث الشقاق، فيحثّهم على التسامح بدل التشاحح، وعلى التواصل بدل التقاطع، فيقول ﵊: ((رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى، وإذا قضى أقتضى)) أحرجة البخاري في البيوع، باب: السهولة والسماحة في الشراء والبيع، رقم ١٩٧٠).
стр. 1195
ولما كان الصلح بين الناس، والسعي في رفع الخصومات من بينهم في طليعة ما يحقّق الأهداف الإسلامية المشار إليها، شرعه الإسلام وحثّ عليه وجعله من الخير - بل هو الخير - الذي تتطلع إليه القلوب، وتهواه النفوس السليمة السامية، التي كانت كبحت جماح الهوى وتغلبت على الشح فيها، وارتقت فوق المطامع والدنِيِّ من الرغبات، فكان في ذلك خير للأُمة في كل زمان ومكان، وكل حادثة وحال.
ونجد رسول الله ﷺ يبيح للمسلم في سبيل الإصلاح أن يقول كلاماً لم يقل، طالماً أنه من شأنه أن يزيل النزاع ويحل بدله الوفاق، فيقول: ((ليس الكذِّابُ الذي يُصْلحُ بينَ الناس، فيَنْمي خيْراً ويقول خيراً)). (البخاري: الصلح، باب: ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس، رقم: ٢٥٤٦. مسلم: البرّ والصلة والآداب، باب: تحريم الكذب وبيان المباح منه، رقم: ٢٦٠٥).
[ينمي خيراً: من نمي الحديث إذا رفعه وبلغه ونقله بين المتخاصمين].
أنواع الصلح:
الصلح في الشرع أنواع، وكلها مشروعه، ومنها:
١ - الصلح بين دولة المسلمين وغيرهم، قال تعالى: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) (الأنفال: ٦١). ومن ذلك صلح الحديبية، وأمثله كثيرة في سيرته ﷺ .
٢ - الصلح بين أهل العدل من المسلمين وأهل البغي منهم، قال تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) (الحجرات: ٩).
٣ - الصلح بين الزوجين عند حصول النزاع بينهما، قال تعالى (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً) (النساء: ١٢٨).
٤ - الصلح بين المتخاصمين في غير الأمور المالية وليس منهم بغاة، فقد روى سهل بن سعد ﵁: أن أهل قباء اقتتلوا حتى ترامَوْا بالحجارة، فأخبر