← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6369

الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 678 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وكذلك لو اختلفا في العمل: فقال العامل: شرطت لي كذا على هذا العمل وحده، وقال صاحب العمل: بل شرطته على هذا العمل وذاك. ما تختلف به الجعالة عن الإجارة: تختلف الجعالة عن الإجارة من أوجه هي: ١ - جواز الجعالة على عمل مجهول، بينما لا تصح الإجارة إلا على عمل معلوم. ٢ - تصحّ الجعالة مع عامل غير معيّن، ولا تصحّ الإجارة مع مجهول. ٣ - في الإجارة لا بدّ من قبول الأجير القائم بالعمل، وفي الجعالة لا يشترط قبول العامل. ٤ - في الجعالة لا يستحق الجعل إلا بالفراغ من العمل، ولو شرط تعجيله فسد العقد. وفي الإجارة له أن يشرط تعجيل الأجرة. ٥ - الجعالة عقد جائز كما علمنا، بينما الإجارة عقد لازم، ليس لأحدهما أن يفسخه إلا برضا الآخر.

стр. 1192

البَاب التَاسِع الصُلح

стр. 1193

الصلح تعريفه: هو - في اللغة - قطع النزاع والتوفيق بين الخصوم وإحلال السلم بينهم. وشرعاً: عقد يحصل به التوفيق ورفع النزاع. مشروعيته: - الصلح جائز ومشروع، وربما كان مندوباً إليه، وقد وصفه القرآن بأنه خير، قال تعالى: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (النساء: ١٢٨) وذلك دليل على مشروعيته، لأن كل ما كان خيراً فهو مشروع، وكل ما كان شراً فهو في شرع الله تعالى ممنوع. وقال تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (النساء: ١١٤) [نجواهم: حديث الناس وكلامهم] وستأتي أدلة أُخرى من القرآن على مشروعيته. وقد تثبتت مشروعيته أيضاً في السنة. روى عمرو بن عوف المزني ﵁: أن النبي ﷺ قال: ((الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً)). أخرجه الترمذي في أبواب الأحكام، باب: ما ذكر عن رسول الله ﷺ في الصلح بين الناس، رقم ١٣٥٢. وأبو داود في الأقضية، باب: الصلح رقم: ٣٥٩٤. وابن ماجه في الأحكام، باب: في الصلح، رقم ٢٣٥٣). وخُصَ المسلمون بالذكر لأنهم المقصودون غالباً في الخطاب، ولأنهم ألأكثر انقياداً لشرع الله تعالى، وإلا فغير المسلمين في هذا كالمسلمين. وقد أجمع المسلمون في كل العصور على مشروعية الصلح، وقد ورد عن

стр. 1194

عمر ﵁ أنه قال: (ردّوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث الضغائن). قال ذلك في حضور الصحابة ﵃، ولم ينكر عليه أحد منهم، فكان ذلك إجماعاً ذلك منهم على مشروعية الصلح. حكمة مشروعيته: الإسلام دين الوحدة والأُخوة، والتعاون والتضامن، ونبذ التفرقة وأسبابها وما يؤدي إليها، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ) (آل عمران: ١٠٣). ولذا نجد شرع الله تعالى يحثّ الناس على أداء الحقوق لأصحابها، لأن الإخلال بذلك هو الغالب في إثارة الخصومة والنزاع، فقال تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٨٨). وفي موضع آخر قرن بين ذلك وقتل النفس بغير حق، لأنه غالباً ما يؤدي إليها، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) (النساء: ٢٩) ورسول الله ﷺ يحذر من التباغض والتنازع، لأن نتيجة ذلك التقاتل الذي قد يعود بالناس إلى الكفر، فيقول: ((لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخواناً))، ويقول: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)). (البخاري: العلم، باب: الإنصات للعلماء، رقم: ١٢١، والأدب، باب: ما ينهي عن التحاسد والتدابر، رقم ٥٧١٨. مسلم: الإيمان، باب: بيان معنى قول النبي ﷺ : ((ولا ترجعوا بعدي كفاراً .. ، رقم ٦٥، والبر والصلة والآداب، باب: تحريم التحاسد والتباغض والتدابر، رقم ٢٥٥٩). ويحثَ الناس على ما يمتِّن عرى المحبة بينهم ويزيل بواغث الشقاق، فيحثّهم على التسامح بدل التشاحح، وعلى التواصل بدل التقاطع، فيقول ﵊: ((رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى، وإذا قضى أقتضى)) أحرجة البخاري في البيوع، باب: السهولة والسماحة في الشراء والبيع، رقم ١٩٧٠).

стр. 1195

ولما كان الصلح بين الناس، والسعي في رفع الخصومات من بينهم في طليعة ما يحقّق الأهداف الإسلامية المشار إليها، شرعه الإسلام وحثّ عليه وجعله من الخير - بل هو الخير - الذي تتطلع إليه القلوب، وتهواه النفوس السليمة السامية، التي كانت كبحت جماح الهوى وتغلبت على الشح فيها، وارتقت فوق المطامع والدنِيِّ من الرغبات، فكان في ذلك خير للأُمة في كل زمان ومكان، وكل حادثة وحال. ونجد رسول الله ﷺ يبيح للمسلم في سبيل الإصلاح أن يقول كلاماً لم يقل، طالماً أنه من شأنه أن يزيل النزاع ويحل بدله الوفاق، فيقول: ((ليس الكذِّابُ الذي يُصْلحُ بينَ الناس، فيَنْمي خيْراً ويقول خيراً)). (البخاري: الصلح، باب: ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس، رقم: ٢٥٤٦. مسلم: البرّ والصلة والآداب، باب: تحريم الكذب وبيان المباح منه، رقم: ٢٦٠٥). [ينمي خيراً: من نمي الحديث إذا رفعه وبلغه ونقله بين المتخاصمين]. أنواع الصلح: الصلح في الشرع أنواع، وكلها مشروعه، ومنها: ١ - الصلح بين دولة المسلمين وغيرهم، قال تعالى: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) (الأنفال: ٦١). ومن ذلك صلح الحديبية، وأمثله كثيرة في سيرته ﷺ . ٢ - الصلح بين أهل العدل من المسلمين وأهل البغي منهم، قال تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) (الحجرات: ٩). ٣ - الصلح بين الزوجين عند حصول النزاع بينهما، قال تعالى (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً) (النساء: ١٢٨). ٤ - الصلح بين المتخاصمين في غير الأمور المالية وليس منهم بغاة، فقد روى سهل بن سعد ﵁: أن أهل قباء اقتتلوا حتى ترامَوْا بالحجارة، فأخبر

стр. 1196

رسول الله ﷺ بذلك فقال: (اذهبُوا بنا نُصْلحْ بينهم)). البخاري: الصلح، باب قول الإمام لأصحابه: اذهبوا بنا نصلح، رقم: ٢٥٤٧). ٥ - الصلح في المعاملة التي لها علاقة بالمال، وهو المقصود بالباب لدى الفقهاء عند عنونتهم للصلح، وأما أنواع الصلح الأُخرى فتبحث ضمن أبوابها. الصلح في المعاملة: قد يجري الصلح في المعاملة بين المتداعيين، وقد يجري بين المدعي وأجنبي، ولكل من الحالين أحكام. *الصلح بين المدعي والمدعى عليه: قد يجري الصلح بين المدعي والمدَّعى عليه، والمدّعى عليه مقرّ بهذا الحق، الذي ادُّعى عليه به، ويسمى: الصلح مع الإقرار. وقد يجري الصلح والمدَّعى عليه منكر وغير مقر بما ادُّعى عليه به، ويسمى، الصلح مع الإنكار فما حكم كلِّ منهما؟ الصلح مع الإنكار: وهو أن يدّعي إنسان على آخر حقاً - من دَْين كألف درهم مثلاً، أو عين كسجادة أو دار - فلا يقر المدعي عليه بذلك، وينكر أن للمدّعي عليه حقاً، أو يسكت، ثم يطلب من المدعي أن يصالحه عمّا أدّعاه، فما حكم هذا الصلح لو وقع؟ والجواب: أن هذا الصلح غير جائز وغير مشروع، ولو حصل وقع باطلاً لا يترتب عليه أيّ أثر أو حكم من أحكام الصلح التي سنعرفها إن شاء الله تعالى. والحجة فيه بطلانه: أنه صلح يحلّ حراماً أو يحرّم حلالاً، وهو غير جائز بنص الحديث السابق الذكر، إذ قال ﷺ (الصُّلحُ جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً)) (١). وبيان ذلك:

стр. 1197

إن المدّعي - إن كان كاذباً في دعواه - يكون بالصلح قد استحل مال غيره، وهو حرام عليه، فذلك صلح أحلّ حراماً، وهو ممنوع. وإن كان صادقاً، فقد حرّم على نفسه جزء من ماله، وهو حلالا عليه، لأن المدَّعَي عليه اضطره بإنكاره إلى التنازل عنه، فيكون صلحاً حرّم حلالاً، وهو ممنوع. الصلح مع الإقرار: وهو أن يدّعي إنسان حقاً على أخر، من دين أو عين، فيعترف المدّعي عليه ويقرّ بهذا الحق، ثم يطلب المصالحة عن ذلك. فإذا حصل الصلح كان جائزاً ووقع صحيحاً، وترتبت عليه آثار الصلح وأحكامه، لأنه مما يدخل في أدلة مشروعيته الصلح دخولاً أوليّاً. وفي هذه الحالة إما أن يكون الحق المدعى المصالَح عنه عيناً، وإما أن يكون ديناً، ولكل أحكامه. أالصلح عن العين: قد يكون المصالح عليه عن العين بعضها، ويسمىَ صلح الحَطيِطة، وقد يكون عيناً أخرى غيرها أو منفعة، فيسمى صلح المعاوضة. - صلح الحَطيِطة: إذا كان الحق المدعى والمصالح عنه عيناً، وجرى الصلح بين المدّعي والمدّعَى عليه على جزء من هذا العين، كأن كان داراً فجري الصلح على أن يأخذ المدَّعي نصفها مثلاً، كان ذلك هبة للنصف الثاني من صاحب الحق المدَّعي لمن العين في يده وهو المدّعَي عليه، وتأخذ هذه الصورة من الصلح أحكام الهبة التي عرفتها في بابها، والتي من جملتها اشتراط القبول من المدّعي عليه ونحو ذلك. ويسمى هذا النوع من الصلح: صلح الحَطيِطة، لأن صاحب الحق قد حط جزءا عن المدّعي عليه.

стр. 1198

- صلح المعاوضة: وإذا كان حق المدَّعَي المصالح عنه عيناً، وجرى الصلح بين المدّعي والمدّعَى عليه على أن يدفع المدَّعَى عليه - الذي في يده العين - عيناً أخرى غير المدعاة بدلاً عنه، كما لو كان المدعي - مثلاً - داراً، فجرى الصلح على أن يعطيه عوضاً عنها سيارة، فإن ذلك جائز وصحيح، ويكون في الحقيقة بيعاً للعين المدعاة بهذه العين المدفوعة، فيثبت فيه جميع أحكام البيع التي عرفتها: من العلم بالثمن، وكونه مالاً منتفعاً به شرعاً مثلاً، كما يثبت فيه خيار المجلس وخيار الشرط وخيار الرد بالعيب، ويفسده ما يفسد البيع من الشروط على ما علمت، ويحرم فيه ما يحرم في البيع من الغرر ونحو ذلك. ويسمى هذا النوع من الصلح في كل صورة: صلح المعاوضة، لأن صاحب الحق قد استعاض عن حقه بشيء أخر رضي به، عيناً كان أم منفعة. وإن جرى الصلح على منفعة عين أُخرى، كان صالحه عن الدار على استعمال سيارته سنه مثلاً، كان ذلك الصلح عقد إجارة، فيثبت فيه أحكام الإجارة لأنه فيه معناها. ... وإن جرى الصلح على منفعة نفس العين المدّعاة، كأن صالحه على أن يسكن المدّعي الدار المدعاة مثلاً عشر سنوات ثم يردّها إليه، فهو إعارة، تثبت فيه أحكامها، لأنه في معناها. ب الصلح عن الدين: - وهو أن يدّعي إنسان على أخر دَيْناً، ألف درهم مثلاً، فيقر المدّعي عليه بذلك ويتصالحان عنه، وقد يكون المصالح عليه بعض الدين فيكون صلحه الحَطيِطة، أو عيناً أو منفعة فيكون صلح المعاوضة. ١ - صلح الحَطيِطة: أن يختصم مع المدين وهو مقرّ بالدين، ثم يتصالحا على أن يحطّ عنه قسماً معيناً من الدين، كان يصالحه عن الألف التي له عليه بخمسمائة. فهذا صلح صحيح، ويكون إبراءاً للمدين من بقية الدَّيْن.

стр. 1199

روى كعب بن مالك رضي اله عنه: أنه تقاضى عبد الله بن أبي حدرد راضي الله عنه ديناً كان له عليه , في عهد رسول الله ﷺ في المسجد , فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيت، فخرج رسول الله ﷺ إليهما، وحتى كشف سجْفَ حُجْرته، فنادى كعب بن مالك فقال: ((يا كعبُ)) فقال: لبَّيك يا رسولَ الله، فأشار بيده: أنا ضَعِ الشطر، فقال كعب: قد فعلت يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ ((قم فأقضه)). البخاري: باب الصلح، باب: الصلح بالدَّيْن والعين، رقم: ٢٥٦٣. مسلم: المساقاة، باب: استحباب الوضع من الدين، رقم: ١٥٥٨). [تقاضي: طالب بالوفاء. سِجْف حجرته: ستر باب غرفته]. ويصح هذا الصلح بلفظ الصلح كما يصح بلفظ الإبراء والحطّ والإسقاط. فإذا كان بلفظ الإبراء ونحوه لم يشترط فيه القبول، واشترط فيه تحقق شروط الإبراء، وهي: ١ - أن يكون المبرئ من أهل التبرع فيما أبرأ منه، فلا يصحّ من الولي عن الصبي، لأنه ليس من أهل التبرع بماله. ٢ - أن يكون عاماً بما أبرأ منه، فلا يصح أن يقول، أبرأتك من جزء الدَّيْن، وكذلك لا يصح لو قال: من ربع الدين وهو يجهل قدره. ٣ - أن يكون الإبراء عن دين، فإذا كان الصلح عن عين فلا يصحّ بلفظ الإبراء. ٤ - أن يكون معلقاً على شرط ولا مؤقتاً بزمن. وإذا جرى بلفظ الصلح اشترط فيه القبول كباقي أنواع الصلح. إذا لم يؤدي المبرأ بقية الدين: إذا أبرأ الدائن المدين من جزء من الدين ليؤدَّيَ له الباقي، ثم امتنع المدين عن أداء ذلك فهل يعود الدين كما كان، وللدائن أن يطالب بجميعه؟

стр. 1200

والجواب: الأصح أنه لا يعود الدين كما كان، وليس للدائن أن يطالب إلا بما بقي بعد الإبراء، لأن الإبراء إسقاط للحق من الذمة، فبه سقط جزء من الدين من ذمة المدين، والقاعدة الفقهية تقول: (الساقط لا يعود). ولذا ينبغي على أصحاب الديون أن ينتبهوا إلى هذا فلا يتلفظوا بالإبراء ونحوه من الألفاظ التي معناه كسامحتك - مثلاً - بما لي عليك، فإن ديوانهم تسقط من ذمة المدين، وليس للدائن بعد ذلك مطالبة بها، سواء أَقبل ذلك الإبراء أم لا، وسواء أقبل ذلك الإبراء أم لا، وسواء أكان ذلك في حالة غضب أو نشوة سرور - كما تفعل الزوجات أحياناً حين تبرئ إحداهنّ الزوج مما لها من مؤخَّر في ذمته - أم لا. ٢ - وأما صلح المعاوضة في الدين: فهو أن يدّعي ديناً على أخر، كألف مثلاً ويقّر له المدَّعَى عليه بذلك، ثم يصالحه عنها أن يعطيه سلعه معَّينة، غسالة مثلاً فهذا معاوضة وبيع، تجري عليه أحكام البيع، وإذا صالحه على منفعة عين - كأن يسكنه داراً سنة مثلاً - فهو إجارة، تجري عليها أحكام الإجارة، كما علمنا عن الصلح في العين. *الصلح بين المدَّعي وأجنبي: وذلك بأن يدّعي إنساناً حقاً على أخر، فيأتي شخص ثالث غير المدَّعَي عليه ويصالح المدَّعي عمّا أدّعاه. ولهذا الصلح صور حسب حال المدََّعَى عليه وموقف الأجنبي من ذلك، ولكل صورة حكمها، إليك بيان ذلك: ١ - أن يدّعي الأجنبي الوكالة عن المدّعي عليه ويصالح له، كأن يقول: وكّلني المدّعي عليه أن أصالحك، وهو مقر لك بما أدّعيت، ولم ينكر المدَّعي عليه الوكالة بعد ذلك، وصالح، كان الصلح صحيحاً، وصار المصالَح عنه - وهو الحق المدّعى - ملْكاً للمدّعي عليه موكِّل الأجنبي. وإن كان أنكر المدعى عليه الوكالة بعد ذلك كان الصلح باطلاً. ٢ - أن يصالح الأجنبي لنفسه، بأن يقول: إن فلاناً الذي ادّعيت عليه الحق مقرّ لك به، وأنا أُصالحك عنه علة كذا، دون دعوى الوكالة، فهو كشراء الفضولي، أي شراء الإنسان لغيرة، والصحيح أنه باطل.

стр. 1201

٣ - أن يكون المدعى علبه منكراً ويقول الأجنبي: هو مبطل في إنكاره، ويصالح عن الحق المدعى لنفسه، فهو في حكم بيع المغضوب لغير الغاضب: فإن كان قادراً على انتزاعه من يد المدعى عليه صحّ الصلح، وإن لم تكن قادراً على ذلك لم يصح. ٤ - أن يكون المدّعى عليه منكراً، ولم يعرف الأجنبي ببطلان إنكاره، وصالح المدّعي عن الحق المدعى لنفسه، فالصلح في هذه الحالة باطل، ولأنه في حكم شراءه للمدّعي ما لم يثبت له ملكه، فلا يصح. أركان الصلح وشروطها: للصلح أركان، لأنه عقد، ولكن عقد أركانه، وأركان عقد الصلح أربعه: عاقدان، وصيغة، ومصالح عنه، ومصالح عليه. الركن الأول: العاقدان: وهما: المدّعي المصالَح، والمدَّعَي عليه المصالح، ويشترط في كل منهما شروط، هي: ١ - التكليف، أي أن يكون كلا منهما عاقلاً بالغاً، فلا يصحّ الصلح من الصبي ولو كان مميزاً، ولا من المجنون، لأن الصلح نقد وتصرّف، وتصرفاتهما غير معتبرة شرعاً وعقودها باطله، كما علمت مراراً. ٢ - ولاية التصرف في المال، إذا كان الصلح عن الصغير، وذلك كالأب والجدّ والوصيّ، لأن الصلح تصرّف في المال، ولا يملك التصرّف في مال الصغيرين من الأولياء غير هؤلاء. ٣ - أن لا يكون في الصلح ضرر ظاهر، إذا كان الصلح من وليّ الصغير عنه، سواء أكان مدّعياً أو مدّعي عليه. - فلو كان الصبي مدّعي عليه، وصالح وليّه عماً ادعي به على شيء به من مال الصبي: - فإن كان المدّعي بيِّنه على مدعاه، وكان ما صالح عليه الولي مثل الحق المدعي به، أو بزيادة يتغابن الناس بمثلها عادة، فالصلح جائز. لأن الصلح في معنى

стр. 1202

المعاوضة، والولي يلمك المعاوضة لمن تحت ولايته بالغبن اليسر المألوف عادة. - وإن لم يكن للمدّعي بيِّنة على مدعاه، أو كان ما صالح عليه الولي أكثر من الحق المدّعي بزيادة فاحشة لا يتغابن الناس بمثلها عادة، فالصلح باطل. لأن في مل التبرع بمال الصبي، والتبرع ضرر محض في حقه، فلا يملكه الولي. فلو صالح الوليّ من ماله الخاص جاز، لأنه ما أضرّ الصغير بل نفعه، حيث قطع الخصومة عنه. - ولو كان ولي الصبي هو المدِّعي له، وصالحه المدَّعَي عليه على حق بعض المدَّعي به وأخذ الباقي: - فإن كان للولي المدعي بيِّنه على الدين لم يصحّ الصلح، لأن الحطّ من الدِّيْن تبرع، وهو لا يملك التبرع للمال الصبي. - وإن لم يكن للولي المدّعي، وصالحه على مثل قيمة الحق المدعي به، أو مع غبن يسير، صحّ الصلح، لأنه في معنى البيع من مال الصبي - كما سبق - وهو يملكه فإن كان مع غبن فاحش لم يصح، لأنه تبرع لا يملكه كما علمت. الركن الثاني: الصيغة: وهي الإيجاب والقبول من المتصالحَيْن، وكما يقول المدّعي عليه المصالح: صالحتك عن كذا على كذا، أو: من دعواك كذا على كذا. ويقول الآخر: قبلت، أو رضيت، أو صالحت، ونحو ذلك مما يدل على رضاه وقبوله بهذا الصلح. وقد مّر معنا أنه يصحّ في بعض أنواعه بلفظ الإبراء والحط وما في معناه. الركن الثالث: المصالح عنه: وهو الحق الذي يدّعيه، ويطلب منه أن يصالح عنه على عين أو دين أو منفعة، على ما سبق، ويشترط فيه شروط: ١ - أن يكون حقاً لآدمي، مالاً أم ليس بمال كالقصاص، فإنه يصحّ الصلح عنه، فلو استحق إنسان على أخر القصاص، فصالحه على مال بدل القصاص جاز،

стр. 1203

سواء أكان البدل المصالح عليه عيناً - كدار مثلاً - أم ديناً - كألف دينار مثلاً - فإذا كان ديناً اشترط التقابض في مجلس الصلح، حتى لا يكون دَيْناً بدَيْن. وتصح المصالحة عن القصاص، سواء أكان في النفس أم فيما دون النفس من ألأعضاء والجراح. عن أنس ﵁: أن الرُّبَيّع - وهي ابنة النضر - كسرت ثِنَيّة جارية، فطلبوا الأرش وطلبوا العفو فأبوا، فأتوا النبي ﷺ فأمرهم بالقصاص، فقال أنس بن النضر: أتُكْسَر ثَنِيِّة الربيع يا رسول الله؟ لا والذي بعث بالحق لا تكسر ثنيتها. فقال: ((يا أنسُ، كتاب الله القصاصَ)). فرضي القوم وعفوا- وفي الرواية وقبلوا الأرش - فقال ﷺ ((إنَّ من عباد الله مَن لو أقْسم على الله لأبَرَّه)) البخاري: الصلح، باب: الصلح في الدية، رقم: ٢٥٥٦. مسلم: القسامة، باب: إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها، رقم: ١٦٧٥). [ابنة النضر: أي عمّة أنس بن مالك بن النضر، ﵁ وعن عمّه وعمته. ثنية: هي إحدى السنين التي في مقدّم الأسنان. جارية: امرأة شابة أو بنتاً صغيرة. فطلبوا: أي أهل الجانية. الأرش: أن يصالحوا على أن يدفعوا مالاً يقابل الجناية، القصاص: لكثر سنها. كتاب الله القصاص: أي حكم كتاب الله تعالى يقضي بالقصاص، فكيف تقول ذلك. لأبرَّه: لحقق له ما أقسم عليه كي لا يقع في الإثم، لعلمه بصدقه وإخلاصه). فلو كان المصالح عنه حقاً من حقوق الله تعالى، كان يصالح زانياً على ما يأخذه منه على أن يرفع أمره إلى القضاء - مثلاً - كي لا يقيم عليه الحد، لم يصح الصلح، لأن الحدّ حق الله تعالى، ولا يصح الاعتياض عن حق الغير على أن الصلح من الحدود صلح يحلّ الحرام فلا يجوز. عن أبي هريرة ﵁ وزيد بن خالد الجهني رض الله عنهما قالا: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله، فقام خصمه فقال: صدق، أقض بيننا بكتاب الله - وفي راوية وائذن لي - فقال رسول الله ﷺ : (قل). فقال: إن ابني كان عَسِيفاً على هذا، فزني بامراته، فقالوا

стр. 1204

لي: على ابنك الرجم، ففديتُ ابني منه بمائة من الغنم ووليدة، ثم سألت أهل العلم فقالوا: إنما على ابنك الجلد مائة وتغريب عام. فقال النبي ﷺ " لأقْضيَنَّ بينكما بكتاب الله، أما الوليدةُ والغنمُ فردِّ عليك، وعلى ابنك الجلد مائة وتغريب عام، وأما أنَت يا أُنَسْ ُ- لرجل - فأغْد على امرأة هذا فارْجُمها (رواه البخاري في الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح جَوْر فالصلح مردود، رقم: ٢٥٤٩ مسلم في الحدود، باب: مَن اعترف على نفسه بالزنا، رقم: ١٦٩٧). (عسيفاً: أجيراً. وليدة: امرأة مملوكة. أهل العلم: الصحابة العلماء ﵃. فقوله ﷺ : " أما الوليدة والغنم فردّ عليك " دليل صريح في بطلان هذا الصلح الذي جرى على حق من حقوق الله تعالى، والذي مقتضاه تحليل حرّم الله ، وهذا ما صرّح به البخاري رحمه الله تعالى لترجمته للحديث. ويقاس على حدّ الزنا جميع الحدود التي تغلب فيها حق الله تعالى، كحدّ السرقة وحدّ القذف، وإن كان فيها حق للعبد، ولكن الغالب حق الله تعالى، وحق العبد مغلوب، والمغلوب تابع للغالب، فلا يلتفت إليه شرعاً. وكذلك لا يصحّ الصلح على ألا شهد عليه، أي أن يعطيه مالاً كي لا يؤدي الشهادة التي تحمّلها عليه، لأن الشهادة حق الله تعالى، قال جلّ وعلا: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) (الطلاق: ٢). وقال: (كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ) (النساء: ١٣٥). فالصلح عن هذه الحقوق صلح باطل، ويجب على مَن أخذ المال بدلاً عنها ردّه إلى مَن أخذه منه، لأنه أخذ بغير حق وكسب خبيث، وهو فسوق تردّ به الشهادة عند القاضي إذا علم به. ٢ - أن يكون حقاً للمصالح، فإن لم يكن حقاً له لم يصح الصلح، إلا إن كان الصالح عن الذي تحت ولايته وفي حجرة كما علمت.

стр. 1205

فلو ادّعت امرأة مطلقة أن الولد الذي في يدها ابن زوجها المطلق، فأنكر زوجها ذلك، فصالحته عن النسب إليه على شيء، فالصلح باطل. لأن النسب حق الصبي لا حقها، فلا تملك المعاوضة عنه. ٣ - أن يكون حقاً ثابتاً للمصالح في محل الصلح، أي ما يرد عليه عقد الصلح. فلو صالح الشفيع - أي الشريك في العقار ونحوه، الذي باع شريكه حصته لغيره دون علمه، فإن يحقّ له أخذ هذه الحصة من المشتري بثمنها، كما ستعلم في باب الشفعة - فلو صالح هذا الشفيع المشتري عن حق الشفعة الذي ثبت له بالشرع على مال معلوم يأخذه منه، على أن يترك الحصة لهذا المشتري، فإن الصلح باطل، لأن الشريك الشفيع لا حق له في محل الصلح - وهو حصة شريكه المباعة - حتى يحق له أن يصالح عنها، وإنما أثبت له الشرع حق التملك القهري لما اشتراه المشتري، دفعاً لما يتوهم من ضرر الشريك الجديد عليه، فإذا رضي به فقد سقط حقه، فليس له أخذ المال منه، لأنه أخذ لمال غيره بغير عوض. ٤ - أن يكون معلوماً، فلو كان المصالح عنه مجهولاً للمتصالحين أو أحدهما كان الصلح باطلاً، لما فيه من الغرر المنهي عنه، فيكون داخلاً في معنى الصلح الذي أحلّ حراماً الركن الرابع: المصالح عليه: وهو البدل الذي يأخذه المدّعي من المدّعى عليه مقابل ما ادّعاه من الحق، ويُشترط فيه ١ - أن يكون مالاً شرعاً، فلو صالح من الحق الذي ادّعاه على خمر أو خنزير أو أداة لهوِ - مثلاً - لم يصحّ الصلح، لأن هذه الأشياء ليست بمال شرعاً، وعقد الصلح فيه معنى المعاوضة، فالمصالح عنه والمصالح عليه كالمبيع والثمن في عقد البيع، وما ليس بمال شرعاً لا يصلح عوضاً في البيع، وما لا يصلح عوضاً في البيع لا يصلح بدلاً في الصلح. ولا مانع أن يكون المال المصالح عليه عيناً كسجادة مثلاً، أو ديناً كألف دينار، أو منفعة كسكنى دار سنة مثلاً، لأن مثل ذلك يكون عوضاً في المبايعات

стр. 1206

وعقود المعاوضة، فيصح أن يكون بدلاً في الصلح، وقد مرّ معنا أمثلة كثيرة على ذلك. ٢ - أن يكون مملوكاً للمصالح، فلو صالح على شيء ثم تبين أنه لا يملكه، كما لو كان خرج مسروقاً أو مغصوباً أو نحو ذلك، فإن الصلح يبطل حتى ولو كان المصالَح قد قبضه، لأنه تبيّن أنه صالح على ما لا يملك، فتبين أنه لا صلح، لأنه لا يملك أن يصالح على مال غيره. ٣ - أن يكون المصالح عليه معلوماً للعاقدين، لأن جهالة البدل تؤدي إلى المنازعة، وذلك من شأنه أن يفسد العقد. التزاحم على الحقوق المشتركة جرت عادة الفقهاء أن يعقدوا في كتاب الصلح فصلاً للتزاحم على الحقوق المشتركة، ويبينوا ما يجوز فيه الصلح منها وما لا يجوز، ونحن نذكر فيما يلي طرفاً من هذه الحقوق المشتركة: ١ - بناء الروشن والساباط والميزات: الروشن: هو الخشب الخارج من الحائط الممتد في الهواء، ويسمى جناحاً تشبيهاً بجناح الطائر، ويسمى شرفة أيضاً. الساباط: هو السقيفة على حائطين والطريق بينهما. الميزاب: مسيل الماء من السطح، وهو المز راب. وهذه الأشياء الثلاثة إما أن تنشأ في طريق نافذ، أو في طريق غير نافذ، ولكلّ منهما تفاصيل وأحكام نوجزها فيما يلي: أ - إنشاء هذه الأشياء في الطريق النافذ: الطريق النافذ: هو ما يستحق المرور فيه كل إنسان، ولا يختص به واحد دون آخر. هذا الطريق لا يجوز أن يُتصرف فيه بما يضر المارّة، كإشراع جناح وبناء ساباط ووضع ميزاب. لأن الحق ليس له بل هو للمارة، فإن فعل ما هو ممنوع منه وجبت إزالته، لقوله ﵊: " لا ضرر ولا ضرار " (أخرجه ابن ماجه في الأحكام، باب: مَن بني في حقه ما يضرّ بجاره، رقم: ٢٣٤٠، ٢٣٤١.

стр. 1207

ومالك في الموطأ: الأقضية، باب القضاء في المرفق: ٢/ ٧٤٥). والذي يقوم بإزالته الحاكم خوفاً من وقوع فتنة، لكن لكل واحد المطالبة بإزالته لأنه منكر. فإن كان إنشاء ما ذكر غير ضارّ بالمارة، وكان الطريق خاصاً بالمشاة اشترُط ارتفاعه بحيث إذا مرّ الماشي الطويل وهو حامل على رأسه أو ظهره شيئاً لم يتضرّر به عادة، واشترط أيضاً أن لا يكون حاجباً للنور بحيث يظلم المكان إظلاماً لا يحتمل. وإن كان الطريق غير خاص بالمشاة، بل هو ممر للفرسان والقوافل ومثلها السيارات في عصرنا هذا، فيشترط أن يرفع بناء الروشن والساباط بحيث يمر تحته المحمل على البعير مع أخشاب المظلة التي فوق المحمل ومثلها حمولة الشاحنات الكبيرة على اختلافها. والأصل في جواز البناء حيث لا ضرر حديث " نصب بيده الكريمة ﷺ ميزاباً في دار عمه العباس وكان شارعاً إلى مسجد الرسول ﷺ (ذكر في نيل الأوطار [٥/ ٢٧٨] في كتاب الصلح، باب: إخراج ميازيب المطر إلى الشارع: أنه أخرجه أحمد والبيهقي والحاكم). فورد النص في الميزاب وقيس عليه الباقي. وهذه الأشياء يحرم الصلح عليها سواء أكان الصلح من جانب الإمام أم من غيره، لأن الهواء لا يفرد بالعقد وإنما هو تابع للقرار، وهو الأرض الموازية له، ولأنه إن ضرّ لم يجز فعله بعوض أو غير عوض، وإن لم يضرّ فالباني مستحق له، وما يستحقه الإنسان في الطريق لا يجوز أخذ العوض عنه كالمرور. ب - إنشاء هذه الأشياء في الطريق غير النافذ: الطريق غير النافذ إن كان لواحد فقط فهو ملك له، وإن كان مشتركاً بين جماعة فلا يجوز له بناء شيء مما ذكر إلا بإذن بقية الشركاء، ولا يصحّ الصلح على ذلك. هذا ويعدّ شريكاً فيما بين رأس الدرب كلُّ مَن نفذ باب داره إليه، لاَ مَن لاصق جداره الدرب، ويكون شريكاً فيما بين رأس الدرب وباب داره فقط. أما ما يلي باب داره إلى آخر الدرب فلا حق له فيه، ولا يعتبر إذنه في البناء أو عدم إذنه.

стр. 1208

٢ - فتح باب جديد في الدرب: يحق لمن كان شريكاً في الدرب أن يفتح باباً جديداً إذا كان الباب المفتوح أقرب على رأس الدرب، لأنه تنازل منه عن بعض حقه بشرط سدّ القديم. أما إذا كان أبعد من القديم عن رأس الدرب وأقرب إلى نهايته فلا يجوز له فتحه إلا بإذن الشركاء. وكذلك الحكم إذا فتح باباً ثانياً ولم يسدّ الأول. وحيث منع من فتح الباب فصالحه أهل الدرب على مالٍ صح، لأنه انتفاع بالأرض. ٣ - بناء دكة وغرس شجرة في الطريق: يحرم أن يبني في الطريق دكة - مصطبة - أو دعامة لجدار وأن يغرس شجرة، ولو اتسع الطريق ولم يضرّ بالمارّة وأذن به الإمام، لأنه قد تزدحم المارة فيتعثرون ويضيق الطريق عليهم، ولأنه إذا طالت المدة أشبه موضعهما الأملاك وانقطع أثر الاستحقاق في الطروق فيه. وعلى هذا فلا يجوز المصالحة على ذلك، إذا كان غرس الأشجار للتملّك الفردي. أما إذا كان الغرس لعموم المسلمين ولمصلحتهم فلا مانع من ذلك حيث لا ضرر. ٤ - وضع خشبة على جدار غيره: قد يكون الجدار الملاصق ملكاً لشخص آخر، وعلى هذا فلا يجوز وضع خشبة على هذا الجدار أو غرزها فيه إلا برضا مالكه في المذهب الجديد، ولا يجبر المالك له إن امتنع، لقوله ﵊: " لا يحلُّ لامرئ من مال أخيه إلاّ ما أعطاه عن طِيبِ نفْس " (مسند أحمد: ٥/ ١١٣) ولقوله: " لا ضررَ ولا ضرارَ " (١) وفي المذهب القديم يجوز ذلك، ويجبر المالك إن امتنع، لما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يَمْنَعَنَّ جار جارَه أن يضعَ خشبهً في جِداره " ثم قال أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين؟! والله لأرْمِيَنّ بها بين أكتافكم (أخرجه البخاري في المظالم، باب لا يمنع جار جاره أن

стр. 1209

يغرز خشبة في جداره، رقم: ٢٣٣١. ومسلم في المساقاة، باب: غرز الخشب في جدار الجار، رقم: ١٦٠٩). فلو رضي المالك بوضع الخشبة بلا عوض كان ذلك عارية، تثبت فيها أحكام العارية فيستفيد بها المستعير مرةِّ واحدة، حتى لو رفع جذوعه أو سقطت بنفسها، سقط الجدار، فبناه صاحبه بتلك الآلة لم يكن له الوضع ثانياً في الأصح، لأن الإذن يتناول مرة واحدة. ولو رضي بوضع الجذوع والبناء عليها بعوض، فإن أجّر رأس الجدار للبناء فإجارة، وإن قال بعته للبناء أو بعته حق البناء عليه فالأصح أن هذا العقد فيه شوب بيع وشوب إجارة، لأن المستحق به منفعة فقط فهو إجارة، ولكون مؤيداً فهو بيع. مبطلات الصلح: ويبطل الصلح بأشياء غير ما سبق في مواضعه، منها: ١ - الإقالة في غير الصلح عن القصاص، فلو قال أحد المتصالحين للآخر بعد الصلح: أقلني عن هذا الصلح، أي أحب فسخ هذا العقد، وقبل الآخر انفسخ الصلح، لأنه عقد فيه معنى معاوضة المال بالمال، فكان محتملاً للفسخ كالبيع. فلو كان الصلح عن القصاص فإنه لا ينفسخ، لأن الصلح عن القصاص إسقاط محض لحض وليّ الدم في استيفاء القصاص من القاتل، لأنه عفو عنه، وقد علمت أن الساقط لا يعود بعد إسقاطه، فلا يحتمل الفسخ. وفي هذه الحالة يرجع المدّعي على القاتل بالدية، لا بما صالح عليه، لأن القصاص سقط لشبهة الصلح، فيسقط إلى بدله المشروع وهو الدية. ٢ - الرد بخيار العيب، كما لو صالحه على شيء ثم قبضه المصالح، فوجد فيه عيباً ينقص قيمته عرفاً - على ما عرفت في عقد البيع - فإن له الخيار أن يردّه، فإذا ردّه انفسخ الصلح وبطل.

стр. 1210

حكم الصلح بعد بطلانه: إذا بطل عقد الصلح يرجع المدّعي إلى أصل دعواه إن كان الصلح عن إنكار، وقد علمت أن الصلح مع الإنكار باطل أصلاً. وإذا كان الصلح مع الإقرار: رجع المدَّعي على المدَّعى عليه بالمدَّعى به لا غيره، لأن بطلان الصلح جعله كأن لم يكن، وعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل الصلح.

стр. 1211

الباب العاشر الحوالة

стр. 1212

الحوالة تعريفها: في اللغة: هي النقل أو الانتقال، قال في المصباح المنير: (تحول من مكانه انتقل عنه، وحوّلته تحويلاً نقلته من موضع إلى موضع ... وحوّلت الرداء نقلت كل طرف إلى موضع الآخر، والحَوالة - بالفتح - مأخوذة من هذا، فأحلته بديَنْه نقلته إلى ذمة غير ذمتك، وأحلت الشيء إحالة نقلته أيضاً. ويقال: حال عن العهد أي انتقل عنه وتغيّر). وفي الاصطلاح: عقد يقتضي نقل دَيْن من ذمة إلى أخرى. قال في "مغني المحتاج ": (ويُطلق على انتقاله من ذمة إلى أُخرى، والأول هو غالب الاستعمال). مشروعيتها: دلّ على مشروعية الحوالة وجوازها: ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " مَطْلُ الغنيِّ ظُلْم، فإذا أُتْبع أحدُكم على مليء فلْيَتْبَع " وفي رواية عند أحمد: " ومنْ أُِحِيل على مليء فليَحْتَل " (البخاري في كتاب الحوالة، باب: في الحوالة وهل يرجع في الحوالة، رقم: ٢١٦٦. ومسلم في المساقاة، باب: فضل إنظار المعسر رقم: ١٥٦٤. وأحمد في مسنده [٢/ ٤٦٣]). [مطل الغني: تأخيره ما استحق عليه أداؤه، والغني: المستدين الذي يجد لديه ما يفي به دينه. ظلم: تعدّ على حق غيره وهو محرّم عليه. أتبع أحدكم: أحيل مَن كان منكم له دين على غيره. مليء: غني قادر يجد ما يقتضي به الدين فليحتل: فليقبل الحوالة]. وقد أجمع المسلمون في مختلف العصور على مشروعية الحوالة وجوازها، ولم يُعلم مخالف في هذا.

стр. 1213

وجمهور العلماء على أن الأمر المذكور في الحديث بقوله " فليتبع " وقوله " فليحتل " أمر ندب واستحباب لا أمر فرض وإيجاب. وعليه: فمَن كان له دين على آخر، فأحاله المستدين على غيره استحبّ له أن يقبل هذه الحوالة ولم يجب عليه ذلك. بل ويعتبر في هذا الاستحباب أن يكون من أُحيل عليه لديه ما يفي بدين المحال، وان لا يكون في ماله شبهة. فإذا لم يكن لديه وفاء بدين المحال، أو كان في ماله شبهة لم يكن قبول الحوالة مستحباً في حق المُحال. أركان الحوالة وشروطها: للحوالة أركان تقوم عليها وتتألف منها، وكلّ من هذه الأركان له شروط تتعلق به. وإليك بيان هذه الأركان مع بيان ما يتعلق بكلّ منها من شروط: ١ - المُحيل: هو المَدين الذي يحيل دائنه بدَيْنه على غيره. ويُشترط فيه: أن يكون أهلاً للعقد، أي أن يكون عاقلاً بالغاً، فلا تصح الحوالة من المجنون والصبي غير المميِّز، لأنه في حكم الذي لا يعقل، والعقل شرط لصحة ممارسة التصرفات. ٢ - المُحال: وهو الدائن الذي يحال بدينه ليستوفيه من غير مدينه، أي هو الدائن للمحيل الذي أحاله ليستوفي دينه من غيره، ويقال له أيضاً: المحتال، أي طالب الإحالة. ويشترط فيه أيضاً: أن يكون أهلاً للعقد، أي أن يكون عاقلاً، لأن قبول المحال من أركان عقد الحوالة، وغير العاقل ليس من أهل القبول. وأن يكون بالغاً أيضاً، لأن قبول الصبي غير صحيح، لعدم اعتبار أقواله في المعاملات شرعاً. ٣ - المُحال عليه: وهو الذي يلتزم بأداء الدَّيْن للمحال. ويشترط فيه: العقل والبلوغ، فلا تصحّ الحوالة على المجنون ولا على الصبي ولو كان عاقلاً مميزاً، لأن التزام الدَّيْن وأداءه فيه معنى التبرّع، وغير البالغ العاقل لا يصح منه التبرع.

стр. 1214

٤ - المُحال به: وهو الحق الذي يكون للمحال على المحيل، ويحيله به على المحال عليه. ويشترط فيه: أ - يكون ديناً: فلا تصحّ الحوالة بالأعيان القائمة، لأن الحوالة نَقْل حكمي، لأنها نقل لما في الذمة إلى ذمة أُخرى، والنقل في الأعيان القائمة نقل حقيقي لا حكمي، لأنها لا تثبت في الذمة، فلا حوالة فيها. فإذا أحاله ليستوفي عيناً قائمة - كسجادة مثلاً أو غسالة - كانت وكالة لا حوالة، وتثبت في هذه الحالة أحكام الوكالة لا أحكام الحوالة. ب - أن يكون الدين لازماً: كالثمن بعد تسليم المبيع وانتهاء مدة الخيار، أو آيلاً إلى اللزوم: كالثمن في زمن الخيار، لأنه يؤول إلى اللزوم بانتهاء مدة الخيار. وهذا هو الأصح، فلو أحال البائع أحداً على المشتري ليقبض منه الثمن، صحّت الحوالة. وقيل: لا تصح الحوالة بالثمن زمن الخيار، لأنه دين غير لازم. وتصحّ الحوالة بالدَّيْن وإن لم يستقر بعد، كالصداق قبل الدخول، والأجرة قبل مضي مدة الإجارة، والثمن قبل قبض البيع. ٥ - الصيغة: وهي الإيجاب والقبول، فالإيجاب أن يقول المحيل: أحلتك على فلان، والقبول أن يقول المحال: قبلت أو رضيت. ويشترط في الإيجاب والقبول أن يكونا في مجلس العقد. خيار الشرط وخيار المجلس: ويشترط في عقد الحوالة أن يكونا باتاً، فلا يثبت فيه خيار المجلس ولا خيار الشرط: أما خيار الشرط: فلأن الأصل فيه أن يثبت في العقود لحماية المتعاقدَيْن من الغبن، وعقد الحوالة لم يُبْنَ على المغابنة، وإنما هو عقد للإرفاق والمعاونة.

стр. 1215

وأما خيار المجلس: فلأنه يثبت في بيع الأعيان، والحوالة بيع دين بدين على الأصح. شروط صحة الحوالة: ١ - وجود دين للمحيل على المحال عليه: فلا تصح الحوالة إلا على مَن كان عليه دَيْن للمحيل، لأن الأصح أنها بيع دين بدين أُجيز للحاجة، فلا بدّ أن يكون للمحيل على المحال عليه شيء يكون عوضاً عن حق المحال. ويشترط في الدين للمحال عليه: أ - أن يكون دَيْناً لازماً أو آيلاً إلى اللزوم، كما هو الحال في الحق المحال به. ب - أن يكون متساوياً مع الدين المحال به: حلولاً وأجلاً، وجنساً وقدراً وصفة. فإذا اختلف الحقان في شيء من هذا لم تصحّ الحوالة، لأن الحوالة عقد معاوضة للارتفاق، أُجيزت للحاجة والتعاون، فاعتبر فيها الاتفاق كما هو الحال في القرض، فإذا اختلف الحقان صار في طلب زيادة على الحق، فلا يجوز. وكذلك الحوالة تجري مجرى المقاصّة، لأنه يسقط بها ما في ذمة المحيل بمقابل ماله في ذمة المحال عليه، والمقاصة لا تصح حال الاختلاف بين الحقَّيْن. ٢ - رضا أطراف الحوالة: المحيل والمحال والمحال عليه. أما المحيل: فلآن له إيفاء الحق الذي في ذمته من حيث شاء، فله أن يوفي دائنه بنفسه، وله أن يوفيه بواسطة مدينه الذي هو المحال عليه، فلا يُلزم بجهة معينة سواء كانت نفسه أو مدينَه، فإذا رغب دائنه أن يستوفي حقه من جهة غيره فلا بد أن يكون ذلك برضاه. وأما المحال: فقد اشتُرط رضاه حتى تصحّ الحوالة، لأنه هو صاحب

стр. 1216

الحق الذي سينتقل بالحوالة من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وحقه إنما ثبت له في ذمة المحيل لا في ذمة غيره، فلا يصح أن ينتقل إلا برضاه، لأن الذمم تتفاوت في حسن القضاء أو المماطلة، فإذا انتقل حقه بدون رضاه كان في ذلك ضرر عليه، بإلزامه أن يتبع مَن لا يُحسن وفاءه لحقه. وأما المحال عليه: فلا يشترط رضاه لأن الحق عليه لا له، والمحيل صاحب الحق له أن يستوفيه بنفسه وأن يستوفيه بغيره، كما لو وكّل غيره بالاستيفاء وقبض الدين، فلا يعتبر رضا مَن عليه. ٣ - يُشترط لصحة الحوالة أن يعلم المحيل والمحال بالدَّيْن المحال به والدين المحال عليه، قدراً وجنساً وصفة، لأن الحوالة بيع - كما ذكرنا - والجهالة في الثمن أو المبيع تمنع صحة البيع. حكم الحوالة: هو انتقال الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فإذا صحّت الحوالة باستكمال أركانها وتوفر شروطها ترتب عليه حكمها، وهو: براءة ذمة المحيل من دين المحال، وانتقال الحق من ذمته إلى ذمة المحال عليه. وبالتالي: يسقط دينه عن المحال عليه، مقابل نظيره الذي صار في ذمته وأصبح محالاً عليه، ليوفيه إلى المحتال. انتهاء الحوالة: علمنا أن حكم الحوالة انتقال الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه بصورة تبرأ بها ذمة المحيل من الدين. وبهذا تنتهي الحوالة، ولا تبقى أية علاقة بين المحيل والمحال، وإنما تصبح العلاقة بين المحال والمحال عليه، وليس للمحال عودة على المحيل حتى ولو لم يستطع الحصول على الدَّيْن من المحال عليه بسبب من الأسباب، كما لو وجده مُفْلساً، أو أنكر المحال عليه الدين وذلك لأن الحق تحول بالحوالة من موضعه الأول إلى غيره، وما تحوّل من موضعه لا يعود إليه إلا بتجديد عودته.

стр. 1217

وكذلك بالحوالة سقط الحق من ذمة المحيل، وهو سقط لا يعود بإعسار ولا بغيره، كما لو قبل عوضاً من حقه لا تلف في يده، فإنه لا يعود عليه بشيء لسقوط الحق من ذمته، وتعذُّرُ الحصول على الحق كتلفه في يده. وسواء في ذلك أعلم بإعسار المحال عليه عند الحوالة أم لا. وسواء أشرط يساره أم لا. فيكون كمَن أشترى شيئاً هو مغبون فيه، فإنه لا يرجع بشيء ولو شرط عدم الغبن، لأنه مقصَّر بترك البحث عن حال المحال عليه عند الحوالة، ولا عبره بشرطه. ولو شرط المحال الرجوع المحيل عند تعذّر الإستيفاء بسبب من الأسباب بطلت الحوالة، لأن هذا الشرط منافٍ صراحة لمضمون الحوالة، وهو تحوّل الحق وانتقاله. اختلاف الحيل والمحال في الحوالة: إذا قبض المحال الدَّيْن من المحال عليه، ثم اختلف مع المحيل: فقال المحيل: لم يكن لك علىّ دَيْن، وإنما أنت وكيلي في القبض، والقبض لي، وقال المحال بل أحلتني بما لي عليك من دين فقبضته. فالقول قول المحيل مع يمينه، لأن المحال يدّعي عليه ديناً، المحيل ينكر، والقول قول المنكر عند عدم البينة مع يمينه. وكذلك لو أقرّ المحيل بالدَّيْن، ولكن قال: وكّلتك لتقبض لي، وقال الآخر: بل أحلتني أو قال المحيل: أردت بقوله أحلتك الوكالة، فقال المحال: بل أردت الحوالة، صُدِّق المحيل بيمينه، لأنه أعرف بإرادته وقوله. ولأن ألأصل بقاء كل حق على حاله والمحال يدّعي خلاف ذلك. ولو قال: أردت قولي: (أحلتك بالمائة التي لي على فلان) الوكالة، لم يُقبل قوله، لأن اللفظ لا يحتمل إلا حقيقة الحوالة، فيُقبل قول مدّعيها مع يمينه. حوالة المحال أو المحال عليه: إذا صحّت الحوالة كان للمحال أن يُحيل غيرة من دائنية على المحال عليه ' ليقبض دينه منه.

стр. 1218

وكذلك للمحال عليه أن يحيل المحال على غيره من مدينيه، ليقبض دينه منه. الحوالة البريدية: إذا أعطى إنسان أخر مبلغاً ليدفعه مبلغاً من المال ليدفعه إلى فلان من الناس في بلد كذا: - فإن أعطاه إياه أمانة جاز بلا كراهة، ولا يضمنه الناقل إذا لم يقصر في حفظه ولا يخلطه مع ماله، فإن خلطه بماله كان ضامناً له. ومن هذا القبيل ما يسمى الآن بالحوالة البريدية، فإن المبالغ التي يدفعها الناس لمؤسسة البريد، لتوصيلها إلى أشخاص معينين، يُخلط بعضها ببعض وبغيرها، ولا تُدفع هي بذاتها للمحمولة إليه. ولذلك فهي مضمونة إلى المؤسسة. - وإذا أعطاه إياه قرضاً، دون أن يشرط عليه دفعها إلى فلان في بلد كذا، ثم طلب منه ذلك بعض القرض جاز أيضاً ولا كراهة. فإذا أعطاه إياه قرضاً بشرط أن يدفعها إلى فلان في بلد كذا، كانت كشرط الأجل في القرض: إن لم يكن للمقرض فيه غرض صحّ القرض ولغا الشرط، وإن كان يندب الوفاء به، - وإن كان للمقرض فيه غرض صحّ القرض ولغا الشرط، وإن كان يندب الوفاء به. - وإن كان للمقرض غرض فيه، كما إذا كان في طريق خطر محقق، بطل العقد، لما فيه من جرّ المنفعة للمقرض. تم الجزء السادس من هذه السلسة بعون الله وتوفيقه ويأتي الجزء السابع - إن شاء الله تعالى - في المعاملات، ونسأل الله تعالى حسن القبول.

стр. 1219

الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى الجزء السابع في المعاملات الشفعة، المساقاة، العارية، الشركة، المضاربة، الوديعة اللقطة، الرهن، الكفالة، الوكالة، الإكراه، الغصب تأليف الدكتور مصطفى الخن ... الدكتور مصطفى البغا على الشربجي دار القلم دمشق

стр. 1220

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين. أما بعد، فهذا الجزء السابع من كتابنا (الفقه المنهجي) نقدمه لطلاب العلم ورواد الفقه في دين الله ، ولكل من اراد ان تستقيم معاملته في الدنيا ليكون ناجيا يوم القيامة، بينا فيه احكام المعاملات التي تكثر في حياة الناس، والتي كثيرا ما يؤدي الجهل في احكامها الى نزاعات وخلافات، تجر الى دور القضاء، وربما كان ذلك في كثير من الأحيان سببا لإراقة الدماء او ضياع الحقوق، فتناولنا في هذا الجزء المواضيع التالية: ١ - الشفعة. ... ٧ - اللقطة. ٢ - المساقاة وما يلحق بها من المزارعة ونحوها. ... ٨ - الرهن. ٣ - العارية. ... ٩ - الكفالة والضمان. ٤ - الشركة ... ١٠ - الوكالة. ٥ - المضاربة [القراض]. ... ١١ - الإكراه. ٦ - الوديعة. ... ١٢ - الغصب. وكانت طريقتنا في بحث هذه الموضوعات كما اعتدنا في الأجزاء السابقة، من بسط الحكم وبيان دليله وتعليله، من غير تعقيد ولا مناقشات لفظية، مع كثرة التقسيمات وتعداد الفقرات، كي لا تتداخل الأحكام بعضها في بعض.

стр. 1221

ومعلوم أن سلسلتنا هذه في فقه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، ولما كانت المعاملات متشعبة الوجوه، فقد يضيق حكم المذهب بتصرفات الناس احيانا، وهي احيانا قليلة، ولذا فقد اشرنا في بعض المواضع الى رأي المذاهب الأخرى تسهيلا وتيسيرا، لا إعراضا عن حكم المذهب ولا نقدا او تضعيفا. والله تعالى نسأل ان يمن بالقبول، ويجزل الأجر والمثوبة ويجعل ذلك حسنة في سجل اعمالنا، واعمال والدنيا ومعلمينا، انه اكرم مسؤول. المؤلفون

стр. 1222

الباب الأول الشفعة

стр. 1223

الشفعة تعريفها: الشفعة - بضم الشين وسكون الفاء - هي في اللغة: من الشفع بمعنى الضم. وفي اصطلاح الفقهاء: حق تملك قهري، يثبت للشريك القديم على الحادث، فيما ملك بعِوض، بما ملك به، لدفع الضرر. فالشفعة حق اثبته الشرع، يتملك به الشريك الأول ما باعه شريكه لغيره، كما اذا كان اثنان شريكين في دار، فباع احدهما حصته لغير شريكه، فلشريكه الحق ان يأخذ هذه الحصة من المشتري - الذي صار شريكا جديدا له - بغير رضاه، بمثل الثمن الذي دفعه وهذا خلاف الاصل الثابت في التملك شرعا: ان يكون برضا المالك. وسمى هذا الحق شفعة لأن الشريك يضم به نصيب شريكه الى نصيبه. مشروعيتها: الشفعة جائزة ومشروعة، دل على مشروعيتها احاديث كثيرة، منها: ما رواه جابر بن عبدالله الانصاري رضى الله عنه قال: قضي رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. (اخرجه البخاري: اول كتاب الشفعة، باب: الشفعة في ما لم يقسم .. ، رقم: ٢١٣٨، ومسلم: المساقاة، باب: الشفعة، رقم: ١٦٠٨).

стр. 1224

[ومعنى وقعت الحدود: صارت الأرض مقسومة وحددت الأقسام. صرفت الطرق: ميزت وبينت]. وسيأتي خلال البحث احاديث في هذا المعنى. وما دل عليه الحديث اجمع على العمل به علماء المسلمين في كل عصر. حكمة المشروعية: ان التشريع الاسلامي يهدف الى تحقيق مصالح الناس بجلب النفع له ودفع الضرر عنهم، والمرء قد يكون على وفاق وتعاون مع من كان يشاركه في دار او ارض، وقد يحتاج احد الشريكين الى بيع نصيبه ويكون في ذلك تحقيق مصلحته، فلا يحول الشرع بينه وبين ذلك، وانما يحوط تصرفه وتحقيق نفعه بما لا يضر بشريكه، وانما يصون مصلحته ايضا ويحميه من الضرر الذي قد يلحق به، من جراء البيع الى اجنبي عن الشركاء، فقد يبادر هذا الشريك الجديد الى طلب القسمة، او يكون منه سوء خلق ومعاملة، فيضطرهم الى ذلك اوطلبه فينال شركاءه بذلك ضرر احداث مرافق جديدة ونحو ذلك، ويكلفهم اعباء القسمة ونفقتها، فيحل محل الوئام الشقاق والنزاع بين الجيران، وتفوت المصالح ويكثر الضرر بين الأنام. ولذا وجه شرع الله هذا الراغب ببيع نصيبه ان يعرض هذا اولا على شركائه، فإن رغبوا بشرائه كانوا هم اولى واحق، فإن لم يرغبوا بذلك كان له الحق ان يبيعه لمن يشاء. فعن جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان له شريك في ربعة او نخل فليس له ان يبيع حتى يؤذن حتى يؤذن شريكه، فإن رضى اخذ وإن كره ترك". (اخرجه مسلم في المساقاة، باب: الشفعة، رقم: ١٦٠٨). وعن عمرو بن الشريد رضى الله عنه قال: وقفت على سعد بن ابي وقاص - رضى الله عنه - فجاء المسور بن مخرمة - رضى الله عنه - فوضع يده على احدى منكبي اذ جاء ابو رافع مولى النبي ﷺ ﵁ فقال: يا سعد، ابتع مني بيتي في دارك، فقال سعد: والله لا ازيدك على اربعة الاف منجمة او مقطعة.

стр. 1225

فقال ابو رافع: لقد اعطيت بها خمسمائة دينار، ولوا اني سمعت النبي ﷺ يقول: "الجار أحق بسبقه" ما اعطيتكها بأربعة آلاف، وأنا اعطي بها خمسمائة دينار. فأعطاها إياه. (البخاري: الشفعة، باب: عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع، رقم: ٢١٣٩). [منجمة: مؤجلة ومفرقة تعطى جزءا بعد جزء. اربعة آلاف: أي درهم، وكانت تساوي اربعمائة دينار. بسبقه: ما قرب من داره]. وهكذا نجد رسول الله ﷺ يرسم الطريق واضحا لحفظ الود والوئام بين الناس، ويوجه الى أمثل خلق في التعامل، ونجد اصحابه - رضوان الله تعالى عليهم اجمعين - يلتزمون هديه فلا يحيدون عنه، ولو كان في ذلك خسارة مادية ظاهرة، فيأبون إلا ان يقولوا: سمعنا واطعنا. فإذا ما خالف المرء ما وجه اليه، ولم ينظر في مصلحة غيره ولم يبادر الى استشارة شركائه، فباع الى اجنبي عنهم، بادر الشرع لدفع ما قد يكون من خطر وما قد يقع من ضرر، فانتقل من التوجيه الى التشريع، فجعل الحق لهؤلاء الشركاء: ان يتملكوا حصة شريكهم رغما عن المالك الجديد لها، بمثل ما قامت عليه من ثمن. وبهذا تحقق مصالح الجميع، وتلبي حاجات الناس، ويندفع الضرر عنهم، وتتلاشى اسباب البغضاء والشحناء، ويكون المسلمون مثل الجسد الواحد في الوئام والوفاق وكالبنيان في التماسك والتعاون والإحسان. أركان الشفعة: للشفعة اركان نبينها فيما يلي: ١ - الشفيع (أي الذي له حق الشفعة): علمنا من حكمة التشريع ان الشفعة شرعت لدفع الضرر المتوقع، وهذا المعنى قد يكون في الشريك، وقد يكون في غيره كالجار الملاصق مثلا، ولكن الشرع خصه في الشريك الذي لم يقاسم، وهو الذي يشترك مع غيره في الأصل وملحقاته، كأن يكون شريكا في الدار - مثلا - ومرافقها وطريقها، او في الأرض وحق شربها وحظائرها ونحو ذلك، كما صرح به الحديث: "في كل ما لم يقسم". وصاحب الحق هذا يسمى: الشفيع.

стр. 1226

فإذا قسمت الدار او الأرض، واصبح كل من الشركاء مستقلا بنصيبه، فباع احدهم ما يملكه لأجنبي، أي غير واحد من الشركاء السابقين، فليس لهم ان يأخذوا هذا النصيب بحق الشفعة، حتى ولو كانت المرافق - كالممر وحق الشرب ونحو ذلك - مشتركة، لما جاء في الحديث: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" وهؤلاء المستقلون بحصصهم، والمشتركون بالمرافق، يسمى كل منهم بالشريك المخالط. واذا لم تثبت الشفعة للشريك المخالط فلا تثبت للجار الملاصق وغيره من باب أولى. ولم تثبت الشفعة لغير الشريك الذي لم يقاسم - مع ان المعنى الذي شرعت من اجله، وهو دفع الضرر المتوقع، قد يوجد في غيره - لأنها شرعت كما علمت على خلاف الأصل، اذ الأصل ان لا يتملك احد شيئا قهرا عمن ملكه، وقد علمت ان الشفيع يتملك الحصة قهرا عن المشترى الذي ملكها بالشراء من الشريك القديم الشفيع. والمراد بالأصل هنا: المعنى الذي يراعيه التشريع في غالب احكامه، وهو الذي يسميه العلماء: علة الحكم، وقد يطلقون عليه كلمة: القياس. والقاعدة في التشريع الاسلامي: ان كل ما ثبت على خلاف الأصل يقتصر فيه على ما ورد بالنص، ولا يلحق به غيره، وقد يعبرون عن هذا بقولهم: ما ثبت على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس. وقد ورد النص الصحيح الصريح هنا بثبوت الشفعة للشريك الذي لم يقاسم، فلا يلحق به غيره من شريك مقاسم اوجار ولا يقاس عليه. وما جاء من قوله ﷺ : "الجار احق بسبقه" ليس صريحا في ثبوت حق الشفعة، انما هو من باب الحث على تحصيل النفع للجار وانه اولى بالإحسان من غيره. على ان كلمة الجار عامة في اللغة، فتشمل الشريك وغيره. والأولى تفسيرها في الحديث بالشريك الذي ذكرناه، لأن ابا رافع رضى الله عنه اورده بهذا المعنى حين طلب من شريكه ان يشتري بيتيه - أي غرفتيه - اللتين في داره، وواضح ان الدار لم تكن مقسومة، والله تعالى اعلم.

стр. 1227

تزاحم الشفعاء: علمنا ان الشفيع هو الشريك، فقد يكون للشريك البائع حصته اكثر من شريك، فيكون اصحاب الحق في الشفعة متعددين، وقد تكون حصصهم متساوية - كما لو كانوا يملكون الدار المبيعة اثلاثا مثلا - وقد تكون متفاوتة، كما لو كان احدهم يملك الربع والثاني الربع والثالث النصف مثلا، فاذا باع احدهم حصته، وليكن صاحب الربع مثلا، واراد شركاؤه جميعا اخذ نصيبه بالشفعة، فهل يأخذونه بالسوية حسب عددهم، ام ان كلا منهم يأخذ بنسبة حصته؟ والجواب: ان كلا منهم يأخذ بنسبة حصته، فمن كان له الربع يأخذ ثلث الحصة، ومن كان له النصف يأخذ ثلثيها، لأن سبب الاستحقاق هو الملك وهم متفاوتون فيه، فيتفاوتون في الاستحقاق. ? تجزئة الشفعة: حق الشفعة من الأمور التي لا تتجزأ، فالشفيع: اما ان يأخذ نصيب شريكه المباع جميعه، واما ان يتركه. فاذا كان هناك اكثر من شفيع - كما سبق - ولم يرد بعضهم الأخذ بالشفعة، واسقط حقه: فالأصح ان باقي الشفعاء - او الشفيع الآخر - يخير بين اخذ الجميع او ترك الجميع، كما لو كان شفيع واحد، وليس لمن لم يسقط حقه ان يأخذ بقدر حصته. وذلك لكي لا تفرق الصفقة وتبعض على المشتري، فيناله بذلك ضرر، لأن مصلحته قد تكون في الجميع، ولا يتحق غرضه في البعض. ? غيبة بعض الشفعاء: اذا كان احد الشفعاء او بعضهم غائبا كان للحاضرين طلب الشفعة والأخذ بها، وتقسم بينهم على قدر حصصهم كما علمنا، لأن الغائب في حكم من اسقط حقه، فلم يبق للحاضرين مزاحم، فلهم ان يأخذوا الكل، وليس لهم الاقتصار على قدر حصصهم كما علمنا، اذ من المحتمل ان لا يأخذ الغائب حصته اذا حضر فتتفرق الصفقة على المشتري: فإذا اخذ الحاضرون الكل ثم حضر الغائب، كان له الحق ان يطالب بنصيبه، وقاسم الشركاء فيما اخذوا بنسبة ما كان يملك.

стр. 1228

والأصح: ان لمن حضر من الشفعاء ان يؤخر الأخذ بالشفعة حتى يحضر الغائب، وذلك لأنه قد يكون له غرض ظاهر في هذا، فقد يكون غير قادر على اخذ الجميع، او لا يرغب ان يأخذ ما قد يؤخذ منه اذا حضر الغائب. ٢ - المشفوع عليه: وهو الذي انتقل اليه ملك نصيب الشريك القديم، والذي هو محل الشفعة. ويشترط ان يكون انتقل الملك اليه بعوض: وقد يكون هذا العوض مالا، كما اذا انتقل الملك اليه بالشراء، او بالصلح عن جناية موجبة للمال، كما اذا صالحه من الدية التي تثبتت عليه على نصف العقار الذي يملكه، فلشريك المصالح ان يأخذ هذا الشِّقص بالشفعة. وقد يكون العوض غير مال، كما اذا جعل نصيبه من العقار مهراً، او جعلته بدل الخُلع، ونحو ذلك، فللشريك ايضا اخذ هذا النصيب ممن انتقل اليه بالشفعة. وذلك لأنه مملوك بعقد معاوضة فأشبه البيع. ويأخذ الشفيع هذا الشقص بالثمن الذي ملك به اذا كانا مثليا، وبقيمته يوم البيع ان كان قيميا كثوب مثلا، وبمهر المثل في النكاح والخلع يوم النكاح ويوم الخلع سواء أنقص عن قيمة النصيب او زاد. فإذا انتقل الملك الى الشريك الجديد بغير عوض لم يكن للشريك القديم ان يأخذ الشقص بالشفعة، وذلك كما انتقل الملك اليه بهبة بغير عوض، او صدقة، او وصية، او انتقل اليه بواسطة الإرث، ونحو ذلك. ٣ - المشفوع فيه: وهو الشئ الذي يريد الشفيع ان يتملكه بالشفعة. ويشترط فيه ان يكون غير منقول، كالدور والأراضي ونحوها، ولا تثبت في المنقول كالحيوان والأمتعة ونحو ذلك.

стр. 1229

ودليل هذا: ١ - ما رواه جابر رضى الله عنه: ان رسول الله ﷺ قال: "الشفعة في كل شِرْك: في ارض او ربع او حائط .. " (اخرجه مسلم في المساقاة، باب: الشفعة، رقم: ١٦٠٨). [شرك: شئ مشترك. ربع: دار. حائط: بستان] ٢ - ان الأخذ بالشفعة ثبت بالنص على خلاف القياس في العقار، فلا يلحق به غيره ولا يُقاس عليه ما ليس في معناه، لأن الشفعة شرعت لدفع ضرر سوء الجِوار على الدوام، وما ينقل ويحول لا يدوم الضرر فيه. ويلحق بالعقار البناء والشجر اذا بيعا مع الأرض تبعا للأرض. ويشترط في العقار ونحوه حتى تثبت فيه الشفعة: ان يكون قابلا للقسمة. والعقار القابل للقسمة هو الذي إذا قسم كان قسم منه صالحا لتحقيق المنفعة المقصودة منه، فإذا ابطلت القسمة منفعته كان غير قابل للقسمة، وبالتالي لا يثبت فيه حق الشفعة، وذلك كحمام صغير وطاحون صغيرة ونحو ذلك. ودليل ذلك: انه ﷺ قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، فاذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. وهذا يدل على ان الشفعة فيما يمكن ان يقسم ما دام لم يقسم. وكذلك: الشفعة انما ثبتت لدفع ضرر مؤنة القسمة واستحداث المرافق، وذلك لا يوجد الا فيما يقبل القسمة. وقيل: تثبت الشفعة في العقار ونحوه فيما لم يقسم، ولو كان غير قابل للقسمة، لعموم قوله: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم، ولأن الشفعة شُرعت لإزالة ضرر المشاركة، وهذا المعنى في الذي لا يقسم آكد، لأن الضرر فيه يتأبد عند ذلك. شروط الأخذ بالشفعة: علمت اركان الشفعة وما يشترط في كل ركن منها، ونذكر لك الآن بعض الشروط الأخرى التي لابد منها حتى يثبت حق الأخذ بالشفعة، وهي:

стр. 1230

١ - ان يزول مِلْك الشريك الأول عن المشفوع فيه ويزول حقه فيه، فلو باع الشريك حصته لغير شريكه، وشرط لنفسه الخيار، فلا تثبت الشفعة مدة الخيار، وكذلك لو شرط الخيار للبائع والمشتري، لأن المبيع لم يخرج من ملك البائع في هذه المدة، فإذا انتهت المدة ولم يختر فسخ البيع فقد تم البيع وثبتت الشفعة. اما لو شرط الخيار للمشتري وحده فإن الشفيع له ان يأخذ الشقص بالشفعة فور عقد البيع، لأن البيع قد خرج من ملك الشريك الأول بمجرد العقد وعدم شرط الخيار لنفسه. وكذلك لا يثبت الأخذ بالشفعة اذا تبين فساد عقد التمليك وبطلانه، لأن ملك البائع ايضا لم يزل عن البيع. ٢ - ان يكون الشفيع مالكا لما يشفع به عند عقد تمليك الشريك الجديد، وان يستمر ملْكه ذلك الى ان يقضي له بالشفعة على الأصح. فلو اخرج الشفيع الشقص عن ملكه ببيع او هبة او نحو ذلك، قبل ان يقضي له بالشفعة، بطل حقه، سواء اكان عالما بهذا ام جاهلا وسواء اطالب بالشفعة ام لم يطالب، لزوال سبب الأخذ بالشفعة وهو الشركة. وفي هذه الحالة لو طالب الشريك الجديد - وهو المتملك من الشفيع - ان يأخذ هو بالشفعة ما كان للشفيع ان يأخذه، فليس له ذلك، لأنه لم يكن مالكا لما يشفع به عند عقد التمليك الأول. ويستثنى من هذا: ما اذا مات الشفيع قبل القضاء له بالشفعة، فإن لوارثه ان يأخذ بها، مع انه لم يكن مالكا لما يشفع به عند البيع ونحوه، لأن الشفعة من الحقوق التي تورث وسواء اكان ذلك قبل طلب المورث الشفيع للشفعة ام بعدها. ٣ - ان لا يظهر من الشفيع ما يدل على اعراضه عن الأخذ بالشفعة، وذلك بأن يعلن رضاه بتمليك الشريك الجديد، او يكون منه ما يدل على عدم رغبته بالشفعة من قول او فعل او سكوت، كأن يحصل عقد البيع امامه، فيقوم ويغادر المجلس
следующие страницы →