Полный текст (1 678 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
أركان الوديعة وشروطها
لعقد الوديعة أركان ثلاثة هي: العاقدان، والصيغة، والشئ المودع، ولكل منها شروط:
١ - العاقدان: وهما المودع المالك للشئ المودَع، والوديع وهو الذي تعرض عليه الوديعة ويُتْستَحْفَظُ عليها.
ويشترط في كلٍّ منهما: اهلية التوكيل، لأن الوديعة وكالة في الحفظ فكلّ مَن صحّ توكيله صحّ دفع الوديعة إليه، وكلّ مَن صحّ أن يوكِّل غيره صحّ إيداعه عند غيره.
وسيأتي معنا في باب الوكالة: أنه يشترط في الموكل والوكيل أن يكون كل منهما عاقلاً بالغاً، تصحّ مباشرته التصرّف الذي وَكَّل فيه إن كان موكِّلاً، والذي وُكِّل فيه إن كان وكيلاً.
فلا يصحّ أن يكون الصبي أو المجنون مودِعاً أو وديعاً، لأن كلاًّ منهما ليس من أهل الوكالة لأنه غير مكلف، وكذلك لا يصحّ أن يكون المحجور عليه لسفه وديعاً، لأن الوديعة تصرّف مالي، وهو محجور عليه فيه.
وكذلك لا يصحّ استيداع غير المسلم مصحفاً، لأنه لا يمكِّن من حمله ومسِّه، فلو أودَعَ أحد شيئا عند واحد من هؤلاء فتلف، لم يضمن، وإن قصّر الوديع في الحفظ، لأن المودِع قد قصّر في الإيداع عنده.
٢ - الصيغة: وهي الإيجاب والقبول: وذلك بأن يقول المالك المودِع: أودعتك
стр. 1297
هذا الثوب، ويقول الوديع: قبلت، ويمكن ان يتقدّم كلام الوديع على كلام المودِع، كأن يقول: أودِع عندي ثوبك هذا، فيقول: أودعت.
ولا يشترط ان يكون لفظ من العاقدين، بل يكفي ان يكون لفظ من أحدهما وفعل من الآخر. فلو قال المودع: أودعت كتابي هذا عندك، فأستلمه الوديع كفى. وكذلك لو قال الودِيع: أودع عندي متاعك هذا، فدفعه إليه المودع المالك ولم يتكلم، صحّت الوديعة.
ولا يشترط ايضاً أن يكون صريحاً في الوديعة، بل يكفي ان يكون اللفظ كناية، مع نيّة الوديعة ووجود قرينة تدل عليها. كأن يقول: ضع لي هذا عندك، او خذه أمانة، او أنَبْتُك في حفظه، ويقبضه الوديع.
٣ - الشئ المودَع: ويطلق عليه لفظ الوديعة في اكثر الأحيان.
ويشترط فيه أن يكون محترماً، أي مملوكاً أو محرزاً، ولو لم يكن مالاً، أي غير متموّل شرعاً، كحبات قليلة من الحنطة مثلاً، أو كان نجساً، ككلب صيد أو زبل.
فلو كان غير محترم شرعاً، كخنزير او آلة لهو، فلا يجوز إيداعه ولا استيداعه، ولا تنطبق عليه أحكام الوديعة.
ما يترتب على عقد الوديعة:
إذا حصل الإيداع وصحّ عقد الوديعة ترتّب عليه الأحكام التالية:
١ - وجوب حفظ الوديع لما أُودع عنده، لأن الإيداع من جانب المالك استحفاظ وائتمان، ومن جانب الوديع التزام بالحفظ، فيلزمه ذلك لأنه في حكم اشتراطه عليه، والحديث يقول: "المسلمون على شروطهم" (الترمذي: الأحكام، باب: ما ذكر عن رسول الله ﷺ في الصلح .. ، رقم: ١٣٥٢).
وعلى الوديع أن يحفظ الوديعة في حرزِ مثلها، في مكان امين تُحفظ فيه عادةً. وكذلك عليه ان يحفظها بنفسه، وليس له أن يحفظها بغيره كولده أو زوجته أو أجيره، لأن المودِع قد رضى بأمانته وان يجعل متاعه تحت يده، ولم
стр. 1298
يرضَ بأمانة غيره ويده. فإذا أذن له المالك بحفظه بغيره جاز له ذلك، وكذلك إذا كان له عذر في هذا، كما اذا طرأ له سفر او وقع حريق، ولم يستطع ردّ الوديعة إلى المالك، أو وكيله أو القاضي، فله ان يدفعها الى من يحفظها.
٢ - عقد الوديعة عقد جائز: أي لكلٍّ من العاقِدِيْن فسخه متى شاء دون إذن العاقد الآخر، فللمودِع ان يستردّ الوديعة متى شاَء، وللوديع ان يردّها عليه ايضا متى شاء.
فإذا طلبها المالك وجب على الوديع ردُّها له عند طلبه قدر الإمكان، لقوله تعالى: "إن الله يأمركم ان تؤدوا الأمانات الى اهلها" (النساء: ٥٨) ولا يعني ردُّها حملَها إلى صاحبها، وانما المراد ان يخلي بينه وبينها.
٣ - صفة يد الوديع: يد الوديع على الوديعة يد امانة، أي لا يضمنها اذا تلفت عنده لا اذا فرط في حفظها او تعدى عليها، ودليل ذلك:
- قوله ﷺ : "ليس على المستودَع غير المُغِلّ ضمان". (اخرجه الدارقطني في البيوع، رقم: ١٦٧).
- ولأنه لو كان ضامناً لامتنع الناس عن قبول الودائع، فيكون في ذلك حرج على الأمة.
- ولأن الوديع متبرع بالحفظ ومُحسِن - وان كان قد التزمه - والله تعالى يقول: (ما على المحسنين من سبيل) (التوبة: ٩١).
- ولأن يده على الوديعة تقوم مقام يد المالك، فكان هلاكها من يد المالك.
وعلى هذا: لو أودعه على انه ضامن مطلقاً، أو أنه غير ضامن مطلقاً، لم يصحّ الإيداع.
متى تُضمن الوديعة ؟
علمنا أن الوديعة أمانة في يد الوديع، لا يضمنها اذا تلفت بدون تعدٍّ منه عليها، او تقصير في حفظها، هذا هو الأصل، وقد تصبح مضمونة عليه في الحالات التالية:
стр. 1299
١. إذا أودعها عند غيره، بلا اذن من المودع ولا عذر، كما سبق، فإنها تصبح مضمونة عليه.
فإذا أودعها - في هذه الحالة - عند مَن لا يصحّ إيداعها عنده، فهلكت، كان للمالك ان يُضمِّن أيهما شاء، فإن ضمّن الثاني وكان جاهلاً بالحال رجع على الأول بما ضمن، لأنه وديع غير متعدٍّ، فلا يضمن. وأن كان عالماً أن الذي أودع عنده ليس بمالك، وإنما يودع عنده وديعة غيره وبدون إذنه، لم يرجع عليه بما ضمن، لأنه في هذه الحلة غاصب لا وديع.
٢. ترك الحفظ: علمنا أن واجب الوديع حفظ الوديعة، فإذا ترك ذلك، ثم هلكت الوديعة كان ضامناً لها، ويكون ترك الحفظ بما يلي:
أ- ... بنقل الوديعة من مكان الى مكان آخر دونه في الحرز، لأن في ذلك تعريضا لها للتلف، فإذا كان ما نلت اليه مساوياً لما نقلت منه في الحرز، او أحرز منه، فلا ضمان عليه، لأن مَن رضى بحرز رضي بمثله، ورضى بما هو احرز منه من باب أولى، إلا إذا نهاه المودع عن نقلها، أو كان الطريق فيه خطر عليها، فإنه يضمن في الحالتين ان نقلها وتلفت، لأن ذلك تعدٍّ منه وتقصير.
ب- ويكون ترك الحفظ ايضاً: بترك دفع الأخطار عنها وما يتلفها، لأن دفع مثل ذلك عن الوديعة واجب ما أمكن، لأنه من جملة حفظها، وذلك كما لو أودعه حيواناً، فترك علفه أو سقيه مدّة يموت مثله فيها، فمات فإنه يضمنه، سواء أمره المالك بعلفه وسقيه أم سكت، لن ذلك واجب عليه حقا لله تعالى، وبه يحصل الحفظ الذي التزمه بقبوله الإيداع.
وكذلك لو كانت الوديعة مما يحتاج الى تعريض للشمس والريح كالصوف مثلاً، او وضع عقاقير لتحفظه. فإن نهاه المالك عن دفع ما يسبّب إتلاف الوديعة، فترك ذلك وتلفت، فإنه لا يضمن على الصحيح، لأن المالك هو الذي أذن في إتلاف ما يملك. واذا كانت الوديعة حيوانا أثم بدفع التلف عنه ان امره المالك بهذا، لحُرمة الروح ولم يضمن.
стр. 1300
٣. استعمال الوديعة والانتفاع بها: بأيّ وجه من وجوه الاستعمال والانتفاع، فيضمنها إذا تلفت ولو بعد ترك الاستعمال والانتفاع، لأنه تعدّى باستعماله ملْك غيره بغير إذنه، وبالتعدّي ارتفع الحكم الأصلي للوديعة وهو كونها أمانة في يده، فلا يعود الا بتجديد للعقد، فإذا تلفت قبل تجديد العقد كانت مضمونة عليه.
٤. السفر بالوديعة: اذا طرأ للوديع سفر من بلد الإيداع فليس له أن يسافر بالوديعة، لأن واجبه حفظها في الحرز والسفر ليس من مواضعه، فيجب عليه - في هذه الحالة - ردّها على مالكها أو وكيله إن كان غائباً، فإن كانا غائبَيْن وجب عليه ان يدفعها الى الحاكم ان كان يؤتمن عليها، والا دفعها الى أمين يحفظها.
فإن سافر بها مع وجود مَن يمكن دفعها اليه ممّن ذُكر كان ضامناً لها، وإن لم يجد احدا منهم كان معذوراً أن يسافر بها، لأن السفر بها أحوط في حفظها من تركها عند مَن لا يؤتمن عليها.
وهذا الذي ذكر في حق مَن طرأ له السفر هو حكم مَن مرض مرضاً يخاف منه الموت، ومن حَضَرَتْهٌ أسباب الوفاة، فإن لم يجد مَن يدفعها إليه أوصى بها، وإلا كان ضامناً لها إذا تلفت بعد الموت لأنه يعرّضها للفوات على مالكها بترك ما ذكر، إذ قد يدّعي الوارث أنها ملك مورِّثه، اعتماداً على الظاهر، لأنها تحت يده وفي حَوْزته.
٥. انكار الوديعة بغير عذر: فإذا طلب المودع الوديعة، فأنكر الوديع أن له وديعة عنده، ثم تلفت، فإنه يضمنها حتى ولو عاد فاعترف بها بعد الإنكار، لأنه بإنكاره صار غاصباً لها، ويد الغاصب يد ضمان، وقد ارتفع عقد الوديعة بالإنكار، فلا يعود الا بالتجديد.
فإن كان له عذر بالإنكار فإنه لا يرتفع به عقد الوديعة، وتبقى امانة في يده، فإذا تلفت لا يضمنها، وذلك كما إذا أجبر المالك على طلبها غاصب او ظالم، وعلم الوديع أنه إن اعترف بها استردّها الملك وانتزعها منه غير المحق
стр. 1301
بأخذها، فأنكرها ظاهراً دفعاً للضرر عن المالك، ثم تلفت بعد هذا، فإنه لا يضمنها، لأنه غير متعدٍّ.
٦. الامتناع من ردّها بعد الطلب: علمنا ان الوديعة عقد جائز، ويترتب على ذلك: أن المودع له ان يفسخه ويطلب ردّ الوديعة، وفي هذه الحالة يجب على الوديع ان يردّها عليه فوراً، أي أن يخلّي بينه وبينها كما علمنا. فإن امتنع عن ردّها او أخّره من غير عذر ضمن، لأنه تعدّى بحبس ملك غيره بغير عذر ولا رضاّ منه فإن أخّر ذلك لعذر،: كأن طلبها في وقت لا يتمكن فيه من الردّ، او خشى إن ردّها عليه أن يغصبها منه متسلِّط، ونحو ذلك، فإنه لا يضمن.
٧. خلط الوديعة بغيرها: على الوديع أن يحفظ الوديعة في حرز مثلها، دون أن يخلطها بماله او متاعه الذي لا تتميز عنه إذا خلطت به، فإذا خلطها - او اختلطت بنفسها دون قصد منه - فإنه يضمنها، لأنه تعدّى بخلطها، والمالك لم يرضَ باختلاطها بغيرها. فإذا كانت تتميّز عمّا اختلطت به او خلطت، كأن كانت دراهم فاختلطت بدنانير، او نقود سورية اختلطت بغيرها، فإنه لا يضمنها، لسهولة تمييزها، فإن كان تمييزها صعباً- كما لو كانت قمحا فاختلطت بشعير - فإنه يضمنها، لعسر تمييزها، فهو في حكم عدم التمييز.
وفي حال الضمان: يضمن مثلها ان كانت مثلية، أو قيمتها إذا لم تكن مثلية، ولكن يضمنها بأغلى القيم من يوم الإيداع الى وقت التلف كالمغصوب، وتصبح ملكاً له.
٨. مخالفة شرط المودِع: كما إذا أمره أن يحفظ الوديعة بمكان معين أو بطريقة معينة، فخالف في هذا وحفظها في مكان غيره، أو بطريقة أُخرى، فتلفت بسبب هذا التغيير، فإنه يضمنها، لأن التلف حصل من جهة مخالفته.
ومن ذلك ما إذا خالف ما هو المعتاد في الحفظ، كما لو وضع على الصندوق قفلين، وقد كان يضع قفلاً واحداً، فسُرقت، فقيل: إنه يضمن، لانه بذلك اغرى السارق بنفاسة ما فيه، والأصح أنه لا يضمن، لان ما فعله مزيد احتياط في الحفظ.
стр. 1302
الوديعة عند اثنين:
إذا أودع رجل وديعة عند اثنين:
فإن كانت مما يُقسم - كالنقود مثلاً - فلهما أن يقسماها، ويأخذ كل واحد منهما نصفه ويحفظه عنده، فإن دفعها أحدهما للآخر كاملة ضَمِنَ نصفها، لأن المالك رضى بحفظهما للجميع ولم يرض بواحد منهما، وقيل: لا يضمن لأن المالك رضى بأمانتهما، فكان لكل واحد منهما ان يدفعها للآخر.
وإن كانت مما لا يقسم: جاز لكل واحد منهما أن يدفعها الى الآخر، ولا ضمان عليه قولاً واحداً، لنه لا يمكن حفظها الا في مكان واحد، والمالك يعلم أنهما لا يجتمعان على حفظها دائماً، فكان دفعه لها دليلا على رضاه بحفظ احدهما.
إيداع الأثنين عند واحد:
إذا أودع اثنان وديعةً عند وديع واحد، ثم جاء أحدهما يطلب استردادها، او استرداد نصيبه منها، فهل للوديع ان يجيبه الى طلبه؟
والجواب: انه ليس للوديع ان يدفع اليه شيئا منها، لأنهما اتفقا على الإيداع، فينبغي ان يتفقا في الاسترداد، فإذا اراد ان يسترد نصيبه خاصة رفع الأمر الى القاضي، ليقسم الوديعة ويرد اليه نصيبه.
انتهاء الوديعة:
تنتهي الوديعة باسترداد المودَع للشئ المودع، كما تنتهي بردّ الوديع له على المودع، وان كان يحرم على الوديع ردها حيث وجب القبول ولم يرد المالك الرد، كما يكره حيث ندب القبول ولم يرد المالك الرد.
كما تنتهي بموت المودع او الوديع، لأن العقد جرى بينهما.
وكذلك تنتهي بجنون احدهما او اغمائه، وبالحَجْر على المودع لسفه، وكذلك بالحجر على الوديع لفلس.
وتنتهي ايضاً بنقل المالك ملكيتها إلى غيره ببيع او هبة او نحو ذلك.
стр. 1303
وبانتهاء الوديعة يرتفع حكمها، وفي حال انتهائها بغير الرد او الاسترداد تصبح أمانة شرعية في يده كالضاّلة، فيجب عليه ردّها لمالكها او وليّه - ان عرفه - فورا عند تمكّنه من ذلك، وان لم يطلبها، والمراد بالردّ هنا الإعلام بها أو بمحلّها، فإن غاب من ذُكر ردّها للقاضي الأمين، فإن قصّر في هذا ضمنها، ان تلفت في يده بعد إنتهاء الوديعة.
стр. 1304
الباب السابع
اللقطَة
стр. 1305
اللقطَة
تعريفها:
اللقطة في اللغة - بضم اللام وفتح القاف - هي الشئ الملتَقَط أي المأخوذ من الأرض، قال تعالى في شأن موسى ﵇: (فالتقطه آل فرعون ... ) (القصص: ٨)
وفي اصطلاح الشرع: هي مال أو اختصاص محترم، وجد في مكان غير مملوك، لم يحرز ولا عرف الواجد مستحقه.
فقولنا: (اختصاص) أي شئ لا يملك شرعاً، ولكن يمكن أن يدخل تحت اليد ويختصّ به مكلَّفٌ ما، كالكلب مثلاً.
وقولنا: (محترم) صفة للمال والاختصاص، أي أن يكون المال محترماً، أي معتبراً شرعاً، فنحو آلات اللهو والخمر والخنزير ليس بمال محترم، وكذلك مال الحربي. والاختصاص المحترم نحو كلب صيد او حراسة، فإذا لم يكن كذلك فليس بمحترم.
وقولنا: (لم يحرز) أي ليس عليه علامات الحفظ والإحراز، وأنه وضع في هذا المكان لحفظه، أو أن المكان غير محرز، أي ليس مُحاطاً ولم يتخذ لحفظ الأشياء فيه.
مشروعية الالتقاط:
الالتقاط مشروع، بدليل قوله ﷺ حين سئل عن ذلك: "اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرِّفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء
стр. 1306
طالبها يوماً من الدهر فأدِّها إليه". (البخاري: اللقطة، باب: ضالة الإبل، رقم: ٢٢٩٥. ومسلم: اول كتاب اللقطة، رقم: ١٧٢٢).
[وكاءها: هو ما يُربط به فم الكيس ونحوه. عفاصها: وعاءها الموضوعة فيه. عرفها: ناد عليها واخبر الناس بأنك وجدت لقطة. لم تعرف: أي صاحبها. فاستنفقها: تملكها وتصرف بها. ولتكن: أي قيمتها: طالبها: صاحب اللقطة].
وهناك أحاديث أخرى تأتي خلال البحث.
حكمة التشريع:
لا شك أن من فقد شيئاً يملكه او يختصّ به يصيبه شئ من الكرب على فقده، وقد يصعب على هذا الانسان أن يتعرّف على مكان وجوده، ويغيب عن ذهنه أين نسيه، وقد لا يعلم أين فقده، وربما تعرّض لهذا الشئ مَن لا أمانة عنده فأخذه وضاع على صاحبه، وربما أسرع إليه التلف وذهب سُدّى دون ان ينتفع به. ففي تشريع الالتقاط تيسير على الناس وتلبية حاجة ملحّة لديهم، فالملتقط يُعين صاحب الشئ على العثور عليه، ويتعاون معه على كفّ الأيدي الآثمة عن أموال الناس، تحقيقاً لقول الله : (وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) (المائدة: ٢). واستجابة لتوجيه رسول الله ﷺ : "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".
وإذا تعرّف صاحب الشئ الضائع عليه سُرَّ به وزال غمّه وذهب كربه، فيكون للملتقط اجر عند الله ، كما اخبر رسول الله ﷺ اذ قال: "من نفّس عن مسلم كُرْبة من كُرَب الدنيا نفّس الله عنه كًرْبةً من كربات يوم القيامة".
وبهذا يعيش الناس آمنين مطمئنين، يعلمون أن أموالهم مصونة، حتى ولو فُقدت منهم فستعود اليهم، تحملها النفوس الأبيّة والأيدي الأمينة، لتوصيلها الى مستحقّيها أوفر ما كانت، فيسود الحب، ويكون الإخاء والود.
حكمها:
إذا وجد المسلم لقطة - أي شيئا ساقطاً على النحو الذي عرفت - فهل يلتقطه او يتركه؟ والجواب:
стр. 1307
يستحبَ له الالتقاط إذا كان واثقاً من أمانة نفسه، ويخشى ان يضيع هذا الشئ على صاحبه إن لم يلتقطه، حفظاً لمال أخيه كما علمت.
فإن لم يخف عليها الضياع كان التقاطها مباحاً، له أن يأخذها وله ان يدعها.
وإن تيقن ضياعها، لمعرفته بعدم وجود أمين غيره في ذاك الموضع، وجب عليه التقاطها، لأن حفظ مال المسلم واجب.
وإن لم يثق بأمانة نفسه مستقبلاً، وخشي ان تسوّل له نفسه أكلها، كره له التقاطها، وإن علم من نفسه الخيانة، وأنه إن التقطها سيلتقطها لنفسه، لا ليحفظها على مالكها ومستحقها، حرم عليه التقاطها. وفي هذا يقول ﷺ : "لا يأوى الضالة إلا ضال، ما لم يعرفها" (مسند احمد: ٤/ ٣٦٠، من حديث جرير بن عبدالله رضى الله عنه).
[والضالة: هي الشئ الضائع، وإيواؤها التقاطها].
لقطة الحيوان ولقطة غير الحيوان:
الشئ الضائع قد يكون حيواناً، وقد يكون غير حيوان:
١ - فإن كان حيواناً يُنظر:
أفإن كان مما يمتنع بنفسه - أي يحمي نفسه - من صغار السباع: اما لقوته كالفرس والبعير، او لسرعة جريه كالغزال والأرنب.
فإن وجدها في صحراء لم يجز له التقاطها، فقد جاء في حديث خالد بن زيد رضى الله عنه: أنه سأل رسول الله ﷺ عن ضالة الإبل؟ فقال: "ما لك ولها، دعها فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربُّها". (البخاري: اللقطة، باب: ضالة الغنم، رقم: ٢٢٩٦). أي تقوى بخفها على قطع الصحراء، كما انها تملأ كرشها ماء بما يكفيها اياما، يتمكن فيها صاحبها من العثور عليها.
وقيسَ على الإبل ما في معناها من الحيوانات التي تقدر على الامتناع بنفسها من عدوها.
стр. 1308
وحمل العلماء قوله ﷺ هذا على التقاطها للتملّك، وفي حال غلبة الظن ان صاحبها سيعثر عليها، لأن الغالب على أصحاب الإبل ونحوها إرسالها لترعى في الصحراء بلا راع، فالغالب أنها ليست بضائعة، فلا ينبغي التقاطها، ولذا أجازوا التقاطها للحفظ لا للتملّك زمن الأمن، أي يلتقطها بقصد ان يحفظها على صاحبها، لا ليتملكها ولو بعد تعريفها المدة المطلوبة.
وان وجدها في بنيان من مدينة او قرية جاز له التقاطها مطلقاً، لاختلاف حالها في البنيان عن الصحراء، إذ لم يعتد الناس إرسالها في القرى والمدن لترعى وحدها، ولأن من يمر بها هنا كثير فيخشى عليها، بخلاف الصحراء فإن المجتازين فيها قلة.
وقد دل على ذلك قوله ﷺ : "ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربّها" فإن سياقه يدلّ على ان ذلك يكون في الصحراء، حيث يوجد الماء والشجر ولا يوجد من الناس من يتعرض لها، وهذا المعنى لا يتحقق في المدن والقرى.
ب وإن كان الحيوان لا يمتنع بنفسه: إما لضعف ذاتي فيه كالغنم ونحوها، وإما لعجز طارئ كبعير مريض او فرس مكسور، جاز التقاطه في الصحراء وغيرها، وللتملّك وغيره.
وقد دلّ على ذلك: ما جاء في حديث خالد بن زيد رضى الله عنه انه ﷺ سُئِلَ عن ضالة الغنم؟ فقال: "خذها، فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب" أي إما أن تأخذها أنت وإما أن يأخذها غيرك وإما أن يأكلها الذئب.
وقيسَ على الغنم غيرها مما في معناها من الحيوان الذي لا يمتنع بنفسه.
٢ - وإن كان الشئ الضائع غير حيوان: جاز التقاطه مطلقاً كالحيوان غير الممتنع، على التفصيل الذي عرفته في حكم اللقطة من حيث الوجوب وعدمه.
стр. 1309
وقد دلّ على ذلك أحاديث: منها حديث زيد بن خالد رضى الله عنه، وقد جاء فيه انه ﷺ سُئِلَ عن اللقطة: الذهب او الوَرِق؟ فقال: "اعرف وكاءها وعفاصها .. " وقد مّر بك في مشروعية الالتقاط.
ومنها: حديث أُبيّ بن كعب رضى الله عنه قال: اخذت صُرة فيها مائة دينا، فأتيت النبي ﷺ ، فقال: "عرفها حولا" فعرفتها حولا فلم اجد من يعرفها، ثم أتيته فقال: "عرفها حولا" فعرفتها فم اجد، ثم اتيته ثلاثا فقال: "احفظ وعاءها وعددها ووكاءها، فإن جاء صاحبها والا فاستمتع بها " فاستمتعت. (البخاري: اول كتاب اللقطة، باب: واذا اخبره رب اللقطة بالعلامة دفع اليه، رقم: ٢٢٩٤. ومسلم في اوائل كتاب اللقطة، رقم: ١٧٢٣).
لُقّطة الحرم:
المراد بالحرم: مكة وما حولها من الأماكن التي تُعرَف بالحرم، والتي لا يحلّ الصيد فيها ولا قطع شجرها ونحو ذلك.
فإذا وجد المسلم فيها شيئاً ساقطاً - ينطبق عليه تعريف اللقطة - لم يحلّ له التقاطه الا بقصد الحفظ على مالكه، ولا يحلّ له تملّكه ابد الدهر، لأن الغالب ان يعود صاحبه الى مكة ولو بعد حين.
وقد دلّ على ذلك: قوله ﷺ في مكة يوم الفتح: "ولا تحلّ لقطتها الا لمنشد" أي معرِّف على الدوام. (البخاري: اللقطة، باب: كيف تعرف لقطة اهل مكة، رقم: ٢٣٠١. ومسلم: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها ... ولقطتها، رقم: ١٣٥٥).
وتلزمه الإقامة لتعريفها، فإن أراد الارتحال عن مكة دفعها الى الحاكم او مَن ينوب منابه، ليقوم بتعريفها ويحفظها لمالكها.
الإشهاد على الالتقاط:
الأصح أن الإشهاد على الالتقاط غير واجب، لأنه لم يرد الأمر به في أكثر أحاديث اللقطة، وإنما هو مستحب ولو كان الملتقط عدلاً، ليقطع على نفسه طريق الخيانة مستقبلاً، ودرءاً من أن يأخذها وارثُه بعد موته بحجة أنها كانت في يده.
стр. 1310
وقد دلّ على الاستحباب قوله ﷺ : "مَن التقط لقطة فليُشهد عليها ذا عدل او ذوَيْ عدل" (ابو داود: اللقطة، باب: التعريف باللقطة، رقم: ١٧٠٩).
فالتخيير في ان يُشهد عدلاً أو عدلين يقتضي عدم الوجوب، ولو كان الإشهاد واجباً لما اكتُفى بعدل واحد.
ويذكر للشهود بعض صفاتها ولا يستوعبها، ويكره له ان يزيد في البيان، وإن خشي من الإشهاد ان يعلم بها غير أمين، فيأخذها منه ظلماً، امتنع عليه الإشهاد.
تعريف اللقطة:
إذا وَجد المرء شيئا ضائعا بمعنى اللقطة الذي عرفت، يُنظر:
فإن كان شيئاً تافهاً: أي ليس من شأن الناس عادة - إذا فقدوه - ان يطلبوه ويبحثوا عنه، كاللقمة والتمرة ونحو ذلك، حسب عُرْف كل مكان وزمان، فإن الملتقط يتملك ذلك دون ان يعرف به او يتعرف عليه.
وقد دلّ على ذلك: حديث أنس رضى الله عنه قال: مّر النبي ﷺ بتمرة في الطريق، قال: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها". (البخاري: اللقطة، باب: اذا وجد تمرة في الطريق، رقم: ٢٢٩٩. ومسلم: الزكاة، باب: تحريم الزكاة على رسول الله ﷺ ، رقم: ١٠٧١).
وإن كان شيئا ذا قيمة: أي من شان الناس أن يطلبوه إذا فقدوه ويبحثوا عنه، كان على الملتقط تعريفه، دلّ على ذلك صريح الأحاديث التي سبقت.
والأصح أن التعريف واجب، سواء أكان الالتقاط بقصد الحفظ فقط أم بقصد الحفظ ثم التملّك.
كيفية التعريف ومدته ومكانه:
اولاً: يتعرف على العين الملتقطة بما يميِّزها عن غيرها من الصفات، بحيث إذا جاء مَن يدعيها وسأله عن صفاتها استطاع ان يعرف هل هو صاحبها أمْ لا؟ فإذا دفعها كان على يقين انه دفعها لمستحقِّها.
فيتعرف على وعائها إن كان لها وعاء، وعلى رباطه إن كان له رباط، وهي
стр. 1311
العفاص، والوكاء، كما يعرف عددها إن كانت ذات عدد، وجنسها ونوعها، وما الى ذلك من صفات كما ذكرت، تختلف باختلاف الشئ.
دلّ على ذلك قوله ﷺ : "اعرف وكاءها وعفاصها وعدّتها" وذلك انه سُئل عن لقطة الذهب والفضة، ومن شأنها أن تكون في وعاء مربوط ولها عدد، فيقاس على ذلك غيره من الصفات التي تتميز بها الأشياء وتتّضح.
ثانياً: إذا عرف صفاتها وميِّزاتها نادى عليها، ذاكراً بعض صفاتها التي من شأنها ان تنبّه فاقدها إليها، ولا يتوسع بذلك كي لا يعرف صفاتها مَن لا يستحقها فيدّعيها، وربما اخذها ظلماً وباطلاً.
ثالثاً: إذا كان الشئ ذا بال كبير، يتأسف عليه فاقده زمناً طويلاً، عرفه سنة كما ثبت في النص، لأنها لو كانت لمسافر يغلب أن لا يغيب عن مكان فقده اكثر من سنة. يعرفه كل يوم مرتين لمدة أسبوع، ثم كل يوم مرة اسبوعاً آخر، ثم كل اسبوع مرة ليتمّ سبعة اسابيع، ثم في كل شهر مرة.
وزيد في الأيام الأولى لأن الطلب يكون فيها أشد، وهذا التحديد اجتهاد استحبّه العلماء، وإلا فالمطلوب تعريف حسب العادة، بحيث ينتبه صاحب الحق الى حقه ويصل إليه.
فإذا كان الشئ ليس ذا بال كبير: فإنه يُعرَّف فترة يغلب على الظن أن صاحبه يكفّ عن طلبه، دلّ على ذلك قرائن الأحوال التي وردت فيها الأحاديث، فسؤال عن صرّة فيها مائة دينار، وسؤال عن ذهب وفضة، وسؤال عن ضالة الغنم والإبل ونحو ذلك، فكلها اشياء ذات قيمة، لا يكف فاقدها عن طلبها غالبا في اقل من سنة، والله تعالى اعلم.
رابعاً: يكون التعريف في الأماكن العامة والأسواق وعلى أبواب المساجد
стр. 1312
نحوها حيث يجتمع الناس، ويكثر منه في موضع وجودها، لأن الغالب ان يطلبها فاقدها فيه.
ويكره ان يعرفها في المسجد، لما فيه من رفع الصوت والتشويش على المصلّين والذاكرين فيه، وقد ورد الزجر عن هذا بقوله ﷺ : "مَن سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردّها الله عليك، فإن المساجد لم تُُبّنْ لهذا". (اخرجه مسلم: في المساجد، باب: النهي عن نشد الضالة في المسجد ... ، رقم: ٥٦٨).
ويستثنى من هذا المسجد الحرام، فإنه يجوز فيه، لأن من ينشدها في غيره متّهم انه يفعل ذلك من اجل ان يتملك اللقطة بعد تعريفها، وهذا المعنى غير موجود فيمن ينشد لقطة المسجد الحرام، لأن تعريفها لمصلحة مالكها وحفظها، اذ ان الملتقط ليس له تملّكها كما علمت.
هذا والذي نراه أن هذا الكلام لا ينطبق على النداء على الضالة بالمكبرات الصوتية في هذه الأيام، التي ينادي بها للصلوات، لأن الصوت لا يكون في المسجد، وكل ما هنالك هو استعانة بهذه المكبرات لأنها توصل النداء الى أمكنة لا تصل إليها أصوات الناس، ولعل الحاجة داعية الى ذلك ولاسيما في المدن التي اتّسعت رقعتها، وكثر ساكنوها، مع كثرة الانتقال بين احيائها وبقاعها. فلا داعي لاستنكار هذا النداء وان كان الأوْلى الاستغناء عنه، اللَّهمّ إلا إذا كان نداءً من أجل ضياع طفل او طفلة، فإننا نرى أنه قد يكون واجباً، لما فيه من إحياء النفس، ودفع ترويع اهله عليه، وكفكفة دمعه الذي قد يطول حتى يعثر عليه اهله لولا هذا النداء، والله تعالى أعلم.
نفقة التعريف:
للملتقط ان يقوم بالتعريف بنفسه وله ان يقوم به بغيره، فإن احتاج الى نفقة كانت هذه النفقة على المالك، لأنه لمصلحة ملكه، فإما أن يدفعها القاضي من بيت المال، وإما أن يقترض من الملتقط أو غيره على المالك، أو يأمر الملتقط بدفعها ليرجع بها على المالك، او يبيع جزءاً منها في ذلك، فإن أنفق الملتقط من ماله دون إذن الحاكم كان ذلك تبرعاً منه، لا يلزم به المالك إن ظهر.
стр. 1313
أنواع ما يلتقط وكيفية التصرّف به:
اللقطة قد تكون حيواناً وقد تكون غير حيوان، وغير الحيوان قد يكون مما يبقى وقد يكون مما يفسد، ولكلٍّ حكم:
١ - فإن كان حيواناً: فإن شاء أبقاه وأنفق عليه بإذن الحاكم، ليرجع على صاحبه عند ظهوره بما أنفق، فإن لم يجد حاكماً أشهد على ذلك، فإن انفق دون إذن ولا إشهاد كان متبرعاً، ليس له أن يرجع بما أنفق.
وإن شاء باعه بإذن الحاكم وحفظ ثمنه.
وله - إن أخذه في مكان لا يتسير فيه البيع - أن يتملكه حالاً ثم يأكله، ويغرم قيمته - يوم تملكه - لصاحبه إن ظهر.
٢ - وإن كان غير حيوان مما يسرع اليه الفساد: فهو مخيّر بين أن يأكله ويغرّم قيمته، أو يبيعه بإذن الحاكم ويحفظ ثمنه.
٣ - وإن كان يبقى بعلاج: - كتجفيف ونحوه - كرطب يجفّف، ولبن يصنع أقطاً: وجب على الملتق أن يفعل ما هو الأصلح للمالك والأنفع من الأمور التالية: أن يبيعه كله بإذن الحاكم ويحفظ ثمنه، أو يعالجه ليبقى متبرّعاً بعلاجه، فإن لم يتبرع بذلك بيع بعضه - بإذن الحاكم - بقدر ما يعالج به الباقي.
٤ - وان كان مما يبقى ابداً بدون علاج: وجب عليه حفظه مدة التعريف اللازمة. ويبنغي ان ينتبه الى انه: في الحالات التي تُباع فيها العين الملتقطة، ويحفظ فيها ثمنها، لابد من استمرار التعريف بها المدة اللازمة، ويكون التعريف للعين الملتقطة لا للثمن.
تملّك اللقطة:
للملتقط ان يتملّك العين الملتقطة إن كانت باقية - أو ثمنها حال بيعها كما في الصور السابقة - بعد انتهاء مدة تعريفها اللازمة، فإذا تملّكها صارت مضمونة عليه، ويغرَّم قيمتها لصاحبها إن ظهر يوم تملّكها، اخذاً من النصوص السابقة: "ثم عرّفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها ... ".
стр. 1314
ويتملكها بلفظ صريح كقوله تملكت هذه، او كناية - كأخذت ونحوه - مع النّية، وقيل: يتملّكها بمضيّ مدّة التعريف اكتفاء بقصد التملّك، ولا يحتاج إلى لفظ يد الملتقط وحفظ اللقطة:
على الملتقط أن يحفظ اللقطة في حرز مثلها، وكذلك ثمنها في حال بيعها، وهو غير ضامن لما يصيبها دون تعدٍّ أو تقصير، لأنه متبرّع بالحفظ، وهذا م صرّحت به الأحاديث: "ولتكن وديعة عندك".
فهي غير مضمونة عليه خلال مدة التعريف وكذلك بعده إن لم يتملكها، فإذا تملكها أو تملك ثمنها صار ضامناً، وعليه - كما سبق - ان يغرَّم قيمتها يوم التملك إن ظهر صاحبها.
دفع اللقطة الى مدّعيها:
إذا جاء مَن يدّعي اللقطة وأنها ملكه سأله الملتقط عن أوصافها، فإن وصفها وأحاط بجميع أوصافها، وغلب على ظن الملتقط صدقه جاز له أن يدفعها إليه عملاً بقوله ﷺ : "فإن جاء صاحبها، وعرف عفاصها ووكاءها وعددها، فأعطها إياه". (مسلم: في اوائل كتاب اللقطة، في رواية من حديث زيد بن خالد رضى الله عنه).
فإذا دفعها اليه برئت ذمته، ولا يضمن فيما لو ظهر كاذبا.
والأصح أنه لا يجب عليه أن يدفعها إليه حتى ولو وصفها بدقة، وغلب على ظنه صدقه، إلا إذا أقام بيَّنة عند القاضي وحكم بها على الملتقط، لقوله ﷺ : "لو يعطي الناس بدعواهم لادّعى رجال اموال قوم ودماءهم، لكن البينَّة على المدّعي واليمين على مَن أنكر". (البخاري: التفسير/ آل عمران، باب: "ان الذين يشترون بعهد الله .. " رقم: ٤٢٧٧. ومسلم: الأقضية، باب: اليمين على المدعي عليه، رقم: ١٧١١).
فلا يعطي أحد شيئاً بمجرّد دعواه أنه لا، حتى يثبت ذلك بالبيِّنة أو ما يقوم مقامها حسب الدعوى.
تنبيه: في كل موضع ذكر إذن القاضي أو إخباره وما إلى ذلك: في حال إمكان ذلك، وعدم خوفه اخذها ظلماً وضياعها على مالكها، فإن خاف شيئا من ذلك لم يرجع إليه، والله تعالى أعلم.
стр. 1315
الباب الثامن
الرَّهن
стр. 1316
الرَّهن
تعريفه:
هو - في اللغة - الحبس، ومنه قوله تعالى: "كلُّ نفسٍ بما كسبتْ رهينة" (المدَثر: ٣٨): أي محتسبة وممنوعة من دخول الجنة يوم القيامة، بسبب ما كسبته في الدنيا، حتى تحاسب عيه.
ويأتي أيضاً بمعنى الثبوت والدوام، جاء في مختار الصحاح: أرهنتُ لهم الطعام والشراب أدمته لهم، ويقال: الأحوال الراهنة، أي الحاضرة والدائمة.
وهو في الاصطلاح الشرعي: يُطلق على عقد الرهن، وهذا هو الأصل والغالب في إطلاق الفقهاء، وقد يُطلق ويُراد به الشئ المرهون، ومن ذلك قوله تعالى: (وان كنُتم على سفرٍ ولم تجدوا كاتباً فرهانٌ مقبوضة) (البقرة: ٢٨٣). فرهان هنا جمع رهن، لأنها وصفت بأنها مقبوضة، والقبض يكون في الأشياء ولا يكون في المعاني، والعقد معنى فلا يتأتّى فيه القبض.
فالرهن بمعنى العقد: هو جعل عين متمولة وثيقة بدَيْن، يُستوفى منها عند تعذّر الوفاء.
فالجعل يكون بالعقد، والجاعل هو الراهن، والمجعول عنده هو المرتهن، والمجعول هو العين المرهونة، والعين تطلق على كل ذي حجم، وكون هذه العين متمولة أي تعتبر مالا في عُرف الشرع، وهذا الجعل انما هو للتوثّق، أي ليستوثق الدائن من ان دَيْنه لن يذهب ويضيع، بل يطمئن إلى انه سيعود اليه، فالعين تجعل مرهونة مقابل الدَّيْن، بحيث اذا تعذّر - أي صعب او استحال - على المدين إن
стр. 1317
يوفى دَيْنه في أجله، استطاع الدائن أن يستوفي دَيْنه من هذه العين، بأن تُباع ويأخذ دَيْنه من ثمنها.
وهكذا نجد أن التعريف قد شمل بإيجاز أركان عقد الرهن واحكامه وحكمته، التي سنتعرّض لبيانها بالتفصيل ان شاء الله تعالى.
مشروعية الرهن:
الرهن جائز ومشروع، بإجماع المسلمين في كل العصور والأزمان، ومستند هذا الإجماع ما ثبت من نصوص صريحة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ تدل على ذلك:
أما الكتاب: فقوله تعالى: "وان كنتُم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهانٌ مقبوضة" (البقرة: ٢٨٣). جاء ذلك بعد قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اذا تداينتُم بدَيْن الى اجل مسمّى فاكتبوه .. " فدلّ على أن الرهان تقوم مقام الكتابة في التوثيق للدَيْن، وذلك عنوان المشروعية.
وأما السنة: فأحاديث كثيرة، منها حديث عائشة رضى الله عنه قالت: "توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير".
(البخاري: الجهاد، باب: ما قيل في درع النبي ﷺ والقميص في الحرب، رقم: ٢٧٥٩).
وسيأتي معنا مزيد من الأدلة على المشروعية خلال البحث ان شاء الله تعالى.
الرهن في الحضر وحال وجود الكاتب:
جاء في الآية الآنفة الذكر قوله: "وان كنتم على سفرٍ ولم تجدوا كاتباً فرهان .. " وظاهر ذلك: أن الرهن إنما يشرع حال السفر وفي الحضر، وحال وجود الكاتب وحال عدمه، دلّ على ذلك حديث عائشة رضى الله عنها وغيره: أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعاماً الى أجل، ورهنه درعاً من حديد.
(البخاري: البيوع، باب: شراء النبي ﷺ بالنسيئة، رقم: ١٩٦٢. مسلم: المساقاة، باب: الرهن وجوازه في الحضر والسفر، رقم: ١٦٠٣).
стр. 1318
والظاهر أنهما كانا في المدينة، فهما غير مسافِرَيْن، والكُتَّاب في المدينة ايضاً كُثُر، فدلّ على أنه لا يشترط لصحة الرهن أيٌّ من هذين الأمرين.
وأجاب العلماء عن حكمة ذكر السفر وعدم الكاتب في الآية: بأنه بيان للغالب في واقع الأمر، إذ الغالب أن يحتاج إلى الارتهان في السفر، الذي كثيراً ما يُعدم فيه الشهود ويفتقد الكاتب، لاسيما في تلك الأزمان التي كانت فيها القراءة والكتابة قليلة، وذلك من اسلوب الكلام العربي الذي جاء القرآن على ارقى مستوى منه.
حكم الرهن:
ظاهر الآية التي تدل على مشروعيته ان ذلك واجب، اذ قالت: "فرهان مقبوضة" وهذه صيغة من صَيِغ الأمر، إذ المعنى فليكن منكم رهان ... ، والأمر للوجوب، ولكن العلماء اتفقوا على أن الرهن ليس بواجب، وأنه أمر جائز، للمكلّف ان يفعله وان لا يفعله، لأنه شرع لتوثيق الحق، وللانسان ان يوثّق حقه وأن لا يوثقه، وقد أكد معنى الجواز قوله تعالى في الآية: "فإن أمَن بعضُكم بعضاً فليؤدِّ الذي اؤتمن امانته": أي فليكن المدين المؤتمن على الدَّيْن دون توثق اهلاً لهذا الائتمان، وليؤدِّ الأمانة دون اساءة، وواضح ان الائتمان لا يكون إلا إذا لم يكن ارتهان، لأن طلب الارتهان دليل الشك في الأمانة.
وقال العلماء ايضاً: إن الرهن بدل عن الكتابة، فيأخذ حكمها، والكتابة ليست واجبة، بدليل قوله تعالى: "ولا تَسْأمو ان تكتبوه صغيراً او كبيراً إلى أجله ذلكم أقسطُ عند الله وأقومُ للشهادة وأدني ألاّترتابوا " أي لا تملّوا من كتابة الدَّيْن قلّ أو كثر، فإن كتابته أقرب إلى العدل وعدم ضياع الحقوق، واسهل لإقامة الشهادة عند الاختلاف، وابعد عن الشك في قدر الدَّيْن أو صفته أو اجله.
قالوا: هذه المعاني تدل على ان الامر بالكتابة أمر إرشاد وتوجيه، وليس امر إيجاب وتحتيم.
على أننا نقول: إذا لم تكن الكتابة أو الرهن واجباً، فذاك لا يعني ان نتساهل في الأمر، ثم يجرّ بعضنا بعضاً الى دُور القضاء، او يتخذ ذلك بعض من رق دينهم ذريعة الى أكل اموال الناس بالباطل، فأقل ما قاله العلماء انه امر ارشاد وذلك
стр. 1319
يعني الندب والاستحباب، فالأولى الكتابة على أيّ حال، والرهن اذا لم تتيسر الكتابة، كي لا يترك الناس فعل الخير خشية ضياع اموالهم وذهاب حقوقهم، اللهم الا اذا كانت الثقة بالأمانة والدين والخلق اقرب الى اليقين، والله تعالى الموفق.
حكمة مشروعية الرهن:
تكرر معنا ان شرع الله تعالى مِلةّ التيسير ورفع الحرج ورعاية مصالح الناس، والناس يتعاملون فيما بينهم، وكثيراً ما يحتاجون الى النقد فلا يجدونه، وهم محتاجون الى بعض السلع، فيحتاجون الى استقراض النقد أو تأجيل الثمن، ولا يجدون مَن يثق بهم ليعطيهم المال أو السلعة دون وثيقة، ويرغب صاحب المال أو السلعة بما يوثّق حقه ويطئمنه الى أنه سيعود اليه كاملاً موفوراً، ولا يرغب ان يقع في مخاصمات ومرافعات، فلا يرضى بالكفالة ولا يكتفي بالكتابة والإشهاد، فيطلب سلعة تكون وثيقة في يده مقابل حقه، ويرضى صاحب الحاجة الى النقد او تأجيل الثمن بهذا التوثيق، فيدفع متاعاً يستطيع ان يستغنى عن منفعته لطالب الوثيقة، وهنا تتحقق مصلحة الطرفين، ويسهل التعامل بين الناس.
стр. 1320
أركان عقد الرهن
علمنا مما سبق أن لعقد الرهن أركانا كغيره من العقود، لا يوجد ولا يقوم إلا بوجودها، كما أن لتلك الأركان شروطاً، لا يصحّ العقد ولا تترتّب عليه آثاره المعتبرة شرعاً إلا بتوفرها، وأركان عقد الرهن هي:
١ - العاقدان، وهما اللذان يقومان بإنشاء هذا العقد، وهما الراهن والمرتهن.
٢ - الصيغة، أي الكلام الذي يصدر عن العاقِدَيْن ليدل على إنشاء هذا العقد.
٣ - الدَّيْن، الذي هو سبب هذا العقد، والذي يكون في ذمّة الراهن للمرتهن.
٤ - المرهون، وهو العين التي توضع لدى المرتهن وثيقة بدّيْنه.
وسنتكلم بالتفصيل - ان شاء الله تعالى - عن هذه الأركان مع شروط كلٍّ منها.
الركن الأول: العاقدان:
وهما الراهن والمرتهن: فالراهن هو المدين، أي الذي عليه الدَّيْن، وذمته مشغولة به تجاه المرتهن، والمرتهن: هو الدائن الذي له الدَّيْن في ذمة الراهن، والذي توضع العين المرهونة تحت يده وسلطانه.
ويشترط في كلًّ منهما:
١ - ان يكون مكَّلفاً: أي عاقلاً بالغاً غير محجور عليه في تصرفاته المالية.
فالصبي - ولو كان ممِّيزاً - لا يصلح ان يكون راهناً ولا مرتهناً، فلو رهن شيئاً من ممتلكاته عند أحد فلا يصحّ منه هذا الرهن، والمرتهن ضامن لما أخذه
стр. 1321
منه في هذه الحالة. وكذلك لو رهن احد عنده متاعا، فلا يعتبر ذلك رهنا، والا تثبت له احكامه، ومثل الصبي المجنون الذي غلب على عقله.
وذلك لأن الرهن عقد تترتب عليه أحكام ومسؤوليّات، وكل من الصبي والمجنون ليس اهلاً لذلك، فالشرع لم يعتبر أقوالهما وتصرفاتهما في العقود، لأنهما ليسا اهلا للمؤاخذة كما علمت في كثير من المواضع. قال ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم" أي يبلغ. (ابو داود: الحدود، باب: في المجنون يسرق او يصيب حدا، رقم: ٤٤٠١). والمراد برفع القلم عدم المؤاخذة والمسؤولية.
وأما المحجور عليه في تصرفاته المالية - وهو السفيه في عُرْف الشرع - وهو الذي لا يحسن التصرّف بالمال: إما بإنفاقه في المحرّمات، أو إسرافه في المباحات، او لطيش فيه: فلأنه تصرّف مالي، وهو ممنوع منه، كما علمت في (باب الحجر).
٢ - أن يكون غير مُكْرَه: أي أن يرهن الراهن ما يرهن باختياره، وكذلك المرتهن، فلو أُكره الراهن على الرهن، أو المرتهن على الارتهان، فلا يصحّ الرهن، ولا تترتب عليه آثاره واحكامه التي ستعرفها، بمعنى أنه إذا زال الإكراه عن العاقد رجع الحال إلى ما كان عليه قبل الإكراه، ووجب على الراهن ان يستردّ العين إن كان المكره هو المرتهن، وعلى المرتهن ان يردّ العين إن كان المكرَه هو الراهن، ثم إذا رغبا في الرهن أنشآه من جديد.
وذلك لأن الرهن من التصرفات الشرعية الإنشائية، والإكراه عليها يؤثر فيها ويذهب أثرها، كما ستعلم ذلك مفصلا في (باب الإكراه) ان شاء الله تعالى.
٣ - ان يكون من أهل التبرّع فيما يرهنه أو يرتهن به: كأن يكون مالكا للعين التي يرهنها مثلا، وان يكون مالكا للدين الذي يرتهن به.
رهن الولي والوصي وارتهانهما:
والمراد بهذا الشرط بيان: أنه ليس لأحد أن يرهن شيئاً من مال مَنْ
стр. 1322
له عليه ولاية مالية كالوليّ والوصي، كما انه ليس له ان يرتهن شيئا لهم بشئ من اموالهم، لأن الولي والوصي - كلاًّ منهما - ليس اهلاً للتبرّع من أموال مَن تحت ولايته أو وصايته، والرهن والارتهان كلٌّ منهما فيه معنى التبرع.
فالبرهن يُمنع الراهن من التصرّف في المرهون - إلا بشروط كما سيأتي - وذلك حبس لمال القاصر وتفويت للمنفعة بغير عوض، فهو تبرع.
وبالارتهان تأجيل للمال الذي يستحقه القاصر، وذلك تفويت لمنفعة التعجيل بغير عوض، إذ ليس للمرتهن أن ينتفع بالعين المرهونة كما ستعلم، وذلك تبرع ولذا قال الفقهاء: ليس لوليّ القاصر أن يبيع شيئاً من ماله - في الأحوال العادية - إلا بحالٍّ مقبوض قبل أن يسلم المبيع، وبالتالي فلا ارتهان بماله.
على أن الفقهاء قد استثنوا حالتين، يجوز فيهما للوليّ والوصي الرهن والارتهان، لما في ذلك من مصلحة ظاهرة لمن كان تحت ولايتهما، وهما:
١ - حالة الضرورة:
كأن يحتاج إلى النفقة على مَن تحت ولايته، ولا يكن له مال ينفق عليه منه، فيرهن شيئاً من أمتعتهم مقابل مال يأخذه لينفقه عليهم، وهو يرجو أن يوفيه من غلّة ينتظر خروجها لهم، او دَيْن لهم سيحلّ أجَله، او بيع متاع لهم كاسد الآن يرجى نفاقه.
وكذلك له أن يرتهن بمال لهم، يخشى عليه السرقة أو النهب فيبيعه الى أجل أو يقرضه، ويرتهن بذلك متاعاً لهم حفظاً واستيثاقاً لدَيْنهم.
٢ - أن يكون الرهن والارتهان لمصلحة ظاهرة:
وذلك كأن يجد سلعة تساوي مائتين مثلاً، تباع بمائة، ولا مال لهم، فيشتريها على أن يرهن بها شيئاً من متاعهم يساوي مائة.
ويشترط في هذه الحالة ان يكن هذا المتاع المرهون عند امين موسر، وان يشهد على ذلك، وان يكون الى اجل غير طويل عُرفاً، فإن فقد شرط من ذلك لم يصحّ الرهن.
стр. 1323
ومثل الرهن الارتهان، وذلك كأن يبيع شيئا من متاعهم يساوي مائة بمائتين، ويرتهن لهم بذلك متاعاً يساوي مائتين.
فالمصلحة هنا ظاهرة والمنفعة بالغة لهؤلاء القاصرين، ولذا صحّ الرهن والارتهان لهم.
الركن الثاني: الصيغة:
وهي الإيجاب والقبول: وهما كل كلام يدل على الرهن والقبول به، من الراهن والمرتهن، كأن يقول الراهن: رهنتك داري هذه بما لَك علىّ من الدَّين، أو خذ هذا - لسلعة في يده - رهناً بثمن هذا، لشئ اشتراه، فيقول صاحب الدين في الحالين: قبلت، أو ارتهنت، ونحو ذلك.
والأصل في اشتراط الصيغة في الرهن - وغيره من العقود - أنه عقد فيه تبادل مالي، فيشترط فيه الرضا، لأنه لا يحلّ مال امرئ إلا عن طيب نفس منه، والرضا أمر خفيّ، فيُكتفي بما يدل عليه وهو اللفظ من المتعاقِدَيْن، وذلك يكون بالإيجاب والقبول.
وهل يكتفي فيه بالمعاطاة؟ كأن يقول له: يعني هذه السلعة بكذا الى أجل، وخذ منيّ هذه الساعة مثلاً رهناً بالثمن، فيقول: بعتك، ويقبضه السلعة وذلك يعطيه الساعة.
الأصلح أن هذا الرهن لا ينعقد، ولا بدّ من صيغة خاصة به، تدل على الرهن والارتهان.
هذا بالنسبة لمن يستطيع النطق، وأما الأخرس: فيكتفي منه بإشارته المعهودة المفهمة رضاه بالرهن أو الارتهان، فتقوم مقام نطقه للضرورة، لأنها تدل على ما في نفسه من الرضا أو عدمه، وكذلك كتابته فيما اذا كان يحسن الكتابة.
الركن الثالث: المرهون:
وهو العين التي يضعها الراهن عند المرتهن ليحتبسها وثيقة بدَيْنه، وقد اشترط الفقهاء فيها شروطاً ليصح ارتهانها، منها:
١ - أن يكون عيناً: فلا يصحّ رهن المنفعة، كأن يرهنه سكنى دار، لأن المنفعة
стр. 1324
تتلف بمرور الزمن، فلا يحصل بها توثّق ولا تثبت عليها يد الحبس.
٢ - أن يكون قابلاً للبيع: أي تتوفر فيه شروط المبيع التي مرّت بك في عقد البيع، بأن يكون موجوداً وقت العقد، وأن يكون مالاً متقوِّماً شرعاً، وأن يكون مقدوراً على تسليمه، وأن يكون قد وقع عليه التملّك من الراهن أو دخل في سلطانه.
فلا يصحّ رهن ما ستلده أغنامه، لأنه غير موجود عند العقد.
ولا يصحّ رهن كلب وخنزير، لأنهما ليسا بمال ذي قيمة شرعاً، ومثلهما صيد المرحم بحج او عمرة وصيد الحرم المكّي، لأن كلاًّ منهما في حكم الميتة، وهي ليست بمال شرعاً.
كما لا يصحّ أن يرهن طيراً في الهواء، لأنه غير مقدور على تسليمه.
ومثله أن يرهن ما له في ذمّة فلان من الدَّيْن، لأنه غير قادر على تسليمه ايضاً.
وكذلك لا يصحّ رهن ما يسومه ليشتريه، او ما يريد ان يجمعه من المُباحات كالحطب والكلأ - أي الحشيش - غير المملوكين، لأن هذه الأشياء لم يقع عليها التملّك بعد، ولم تدخل في سلطانه.
وهل يشترط ان يكون الراهن مالكاً للعين المرهونة، أم يكفي أن تكون في سلطانه؟ الجواب: أنه لا تشترط ملكية الراهن للمرهون، بل له أن يستعير شيئاً ليرهنه، بشروط وأحكام، سيأتي بيانها في فقرة مستقلة تحت عنوان: العين المستعارة للرهن.
وكذلك لا يشترط ان يكون مالكاً لجميع العين المرهونة، بل يصح ان يكون مالكاً لجزء منها، فيرهن ما هو ملْك له، كما لو كان يملك نصف سيارة أو نصف الدار أو العقار، فله ان يرهن حصته مقابل ما عليه من الدَّيْن، وهذا ما يسمى عند الفقهاء: رهن المشاع، وذلك لأن المشاع قابل للبيع، فمّن كان يملك حصة شائعة في شئ - أي غير مقسومة ولا معزولة - له ان يبيعها، فكذلك يصح له ان يرهنها، لأن الغاية من الرهن الاستيثاق والتمكن من الاستيفاء منه عند تعذر وفاء الدَّيْن، وذلك يحصل برهن المشاع، لأنه يمكن بيعه عند حلول الأجل واستيفاء الدَّيْن من ثمنه.
стр. 1325
وسيأتي بيان كيفية قبض المرهون المشاع عند الكلام عن القبض في الرهن إن شاء الله تعالى.
الركن الرابع: المرهون به:
وهو الحق الذي للمرتهن في ذمة الراهن، والذي يوضع الرهن بمقابله، ويشترط فيه أمور، وهي:
١ - أن يكون دَيْناً: أي مما يثبت في الذمة كالدراهم والدنانير ونحوها من العملات المتداولة، والتي تقوَّم بها الأشياء، لأن مقصود الرهن استيفاء المرهون به من قيمة المرهون وثمنه عند تعذّر الوفاء، وهذا ممكن في الدَّيْن.
ولا عبرة بسبب الدَّين سواء أكان ثمن مبيع اشتراه الراهن إلى أجل، أم كان قرضاً، أم كان ضماناً بسبب إتلافه شيئاً ما للمرتهن.
وعليه: فلا يصحّ أن يكون الحق المرهون به عيناً، كما لو غصب انسان متاعاً من آخر، فطالبه المغصوب منه به، وطلب منه ان يرهنه شيئاً مقابله الى ان يأتيه به، وكذلك لو استعار احد شيئا، فطلب المعير من المستعير ان يرهنه شيئا ما - متاعا او نقودا مثلا - مقابله حتى يأتيه به، فلا يصح مثل هذا الرهن، وهذا يقع كثيراً في هذه الأيام.
قال صاحب كتاب [مغني المحتاج]: ومن هنا يؤخذ بطلان ما جرت به عادة بعض الناس من كونه يقف كتابا، ويشرط ان لا يعار او يخرج من مكان يحسبه فيه الا برهن.
وانما لم يصح الرهن مقابل الأعيان لأنها لا يمكن استيفاؤها من ثمن المرهون عند تعذر الوفاء وبيع العين المرهونة، اذ كيف تستوفى مثلا ساعة من ليرات ونحوها، واذا قلنا تستوفى قيمتها، فإن القيمة تختلف باختلاف المقومين، فيؤدي ذلك الى التنازع.
على ان الرهن انما شرع وذكر في كتاب الله تعالى في الدين - كما علمت عند الكلام عن مشروعيته - فلا يثبت في غيره.
стр. 1326
٢ - ان يكون الدَّيْن ثابتاً في ذمّة الراهن للمرتهن: كثمن مبيع بعدما أبرم البيع ولو قبل تسليم المبيع، أو نفقة زوجة عن زمن مضى، أو مال اقترضه الراهن وقبضه أو قبل قبضه، ونحو ذلك، فيصحّ الرهن.
وإنما صحّ الرهن في هذه الحالات لأن الحق قد ثبت، فصارت الحاجة داعية لأخذ الوثيقة به، فصار الرهن ضماناً للدَّيْن، فجاز أخذه به.
وكذلك يصحّ الرهن لو وقع مع العقد الموجب للدَّيْن، كما لو قال: بِعْني هذا الثوب بمائة إلى شهر، وأرهنك بها هذه الساعة، فقال البائع: قبلت، أو بعتك وارتهنت، أو قال: أقرضني ألفاً الى سنة، وأرهنك بها هذه السجادة، فقال: قبلت، أو أقرضتك وارتهنت، لأن الحاجة تدعو الى ذلك، فلو لم يعقد ذلك ويشترطه مع ثبوت الدَّيْن ربما لم يتمكن من إلزام المشتري أو المقترض بعقد الرهن بعد ثبوت الدَّيْن، فيفوت حقه في التوثّق من دَيْنه.
أما إذا حصل عقد الرهن قبل ثبوت الحق أو العقد الذي يوجبه فإنه لا يصحّ، كما لو ارتهنت الزوجة متاعاً مقابل ما سيثبت لها من نفقة في ايام مقبلة، او ارتهن شيئاً بما سيقرضه إياه، أو بثمن ما سيشتريه منه، فإن الرهن في هذه الحالات لا يصحّ ولا ينعقد.
وذلك لأن الرهن وثيقة بالحق فلا تقدم على ثبوته، وتابع فلا يسبقه، كالشهادة فلا تقدّم قبل ثبوت المشهود عليه ولا تسبقه.
٣ - أن يكون الدَّيْن معلوماً للعاقِدَيْن قدراً وصفة: فلو ثبت أن للمرتهن دَيْناً في ذمة الراهن، لكنه يجهل ما هو: أليرات سورية ام غير ذلك؟ أو يجهل قدرها، أهي الف ام الفان؟ فارتهنه شيئاً بها، فإن الرهن لا يصح، سواء أعلم العاقد الثاني قدرها وصفتها أم لا. وذلك لتعذّر استيفاء هذا الدَّيْن المجهول من ثمن العين المرهونة إذا بيعت عند عدم الوفاء.
لزوم عقد الرهن:
إذا وجدت أركان عقد الرهن بشروطها فقد انعقد صحيحاً، ولكن هل لزم العقد؟ بمعنى أنه ليس للراهن أن يرجع عنه، ويلزمه دفع العين المرهونة للمرتهن،
стр. 1327
ام لا يزال له الخيار في ذلك، ان شاء دفع وان شاء رجع؟
والجواب: أن عقد الرهن عقد جائز قبل القبض، وأن القبض من تمامه، وشرط لا يلزم إلا به، فما دامت العين المرهونة بيد الراهن كان له الرجوع عن رهنها، فإذا دفعها للمرتهن، وقبضها المرتهن قبضاً صحيحا لزم العقد، وصار من حق المرتهن احتباسه، وليس للراهن واسترداد العين المرهونة إلا برضاه.
ودليل ذلك:
قوله تعالى: "وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كتابا فرهان مقبوضة". فالفاء المقرونة بكلمة رهان هي جواب للشرط "وإن كنتم" وجزاء له، ومثل هذه الصيغة من صيغ الأمر، فهو أمر إذن بالرهان التي وصفت بأنها "مقبوضة" والأمر بالشئ الموصوف بصفة يقتضي أن يكون ذلك الوصف من تمامه وشرطاً فيه، لأن المشروع بصفة لا يوجد إلا إذا وُجدت تلك الصفة، فدلّ ذلك على أن عقد الرهن لم يتم إذا لم يحصل القبض، فإذا حصل القبض تمّ، وإذا تمّ فقد لزم.
وكذلك: لو كان الرهن يلزم بدون قبض لم يكن لقوله: "مقبوضة" أية فائدة، وكلام الشارع يُصان عن اللغو وعدم الفائدة، فكان لابدّ من إعتبار هذا الوصف الذي قيِّدت به الرهان ليلزم العقد.
وأيضاً: عقد الرهن فيه معنى التبرّع من جهة الراهن - كما مرّ معنا عند الكلام عن شروط العاقِدَيْن - لأنه لا يستوجب على المرتهن بمقابلة حبس العين شيئا، وعقد التبرّع لا يُجبر عليه القائم به، فلو كان الرهن يلزم بمجرد انعقاده لكان مجبراً على إمضائه، ولذا لابدّ من إمضائه باختياره، وذلك يكون بالإقباض منه والقبض من المرتهن، فإذا حصل إمضاء العقد باختياره صار ملزماً به، وامتنع عليه الرجوع عنه.
стр. 1328
كيفية قبض الرهن:
إذا كان القبض شرطاً لتمام عقد الرهن ولزومه، فكيف يكون هذا القبض؟ نقول: إن العين المرهونة قد تكون غير منقولة كالأرض والعقار، وقد تكون منقولة كالسيارة وغيرها من السلع.
فإذا كانت غير منقولة: كفى فيها ان يخلِّى الراهن بينها وبين المرتهن، والتخلية تكون برفع الموانع التي تحول دون استلامها، كما لو كانت مشغولة بأمتعة، او بمَن يسكن الدار مثلاً، وما إلى ذلك، فإقباضها وقبضها يكون بتفريغها وعدم الحيلولة دون استلامها.
وإذا كانت العين المرهونة منقولة: فلا يكفي فيها التخلية، بل لا بدّ فيها من التناول والنقل حسب العُرْف بالنسبة للشئ المنقول، وما يسمى قبضاً له في العادة، فإذا لم يحصل ذلك لا يعتبر القبض.
وهذا إذا كانت العين المنقولة أو غير المنقولة كلها رهناً، فإذا كان بعضها هو المرهون، وهو رهن المشاع الذي أشرنا إليه عند الكلام عن المرهون، فكيف يكون القبض فيه؟
والجواب: أنه إن كانت العين منقولة كان قبضها بتسليمها كلها للمرتهن، وذلك بعد إذن الشريك بالقبض، لأنه لا يحصل إلا بالنقل كما علمت، فإن أبى الشريك ذلك ولم يأذن بالنقل: فإما أن يرضى المرتهن بوضعها في يد الشريك كلها، ويعتبر الشريك نائباً عن المرتهن في قبض الحصة المرهونة، فيجوز ذلك ويتمّ العقد، وإذا لم يرضَ المرتهن بذلك رفع الأمر الى القضاء، وعندها ينصب الحاكم عدلاً تكون العين في يده لهما، أي للمرتهن والشريك.
وللشريك ان ينتفع بالعين المرهونة بنسبة ملْكه منها، وبإذن من المرتهن او القاضي.
стр. 1329
أحكام عقد الرهن
علمنا ان لكل عقد من العقود الشرعية احكاماً، وهي الآثار التي يرتبها الشارع على وجود ذلك التصرف بين المتعاقِدَيْن، وانعقاده صحيحاً بوجود أركانه وتحقّق شروطه، وعقد الرهن مثل غيره من العقود: إذا صحّ ولزم، على المعنى الذي علمتَ، ترتّبت عليه آثاره وثبتت له أحكامه، فما هي هذه الأحكام؟
سنتكلم عن هذه الأحكام، ولتسهيل البحث نجعلها أقساماً أربعةً:
* القسم الأول: الأحكام التي تتعلق بالمرهون حال بقائه في يد المرتهن.
* القسم الثاني: الأحكام التي تتعلق بالمرهون حال هلاكه.
* القسم الثالث: الأحكام التي تتعلق بنماء المرهون وهو في يد المرتهن.
* القسم الرابع: احكام فرعية تتعلق بالرهن.
- القسم الأول: ما يتعلق بالمرهون حال بقائه في يد المرتهن:
بعدما يدفع الراهن العين المرهونة الى المرتهن، قد تكاملت أركان الرهن وشروطها، يترتب على ذلك آثار وأحكام من حيث: حبس المرهون، وحفظ العين المرهونة ومؤونتها، وما هي حقيقة يد المرتهن على المرهون؟ وهي ينتفع بالعين المرهونة في هذه الحالة؟ وما حكم التصرّف بهذه العين؟ وفكاك الرهن وتسلمه وردّه بوفاء الدين، ومتى يُباع المرهون وكيف؟ وإليك الكلام عن هذه الامور:
- أولاً: حبس المرهون:
علمنا أن عقد الرهن لا يتم ولا يلزم إلا بقبض العين المرهونة، فإذا قبضها المرتهن تم العقد ولزم، وليس للراهن الرجوع عنه واسترداد المرهون إلا بفكاكه
стр. 1330
بوفاء الدَّيْن، وبالتالي صار للمرتهن حق في ان يحتبس العين المرهونة عنده، وليس للراهن ان يُخرجها من يده.
ويكفي لتمام الرهن القبض الأول، فلا يشترط استدامة هذا القبض، كما لا يشترط أن تبقى العين المرهونة محبوسة على الاستمرار لدى المرتهن حتى يبقى عقد الرهن مستمراً، ولذا كان للمرتهن ان يخرج المرهون من يده برضاً منه وإذن ويدفعه للراهن، ولا يبطل بذلك الرهن ولا ينقطع، ويبقي حق المرتهن متعلقاً، بالمرهون له أن يعيده إلى يده ويحتبسه متى شاء.
وذلك: لأن القصد من الرهن الاستيفاء، وذلك ممكن بدون استمرار الحبس، ولأن الراهن يملك منافع الرهن كما سيأتي بيانه، فله ان يستوفى هذه المنافع بإذن المرتهن، وذلك لا يكون إلا باستخراج المرهون من يده.
- ثانياً: حفظ الرهن ومؤونته:
حفظ الرهن يعني: مراقبته ورعايته والابقاء عليه من ان يناله ضرر أو تلف كأن يسرق مثلا، وذلك من مصلحة المرتهن، لأن مصلحته أن يبقى الرهن سالماً كي يستوفي حقه منه إذا تعذّر على الراهن وفاء الدَّيْن. ولذا كان حفظه عليه ومن واجبه لأنه من مصلحته، ولأنه تحت يده ورعايته، وكَلَ مَن كانت له يد على شئ كان عليه حفظه ورعايته، وعليه ان يحفظه بنفسه حسب العُرف والعادة، لأنه هو العاقد الملتزم بالحفظ بمقتضى العقد.
فإذا احتاج الحفظ الى مستودع مثلاً كانت عليه أُجرته، أو إلى خزانة كان عليه إيجادها، أو أجرة حارس، وهكذا.
وأما مؤونة الرهن، وهي: كل ما تحتاجه العين من نفقة لبقائها، كعلف الدابة وسقي الاشجار، وترميم الدار مثلاً، فهو على الراهن، لأنه لابدّ منه لبقاء العين التي هي ملكه، ويُجبر عليها كي لا تهلك العين، محفظة على حق المرتهن.
ودلّ على ذلك: قوله ﷺ : "لا يَغلق الرهن، الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غُنَمه وعليه غُرْمه" ومن غُرْمه نفقته ومؤونته، (رواه الشافعي في الام: كتاب
стр. 1331
الرهن، باب: ضمان الرهن: ٣/ ١٤٧. والدارقطني: البيوع، رقم الحديث: ١٣٣).
- ثالثاً: يد المرتهن:
علمنا أنه إذا تحقق شروط بعد وجود أركانه فقد انعقد صحيحاً، وللمرتهن الحق في أن يقبض العين المرهونة إذا لم يرجع الراهن عن الرهن، فإذا قبض المرتهن العين صار له الحق في احتباسها عنده حتى يؤدي الدَّيْن، وليس للراهن أن يخرجها من يده إلا بإذن منه وهذا هو معنى اليد، أي أن العين المرهونة في يده وتحت سلطانه.
والذي نريد أن نعلمه الآن: هي يد المرتهن على العين يد أمانة أم يد ضمان؟
ويد الأمانة تعني: أن صاحبها لا يغرَّم بسبب ما هلك تحت يده شيئاً إلا إذا تعدّى أو قصر في مسؤوليته.
ويد الضمان تعني: أن صاحبها يغرّم بسبب ما هلك تحت يده، سواء أتعدّى بالهلاك أم لا، قصّر في مسؤوليته أم لا.
والجواب: أن يد المرتهن على العين المرهونة يد أمانة، فلا يغرّم شيئاً إذا هلكت، ولا يسقط عن الراهن شئ من الدَّيْن بمقابل بعض هلاك العين المرهونة او كلِّها، إلا إذا تعدّى في هذا الهلاك أو قصر، كما ستعلمه مفصّلاً عند الكلام عن هلاك المرهون.
ودليل ذلك قوله ﷺ : "له غُنْمه وعليه غُرْمه" ومن غُرْمه هلاكه وتلفه، واذا كان هلاكه على الراهن فمعناه أنه هو الضامن له، وبالتالي المرتهن غير ضامن، وتكون يده يد أمانة.
- رابعاً: الانتفاع بالمرهون:
أ - انتفاع الراهن بالمرهون:
قد علمنا أنه لا يشترط لبقاء عقد الرهن استمرار حبس المرهون في يد المرتهن، بل له أن يخرجه من يده بإذنٍ منه ورضاه كما علمنا من خلال ما مرّ أن
стр. 1332
منافع المرهون لمالكه وهو الراهن، لقوله ﷺ : " له غُنْمه" ومن غنمه منافعه، ولكنه محجوز عنها لحق المرتهن طالما أن المرهون محبوس عنده، فإذا أذن للراهن باسترداده والانتفاع به جاز له ذلك.
وكذلك قوله ﷺ : "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة" والذي يركب يشرب هو المالك للمنفعة وهو الراهن، فله الانتفاع وعليه النفقة.
ولكن يشترط في ذلك:
? أن يكون الانتفاع بالعين المرهونة لا يُلحق بها ضرراً من نقص او تلف.
? أن لا يسافر الراهن بالعين المرهونة، لأن السفر مظنة الخطر، ولا ضرورة له، فإذا أذن المرتهن بما يُمنع منه الراهن جاز له ذلك.
وكذلك: ان امكن الانتفاع بالمرهون وهو في يد المرتهن دون اخراجه واسترداده انتفع به عنده، وان لم يمكن ذلك الا باستخراجه من يده استخراجه، والأولى ان يشهد المرتهن على ذلك رجلين او رجلا وامرأتين، لأنه امر مالي.
وعلى الراهن رد العين المرهونة بعد استيفائه المنفعة منها الى يد المرتهن.
ب- انتفاع المرتهن بالمرهون:
علمنا أن عقد الرهن يُقصد به التوثق للدْين، وذلك بثبوت يد المرتهن على العين المرهونة، ليمكن بيعها واستيفاء الدَّيْن من قيمتها عند تعذّر وفائه على الراهن.
وعليه: فإن عقد الرهن لا يعني امتلاك المرتهن للعين المرهونة، ولا استباحته لمنفعة من منافعها، بل تبقى ملكية رقبتها ومنافعها للراهن، المالك الأصلي لها، وبالتالي: فليس للمرتهن أن ينتفع بالعين المرهونة بدون إذن الراهن مطلقاً، فإذا فعل ذلك كان متعدِّياً وضامناً للمرهون.
وهل له أن ينتفع به إذا أذن له الراهن بذلك؟
ينبغي ان نفرِّق هنا بين أن يكون الإذن بالانتفاع لاحقاً لعقد الرهن وبعد تمامه ودون شرط له، وبين أن يكون مع العقد ومشروطاً فيه:
стр. 1333
فإن كان مع العقد ومشروطاً فيه كان شرطاً فاسداً، ويفسد معه عقد الرهن على الأظهر، وذلك لأنه شرط يخالف مقتضى العقد، إذ مقتضى العقد التوثّق - كما علمت - لا استباحة المنفعة، وكذلك هو شرط فيه منفعة لأحد المتعاقِدَيْن وإضرار بالآخر، إذ به منفعة للمرتهن وإضرار بمصلحة الراهن.
ومقابل الأظهر: أن الشرط فاسد لا يُلتفت إليه، والعقد صحيح، وقول ضعيف.
وأما إذا لم يكن الانتفاع للمرتهن مشروطاً في العقد فهو جائز، ويملكه المرتهن، لأن الراهن مالك، وله أن يأذن بالتصرّف في ملكه بما لا يضيّع حقوق الآخرين فيه، وقد أذن له بذلك، وليس في ذلك تضييع لحقه في المرهون، لأنه بانتفاعه به لا يخرج من يده، ويبقى محتبساً عنده لحقه.
- خامسا: التصرّف بالمرهون:
المراد بالتصرف هنا: التصرّف الذي يُنشئ التزاماً وينتج أثراً شرعياً، كالهبة والبيع ونحو ذلك.
وهذا التصرّف إما أن يكون من الراهن وإما أن يكون من المرتهن، وإما ان يكون بإذن من الطرف الآخر وإما أن يكون بغير إذن.
أ-تصرّف الراهن بالعين المرهونة:
إذا تصرف الراهن بالعين المرهونة تصرفاً يُزيل ملكه عنها، كالبيع والهبة والوقف، كان تصرفه باطلاً إذا كان بغير إذن المرتهن، ولم يترتب عليه أيّ أثر شرعي، وبقى الرهن على حاله.
وذلك: لأن المرهون وثيقة بيد المرتهن مقابل دينه، فإذا أُجيز تصرّف الراهن هذا فيه فاتت الوثيقة وذهب حقّه، ولذا كان باطلا محافظة على حقه.
وكما لا يصحّ التصرّف الذي يُزيل الملْك لا يصح التصرّف الذي ينقص العين المرهونة حِسّاً أو مَعّنىً، كأن يعيره الى مَن يستعمله استعمالاً يَبْليه، أو يؤجّره الى مدة يحلّ الدَّيْن قبل انتهائها، فإن ذلك ينقصه مَعْنىً، إذ أن الرغبة تقلّ في شراء العين المؤجرة، وعندها إذا احتيج الى بيع العين لوفاء الدَّيْن: إما أن لا تُباع،
стр. 1334
وإما أن تُباع بأبخس من قيمتها، فإذا كانت المدة تنتهي مع حلول الدَّيْن أو قبله جاز ذلك وصحّ، لأنه لا ضرر فيه.
وكذلك لا يصحّ له رهنه عند مرتهن آخر، لأنه يُنشئ له بذلك حقاً يزاحم فيه حق المرتهن الأول، فيفوت مقصود الرهن.
فإذا كان التصرّف لا يتحقق فيه ما سبق كان صحيحاً ونافذاً، كالإعارة ونحوها.
كلُّ ذلك إذا كان التصرّف بغير إذن المرتهن كما علمت، فإذا كان التصرّف بإذنه: صحّت كلّ تلك التصرّفات ونفذت، وترتبت عليها آثارها المعتبرة شرعاً، لأن المنع من صحتها لحقْ المرتهن، وقد تنازل عن حقه بإذنه فيها.
لكن للمرتهن حق الرجوع عن إذنه قبل تصرّف الراهن، لأن حقَّه باقٍ طالما أن التصرف المأذون فيه لم يحصل.
فإذا لم يرجع عن إذنه وتصرّف الراهن نفذ التصرّف، وبطل الرهن إذا كان التصرّف يُزيل الملْك كالهبة ونحوها، وإذا لم يكن كذلك - كالإجارة ونحوها مما لا يزيل الملْك - بقى الرهن على حاله.
ب- تصرّف المرتهن:
لا يعدو تصرّف المرتهن بالعين المرهونة: أن يكون بإذن الراهن، أو بغير إذنه:
? فإذا كان تصرّف المرتهن بغير إذن الراهن، كان تصرّفه باطلاً لا يترتب عليه أيّ أثر شرعي، مهما كان نوع ذلك التصرّف، وإذا سلم العين المرهونة بسبب تصرّفه كان في ذلك متعدّياً، وصارت العين المرهونة مضمونة عليه، وذلك لأنه تصرّف بغير ملكه وبغير إذن المالك، لأن المرتهن لا يملك العين المرهونة، كما أنه لا يملك منفعتها.
? وإذا كان تصرّف المرتهن بالعين المرهونة بإذن الراهن: صحّ تصرّفه ونفذ، لأنه
стр. 1335
تصرف بإذن المالك في ملكه، وإنما ينظر:
- فإن كان التصرّف يُزيل الملْك كالهبة والبيع بطل الرهن، لأن الوثيقة قد ذهبت.
- وإن كان لا يُزيل الملْك - كالإعارة والإجارة - لم يبطل الرهن، لأن عين الوثيقة - وهي المرهون - لا تزال قائمة.
- سادسا: فِكاك الرهن وتسليمه وردّه بوفاء الدَّيْن:
إذا سَدَّد الرهن ما عليه من الدَّيْن كاملاً انفكّ المرهون وانتهى عقد الرهن، ووجب على المرتهن ردّ العين المرهونة على الراهن وتسليمها له، سواء أكان ذلك عند انتهاء الأجَلْ للدَّيْن أم قبله، وإذا لم يفعل ذلك، وقصّر في الرد أو امتنع دون عذر، كان ضامناً للعين، لأنه صار في حكم الغاصب، إذ لم يبق له حق في احتباس العين المرهونة، فإذا كان له عذر، كأن كانت العين غائبة في مكان لا يتمكن من إحضارها إلا بعد زمن، لم يكن ضامناً، وكذلك لو امتنع من تسليمها لعلمه أن هناك مَن سيغصبها من الراهن إذا دفعها إليه، والله تعالى أعلم.
وإذا دفع الراهن دَيْنه على أقساط: فإنه لا ينفك شئ من الرهن حتى يؤدي الدَّيْن كله، أو يبرئه المرتهن مما بقى له من أقساط وليس له أن يطالب بفك جزء من العين المرهونة لو كانت قابلة للتجزّؤ، مقابل ما دفعه من أقساط.
وذلك: لأن الرهن وثيقة بجميع أجزاء الدَّيْن، فلا ينفك جزء منه إلا بأداء جميع الدَّيْن وعلي ذلك أجمع الفقهاء.
فلو شرط الراهين في العقد: أنه كلما قضي من الدَّنْن قسطاً انفكّمن الرهن بقدره فسد الرهن، لاشتراط ما ينافيه.
- سابعاً: بيع المرهون:
إذا حلّ أجل الدَّيْن، ولم يكن عند الراهن وفاء له، وطالب المرتهن به، بِِيع المرهون ليُستوفى الدَّيْن من قيمته.
والذي له حق بيعه هو الراهن أو وكيله، لأنه هو المالك له ووكيله نائب عنه، وأنما يُشترط في هذا إذن المرتهن، لأن له حقاً في ماليّته، أي في قيمته، ليستوفى دَيْنه منها.
فإن لم يأذن المرتهن في بيعه رُفع الأمر إلى القضاء، وامره القاضي بالإذن
следующие страницы →