Полный текст (1 678 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
الرهن، باب: ضمان الرهن: ٣/ ١٤٧. والدارقطني: البيوع، رقم الحديث: ١٣٣).
- ثالثاً: يد المرتهن:
علمنا أنه إذا تحقق شروط بعد وجود أركانه فقد انعقد صحيحاً، وللمرتهن الحق في أن يقبض العين المرهونة إذا لم يرجع الراهن عن الرهن، فإذا قبض المرتهن العين صار له الحق في احتباسها عنده حتى يؤدي الدَّيْن، وليس للراهن أن يخرجها من يده إلا بإذن منه وهذا هو معنى اليد، أي أن العين المرهونة في يده وتحت سلطانه.
والذي نريد أن نعلمه الآن: هي يد المرتهن على العين يد أمانة أم يد ضمان؟
ويد الأمانة تعني: أن صاحبها لا يغرَّم بسبب ما هلك تحت يده شيئاً إلا إذا تعدّى أو قصر في مسؤوليته.
ويد الضمان تعني: أن صاحبها يغرّم بسبب ما هلك تحت يده، سواء أتعدّى بالهلاك أم لا، قصّر في مسؤوليته أم لا.
والجواب: أن يد المرتهن على العين المرهونة يد أمانة، فلا يغرّم شيئاً إذا هلكت، ولا يسقط عن الراهن شئ من الدَّيْن بمقابل بعض هلاك العين المرهونة او كلِّها، إلا إذا تعدّى في هذا الهلاك أو قصر، كما ستعلمه مفصّلاً عند الكلام عن هلاك المرهون.
ودليل ذلك قوله ﷺ : "له غُنْمه وعليه غُرْمه" ومن غُرْمه هلاكه وتلفه، واذا كان هلاكه على الراهن فمعناه أنه هو الضامن له، وبالتالي المرتهن غير ضامن، وتكون يده يد أمانة.
- رابعاً: الانتفاع بالمرهون:
أ - انتفاع الراهن بالمرهون:
قد علمنا أنه لا يشترط لبقاء عقد الرهن استمرار حبس المرهون في يد المرتهن، بل له أن يخرجه من يده بإذنٍ منه ورضاه كما علمنا من خلال ما مرّ أن
стр. 1332
منافع المرهون لمالكه وهو الراهن، لقوله ﷺ : " له غُنْمه" ومن غنمه منافعه، ولكنه محجوز عنها لحق المرتهن طالما أن المرهون محبوس عنده، فإذا أذن للراهن باسترداده والانتفاع به جاز له ذلك.
وكذلك قوله ﷺ : "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة" والذي يركب يشرب هو المالك للمنفعة وهو الراهن، فله الانتفاع وعليه النفقة.
ولكن يشترط في ذلك:
? أن يكون الانتفاع بالعين المرهونة لا يُلحق بها ضرراً من نقص او تلف.
? أن لا يسافر الراهن بالعين المرهونة، لأن السفر مظنة الخطر، ولا ضرورة له، فإذا أذن المرتهن بما يُمنع منه الراهن جاز له ذلك.
وكذلك: ان امكن الانتفاع بالمرهون وهو في يد المرتهن دون اخراجه واسترداده انتفع به عنده، وان لم يمكن ذلك الا باستخراجه من يده استخراجه، والأولى ان يشهد المرتهن على ذلك رجلين او رجلا وامرأتين، لأنه امر مالي.
وعلى الراهن رد العين المرهونة بعد استيفائه المنفعة منها الى يد المرتهن.
ب- انتفاع المرتهن بالمرهون:
علمنا أن عقد الرهن يُقصد به التوثق للدْين، وذلك بثبوت يد المرتهن على العين المرهونة، ليمكن بيعها واستيفاء الدَّيْن من قيمتها عند تعذّر وفائه على الراهن.
وعليه: فإن عقد الرهن لا يعني امتلاك المرتهن للعين المرهونة، ولا استباحته لمنفعة من منافعها، بل تبقى ملكية رقبتها ومنافعها للراهن، المالك الأصلي لها، وبالتالي: فليس للمرتهن أن ينتفع بالعين المرهونة بدون إذن الراهن مطلقاً، فإذا فعل ذلك كان متعدِّياً وضامناً للمرهون.
وهل له أن ينتفع به إذا أذن له الراهن بذلك؟
ينبغي ان نفرِّق هنا بين أن يكون الإذن بالانتفاع لاحقاً لعقد الرهن وبعد تمامه ودون شرط له، وبين أن يكون مع العقد ومشروطاً فيه:
стр. 1333
فإن كان مع العقد ومشروطاً فيه كان شرطاً فاسداً، ويفسد معه عقد الرهن على الأظهر، وذلك لأنه شرط يخالف مقتضى العقد، إذ مقتضى العقد التوثّق - كما علمت - لا استباحة المنفعة، وكذلك هو شرط فيه منفعة لأحد المتعاقِدَيْن وإضرار بالآخر، إذ به منفعة للمرتهن وإضرار بمصلحة الراهن.
ومقابل الأظهر: أن الشرط فاسد لا يُلتفت إليه، والعقد صحيح، وقول ضعيف.
وأما إذا لم يكن الانتفاع للمرتهن مشروطاً في العقد فهو جائز، ويملكه المرتهن، لأن الراهن مالك، وله أن يأذن بالتصرّف في ملكه بما لا يضيّع حقوق الآخرين فيه، وقد أذن له بذلك، وليس في ذلك تضييع لحقه في المرهون، لأنه بانتفاعه به لا يخرج من يده، ويبقى محتبساً عنده لحقه.
- خامسا: التصرّف بالمرهون:
المراد بالتصرف هنا: التصرّف الذي يُنشئ التزاماً وينتج أثراً شرعياً، كالهبة والبيع ونحو ذلك.
وهذا التصرّف إما أن يكون من الراهن وإما أن يكون من المرتهن، وإما ان يكون بإذن من الطرف الآخر وإما أن يكون بغير إذن.
أ-تصرّف الراهن بالعين المرهونة:
إذا تصرف الراهن بالعين المرهونة تصرفاً يُزيل ملكه عنها، كالبيع والهبة والوقف، كان تصرفه باطلاً إذا كان بغير إذن المرتهن، ولم يترتب عليه أيّ أثر شرعي، وبقى الرهن على حاله.
وذلك: لأن المرهون وثيقة بيد المرتهن مقابل دينه، فإذا أُجيز تصرّف الراهن هذا فيه فاتت الوثيقة وذهب حقّه، ولذا كان باطلا محافظة على حقه.
وكما لا يصحّ التصرّف الذي يُزيل الملْك لا يصح التصرّف الذي ينقص العين المرهونة حِسّاً أو مَعّنىً، كأن يعيره الى مَن يستعمله استعمالاً يَبْليه، أو يؤجّره الى مدة يحلّ الدَّيْن قبل انتهائها، فإن ذلك ينقصه مَعْنىً، إذ أن الرغبة تقلّ في شراء العين المؤجرة، وعندها إذا احتيج الى بيع العين لوفاء الدَّيْن: إما أن لا تُباع،
стр. 1334
وإما أن تُباع بأبخس من قيمتها، فإذا كانت المدة تنتهي مع حلول الدَّيْن أو قبله جاز ذلك وصحّ، لأنه لا ضرر فيه.
وكذلك لا يصحّ له رهنه عند مرتهن آخر، لأنه يُنشئ له بذلك حقاً يزاحم فيه حق المرتهن الأول، فيفوت مقصود الرهن.
فإذا كان التصرّف لا يتحقق فيه ما سبق كان صحيحاً ونافذاً، كالإعارة ونحوها.
كلُّ ذلك إذا كان التصرّف بغير إذن المرتهن كما علمت، فإذا كان التصرّف بإذنه: صحّت كلّ تلك التصرّفات ونفذت، وترتبت عليها آثارها المعتبرة شرعاً، لأن المنع من صحتها لحقْ المرتهن، وقد تنازل عن حقه بإذنه فيها.
لكن للمرتهن حق الرجوع عن إذنه قبل تصرّف الراهن، لأن حقَّه باقٍ طالما أن التصرف المأذون فيه لم يحصل.
فإذا لم يرجع عن إذنه وتصرّف الراهن نفذ التصرّف، وبطل الرهن إذا كان التصرّف يُزيل الملْك كالهبة ونحوها، وإذا لم يكن كذلك - كالإجارة ونحوها مما لا يزيل الملْك - بقى الرهن على حاله.
ب- تصرّف المرتهن:
لا يعدو تصرّف المرتهن بالعين المرهونة: أن يكون بإذن الراهن، أو بغير إذنه:
? فإذا كان تصرّف المرتهن بغير إذن الراهن، كان تصرّفه باطلاً لا يترتب عليه أيّ أثر شرعي، مهما كان نوع ذلك التصرّف، وإذا سلم العين المرهونة بسبب تصرّفه كان في ذلك متعدّياً، وصارت العين المرهونة مضمونة عليه، وذلك لأنه تصرّف بغير ملكه وبغير إذن المالك، لأن المرتهن لا يملك العين المرهونة، كما أنه لا يملك منفعتها.
? وإذا كان تصرّف المرتهن بالعين المرهونة بإذن الراهن: صحّ تصرّفه ونفذ، لأنه
стр. 1335
تصرف بإذن المالك في ملكه، وإنما ينظر:
- فإن كان التصرّف يُزيل الملْك كالهبة والبيع بطل الرهن، لأن الوثيقة قد ذهبت.
- وإن كان لا يُزيل الملْك - كالإعارة والإجارة - لم يبطل الرهن، لأن عين الوثيقة - وهي المرهون - لا تزال قائمة.
- سادسا: فِكاك الرهن وتسليمه وردّه بوفاء الدَّيْن:
إذا سَدَّد الرهن ما عليه من الدَّيْن كاملاً انفكّ المرهون وانتهى عقد الرهن، ووجب على المرتهن ردّ العين المرهونة على الراهن وتسليمها له، سواء أكان ذلك عند انتهاء الأجَلْ للدَّيْن أم قبله، وإذا لم يفعل ذلك، وقصّر في الرد أو امتنع دون عذر، كان ضامناً للعين، لأنه صار في حكم الغاصب، إذ لم يبق له حق في احتباس العين المرهونة، فإذا كان له عذر، كأن كانت العين غائبة في مكان لا يتمكن من إحضارها إلا بعد زمن، لم يكن ضامناً، وكذلك لو امتنع من تسليمها لعلمه أن هناك مَن سيغصبها من الراهن إذا دفعها إليه، والله تعالى أعلم.
وإذا دفع الراهن دَيْنه على أقساط: فإنه لا ينفك شئ من الرهن حتى يؤدي الدَّيْن كله، أو يبرئه المرتهن مما بقى له من أقساط وليس له أن يطالب بفك جزء من العين المرهونة لو كانت قابلة للتجزّؤ، مقابل ما دفعه من أقساط.
وذلك: لأن الرهن وثيقة بجميع أجزاء الدَّيْن، فلا ينفك جزء منه إلا بأداء جميع الدَّيْن وعلي ذلك أجمع الفقهاء.
فلو شرط الراهين في العقد: أنه كلما قضي من الدَّنْن قسطاً انفكّمن الرهن بقدره فسد الرهن، لاشتراط ما ينافيه.
- سابعاً: بيع المرهون:
إذا حلّ أجل الدَّيْن، ولم يكن عند الراهن وفاء له، وطالب المرتهن به، بِِيع المرهون ليُستوفى الدَّيْن من قيمته.
والذي له حق بيعه هو الراهن أو وكيله، لأنه هو المالك له ووكيله نائب عنه، وأنما يُشترط في هذا إذن المرتهن، لأن له حقاً في ماليّته، أي في قيمته، ليستوفى دَيْنه منها.
فإن لم يأذن المرتهن في بيعه رُفع الأمر إلى القضاء، وامره القاضي بالإذن
стр. 1336
ببيعه او إبراء الراهن من الدَّيْن، فإن لم يفعل شيئاً من ذلك باعه الحاكم رغماً عنه، ووفاه دينه من ثمنه، دفعاً للضرر عن الراهن.
وكذلك لو امتنع الراهن من بيع المرهون في هذه الحالة: فإن القاضي يلزمه بقضاء الدَّيْن أو بيع المرهون، فإنْ أبي باعه الحاكم رغماً عنه، ووفّى المرتهن دَيْنه من ثمنه، دفعاً للضرر عنه.
فإذا كان للراهن متاع آخر يمكن ان يُباع ويوفّى الدَّيْن من ثمنه لم يُجبر على بيع المرهون، إذا رغب ببيع غيره والوفاء منه، لأن المرهون لم يتعيّن للوفاء، لأن الواجب وفاء الدَّيْن من مال المدين، فلا فرق بين المرهون وغيره، كما لو لم يكن بالدَّيْن رهن، فإنه لا يتعين لوفائه مال دون مال.
وإذا أذِنَ الراهن للمرتهن أن يبيع العين المرهونة: فالأصح أنه إذا باعها في حضرة الراهن صحّ ذلك، لأن الراهن يستطيع ان يرجع عن الإذن قبل إبرام العقد إذا وجد أن في البيع عبناً له. أما إذا باع المرتهن في غَيْبة الراهين فلا يصحّ البيع، لأن بيعه لغرض نفسه، وهو استيفاء دَيْنه، فيتّهم حال غَيْبة الراهن بالاستعجال وعدم التروَّي والتحفّظ لمصلحة الراهن، مما لا يحصل في حال حضوره.
- القسم الثاني: ما يتعلق بهلاك العين المرهونة واستهلاكها:
قد تتعرض العين المرهونة الى التَّلَف: إما بهلاكها بنفسها أو بآفة سماوية، أي بدون أي فعل يقع عليها من أحد، وإما باستهلاكها من قِبَل الراهن او المرتهن او غيرهما، ولكل حال حكمها.
١. هلاكها بنفسها:
وذلك لا يخلو من ان يكون الهلاك بتعدَّ أو تقصير او لا يكون بتعدَّ او تقصير:
فإن كان الهلاك بتعدَّ أو تقصير: كانت العين المرهونة مضمونة على المتعدَّي أو المقصّر، سواء أكان الراهن أو المرتهن أو غيرهما، لأن المتعدّي والمقصّر ضامن على أيّ حال، والضمان يكون بمثلها إن كانت لها مثل، أو بقيمتها إن لم يكن لها مثل، ويكون المثل أو القيمة رهناً بدلها في يد المرتهن.
وإن كان الهلاك بلا تعدَّ أو تقصير: فلا ضمان على المرتهن إن كانت في
стр. 1337
يده وإنما تهلك من مال الراهن، ولا يسقط شئ من الدَّين بهلاكها، لأن يد المرتهن عليها يد أمانة.
ودليل ذلك:
قوله ﷺ : "لا يغلق الرهن، الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غُنْمه وعليه غُرْمه". (اخرجه الشافعي في الأم: كتاب الرهن، باب: ضمان الرهن: ٣/ ١٤٧).
ومعنى أن الرهن من صاحبه أن هلاكه يكون من ماله، بدليل قوله: "له غنمه وعليه غرمه". وغنمه: سلامته وزيادته ومنافعه، وغرمه: نفقته ونقصه وهلاكه. فكان هلاكه من مال مالكه وهو الراهن، ولكن لا يضمن بدله ليوضع رهناً، لأنه لم يتعدَّ بهلاكه.
? ومما يؤكد ما سبق من فهم الحديث: أن الرهن وثيقة بالدَّين، فإذا هلك بدون تعدَّ كان كهلاك غيره من الوثائق كالصّك الذي كُتب فيه الدَّيْن والشاهِدَيْن والكفيل، ولا يسقط شئ من الدَّيْن بهلاك شئ من هذه الوثائق، فكذلك لا يسقط شئ منه بهلاك العين المرهونة.
٢. استهلاك العين المرهونة:
استهلاك العين المرهونة: إما أن يكون من قبل الراهن، أو من قبل المرتهن، أو من قبل غيرهما، وهو ما نسمّيه بالأجنبي، أي الذي لا علاقة له بعقد الرهن، وأيّاً منهم كان المستهلِك كان ضامناً لقيمة العين المرهونة، ولكن لكلٍّ حالة أحكامها:
١ - فإذا كان المستهلك هو الراهن ترتبت الأحكام التالية:
أ - إذا كان الدَّيْن قد حلّ أجله يطالب الراهن بالدَّيْن، ولا يطالب بالضمان، أي بقيمة المرهون لتكون رهناً جديداً، إذ لا فائدة في ذلك طالما أن الأجل قد انتهى.
ب- فإذا كان الدَّيْن لم يحلّ أجلهُ بعد طولب بالمثل أو القيمة، ليكون ذلك رهناً في يد المرتهن بدل العين الهالكة حتى يحل أجَل الدَّيْن، لقيام الضمان مقام العين المضمونة.
стр. 1338
ج- الذي يخاصم الراهن في التضمين ويرافعه لدى القضاء هو المرتهن، لأنه صاحب الحق في مالية العين المرهونة، اذ من حقه حبسها ليستوفى منها دينه عند حلول الأجل اذا تعذّر على الراهن وفاؤه.
٢ - وإن كان المستهلك هو المرتهن: ترتب ما يلي من الأحكام:
أ - فهو ضامن لمثله أو قيمته يوم قبضه له، لأن قبضه هو المعتبر في ضمانه، إذ به دخل في ضمانه، لأنه قبض لمصلحته لاستيفاء الدَّيْن منه.
وإنما كان ضامناً - رغم أن يد المرتهن على الرهن يد أمانة - لأنه أتلف مال غيره بغير حق.
ب- فإن كان الدَّيْن لم يحلّ أجَله بعدُ كان المثل أو القيمة رهناً في يد المرتهن حتى يحلّ الأجل، لأن ذلك بدل العين المرهونة فيأخذ حكمها.
ج- وإن كان الدَّيْن قد حلّ أجله، وكان الضمان من جنس الدَّيْن استردّ المرتهن منه حقه، وردّ الزيادة إن فضل شئ عن الدَّيْن، وإن كان الدَّيْن أكثر رجع على الراهن بالنقص، وإن كانا متساوِيَيْن حصلت المقاصّة، ولا شئ على واحد منهما.
٣ - وإن كان المستهلك أجنبياً ترتب ما يلي من الأحكام:
أ- يضمن قيمة الرهن يوم الاستهلاك إن لم يكن له مثل، فإن كان له مثل ضمن مثله، ويكون المثل أو القيمة رهناً عند المرتهن بدل العين المستهلكة.
ب- الذي يخاصم في الضمان هو الراهن، لأنه هو المالك للعين المستهلكة ومنفعتها، وللمرتهن أن يحضر الخصومة لتعلّق حقّه بالبدل الذي سيكون رهناً عنده، فإن لم يخاصم الراهن فليس للمرتهن أن يخاصم على الأصح.
- القسم الثالث: ما يتعلق بنمَاء الرهن:
نمَاء الرهن هو ثمرة المرهون وغلّته وزيادته، متصلاً كان كالسِّمَن أو منفصلاً
стр. 1339
كالولد، وسواء أكان متولِّداً من الأصل كالثمرة والولد والسِّمَن، أم غير متولِّدٍ منه كأجرة الدار وكسب السيارة.
إذا حصل هذا النماء للعين المرهونة كان ملكاً للراهن، لأنه نماء ملْكه، فهو تبع للأصل في الملْك، ولكن هل يدخل هذا النماء في عقد الرهن تبعاً للأصل، ويكون للمرتهن حق احتباسها معه حتى يفكّ المرهون، أم للراهن أخذها، لأنها لم يجرِ عليها عقد الرهن؟
والجواب: أنه من الواضح دخول الزيادة المتصلة كالسَّمْن ونحوه في الرهن، لأنه لا يمكن انفصالها او تمييزها عن الأصل.
وأما الزيادة المنفصلة: كالولد واللبن والثمرة وما أشبه ذلك، فلا تدخل في الرهن، وليس للمرتهن أن يحبسها عن الراهن، لأنها ملْكه ولم يجر عليها عقد الرهن، دلّ على ذلك: قوله ﷺ : "له غنمه .. " ومن غنمه: زوائده ونماؤه.
- القسم الرابع: أحكام فرعية تتعلق بالرهن:
هناك أحكام فرعية غير ما سبق تتعلق بالرهن، وهي:
أولاً: وضع المرهون على يد عدْل:
قد يطلب المرتهن رهناً بدَيْنه، ولا يطئمن الراهن الى وضعه في يده، فيتفقان على وضعه عند إنسان يثقان به ويرضيانه، لعدالته وحُسْن سيرته وامانته وحرصه على رعاية مصالح الناس.
فالعدل: هو الثقة الأمين الذي يرضى به كل من الراهن والمرتهن، ليضعا عنده العين المرهونة.
وحكم ذلك: أنه جائز ومشروع إذا شرطاه أو اتفقا عليه، فإذا قبض العين بالمرهونة صحّ قبضه وتمّ عقد الرهن، وكان في ذلك وكيلاً عن المرتهن في القبض.
ويتعلق بوضع المرهون على يد العدل أحكام، وهي:
١ - ليس للعدل أن يدفع العين المرهونة إلى الراهن أو المرتهن بلا إذن الآخر، لأن
стр. 1340
كلاًّ منهما لم يرض بوضعه في يد صاحبه اولاً، ولأن كل واحد منهما قد تعلّق حقه بالمرهون: فحق الراهن حفظ ملْكه في يد مَن ائتمنه، وحق المرتهن التوثّق من أجل استيفاء الدَّيْن، فليس له ان يبطل حق واحد منهما بدفعه الى الآخر بغير إذنه، فإذا اذن في ذلك جاز.
فإذا دفعه الى أحدهما بدون إذن الآخر كان متعدِّياً، وصار ضامناً للعين المرهونة، يضمن قيمتها إذا تلفت.
٢ - إذا هلكت العين المرهونة في يده بلا تعدًّ ولا تقصير لم يضمن، لأن يده يد المرتهن هنا، ويد المرتهن يد أمانة كما علمت، فإذا تعدّى أو قصّر ضمن، كالمرتهن.
٣ - ليس للعدل أن يبيع العين المرهونة عند حلول أجَل الدَّيْن وتعذّر وفائه، لأنهما جعلا له حق الإمساك لا التصرّف، إلا إذا سلّطاه على ذلك، أو شرطا في العقد أن يبيعه العدل، وعندها يجوز له بيعه، ولا يجب عليه مراجعة الراهن في الأصح، فإن عزله الراهن عن البيع صحّ عزله، ولم يملك البيع عندئذ. وكذلك للعدل ان يعزل نفسه عن ذلك، ويترك أمر البيع لهما.
٤ - إذا ضمن العدل قيمة الرهن - بسبب تعدّيه في إتلافه، أو دفعه إلى أحد المتراهنين بدون إذن الآخر وتلف في يده - أخذت منه القيمة ثم جعلت رهناً من جديد عنده، أو جعلت عند غيره.
ثانياً: رهن العين المستعارة للرهن:
قد مّر معنا عند الكلام عن شروط المرهون أنه لا يشترط أن يكون الراهن مالكاً للعين المرهونة، بل يصحّ أن يستعير عيناً ليرهنها.
وإنما جاز ذلك: لأن الرهن توثيق للدَّيْن، وهو يحصل بما يملكه المدين وما لا يملكه كالشهود والكفالة، وكذلك الرهن بمعنى وفاء الدَّيْن وقضائه، والانسان يملك أن يقضي دينه بمال غيره إذا أذن له بذلك.
ويتعلق بذلك أحكام:
١ - تقييد الإعارة: بمعنى أنه يشترط في ذلك ان يبيِّن الراهن المستعير للمعير:
стр. 1341
جنس الدَّيْن وقدره وصفته والمرهون عنده، لأن الأغراض تختلف باختلاف هذه الأشياء، فقد يرضى برهن متاعه عند شخص ولا يرضى بذلك عند آخر، لاختلاف الناس في حُسْن المعاملة وعدمها، وقد يرضى برهن متاعه بدَيْن معيّن من اليسير على الراهن وفاؤه، بينما لا يرضى برهنه مقابل دَيْن قد يتعذّر عليه وفاؤه، فيُباع في ذلك متاعه، وهكذا.
٢ - موافقة الراهن المستعير شروط المعير ومخالفته لها: اذا وافق الراهن شروط المعير في رهن العين التي استعارها منه كان الرهن صحيحاً، فإذا قبض المرتهن العين المرهونة تمّ عقد الرهن ولزم، وليس للمعير ولا للراهن المستعير الرجوع عنه، وترتبت على ذلك جميع أحكام الرهن السابقة التي من جملتها: أنه إذا هلكت العين المرهونة في المرتهن بلاتعدِّولا تقصير فلا ضمان عليه كما أن الراهن المستعير لا يضمن شيئاً لأنه لم يسقط عنه بهلاكها شيء من الدَّيْن الذي في ذمته، وهو لم يخالف ما شرط عليه.
أما إذا خالف الراهن المستعير شروط المعير، كأن أعاره ليرهنه عند شخص معين فرهنه عند غيره، بطل الرهن. وكذلك لو خالف في جنس الدَّيْن كأن يرهنه بنقد سوري فرهنه بغيره مثلاً، ومثله المخالفة في القدر،: كأن أعاره ليرهنه بألفٍ فرهنه بألفين. أما لو كانت المخالفة في القدر الى أقل، كأن اعاره ليرهنه بألفين فرهنه بألف، لأنه أيسر في الوفاء، فهي مخالفة لمصحلة المعير.
٣ - هلك العين المستعارة للرهن في يد المستعير: قد علمنا أنه إذا هلكت العين المستعارة في يد المرتهن بلا تعدٍّ أو تقصير فلا ضمان، أما إذا هلكت أو تعيِّبت في يد المستعير فإنه ضامن لها، سواء أكان ذلك قبل دفعها للمرتهن أم بعد فكاك الرهن، وسواء تعدّى في ذلك أم لم يتعدّ، لأنها تلفت في غير الاستعمال الذي استعارها من أجله، وهو الرهن هنا، والعاريّة مضمونة مطلقاً اذا هلكت بغير الاستعمال، كما علمت في باب العاريّة.
٤ - فك المعير للعين المستعارة للرهن: إذا عجز الراهن عن وفاء الدَّيْن وافتكاك العين المرهونة عند حلول اجل الدَّيْن، وأراد المعير مالك العين وفاء الدَّيْن
стр. 1342
ليفتك ملْكه كان له ذلك، وأُجبر المرتهن على قبول الوفاء منه، لأنه غير متبرِّع بقضاء دَيْن الراهن، لأنه يسعى في تخليص ملْكه، فلا مِنَّة له في ذلك، ولذا يُجبر الدائن على القبول، بخلاف ما لو كان الذي يقضي الدين متبرعاً، فإن الدائن لا يجبر على القبول، لما في ذلك من المِنّة.
وفي هذه الحالة يرجع المعير على الراهن المستعير بجميع ما قضي عنه من الدين.
٥ - موت المعير أو المستعير: إذا مات الراهن المستعير، ولم يترك مالاً يؤدَّي منه الدَّيْن، بقى الرهن على حاله، ولا يباع المرهون المستعار إلا برضا المعير لأنه ملكه، فإذا رضى ببيعه - وكان في ثمنه وفاء للدَّيْن - بيع ولو لم يرض المرتهن، لأن حقه - وهو استيفاء الدَّيْن - يحصل بالبيع. وإذا لم يكن في ثمنه وفاء الدَّيْن لم يبع إلا برضا المرتهن، لأن في حبسه منفعة له، فقد يحتاجه المالك المعير فيسعى لتخليصه بوفاء الدَّيْن كاملاً، كما أنه قد ترتفع قيمته فيكون في بيعه عندها وفاء دينه.
وإذا مات المعير وكان عليه دين، ولم يترك ما يفي به إلا العين المستعارة للرهن، أمر الراهن المستعير بفكاك الرهن، ليعود الى ورثة المعير فيفوا منه دَيْنه، ويصل كلّ ذي حقٍّ إلى حقه. فإن عجز الراهن عن فك الرهن بقى على حاله، ولورثة المعير عندها أن يأخذوا العين المرهونة إن قضوا ما عليه من دَيْن، فإن لم يقضوا دَيْن المعير، وطالبوا هم والغرماء أصحاب الديون ببيع العين المرهونة بيعت إن كان في ثمنها وفاء لدين المرتهن ولو بغير رضاه، فإن لم يكن فيها وفاء لا تُباع الا برضاه، لمصلحته في حبسه، فلعلّهم يفكّوه بوفاء الدين أو يزداد السعر.
ثالثاً: الزيادة في المرهون أو الدَّيْن بعد تمام عقد الرهن:
أ - الزيادة في المرهون: لو رهن شخص شيئاً ما بدَيْن، وبعد قبض المرتهن المرهون أراد الراهن أن يزيد في المرهون ويضع عيناً أُخرى، لتكون رهناً مع العين الأولى بذلك الدَّيْن نفسه صحّ ذلك، لأنه زيادة توثيق لحق المرتهن، كما لو كان له عليه دَيْن بلا رهن، ثم رهنه شيئاً به.
стр. 1343
فإذا قبض المرتهن تلك الزيادة صارت مرهونة قصداً لا تبعاً، وجرت عليها جميع أحكام الرهن كما تجرى على المرهون الأول، وصارت معه رهناً واحداً.
ب- الزيادة في الدَّيْن: وذلك بأن يرهن شخص متاعاً بألف مثلاً، ويتم عقد الرهن بالقبض، ثم يرغب أن يأخذ الفاً ثانية، على أن يكون المتاع المرهون رهناً بالألفين. فإن ذلك لا يصحّ، لأنه نقص في الوثيقة، على خلاف ما سبق من الزيادة في المرهون، لأن بعض المرهون الأول هنا جعل رهناً بالدَّيْن الثاني، فنقصت الوثيقة بالدَّيْن الأول.
وكذلك فإن العين المرهونة مشغولة بالدَّيْن الأول، فالزيادة في الدَّيْن شغل لما هو مشغول، فلا يصح، بخلاف الزيادة في المرهون، فإنها شغل لما هو غير مشغول، وهو المرهون الثاني فإنه فارغ من الشغل بدَيْن، فتصح.
رابعاً: تعدد أطراف الرهن:
يمكن ان يجري عقد الرهن اولا مع اكثر من عاقدين، وان يكون على مرهونين فأكثر، واليك بيان ذلك:
١ - تعدّد الراهنين:
وذلك بأن يكون لرجل واحد دَيْن على شخصين او اكثر، فيرهن هؤلاء جميعاً عنده شيئاً ما، سجادة او داراً أو نحو ذلك، بهذا الدَّيْن كله في عقد واحد، ولا فرق أن يكون الدَّيْن ثبت على الجميع في صفقة واحدة، أم كان ثبوت كل جزء منه على كل واحد منهم على حدة.
ان هذا الرهن صحيح، لأن المرتهن كالمشتري والراهن كالبائع، ويصح ان يشتري انسان واحد سلعة واحدة من عدة بائعين.
وهل اذا دفع احدهم نصيبه من الدين انفك قسطه الذي يقابله من المرهون، ام يبقى كله رهنا حتى يؤدي الجميع؟
والجواب: ان الصفقة متعددة لتعدد العاقدين، فصار عقد الرهن كأنه متعدد والعين المرهونة كأنها متعددة، ولذا ينفك من الرهن نصيب كل منهم اذا وفى
стр. 1344
ما عليه من الدين.
٢ - تعدد المرتهنين:
وذلك بأن يكون لاثنين أو أكثر ديون على شخص، فيرهن عندهم جميعاً متاعاً ما أو داراً مثلاً بتلك الديون، ويقبل هؤلاء.
ان هذا الرهن صحيح، سواء أكان هؤلاء شركاء في الديون التي عليه، أم لم يكونوا كذلك.
وإذا وفي الراهن دين أحد المرتهنين انفك من المرهون قسطه الذي يقابله من الدين، وذلك لتعدد الصفقة بتعدد المستحقين، وهم الدائنون، فصار كأنه عقد مع كل واحد منهم على حدة.
٣ - تعدد العين المرهونة:
وذلك بأن يقول الراهن للمرتهن: رهنتك هاتين السيارتين - مثلاً - بمائتي ألف، ويقبل المرتهن ويقبض السيارتين. ان هذا الرهن صحيح.
وهل ينفك احد الرهنين إذا أدى قسطه من المال؟ ينظر:
? فإن كان رهن العينين مقابل الدَّيْن بدون تفريق: لم يكن له الحق بقبض شئ من الأعيان المرهونة حتى يوفى الدَّيْن كله، لأن الأعيان المرهونة رهن بكل الدَّيْن، فتكون جميعها محبوسة بكل جزء من اجزائه، فلا ينفكّ شئ منها حتى تؤدَّي جميع الأجزاءن ويصير ذلك كحبس كل المبيع في يد البائع حتى يقبض كل الثمن.
? وإن كان فرّق عند الرهن فقال: كل واحدة بألف مثلاً، كان له الحق أن يقبض إحداهما إذا أدّى ما عيّن لها من الدَّيْن، لأن العقد صار في حكم عقدين حين عيّن حصة كل من المرهونين.
стр. 1345
الباب التاسع
الكفالة والضمان
стр. 1346
الكفَالة
تعريفها:
هي - في اللغة - الالتزام والضم، ومنه قوله تعالى: "وكفّلها زكريا" "آل عمران: ٣٧": أي ضمّها إليه والتزم برعايتها.
وقوله ﷺ : "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" وأشار بالسبّابة والوسطى وفرّج بينهما شيئاً. (اخرجه البخاري في الطلاق، باب: اللعان، رقم ٤٩٩٨).
وكافل اليتيم: هو الذي يضمّه إليه ويلتزم رعايته والنفقة عليه.
وشرعاً: هي التزام حقّ ثابت في ذمة غيره، أو إحضار مَن عليه حق لغيره أو عين مضمونة.
أي هي عقد يلتزم فيه العاقد - وهو المسمى الكفيل أو الضامن - حقاً ثابتاً لشخص في ذمة غيره، بحيث إذا لم يؤدِّه مَن عليه الحق أدّاه ذلك الملتزم. أو أن يلتزم أن يحضر الشخص الذي عليه الحق إلى مجلس القضاء أو إلى صاحب الحق. أو أن يلتزم لشخص أن يحضر له عيناً - هي حقّ له - من يد غيره التي هي في يده مضمونة عليه، كأن تكون مغصوبة.
مشروعيتها:
هي مشروعة، وربما كانت مندوبة، إذا كان القائم بها واثقاً بنفسه، ويأمن من أن يناله ضرر بسببها، وقد دلّ على مشروعيتها نصوص كثيرة، منها:
стр. 1347
ما رواه سلمة بن الأكْوَع رضى الله عنه قال: كناً جلوساً عند النبي ﷺ إذ أتى بجنازة، فقالوا: صلِّ عليها فقال: "هل عليه دَيْن؟ " قالوا: لا، قال: "فهل ترك شيئاً؟ " قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتى بجنازة أُخرى، فقالوا: يا رسول الله صلِّ عليها، قال " هل عليه دين؟ " قيل: نعم، قال: " فهل ترك شيئاً؟ ". قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليها. ثم أُتي بالثالثة، فقالوا صلِّ عليها، قال" هل ترك شيئاً؟ " قالوا: لا قال " فهل عليه دين؟ " قالوا: ثلاثة دنانير، قال " صلّوا على صاحبكم " قال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله وعلىَّ دينُه فصلى عليه. (البخاري: الحوالات، باب: ان احال دين الميت على رجل جاز، رقم: ٢١٦٨)
ومنها: انه ﷺ تحمّل عن رجل عشرة دنانير. (اخرجه الحاكم).
وسيأتي معنا مزيد من النصوص خلال فقرات البحث.
ويُستأنس لمشروعيتها أيضاً بقوله تعالى - على لسان يوسف ﵇: "ولمَن جاء به حِمْلُ بعير وأنا به زعيم" (يوسف: ٧٢). قال ابن عباس رضى الله عنهما: الزعيم: الكفيل.
وقلنا يستأنس ولم نقل يُستدل، لأن هذا وارد في شرع مَن قبلنا، والصحيح أن شرع مَن قبلنا ليس بشرع لنا.
وهذا الذي دلتّ عليه النصوص موضع إجماع المسلمين في كل الأزمان والعصور.
حكمة مشروعيتها:
هي التيسير على المسلمين وتحقيق التعاون فيما بينهم، فقد يشتري إنسان سلعة هو في حاجة إليها، ولا يجد الثمن، ولا يطئمن البائع إليه فلا يرضى بإنظاره به، ولا يتيسر له رهن يضعه به، وقد لا يرضى البائع بالرهن، فيحتاج في هذه الحالة الى كفيل، وقد يستقرض مالاً هو في حاجة إليه، ويطلب المقرض كفيلاً، وقد يقع في جناية يعاقب عليها، وهو بعيد عن بلده، وعليه حقوق وتَبِعات يضطر الى أجَلٍ للقيام بها، فيحتاج الى مَن يكفله حتى يذهب ويعود. وقد يضطر إنسان إلى
стр. 1348
استعارة عين، ولا يرضى صاحبها بإعارتها له إلا بكفيل يضمن له ردّها سالمة. وقد تكون في يده عين مغصوبة، يحتاج إلى أجل لإحضارها، فيأبى صاحبها أن يفلته إلا بكفيل، وهكذا، فالمصلحة في تشريع الكفالة واضحة، والحاجة إليها أكيدة، وشرع الله تعالى إنما جاء لرعاية مصالح العباد، وتخليصهم من الحرج.
قال الله تعالى: "يريدُ الله بكُمُ اليُسْر ولا يريد بكُمُ العُسْر" (البقرة: ١٨٥) وقال: "ما جَعَلَ عليكم في الدَّيْن من حَرَج" (الحج: ٧٨).
وقال ﷺ : "إن الدَّيْن يُسَر" وقال: "يسّروا ولا تعسّروا".
(اخرجهما البخاري: في الايمان، باب: الدين يسر، رقم: ٣٩، وفي العلم، باب: ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم .. ، رقم: ٦٩).
أنواع الكفالة:
الكفالة نوعان:
فهي إما أن يتكفل بدَيْن ثبت في ذمّة إنسان، يلتزم الكفيل اداءه اذا لم يؤدِّه مَن هو عليه في أجله، وتسمى: الكفالة بالدَّيْن، كما تسمى: الضمان.
وإما أن يتكفّل باحضار مَن لزمه حق، من دَيْن أو غيره كقصاص مثلاً، دون أن يتكفّل بأداء الدَّيْن، وتسمى: كفالة بالنفس.
стр. 1349
أركان الكفالة
للكفالة أركان خمسة، سواء أكانت كفالة مال أم كفالة نفس، وهي: الكفيل، والمكفول له، والمكفول عنه، والمكفول به، والصيغة، ولكلٍّ منها شروط نبيِّنها فيما يلي إن شاء الله تعالى.
الركن الأول: الكفيل:
وهو الضامن الذي يلتزم بأداء الحق المضمون، أو إحضار الشخص المكفول ويشترط فيه:
أن يكون اهلاً للتبرّع، بأن يكون عاقلاً بالغاً رشيداً، لأن الكفالة تبّرع، فيشترط أن يكون الكفيل أهلاً له، فلا تصحّ كفالة المجنون ولا الصبي، لأنهما ليسا من أهل التبرّع، ولا سلطان لهما على أنفسهما ومالهما، فلا سلطان لهما على غيرهما من باب أولى، وكذلك لا تصحّ الكفالة بالمال ممّن كان محجوراً عليه بسفه، لأنه تصرّف مالي، وهو محجور عليه في التصرفات المالية، لأنه لا يحسنها.
ويتفرّع على ذلك: انه مَن كان مريضاً مرضاً يخاف معه موته ليس له ان يكفل الا في حدود ثلث ما يملك، لانه محجور عليه التصرفات المالية التي هي من قبيل التبرّع في أكثر من ثلث ماله، أما في حدود الثلث فجائز.
الركن الثاني: المكفول له:
وهو مستحق الحق، الذي يلتزم الكفيل بما التزم به حفظاً لحقه، ويشترط
стр. 1350
أن يكون معروفاً لدى الضامن معرفة عينية، أي أن يعرف شخصه، فلا يكفي أن يعرف نسبه مثلاً، واشتُرطت معرفته لأنه هو صاحب الحق الذي سيُطالب الكفيل به، والناس يتفاوتون في المطالبة بحقوقهم شدَّة ويُسراً، فلا بدّ لمن يلتزم بالأداء أن يعرف مَن سيطالبه وكذلك إذا كان مجهولاً لا يتحقق ما شرعت له الكفالة، وهو التوثّق لصاحب الحق. واكتفى بمعرفة شخصه لأن الظاهر غالباً عنوان الباطن.
ويُشترط معرفة وكيله إن كان له وكيل، لأن الغالب في الناس أن يوكّل مَن هو اشدّ منه في المطالبة، ولهذا تغنى معرفة الوكيل عن معرفة الأصيل.
ولا يُشترط حضور المكفول له، كما لا يُشترط قبوله الكفالة أو رضاه بها، لأنها التزام وضمان لصالحه لا يرتب عليه شيئاً، ودليله حديث أبي قتادة رضى الله عنه، إذ لم يتعرّض فيه إلى المكفول له، وقيل: يشترط رضاه دون التلفّظ بقبوله.
الركن الثالث: المكفول عنه:
وهو المطالَب بالحق من قِبَل المكفول له، ويعبَّر عنه أحياناً بالأصيل مقابل الكفيل، ويشترط فيه أن يكون ثَبَت في ذمته حقٌّ مِنْ دَيْن أو نحوه، مما يصحّ ضمانه.
ولا يشترط رضا المضمون عنه في المال قولاً واحداً، لأن قضاء دَيْن غيره بغير إذنه جائز، فالتزامه جائز من باب أولى، ولذا صحّ الضمان عن الميت وإن ولم يخلف وفاءً وكذلك ضمانه عنه معروف، والمعروف يُصنع مع مَن يعرفه ومَن لا يعرفه، وسواء أكان اهلاً له أم لا. ولا تشترط معرفته في الأصح، لأنه ليس هناك معاملة بين الكفيل والمكفول عنه.
الركن الرابع: المكفول به:
وهو الحق الذي وقع عليه الضمان والكفالة من دَيْن أو غيره، ويشترط فيه:
١ - أن يكون حقاً ثابتاً حال العقد، فلا يصحّ ضمان ما لم يثبت، سواء أجرى سبب وجوبه كنفقة الزوجة المستقبلة، أم لم يجر كضمان ما سيقرضه لفلان، لأن الضمان وثيقة بالحق فلا يتقدم عليه، كالشهادة.
стр. 1351
ويكفي في ثبوت الحق اعتراف الضامن به وإن لم يثبت على المضمون شئ. فلو قال: لزيد على عمرو مائة دينار وأنا ضامن لها، فأنكر عمر الدَّيْن، فلزيد مطالبة الضامن به.
وقيل: يصحّ ضمان ما سيجب، كما لو قال: أقْرِضه مائة وأنا ضامنها، ففعل، صحّ ذلك، لأن الحاجة ماسّة إليه.
ولا يصحّ ضمان النفقة المستقبلة عن القريب ونحوه قولاً واحداً، لأن سبيلها البرّ والإحسان، لا الدَّيْن.
ويستثنى من هذا ضمان الدَّرَك، وهو أن يلتزم لمن يشتري سلعة أن يردّ له ثمنها، إن خرجت السلعة معيبة أو ناقصة أو مستحقة، أي مغصوبة أو مسروقة أو ضائعة، ووجدها صاحبها، فإنه يقيم البيِّنة عليها ويأخذها، لأنه احقّ بها. ففي هذه الحالة يعود المشتري على الضامن بثمنها. وإنما صحّ هذا الضمان - وهو ضمان لدَيْن لم يثبت، لأنه يثبت عند استحقاق المبيع من يد المشتري - لأن الحاجة تدعو إليه، وخاصة عند التعامل مع الغريب الذي يخشى ان يكون ما يبيعه مستحقا لأحد، ولا يظفر به عند الاستحقاق ونحوه، فاحتيج الى الضمان ليتوثق المشتري لما يدفعه من ثمن.
ويشترط أن يكون هذا الضمان بعد قبض البائع الثمن، لأن الضامن يضمن ما دخل في يد البائع، والثمن لا يدخل في ضمانه الا بقبضه.
٢ - ان يكون لازما: سواء أكان مستقراً كثمن البيع بعد القبض وانتهاء مدة الخيار، والمَهْر بعد الدخول، ام غير مستقر كثمن المبيع قبل القبض والمهر قبل الدخول.
ويصحّ أيضا ضمان ما هو آيل الى اللزوم، أي ما يلزم بنفسه ولا يتوقف لزومه على شئ، كالثمن في مدة الخيار، فإنه يلزم بنفسه بانتهاء مدة الخيار، فيصح ضمانه وان لم يلزم بعد.
والمراد باللازم والآيل الى اللزوم ما لا يملك فسخه بلا سبب كالأمثلة السابقة، فلو كان الدين غير لازم ولا آيل الى اللزوم، بأن كان يستطيع من هو
стр. 1352
عليه فسخه بدون سبب كجعل الجعالة - وهو ان يلتزم دفع مال معين لمن يأتي له بضالته - فهو يملك الرجوع عن ذلك قبل ان يأتيه احد بها، فهو دين غير لازم ولا آيل الى اللزوم، فلا يصحّ ضمانه، لأنه لا يثبت الا بعد الفراغ من العمل، كما علمت في باب الجعالة.
٣ - أن يكون معلوماً للضامن، جنساً وقدراً وصفة، فالجنس كأن يكون دراهم أو دنانير أو غيرهما، والقدر كألف أو أكثر أو أقل، والصفة كجيد أو ردئ فيما لو كان يوصف بذلك، وأن يعلم عينه إذا كان ضمان عين كالمغصوب.
وإنما اشترط العلم به لأنه إثبات مال في الذمة لآدمي بعقد، كالثمن في البيع والأجرة في الإجارة، فلا بدّ من العلم به، أو تعيينه إن كان عيناً، وقد دلّ على هذا ما جاء في حديث أبي قتادة رضى الله عنه حيث بيّن الدَّيْن وأنه ثلاثة دنانير.
وعليه فلا يصحّ ضمان المجهول، كضمنت مالك عليه من دين، أو أحد الدَّيْنين، أو أحد المغصوبَيْن، وهكذا.
٤ - أن يكون الحق المضمون قابلاً للتبرّع به، أي أن يكون قابلاً للانتقال لغير مَن هو له بغير عوض، كالحقوق التي ذكرت أمثلة فيما مضى، فلو كان غير قابل لذلك فلا يصحّ الضمان به، كحق الشفعة مثلاً، فهو حق للشفيع، أي للشريك الذي يملك حصة مع البائع، فإذا باع شريكه حصته لغيره كان له الحق ان يأخذها بالثمن، ولكن ليس له أن ينقل هذا الحق لغيره، فلا يصح الضمان به.
الركن الخامس: الصيغة:
وهي الإيجاب من الضامن الكفيل، والقبول من المكفول له.
ويكفي في تحقيق الكفالة إيجاب الكفيل الضامن، ولا يشترط فيها قبول المكفول له ولا رضاه، كما مرّ معنا عند الكلام عن المكفول له.
стр. 1353
ويشترط فيها:
١ - أن تكون بلفظ يدلّ على الالتزام، صريحاً كان أم كناية:
فمن الصريح أن يقول: ضمنت دَيْنك على فلان، أو تحملته، أو تكفّلت به، أو تكفلت ببدن فلان، أو أنا كفيل أو ضامن بإحضار فلان ونحو ذلك.
ومن الكناية أن يقول: خلِّ عن فلان والدين الذي لك عليه هو عليَّ، ونحو ذلك.
فإن كان اللفظ لا يدل على الالتزام فلا تصحّ الكفالة، كما لو قال: أؤدي المال الذي على فلان، أو: أحضر فلاناً، ونحو ذلك. فإن مثل هذه الصيغة لا يدل على الالتزام ولا يشعر به، فهو وعد لا يلزم الوفاء به، إلا إن صحبه قرينة تصرفه إلى ذلك، كما إذا رأى صاحب الحق يريد حبس المدين، فقال: أنا أؤدي المال الذي عليه، فهذا قرينة على أنه يريد الضمان، فكأنه يقول: أنا ضامن له، فدعه ولا تتعرض له.
ويقوم مقام اللفظ من الناطق ما يدل عليه من كتابة الأخرس أو إشارته المفهمة والمعهودة.
٢ - التنجيز في العقد، أي عدم التعليق على الشرط، سوءا أكانت كفالة مال أم كفالة بدن، فالأصح أنه لو قال: إن قَدِمَ زيد فأنا كفيل لك بما على فلان، لم يصحّ الضمان، وكذلك لو قال: إن فعلت كذا تكفّلت لك بإحضار فلان، لم تصحّ الكفالة، لأن الكفالة عقد، والعقود لا تقبل التعليق.
٣ - عدم التوقيت في كفالة المال قولاً واحداً، لأن المقصود منه الأداء، فلا يصحّ تأقيته، وكذلك كفالة البدن على الأصح، لأن المقصود الإحضار ايضاً.
فلو نجز الكفالة وشرط تأخير إحضار المكفول إلى أجل معين جاز، كما لو قال: ضمنت إحضاره، ولكن أحضره بعد شهر مثلا، لأنه التزم بعمل في الذمة، فصار كالإجارة على عمل، يجوز حالاًّ ومؤجلاً.
وكذلك يصحّ ان يضمن الدَّيْن الحال على ان يؤدّيه بعد أجل معلوم، لأن
стр. 1354
الضامن متبرع، وقد لا يكون متيسراً له الأداء حالاً، والحاجة داعية إلى الضمان، فيكون على حسب ما التزمه، ويثبت الأجل في حق الضامن وحده، بمعنى ان المكفول له ليس له حق مطالبته الآن، وأما المكفول عنه - وهو الأصيل - فلا يثبت الأجل في حقه، ويبقى لصاحب الحق ان يطالبه بالوفاء الآن.
دل على ذلك: ما رواه ابن عباس رضى الله عنهما: إن رجلاً لزم غريماً له بعشرة دنانير على عهد رسول الله ﷺ ، فقال: ما عندي شئ اعطيكه، فقال: والله لا افارقك حتى تقضيني او تأتيني بحميل، فجره الى رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "كم تستنظره؟ " قال: شهرا، قال رسول الله ﷺ : "فان احمل له". فجاءه في الوقت الذي قال النبي ﷺ : "من اين اصبت هذا؟ ". قال: من معدن. قال: "لا خير فيها" وقضاها عنه. (اخرجه ابن ماجه في الصدقات. باب: الكفالة، رقم: ٢٤٠٦).
وكذلك له أن يضمن الدَّيْن المؤجل حالا، لأنه تبرع بالتزام التعجيل، فصحّ ذلك منه، ولكن لا يلزمه التعجيل على الأصح، بل يثبت في حقه الأجل تبعاً للأصيل الذي عليه الدَّيْن.
وإذا قضاه حالاً لا يرجع بما قضاه على الأصيل قبل حلول الأجل، لأن تعجيله تبرع به، لا يسقط حق الأصيل في الأجل.
стр. 1355
أحكام الكفالة بالنفس
١ - علمنا أن الكفالة بالنفس نوع من الكفالة، وهي أن يلتزم الكفيل إحضار المكفول إلى المكفول له.
كما علمنا أنها مشروعة، لأنها تدخل في عموم الأدلة التي تدل على مشروعية الكفالة، ويؤيد ذلك ما جاء في خصوصها من آثار عن الصحابة رضى الله عنهم، منها:
ما رواه أبو اسحاق السَّبيعي عن حارثة بن مضرب قال: صلّيت مع عبدالله بن مسعود رضى الله عنه الغداة، فلما سلّم قام رجل فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد، فوالله لقد بتّ البارحة وما في نفسي على أحد إِحْنَة، وإني كنت استطرقت رجلاً من بني حنيفة، مسجد عبدالله بن النواحة، فسمعت مؤذّنهم يشهد ان لا اله الا الله وان مسيلمة رسول الله، فكذبت سمعي، وكففت فرسي حتى سمعت أهل المسجد قد تواطؤوا على ذلك، فقال عبدالله بن مسعود رضى الله عنه: علىَّ بعبد الله بن النواحة، فحضر وأعترف، فقال له عبدالله بن مسعود: أين ما تقرأ من القرآن؟! قال: كنت أتقيكم به، فقال له: تُبْ. فأبى، فأمر به فأُخرج الى السوق فجُزَّ رأسه. ثم شاور أصحاب محمد ﷺ في بقية القوم، فقال عديّ بن حاتم رضى الله عنه: ثؤلول كفر، قد أطلع رأسه، فاحسمه، وقال جرير بن عبدالله والأشعث بن قيس رضى الله عنهما: استتبهم، فإن تابوا كفلهم عشائرهم، فاستتابهم فتابوا، وكفلهم عشائرهم. (اخرجه البيهقي في
стр. 1356
كتاب المرتد، باب: من قال في المرتد يستتاب مكانه فإن تاب والا قتل: ٨/ ٢٠٦. وذكر البخاري جزءا منه تعليقا في صحيحه: الكفالة، باب: الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها).
[إحنة: حقد او بغض. استطرقت: أتيتُ ليلاً. بغلس: الغلس ظلمة آخر الليل. كففت فرسي: منعته عن الجري. تواطؤوا: توافقوا واجتمعوا في قولهم. فجز: فقطع. ثؤلول كفر: الثؤلول هو ما يخرج على الجلد من حَبّات زائدة عنه، فشبّه به لشذوذه وخروجه عن الاستقامة. أطلع رأسه: أظهر كفره. فاحسمه: فاقطعه واقطع به دابر الشرّ].
وقد يستأنس لها بقوله تعالى على لسان يعقوب ﵇: (لن ارسله معكم حتى تُؤُْتوني مَوْثقاً مِنَ الله لتأتُينَّي به) (يوسف: ٦٦).
٢ - والكفالة بالبدن قد تكون كفالة ببدن مَن عليه مال، وقد تكون كفالة ببدن مَن عليه عقوبة.
أما كفالة بدن مَن عليه مال: فهي صحيحة مطلقاً إذا كانت تكفّلاً بإحضار مَنْ عليه مال، سواء أعلم بمقدار المال ام لا، لأنه تكفّل بالبدن ولم يتكفل بالمال، ولهذا لا يُطالَب بالمال، وإنما يطالب بإحضار المكفول، وإنما يشترط أن يكون المال الذي في ذمّة المكفول مما يصحّ ضمانه على ما علمت عند الكلام عن المكفول به.
وأما كفالة بدن مَن عليه عقوبة: فيُنظر:
فإن كانت العقوبة حقاً لآدمي، كقصاص وحدّ قذف - فإنهما حق للآدمي، لأن القصاص بدل النفس وحدّ القذف لدفع العار عنه - فإنها صحيحة، لأنها كفالة بحق لازم، فأشبهت الكفالة بالمال.
وإن كانت العقوبة حقاً لله تعالى، كحدّ الخمر والسرقة والزنا، فلا تصحّ، لأن الحدود مبناها على الدرء - أي الدفع - والإسقاط، طالما أنها حقوق لله تعالى، فالمطلوب منّا سترها والسعي في دفعها ما أمكن، وقطع الوسائل المؤدية إليها، والكفالة بها إظهار لها وسعي في تأكيدها وتوسيعها فلا تصحّ.
стр. 1357
٣ - أحكام أُخرى تتعلق بالكفالة بالبدن، منها:
١= مكان تسليم المكفول ووقته: فإذا شرط الكفيل وقتاً معيناً لتسليم المكفول لزمه احضاره فيه اذا طالب المكفول له بإحضاره، وفاء بما التزمه، فإذا احضره فقد وفى ما عليه، وان لم يحضره حبسه الحاكم لامتناعه عن إيفاء ما استحق عليه.
فإن غاب المكفول - وجهل الكفيل مكانه - لم يلزمه إحضاره، لعذره في ذلك، ويقبل قوله في دعوى جهالة مكانه بيمينه.
وإن علم مكانه لزمه إحضاره، إن أمِنَ على نفسه في الطريق وغلبت السلامة، ويُمهل مدة الذهاب والإياب حسب العادة والإمكان.
فإن مضت المدة التي أمهله إياها ولم يحضر المكفول حبسه ايضاً إلا إذا أدّى ما على المكفول من الدَّيْن، لأنه مقصِّر في تسليم ما وجب عليه تسليمه وهو المكفول.
وإذا حبسه استمر بحبسه إلى أن يتعذر إحضار الغائب، بموت أو جهل بموضعه أو بإقامته عند مَن يحميه ويمنعه من أن يصل إليه أحد.
وإذا أدى الدين حتى لا يُحبس، ثم جاء الغائب المكفول، كان له استرداد ما أدّاه إن كان باقياً على حاله، أو بدله إن كان قد استهلك، لأنه ليس متبرعاً بأدائه، هذا من حيث الزمان.
وأما من حيث مكان التسليم: فإن كان الكفيل قد عَيَّن مكاناً لتسليم المكفول تعيّن إن كان صالحاً للتسليم، تبعاً لشرطه، فإن لم يكن صالحا لذلك، أو كان له مؤونة حُمل على اقرب مكان اليه، ويشترط في هذا إذن المكفول، فإن لم يأذن فسدت، وإذا لم يعيّن مكاناً للتسليم فمكانه مكان الكفالة إن كان صالحاً لذلك، وإن لم يكن صالحاً تعيَّن أقرب مكان لمكان الكفالة يصلح لهذا.
стр. 1358
٢ - يبرأ الكفيل إذا سلم المكفول في مكان التسليم على ما علمت، ويُشترط أن لا يكون هناك حائل يمنع المكفول له من الوصول الى حقه، لقيام الكفيل بما التزمه، فإذا سلّمه في موضع التسليم، وكان هناك حائل يمنعه من الوصول الى حقه، كذى منعة يمنعه منه، فلا يبرأ الكفيل، لعدم حصول المقصود بتسليمه.
فإذا سلّمه في غير مكان التسليم، ولم يرضَ المكفول له ان يتسلمه، فلا يجبر على استلامه اذا امتنع لغرض، كأن يكون له في مكان التسليم بيِّنة أو مَن يعينه على الوصول إلى حقه فإن لم يكن له غرض في امتناعه أجبره الحاكم على استلامه، فإن أبى استلمه عنه، فإن فقد الحاكم اشهد الكفيل على تسليمه له، وبرئ.
وكما يبرأ الكفيل إذا سلم المكفول بالشروط السابقة يبرأ أيضاً إذا سلم المكفول نفسه، فإن أبى استلامه أجبر على ذلك على ما سبق من تفصيل في تسليم الكفيل له. ولا يكفي مجرد حضور المكفول، بل لا بدّ من أن يقول: سّلمت نفسي عن فلان.
٣= ويبرأ الكفيل فيما إذا مات المكفول ودُفن، أو توارى ولم يعرف محله، ولا يُطالب بما عليه من حق، لأنه التزم إحضار المكفول، ولم يضمن ما عليه من حقوق.
٤= لو شرط في الكفالة بالنفس: أنه إن عجز الكفيل عن إحضار المكفول ضمن ما عليه من الحق بطلت الكفالة على الاصح. لأنه شرط ينافي مقتضى الكفالة بالنفس، لأن مقتضاها عدم الغرم بالمال، لأنها ليست ضماناً بالمال.
٥= يبرأ الكفيل من المطالبة بإحضار المكفول اذا أبرأه المكفول له من ذلك، لأنه ملتزم بإحضره لحق المكفول له، وقد تنازل عن حقه، فلا مطالبة.
٦= يشترط في الكفالة بالنفس رضا المكفول على الأصح، لأن الكفيل فيها لا
стр. 1359
يغرم المال عند العجز، فلا فائدة لها إذن إلا احضار المكفول ولا يلزمه الحضور مع الكفيل إذا لم يكن راضياً بكفالته له.
والأصح أنه لا يشترط رضا المكفول له، لأنها وثيقة له فتصحّ من غير رضاه كالشهادة، وكذلك هي التزام حق له من غير عوض يدفعه، فلا يعتبر رضاه فيها.
стр. 1360
أحكام الكفالة بالمال
الكفالة بالمال هي ما يسمى بالضمان، وهي: أن يلتزم إنسان أداء ما في ذمة من مال إذا لم يؤدّه المدين. وهي أحد نوعي الكفالة كما سبق.
وهي مشروعة كما علمنا، لما ذكرنا من الأدلة عند الكلام عن مشروعية الكفالة العامة، فيدخل فيها الضمان دخولاً أولياً، وقد أجمع المسلمون في كل العصور على مشروعيتها.
ولقد علمت الصيغة التي تنعقد بها هذه الكفالة، كما علمت أركانها وشروطها فيما سبق، وإليك الآن بعض أحكامها:
١ - مطالبة الكفيل والمكفول عنه:
إذا ضمن شخص ما في ذمة غيره ثبت لصاحب هذا الدَّيْن حق مطالبته به، ولا يعني ذلك براءة ذمة المدين الأصيل المكفول عنه، بل لصاحب الحق مطالبته أيضاً، لأن ذمته هي المشغولة بالدَّيْن أصلاً، وانضم إليها انشغال ذمة الضامن به، ولأن الضمان وثيقة للدَّيْن كالرهن والصك، فلا يتحول من ذمّة المدين الى الوثيقة إذا وجدت.
ولهذا لو شرط في عقد الضمان أن يبرأ الأصيل من الدين لم يصحّ الضمان، لأن الضمان توثيق للدَّيْن، وهذا الشرط ينافيه، لأن التوثيق يحصل بضمّ ذمّة أُخرى إلى ذمّة الأصيل، لا ببراءتها.
وقد دلّ على هذا ما جاء في حديث أبي قتادة رضى الله عنه: فتحملهما أبو قتادة، ثم قال رسول الله ﷺ بعد ذلك بيوم: "ما فعل الديناران؟ " قال: إنما مات
стр. 1361
امس، ثم أعاد عليه بالغد، قال: قد قضيته. قال: "الآن بردت عليه جلده". (اخرجه احمد في مسنده: ٣/ ٣٣٠ من حديث جابر رضى الله عنه).
فقوله: "الآن بردت عليه جلده" يدل على ان الدَّيْن لم يتحوّل عن المدين ولم تبرأ منه ذمته بمجرد الضمان، ولو كان كذلك لبردت عليه جلده من حين الضمان. وإذا لم تبرأ ذمة المدين الأصيل من الدين فلصاحبه مطالبته به، كما يطالب الضامن لأنه التزم ذلك، فإذا حضر الكفيل الضامن والأصيل المضمون عنه، وكلاهما موسر، فلصاحب الدَّيْن أن يطلبه ويأخذه من أيّهما شاء، لأن الأصيل الدَّيْن ثابت في ذمته أصلاً، وأما الكفيل: فلقول رسول الله ﷺ : "الزعيم غارم". والزعيم هو الكفيل، فيغرم الدين ويطالب به اذا لم يؤدّه المدين: (الحديث اخرجه الترمذي في البيوع، باب: ما جاء في ان العارية مؤداة، رقم: ١٢٦٥ وغيره).
٢ - براءة الكفيل ببراءة الأصيل:
إذا أبرأ صاحب الحق المدين الأصيل من الدَّيْن برئ الضامن من المطالبة به، لأنه تبع للأصيل، وضمانه توثيق للدَّيْن، فإذا سقط الدَّيْن بالإبراء فقد سقطت الوثيقة.
وأما إذا أبرأ صاحب الحق الكفيل من ضمانه، أو من الدَّيْن والمطالبة به، فإنه لا تبرأ بذلك ذمة المدين الأصيل، وإنما تبرأ ذمة الضاضمن وحده. لأن إبراء الكفيل إسقاط لوثيقة الدين من غير قبض له، فلا يسقط الدَّيْن بإسقاط الوثيقة، كتمزيق الصك وفسخ الرهن.
ويتعلق بهذا ما إذا ضمن الضامن ضامن آخر، وهو ضمان صحيح، لأن الدين المضمون لازم وثابت في ذمته، فصحّ ضمانه، وعليه: يعتبر الدين ثابتاً في ذمم ثلاثة: الأصيل والضامن الأول والضامن الثاني، ولصاحب الحق أن يطالب أيّهم شاء.
فإذا أبرأ الاصيل برئت ذمم الجميع، وإذا أبرأ الضامن الأول برئت ذمة الضامن الثاني أيضاً معها ولم تبرأ ذمة الأصيل، وإذا أبرأ الضامن الثاني برئ وحده، ولم تبرأ ذمة الضامن الأول ولا ذمّة الأصيل.
стр. 1362
٣ - مطالبة الكفيل الاصيل بتخليصه:
إذا طالب الدائنُ صاحب الحق الكفيلَ بالدَّيْن، فهل للكفيل أن يطالب الأصيل المكفول بأداء الدين، ليخلصه من المطالبة؟ يُنظر:
فإن كان الضمان بإذن الاصيل المضمون عنه كان للكفيل الحق في أن يطالبه بتخليصه من المطالبة بأداء الدَّيْن، لأنه لزمته المطالبة والأداء عنه بإذنه وأمره، فكان له حق مطالبته بتبرئة ذمته.
وإن كان الضمان بغير إذن الأصيل لم يكن للضامن الكفيل حق مطالبته بذلك، لأنه لم يلتزم ما غرِّم به بإذنه، فلا يلزمه تبرئته وتخليصه منه.
هذا إذا طالب صاحب الحق الكفيل بالدَّيْن، فأما إذا لم يطالبه به: فالأصح أنه ليس له مطالبة الاصيل بتخليصه من التزاه طالما أنه لم يطالب بذلك.
٤ - حلول الدَّيْن المؤجل بالموت:
إذا مات الكفيل أو المكفول عنه حلّ الدَّيْن المؤجّل في حقه، وبقى الأجل في حق الطرف الثاني، لأن الموت مبطل للأجل، وقد وجد في حق أحدهما ولم يوجد في حق الآخر، والأجل منفعة له فلا يبطل في حق.
فإن كان المتوفّي هو الأصيل: فللضامن الكفيل أن يطالب صاحب الدَّيْن بأخذ الدَّيْن من تَرِكَته قبل أن يقتسمها الورثة، أو إبرائه من الكفالة، لأن التَرِكَة قد تذهب إلى أن يحين الأجل، فيغرّم هو.
وإن كان الميت هو الكفيل، وأخذ صاحب الدَّيْن دينه من تَركَته، فليس لورثته الرجوع على المكفول عنه قبل حلول أجل الدَّيْن، لأن الأجل باقٍ في حقه.
٥ - رجوع الكفيل على المكفول بما أدى عنه:
إذا أدّى المكفول عنه الدَّيْن برئت ذمته منه، كما تبرأ ذمة الكفيل، لأن ذمته شُغلت وثيقة بحق صاحب الدَّيْن، فانتهت الوثيقة بقبض الحق.
وكذلك تبرأ ذمتهما من حق المكفول له صاحب الدَّيْن إذا قضاه الكفيل، لأن صاحب الحق قد استوفاه من الوثيقة وهو الكفيل، فبرئت ذمة مَن عليه الحق وهو الأصيل، وتبرأ ذمة الكفيل تبعاً له، كما علمت.
стр. 1363
وفي هذه الحالة: هل يرجع الكفيل على الاصيل بماأداه عنه ام لا؟ يُنظر:
أ- فإن كان الضمان والأداء بإذن المضمون عنه رجع الكفيل عليه، لأنه ضمن وغرم بإذنه.
ب- وإن كان الضمان بإذن من المضمون عنه، والأداء بغير إذنه: فالأصح - ايضاً - أنه يرجع عليه بما أدّاه عنه، لأن الضمان سبب الأداء، وقد أذن فيه.
ج- وإن كان الضمان والأداء بغير إذن المضمون عنه لم يرجع الكفيل عليه بشئ مما أدّاه عنه، لأنه قضى دَيْن غيره بغير إذنه، فهو متبرِّع، والمتبرِّع لا يرجع مبما تبرّع به.
د- وإن كان الضمان بغير إذن من المضمون عنه، وكان الأداء بإذن منه: فالأصح أنه لا يرجع الكفيل على الأصيل بما أدّى عنه، لأن سبب وجوب الأداء هو الضمان، وهو لم يأذن فيه، فكان في معنى المتبرّع بوفاء دَيْن غيره.
وفي حال الرجوع على المكفول عنه، فبماذا يرجع عليه؟
لا شك أنه لو أدى عنه الدَّيْن الذي كان في ذمته بنفس صفته فإنه يرجع به عليه، لأنه هو الذي برئت به ذمّة المكفول عنه، وهو الذي غرمه الكفيل في نفس الوقت.
وإذا أدّى عنه غير ما ثبت في ذمته: فالأصح أنه يرجع عليه بما أدّاه إذا كان أقل من الدَّيْن، لأنه هو الذي غرمه وبذله، فإن كان أكثر من الدَّيْن رجع بمقدار الدَّيْن، لأنه هو الذي كان ثابتاً في ذمة الأصيل، وبرئت منه بالأداء عنه، فلو كان له في ذمته ألف صحيحة مثلاً، فأدى عنها ألفاً معيبة، رجع بالمعيبة، ولو صالح عن الألف بخمسمائة رجع بخمسمائة فقط.
ولو صالح عن الألف بسلعة تساوي ثمانمائة رجع بها أيضاً.
ولو كان الشئ الذي صالح عليه يساوي الفاً ومائة - مثلاً - رجع بالألف وحده.
стр. 1364
٦ - دعوى الضامن قضاء الدَّيْن:
إذا ادّعى الكفيل الضامن قضاء الدَّيْن عن الأصيل، فإما أن يقرّ بذلك المكفول له أو ينكر ذلك:
فإن أقرّ المكفول له بذلك رجع الضامن بما أدّاه على الأصيل المكفول عنه، لتبرئته لذمته وسقوط المطالبة عنه بإقرار صاحب الحق، ولو أنكر المضمون عنه ذلك لم يُلتفت إلى إنكاره، لأن ما في ذمته حق للمضمون له، فإذا اعترف بالقبض من الضامن فقد اعترف بأن الحق الذي كان له قد صار حقاً للضامن، فيقبل إقراره لكونه في حق نفسه.
وإن أنكر المكفول له ذلك ينظر:
- فإن كان للضامن بيّنة على الأداء قضى بها، ورجع على المضمون عنه بما أدّاه.
- وإن لم يكن له بيِّنة على الأداء فالقول قول المكفول له بيمينه، لأنه منكر للقبض، والأصل عدمه، والكفيل مقصِّر بترك الإشهاد، فإذا حلف كان له أن يطالب مَن شاء من الضامن أو الأصيل، لأن حقه ثابت في ذمّتهما، فإذا طالب الكفيل وقضاه الدَّيْن يُنظر:
- فإن كان قضاه في غَيْبة المكفول عنه: فلا رجوع له على الأصيل قولاً واحداً إنْ كذّبه في دعواه، لأنه منكر للأداء، والأصل عدمه، وكذلك إنْ صدّقه، فلا رجوع له عليه في الأصح، لأنه لم ينتفع بأدائه عنه، ولم تسقط المطالبة، فلا رجوع عليه طالما أنه لم يُبرئ ذمته، لأنه هو المقصّر في عدم إشهاده على القضاء.
- وإن كان قضاءه في حضور المكفول عنه رجع عليه في الأصح، وإن كان قضاء الكفيل لم يبرئ ذمته من الدَّيْن ولم يسقط المطالبة عنه، لأنه في هذه الحالة هو المقصِّر في ترك التحفّظ لحقه وطلب الإشهاد على الدفع، فكان عليه ان يحتاط لنفسه، فهو المقصّر إذن دون الضامن.
стр. 1365
ضمان الأعيان
إذا ضمن شخص لآخر ان يردّ له العين التي يملكها من يد غيره، يُنظر:
- فإن كانت العين أمانة في يد مَن هي بيده - كالوديعة - لم يصح ضمانها، لأنها إذا لم يجب ضمانها على من هي عنده فمن باب أولى أن لا يجب ضمانها على غيره الذي يضمنها.
- وإن كانت العين مضمونة على مَن هي في يده - كالعين المغصوبة، والمستعارة، والمقبوضة على سوم الشراء، والمبيع قبل قبض المشتري له من البائع - صحّ ضمانها.
- ويشترط في هذا الضمان: أن يأذنه فيه مَن كانت العين تحت يده، أو أن يكون الضامن قادراً على انتزاع العين منه.
- فإذا صحّ الضمان: برئت ذمة الضامن بردّ العين للمضمون له.
- وإن ضمن أن يردّ القيمة إن تلفت العين لم يصحّ الضمان، لأنه ضمان لدَيْن لم يثبت، وقد علمت أن من شرط صحة الضمان أن يكون المضمون ديناً ثابتاً، وقيمة العين لا تثبت إلا بهلاك العين، فإذا ضمنها والعين قائمة لم يصحّ، لأنها لم تثبت بعد، فكان ضماناً لدَيْن لم يثبت، فلم يصح.
стр. 1366
الباب العاشر
الوكَالَة
стр. 1367
الوكَالَة
تعريفها:
الوكالة - في اللغة - بفتح الواو وكسرها، وتطلق على معانٍ، منها:
- الحفظ، ومن ذلك قوله تعالى: "حسبُنا الله ونعم الوكيل" (آل عمران: ١٧٣): أي الحافظ.
- التفويض، ومنه قوله تعالى: (وتوكّل على الله) (الأنفال: ٦١) أي فوِّض أمرك إليه.
وفي اصطلاح الفقهاء: هي تفويض شخص ما له فعله، مما يقبل النيابة، إلى غيره، بصيغ، ليفعله في حياته.
أي ان يفوّض المرء غيره بالقيام بتصرّف يملك هذا المفَوِّض القيام به بنفسه، ليقوم به عنه في حال حياته، أي حياة المفوِّض، على أن يكون هذا الفعل تصحّ النيابة فيه، وسيتضح معنا التعريف على وجهه الكامل من خلال الكلام عن أركان الوكالة وشروطها وأحكامها.
مشروعية الوكالة:
الوكالة مشروعة، وقد ثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنّة وحصل على ذلك الإجماع:
أما الكتاب: فقوله تعالى: (وإن خِفْتُم شِقاقَ بينهما فابعثوا حَكَماً من أهله وحَكَماً من أهلها) (النساء: ٣٥) أي إذا حصل نزاع بين الزوجين واشتدّ، ولم يتوافقا، فيُعيِّن حَكَمان يكونان وكيلين عنهما ينظران في الأمر، وهذا النص وإن كان خاصاً بشأن الزوجين - فهو عام في مشروعية الوكالة.
стр. 1368
ويُستأنس لهذا أيضاً بقوله تعالى: "فأبعثوا أحَدَكُم بِوَرِقِكُم هذه إلى المدينة فلينظر أيُّها أزكى طعاماً فليأتِكُمْ برزقٍ منه" "الكهف: ١٩": فبعثُ واحد من الجماعة توكيل له منهم.
[بِورِقِكم: هي الفضة المصكوكة. أزكى: أطيب وأمتع. برزق: بطعام ونحوه].
وكذلك قوله تعالى: "اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه ابي يأت بصيرا" (يوسف: ٩٣) فقد وكلهم بالذهاب بالقميص والقائه على وجه ابيه.
وقلنا: يستأنس بهاتين الآيتين لأنهما واردتان في القرآن حكاية عن شرع من قبلنا، وقد تكرر منا القول: ان شرع من قبلنا ليس بشرع لنا.
وأما السنّة: فأحاديث كثيرة، منها:
ما رواه أصحاب السِّيَر: أن رسول الله ﷺ وكّل عمرو بن أُمية الضمري رضى الله عنه في قبول نكاح أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضى الله عنهما.
ما رواه رافع مولى رسول الله ﷺ قال: إن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة حلالاً، وبنى بها حلالا، وكنت السفير بينهما. (اخرجه الترمذي في ابواب الحج، باب: ما جاء في كراهية تزويج المحرم، رقم: ٨٤١).
[حللاً: أي غير محرم بحج أو عمرة، بنى بها: أي دخل. السفير: هو الذي يقوم بالاصلاح وتحقيق الوفاق بين اثنين ونحوهما].
وما رواه عروة البارقي رضى الله عنه قال: دفع إلىَّ رسول الله ﷺ ديناراً لأشتري له شاة، فاشتريت له شاتين، فبعت إحداهما بدينار، وجئت بالشاة والدينار الى النبي ﷺ ، فذكر له ما كان من أمره، فقال له: "بارك الله لك في صفقة يمينك". (أخرجه البخاري في المناقب، باب: سؤال المشركين ان يُريهم النبي ﷺ آية .. ، رقم: ٣٤٤٣. والترمذي في أبواب البيوع، باب: حدثنا ابو كريب، رقم: ١٢٥٨).
وسيأي مزيد من الأحاديث خلال البحث.
وهذا الذي دلتّ عليه الآيات والأحاديث هو موضع إجماع علماء الأمة في كل عصر من العصور.
стр. 1369
حكمة تشريع الوكالة:
إن الله تعالى خلق الناس متفاوتين في المواهب والقدرات، وفتح لهم أبوب الرزق، ويسّر لكلٍّ منهم سبيلاً أو أكثر من سبل الكسب والمعاش.
فمن الناس مَن أوتي القدرة والكفاءة التي تجعله على استعداد لأن يباشر جميع أعماله بنفسه، إلا أنه قد تتوالى عليه الشواغل وتتزاحم عليه الأعمال، فيضطر إلى مساعدة الآخرين والاستعانة بهم.
ومن الناس مَن لم يؤتَ من القدرة والكفاءة ما يؤهله للقيام بأعمال قد يكون وبأمسِّ الحاجة إليها.
وقد تكون لديه القدرة والكفاءة، ولكن تنقصه الخبرة في عمل من الأعمال أو مصلحة من المصالح.
ومنهم مَن يكون صاحب حق، ولكنه لم يؤتَ من الحجة واللسن، والفصاحة والبيان، ما يجعله قادراً على أن يظهر حقه ويدافع عن نفسه، وقد يكون خصمه الحن منه في حجته، فيقلب باطله حقاً.
من اجل ذلك كله كانت الحجة ماسة لكثير من الناس ان يعتمد على غيره، ويستفيد من خبراته في بعض اعماله، قليلة كانت ام كثيرة، فكانت المصلحة في تشريع الوكالة، سدا للحاجة وتيسيرا للمعاملة، ورفعا للحرج الذي جاء شرع الله تعالى برفعه اذ قال: "ما جعل عليكم في الدين من حرج" (الحج: ٧٨).
حكمها:
قلنا: إن الوكالة جائزة ومشروعة، والأصل فيها الإباحة.
وقد تكون مندوبة: إن كانت إعانة على مندوب.
وقد تكون مكروهة: إن كان فيها إعانة على مكروه.
وقد تكون حراما: إن كان فيها إعانة على أمر محرم.
وقد تكون واجبة: إن توقف عليها دفع ضرر عن الموكل، كما إذا وكله بشراء طعام مضطر إليه، وهو عاجز عن شرائه.
стр. 1370
أركان الوكالة
للوكالة أركان أربعة، هي: الموكِّل والوكيل وصيغة العقد، والموكِّل فيه.
الركن الأول: الموكِّل:
وهو الذي يستعين بغيره، ليقوم ببعض التصرفات نيابة عنه. ويُشترط فيه: صحة مباشرته للتصرّف الذي وكل فيه بملك أو ولاية.
أي أن يكون له شرعاً حق التصرّف فيما أذن لغيره أن يقوم به، ويعتبر الشرع تصرّفه صحيحاً ويبني عليه آثاره وأحكامه.
فإذا كان لا تصحّ مباشرته لما أذن بالتصرّف فيه لم يصحّ توكيله، لأنه الأصل، وإذا كان الأصل غير قادر على التصرّف، فنائبه غير قادر عليه من باب أولى.
فلمالك المال أن يوكِّل في التصرّف فيه، إذا كان بالغاً عاقلاً نافذ التصرف، أي غير محجور عليه، لأنه يتصرّف في ملكه.
وكذلك لولىّ المال - كالأب والجدّ والوصي - أن يوكل غيره ليتصرف بمال من تحته ولايته، لأنه يملك هو مباشرة ذلك بسبب الولاية.
وللرجل البالغ العاقل أن يوكل أحداً في تزويجه، لأنه يملك مباشرة ذلك بنفسه.
ولوليّ البكر العدل أن يوكِّل في نكاح ابنته أو غيرها ممّن تحت ولايته، لأنه يصحّ منه مباشرة ذلك بنفسه.
следующие страницы →