← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6369

الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 678 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

ما يقع عليه الإكراه من التصرفات وأثره فيها التصرفات التي يمكن أن يقع الإكراه على فعلها أو تركها نوعان: تصرفات حسيّة: أي أُمور تُعرف بالحواس، قولية كانت أم فعلية، كالأكل والشرب، والقتل والإتلاف، والشتم والكفر. تصرفات شرعية: أي أُمور عرفت بالشرع، حيث أعطاها اسماءً خاصة، ورتب عليها احكاماً معينة، كالبيع والنكاح والطلاق، وما إلى ذلك من عقود أو فسوخ. أولاً: التصرفات الحسيّة وأثر الإكراه عليها: يتعلق بالتصرفات الحسيّة نوعان من الأحكام: نوع يرجع إلى الآخرة من حيث المؤاخذة وعدمها، ونوع يرجع إلى الدنيا من حيث الضمان وترتّب العقوبة وعدم ذلك. فما هو أثر الإكراه على هذه التصرفات في أحكامها الأخروية أو الدنيوية؟ يختلف أثر الإكراه على التصرفات الحسيّة بحسب نوع التصرّف المكرَه عليه، فقد يصبح التصرّف مباحاً بعد أن كان حراماً ومحظوراً، وقد يرخّص به مع بقاء أصل المنع، وقد يبى على حُرمته فلا يُباح ولا يرخَّص به. وإليك بيانَ هذه الأنواع الثلاثة وأحكامها: النوع الأول: ما يُباح بالإكراه من التصرفات الحسيّة: من هذا النوع أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وشرب الخمر، ونحو ذلك من المحظورات.

стр. 1402

فإذا أُكره المسلم على تعاطي شئ منها أُبيح له ذلك، لأن الله تعالى أباحها عند الاضطرار، فإنه سبحانه قال بعد تحريمها: "إلا ما اضْطُرِرْتم إليه" (الانعام: ١١٩)، والاستثناء من التحريم دليل الإباحة. وقال جلّ وعلا: (فمَن اضْطُرّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فلا إثَم عليه) (البقرة: ١٧٣). ونفى الإثم دلل الإباحة ايضاً. والمستكرَه على تعاطيها مضطر، فيشمله الحكم. فلو امتنع من تعاطيها حتى ناله الأذى كان مؤاخَذاً، لأنه بامتناعه يُلقي بنفسه الى التهلكة، وقد نهى الله تعالى عن ذلك إذ قال: "ولا تُلْقوا بايديكم الى التهلكة" (البقرة: ١٩٥) هذا من حيث المؤاخذة الأُخروية. وأما من حيث الأحكام الدنيوية: فقد بحث الفقهاء في أثر الإكراه على شرب الخمر: هل يُحَدّ شاربه أوْ لا؟ وما حكم تصرّفاته حال سكره؟ فقالوا: إن مَن أُكره على شرب الخمر لا يُقام عليه الحدّ، لأن الحدّ شُرع زجراً عن فعل هذه الجناية في المستقبل، والمستكره على شرب الخمر لم يكن فعله جناية، لأنه أُبيح له، بل صار واجباً عليه، طالما أنه يأثم إذا لم يفعله حتى وقع عليه ما هدِّد به. وكذلك قالوا: لا تنفذ تصرفات من أُكره على الشرب حال سكره، لأن نفاذ تصرفات السكران تكون حال إثمه بسكره - أي عند شربه المُسكر باختياره دون عذر - تغليظاً عليه وزجراً له عن فعله، ولا معنى لهذا التغليظ حال الإكراه على السُكْر، لأن الغرض منه غير متحقِّق، إذ لم يقدم المستكرَه على الفعل باختياره، وهو غير آثم به كما علمت. والعمدة في هذا والذي سبقه: عموم قوله ﷺ : "إن الله وضع عن أُمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". (اخرجه ابن ماجه في الطلاق، باب: طلاق المكرَه والناسي، وقد جاء الحديث من طرق عند غيره، مع اختلاف في بعض الألفاظ). والمعنى: وضع عنهم حكم ذلك وما يترتب عليه، لا نفس هذه الأمور، لأنها واقعة.

стр. 1403

وعليه: فما يترتب على الإكراه موضوع، أي غير معتبر، والحديث يشمل الحكم الدنيوي والحكم الأُخروي. النوع الثاني: ما يرخَّص فيه بالإكراه من التصرفات الحسيّة: أ- قول أو فعلُ ما ظاهره الكفر: كأن يُجْري ألفاظ الكفر على لسانه، أو يسبّ النبي ﷺ أو يسجد لصنم أو يعظّم ما يعظِّمه الكفّار تعظيم عبادة وتقديس، فمثل هذه الأقوال أو الأفعال يرخَّص له الإقدام عليها - وقلبه مطمئن بالإيمان - بسبب الإكراه. ودليل ذلك قوله تعالى: "مَنْ كفر بالله من بعد إيمانه إلا مَن أُكره وقلبُهُ مطئمنُّ بالإيمان ولكن مَنْ شَرَح بالكفر صدراً فعليهم غضبٌ من الله ولهم عذاب عظيم" "النحل: ١٠٦". وروى الحاكم عن محمد بن عمّار بن ياسر، عن أبيه رضى الله عنه قال: أخذ المشركون عمّار بن ياسر، فلم يتركوه حتى سبّ النبي ﷺ وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله ﷺ قال: "ما وراءك؟. قال: شرٌ يا رسول الله، ما تُركت حتى نلتُ منك وذكرتُ آلهتهم بخير. قال: "كيف تجد قلبك؟ ". قال: مطئمنٌّ بالإيمان. قال: "إن عادوا فعد" قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. (المستدرك: كتاب التفسير - تفسير سورة النحل - باب: حكاية اسارة عمار بن ياسر بيد الكفار: ٢/ ٣٥٧). وإنما رُخّص بذلك ولم يُبَحْ لأن الكفر لا يحتمل الإباحة بحال، فالحُرمة قائمة، إلا أن المؤاخذة سقطت بسبب الإكراه، فأَثَرُ الرخصة في تغيّر حكم الفعل - أي ما يترتب عليه من المؤاخذة وغيرها - لا في تغيّر وصفه وهو الحرمة. ولما كانت الحرمة قائمة، وكان التصرّف في هذا مرخّصاً فيه وليس مباحاً، كان الامتناع عن ذلك أفضل. وإن أدى امتناع المستكرَه عنها الى قتله أُثيب ثواب المجاهد في سبيل الله تعالى، لأنه جاد بنفسه في سبيل إعلاء كلمة الله ، وإظهاراً لإعزاز دينه.

стр. 1404

وقد دلّ على ذلك: ? ما روى البخاري عن خباب بن الأرتّ رضى الله عنه قال: شكَوْنا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسِّدٌ بردة له في ظل الكعبة - قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: "كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض فيُجعل فيها، فيُجاء بالمنشار فيُوضع على رأسه فيشقّ باثنين، وما يصدُّه ذلك عن دينه. ويمشَطُ بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم او عصب، وما يصدّه ذلك عن دينه، والله لَيَتَّمَّنَّ هذا الأمرُ حتى يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون". (اخرجه البخاري في المناقب، باب: علامات النبوة، رقم: ٣٤١٦). ووجه الاستدلال بالحديث: أنه ﷺ وصف الأُمم السالفة بالصبر على المكروه في ذات الله تعالى حتى أصابهم ما أصابهم، وأنهم لم يتظاهروا بالكفر ليدفعوا عن أنفسهم العذاب والقتل، وصفهم بذلك على سبيل المدح لهم وبيان فضيلتهم ومقامهم عند الله ، فدلّ ذلك على أن الصبر والاحتمال أفضل من التخلّص بالرخصة. ? وروى ان مسيلمة الكذّاب أخذ اثنين من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول فيَّ؟ قال: وأنت ايضاً، فخلّى سبيله وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول فيَّ؟ قال: أنا أصم، لا أسمع، فأعاد عليه ثلاث مرات، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ رسول الله ﷺ ، فقال: "أما الأول فقد أخذ برخصة الله تعالى، وأما الثاني فقد صدع بالحق، فهنيئاً له". ? وكذلك ما ثبت من قصة خبيب رضى الله عنه، وأنه حين أخذه الكفار وباعوه لأهل مكة، أخذوا يعذِّبونه ليذكر النبي ﷺ بالسوء فلم يفعل، فقتلوه، فبلغ

стр. 1405

ذلك النبي ﷺ فلم ينكر صبره وعدم ترخّصه، بل روى أنه قال فيه: "هو سيد الشهداء وهو رفيقي في الجنة". والذي سبق فيما يتعلق بأحكام الآخرة. وأما ما يتعلق بأحكام الدنيا من أثر الإكراه على الكفر: فإن المستكرَه على ذلك لا يُحكم بكفره، ولا يُعامل معاملة المرتد. قال الشافعي رحمه الله تعالى في معرض الكلام عن قوله تعالى: "إلاِّ مَن أُكره .. ": وللكفر أحكام، كفِراق الزوجة، وأن يُقتل الكافر ويُغنم ماله، فلما وضع الله عنه سقطت عنه أحكام الإكراه على القول كله، لأن الأعظم إذا سقط عن الناس ما هو أصغر منه وما يكون حكمه بثبته عليه. الإكراه على الإسلام: إذا أُكره إنسان على الإسلام فأسلم اعتُبر إسلامه صحيحاً، وعومل معاملة المسلمين، لأنه إكراه بحق، ولا سيما في المرتد والحربي، وإن احتمل الكفر في قلبه، ترجيحاً لجانب الإسلام، لأن في ذلك إعلاءً للدين الحق، وإعلاء الدين الحق واجب. ب-إتلاف مال المسلم أو النَّيْل من عرضه: فلو أُكره على إتلاف مال المسلم رُخص له بذلك، ولا يأثم بالإقدام عليه، لأن مال غيره يرخص له باستهلاكه حال الاضطرار إليه، لدفع الهلاك عند شدة الجوع ونحوه، فكذلك حال الإكراه لأنه نوع اضطرار. وكذلك لو أُكره على شتم المسلم والطعن في عرضه وما إلى ذلك. ولو امتنع المستكرَه على الإتلاف أو الطعن كان أفضل، وإذا أصابه أذى في سبيل ذلك أُثيب عليه، لأن حُرمة مال المسلم وعرضه ثابتة بقوله ﷺ : "كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه". (اخرجه مسلم في البرّ والصلة والآداب،

стр. 1406

باب: تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وماله وعرضه، رقم: ٢٥٦٤). فلا يجوز التعرّض لها على كل حال، إلا أنه رخص بذلك بسبب الإكراه، والرخصة - كما سبق وعلمنا - تؤثر في سقوط المؤاخذة لا رفع الحرمة، فإذا امتنع عن الرخصة كان ذلك إيثاراً لحفظ حق حُرمة أخيه المسلم على حق نفسه، فكن مأجوراً غير مأزور. ويؤكد هذا قوله ﷺ : "مَن قتل دون ماله فهو شهيد": أي مَن قاتل دفاعاً عن ماله فقُتل كان له أجر الشهيد. (اخرجه أبو داود في كتاب السنّة، باب: في قتال اللصوص، رقم: ٤٧٧١. والترمذي في أبواب الديات، باب: ما جاء فيمن قُتل دون ماله فهو شهيد، رقم: ١٤١٨). وهذا يدل على أنه إذا أُكره على إتلاف مال نفسه فامتنع كان أفضل، وإذا كان الامتناع في حق مال نفسه أفضل، كان في حق مال غيره من باب أولى. ومن حيث الحكم الدنيوي: فقد قال الفقهاء: إذا أُكره إنسان على اتلاف مال غيره فأتلفه، كان لصاحب المال تضمين المكرِه أو المستكرَه، بمعنى أن له أن يطالب أيّهما شاء، لأن المكرِه تسبب بالإتلاف، والمستكرَه هو الذي باشره، والتسبّب بالفعل ومباشرته سواء. ولكن الضمان يستقر في النهاية على المكرِه، أي إذا ضمن المستكرَه رجع بما غرمه على المكره في الأصح. النوع الثالث: ما لا يُباح ولا يرخّص فيه بالإكراه من التصرفات الحسيّة: هناك تصرفات محظورة شرعاً، وحرمتها ثابتة بالعقل كما هي ثابتة بالشرع، ولذلك لا تُباح ولا يرخّص بها في حالٍ من الأحوال، من ذلك: أ-قتل المسلم بغير حق: لأن القتل حرام محض، ولا يُستباح للضرورة ولا يرخص فيه. قال تعالى: "ولا تقتلوا النفس التي حرَّم اللهُ إلا بالحق" (الانعام: ١٥١). وقال ﷺ : "لا يحلّ دم امرءٍ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثَيب الزاني، والمفارق لدينه التارك

стр. 1407

للجماعة". (أخرجه البخاري في الديات، باب: قوله تعالى: "وأن النفس بالنفس"، رقم: ٦٤٨٤. ومسلم في القسامة، باب: ما يُباح به دم المسلم، رقم: ١٦٧٦). [النفس بالنفس: أي القاتل عمداً وعدواناً يقتل. الثَّيب الزاني: المتزوج الذي ارتكب الفاحشة، المفارق لدينه: المرتد عن الإسلام. التارك للجماعة: الخارج على جماعة المسلمين وعامّتهم، والمخالف لمنهجهم وطريقتهم]. ومثل القتل من حيث الحرمة وعدم الترخيص بالإكراه قطع عضو من أعضائه، أو الضرب المهلك الذي يُلحق به أذىً شديداً، لأنه اعتداء، والاعتداء حرام. قال تعالى: "والذي يُؤْذُون المؤمنين والمؤمنات بغيرِ ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً" (الاحزاب: ٥٨). وعليه: فمَن أُكره على شئ مما سبق فأقدم عليه كان آثماً عند الله باتفاق الفقهاء، سواء أكان الإكراه تاماً أم ناقصاً. وأما من حيث الأحكام الدنيوية: ? فالأصح عند الفقهاء: أنه يُقتص من المكرِه والمستكرَه، لأن المستكره باشر القتل ووُجد منه حقيقة، والمكرِه متسبِّب بالقتل وحامل عليه، والمتسبِّب كالمباشر، فيُقتص منهما، تغليظاً لأمر الدماء وزجراً عن الاعتداء. ب-الزنا: فهو من المحرّمات التي لا تُباح ولا تُرخّص في حال من الأحوال، لاتفاق الشرائع والعقل على حرمتها، لفحشها ونكارتها. قال تعالى: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشةً وساء سبيلاً) (الاسراء: ٣٢). فإذا لأُكره إنسان على الزنا لم يرخَّص له بالإقدام عليه، رجلاً كان أم امرأة، فإن أقدم عليه كان آثماً ومؤاخذاً عند الله .

стр. 1408

وأما من حيث إقامة الحدّ على المستكرَه على الزنا: فقد قال الفقهاء: لا حدّ على المستكرَه على الزنا، رجلاً كان أم امرأة، لوجود الشبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، أي تُدفع وتُسقط إذا لابَسَتْها شبهة، والشبهة هنا قائمة بسبب الإكراه. ثانياً: التصرفات الشرعية وأثر الإكراه فيها: التصرفات الشرعية إما أن تكون إنشاءً أو إقراراً. والتصرفات الإنشائية نوعان: نوع لا يحتمل الفسخ والردّ: كالطلاق، والنكاح، والرضاع، والرجعة، واليمين، والنذر، والظهار، والإيلاء، والفئ في الإيلاء، والعفو عن القصاص. فهي تصرفات لازمة تلزم بمجرد انعقادها، ولا تقبل فسخاً ولا ردّاً. ونوع يحتمل الفسخ والردّ: كالبيع والشراء، والإجارة، والهبة، ونحو ذلك. فإنها تصرفات لا تلزم بمجرد انعقادها، فهي تقبل الفسخ أو الرد. أثر الإكراه في التصرفات الإنشائية التي لا تحتمل الفسخ: قال الفقهاء: إن الإكراه على إيقاع شئ من هذه التصرفات يفسدها ويجعلها غير معتبرة، فلا يترتب عليها شئ من آثارها المعتبرة شرعاً، فالإكراه يجعلها كأنها لم تكن، ولو وقعت من المستكرَه عليها. واستدلوا على ذلك عموماً: بأن التلفّظ بالكفر حالة الإكراه لم يعتبره الشرع، ولم يترتب عليه أثراً من الآثار، وهو أشد من أيّ قول شرعاً، وإذا سقط حكم الأشد سقط حكم الأخف من باب أولى، فلا يترتب أثر على أيّ تصرّف قولي مع الإكراه. فلو أكره على النكاح: فإن العقد لا يثبت، ولا يترتب عليه آثاره: من وجوب المهر، وحِلّ الاستمتاع وما الى ذلك، لما ذكرناه. وذلك على هذا أيضاً: ما رواه البخاري عن خنساء بنت خذام الأنصارية رضى الله عنها: أن أباها زوّجها وهي ثِّيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ ، فردّ نكاحها، (أخرجه البخاري في النكاح، باب: إذا زوّج الرجل ابنته وهي كارهة

стр. 1409

فنكاحه مردود، رقم: ٤٨٤٥. واخرجه النسائي ايضا في النكاح، باب: الثيب يزوجها ابوها وهي كارهة: ٦/ ٨٦). ويؤيده ايضاً: ما رواه النسائي عن عائشة رضى الله عنها: أن فتاة دخلت عليها فقالت: إن أبي زوّجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته وأنا كارهة، قالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله ﷺ . فجاء رسول الله ﷺ فأخبرته: فأرسل إلى أبيها فدعاه، فجعل الأمر إليها. (أخرجه النسائي في النكاح، باب: البكر يزوِّجها أبوها وهي كارهة: ٦/ ٨٦). [ليرفع بي خسيسته: ليُزيل بسب تزويجي منه دناءته]. وكذلك لو أُكره على الطلاق، فإنه لا يقع طلاقه. روى ابو داود عن عائشة رضى الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا طلاقَ ولا عتاقَ في غَلاق" وعند ابن ماجه والحاكم: "في إغلاق" وفُسِّر الإغلاق بالإكراه، لأن المكرِه كأنه أغلق عليه أمره وتصرفه. (ابو داود في الطلاق، باب: في الطلاق على غلط، رقم: ٢١٩٣. وابن ماجه في الطلاق، باب: طلاق المكره والناسي، رقم: ٢٠٤٦. والحاكم في المستدرك: الطلاق، باب: لا طلاق ولا عتاق في الإغلاق: ٢/ ١٩٨). وهكذا سائر هذه التصرفات لا تُعتبر مع الإكراه، ولا يترتب عليها أيّ أثر من آثارها الشرعية، للأدلة الخاصة والعامة، ومنها ما سبق من قوله ﷺ : "وما استُكرهوا عليه" الذي دلّ على رفع حكم الإكراه، ورفعه لا يكون إلا بانعدام ما يتعلق بالتصرّف المكرَه عليه من أحكام. ويُستثنى مما سبق: ما لو أُكرهت المرأة على الرضاع، أو أُكره الرجل على الوطء، فإنه لا أثر للإكراه هنا، بل يترتب على ذلك ما يتعلق به من أحكام شرعية: فتثبت بالرضاع الحُرمة، إذا وُجدت شروطها، كما يترتب على الوطء كامل المهر بعد العقد وغير ذلك من أحكام. أثر الإكراه في التصرفات الانشائية التي تحتمل الفسخ: قال الفقهاء: إذا وقع الإكراه على شئ من هذه التصرفات أبطلها، فلا

стр. 1410

يترتب عليها شئ من آثارها المعتبرة شرعاً، لأن شرط صحة هذه التصرفات الرضا، وهو معدوم حالة الإكراه، فلم تصحّ ولم تُعتبر شرعاً، لعدم تحقّق شرطها. قال في [مغني المحتاج]: فلا يصحّ عقد مكرَه في ماله بغير حق، لقوله تعالى: "إلا أن تكونَ تجارةٌ عن تراضٍ منكم" (النساء: ٩). والعقد المالي يشمل البيع والإجارة والهبة والحوالة والوكالة، وغير ذلك من العقود التي لها علاقة بالمال. أثر الإكراه على الإقرارات من التصرفات الشرعية: اتفق الفقهاء على أن الإكراه على الإقرار يُلغيه، ولا يرتب عليه أي اثر، سواء أكان المقرّ به: تصرفًا حسيّاً، كمن أُكره ليقرّ بالزنا، أو شرب الخمر، أو القتل، أو غير ذلك. أو كان تصرفاً إنشائياً لا يحتمل الفسخ، كالنكاح والطلاق ونحوهما. أو كان تصرفاً إنشائياً يحتمل الفسخ، كالبيع والإجارة ونحوهما. والعمدة في هذا: ١ - أن الإقرار بالكفر لم يُعتبر حال الإكراه، ولم يترتّب عليه أيّ أثر، فمن باب أولى أن لا يُعبتر الإقرار بغيره ولا يترتب عليه أثر ما. ٢ - عموم قوله ﷺ : "وما استُكرهوا عليه" فإنه يدل على رفع حكم كل تصرف أُكره عليه، والإقرار تصرّف من التصرفات، فالإكراه عليه يرفع حكمه، فلا يترتب عليه أيّ أثر من آثاره. ٣ - الإقرار خبر يحتمل الصدق والكذب، ورُجِّح جانب الصدق حالةَ الاختبار وصحّ الإقرار، لأن الإنسان لا يُتّهم بالكذب على نفسه. وحالةَ الإكراه يترجح جانب الكذب بسبب التهديد القائم، فلا يصحّ الإقرار. ٤ - الإقرار من باب الشهادة، قال تعالى: "ياأيّها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم" (النساء: ١٣٥). والشهادة على النفس ليست إلا إقراراً، فكان الإقرار في حكم الشهادة، والشهادة تردّ بالتهمة ولا تصح، والمقرّ حالة الإكراه متهم في شهادته على نفسه، فلا يقبل إقراره.

стр. 1411

أثر الإكراه على التصرفات المخير فيها: ما سبق من كلام عن أثر الإكراه في التصرفات إنما هو حال كون المكرَه عليه أمراً واحداً معيناً. فإذا كان الإكراه على امر غير معين، كأن يكرهه على شرب الخمر او إتلاف المال، او يكرهه على الطلاق او الإيلاء، أو يكرهه على البيع أو الإجارة، ثم يقدم المستكره على أحد الأمرين، ويوقعه، فما هو أثر الإكراه على هذا التصرف؟ والجواب: أنك قد علمت أن من شروط تحقّق الإكراه أن يكون المكره عليه معيناً، فإذا كان مخيَّراً فيه لم يتحقق الإكراه، وبالتالي لا أثر للإكراه على التصرف المخير فيه، أي على احد أمرين دون تعيين، فإذا أقدم المستكرَه على تصرّفٍ ما في هذه الحالة كان تصرفه صحيحاً، وترتبت عليه آثاره المعتبرة شرعاً كما لو فعله مختاراً، لأن إقدامه عليه مع التخيير بينه وبين غيره على أنه فعله مختاراً غير مستكره. ويستوي في هذا ما إذا كان الأمران من التصرفات الحسيّة أو الشرعية أو غيرها.

стр. 1412

الباب الثاني عشر الغَصَب

стр. 1413

الغَصَب تعريفه: الغصب - في اللغة - أخذ الشئ ظلماً. وشرعاً: هو الإستيلاء على حق غيره عُدْواناً. والمراد بحق غيره: ما كان عيناً كدار ونحوها، أو منفعة كسكنى الدار بغير رضاه، أو اختصاصاً ككلب صيد ونحوه، وكحق الشرب ونحوه. وقولنا: (عدواناً) أي على جهة التعدّي والظلم، أي بغير رضاً من صاحب الحق، بل قهراً عنه. فلو أكل طعام غيره بغير إباحة منه ولا عقد فهو غصب. ولو سكن دار غيره بغير رضاه، فهو غاصب، ولو أعطاه أُجرة. ولو جلس على فراشه بغير إذن منه فهو غاصب أيضاً، وهكذا. وهنا ننبّه إلى ما يفعله الكثير من الناس في هذا الزمن من سكنى دور غيرهم، أو استخدام حوانيتهم، بأُجور لا يرضَوْن بها، فإن هؤلاء غاصبون، وتنطبق عليهم جميع أحكام الغصب الدنيوية والأُخروية، وإن كانوا يظنون أنهم يحسنون صنعاً حين يدّعون أنهم مستأجرون وأنهم يدفعون أُجوراً حسب الاتفاق القديم، فلا تنطبق عليهم أحكام الإجارة، لأنهم في الحقيقة غاصبون وليسوا بمستأجرين. تحريمه: الغصب حرام شرعاً، وهو من الكبائر، لما ورد من زجر عن التعدِّي على الأموال، ووعيد على أخذها بغير حق، ومن ذلك آيات في القرآن وأحاديث من السنة.

стр. 1414

أما آيات القرآن: فمنها قوله تعالى: "ولا تأكلوا اموالَكم بينكم بالباطل وتُدْلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون" (البقرة: ١٨٨). ? ومنها قوله تعالى: "إنَّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيَصْلَوْن سعيرا" (النساء: ١٠) ? وأما الأحاديث: ? فمنها قوله ﷺ : "إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام .. " (اخرجه البخاري في العلم، باب: قول النبي ﷺ : رب مبلغ اوعى من سامع، رقم: ٦٧. ومسلم: القسامة، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، رقم: ١٦٧٩). ? ومنها قوله ﷺ : "لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه" (اخرجه الدارقطني في البيوع، الحديث: ٩١، ج٣، صفحة ٢٦). ? ومنها قوله ﷺ : "من أخذ شبراً من الأرض ظلماً فإنه يُطَوَّقُه يوم القيامة من سبع أرضين". (البخاري: بدء الخلق، باب: ما جاء في سبع ارضين، رقم: ٣٠٢٦. ومسلم: المساقاة، باب: تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، رقم: ١٦١٠). وقد أجمع المسلمون على تحريم الغصب - بكل أشكاله وألوانه - في كل العصور، من لدن أصحاب رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا.

стр. 1415

أحكام الغصب يترتب على الغصب حكم أُخروي وحكم دنيوي: أما الحكم الأُخروي: فهو الإثم واستحقاق المؤاخذة والعقاب في الآخرة، إذا تعدى على حقوق غيره عالماً متعمداً، لأن ذلك معصية كبيرة كما علمت، وفعل المعصية عالماً متعمداً يستوجب العقاب والمؤاخذة عند الله إذا لم يتب منها قبل فوات أوان التوبة. وأما الحكم الدنيوي: فإنه يتناول ما يلي: ١ - تأديب الحاكم للغاصب: وتعزيره بما يراه رادعاً له ولغيره عن مثل هذه المعصية، بالضرب أو السجن ونحو ذلك، حتى ولو عفا المغصوب منه عن الغاصب. لأن ذلك حق لله تعالى، وحسم للشرّ، وإغلاق لباب الظلم والاعتداء. ٢ - الكف عن الغصب فوراً: وذلك بردّ المغصوب - إذا كان عنياً - ما دام قائماً، لأن الغصب معصة كما علمنا والخروج عن المعصية واجب فوري قدر الإمكان. ودليل ذلك: قوله ﷺ : "لا يأخذنّ أحدكم متاع أخيه جادّاً ولا لاعباً، وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليردّها عليه" (أخرجه الترمذي في الفتن، باب: ما جاء لا يحلّ لمسلم أن يروِّع مسلماً، رقم: ٢١٦١. وأبو داود في الأدب: باب: مَن يأخذ الشئ على المزاح، رقم: ٥٠٠٣).

стр. 1416

وترد العين المغصوبة إلى مكان غصبها، وكلفة الرد ونفقته إنما كون على الغاصب، لأن الردّ واجب عليه، وإذا كان لا يتم إلا بالنفقة كانت النفقة واجبة، إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما هو معلوم. وإنما يحصل الردّ في العين المغصوبة بوضعها بين يَدَيْ من غُصبت منه، بحيث يتمكن من أخذها وإثبات يده عليها، ويخرج عن الغصب في الحقوق الأُخرى بتمكين صاحب الحق مما غصب منه، وإزالة الموانع من إثبات يده عليه والاستفادة منه. وإذا حصل الرد للمغصوب خرج الغاصب من حكم الغصب وبرئ من الضمان. ٣ - ضمان المغصوب إذا تلف في يد الغاصب: إذا تلف المغصوب في يد الغاصب ضمنه، سواء أتلفه هو أم تلف بنفسه أو بآفة سماوية أو غير ذلك، لأنه متعدٍّ في إثبات يده عليه، ورسول الله ﷺ يقول: "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه". وهذا صريح في أنه مسؤول عن أداء ما أثبت يده عليه وردّه، فإذا عجز عن ردّه لهلاكه كان ضامناً له، وعليه أن يردّ بدله من مثل أو قيمة. كيفية ضمان المغصوب: إذا تلف المغصوب في يد الغاصب كان عليه أن يرد بدلاً عنه ما هو أقرب إليه وأشبه به: فإن كان مثلياً وجب عليه ردّ المثل، لقوله تعالى: "وإن عاقبْتُم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به" (النحل: ١٢٦) أي بمثل ما وقع عليكم من الفعل الذي يستحق العقاب.

стр. 1417

والمثلى من الأعيان: هو ما يوجد له في الأسواق مثيل لا يتفاوت عنه تفاوتاً يُلتفت إليه، والمثليات في هذه الأزمان كثيرة، لاسيما المصنوعات، لأنها تُصنع بآلة واحدة، ومن المثليات ما يُباع كيلاً كالزيت ونحوه، أو وزناً كالسكر ونحوه، وكذلك العدديات المتقاربة كالبيض والجوز، والذرعيات، وهي ما يباع بالذرع بالمقاييس المتعارفة كالثياب ونحوها، إذا كانت من نوع واحد. فإذا كان المغصوب قيمياً، وهو ما لا مثيل له على النحو السابق، أو كان مثلياً ولكن تعذّر ردّ المثل، وجب ردّ القيمة بدلاً عن المغصوب نفسه، الذي وجب ردّه بذاه ما دام قائماً، دفعاً للضرر ما أمكن عن المغصوب منه. ومن الاشياء القيمية الحيوانات، فكل واحد منها من نوعه يختلف عن الآخر في قيمته، لاختلاف الصفات المميزة له عن غيره. وكذلك السيارات والدور وغيرها من الأمتعة التي تختلف قيمتها باختلاف مزاياها وصفاتها. وإنما يتعذّر ردّ المثل في المثليات: إذا انقطع المثل من الأسواق، فلم يوجد بعد البحث عنه والسعي لتحصيله، أو وجد بثمن يزيد زيادة فاحشة عن مثله عادة، فلا يكلّف شراءه في هذه الحالة، وإنما يتوجب عليه ردّ القيمة. القيمة الواجب ردّها: إذا حكِم على الغاصب بقيمة المغصوب، لكونه قيمياً أو لتعذّر المثل، فما هي القيمة المقدّرة؟ والجواب: - إذا كان المغصوب مثليا: وجب ردّ أقصى قيمة له من يوم الغصب إلى يوم تعذّر وجوده، إن كان موجوداً وقت التلف، فإن كان مفقوداً يوم التلف وجب ردّ أقصى قيمة له من يوم الغصب إلى يوم التلف. - وإن كان قيمياً: وجب ردّ أقصى قيمة له من وقت الغصب إلى وقت التلف. فلو كان عند الغصب قيمته الفاً، ونزل سعره بعد ذلك، وجب الألف. ولو كان عند الغصب خمسمائة، وارتفع في يوم من الأيام إلى ألف، ثم نزل الى سبعمائة، وجب الألف ايضاً، وهكذا.

стр. 1418

وإنما وجبت القيمة بأقصى ما بلغت إليه: لأنه كان غاصباً له في الوقت الذي زادت فيه قيمته، فلزمه ضمان قيمته في ذلك الوقت الذي غصبه فيه. ما يترتب على ضمان المغصوب: إذا ضمن الغاصب العين المغصوبة لمالكها، ودفع له البدل، ترتب على ذلك: أ- ان المغصوب منه يملك البدل الذي دفع له، فتصحّ جميع تصرفاته فيه من بيع وهبة وإجارة ونحو ذلك. ب-لا يملك الغاصب العين المغصوبة بضمانها، فلو ظن هلاك العين المغصوبة - كما لو ضاعت أو سرقت - ضمنها الغاصب ووجب عليه ردّ بدلها للمغصوب منه، لأنه حيلَ بينه وبين ملْكه، فاستحق بدله، فإذا وُجد بعد ذلك وعاد إلى يد الغاصب فإنه لا يملكه بضمانه، بل عليه ردّه إلى المغصوب منه، لأن الأصل أن الواجب ردّ عين المغصوب، فحين تعذّر ذلك عُدل الى البدل، وحيث تمكّن من ردّ الأصل لا يعدل عنه، فيجب ردّه، وبهذا يتبين أنه لم يملكه. فإذا ردّ العين المغصوبة الى المغصوبة منه جب عليه ردّ البدل الذي أخذه على الغاصب، فإن كان قد زاد زيادة متصلة - كالسِّمَن مثلاً - رُدّت مع البدل ضرورة، وإن كانت الزيادة منفصلة - كالولد أو أُجرة الدار - لم يردّها مع البدل، لأنها حدثت على ملكه. ٤ - تصرفات الغاصب بالعين المغصوبة: إذا تصرّف الغاصب بالعين المغصوبة - بيعاً أو هبة أو إجارة أو إعارة أو وديعة ونحو ذلك - كان تصرفه باطلاً، لا يترتب عليه أيّ أثر شرعي له، وسرى حكم الغصب على مَن انتقلت العين إلى يده فكان ضامناً للعين المغصوبة كما لو كانت في يد الغاصب، لأن كلاًّ من هؤلاء قد وضع يده على ملْك غيره بغير إذنه، ولو كان يجهل أنها مغصوبة، لن الجهل يُسقط الإِثم ولا يسقط الضمان، كما لو أتلف مال غيره بغير قصد أو علم، فإنه يضمن وإن كان لا يأثم. وعليه: إذا تلف المغصوب كان للمغصوب منه أن يطالب مَن شاء من

стр. 1419

الغاصب ومَن انتقلت إليه العين بالضمان، فإذا طالب غير الغاصب وغرمه رجع على الغاصب بما غرم، إن كان لا يعلم الغصب وكانت يده في تصرفه يد أمانة كالمودَع والمستأجر، أما إن كانت يده في الأصل يد ضمان كالمستعير والمشتري والمقترض ونحوهم، فلا يرجعون، لأنهم تعاملوا مع الغاصب على أنهم ضامنون، فلا تغرير من الغاصب بهم. وإن كان على علم بالغصب فليس له أن يرجع عليه، لأنه لم يغرر به، وهو يعلم أنه غاصب. ٥ - تغيّر العين المغصوبة: إذا تغيرت العين المغصوبة في يد الغاصب يُنظر: - فإن كان تغيّرها بنفسها - كما لو غصب بيضاً فصار فرخاً، أو غصب زرعاً فصار حبّاً - فللمغصوب منه الرجوع به، لأنه عين ماله، وإن نقصت قيمته بالتغيّر كان له أن يطالب الغاصب بقيمة هذا النقص، لأنه حدث في يده، وإن زادت القيمة فليس للغاصب شئ، لأن الزيادة نماء الأصل وتبع له، فهي ملْك لمالك الأصل. - وإن كان التغيّر بوصف العين المغصوبة بسبب عمل عمله الغاصب فيها يُنظر: فإن كان التغيّر بالعمل وحده، دون إدخال عين أُخرى على المغصوب - كما لو كان ثوباً فقصّره، أو غزلاً فنسجه، أو خشباً فصنعه باباً - ردّه أيضاً على المالك لأنه عين ملكه، وليس للغاصب شئ بدل عمله وإن زادت قيمته، لأنه عمل بدون إذن، فهو متبرع بعمله، فلا يستحق بدلاً عنه. ? وإن كان التغيّر بإضافة عين له - كما لو كان ثوباً فصبغه، أو داراً فطلاها أو طيّنها - ينظر: ! إن لم تزد قيمة المغصوب مع التغيير استردّه المغصوب منه وليس للغاصب شئ، لأن قيمة ما أضافه استهلكت بفعله. ! وإن نقصت قيمته مع التغيير عمّا كانت عليه قبله: وجب على الغاصب ضمان ما نقص، لأن النقص حصل بفعله. ? وإن زادت القيمة بعد التغيير يُنظر:

стр. 1420

فإن صارت القيمة تساوي قيمة المغصوب وقيمة العين المضافة: اشتركا في ثمنه بنسبة ما لكل واحد منهما، فلو كانت قيمة المغصوب مائة، وقيمة المضاف إليه خمسين، كان ثمنه بينهما أثلاثاً، وإن كانت قيمة كل منهما مائة كان الثمن بينهما نصفين، وهكذا. وإن لم تساوِ القيمة قيمة المغصوب والعين المضافة، كما لو صارت القيمة مائة وخمسين، وكانت قيمة المغصوب مائة وقيمة المضاف مائة، كان للمغصوب منه قيمة ملكه - وهو مائة مثلاً - وللغاصب خمسون، وهو فرق زيادة القيمة بفعله وما أضافه. وإن زادت القيمة عن قيمة المغصوب والمضاف إليه - كما لو صارت القيمة ثلاثمائة في المثال السابق - كان لكلٍّ منهما من الزيادة - بالإضافة إلى قيمة عينه - بنسبة ملْكه. فإذا كان ملْك كلٍّ منهما مائة كانت الزيادة مناصفة بينهما، وإن كانت قيمة ملْك أحدهما ضعف قيمة ملْك الآخر مثلاً، كانت الزيادة بينها اثلاثاً، وهكذا. وإن كان التغيّر في ذات المغصوب واسمه بفعل - كما لو كان حنطة فطحنها، أو شاة فذبحها - لم ينقطع ملْك المالك عنه، وكان له استرداده، فإن نقصت قيمته بذلك كان له أن يطالب بأرش النقص، لأنه نقصان في عين المغصوب حصل في يد الغاصب وفعله، فوجب ضمانه. ولو طالب المغصوب منه ببدله لم يكن له ذلك، لأن عين ماله باقية، فلا يملك المطالبة ببدلها. ٦ - نقص المغصوب: النقص في المغصوب قد يكون نقصاً حسياً، وقد يكون معنوياً: فالنقص الحسي: إن كان له بدل مقدّر يضمن به، كنقص جزء من العين فإنه مضمون على الغاصب حتى ولو لم تنقص قيمة العين، كما لو غصب أشياء مثلية فتلف بعضها، وكانت قيمة ما بقى تساوي قيمة الجميع، أو غصب شاة فذهبت عينها، ولم تنقص قيمتها بذلك، فعليه ردّ مثل ما تلف أو قيمة ما نقص.

стр. 1421

وإن لم يكن للنقص الحسيّ بدل مقدّر يضمن به، ولا يضمن إلا بنقص القيمة، كما لو كانت الشاة سمينة فهزلت، فإن نقصت قيمتها ضمن ذلك النقص، وإن لم تنقص قيمتها لم يلزمه شئ. والنقص المعنوي: أن تنقص القيمة دون أن تنقص العين، ذلك بسبب انخفاض الأسعار، فإن الغاصب لا يضمن هذا النقص إذا ردّ العين المغصوبة كما غصبها، لبقاء المغصوب على حاله، والذي فات هو رغبات الناس. أما لو تلفت أو تلف جزء منها: فإنه يضمن قيمتها أو قيمة ما تلف منها بأرفع ما وصلت إليه القيمة كما علمت. ٧ - زوائد المغصوب: إذا زادت العين المغصوبة في يد الغاصب كانت تلك الزيادة ملكاً للمغصوب منه، لأنها نماء ملكه، ودخلت تلك الزيادة في حكم الغصب كالأصل، وكانت مضمونة على الغاصب كأصلها، لأنها تبع له، والتابع في الوجود تابع في الحكم. ولا فرق في ذلك بين أن تكون الزيادة متصلة كالسِّمَن، أو منفصلة كالثمرة للشجر والولد للحيوان. فإذا تلفت الزيادة المنفصلة في يد الغاصب ضمنها كما يضمن أصلها لو تلف، وكذلك لو هزلت الدابة بعدما سمنت عنده ضمن الفرق بين قيمتها سمينة وقيمتها هزيلة. ٨ - منافع المغصوب: إذا كان للعين المغصوبة منفعة، كسكنى الدار وركوب الدابة أو السيارة ونحو ذلك، فإنها تدخل في ضمان الغاصب، سواء استوفاها بنفسه أم بغيره أم لم يستوفها، فيلزمه أُجرة المثل أقصى ما كانت، من حين الغصب إلى حين ردّ العين المغصوبة، أو تلفها في يده، إذا كانت المدة مما يقابل بأُجرة عادية، وذلك لأن المنافع أموال، وقد عطلها على مالكها بغصبه لأصلها، فهو غاصب لها أيضاً، فيلزمه ردّ بدلها وهو أُجرة المثل، ويلزمه أقصى أُجرة لها لأنه معتدٍ وغاصب، وقد فوّتها على المالك حين ارتفع أجْرها وهو غاصب لها.

стр. 1422

وهذه الأُجرة التي تلزمه هي بدل المنافع، فإذا تلفت العين في يده لزمه ضمانها أيضاً. ٩ - البناء على الأرض المغصوبة وغرسها أو زرعها: إذا غصب أرضاً وبنى عليها بناءً أو غرس فيها أشجاراً كلِّف بنقض البناء وقلع الغراس، وتسوية الأرض كما كانت، ووجب عليه أرش نقص قيمة الأرض إن نقصت بذلك، وأُجرة مثل الأرض إن مضت مدة لمثلها أُجرة، لأنه متعدٍّ في ذلك كله، ورسول الله ﷺ يقول: "ليس لعرق ظالم حق". (انظر تخريجه صفحة: ٥١). ولو أراد المالك تملك البناء أو الغراس بقيمته لم يُلزم الغاصب بذلك، لأن البناء والغراس ملكه، فلا يتملك منه بغير رضاه، فإن توافقا على ذلك صحّ. ولوكان البناء والغراس مغصوبين أيضاً من صاحب الأرض، ورضى المالك ببقائهما، لم يكن للغاصب هدم البناء أو قلع الغراس، ولا شئ له على عمله لأنه لم يؤذن له به، ولا شئ عليه أن لم تنقص قيمة الجميع بفعله، وإلا لزمه النقص. وإذا زرع الغاصب الأرض كان للمالك أن يجبره على إخراج البذر وتسوية الأرض، ويلزمه أرش النقص وأُجرة المثل. وإذا رضى المالك بإبقاء البذر في الأرض بقيمته امتنع على الغاصب إخراجه، لأنه لا ينتفع به في الغالب. ١٠ - خلط المغصوب بغيره: إذا اختلط المغصوب بغيره أو خلط: فإن أمكن تمييزه وجب ذلك على الغاصب وإن شقّ عليه، وإن لم يكن تمييزه فقد تعذّره ردّه أبداً، فأشبه التالف، فللمالك تغريمه بدله من مثل أو قيمة على النحو الذي علمت. وللغاصب أن يعطيه من المخلوط، إن خطله بجنسه وكان المخلوط به مثله أو أجود منه، فإن خلطه بأقل منه فليس له ذلك إلا أن رضى المالك به. ١١ - ردّ المغصوب وإن تضرر الغاصب: علمنا أن الواجب على الغاصب ردّ العين المغصوبة فوراً، وأنه لا يبرأ من الإثم وعُهدة الضمان إلا بالرد، فلو كان يترتب على ردّه العين المغصوبة ضرر بالغ

стр. 1423

به كلِّف بذلك، ولا يلتفت إلى ما يناله من ضرر، لأنه ظالم ومتعدٍّ بغصبه. فلو غصب خشبة، فوضعت في بناء أو سفينة، وجب نزعها وردّها، وإن تهدم البناء أو غرقت السفينة، ويلزم الغاصب أرش النقص للمغصوب منه ولصاحب البناء أو السفينة إن كان غير الغاصب ويجهل الغصب، كما يلزمه أُجرة المثل إن كان لمثلها أُجرة. فإن كان يترتب على ردّه هلاك آدمي معصوم الدم، أو حيوان محترم أي غير مأمور بقتله شرعاً ويجوز تملكه أو حيازته، أو إتلاف مال مسلم أو ذمّي، فإنه لا يجب ردّه، فيعدل الى تضمين البدل من مثل أو قيمة. ١٢ - اختلاف الغاصب والمغصوب منه: قد يقع اختلاف بين الغاصب والمغصوب منه في أُمور، هي: أ- تلف المغصب وبقاؤه: كأن يدّعي الغاصب أن العين المغصوبة قد تلفت فعليه بدلها، ويدّعي المغصوب منه أنها لا تزال قائمة عنده فعليه ردّها. فالصحيح أنه يصدق الغاصب بيمينه، لاحتمال صدقه وعجزه عن إقامة البيِّنة على دعواه - إذ الغالب عدم البيِّنة على التلف - فإذا لم يصدّق أدّى ذلك إلى تخليده في الحبس. فإذا حلف غرم للمالك بدل المغصوب من مثل أو قيمة على الأصح، لعجز المالك عن الوصول إلى عين ماله بيمين الغاصب. ب- قيمة المغصوب: وذلك يعني أنهما اتفقا على تلفه، ولكنهما اختلفا في قيمته، فقال المالك: قيمته ألف، وقال الغاصب: قيمته ثمانمائة، صدق الغاصب بيمينه، لأن المالك يدّعي عليه الزيادة عمّا اتفقا عليه - فقد اتفقا في قولهما في المثال المذكور على الثمانمائة واختلفا في الزيادة، فالمالك يدّعيها والغاصب ينكرها - والأصل براءة ذمته منها، فيكون القول المصدِّق قوله بيمينه. فإذا أقام المالك بيِّنة على أن القيمة أكثر مما قاله الغاصب سمعت بيِّنته، وكلّف الغاصب الزيادة عمّا ادّعاه هو إلى حدٍّ لا تقطع البيِّنة بالزيادة

стр. 1424

عليه بأن تجوز الزيادة عليه وعدمها، كأن تفيد البيِّنة أن قيمته - مثلاً - ألف أو تسعمائة، مع احتمال أن تكون أكثر أو أقل. ج- صفة المغصوب أو قدره: كأن يدّعي المغصوب منه أن الدار المغصوبة كانت مطليّة مثلاً، ويدّعي الغاصب أنها لم تكن كذلك، أو يدّعي المالك أنه غصبه عشرين رطلاً قمحاً، ويقول الغاصب: بل عشرة أرطال. ونحو ذلك من الاختلاف في القدر أو الصفة التي هي صفة زيادة. فالمصدّق هو الغاصب بيمينه في ذلك، لأنه هو الذي سيغرم، والأصل براءة ذمته، وهو منكر لشغلها، فالقول قوله بيمينه. وإن اختلفا في عيبٍ حادث: وهو الاختلاف في صفة نقص، كأن ادّعى المالك أن المغصوب كان سليماً من العيوب، وأدعى الغاصب أنه كان معيباً. فإن كانت اليعن تالفة صدّق المالك بيمينه على الصحيح، لأن الأصل والغالب السلامة من العيوب، والقول قول مَن يتمسك بالأصل. وإن كانت العين باقية، وردّها الغاصب معيبة كما ادّعى، صُدِّق الغاصب بيمينه، لأن الأصل براءة ذمته من ضمان ما يزيد على تلك الصفة القائمة. د- ردّ العين المغصوبة: فلو ادّعى الغاصب أنه ردّ العين المغصوبة على المغصوب منه، وأنكر المغصوب منه ذلك، فالقول قول المالك بيمينه، فيصدّق انه ما ردّ عليه المغصوب، لأن العين المغصوبة كانت في يده، والاصل عدم الردّ، فيصدَّق مَن يتمسك به وهو المغصوب منه، فإما أن يردّه الغاصب عليه، وإما أن يضمن له بدله. تم الجزء السابع من كتاب الفقه المنهجي بعون الله تعالى وتوفيقه، ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثامن في الجنايات والجهاد والقضاء وما يتعلق بها، والله تعالى ولي التوفيق.

стр. 1425

الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى الجزء الثامن الجنايات والحدود وتوابعها، الجهاد وتوابعه، الفتوة وأحكامها أنواع اللهو، القضاء، الدعاوى والبينات والشهادات واليمين والقسمة، والإقرار، والحجر، والإمامة العظمي تأليف الدكتور مصطفي الخن ... الدكتور مصطفي البغا علي الشربجي دار القلم دمشق

стр. 1426

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم وسار على هديهم إلي يوم الدين، وبعد: فهذا هو الكتاب الثامن في سلسلة الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي ﵀ تعالي، أودعنا فيه عدداً من الأبواب والمباحث الفقهية: الجنايات والحدود وتوابعها، الجهاد وتوابعه، الفتوة وأحكامها، أنواع اللهو الجائز والمحرم، القضاء الدعاوى والبينات والشهادات واليمين، والقسمة، والإقرار، والحجر، وأحكام الإمامة العظمى. وقد بذلنا ما نستطيع لتجلية هذه الأحكام، وصياغتها بأسلوب يرى فيه القارئ السهولة في التعبير، والوضوح في الأداء. والله تعالى نسأل أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله في عداد الصدقات الجارية والأعمال المبرورة، إنه كريم مجيب، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. المؤلفون

стр. 1427

الباب الأول الجنايات والحدود وتوابعها

стр. 1428

الجنايات تعريف الجنايات لغة واصطلاحاً: الجنايات: جمع جناية، وهي في اللغة مصدر جنى يجني، إذا أذنب، وجني على نفسه: أساء إليها، وجني على قومه: أذنب ذنباً يؤخذ به. وتطلق الجناية على التعدي على بدن، أو مال، أو عرض. وأما الجناية في الاصطلاح: فهي التعدي على البدن بما يوجب قصاصاً، أو مالاً. فالجناية إذا في اصطلاح الفقهاء أخص مما هي في اللغة. حكم الجناية شرعاً، ودليله: الجناية على البدن حرام شرعاً ومنهي عنها، فلا يجوز التعدي علي الأبدان، ولا توجيه الأذى إليها. وقد انعقد إجماع المسلمين على تحريم القتل بغير حق، ولم يخالف بذلك أحد. ودليل هذا الإجماع الكتاب والسنة: أما الكتاب: فقول الله تبارك وتعالي: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾ (الإسراء ٣٣). [لوليه: لوارثه. سلطاناً: تسلطاً على القاتل. فلا يسرف في القتل: فلا

стр. 1429

يتجاوز الحد، فيقتل غير قاتل مورثه. منصوراً: معاناً على أخذ حقه]. وقول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾ (النساء: ٩٢) أي: ما ينبغي أن يصدر منه قتل له. وقوله ـ أيضاً _ عز من قائل: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ (النساء٩٣). وأما الأدلة من السنة فكثيرة: منها: ما رواه عبدالله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". (رواه البخاري [٦٤٨٤] في الديات. باب: قول الله تعالى ﴿أن النفس بالنفس. . ﴾؛ ومسلم [١٦٧٦] في القسامة، باب: ما يباح به دم المسلم). [الثيب الزاني: هو من سبق له زاج، ذكراً كان أم أنثى. المفارق لدينه: التارك له، وهو المرتد]. ومنها: أيضاً ما رواه أبو هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". (أخرجه البخاري [٢٦١٥] في الوصايا، باب: قول الله تعالى ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً. . ﴾؛ ومسلم [٨٩] في كتاب الإيمان، باب: تحريم الكبائر وبيانه. ورواه أيضاً أبو داود [٢٨٧٤] في الوصايا، باب: ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم؛ والنسائي [٦/ ٢٥٧] في الوصايا، باب: اجتناب أكل مال اليتيم). [الموبقات: المهلكات. التولي يوم الزحف: الفرار عن القتال عند لقاء الأعداء. قذف المحصنات: اتهام العفيفات بالزنى]. هذا ولا خلاف بين الأمة في تحريم القتل بغير حق، وأنه من أكبر الكبائر بعد الشرك، وفاعله المستحل له كافر من غير خلاف، ومخلد في نار جهنم. أما إذا

стр. 1430

قتل متعمداً، وهو غير مستحل لذلك: فإنه يحكم عليه بالفسق والفجور، ولا يحكم عليه بالكفر. وأمره بعدئذ إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، وتوبته إذا تاب توبة نصوحاً مقبولة عند الله تعالى ولا يستلزم إثمه التخليد في نار جهنم. ودليل ذلك: قول الله : ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ (النساء٤٨). وقول الله ﵎: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ (الزمر: ٥٣). ويدل على ذلك أيضاً: ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلي أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلي أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة ". (أخرجه البخاري [٣٢٨٣] في الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل؛ ومسلم [٢٧٦٦] في التوبة، باب: قبول توبة القاتل). هذا، وإذا كانت التوبة تصح وتقبل من الكافر، فقبولها من الفاسق والعاصي أولى. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا .. ﴾ (النساء: ٩٣).

стр. 1431

فمحمول على من استحل القتل عمداً بغير حق، أو على أن هذا جزاؤه لو لم يتب، أو لم يغفر الله له. وقيل: هذا من باب المطلق الذي قيده قوله : ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨). أقسام الجناية: قلنا فيما سبق: إن الجناية شرعاً هي التعدي علي البدن، وهذا التعدي: - إما أن يكون بإزهاق الروح، وهو القتل. - وإما أن يكون واقعاً على عضو من الأعضاء، دون إزهاق روح: كقطع يد، أو قلع عين، أو قطع أذن أو أنف، أو ما شابه ذلك. ولكل قسم من هذين القسمين أحكام تتعلق به، سنبينها إن شاء الله تعالى. الجناية علي النفس: ويقصد بالجناية على النفس هنا القتل وإزهاق الروح، وهي أنواع ثلاثة، لكل نوع منها حكم يبين في حينه. أنواع القتل: القتل ثلاثة أنواع: القتل العمد، القتل شبه العمد، القتل الخطأ. ولكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة حقيقة وحكم يتعلق به. ١ - القتل العمد: وحقيقة القتل العمد: أن يقصد قتل شخص بما يقتل غالباً. ومن هذا التعريف لحقيقة القتل العمد يتبين أنه لا يسمى قتل عمد، إلا إذا تحقق فيه أمران: أحدهما: قصد الشخص بالقتل، فلو كان غير قاصد لقتله، فإنه لا يسمي عمداً: ... كمن رمي سهماً يريد صيداً، فأصاب شخصاً، فقتله. ثانيهما: أن تكون الوسيلة في القتل مما يقتل غالباً. فلو أنه ضربه بعصاً صغيرة، أو بحصاة صغيرة في غير مقتل، فمات من ذلك الضرب، فإنه لا يسمى ذلك القتل قتل عمد، لأن تلك الوسيلة لا تقتل في الغالب.

стр. 1432

صور من القتل العمد: وللقتل العمد صور كثيرة يتحقق فيها كلها الأمران المذكوران آنفاً، ومن هذه الصور: أ - ضربه بحد سيف فمات من ذلك الضرب، أو أطلق عليه رصاصاً، فأصابه فمات منه. ب - غرز إبرة في مقتل: كدماغ، وعين، وخاصرة، ومثانة وما أشبه ذلك، مما يقول عنه أهل الاختصاص: إنه مقتل، فإذا مات بسبب شئ من ذلك كان قتله عمداً. جـ - ضربه بمثقل كبير يقتل مثله غالباً، سواء كان من حديد، كمطرقة وشبهها، أم كان من غير الحديد، كالحجر الكبير، والخشبة الكبيرة. ويدل لهذا كله ما رواه أنس ﵁؛ أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين، فسألوها: من صنع بك هذا؟ فلان فلان؟ حتى ذكروا يهودياً، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي فأقر، فأمر رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بين حجرين. وفي رواية: فجيء بها، وبها رمق. (أخرجه البخاري [٢٥٩٥] في الوصايا، باب: إذا أومأ المريض برأسه إشارة بينة جازت؛ ومسلم [١٦٧٢] في القسامة، باب: ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره؛ وأبو داود [٤٥٢٨، ٤٥٢٧] في الديات، باب: يقاد من القاتل، وباب: القود بغير حديد؛ والترمذي [١٣٩٤] في الديات، باب: فيمن رضخ رأسه بحجر؛ والنسائي [٢٢/ ٨] في القسامة، باب: القود من الرجل للمرأة). [[رض رأسها: دق رأسها. والرض: دق الشيء بين حجرين وما جري مجراهما. فأومأت برأسها: أشارت به]. د - حرقه بالنار، أو هدم عليه حائطاً، أو سقفاً، أو وطأه بدابة أو سيارة، أو دفنه حياً، أو عصر خصيتيه عصراً شديداً فمات، وكذلك أمثال هذه الحالات؛ فإن قتله بها يكون عمداً. هـ - خنقه: بأن وضع يده على فمه، أو وضع مخدة على فمه حتى مات من انقطاع النفس.

стр. 1433

فإن خلاه قبل أن يموت، فإن انتهي إلي حركة المذبوح، أو ضعف وبقي متألماً حتى مات، فذلك كله من قبيل القتل العمد. وأوجره سماً قاتلاً، أو حسب ومنعه الطعام والشراب حتى مات، أو سحره، وكان السحر مما يقتل غالباً، فكل هذا من القتل العمد. ز - ضربه بعصاً صغيرة، أو رماه بحجر صغير، إلا أنه والى بين الضرب أو الرمي حتى مات، أو اشتد به الألم وبقي متألماً حتى مات، فهذا أيضاً قتل عمد. حـ - شهد رجلان عند القاضي على شخص بأنه قتل عمداً، فقتل، ثم رجعا عن الشهادة، وقالا تعمدنا الكذب لزمهما القصاص، لأنهما تسببا بإهلاكه، فكان ذلك بمنزلة القتل العمد منهما. وهناك صور أخرى للقتل العمد مذكورة في كتب الفقه المطولة. ٢ - القتل شبه العمد: وحقيقة القتل شبه العمد: أن يستعمل في القتل أداة لا تقتل غالباً، قاصداً بها الشخص عدواناً من غير حق، إلا أن الشخص قد مات بذلك الفعل. وللقتل شبه العمد صور كثيرة، نذكر منها: أ - ضربه بعصا صغيرة ضرباً خفيفاً، فأصاب منه مقتلاً فمات من ذلك الضرب. ب - ألقاه في ماء مغرق إلا أن ذلك الشخص يحسن السباحة، ولكنه فاجأه ريح شديد، أو موج، فغرق ومات. أما إذا كان لا يحسن السباحة، فإنه عندئذ يكون قتل عمد. جـ - أن يربطه ويلقيه إلي جانب ماء، قد يزيد، فزاد الماء، ومات الشخص. أما إذا كانت الزيادة متيقنة، فحصلت، ومات، كان ذلك قتل عمد. وهناك صور كثير أمسكنا عنها خشية الإطالة، وسوف تجدها إن شئت في المطولات من كتب الفقه.

стр. 1434

٣ - القتل الخطأ: وحقيقة القتل الخطأ: أن يقع من الشخص من غير أن يقصده، ولا يريده؛ وذلك: كمن زلقت رجله فوقع على إنسان فقتله، أو رمى صيداً، فأصاب إنساناً، الخطأ، الذي لم توجد فيه حقيقة القتل العمد، ولا شبه العمد. حكم أنواع القتل الثلاثة: قلنا: إن لكل نوع من أنواع القتل حكماً يخصه، بل أحكام، هذا ما سنتحدث عنه في العجالة الآتية: حكم النوع الأول، وهو القتل العمد: القتل العمد له حكمان: حكم دياني (أي في الآخرة)، وحكم قضائي (أي في الدنيا). أما حكمه الديني الأخروي: فهو التحريم، ويترتب عليه إثم عظيم يلي درجة الكفر، والعياذ بالله، والعذاب الأليم في جهنم، إن لم يلجأ ذلك القاتل إلى التوبة، وتتداركه عناية الله بالعفو والرحمة. وإلى هذا تشير الآية الكريمة:: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ (سورة النساء: ٩٣). ولقد مرت هذه الآية، ومر القول فيها. وأما الحكم القضائي الدنيوي، فهو القصاص "القود"، ويسمى القصاص قوداً، لأنهم كانوا يقودون الجاني بحبل ونحوه إلى موضع قتله والقصاص منه. ودليل هذا الحكم الذي هو القصاص قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (سورة البقرة: ١٧٨ - ١٧٩). [كتب: فرض. القصاص: الجزاء على الذنب، وهو أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل، وسمي قصاصاً لأن المقتص يتتبع جناية الجاني ليأخذ مثلها. عفي له من

стр. 1435

أخيه: ترك القصاص منه، وفي ذكر "أخيه" تعطف داع إلى العفو. فاتباع بالمعروف: مطالبة القاتل بالدية من غير عنف. وأداء إليه بإحسان: على القاتل أداء الدية إلى الوارث بلا مطل ولا بخس. ذلك تخفيف: العفو عن القصاص إلى الدية تيسير من الله ورحمة بعباده حيث لم يضيق عليهم بتشريع حكم واحد وهو القصاص. فمن اعتدي بعد ذلك: أي ظلم القاتل، واعتدي عليه بالقتل بعد العفو، فله عذاب أليم في الآخرة بالنار، أو في الدنيا بالقتل]. ترك القصاص والعفو عنه: القصاص هو الحكم الأصلي المترتب على القتل العمد، وهو حق أولياء القتيل، فإن شاؤوا استوفوه، وعلى القاضي مساعدتهم، وتمكينهم من نيل حقهم، كما قال : ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾ (سورة الإسراء: ٣٣) أي: معاناً من قبل القضاء. وإن شاؤوا عفوا عن القصاص، أو عفا بعضهم إلى الدية، فإن فعلوا، أو فعل بعضهم ذلك، وجبت لهم الدية حالة في مال القاتل، وكان عليه أداؤها إليهم دون مماطلة أو بخس. وإلى هذا الحكم: وهو وجوب الدية، يشير قول الله ﵎: ﴿َمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (سورة البقرة: ١٧٨). قال عبدالله بن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية: (فالعفو أن يقبل الدية في العمد، قال: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يتبع هذا بالمعروف، ويؤدي هذا بإحسان). (أخرجه البخاري [٤٢٢٨] عن ابن عباس ﵄ في تفسير سورة البقرة، باب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾؛ والنسائي [٨/ ٣٧] في القسامة، باب: تأويل قوله : ﴿َمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾). وقد مرت الآية مستوفاة. وقد بين النبي ﷺ أن للولي الحق في القصاص، أو العفو عنه إلي الدية: روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يعفو وإما أن يقتل". وفي رواية: " إما أن يقاد وإما أن يفدى". (أخرج الترمذي الأولي [١٤٠٥] في الديات، باب: ما جاء في حكم ولي القتيل

стр. 1436

في القصاص والعفو؛ وأخرج الثانية النسائي [٨/ ٣٨] في القسامة، باب: هل يؤخذ من قاتل العمد الدية إذا عفا ولي المقتول عن القود؟ ). ومما ينبغي أن يعلم أن عفو بعض أولياء القتيل عن القصاص كعفو جميعهم لأن القصاص لا يتجزأ، فإذا عفا بعضهم انتقل حق الجميع إلى الدية، وليس لأحدهم أن يطالب بالقصاص. تغليظ الدية: قلنا فيما سبق إن أولياء القتيل إذا تركوا القصاص، ورضوا بالدية، وجبت لهم على القاتل، وكانت مغلظة، تشديداً على القاتل. وتغليظ الدية يكون من ثلاثة أوجه: أ - كون الدية علي ثلاثة أنواع من الإبل من حيث أسنانها، لا على خمسة أنواع، كما هي في قتل الخطأ، وسيأتي بيانها. ب - كون الدية حالة. جـ - كونها في مال الجاني وحده، فلا تجب على أحد من أوليائه. ودليل ذلك: أن النبي ﷺ قال: "لا تعقل العاقلة عمداً ولا صلحاً. . ". (رواه البيهقي [٨/ ١٠٤]، عن ابن عباس ﵄. وروي مالك في الموطأ [٢/ ٨٦٥] عن ابن شهاب أنه قال: (مضت السنة أن العاقلة لا تحمل شيئاً من دية العمد إلا أن يشاؤوا). دليل تغليظ الدية: ودليل تغليظ الدية في القتل العمد، مارواه الترمذي (رقم [١٣٨٧] في الديات، باب: كمهي من الإبل؟ )، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "من قتل متعمداً دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صالحوا عليه فهو لهم، وذلك لتشديد العقل. [حقة: الحقة من الإبل ما استكملت ثلاث سنين، ودخلت في الرابعة، سميت بذلك، لأنها استحقت أن تركب ويحمل عليها. جذعة: الجذعة ما

стр. 1437

استكملت أربع سنين، ودخلت في الخامسة، سميت بذلك، لأنها أجذعت مقدم أسنانها، أي أسقطته. خلفة: الخلفة هي التي تكون أولادها في بطونها]. العفو عن الدية: لولي المقتول أن يعفو عن القصاص، وينتقل إلي الدية، كما قلنا، وكذلك له أن يعفو عن الدية، أو يعفو عن بعضها، فإذا عفا عنها، أو عن بعضها سقط المعفو عنه من الدية، لأن الله ، شرع الدية حقاً للعبد، وتسوية للعلاقات الإنسانية حتى لا يتهددها الخطر والضغائن والأحقاد، فإذا عفا صاحب الحق عن حقه، كان ذلك له، بل هو الأفضل والأنفع له ولغيره. قال الله : ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ (سورة البقرة: ٢٣٧). حكم النوع الثاني، وهو القتل شبه العمد: وللقتل شبه العمد ـ وقد عرفت حقيقته ـ أيضاً حكمان، ديني أخروي، وهو الحرمة، والإثم، واستحقاق العذاب في الآخرة، لأنه قتل بقصد، لكن عقابه دون عقاب القتل العمد. وأما حكمه القضائي الدنيوي، فهو الدية مغلظة من بعض الوجوه، وقد مر معنا معنى تغليظ الدية. فإن هذا النوع من القتل لا يستوجب قصاصاً، كالقتل العمد، وإن طالب به ولي المقتول. وإنما تثبت به الدية على عاقلة القاتل مؤجلة، تستوفى خلال ثلاث سنوات. فكونها على العاقلة ومؤجلة تخالف دية العمد العدوان، وكونها مثلثة ذات أعمار معينة تشبه دية العمد، فهي مغلظة من هذين الوجهين. ودليل هذا الحكم ما رواه أبو داود [٤٥٤٧] في الديات، باب: في الخطأ شبه العمد، عن عبدالله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " عقل شبه العمد مغلظة مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه". [العقل: الدية. وأصلها أن القاتل كان إذا قتل قتيلاً جمع الدية من الإبل، فعقلها بفناء أولياء المقتول ليقبلوها منه، فسميت الدية عقلاً. والعاقلة: هم العصبة والأقارب من قبل الأب الذين يعطون دية قتيل الخطأ، وشبه العمد].

стр. 1438

وروي النسائي [٨/ ٤٠] في القسامة، باب: كم دية شبه العمد؟، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " شبه العمد قتيل السوط والعصا، فيه مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها". وأما كون الدية في قتل شبه العمد علي العاقلة، فلما رواه مسلم [١٦٨١] في القسامة، باب: دية الجنين، عن المغيرة بن شعبة ﵁، قال: ضربت امرأة ضرة لها بعمود فسطاط، وهي حبلى فقتلتها، فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عصبة القاتلة. وروى البخاري [٦٥٢١] في الديات، باب: جنين المرأة. .؛ ومسلم [١٦٨١] في القسامة، باب: دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قضى أن دية المرأة على عاقلتها. هذا ولقد قلنا: إن العاقلة هم عصبة الإنسان وأقاربه من جهة أبيه، ونقول هنا: إن المقصود بالعاقلة الذين يلزمهم أداء الدية إلي ولي المقتول إنما هم عصبة الجاني الذكور، ما عدا الأصول والفروعـ أما هم، فلا يتحملون من الدية شيئاً. ويقدم الأقرب فالأقرب من عصبة الجاني، في تحمل الدية. والدليل على أن الأصول والفروع لا يدخلون في العاقلة، ولا يتحملون من الدية شيئاً: ما رواه أبو رمثة ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ ومعي ابني، فقال: " من هذا "؟ فقلت: ابني وأشهد به، قال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه". (أخرجه أبو دادو [٤٢٠٦] في الترجل، باب: في الخضاب، والنسائي [٨/ ٥٣] في القسامة، باب: هل يؤخذ أحد بجريرة غيره؟ ). [لا يجني عليك ولا تجني عليه: أي الوالد لا يضمن من جناية ابنه شيئاً، ولا يضمن الولد من جناية أبيه شيئاً [. وروي النسائي [٧/ ١٧٦] في تحريم الدم، باب: تحريم القتل، عن عبدالله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤخذ الرجل بجناية أبيه". وقد روى أبو داود أن النبي ﷺ برأ الولد من عقل أبيه.

стр. 1439

حكم النوع الثالث، وهو القتل الخطأ: وللقتل الخطأ ـ وقد عرفت حقيقته ـ حكمان: الأول ديني أخروي، والثاني دنيوي قضائي. أما حكمه الديني الأخروي فعفو لا إثم فيه ولا عقاب، لأنه عمل وقع خطأ من غير قصد، وقد جاء في الحديث: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه". رواه ابن ماجه [٢٠٤٥] في الطلاق، باب طلاق المكره والناسي عن ابن عباس. وأما حكمه في الدنيا فهو وجوب الدية على عاقلة القاتل، مؤجلة إلى ثلاث سنوات، ومخففة: أي مقسمة إلى خمسة أنواع: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة. أما وجوب الدية في القتل الخطأ، فيدل عليه قول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ (سورة النساء: ٩٢). أما كون الدية في القتل الخطأ على العاقلة فلما قلنا إنها في القتل شبه العمد على العاقلة، فهي في الخطأ أولي أن تكون عليهم. وأما كون الدية مخففة: أي في خمسة أسنان، فلما رواه الدارقطني [٣/ ١٧٢] عن ابن مسعود ﵁، موقوفاً، أنه قال: (دية الخطأ أخماساً: عشرون جذعة، وعشرون حقة، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت مخاض). ومثل هذا الكلام من ابن مسعود ﵁، له حكم الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ ، لأنه من المقدرات، وهي ليست مما يقال بالرأي. وأما كون الدية في قتل الخطأ مقسطة في ثلاث سنوات، فلما روي عن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس ﵃، أنهم قضوا بذلك ولم ينكر عليهم أحد من الصحابة، فكان إجماعاً، وهم ﵃ لا يقولون مثل هذا إلا بتوقيف عن رسول الله ﷺ ، بل قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولم أعلم مخالفاً أن

стр. 1440

رسول الله ﷺ بالدية قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين. وقال الترمذي [١٣٨٦] في أول كتاب الديات، باب: ما جاء في الدية كم هي؟: وقد أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ في ثلاث سنين في كل سنة ثلث الدية، ورأوا أن دية الخطأ على العاقلة. بنت مخاض: هي التي لها سنة من الإبل، وطعنت في السنة الثانية، وسميت بنت مخاض، لأن أمها بعد سنة تحمل مرة أخري، فتصير من المخاض: أي الحوامل. بنت لبون: هي التي لها سنتان من الإبل وطعنت في الثالثة، سميت بنت لبون، لأن أمها آن لها أن تلد فتصير لبوناً. وقد مر بيان الحقة والجذعة. الحكمة في تخفيف الدية في القتل الخطأ وجعلها على العاقلة: قلنا إن القتل الخطأ وقع بغير قصد، ولم يكن مراداً للقاتل، فلذلك ناسب أن تخفف الدية فيه، ولا يكلف المخطئ ما يكلفه المعتدي، الذي باشر القتل قصداً. ولما كان هذا شأن المخطئ، كان من الحكمة أن يواسيه الأدنون من عصباته، ويحملون عنه هذا الغرم الموجع، ويكفيه هو ما يحمله من الكفارة، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ. . ﴾ ثم قال : ﴿َمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (سورة النساء: ٩٢). تغليظ الدية في القتل الخطأ في بعض الأحوال: ذكر علماء الشافعية أن الدية في القتل الخطأ تغلظ في بعض الحالات، ويكون تغليظها من حيث وجوب التثليث فيها فقط (ثلاثون حقة، ثلاثون جذعة، أربعون خلفة). وهذه الحالات التي تغلظ فيها هي: أ - إذا وقع القتل في حرم مكة، وحدود الحرم مذكورة في كتاب الحج، وهي الحدود التي يحرم الاصطياد داخلها، وذلك احتراماً لهذا البيت، ورعاية لزيادة الأمن فيه. قال الله : ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ
следующие страницы →