← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6369

الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 678 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

في القصاص والعفو؛ وأخرج الثانية النسائي [٨/ ٣٨] في القسامة، باب: هل يؤخذ من قاتل العمد الدية إذا عفا ولي المقتول عن القود؟ ). ومما ينبغي أن يعلم أن عفو بعض أولياء القتيل عن القصاص كعفو جميعهم لأن القصاص لا يتجزأ، فإذا عفا بعضهم انتقل حق الجميع إلى الدية، وليس لأحدهم أن يطالب بالقصاص. تغليظ الدية: قلنا فيما سبق إن أولياء القتيل إذا تركوا القصاص، ورضوا بالدية، وجبت لهم على القاتل، وكانت مغلظة، تشديداً على القاتل. وتغليظ الدية يكون من ثلاثة أوجه: أ - كون الدية علي ثلاثة أنواع من الإبل من حيث أسنانها، لا على خمسة أنواع، كما هي في قتل الخطأ، وسيأتي بيانها. ب - كون الدية حالة. جـ - كونها في مال الجاني وحده، فلا تجب على أحد من أوليائه. ودليل ذلك: أن النبي ﷺ قال: "لا تعقل العاقلة عمداً ولا صلحاً. . ". (رواه البيهقي [٨/ ١٠٤]، عن ابن عباس ﵄. وروي مالك في الموطأ [٢/ ٨٦٥] عن ابن شهاب أنه قال: (مضت السنة أن العاقلة لا تحمل شيئاً من دية العمد إلا أن يشاؤوا). دليل تغليظ الدية: ودليل تغليظ الدية في القتل العمد، مارواه الترمذي (رقم [١٣٨٧] في الديات، باب: كمهي من الإبل؟ )، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "من قتل متعمداً دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صالحوا عليه فهو لهم، وذلك لتشديد العقل. [حقة: الحقة من الإبل ما استكملت ثلاث سنين، ودخلت في الرابعة، سميت بذلك، لأنها استحقت أن تركب ويحمل عليها. جذعة: الجذعة ما

стр. 1437

استكملت أربع سنين، ودخلت في الخامسة، سميت بذلك، لأنها أجذعت مقدم أسنانها، أي أسقطته. خلفة: الخلفة هي التي تكون أولادها في بطونها]. العفو عن الدية: لولي المقتول أن يعفو عن القصاص، وينتقل إلي الدية، كما قلنا، وكذلك له أن يعفو عن الدية، أو يعفو عن بعضها، فإذا عفا عنها، أو عن بعضها سقط المعفو عنه من الدية، لأن الله ، شرع الدية حقاً للعبد، وتسوية للعلاقات الإنسانية حتى لا يتهددها الخطر والضغائن والأحقاد، فإذا عفا صاحب الحق عن حقه، كان ذلك له، بل هو الأفضل والأنفع له ولغيره. قال الله : ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ (سورة البقرة: ٢٣٧). حكم النوع الثاني، وهو القتل شبه العمد: وللقتل شبه العمد ـ وقد عرفت حقيقته ـ أيضاً حكمان، ديني أخروي، وهو الحرمة، والإثم، واستحقاق العذاب في الآخرة، لأنه قتل بقصد، لكن عقابه دون عقاب القتل العمد. وأما حكمه القضائي الدنيوي، فهو الدية مغلظة من بعض الوجوه، وقد مر معنا معنى تغليظ الدية. فإن هذا النوع من القتل لا يستوجب قصاصاً، كالقتل العمد، وإن طالب به ولي المقتول. وإنما تثبت به الدية على عاقلة القاتل مؤجلة، تستوفى خلال ثلاث سنوات. فكونها على العاقلة ومؤجلة تخالف دية العمد العدوان، وكونها مثلثة ذات أعمار معينة تشبه دية العمد، فهي مغلظة من هذين الوجهين. ودليل هذا الحكم ما رواه أبو داود [٤٥٤٧] في الديات، باب: في الخطأ شبه العمد، عن عبدالله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " عقل شبه العمد مغلظة مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه". [العقل: الدية. وأصلها أن القاتل كان إذا قتل قتيلاً جمع الدية من الإبل، فعقلها بفناء أولياء المقتول ليقبلوها منه، فسميت الدية عقلاً. والعاقلة: هم العصبة والأقارب من قبل الأب الذين يعطون دية قتيل الخطأ، وشبه العمد].

стр. 1438

وروي النسائي [٨/ ٤٠] في القسامة، باب: كم دية شبه العمد؟، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " شبه العمد قتيل السوط والعصا، فيه مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها". وأما كون الدية في قتل شبه العمد علي العاقلة، فلما رواه مسلم [١٦٨١] في القسامة، باب: دية الجنين، عن المغيرة بن شعبة ﵁، قال: ضربت امرأة ضرة لها بعمود فسطاط، وهي حبلى فقتلتها، فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عصبة القاتلة. وروى البخاري [٦٥٢١] في الديات، باب: جنين المرأة. .؛ ومسلم [١٦٨١] في القسامة، باب: دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قضى أن دية المرأة على عاقلتها. هذا ولقد قلنا: إن العاقلة هم عصبة الإنسان وأقاربه من جهة أبيه، ونقول هنا: إن المقصود بالعاقلة الذين يلزمهم أداء الدية إلي ولي المقتول إنما هم عصبة الجاني الذكور، ما عدا الأصول والفروعـ أما هم، فلا يتحملون من الدية شيئاً. ويقدم الأقرب فالأقرب من عصبة الجاني، في تحمل الدية. والدليل على أن الأصول والفروع لا يدخلون في العاقلة، ولا يتحملون من الدية شيئاً: ما رواه أبو رمثة ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ ومعي ابني، فقال: " من هذا "؟ فقلت: ابني وأشهد به، قال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه". (أخرجه أبو دادو [٤٢٠٦] في الترجل، باب: في الخضاب، والنسائي [٨/ ٥٣] في القسامة، باب: هل يؤخذ أحد بجريرة غيره؟ ). [لا يجني عليك ولا تجني عليه: أي الوالد لا يضمن من جناية ابنه شيئاً، ولا يضمن الولد من جناية أبيه شيئاً [. وروي النسائي [٧/ ١٧٦] في تحريم الدم، باب: تحريم القتل، عن عبدالله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤخذ الرجل بجناية أبيه". وقد روى أبو داود أن النبي ﷺ برأ الولد من عقل أبيه.

стр. 1439

حكم النوع الثالث، وهو القتل الخطأ: وللقتل الخطأ ـ وقد عرفت حقيقته ـ حكمان: الأول ديني أخروي، والثاني دنيوي قضائي. أما حكمه الديني الأخروي فعفو لا إثم فيه ولا عقاب، لأنه عمل وقع خطأ من غير قصد، وقد جاء في الحديث: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه". رواه ابن ماجه [٢٠٤٥] في الطلاق، باب طلاق المكره والناسي عن ابن عباس. وأما حكمه في الدنيا فهو وجوب الدية على عاقلة القاتل، مؤجلة إلى ثلاث سنوات، ومخففة: أي مقسمة إلى خمسة أنواع: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة. أما وجوب الدية في القتل الخطأ، فيدل عليه قول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ (سورة النساء: ٩٢). أما كون الدية في القتل الخطأ على العاقلة فلما قلنا إنها في القتل شبه العمد على العاقلة، فهي في الخطأ أولي أن تكون عليهم. وأما كون الدية مخففة: أي في خمسة أسنان، فلما رواه الدارقطني [٣/ ١٧٢] عن ابن مسعود ﵁، موقوفاً، أنه قال: (دية الخطأ أخماساً: عشرون جذعة، وعشرون حقة، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت مخاض). ومثل هذا الكلام من ابن مسعود ﵁، له حكم الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ ، لأنه من المقدرات، وهي ليست مما يقال بالرأي. وأما كون الدية في قتل الخطأ مقسطة في ثلاث سنوات، فلما روي عن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس ﵃، أنهم قضوا بذلك ولم ينكر عليهم أحد من الصحابة، فكان إجماعاً، وهم ﵃ لا يقولون مثل هذا إلا بتوقيف عن رسول الله ﷺ ، بل قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولم أعلم مخالفاً أن

стр. 1440

رسول الله ﷺ بالدية قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين. وقال الترمذي [١٣٨٦] في أول كتاب الديات، باب: ما جاء في الدية كم هي؟: وقد أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ في ثلاث سنين في كل سنة ثلث الدية، ورأوا أن دية الخطأ على العاقلة. بنت مخاض: هي التي لها سنة من الإبل، وطعنت في السنة الثانية، وسميت بنت مخاض، لأن أمها بعد سنة تحمل مرة أخري، فتصير من المخاض: أي الحوامل. بنت لبون: هي التي لها سنتان من الإبل وطعنت في الثالثة، سميت بنت لبون، لأن أمها آن لها أن تلد فتصير لبوناً. وقد مر بيان الحقة والجذعة. الحكمة في تخفيف الدية في القتل الخطأ وجعلها على العاقلة: قلنا إن القتل الخطأ وقع بغير قصد، ولم يكن مراداً للقاتل، فلذلك ناسب أن تخفف الدية فيه، ولا يكلف المخطئ ما يكلفه المعتدي، الذي باشر القتل قصداً. ولما كان هذا شأن المخطئ، كان من الحكمة أن يواسيه الأدنون من عصباته، ويحملون عنه هذا الغرم الموجع، ويكفيه هو ما يحمله من الكفارة، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ. . ﴾ ثم قال : ﴿َمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (سورة النساء: ٩٢). تغليظ الدية في القتل الخطأ في بعض الأحوال: ذكر علماء الشافعية أن الدية في القتل الخطأ تغلظ في بعض الحالات، ويكون تغليظها من حيث وجوب التثليث فيها فقط (ثلاثون حقة، ثلاثون جذعة، أربعون خلفة). وهذه الحالات التي تغلظ فيها هي: أ - إذا وقع القتل في حرم مكة، وحدود الحرم مذكورة في كتاب الحج، وهي الحدود التي يحرم الاصطياد داخلها، وذلك احتراماً لهذا البيت، ورعاية لزيادة الأمن فيه. قال الله : ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ

стр. 1441

أَلِيمٍ﴾ (سورة الحج: ٢٥). [بإلحاد بظلم: ميل عن الحق بسبب الظلم]. ب - إذا وقع القتل في الأشهر الحرم، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، لحرمة هذه الأشهر، ومنع ابتداء القتال فيها. قال الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِير﴾ (سورة البقرة: ٢١٧) أي: كبير إثمه. وقال ﵎: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام﴾ (سورة المائدة: ٢). [ى تحلوا: لا تستحلوا وتجيزوا. شعائر الله: جمع شعيرة، أي معالم دينه، وأحكام شرعه، مثل الصيد في الحرم. ولا الشهر الحرام: أي بالقتال فيه]. جـ - إذا وقع القتل الخطأ على محرم ذي رحم، كالأم، والأخت، والعم، والخال، ونحوهم من كل ذي رحم محرم. ودليل التغليظ في هذه المواضع عمل الصحابة ﵃، وإن اختلفوا في كيفية التغليظ ـ وقد عرفت مذهب الشافعي في ذلك ـ ومثل هذا الحكم منهم لا يدرك بالاجتهاد، بل بالتوقيف من النبي ﷺ . اشتراك جماعة بقتل شخص واحد: إذا اشترك جماعة ـ اثنان أو أكثر ـ في قتل شخص واحد من المسلمين، وذلك بأن كان عمل كل واحد منهم ـ لو انفرد ـ مزهقاً للروح وقاتلاً، ثبت القصاص على كل واحد من أولئك المشتركين في قتله. أما إذا جرحه واحد منهم، وكان الجرح غير قاتل، ثم قتله الآخر، فأجهز عليه، كان الثاني هو القاتل، وثبت عليه القصاص، وأما الجارح الأول، فعليه ما يستحق من قصاص جرح، أوديته. ولو جرحه أحدهم جرحاً، فأنهاه إلى حركة مذبوح، وذلك بأن لم يبق معها إبصار، ولا نطق ولا حركة اختبار، وأصبح يقطع بموته من ذلك الجرح، ولو بعد أيام، ثم جنى عليه شخص

стр. 1442

آخر، فالأول هو القاتل، لأنه صيره إلى حالة الموت. ويعزر الثاني لهتكه حرمة الميت، كما لو قطع عضواً من ميت. ويستدل على ثبوت القصاص في حق الجماعة بقتل شخص واحد بالأدلة الآتية: أ - روى البخاري تعليقاً، في الديات، باب: إذا أصاب قوم من رجل، هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم؟، عن ابن عمر ﵄: أن غلاماً قتل غيلة، فقال عمر ﵁: (لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلتهم). وفي البخاري في نفس الباب؛ قال مغيرة بن حكيم عن أبيه: إن أربعة قتلوا صبياً، فقال عمر مثله. ب - روي مالك ﵀ في الموطأ [٢/ ٨٧١] عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قتل نفراً ـ خمسة أو سبعة ـ برجل واحد قتلوه غلية، وقال: (لو تمالا عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاُ). [قتل غيلة: خديعة ومكراً من غير أن يعلم. تمالأ: اتفق وتواطأ على قتله]. وهناك قصة ذكرها الطحاوي والبيهقي في سبب هذه الأحاديث، وهي أن المغيرة بن حكيم الصنعاني حدث عن أبيه أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها، وترك في حجرها ابنا له من غيرها غلاماً يقال له أصيل، فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلاً، فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله فأبي، فامتنعت منه فطاوعها، فاجتمع على قتل الغلام الرجل ورجل آخر والمرأة وخادمها، فقتلوه ثم قطعوه أعضاء، وجعلوه في عيبة (وعاء من أدم) فطر حوه في ركية ـ البئر التي لم تطو ـ ليس فيها ماء، فذكر القصة، وفيه فأخذ خليلها فاعترف، ثم اعترف الباقون، فكتب يعلى ـ وهو يومئذ أمير ـ بشأنهم إلى عمر، فكتب إليه عمر بقتلهم جميعاً، قال: والله لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله لقتلتهم أجمعين. جـ - إن حد القذف يثبت للواحد على الجماعة إذا اشتركوا في قذفه، فكذلك

стр. 1443

ينبغي أن يثبت قصاص القتل للواحد على الجماعة إذا صدر من كل منهم من العدوان عليه ما لو انفرد به لكان قاتلاً بحسب الظاهر، لعدم الفرق بين الصورتين. د - يتعين القصاص من الجميع سداً للذرائع، فإن المعتدي إذا علم أن الشركة في العدوان تنجيه وتنجي المشتركين من القصاص التجأ إليها لإنفاذ جريمته، والفرار بعد ذلك من القصاص. قال ابن قدامة: ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك أدى إلى التسارع إلى القتل به، فيؤدي إلى إسقاط حكمة الردع والزجر. اجتماع المباشرة والسبب في القتل: إذا اجتمع في القتل الواحد المباشرة والسبب، فتارة يقدم السبب على المباشرة فيقتص من المتسبب، وتارة تقدم المباشرة على السبب فيقتص من المباشرة. وقد يستوي السبب والمباشرة، فهذه ثلاثة أنواع: النوع الأول: أن يشهد على الرجل شهود زور بأنه قاتل، فيقتله القاضي، فاعترف الشهود بتعمد الكذب وأنهم شهدوا زوراً، فعليهم القصاص دون القاضي أو الولي إذا باشر القصاص وكان جاهلاً بكذب الشهود. فهنا قدم السبب على المباشرة. النوع الثاني: غلبة المباشرة على السبب، وذلك كأن يرميه رام من شاهق فيتلقاه آخر بسيف فيقده نصفين، أو يضرب رقبته قبل وصوله إلى الأرض، فالقصاص على القاد، ولا شيء على الملقي سوى التعزيز، سواء عرف الحال أم لم يعرف. ومثل ذلك إذا أمسكه شخص فقتله آخر، فالقصاص على القاتل، وليس على الممسك قصاص أو دية، وإنما عليه التعزير. روى الدارقطني [٣/ ١٤٠] عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر، يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك|. قال في بلوغ المرام: رجاله ثقات وصححه ابن القطان.

стр. 1444

ويشترط في حال الإمساك هذه أن يكون القاتل مكلفاً، أما إذا كان القاتل صبياً أو مجنوناً فإن القصاص على الممسك، وكذلك إذا عرضه لسبع ضار، ومثل ذلك لو ألقاه في ماء مغرق كلجة بحر، فالتقمه حوت، سواء أكان الا لتقام قبل الوصول إلى الماء أو بعده، فالقصاص على الملقي. أما ألقاه في ماء غير مغرق فالتقمه حوت، فلا قصاص في هذه الحالة، لكن تجب عليه في هذه الحالة دية شبه العمد. النوع الثالث: أن يتساوى السبب والمباشرة، كأن أكره إنساناً على قتل آخر، وجب القصاص عليهما، أما وجوب القصاص على المكره فلأنه أهلكه بما يقصد به الإهلاك غالباً، فأشبه ما لو رماه بسهم فقتله، وأما وجوب القصاص على المكره لأنه قتله عمداً عدواناً لاستبقاء نفسه. هذا ولا فرق بين أن يكون المكره هو الإمام أو غيره. أما لو أمره بقتل نفسه بأن قال له: اقتل نفسك وإلا قتلتك، فقتل نفسه لم يجب القصاص في هذه الحالة، لأن هذا لا يعد إكراهاً حقيقة، لاتحاد المأمور به والمخوف منه، فصار كأنه مختار له. أما لو خوفه بشيء أشد من القتل كالإحراق بالنار مثلاً فهو إكراه يجب فيه القصاص على المكره. وكذلك إذا قال له اقتلني وإلا قتلتك فلا قصاص إذا قتله، لأن الإكراه شبهة يدرأ بها الحد. هذا ولو أمر السلطان شخصاً بقتل آخر بغير حق، والمأمور لا يعلم ظلم السلطان ولا خطأه وجب القود أو الدية والكفارة على السلطان، ولا شيء على المأمور، لأنه آلته ولا بد منه في السياسة، فلو ضمناه لم يتول تنفيذ الحد أحد، ولأن الظاهر أن الإمام لا يأمر إلا بالحق، ولأن طاعته واجبة فيما لا يعلم أنه معصيته، وليس للمأمور أن يكفر لمباشرة القتل. وإن علم بظلمه أو خطئه وجب القود على المأمور، إن لم يخف قهر السلطان بالبطش بما يحصل به الإكراه، لأنه لا يجوز طاعته حينئذ لقوله ﵊: "لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف" (رواه

стр. 1445

البخاري [٤٠٨٥] في المغازي، باب: سرية عبدالله بن حذافة السهمي؛ ومسلم [١٨٤٠] في الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية). فصار كما لو قتله بغير إذن، ولا شيء على السلطان إلا الإثم فقط فيما إذا كان ظالماً، وأما إن اعتقد وجوب طاعته في المعصية فالضمان على الإمام لا عليه، لأن ذلك مما يخفي. فإن خاف قهره فكالمكره فالضمان بالقصاص وغيره عليهما. فائدة: فيما يباح بالإكراه: ذكر النووي في كتابه " روضة الطالبين" فصلاً يوضح فيه ما يباح بالإكراه وما لا يباح، فقال رحمه الله تعالى: (فصل: الإكراه على القتل المحرم لا يبيحه، بل يأثم بالاتفاق إذا قتل، وكذا لا يباح الزنى بالإكراه. ويباح بالإكراه شرب الخمر، والإفطار في رمضان، والخروج من صلاة الفرض، وإتلاف مال الغير، ويباح أيضاً كلمة الكفر، وفي وجوب التلفظ بها وجهان، أحدهما: وهو الصحيح، لا يجب للأحاديث الصحيحة في الحث على الصبر على الدين، واقتداءً بالسلف، فعلى هذا الأفضل أن يثبت ولا يتلفظ وإن قتل، وقيل: إن كان ممن يتوقع منه النكاية في العدو أو القيام بأحكام الشرع؛ فالأفضل أن يتلفظ، وإلا فالأفضل الامتناع. ولا يجب شرب الخمر عند الإكراه على الصحيح، ويمكن أن يجيء مثله في الإفطار في رمضان، ولا يكاد يجيء في الإكراه على إتلاف المال. ثم إذا أتلف مال غيره بالإكراه؛ فللمالك مطالبة المكره الآمر بالضمان، وفي مطالبة المأمور وجهان، أحدهما: لا يطالب لأنه إتلاف مباح له بالإكراه، وأصحهما يطالب، لكنه يرجع بالمعزوم على الآمر، هذا هو المذهب، وقيل: إن الضمان على المأمور ولا رجوع له، وقيل: يتقرر الضمان عليهما بالسوية كالشريكين، والقول في جزاء الصيد إذا قتله المحرم مكرها كالقول في ضمان المال). حكم شريك من لا يقتص منه: إذا قتل شخص شخصاً وكان شريكاً في القتل لمن لا يقتص منه، فما الحكم في ذلك أيقتص منه أم لا؟ لهذه المسألة صور كثيرة نوضحها فيما يلي:

стр. 1446

الصورة الأولى: أن يكون شريكاً لمخطئ أو شريكاً لقاتل شبه عمد، فهذا لا يقتص منه، لأن الزهوق حصل بفعلين أحدهما يوجبه والآخر ينفيه، فغلب المسقط، ولكنه يجب عليه في هذه الحال نصف الدية، دية العمد. الصور الثانية: أن يكون القاتل شريكاً للأب في القتل، فعلى القاتل هنا القصاص وعلى الأب نصف الدية مغلظة، لأن الأب لا يقتص منه. الصورة الثالثة: أن يشارك عبد حراً في قتل عبد، فيقتص من العبد، لأنه لو انفرد بالقتل لاقتص منه، وأما الحر فلا يقتص منه. الصورة الرابعة: أن يشارك دمي مسلماً في قتل ذمي، فهنا يقتص من الذمي، لأنه لو انفرد في قتله لاقتص منه، وأما المسلم فعليه نصف دية الذمي، وسيأتي مقدار دية الذمي. الصورة الخامسة: أن يقطع شخص يد شخص قصاصاً أو حداً، فجرحه شخص آخر فمات بهما، فعلي الجارح الثاني القصاص. الصورة السادسة: أن يشترك في القتل مع صبي أو مجنون، فعليه القصاص، وأما الصبي والمجنون فلا قصاص عليهما. وهناك صور أخري كثيرة تطلب في المطولات من الكتب. الجناية على ما دون النفس: لقد مر بنا أن الجناية على البدن إما أن تكون بإزهاق الروح، وهو القتل، وهذا هو الذي سبق الحديث عنه، وإما أن تكون فيما دون ذلك من قطع يد أو قلع عين أو قطع أنف وأذن وما شاكل ذلك، وهذا هو الذي نريد أن نتحدث عنه فيما يلي: أنواع الجناية على ما دون النفس: الجناية على ما دون النفس على ثلاثة أنواع: الأول: الجناية بالجرح. الثاني: قطع الطرف.

стр. 1447

الثالث: إبطال المنافع. النوع الأول: الجناية بالجرح: الجراح الواقعة على البدن على ضربين: أحدهما: الواقعة على الوجه والرأس، وتسمى الشجاع. والثاني: الجراحات في سائر البدن. وفيما يلي نوضح كل ضرب من هذين، ونبين ما يتعلق به من أحكام. أ - الشجاج الواقعة على الرأس والوجه، وهي عشر: إحداها: الحارصة، وهي التي تشق الجلد قليلاً كالخدش، وتسمى القاشرة. ثانيها: الدامية، وهي التي تدمي موضعها من الشق والخدش، ولا يقطر منها دم، فإن سال فهي دامعة، وهذه قسم آخر يزيد على العشر. الثالثة: الباضعة، وهي التي تبضع اللحم بعد الجلد، أي تشق اللحم بعد الجلد شقاً خفيفاً، مأخوذ من البضع وهو القطع. الرابعة: المتلاحمة، وهي التي تغوص في اللحم ولا تبلغ الجلدة بين اللحم والعظم، سميت بذلك تفاؤلاً بما يؤول إليه من الالتحام. وتسمي أيضا اللاحمة. الخامسة: السمحاق، وهي التي تبلغ تلك الجلدة، وتسمي تلك الجلدة السمحاق. السادسة: الموضحة، وهي التي تخرق السمحاق، وتوضح العظم، أي تكشفه، بحيث يقرع بالمرود، وإن لم يشاهد العظم من أجل الدم الذي يستره. السابعة: الهاشمة، وهي التي تهشم العظم أي تكسره، سواء أوضحته أم لا. الثامنة: المنقلة، وهي التي تنقل العظم من موضع إلى موضع، سواء أوضحته وهشمته أو لا. التاسعة: المأمومة، وهي التي تبلغ أم الرأس، وهي خريطة الدماغ

стр. 1448

المحيطة به، ويقال لها الآمة. العاشرة: الدامغة، وهي التي تخرق خريطة الدماغ، وتصل إليه، وهي مذففة غالباً. إذا علمت ذلك فالعلم أن القصاص يجب في الموضحة فقط، لتيسر ضبطها واستيفاء مثلها، ولا قصاص فيما عداها من الهاشمة والمنقلة وغيرهما إذ لا يؤمن فيها الزيادة والنقصان في طول الجراحة وعرضها، ولا يوثق باستيفاء المثل. ب - الجراحات في سائر البدن: فما لا قصاص فيه إذا كان في الرأس أو الوجه، لا قصاص فيه إذا كان على غيرهما، فالموضحة التي تقع في جزء من أجزاء البدن كالصدر والعنق والساعد والأصابع هي التي يكون فيها القصاص، وما لا فلا قصاص فيه لما ذكرنا آنفاً من صعوبة الحصول على المماثلة. النوع الثاني: الجناية بقطع الطرف: أقسام قطع الطرف ثلاثة أقسام كالقتل، فكما أن القتل ثلاثة أقسام عمد وشبه عمد وخطأ، كذلك ينقسم قطع الطرف إلى ثلاثة أقسام عمد وشبه عمد وخطأ، وكما أنه لا يجب القصاص في النفس إلا بالعمد فكذلك قطع الطرف لا يجب إلا بالعمد، وأما شبه العمد بقطع الطرف والخطأ به فلا يجب فيه القصاص. شروط القصاص بالطرف: يجري القصاص بقطع الطرف بشرط إمكان المماثلة وأمن استيفاء الزيادة، ويحصل ذلك بطريقتين: أحدهما: أن يكون للعضو مفصل توضع عليه الحديدة وبيان، والمفصل موضع اتصال عضو بعضو على منقطع عظمين، وقد يكون ذلك بمجاورة محضة وقد يكون مع دخول عضو في عضو، كالمرفق والركبة، فمن المفاصل: الأنامل، والكوع وهو مفصل الكف، والمرفق، ومفصل القدم، والركبة، فإذا وقع القطع على بعضها، اقتص من الجاني، ومن المفاصل أصل الفخذ والمنكب. الطريق الثاني، أن يكون للعضو حد مضبوط ينقاد لآلة الإبانة، فيجب

стр. 1449

القصاص من فقء العين، وفي الأذن، وفي الجفن، وفي المارن وهو ما لان من الأنف، وفي الذكر، وفي الأنثيين، وفي الشفة، وفي الشفرين إذا كان القطع من امرأة ـ والشفران طرفا الفرج ـ، وفي الأليين، وفي اللسان. وعلى هذا لو قطع بعض الأذن أو بعض المارن من غير إبانة وجب القصاص لإحاطة الهواء بهما وإمكان الاطلاع عليهما من الجانبين، ويقدر المقطوع بالجزئية كالثلث والربع، لا بالمساحة. ولو قطع الكوع أو بعض مفصل الساق والقدم ولم يبن فلا القصاص لأنها تجمع العروق والأعصاب، وهي مختلفة الوضع تسفلاً وتصعداً، فلا يوثق بالمماثلة فيها بخلاف المارن. القصاص بكسر العظام: لا قصاص بكسر العظام لعدم الوثوق بالمماثلة، بل عليه الدية كما سيأتي، لكن لو كسر عظماً وأبانه فللمجني عليه قطع أقرب مفصل إلى المكسور، وأخذ حكومة عن الباقي ـ والحكومة هي مال مقدر على حسب الجناية يقدره الخبراء وأصحاب المعرفة بهذا الشأن ـ وعلى هذا فلو كسر يده من العضد كان له أن يقطع يده من المرفق، وله على الباقي حكومة. ولو كسر يده من الساعد فله قطع اليد من الكف، وله على الباقي حكومة، وهكذا. النوع الثالث: إبطال منافع العضو: قد تكون الجناية بإبطال منفعة عضو من الأعضاء، أو قسم منها، فعند ذلك يجب فيها دية، على حسب ما يلي: أولاً: إزالة العقل، فإذا أزال إنسان عقل إنسان بسبب ما، وجب كمال الدية في ذلك، وسيأتي بيان كمال الدية. ولا يجب فيه قصاص لعدم إمكان ذلك، ولو نقص عقله ولم تستقم أحواله نظر في ذلك، فإن أمكن الضبط، وجب قسط الزائل، والضبط قد يأتي بالزمان بأن يجن يوماً ويفيق يوماً، فيجب نصف الدية، أو يجن يوماً ويفيق يومين فيجب ثلث الدية، وقد يتأتي الضبط بغير الزمان، بأن يقابل صواب قوله ومنظوم فعله بالخطأ المطروح منهما، وتعرف النسبة بينهما، فيجب قسط الزائل.

стр. 1450

وإن لم يمكن الضبط بأن كان يفزع أحياناً مما يفزع، أو يستوحش إذا خلا وجبت حكومة يقدرها الحاكم باجتهاده. وهذا الحكم إذا قال أهل الخبرة إن هذا العارض لا يتوقع زواله، أما إذا ذكر أهل الخبرة أن هذا العارض قد يزول، فيتوقف في الدية، فإن عاد إليه عقله سقطت الدية، وإن لم يعد وجبت الدية. ثانياً: السمع، فإذا أبطل السمع من الأذنين وجب كمال الدية، وإن أبطله من أذن واحدة وجب نصف الدية، ولو قطع الأذن وأبطل السمع وجب ديتان، دية للقطع ودية لإبطال السمع. وذلك لأن السمع ليس في الأذن. ولو قال أهل الخبرة: لطيفة السمع باقية في مقرها، ولكن ارتتق داخل الأذن بالجناية، وامتنع نفوذ الصوت، ولم يتوقعوا زوال الارتتاق فالواجب حكومة، وقيل دية. هذا إذا ذهب السمع، أما إذا نقص السمع من الأذنين أو من أحدهما، نظر فإن عرف مقدار النقص وجب قسطه من الدية، وإن لم يعلم وجب في ذلك حكومة يقدرها الحاكم باجتهاده. ثالثاً: البصر، ففي إذهابه من العينين دية كاملة، وفي إذهابه من واحدة منهما يجب نصف الدية، سواء في ذلك ضعيف البصر وغيره، وسواء في ذلك الأحول والأخفش وغيرهم (والخفش صغر في العين وضعف البصر خلقة). ولو فقأ عينيه لم يجب إلا دية واحدة، كما لو قطع يديه، وهذا بخلاف الأذن كما مر. ويمتحنه أهل الخبرة لمعرفة زوال البصر إذا ادعي ذلك المجني عليه، وأنكر ذلك الجاني. هذا إذا ذهب البصر بالكلية، وأما إذا نقص ولم يذهب، فإن عرف قدره بأن كان يرى الشخص من مسافة فصار لا يراه إلا من بعضها، وجب ممن الدية قسط الذاهب، وإن لم يعرف قدره وجب في ذلك حكومة يقدرها الحاكم باجتهاده. هذا وإذا كان الجني عليه أعشى ـ وهو من يبصر بالنهار دون الليل ـ فذهب ضوء عينيه، وجبت الدية كاملة، وفي ذهاب ضوء إحداهما نصف الدية، ولو جنى عليه فصار أعشى وجب نصف الدية.

стр. 1451

رابعاً: إبطال الشم، وفي إبطال بالكلية الدية كاملة، وأن أبطال الشم من أحد المنخرين وجب نصف الدية، وإن نقص الشم وأمكن ضبطه وجب قسط الناقص من الدية، وإن لم يمكن ضبطه وجب فيه حكومة يقدرها الحاكم باجتهاده، كما مر مثل ذلك في السمع والبصر. خامساً: ذهاب النطق، إذا جنى على لسانه فأبطل كلامه، وجبت الدية كاملة هذا إذا قال أهل الخبرة إنه لا يعود نطقه. ولو بطل بالجناية بعض الحروف وزعت الدية عليها، وسواء في ذلك ما خف على اللسان من الحروف وما ثقل. والحروف مختلفة في اللغات، فكل من تكلم بلغة فالنظر عند التوزيع إلي حروف تلك اللغة فإن تكلم بلغتين فبطل بالجناية حروف من هذه، وحروف من تلك، وجب التوزيع على أكثرهما حروفاً. هذا إذا ذهب بعض الحروف، وبقي في البقية كلام مفهوم، أما إذا لم يبق في البقية كلام مفهوم كان ذلك كذهاب جميع النطق، فيجب في ذلك الدية كاملة. وإذا جنى عليه جناية فصار يبدل حرفاً بحرف وجب قسط الحرف الذي أبطله، ولو ثقل لسانه بالجناية أ, حدث به عيب فالواجب حكومة لبقاء المنفعة. وإن كان لا يحسن بعض الحروف كالأرت والألثغ الذي لا يتكلم إلا بعشرين حرفاً مثلاً إذا ذهب بالجناية كلامه وجبت الدية كاملة. سادساً: ذهاب الصوت، فإذا جنى على شخص فأبطل صوته وبقي اللسان على اعتداله ويمكنه من التقطيع والترديد، لزمه لإبطال الصوت كمال الدية، فإن أبطل معه حركة اللسان حتى عجز عن التقطيع والترديد وجب ديتان: دية للصوت ودية للسان. سابعاً: ذهاب الذوق، فإذا أذهبه شخص بجناية وجبت الدية كاملة. والمدرك بالذوق خمسة أشياء: الحلاوة والحموضة والمرارة والملوحة والعذوبة، والدية تتوزع عليها، فإذا أبطل إدراك واحد منها، وجب فيه خمس الدية، ولو نقص الإحساس فلم يدرك الطعوم على كمالها، فالواجب حينذاك حكومة يقدرها الحاكم. ولو ضربه ضربة فزال بها ذوقه ونطقه وجب ديتان.

стр. 1452

ثامناً: زوال المضغ، فإذا زال مضغه بالجناية وجبت الدية كاملة. تاسعاً: زوال الإمناء، فإذا كسر صلبه فأبطل قوة إمنائه وجبت الدية كاملة، ولو قطع أنثييه فذهب ماؤه وجب في ذلك ديتان: إحداهما للماء والأخرى للأنثيين، لما سيأتي في الديات من أن قطع الأنثيين يوجب الدية. العاشر: إبطال قوة الإحبال، إذا أبطل في المرأة قوة الإحبال لزمه ديتها، ولو جنى على ثديها فانقطع لبنها لزمه حكومة، فإن نقص وجب حكومة تليق به، وإن لم يكن لها لبن عند الجناية، ثم ولدت ولم يدر لها لبن، وامتنع به الإرضاع وجبت حكومة إذا قال أهل الخبرة إن الانقطاع بجنايته، أو جوزوا أن يكون هو سببها. الحادي عشر: إبطال الجماع، إذا جنى جناية على صلبه فذهب جماعه وجبت الدية، لأن الجماع من المنافع المقصودة. الثاني عشر: إفضاء المرأة، وهو إزالة الحاجز بين مسلك الجماع والدبر، وقيل رفع الحاجز بين مسلك الجماع ومخرج البول. والواقع أ، كلا منهما إفضاء، وفي هذا الإفضاء كمال الدية. الثالث عشر: زوال البطش والمشي، فإذا ضرب يديه فشلتا وجبت الدية كاملة، ولو ضرب رجليه فزال المشي وجبت الدية كاملة أيضاً. ولو ضربه فبطلت منفعة أصبع وجب دية الأصبع، وهو عشر الدية كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأما إذا نقص مشيه ففي ذلك حكومة يحكم بها الحاكم بالاجتهاد. هذا ولا بد من الإشارة هنا أنه قد يجب على الجاني أكثر من دية، وذلك فيما إذا كانت الجناية على أكثر من موضع.

стр. 1453

القصاص معنى القصاص: القصاص مصدر قص يقص، من قص أثره إذا تتبع مواطئ أقدامه في المسير، والمقصود به أن يفعل بالشخص مثل ما فعل بغيره من وجوه الأذى الجسمي، سواء أكان الفعل قتلاً أو دونه من الأضرار الجسمية. شروط القصاص: يشترط في القصاص بالنفس شروط أربعة وهي: الشرط الأول: أن يكون المقتص منه مكلفاً، أي بالغاً عاقلاً، فلا قصاص على صبي ولا مجنون وإن صدر منهما ما يستوجب القصاص، لأن البلوغ والعقل أساس التكليف. والدليل على ذلك قوله ﵊: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق" (رواه أبو داود [٤٣٩٩] في الحدود، باب: في المجنون يسرق أو يصيب حداً). ولأن القصاص عقوبة مغلظة فلم يجب على الصبي والمجنون كالحدود، ولأنهم ليس لهم قصد صحيح فهم كالقاتل خطاً. والشرط أن يكون الصبا والجنون حال فعل الجناية، وعلى هذا لو قتل وهو صبي ثم بلغ فلا يقتص منه، ولو جنى وهو مجنون ثم أفاق فلا يقتص منه، أما لو جنى وهو عاقل ثم جن فإنه يقتص منه ولو أثناء جنونه. أما من قتل وهو سكران فإنه يقتص منه إذا كان متعدياً بسكره. الشرط الثاني: أن لا يكون أصلاً للمقتول بأن كان أباً أو أماً أو جداً أو جدة مهما علا الفرق بينهما، فلو قتل شخص ابنه لم يقتص من الأب القاتل. دليل ذلك:

стр. 1454

أولاً: ما رواه الترمذي [١٣٩٩] في الديات، باب: ما جاء في الرجل يقتل ابنه يقاد منه أم لا؟، عن سراقة بن مالك ﵁، قال: حضرت رسول الله ﷺ يقيد الأب من ابنه، ولا يقيد الابن من أبيه. وروي الترمذي أيضاً [١٤٠١] في الديات، في نفس الباب السابق، عن عبدالله بن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقتل الوالد بولده". وروى الترميذي [١٤٠٠] في الديات، في نفس الباب السابق عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقاد الوالد بالولد". وهذه الأحاديث الثلاثة وإن كان كل واحد منها ضعيف السند، إلا أن بعضها يشهد لبعض، فيقوي به. ولها شاهد عند البيهقي [٨/ ٣٨] بإسناد حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال الشافعي رحمه الله تعالى: (حفظت عن عدد من أهل العلم لقيتهم: أنه لا يقتل الوالد بالولد، وبذلك أقول). وثانياً: رعاية حرمة الأب، فإنه كان سبباً في وجود ابنه، فما ينبغي أن يكون الابن سبباً في إعدام أبيه. الشرط الثالث: أن يكون المقتول معصوم الدم بإسلام، أو عهد ذمة، أو أمان، أما الحربي فيهدر دمه، وكذلك المرتد، فإنه حلال الدم، قال رسول الله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" (رواه البخاري [٢٨٥٤] في الجهاد، باب: قتل النساء في الحرب). ويدل عليه أيضاً عموم قول الله ﵎: ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً﴾ (التوبة: ٣٦). فيدخل في هذا الحربي والمرتد. الشرط الرابع: التكافؤ بين القاتل والمقتول، وذلك بأن لا يكون المقتول أنقص من القاتل بكفر أو رق، فلا يقتل مسلم بكافر، سواء كان ذمياً أو معاهداً أو حربياً أو لم تبلغه دعوة الإسلام، ولا يقتل حر بعيد أيضاً سواء كان مدبراً أو مكاتباً أو قنأ أو مبعضاً. ودليل ذلك ما رواه البخاري [٦٥٠٧] في الديات، باب: العاقلة، عن علي

стр. 1455

رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ (نهى أن يقتل مسلم بكافر). ورواه الترميذي [١٤١٢] في الديات، باب: ما جاء لا يقتل مسلم بكافر، عن علي ﵁، وأبو دواد [٤٥٣١] في الديات، باب: يقاد المسلم بالكافر؟. وفي رواية لأبي داود [٤٥١٧]: " لا يقتل حر بعبد". وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ. . . ﴾ (سورة البقرة: ٧٨). فالآية تفيد أن الحر لا يقتل بالعبد. هذا والمعتبر في المكافأة المشروطة ساعة العدوان، فلا عبرة بما يطرأ بعد ذلك من تفاوت المتكافئين، أو تكافؤ المتفاوتين. شرائط القصاص بالأطراف: ما مر يتعلق في القصاص بالنفس، أما القصاص في الأطراف كاليد والرجل والأذن ونحو ذلك؛ فيشترط منه ما ذكر في قصاص النفس دون أي فرق، ويضاف إلى ما مر من الشروط الشروط التالية: الشرط الأول: اشتراك العضو الذي يراد قطعة قصاصاً، مع العضو الذي قطع عدواناً في الاسم الخاص لكل منهما، بأن تقطع اليمنى واليسرى باليسرى، والخنصر بالخنصر، فلا يجوز يسار بيمين أو عكسه، ولا يجوز إبهام بخنصر، أو أنملة بأنملة أصبع أخرى، وذلك لعدم تحقق معنى القصاص، الذي هو التساوي الدقيق في الأمر. ولا يضر تفاوت بكبر أو طول أو قوة بطش. الشرط الثاني: أن لا يكون بأحد الطرفين شلل مع صحة الطرف الآخر، فلا تقطع صحيحة بشلاء، وإن رضي بذلك الجاني، لكن يجوز قطع اليد الشلاء بصحيحة أو بما كان دونها شللاً، لأن هذه الصورة لا تضر بملاحظة المساواة التي هي أساس معنى القصاص. الشرط الثالث: أن يكون العضو الذي يراد القصاص عنه قد قطع من مفصل كمرفق وكوع، أو من حدود منضبطة كأذن، فلو لم يكن ذلك بأن كان خدشاً أو جرحاً أو قطعاً ولكن من غير مفصل وحدود معروفة؛ لم يجز القصاص فيه، لعدم إمكان التماثل الذي هو شرط أساسي في القصاص.

стр. 1456

روى ابن ماجه [٢٦٣٦] في الديات، باب ما لا قود فيه عن نمران بن جارية عن أبيه أن رجلاً ضرب على ساعده بالسيف فقطعها من غير مفصل، فاستعدي عليه النبي ﷺ ، فأمر له بالدية، قال: إني أريد القصاص، قال: "خذ الدية بارك الله لك فيها" ولم يقض له بالقصاص. ملاحظة: لا يكون القصاص سواء أكان في النفس أم الطرف إلا بالعمد، وأما شبه العمد والخطأ؛ فلا قصاص فيه، بل يثبت فيه الدية. وإن اشترك جماعة في قطع طرف من شخص قطعوا جميعاً كما في اشتراك جماعة في قتل شخص واحد. كيفية القصاص: الأصل في القصاص أن تتحقق فيه المساواة التامة للعمل العدواني، في كل من الشكل والمضمون. أما المساواة بينهما في المضمون فواجب أساسي لا بد منه، حتى إذا لم يمكن تحققها سقط القصاص. فقطع العضو قصاصه قطع عضو مثله من المكان الذي قطع، فإذا لم يتيسر تحقيق هذه المساواة سقط القصاص، اللهم إلا إذا كسر عضده وأبانه قطع من المرفق لأنه أقرب مفصل إلى الجناية، وله حكومة الباقي، وهكذا له القطع من كل مفصل هو أقرب إلى موضع الكسر وحكومة في الباقي. وأما المساواة بينهما في الشكل فحق ثابت لولي المقتول، يطالب بتحقيقها إذا شاء، وهي أن يقتص من القاتل بنفس الأداة وبنفس الطريقة اللتين مارس المعتدي بهما عدوانه على المقتول، فإن قتل بسيف فالمساواة الشكلية هي أن يقتص منه بالسيف، أو قتله برصاص أو بحرق أو بخنق؛ فمن حق ولي المقتول أن يطالب بقتل الجاني بنفس الطريقة التي مارسها، وعلى الحاكم أن يستجيب لطلبه. هذا إذا كانت الوسيلة إلى القتل مما يجوز استعماله، أما إذا كانت لا يجوز استعمالها كأن قتله بسحر أو بأي عمل محرم، فعند ذلك لا يكون القصاص إلا بالسيف.

стр. 1457

من يقوم بتنفيذ القصاص ؟ إذا نظر الحاكم في جناية الجاني؛ قتلاً كانت الجناية أو دون ذلك كالقطع ونحوه، ثم حكم عليه بالقصاص؛ فلولي المقتول أن يطلب من الحاكم تمكينه من استيفاء القصاص بنفسه، وعلى الحاكم أن يمكنه من ذلك، ليشفي ولي المقتول غليله بالقصاص. ويشترط لاستيفاء ولي المقتول القصاص بنفسه شرطان اثنان: الشرط الأول: أن يكون ذلك بإذن من الإمام، فلو بادر واقتص من الجاني دون أن يستأذن الإمام أو الحاكم أثم، وعلى الحاكم أن يعزره بالعقوبة التي يراها من حبس أو ضرب، ولكن لا يجوز له أن يقتص منه. هذا إذا كان في البلدة إمام أو حاكم، أما إذا وقعت الجناية حيث لا يوجد إمام أو حاكم، وكان بوسع ولي المقتول أن يقتص منه دون اندلاع فتنة فله ذلك. الشرط الثاني: أن يكون القصاص في قتل النفس، فأما إذا كان في الأطراف والأعضاء، فالصحيح أنه لا يجوز أن يستوفيها إلا الحاكم بنفسه، أو بنائب عنه مفوض من قبله، وعلة ذلك أنه لا يؤمن من مباشرة ولي المقتول لذلك أن يقع حيف وظلم عند الاقتصاص من الجاني، بسبب جهالته بأصول القطع وتحري المماثلة فيه. أما القتل فلا ترد فيه هذه المخاوف. تعدد أولياء المقتول: وإذا كان المقتول أولياء متعددون، وأبوا إلا أن يستوفوا القصاص بأنفسهم وجب عليهم أن يفوضوا واحدا منهم بذلك نيابة عنهم، فإن اختلفوا وجب المصير إلى القرعة، ويقوم بتنفيذ القصاص من خرجت عليه القرعة من بينهم. هذا ولا بد من البيان هنا أنه إذا كان أحد أولياء الدم غائباً ينتظر حتى يأتي، وإذا كان الجاني امرأة حاملاً انتظرها حتى تضع حملها وترضعه من لبنها حتى يستطيع الاستغناء عنها. وكذلك إذا كان في الورثة صغير ينتظر حتى يبلغ، أو كان هناك مجنون ينتظر حتى يفيق من جنونه، ويحبس القاتل حتى يبلغ الصبي ويفيق المجنون.

стр. 1458

الديات معني الدية: الدية لغة: اسم مصدر من ودى يدي، وأصلها ودية على وزن فعلة، وهو دفع الدية. قال في مختار الصحاح: والدية واحدة الديات، والهاء عوض عن الواو، ووديت القتيل أدية دية: أعطيت ديته، واتديت أخذت ديته، وإذا أمرت منه قلت دفلاناً، وللاثنين ديا، وللجماعة دوا فلاناً. والدية شرعاً: اسم للمال الواجب دفعه بسبب جناية على النفس أو ما دونها، وتكون من الإبل أصالة، أو قيمتها بدلاً. أنواع الدية: تنقسم الدية من حيث نوع العدوان إلى النوعين التاليين: أ - دية نفس، وهي التي تكون في مقابل إزهاق للنفس عدواناً. ب - دية أطراف أو أعضاء، وهي التي تكون في مقابل قطع طرف أو عضو. وتنقسم من حيث النظر إلى درجة القصد وعدمه في العدوان إلى النوعين التاليين: أ - دية مغلظة، وهي دية العمد أو شبه العمد. ب - دية مخففة، وهي دية القتل الخطأ. مقدار الدية: الدية كما قلنا إما أن تكون في مقابل العدوان على النفس، أي إزهاق الروح، وإما أن تكون في مقابل العدوان على ما دون ذلك من الأعضاء والأطراف، أو في مقابل ما دون ذلك أيضاً ممن الجروح ونحوها.

стр. 1459

دية النفس: لقد ذكرنا فيما مضى أنواع القتل وهي: العمد، وشبه العمد، والقتل الخطأ. وهذه الأنواع الثلاثة ديتها مائة من الإبل، إلا أن دفعها إلى أولياء القتيل يختلف من حيث الكيف، ولا يختلف من حيث الكم، وإليك بيان ذلك: أولاً: دية العمد: الأصل في القتل العمد القصاص، وبما أن القصاص من حق أولياء القتيل، فلهم أن يعفوا عن القصاص إلى الدية، فإن عفوا إلى الدية، وجب أن تكون الدية مقسمة على ثلاثة أنواع: ثلاثون حقة، وهي ما لها ثلاث سنوات ودخلت في الرابعة، وثلاثون جذعة، وهي ما لها أربع سنوات وطعنت في الخامسة، وأربعون خلفة، أي حوامل. فان لم يكن هناك إبل، وجب أن تدفع قيمتها بالغة ما بلغت، ويجب أن تكون في مال الجاني، وتكون معجلة غير مؤجلة. ثانياً: دية شبه التعمد: وهي مائة من إبل كما قلنا، وتقسم أثلاثاً: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، والفرق بين العمد وشبه العمد، أن الدية في العمد على الجاني، أما دية شبه العمد فهي على العاقلة. وتدفع على ثلاث سنوات، في كل سنة ثلث الدية. والعاقلة هم عصبة الجاني ما عدا الأصول والفروع. ثالثاً: دية القتل الخطأ: وهي مائة من الإبل مقسمة على خمسة أنواع: عشرون بنت مخاض، وهي ما لها سنة ودخلت في الثانية، وعشرون بنت لبون، وهي ما لها سنتان ودخلت في الثانية، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة. وهي أيضاً على العاقلة، وموزعة على ثلاث سنوات. العفو عن الدية: هذا ولا بد من البيان هنا أن الدية بما أنها حق لأولياء القتيل فلهم العفو عنها كلاً أو جزءاً، لأن الله تعالى شرعها حقاً للعبد، وتسوية للعلاقات الإنسانية أن لا يتهددها الضغائن والأحقاد، فإذا عفا صاحب الحق عن حقه؛ فذلك هو الأفضل،

стр. 1460

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (سورة البقرة: ١٧٨ - ١٧٩). وقال سبحانه: ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (سورة البقرة: ٢٣٧). دية الأعضاء والأطراف: في مقدار الدية ينظر إلى خطورة العضو المقطوع وأهميته، وهي بالنظر إلى ذلك إما أن تكون دية كاملة، أو بعضاً من الدية. فأما وجوب الدية كاملة فتثبت في قطع كلتا اليدين من مفصليهما، والرجلين، والأنف، أي قطع ما لان منه وهو المنخران والحاجز بينهما، والأنثيين، والعينين، والجفون الأربعة، واللسان، والشفتين، وقد مر بك إذهاب منافع الأعضاء وحكم ذلك. عن أبي بكر بن محمد عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن وفيه: " أن من اعتبط مؤمناً قتلاً عن بينة، فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وإن الرجل يقتل بالمرأة'، وعلى أهل الذهب ألف دينار" (سنن النسائي [٨/ ٥٧] كتاب القسامة، باب: ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول واختلاف الناقلين له، مسند الإمام أحمد [٢/ ٢١٧] عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄. وأما وجوب بعض الدية فما ذكر بعضه في الحديث الأنف الذكر، فاليد

стр. 1461

الواحدة، والرجل الواحدة، والعين الواحدة، والأذن الواحدة، والجفنان، في كل واحد كما ذكر نصف الدية خمسون من الإبل. وفي كل أصبع من أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل، كما مر. وفي كل جفن ربع الدية خمسة وعشرون من الإبل. وفي الموضحة خمس من الإبل، وفي قلع السن الواحدة الأصلية الثابتة خمس من الإبل أيضاً. وأما دية الجروح ونحوها مما لا ضابط له، كقطع عضو لا منفعة فيه، مثل اليد الزائدة ففي ذلك حكومة كما مر. معنى الحكومة: لقد مر بنا أن بعض الجنايات يترتب عليها حكومة، فما هي الحكومة؟ الحكومة: هي جزء من الدية يدفع للمجني عليه، وتقدير هذا الجزء يكون بأن يقوم المجني عليه بتقديره رقيقاً بصفاته التي هو عليها، ويقوم بعد الاندمال مع الجناية، فما نقص ممن ذلك وجب بقسطه من الدية، لأن الجملة مضمونة بجميع الدية، فتضمن الأجزاء بالأجزاء. فلو كانت قيمته قبل الجناية مائة، فيقال: كم قيمته بعد الجناية؟ فإذا قيل تسعون، فالتفاوت العشر، فيجب عشر دية النفس، وهو عشر من الإبل، إذا كان المجني عليه بلغت نقص القاضي منها شيئاً، وإن لم يكن مقدراً اشترط أن لا يبلغ بها مبلغ دية النفس. وإنما سمي ذلك حكومة لاستقرارها بحكم الحاكم دون غيره، حتى لو اجتهد غيره بذلك لم يكن له أثر. دية المرأة: إن دية المرأة في كل ما ذكر على النصف من دية الرجل، سواء أكان ذلك في دية النفس أم كان ذلك في دية الأعضاء والأطراف، أم كان في الجروح والمنافع. دليل ذلك: حديث البيهقي [٨/ ٩٥] في الديات، باب ما جاء في دية المرأة: "دية المرأة نصف دية الرجل". وعن ابن شهاب وعن مكحول وعطاء قالوا: (أدركنا الناس على أن دية

стр. 1462

المسلم الحر على عهد رسول الله ﷺ مائة من الإبل، فقوم عمر بن الخطاب تلك الدية على أهل القرى ألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم، ودية الحرة المسلمة إذا كانت من أهل القرى خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم، فإذا كان الذي أصابها من الأعراب فديتها خمسون من الإبل، لا يكلف الأعرابي الذهب ولا الورق) (سنن البيهقي [٨/ ٩٥] كتاب الديات، باب: ما جاء في دية المرأة، عن معاذ بن جبل ﵁. والحكمة في كون دية المرأة نصف دية الرجل، أن الدية منفعة مالية، والشرع قد اعتبر المنافع المالية بالنسبة للمرأة على النصف من الرجل، كالميراث مثلاً، وهذا عدل يتلاءم مع واقع كل من الرجل والمرأة وطبيعتهما. دية الجنين: الجنين هو الحمل الذي في بطن الأم قبل الولادة، إذا بدأ بمرحلة التصور والتخلق، فإن جنى الجاني على جنين حر مسلم سواء أكان ذكراً أو أنثى، بأن ضرب بطن الأم فانفصل الجنين ميتاً بسبب الجناية على أمه، وجب على الجاني غرة، وهي عبد أو أمة، أو نصف عشر الدية، وهي خمس من الإبل، فإن لم يجد الإبل وجب دفع قيمتها، وقيل يدفع خمسين ديناراً. ودليل وجوب دية الجنين ما رواه الشيخان أنه ﷺ قضى في الجنين بغرة. (رواه البخاري [٦٥١١] في الديات، باب: جنين المرأة؛ ورواه مسلم [١٦٨١] في القسامة، باب: دية الجنين). [والغرة: عبد أو أمة تساوي قيمته نصف عشر الدية، وهو خمس من الإبل]. وفي البخاري أن أبا هريرة ﵁ قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر قتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى دية المرأة على عاقلتها. (رواه البخاري [٦٥١١] في الديات، باب: جنين المرأة). وفي البخاري أيضاً [٦٥٠٩] في الديات، باب: جنين المرأة، عن المغيرة بن شعبة عن ﵁: أنه استشارهم في إملاص المرأة فقال المغيرة: قضي النبي ﷺ بالغرة عبد أو أمة، قال: ائت من يشهد معك، فشهد محمد بن مسلمة أن النبي ﷺ قضى به.

стр. 1463

وعن أبي هريرة ﵁ قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى رسول الله ﷺ أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم. فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يطل، فقال رسول الله ﷺ : "إنما هذا من إخوان الكهان" من أجل سجعه الذي سجع. (أخرجه البخاري [٥٤٢٦] في الطب، باب: الكهانة؛ ومسلم [١٦٨١] في القسام، باب: دية الجنين). وقد مر بك أن عمر ﵁ قوم الدية بألف دينار، فيكون نصف عشر الدية مساوياً لخمسين ديناراً. ومثل الضرب التخويف والإرعاب، فقد ورد أن عمر بن الخطاب استدعى امرأة فخافت، وكانت حاملاً فأسقطت منم الخوف، فاستشار الصحابة في ذلك، فأفتاه بعضهم بأنه لا يجب عليه شيء وقال له: أنت مؤدب، ولكن علي بن أبي طالب أفتاه بوجوب الدية فعمل عمر برأي علي ﵄. وإذا فعلت الأم بنفسها ما سبب موت الجنين، بأن تناولت بعض الأدوية المسقطة للجنين من غير ضرورة وجب عليها نصف عشر الدية تدفعه لورثته، ولا تشترك معهم فيه لأنها قاتلة والقاتل لا يرث. وكذلك الطبيب الذي يسقط الجنين من غير ضرورة. هذا ولا بد من البيان أنه يجب إلى جانب الدية الكفارة كما سيأتي. شروط وجوب دية الجنين: يشترط لوجوب الدية في الجنين شروط هي: أولاً: أن تكون الجناية مما يؤثر في الجنين كضرب وإيجار دواء ونحوهما، ولا أثر للطمة خفيفة ونحوها. ثانياً: الانفصال، فلو ماتت الأم ولم ينفصل جنين على الضارب شيء من دية الجنين. ويعد الانفصال بانفصال جزء منه لتحقق وجوده. ثالثاً: كون المنفصل ميتاً، فلو انفصل حياً نظر، فإن بقي سالماً زماناً غير

стр. 1464

متألم ثم مات فلا ضمان على الضارب، لأن الظاهر أنه مات بسبب آخر، وإن مات عند خروجه أو بقي متألماً حتى مات؛ وجبت فيه دية كاملة لأنا تيقنا حياته، فأشبه سائر الأحياء، وسواء استهل أو وجد ما يدل على حياته كتنفس وامتصاص ثدي وحركة قوية. ولو انفصل ميتاً بعد موت الأم من الضرب وجبت دية الجنين. دية الكتابي: الكتابي هو اليهودي والنصراني، فإذا كان الكتابي معصوم الدم بذمة أو عهد أو أمان فقتل فديته ثلث دية المسلم في النفس فما دونها. ودليل ذلك ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه ﷺ " فرض على كل مسلم قتل رجلاً من أهل الكتاب أربعة آلاف درهم" وقد كانت مقدرة إذ ذاك بثلث كامل دية المسلم. وقد روي ذلك عن عمر وعثمان. وروى الشافعي في الأم [٦/ ٩٢] قال: قضى عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ في دية اليهودي والنصراني بثلث دية المسلم، وانظر: سنن أبي داود [٤٥٤٢]. ومما يجب أن يعلم أن العدوان على الذمي حرام، وهو معصية كبيرة، روي الترمذي [١٤٠٣] في الديات، باب: ما جاء فيمن يقتل نفساً معاهدة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ألا من قتل نفساً معاهدة له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً". [أخفر ذمة الله: نقض عهده، وغدر به]. دية المجوسي: ودية المجوسي وكذلك الوثني المستأمن ثلثا عشر دية المسلم وهي تساوي ١/ ١٥ من دية المسلم، وهي تساوي أيضاً ثمانمائة درهم من اثني عشر ألف درهم، وذلك لما روي عن عمر أنه قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة درهم.

стр. 1465

قال الشافعي في الأم [٦/ ٩٢] وقضى عمر في دية المجوسي بثمانمائة درهم. وذلك ثلثا عشر دية المسلم، لأنه كان يقول: تقوم الدية اثني عشر ألف درهم. وروي مثل ذلك عن عثمان وابن مسعود، وانتشر ذلك في الصحابة، فكان إجماعاً. (تكملة المجموع: [١٧/ ٣٧٥]. بم يثبت موجب القصاص ؟ إنما يثبت موجب القصاص بأحد أمرين: الأول: الإقرار فإذا أقر الشخص بما يوجب قصاصاً ثبت القصاص في حقه، سواء أكان موجب القصاص قتلاً أو جرحاً. الثاني: البينة، وذلك يكون بشهادة عدلين ذكرين، ولا يكتفي في ذلك بشهادة رجل وامرأتين. بم يثبت موجب المال ؟ يثبت موجب المال بأمور: أحدها: الإقرار فإن أقر بقتل شبه عمد أو خطأ أو جرح لا قصاص فيه ثبت ذلك في حقه. الثاني: شهادة عدلين ذكرين كما سبق. الثالث: شهادة رجل وامرأتين، لأن النساء تقبل شهادتهن في الأموال ويكون شهادة امرأتين تقوم مقام شهادة عدل واحد. الرابع: شهادة رجل ويمين المدعي، وذلك لأن الرسول علية الصلاة والسلام قضي بيمين وشاهد. (رواه مسلم [١٧١٢] في الأقضية، باب: القضاء باليمين والشاهد، عن ابن عباس ﵄. الخامس: علم القاضي فإذا علم القاضي بذلك جاز حكمه وثبت على المدعي عليه ما يستحق من المال.

стр. 1466

أحكام القسامة معنى القسامة: بفتح القاف: اسم للأيمان التي تقسم على أولياء الدم، مأخوذة من القسم وهو اليمين، وقيل تطلق على الأولياء أنفسهم. والمقصود بها هنا خمسون يميناً يقسمها ولي المقتول عندما يتهم شخصاً بقتله، مع وجود قرينة ما تقرب احتمال صدقه، أو يقسمها المدعي عليه عندما لا يكون ثمة قرينة لاتهامه. وقد كانت القسامة معروفة في الجاهلية، وأول من قضى بها الوليد بن المغيرة، ثم جاء الإسلام فأقرها بقيود وضوابط وشروط نبينها فيما يلي: دليل تشريع القسامة: القسامة واردة على خلاف الأصل، إذ الأصل أن تكون البينة على المدعي واليمين على من أنكر، كما جاء في الحديث "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه". روى البخاري [٤٢٧٧] في التفسير، باب: اليمين على المدعي عليه، عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه". وروى مسلم [١٣٨] في الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، عن الأشعث بن قيس ﵁، قال: كان بيني وبين رجل أرض باليمن، فخاصمته إلى النبي ﷺ ، فقال: "هل لك بين'"؟ فقلت: لا. قال: "فيمينه"، وفي رواية: "شاهداك أو يمينه".

стр. 1467

والدليل الذي اقتضي التخصيص ما رواه البخاري ومسلم عن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة أنهما حدثا أن عبدالله بن سهل ومحيصة بن مسعود أتيا خيبر فتفرقا في النخل، فقتل عبدالله بن سهل، فجاء عبدالرحمن بن سهل وخويصة ومحيصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ فتكلموا في أمر صاحبهم، فبدأ عبدالرحمن وكان أصغر القوم، فقال له النبي ﷺ : " كبر الكبر" قال يحيى: يعني ليل الكلام الأكبر، فتكلموا في أمر صاحبهم، فقال النبي ﷺ : "أتستحقون قتيلكم أو قال صاحبكم بأيمان خمسين منهم؟ " قالوا: يا رسول الله قوم كفار، ففداهم رسول الله ﷺ من قبله، قال سهل: فأدركت ناقة من تلك الإبل فدخلت مربدا لهم فركضتني برجلها. (رواه البخاري [٥٧٩١] في الأدب، باب إكرام الكبير؛ ومسلم [١٦٦٩] في القسامة، باب: القسامة). ولهذا الحديث روايات أخرى وألفاظ أخري ولكنها كلها تتفق على غرض واحد. فكان هذا الحديث مخصصاً لعموم قوله ﵊: "البينة على المدعي. . " فقد أجاز النبي ﷺ في دعوى الدم الاعتماد على أيمان المدعي، إن لم يكن معه بينة، وكان ثمة لوث يقوي دليل الاتهام. كيفية القسامة: يثبت حكم القسامة في ظل الأمور التالية: أولا: أن يوجد قتيل في مكان، ولم يتيسر معرفة قاتله بيقين. ثانياً: أن يدعي أولياؤه أن رجلاً معيناً أو جماعة معينة قتلوه، وليس مع أوليائه بينة تثبت صحة دعواهم. ثالثاً: أن يكون هناك لوث (أي قرينة) يقرب احتمال الصدق في دعوى أولياء المقتول، كأن وجد قتيلاً بين أعدائه وليس فيهم غيرهم، أو وجد على ثوب المتهم رشاش دم، أو عثر في يده على سكين ملوثة بالدم، أو اجتمع قوم في بيت أو صحراء وتفرقوا عن قتيل، أو شهد عدل واحد أن فلاناً قتله، أو قاله جماعة من

стр. 1468

العبيد والنسوان جاؤوا متفرقين بحيث يؤمن تواطؤهم على الكذب أو نحو ذلك من أمارات وعلامات يغلب على القلب صدق المدعي بما ادعاه. فعندئذ يستغني عن البينة التي يطالب بها المدعي، بأن يحلف خمسين يميناً أن هذا هو القاتل، أو هؤلاء هم القتلة لفلان، يسمي كلاً باسمه أو يشير إليه باسم الإشارة. فإذا حلف المدعي ـ وهو ولي المقتول ـ هذه الأيمان استحق الدية من المدعى عليه، وكانت هذه الأيمان بمثابة البينة. وإذا كان للقتيل أولياء متعددون يرثون منه، واتهموا شخصاً أو جماعة بالقتل ووجد لوث يؤيدهم في اتهامهم؛ اشتركوا جميعاً في الحلف ووزعت الأيمان بينهم على حسب ميراثهم من المقتول، لأن ما يثبت بأيمانهم من الدية يوزع عليهم، فوجب على كل منهم من الأيمان بقدر نسبة ما يرثه من المقتول. فأما إن اتهم ولي المقتول شخصاً أو جماعة، ولم يكن هناك لوث يرجح صدق المدعي في اتهامه؛ فاليمين تحول إلى المدعى عليه ـ أي المتهم ـ عملاً بالفقرة الثانية من قاعدة "البينة على المدعى واليمين على من أنكر". فيحلف المدعى عليه خمسين يميناً أنه لم يقتل فلاناً، ويسميه باسمه أو يشير إليه معبراً عنه باسم الإشارة. فإن حلف الأيمان برئت ساحته، وإن لم يحلف أعيدت الأيمان إلى المدعى فحلفها بدلاً عنه، واستحق بذلك الدية. وعلى المدعى وهو يحلف أن يبين نوع القتل هل كان خطأ أو عمداً أو شبه عمد، فإن لم يبين ذلك لم يعتد بأيمانه. ولا يثبت بالقسامة القصاص، لقيام نوع من الشبهة فيها، بل تثبت بها الدية، فإن كان القتل عمداً استحقها المدعي في مال المدعى عليه، وإن كان القتل خطاً أو شبه عمد استحقها المدعى على عاقلة المدعى عليه.

стр. 1469

كفارة القتل حكمها ودليله: يجب على قاتل النفس المحرمة ولو جنيناً، كفارة لحق الله ، سواء أكان القاتل عمداً أو خطأ أو شبه عمد، وسواء عفي عن الدية المستحقة عليه أم لا، وسواء كان القاتل صبياً أو مجنوناً أو راشداً. دليل وجوبها قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (سورة النساء: ٩٢). ولخبر أبي داود [٣٩٦٤] في العتق، باب: في ثواب العتق، وصححه الحاكم وغيره عن واثلة بن الأسقع قال: أتينا النبي ﷺ في صاحب لنا قد استوجب النار بالقتل، فقال: "أعتقوا عنه رقبة يعتق الله بكل عضو منها عضو منها عضواً من النار". فدل هذا الحديث على أن الكفارة تجب في القتل العمد، لأنه لا يستوجب القاتل النار إلا إذا كان عامداً، أخذاً من قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ (سورة النساء: ٩٣). وإذا دلت الآية السابقة على وجوب الكفارة على قاتل الخطأ فمن الأولى أن تجب على قاتل العمد وشبهه، لأن الكفارة للجبر وهؤلاء أحوج إليها.

стр. 1470

كيفية كفارة القتل: يجب على القاتل عتق رقبة مؤمنة تفضل عن كفايته من تلزمه نفقته كما نصت الآية الآنفة الذكر، ويشترط في هذه الرقبة أن تكون سليمة من العيوب، كما في كفارة الظهار. فإن لم يتمكن من عتق رقبة لفقره أو لعدم وجود رقيق وجب عليه أن يصوم شهرين متتابعين، أخذاً من الآية السابقة: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ﴾. فإن عجز عن صيام شهرين لمرض، بقيت الكفارة متعلقة بذمته حتى وجود القدرة على واحد مما سبق، ولا ينتقل عند العجز إلى الإطعام، كما ينتقل في كفارة الإفطار بالجماع في نهار رمضان، وكما ينتقل أيضاً في كفارة الظهار، لأن ذلك قياس، والقياس غير جائز في الكفارات. ملاحظة: لا تجب الكفارة على قاتل الباغي والصائل، لأنها لا يضمنان فأشبها الحربي والمرتد والزاني المحصن، وكذلك لا تجب على قتل من يقتص منه لأنه مباح الدم بالنسبة إليه.

стр. 1471

الحدود تمهيد: لقد كرم الله الإنسان، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (سورة الإسراء: ٧٠). ومن مظاهر هذا التكريم أنه أقامه خليفة في إعمار هذه الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: ٣٠). وقال جل وعز: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ (سورة الأنعام: ١٦٥). ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ (سورة هود: ٦١). هذا الاستخلاف لا يتحقق ولا يتم إلا بتأمين المصالح لبني الإنسان ودرء المفاسد عنهم، ولا يكون هذا إلا بالمحافظة على الضروريات الخمس التي هي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، التي هي ضرورية لبقاء هذا النوع الإنساني على ظهر الأرض، وقيامه بالمهمة التي وكلها الله إليه. والدين الإسلامي جاء للمحافظة على هذه الضروريات الخمس ولدرء المفاسد عنها، ومن هنا قالوا: الإسلام جاء لجلب المصالح ودرء المفاسد، فشرع لذلك التشريعات، ومن هذه التشريعات الحدود والتعزيرات أقامها لكل من تسول

стр. 1472

له نفسه الاعتداء على هذه الضروريات الخمس. وإليك بيان هذه الحدود والتعزيرات، وبيان حرص الإسلام على إقامتها كي يحقق لبني الإنسان السعادة المنشودة. أقسام العقوبات: تنقسم العقوبات إلى قسمين: حدود وتعزيرات. تعريف الحد: الحد عقوبة مقدرة من قبل الشارع، فلا يجوز الزيادة عليها باسم الحد ولا النقصان منها. تعريف التعزير: التعزير عقوبة غير محددة من قبل الشارع، بل هي متروكة لرأي الحاكم، وسنتحدث عن التعزير إن شاء الله عقيب الانتهاء من الحديث عن الحدود. الحدود المفروضة: العقوبات المقدرة التي هي الحدود ستة وهي: حد الزنى ـ حد القذف ـ حد السرقة ـ حد شرب المسكر ـ حد الحرابة ـ حد الردة.

стр. 1473

حد الزنى أنواع الزنى: الزاني إما أن يكون مدفوعاً إلى الفاحشة، بشبهة مسوغ شرعي، أو مدفوعاً إليها بمحض رعونة ورغبة، وكل منهما إما أن يكون محصناً أو غير محصن، فالأنواع إذا أربعة. أما المدفوع إلى الزنى بشبهة مسوغ شرعي، كأن ظنها زوجته فتبين أنها أجنبية، أو توهم أ، ها خلية أو غير محرم له فعقد نكاحه عليها، فتبين فيما بعد أنها ليست خلية، بل هي على عصمة زوج، أو تبين أنها أخته في الرضاع. فحكم الزنى في هذه الحال أن لا يستلزم إثماً لصاحب الشبهة ولا يستوجب حداً، سواء أكان الفاعل محصناً أو غير محصن، لمكان الشبه في ذلك، إلا أنه يترتب على فعله آثار وأحكام قضائية تذكر في مكان آخر إن شاء الله تعالى. وهناك صور للشبهة تستلزم الإثم ولكنها لا تستوجب الحد. وأما المدفوع إلى الفاحشة برغبة لا شبهة فيها، فينظر في وضعه، وهو أنه أما أن يكون محصناً أو غير محصن. فأما المحصن فهو من توافرت فيه الصفات التالية: ١ - أن يكون مكلفاً، أي بالغاً عاقلاً، فلا تنطبق صفة الإحصان على الصبي ولو كان مميزاً، ولا على المجنون جنوناً مطبقاً، وأما إن كان جنونه متقطعاً، وفعل ذلك في حال الصحو فيدخل في نطاق التكليف.

стр. 1474

٢ - أن يكون حراً، وأما العبد فينصف في حقه الجلد، كما سيأتي سواء أكان محصناً أم غير محصن. ٣ - وجود الوطء منه في نكاح صحيح، سواء أكان له زوجة عند الزنى أم لم يكن. أما لو مارس الوطء بشكل غير مشروع فلا يعد محصناً. فإذا وجدت فيه هذه الصفات الثلاث طبق عليه حكم الزاني المحصن. وهذه الصفات تنطبق على الإناث كما تنطبق على الذكور. وأما غير المحصن، فهو من لم تتكامل فيه هذه الصفات، بأن كان غير مكلف، أو لم يمارس الجماع بطريقه المشروع بناءً على عقد صحيح، كما مر ذلك آنفاً. حكم كل من هذه الأنواع: لقد مر بك آنفاً أن الزنى الذي يتم بسبب شبهة مسوغ شرعي، لا يستوجب الحد، وقد لا يستلزم الإثم أيضاً، سواء كان الزاني محصناً أم غير محصن. أمام من لم يكن فعله مستنداً إلى شبهة، فهو يستلزم الإثم ويستوجب الحد، ويختلف الحد على حسب صفة الزاني بالنظر إلى وجود الإحصان وعدمه، ويكون الحد على ما يلي: حد الزاني المحصن: إذا ثبتت صفة الإحصان بالنسبة للزاني، طبق في حقه حد الزاني المحصن، وهو: الرجم بالحجارة حتى الموت. ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ قولاً وفعلاً، كما ثبت أن هذا الحكم كان متلواً في القرآن ثم نسخت تلاوته. روى الشيخان عن عمر ﵁ أنه خطب فقال: (إن الله بعث محمداً بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل الله عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف) (رواه البخاري [٦٤٤٢] في المحاربين، باب:

стр. 1475

رجم الحبلى في الزنى إذا أحصنت؛ ومسلم [١٦٩١] في الحدود، باب: رجم الثيب في الزنى). والآية التي نسخت تلاوتها هي: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم". وروى البخاري [٦٤٣٠] في المحاربين، باب: لا يرجم المجنون. والمجنونة؛ ومسلم [١٦٩١] في الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنى، عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فقال: "أبك جنون"؟ قال: لا، قال: "فهل أحصنت"؟ قال: نعم، فقال النبي صلي الله عليه وآله وسلم: "اذهبوا به فارجموه". وفي مسلم [١٦٩٦] في الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنى، عن عمران بن حصين ﵄: أن امرأة من جهينة أتت النبي ﷺ وهي حبلى من الزنى، فقالت: يانبي الله أصبت حداً فأقمه علي، فدعا رسول الله ﷺ وليها فقال: "أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها"، ففعل فأمر بها فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها، فقال عمر: أتصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟! فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لو سعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله؟ ". حد الزاني غير المحصن: إذا زنى شخص وهو غير محصن بالمعنى الذي سبق ذكره أقيم عليه الحد، وحد غير المحصن مائة جلدة وتغريب عام. أما جلده مائة جلدة فقد ثبت بالقرآن الكريم، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة النور: ٢). وكذلك ثبتت بحديث رسول الله ﷺ الآتي ذكره.
следующие страницы →