← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6369

الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 678 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الحدود تمهيد: لقد كرم الله الإنسان، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (سورة الإسراء: ٧٠). ومن مظاهر هذا التكريم أنه أقامه خليفة في إعمار هذه الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: ٣٠). وقال جل وعز: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ (سورة الأنعام: ١٦٥). ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ (سورة هود: ٦١). هذا الاستخلاف لا يتحقق ولا يتم إلا بتأمين المصالح لبني الإنسان ودرء المفاسد عنهم، ولا يكون هذا إلا بالمحافظة على الضروريات الخمس التي هي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، التي هي ضرورية لبقاء هذا النوع الإنساني على ظهر الأرض، وقيامه بالمهمة التي وكلها الله إليه. والدين الإسلامي جاء للمحافظة على هذه الضروريات الخمس ولدرء المفاسد عنها، ومن هنا قالوا: الإسلام جاء لجلب المصالح ودرء المفاسد، فشرع لذلك التشريعات، ومن هذه التشريعات الحدود والتعزيرات أقامها لكل من تسول

стр. 1472

له نفسه الاعتداء على هذه الضروريات الخمس. وإليك بيان هذه الحدود والتعزيرات، وبيان حرص الإسلام على إقامتها كي يحقق لبني الإنسان السعادة المنشودة. أقسام العقوبات: تنقسم العقوبات إلى قسمين: حدود وتعزيرات. تعريف الحد: الحد عقوبة مقدرة من قبل الشارع، فلا يجوز الزيادة عليها باسم الحد ولا النقصان منها. تعريف التعزير: التعزير عقوبة غير محددة من قبل الشارع، بل هي متروكة لرأي الحاكم، وسنتحدث عن التعزير إن شاء الله عقيب الانتهاء من الحديث عن الحدود. الحدود المفروضة: العقوبات المقدرة التي هي الحدود ستة وهي: حد الزنى ـ حد القذف ـ حد السرقة ـ حد شرب المسكر ـ حد الحرابة ـ حد الردة.

стр. 1473

حد الزنى أنواع الزنى: الزاني إما أن يكون مدفوعاً إلى الفاحشة، بشبهة مسوغ شرعي، أو مدفوعاً إليها بمحض رعونة ورغبة، وكل منهما إما أن يكون محصناً أو غير محصن، فالأنواع إذا أربعة. أما المدفوع إلى الزنى بشبهة مسوغ شرعي، كأن ظنها زوجته فتبين أنها أجنبية، أو توهم أ، ها خلية أو غير محرم له فعقد نكاحه عليها، فتبين فيما بعد أنها ليست خلية، بل هي على عصمة زوج، أو تبين أنها أخته في الرضاع. فحكم الزنى في هذه الحال أن لا يستلزم إثماً لصاحب الشبهة ولا يستوجب حداً، سواء أكان الفاعل محصناً أو غير محصن، لمكان الشبه في ذلك، إلا أنه يترتب على فعله آثار وأحكام قضائية تذكر في مكان آخر إن شاء الله تعالى. وهناك صور للشبهة تستلزم الإثم ولكنها لا تستوجب الحد. وأما المدفوع إلى الفاحشة برغبة لا شبهة فيها، فينظر في وضعه، وهو أنه أما أن يكون محصناً أو غير محصن. فأما المحصن فهو من توافرت فيه الصفات التالية: ١ - أن يكون مكلفاً، أي بالغاً عاقلاً، فلا تنطبق صفة الإحصان على الصبي ولو كان مميزاً، ولا على المجنون جنوناً مطبقاً، وأما إن كان جنونه متقطعاً، وفعل ذلك في حال الصحو فيدخل في نطاق التكليف.

стр. 1474

٢ - أن يكون حراً، وأما العبد فينصف في حقه الجلد، كما سيأتي سواء أكان محصناً أم غير محصن. ٣ - وجود الوطء منه في نكاح صحيح، سواء أكان له زوجة عند الزنى أم لم يكن. أما لو مارس الوطء بشكل غير مشروع فلا يعد محصناً. فإذا وجدت فيه هذه الصفات الثلاث طبق عليه حكم الزاني المحصن. وهذه الصفات تنطبق على الإناث كما تنطبق على الذكور. وأما غير المحصن، فهو من لم تتكامل فيه هذه الصفات، بأن كان غير مكلف، أو لم يمارس الجماع بطريقه المشروع بناءً على عقد صحيح، كما مر ذلك آنفاً. حكم كل من هذه الأنواع: لقد مر بك آنفاً أن الزنى الذي يتم بسبب شبهة مسوغ شرعي، لا يستوجب الحد، وقد لا يستلزم الإثم أيضاً، سواء كان الزاني محصناً أم غير محصن. أمام من لم يكن فعله مستنداً إلى شبهة، فهو يستلزم الإثم ويستوجب الحد، ويختلف الحد على حسب صفة الزاني بالنظر إلى وجود الإحصان وعدمه، ويكون الحد على ما يلي: حد الزاني المحصن: إذا ثبتت صفة الإحصان بالنسبة للزاني، طبق في حقه حد الزاني المحصن، وهو: الرجم بالحجارة حتى الموت. ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ قولاً وفعلاً، كما ثبت أن هذا الحكم كان متلواً في القرآن ثم نسخت تلاوته. روى الشيخان عن عمر ﵁ أنه خطب فقال: (إن الله بعث محمداً بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل الله عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف) (رواه البخاري [٦٤٤٢] في المحاربين، باب:

стр. 1475

رجم الحبلى في الزنى إذا أحصنت؛ ومسلم [١٦٩١] في الحدود، باب: رجم الثيب في الزنى). والآية التي نسخت تلاوتها هي: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم". وروى البخاري [٦٤٣٠] في المحاربين، باب: لا يرجم المجنون. والمجنونة؛ ومسلم [١٦٩١] في الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنى، عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فقال: "أبك جنون"؟ قال: لا، قال: "فهل أحصنت"؟ قال: نعم، فقال النبي صلي الله عليه وآله وسلم: "اذهبوا به فارجموه". وفي مسلم [١٦٩٦] في الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنى، عن عمران بن حصين ﵄: أن امرأة من جهينة أتت النبي ﷺ وهي حبلى من الزنى، فقالت: يانبي الله أصبت حداً فأقمه علي، فدعا رسول الله ﷺ وليها فقال: "أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها"، ففعل فأمر بها فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها، فقال عمر: أتصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟! فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لو سعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله؟ ". حد الزاني غير المحصن: إذا زنى شخص وهو غير محصن بالمعنى الذي سبق ذكره أقيم عليه الحد، وحد غير المحصن مائة جلدة وتغريب عام. أما جلده مائة جلدة فقد ثبت بالقرآن الكريم، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة النور: ٢). وكذلك ثبتت بحديث رسول الله ﷺ الآتي ذكره.

стр. 1476

وأما تغريب العام فقد ثبت في أحاديث رسول الله ﷺ الثابتة الصحيحة. روي مسلم [١٦٩٠] في الحدود باب: حد الزني؛ عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " خذوا عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". وروى البخاري [٦٤٦٧] في المحاربين، باب: هل يأمر الإمام رجلاً فيضرب الحد غائباً عنه؛ ومسلم [١٦٩٧] في الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنى، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄: أن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الآخر ـ وهو أفقه منه ـ: نعم فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي، فقال: "قل". قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن علي ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها". وقد غرب عمر ﵁ إلى الشام، وغرب عثمان ﵁ إلى مصر، وغرب علي ﵁ إلى البصرة، ولم ينكر عليهم أحد فكان ذلك إجماعاً. وروى الترمذي [١٤٣٨] في الحدود، باب: ما جاء في النفي، عن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب". والتغريب يكون بحكم القاضي، فلو تغرب بنفسه عاماً كاملاً لم يكف، ولو كان التغريب إلى ما دون مسافة القصر لم يكف أيضاً. ويستوي كل من الرجل والمرأة في وجوب التغريب، غير أنه يشترط في تغريب المرأة أن يكون معها محرم، فلو لم يوجد المحرم لم يجز تغريبها، لأن المرأة لا يجوز أن تسافر إلا ومعها ذو محرم.

стр. 1477

شروط إقامة الحد: لا بد لإقامة الحد على المحصن وغيره، من توافر الشروط التالية: الشرط الأول: التكليف، وهو أن يكون الزاني بالغاً عاقلاً، فلا يحد غير المكلف من صبي وفاقد العقل، أما السكران فإن كان متعمداً في سكره جرى عليه حكم التكليف، وطبق في حقه الحد إذا توافرت فيه الشروط الأخرى، وأما إذا كان غير معتمد بسكره، كأن شرب مسكراً يظنه ماء فسكر، فهذا يعد الآن غير مكلف. الشرط الثاني: عدم الإكراه، فلو أكره أو أكرهت على الزنى، بأن هدد أو هددت بالقتل، فقام بهذا الأمر؛ لم يقم عليه حد، لما جاء في الحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". رواه ابن ماجه [٢٠٤٥] في الطلاق باب: طلاق المكره والناسي عن ابن عباس. الشرط الثالث: خلو الزنى عن شبهة مسوغ شرعي، فلا حد على الزنى الذي وقع في ظروف شبهة. مثاله: أن يجد على فراشه امرأة فيظنها زوجته، فيطأها ثم يتبين أنها أجنبية، أو أن يعقد نكاحه على فتاة بلا شهود ثم يجامعها؛ إذ يوجد من العلماء من لم يشترط الشهود في النكاح، وهذا مثل للشبهة التي تستلزم إثماً، ولكنها لا تستوجب حداً، أما الإثم فلا تباعه القول الشاذ الذي لا سند له، بل الدليل قائم على اشتراط الشهود في العقد، إذ يقول ﵊: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (رواه ابن حبان [١٢٤٧]). وأما الشبهة فترجيحاً لجانب المعذرة للجاني، وعملاً بقوله ﵊: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم" (رواه الترمذي [١٤٢٤] في الحدود، باب: ما جاء في درء الحدود، عن عائشة ﵂. الشرط الرابع: ثبوت الزنى إما بإقراره أو بقيام بينة. أما الإقرار فينبغي أن يقر الزاني بعمله بعبارة واضحة جازمة لا تقبل احتمالاً، ويكفي عند ذلك إقرار واحد، ولا يشترط تكرار الإقرار، فإن رجع عن الإقرار سقط عنه الحد، وبطل إقراره.

стр. 1478

دليل ذلك أن النبي ﷺ رجم ماعزاً والغامدية بإقرارهما. (أخرجه مسلم [١٦٩٥] في الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنى). ودليل صحة الرجوع عن الإقرار، وسقوط الحد بالرجوع عنه أنه ﷺ عرض لماعز بالرجوع عن الإقرار. روى البخاري [٦٤٣٨] في المحاربين، باب: هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت، عن ابن عباس ﵄ قال: لما أتى ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ قال له: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت"، قال: لا يا رسول الله. فلو لم يسقط الحد بالرجوع عن الإقرار؛ لما كان لهذا القول أي معنى. وأما البينة فهي شهادة أربعة رجال عدول على الزنى، بتعبير صريح غير قابل للاحتمال، مع تعيين المكان الذي جرى فيه، واتفاقهم جميعاً عليه، فلو لم يذكروا المكان، أو اختلفوا في تعيينه لم تثبت البينة ويقام الحد على هؤلاء الشهود، حد القذف الذي يأتي الحديث عنه. والدليل على اشتراط شهود أربعة قوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ﴾ (سورة النساء: ١٥)، وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (سورة النور: ١٣). حد الأمة والرقيق: إذ زنت الأمة أو العبد وثبت ذلك في حقهما أقيم عليهما الحد، وحد الأمة والعبد خمسون جلدة وتغريب نصف عام، سواء كانا محصنين أم غير محصنين، وذلك لقوله تعالى في حق الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (سورة النساء: ٢٥) وقيس العبد على الأمة في ذلك بجامع الرق فيهما. حكم ما يتبع الزنى اللواط ونحوه: اللواط هو الإتيان في الدبر، سواء أكان المأتي ذكراً أم أنثى، والصحيح من المذهب أن حكمه حكم الزنى، بالنسبة إلى الفاعل، فإن قامت البينة أو أقر، فإن

стр. 1479

كان محصناً رجم حتى الموت، وإن كان غير محصن جلد مائة جلدة، وغرب عن بلده عاماً كاملاً. ودليل ذلك العموم في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾. مع قوله سبحانه في عمل لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأعراف: ٨٠). وقد ورد في الحديث تسمية من يفعل ذلك زانياً. فقد روى البيهقي [٨/ ٢٣٣] في الحدود، باب ما جاء في حد اللوطي عن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: "إذا أتى الرجل فهما زانيان". أما المفعول به غير الزوجة فيجلد ويغرب كالبكر وإن كان محصناً، سواء أكان ذكراً أم أنثى، لأن المحل لا يتصور فيه إحصان. وقيل ترجم المرأة المحصنة. وفي قول للشافعي أن من يفعل ذلك يقتل، أخذاً من الحديث الذي رواه أصحاب السنن عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (أخرجه الترمذي [١٤٥٦] في الحدود، باب: في حد اللواط؛ وأبو داود [٢٥٦١] في الحدود، باب: من عمل عمل قوم لوط). وهناك رأي لغير الشافعية أنه يحرق بالنار لما أخرجه البيهقي "أنه اجتمع رأي أصحاب رسول الله ﷺ على تحريق الفاعل والمفعول به" (سنن البيهقي [٨/ ٢٣٣] كتاب الحدود، باب: ما جاء في حد اللوطي). وقال الحافظ المنذري: حرق اللوطية بالنار أربعة من الخلفاء: أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، وهشام بن عبد الملك (الترغيب والترهيب [٣/ ٢٨٩]). هذا وأما إتيان الزوجة في الدبر فهو حرام ومن الكبائر لما ورد فيه من الأحاديث الكثيرة التي تلعن من يفعل ذلك: فمن هذه الأحاديث التي وردت في التنفير من ذلك ما روي عن أبي هريرة

стр. 1480

وابن عباس عن النبي ﷺ قال: "لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها" (أخرجه الترمذي [١١٧٦] في الرضاع، باب: ما جاء في كراهية إتيان النساء في أدبارهن). وما روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من أتي حائضاً في فرجها أو امرأة في دبرها أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد" (أخرجه الترمذي [١٣٥] في الطهارة، باب: في كراهية إتيان الحائض). وما روي عن أبي هريرة أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: "ملعون من أتى امرأة في دبرها" (أخرجه أبو داود [٢١٦٢] في النكاح، باب: جامع النكاح). لكن إن فعل ذلك مع زوجته وارتكب هذا المحرم عزره القاضي بما يراه مناسباً من العقوبات المختلفة، بشرط أن لا تصل إلى أدنى الحدود المقررة. ودليل ذلك ما رواه البيهقي [٨/ ٣٢٧] عن النعمان بن بشير ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "من بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين". حكم إتيان البهائم: من أتى بهيمة, فإنه يعزر، ولا حد عليه على القول الراجح في الذهب، لأن فعله مما لا يشتهى عند أصحاب الأذواق السليمة، بل هو مما ينفر منه الطبع الصحيح ولا تميل إليه النفس السليمة، فلا يحتاج إلى زجر، والحد إنما شرع زجراً للنفوس عن مقاربة ما يشتهى طبعاً على وجه غير مشروع. والتعزير إنما هو عقوبة غير مقدرة، يفرضها القاضي المسلم العادل حسبما يراه رادعاً لمثل هؤلاء عن مثل هذه الدنايا، من ضرب أو نفي أو حبس أو توبيخ، لأنه فعل معصية لا حد لها ولا كفارة، وإذا انتفي الحد وجب التعزير. روى الترمذي [١٤٥٥] في الحدود، باب: ما جاء فيمن يقع على البهيمة؛ وأبو داود [٤٤٦٥] في الحدود، باب: فيمن أتى بهيمة، عن ابن عباس ﵄ قال: (ليس على الذي يأتي البهيمة حد). من يتولى إقامة الحد: إنما يستوفي الحد الإمام أو نائبه، ولا يتولى ذلك أحد غير ما ذكر، إلا الرقيق

стр. 1481

ذكراً كان أو أثنى فللسيد إقامة الحد عليهما، وذلك لما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر". (أخرجه الترمذي [٢٠٤٥] في البيوع، باب: بيع العبد الزاني؛ ومسلم [١٧٠٣] في الحدود، باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنى). وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أقيموا الحدود على أرقائكم من أحصن منهن ومن لم يحصن". (رواه مسلم [١٧٠٥] في الحدود، باب: تأخير الحد عن النفساء؛ والترمذي [١٤٤١] في الحدود، باب: ما جاء في إقامة الحد على الإماء). إقامة الحد على الضعيف: إذا استحق الزاني الرجم وكان ضعيفاً أو مريضاً أو كان هناك حر أو برد مفرطان لا يؤخر الرجم، لأن النفس مستوفاة، ولا فرق بينه وبين الصحيح. وأما إن كان مستحقاً للجلد فيؤخر إلى أن يقوي أو يذهب الحر أو البرد، لكن إذا جلد الإمام في هذه الحالة فمات المجلود فلا ضمان عليه، لأن التلف حصل من واجب أقيم عليه. ويجلد الضعيف بعثكال عليه مائة غصن، فإن كان به خمسون غصناً ضرب به مرتين، وتمسه الأغصان، أو ينكبس بعضها على بعض ليناله بعض الألم، أو يضرب بالنعال أو بالثياب. فقد روى أحمد والنسائي وابن ماجه عن ماجه عن سعيد بن سعد بن عبادة ﵄ قال: كان بين أبياتنا رويجل ضعيف فخبث بأمة من إمائهم، فذكر ذلك سعد لرسول الله ﷺ فقال: "اضربوه حده"، فقالوا: يا رسول الله إنه أضعف من ذلك، قال: "خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ ثم اضربوه ضربة واحدة، ففعلوا". (سنن أبي داود [٤٤٧٢] كتاب الحدود، باب: في إقامة الحد على المريض؛ سنن ابن ماجه [٢٥٧٤] كتاب الحدود، باب: الكبير والمريض يجب عليه الحد؛ مسند الإمام أحمد [٥/ ٢١٢]، عن سعيد بن سعد بن عبادة ﵄.

стр. 1482

كيفية الرجم: يستحب أن يحفر للمرأة حفرة إن ثبت زناها ببينة، وأما إن كان ثبت زناها بإقرار فلا يحفر لها كي تتمكن من الهرب إن رجعت عن الإقرار. أما الرجل فلا يحفر له حفرة. وجميع بدن المحصن محل للرجم: المقاتل وغيرها، ولكن يختار أن يتوقى الوجه، لورود بعض الأحاديث بتجنبه. ويكون موقف الرامي بحيث لا يبعد عنه فيخطئه، ولا يدنو منه فيؤلمه. والأولي لمن حضره أن يشارك في رجمه إن ثبت زناه ببينة، وأن يمسك إن رجم بالإقرار، ويجب أن تستر عورة الرجل وجميع بدن الحرة عند الرجم، ولا يربط ولا يقيد. ويكون الرجم بمدر أي طين متحجر، وبحجارة معتدلة أي ملء الكف لا بحصيات خفيفة لئلا يطول تعذيبه، ولا بصخرات تذففه وتجهز عليه، فيفوت التنكيل المقصود. ويستحب حضور الإمام وشهود الزنى، وحضور جمع من المسلمين الأحرار، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة النور: ٢). والسنة أن يبدأ الإمام بالرجم ثم الناس إن ثبت الزنى بالإقرار، فإن ثبت بالبينة فالسنة أن يبدأ الشهود بالرجم ثم الإمام ثم الناس، وتعرض عليه التوبة ـ كما قال الماوردي ـ قبل رجمه، لتكون خاتمة أمره، وإن حضر وقت صلاة أمره بها، وإن أراد التطوع مكنه من صلاة ركعتين، وإن استسقى ماء سقي، وإن استطعم لم يطعم، لأن الشرب لعطش سابق، والأكل لشبع مستقبل.

стр. 1483

حد القذف لقد ذكرنا فيما مضى أن الإسلام حريص على صيانة الضروريات الخمس، وهي: حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال. ولذلك شرع الحدود والعقوبة لمن يريد أن يعتدي على واحدة منها، ومن الحدود التي شرعها الإسلام صيانة للعرض ومحافظة على النسب عقوبة القذف، فما القذف وما عقوبته؟ إليك بيان ذلك فيما يلي: معنى القذف في اللغة: القذف في اللغة معناه الرمي، ومنه قذف الحجارة وقذف الجمار، قال في مختار الصحاح: القذف بالحجارة الرمي بها. معنى القذف في اصطلاح الشرع: القذف في الشرع هو الرمي بالزنى في معرض الشتم والتعيير، والمقصود بقولنا: في معرض الشتم والتعيير، إخراج كلام الطبيب مثلاً عندما يفحص حال فتاة، فيقرر أنها قد مارست الزنى، وإخراج الشهادة بالزنى، فلا حد في ذلك، إلا أن يشهد به دون أربعة من الشهود، فيحدون كما سيأتي. حكم القذف: يحرم على المسلم أن يرمي أخاه المسلم بالفاحشة، سواء كان صادقاً عند نفسه في اتهامه أم كاذباً، أما في حالة الكذب فلأنه بهتان وظلم، والكذب من أقبح المحرمات، وأما في حالة كونه صادقاً عند نفسه فلأنه كشف للأسرار، وهتك للأعراض، وفضح لما أمره الله بالستر عليه، إذا انزلقت نفسه في فاحشة أو معصية، ونشر لمقالة السوء في المجتمع.

стр. 1484

ولهذا عد الشرع الشريف القذف من الكبائر فقال ﵊: " اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات". (أخرجه البخاري [٢٦١٥] في الوصايا، باب: قول الله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً؛ ومسلم [٨٩] في الإيمان، باب: تحريم الكبائر؛ وأبو داود [٢٨٧٤] في الوصايا، باب: ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم؛ والنسائي [٦/ ٢٥٧] في الوصايا، باب: اجتناب أكل مال اليتيم). حد القذف ودليله: الحد في الشرع هو عقوبة مقدرة، وجبت حقاً لله كحد الزنى، أو حقاً لآدمي كحد القذف. وحد القذف إذا استوفى شروطه: ثمانون جلدة، وكذلك إسقاط شهادته، إلا إذا تاب فتعود إليه شهادته. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة النور: ٤ - ٥). شروط حد القذف: لا يقام حد القذف على القاذف إلا بعشرة شروط، خمسة منها يجب أن تتحقق في القاذف، وخمسة منها يجب أن تتحقق في المقذوف. - الشروط الخمسة في القاذف هي: الأول: البلوغ، فلا يقام حد على من دون البلوغ، لأنه غير مكلف لحديث: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم". (رواه أبو داود [٤٣٩٩] في الحدود، باب: في المجنون يسرق أو يصيب حداً، عن ابن عباس ﵄. وأما إذا كان مميزاً فيعزر. الثاني: العقل، فلا يقام الحد على قاذف مجنون، لأنه رفع القلم عنه كما مر

стр. 1485

في الحديث السابق، والحكمة من عدم إقامة الحد على الصبي والمجنون أنه لا إيذاء في قذفهما. وأما السكران المتعدي بسكره فهو كالمكلف، فإنه يقام عليه الحد. الثالث: أن لا يكون أصلاً للمقذوف، كالأب والجد مهما ارتفع، وكالأم والجدة مهما علت، فلا يحد هؤلاء بقذف الولد وإن سفل، كما أنهم لا يقتلون به كما مر ذلك في مبحث الجنايات، وكذلك لا يحدون بقذف من ورثه الولد، ولم يشاركه فيه غيره، كما لو قذف امرأة له منها ولد ثم ماتت، لأنه إذا لم يثبت له ابتداء لم يثبت له انتهاء كالقصاص. أما لو كان لها ولد من غيره، فإنه لا يسقط عنه حد القذف، وحيث قلنا إنه لا يجب فيحقه حد القذف، لا يسقط ذلك عنه عقوبة التعزير، بل يعزر بما يراه الحاكم عقوبة لذلك. الرابع: أن يكون مختاراً، فلا حد على من أكره على القذف، لقوله ﵊: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه|. (سنن ابن ماجه [٢٠٤٣ - ٢٠٤٥] الطلاق، باب: طلاق المكره والناسي). ولأنه لم يقصد الأذى بذلك لإجباره عليه، وكذلك لا يجب على المكره لأنه لا يسمي قاذفاً. الخامس: أن يكون عالماً بالتحريم، فلا حد على جاهل بحكم القذف، لقرب عهده بالإسلام، أو لبعده عن العلماء، أما لو كان عالماً بالتحريم، ولكنه يجهل وجوب الحد، فلا يعفيه جهله هذا من إقامة الحد عليه. - الشروط الخمسة في المقذوف هي: الأول: أن يكون المقذوف مسلماً. الثاني: أن يكون بالغاً. الثالث: أن يكون عاقلاً. الرابع: أن يكون عفيفاً، بأن لا يكون قد ثبت عليه الزنى من قبل. الخامس: أن لا يكون قد أذن المقذوف بقذفه. فإن الإذن وإن كان لا يسوغ القذف ولا يبيحه، إلا أنه يجعل في القذف شبهة، وفي الحديث "ادرؤوا الحدود

стр. 1486

عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة". (رواه الترمذي [١٤٢٤] في الحدود، باب: ما جاء في درء الحدود). وجوب التعزير إذا لم تتكامل الشروط: إذا لم تتحقق هذه الشروط العشرة أو لم يتحقق واحد منها، سقط الحد. وليس معنى سقوط الحد أنه لا عقوبة على القاذف، بل هناك عقوبة التعزير، وكان للحاكم أن يعزره بعقوبة يراها صالحة، من حبس وضرب، شريطة أن لا يبلغ في التعزير أدنى الحدود إذا كان من جنسها. روى البيهقي [٨/ ٣٢٧] عن النعمان بن بشير ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : " من بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين". بعض ألفاظ القذف: من ألفاظ القذف أن يقول: زنيت، أو يا زاني، أو يا مخنث، أو لطت، أو لاط بك فلان، أو يا لائط، أو يا لوطي، أو للمرأة يا قحبة، أو يقول لابنها من زيد لست ابنه أو لست منه، أو ما أشبه ذلك من ألفاظ تدل على هذه المعاني. مسقطات حد القذف: يسقط حد القذف على القاذف بثلاثة أشياء: أحدها: إقامة البينة على ثبوت الزنى، أو إقرار المقذوف بذلك، فإذا انضم إلى القاذف ثلاثة شهود، وكانوا جميعاً ممن تصح شهادتهم، وشهدوا على الزنى بصريح القول، أو أقر المقذوف بما قذف به سقط بذلك حد القذف، وتحول الحد على المقذوف. فإن شهد أقل من ثلاثة معه، لم تثبت البينة وكانوا جميعاً قذفة يتعلق بهم حد القذف جميعاً. ففي البخاري، (كتاب الشهادات، باب: شهادة القاذف والسارق والزاني)، أن عمر جلد أبا بكرة وشبل بن معبد ونافعاً بقذف المغيرة بن شعبة، ثم استتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته.

стр. 1487

ثانيا: عفو المقذوف عن القاذف، كعفو ولي المقتول عن القصاص، لأن هذا الحد حق من حقوق العباد فيسقط بالإسقاط. فإذا عفا المقذوف عن القاذف أمام القضاء؛ سقط الحد بذلك عن القاذف. ثالثا: أداء اللعان إذا كان القاذف زوجاً، والمقذوفة الزوجة، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٦﴾ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (سورة النور: ٦ - ٧). والحكمة من أن يكون هذا المسقط خاصاً بالزوج إذا قذف زوجه، هي أن الزوج قلما يتهم زوجته بالزنى أمام الحاكم إلا وهو صادق فيما فعل، وفي تكليفه بإحضار شهود على زناها إحراج له، وجرح لكرامته ومنافاة لما تقتضيه المحافظة على عرضه، وبينهما من التعايش ما لا يسمح بتغاضيه عن الأمر، كما لو كانت أجنبية عنه، من أجل كل ذلك شرع الله اللعان بكل أحكامه التي مرت بك وعرفتها؛ حلا لهذه المشكلة. روى البخاري عن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ : " البينة أو حد في ظهرك"، فقال: يا رسول الله إذا رأي أحدنا على امرأته رجلاً ينطق يلتمس البينة؟! فجعل النبي ﷺ يقول: "البينة وإلا حد في ظهرك"، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه: ﴿والذين يرمون أزواجهم. . . ﴾ فقرأ حتى بلغ:: ﴿إن كان من الصادقين﴾ فانصرف النبي ﷺ فأرسل إليها، فجاء هلال فشهد والنبي ... ﷺ يقول: " إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب"، ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوهها وقالوا: إنها موجبة، قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النبي ﷺ : " أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء"، فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ : "لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن". (رواه البخاري [٤٤٧٠] تفسير سورة النور باب: ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين).

стр. 1488

شروط الشهود: يشترط في كل شاهد أن يكون ذكراً، فلو شهد أربع نسوة، لم تقبل شهادتهن وأقيم عليهن حد القذف. وكذلك يجب أن يكونوا أحراراً فلو شهد عبيد أقيم عليهم الحد، وكذلك يشترط أن يكونوا من المسلمين، فإن كانوا كفرة لم تقبل شهادتهم، ويقام عليهم الحد، وليعلم أن حد العبد على النصف من حد الحر، فيجلد أربعين جلدة.

стр. 1489

حد شرب الخمر لقد مر هذا البحث كاملاً في الجزء الثالث، عند البحث في الأشربة المحرمة. ونكتفي هنا بهذه العجالة، ليكون هذا البحث في مكانه بين الحدود. من شرب خمراً، أو مسكراً مهما كان منشؤه، ومهما اختلف اسمه، أقيم عليه حد الشرب، سواء حصل الإسكار بقليل منه، أو كثير. فقد سئل النبي ﷺ عن البتع، وهو شراب يصنع من العسل، والمزر وهو شراب يصنع من الشعير أو الذرة، فقال ﷺ : "أو مسكر هو"؟ قال: نعم. قال: "كل مسكر حرام، إن على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال"، قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: "عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار" (رواه مسلم [٢٠٠١، ٢٠٠٢] في الأشربة، باب: بيان أن كل مسكر خمر وكل خمر حرام). وحد شرب الخمر أربعون جلدة أربعون جلدة، ويجوز أن يبلغ به ثمانين جلدة، على وجه التعزير لا الحد. روى مسلم [١٧٠٦] في الحدود، باب: حد الخمر، عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين. [الجريد: أغصان النخل إذا جردت من الورق]. وإنما يزيد الإمام على الأربعين جلدة تعزيراً إن رأى مصلحة في ذلك، لا سيما إذا فشا شرب الخمر، وانتشر شرها، ليحصل الردع والزجر. ودليل أن الزيادة على الأربعين جلدة تعزير وليس بحد، ما رواه مسلم

стр. 1490

[١٧٠٧] في الحدود، باب: حدد الخمر، أن عثمان ﵁ أمر بجلد الوليد بن ابي معيط، فجلده عبدالله بن جعفر ﵄، وعلي ﵁ يعد، حتى بلغ أربعين، فقال: (أمسك، ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلى). أي الاكتفاء بأربعين، لأنه الذي فعله رسول الله ﷺ ، وهو أحوط في باب العقوبة، من أن يزيد فيها عن المستحق، فيكون ظلماً. بم يثبت الحد ؟ يثبت حد شرب المسكر، ويجب عليه بأمرين: الأول: البينة: أي شهادة رجلين مسلمين عدلين. الثاني: الإقرار، وذلك بأن أقر على نفسه بشرب مسكر. ولا شك أن الإقرار حجة يقوم مقام البينة. هذا ولا يثبت الحد بالقيء، والاستنكاه ـ وهو شم رائحة الفم ـ لاحتمال أن يكون شربه مكرهاً، أو مخطئاً، والحدود تسقط بالشبهات.

стр. 1491

المخدرات معنى التخدير: التخدير هنا يقصد به الحالة التي تغشى العقل والفكر من الكسل والثقل والفتور. والمخدرات كل ما يسبب هذه الحالة للعقل، من بنج وأفيون وحشيشة ونحوها. حكم المخدرات: المخدرات حرام كيفما كان تعاطيها، لما فيها من الأضرار بالعقل والجسم. روى أبو داود [٣٦٨٦] في الأشربة، باب: النهي عن المسكر، عن أم سلمة ﵂ قالت: (نهي رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر). عقوبة تناول المخدرات: عقوبة المخدرات عقوبة تعزيرية، مفوضة من حيث نوعها وشدتها إلى ما يراه القضاء الإسلامي العادل من سجن، أو ضرب، أو تقريع، بشرط أن لا يبلغ به أدنى حد من الحدود الشرعية. وبحث المخدرات قد مر مفصلاً في الجزء الثالث من بحث الأشربة المحرمة. ولذلك نكتفي هنا بهذه الخلاصة، والله الموفق.

стр. 1492

حد السرقة كما جاء الإسلام بالمحافظة على الأنفس والأعراض، كذلك جاء بالمحافظة على الأموال، فشرع حد السرقة لمن يعتدي على الأموال صيانة لها. ف ما هي السرقة وما حدها؟ إليك بيان ذلك فيما يلي: ما هي السرقة؟ السرقة في اللغة أخذ المال خفية، وشرعاً: أخذ مال الغير خفية ظلماً من حرز مثله بشروط معينة. فخرج بقولنا خفية الغصب، فالغاصب يستلب المال جهراً، فلا يسمى سارقاً، ولا يدخل في عقوبة السرقة. وخرج بقيد مال الغير النباش وهو الذي يسرق ما في القبور من أكفان الموتى، فإنها لا تدخل في تعريف السرقة، لعدم وجود مالك لها، وإن كانت حرمة الميت تمنع من جواز العدوان عليها. إلا إن كان القبر في بيت أو بمقبرة بطرف عمارة فإن النباش عندئذ يعد سارقاً، ويقام عليه حد السرقة. روى الترمذي [١٤٤٨] في الحدود، باب: ما جاء في الخائن ولا منتهب ولا مختلس والمنتهب، عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع". [الخائن: الذي يأخذ المال خفية، ويظهر النصح للمالك. والمنتهب: هو الذي يأخذ المال على وجه القهر والغلبة. والمختلس: هو الذي يأخذ المال على سبيل الخلسة].

стр. 1493

حد السرقة: إذا ثبتت السرقة بالشروط الآتي ذكرها أمام القضاء، وجب إقامة الحد على هذا السارق، والحد هو قطع اليد من مفصل الكوع ـ والكوع طرف الزند الذي يلي الإبهام ـ أي تقطع اليد من مفصل الكف، ودليل ذلك قوله تعالى:: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة المائدة: ٣٨). وحديث عمرو بن شعيب: أتي النبي ﷺ بسارق فقطع يده من مفصل الكف. (رواه الطبراني، انظر: مغني المحتاج [٤/ ٧٧]). وروى البخاري ومسلم واللفظ لمسلم عن عائشة ﵂: أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله ﷺ ، فكلمه أسامة فقال رسول الله ﷺ : أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم قام فاختطب فقال: أيها الناس إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها". (رواه البخاري [٦٤٠٦] في الحدود، باب: كراهية الشفاعة في الحدود إذا رفع إلى السلطان؛ ومسلم [١٦٨٨] في الحدود، باب: قطع السارق الشريف، عن عائشة ﵂. تقطع يد السارق اليمنى ـ كما قلنا ـ إن سرق أول مرة، فإن سرق ثانية بعد قطع اليمنى تقطع رجله اليسرى، فإن سرق ثالثة بعد قطع رجله اليسرى قطعت يده اليسرى، فإن سرق رابعة بعد قطع يده اليسرى قطعت رجله اليمنى، فإن سرق بعد ذلك يعزر، فيعاقبه الحاكم بما يراه رادعاً. روى الشافعي في مسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في السارق: "إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله". (الأم [٦/ ١٣٨]). شروط إقامة الحد على السارق: ليس كل سارق تقطع يده، بل لا بد لإقامة حد القطع من استيفاء ثمانية شروط:

стр. 1494

الأول: البلوغ، فلا تقطع يد الصبي الذي لم يبلغ، لأنه رفع التكليف عنه، لحديث "رفع القلم عن ثلاثة. . . " ومنها الصبي حتى يحتلم. (رواه ابن ماجه [٢٠٤٥] في الطلاق، باب: طلاق المكره). الثاني: العقل، فلا تقطع يد المجنون، لأنه رفع التكليف عنه للحديث السابق أما السكران الذي زال عقله بسبب السكر، فإنه يقام عليه إن كان متعدياً في سكره، وإلا فلا. الثالث: أن لا يكون مكرهاً، لأن المكره رفع القلم عنه كما في الحديث. الرابع: أن يبلغ المال الذي سرقه نصاباً، والنصاب ما يساوي ربع دينار فصاعداً، والدينار الواحد يساوي ثلاثة دراهم، لأن صرف الدينار على عهد رسول الله ﷺ كان اثني عشر درهماً، فربع الدينار يساوي ثلاثة دراهم. روى البخاري [٦٤٠٧] في الحدود، باب: قول الله ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾؛ ومسلم [١٦٨٤] في الحدود، باب: حد السرقة ونصابها ـ واللفظ لمسلم ـ عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً". وروى البخاري [٦٤١١] في الحدود، باب: وفي كم يقطع؛ ومسلم [١٦٨٦] في الحدود، باب: حد السرقة ونصابها، عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم. [والمجن: الترس]. الخامس: أن يؤخذ المال المسروق من حرز مثله، وحرز المثل هو المكان الذي يحفظ فيه أو في مثله عادة المال المسروق، فالنقود إنما تحفظ في الصناديق وما على شاكلتها، والثياب تحفظ في الخزائن ونحوها، ومرجع ذلك كله إلى العرف وأهله. فلو سرق المال من مكان لم يجر العرف والعادة بوضعه فيه وجعله حرزاً له، لم يجز معاقبة السارق بالقطع، دليل ذلك خبر أبي داود [٤٣٩٠] في الحدود، باب: ما لا قطع فيه، عن عبدالله بن العاص ﵄؛ وغيره،

стр. 1495

مرفوعاً: "لا قطع في شيء من الماشية إلا فيما آواه المراح، ومن سرق شيئاً من التمر بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع". السادس: أن لا يكون للسارق ملك أو شبهة ملك، فإن كان شريكاً فيه لم يقطع، لأن له ملكاً، ولو سرق الولد من مال أبيه، أو العبد من مال سيده، أو أحد الناس من مال الدولة وهو فقير، أو في وقت مجاعة، فلا قطع في ذلك، لقيام شبهة ملكية ما في المال المسروق. دليل ذلك حديث عائشة: "ادرؤوا الحدود ما استطعتم، فإن الحاكم لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة". (رواه الترمذي [١٤٢٤] في الحدود، باب: ما جاء في درء الحدود). السابع: أن يكون السارق عالماً بالتحريم، فلو تناول رجل من متجر جاره بضاعة أو طعاماً، وهو لا يعلم أن ما أقدم عليه محرم، لجهله بأصول الإسلام أو لقرب عهده بالدخول في الإسلام، لم يعاقب بقطع اليد، وعوقب بالتعزيز مع الضمان. الشرط الثامن: أن يكون المال المسروق طاهراً، فلو سرق خمراً أو خنزيراً أو كلباً أو جلد ميتة بلا دبغ فلا قطع. وكذلك يجب أن يكون مباح الاستعمال، فلو سرق طنبوراً أو عوداً أو مزماراً أو ضمناً أو صليباً لا يقطع، لأن التوصل إلى إزالة المعصية مندوب إليه، فصار شبهة كإراقة الخمر. واعلم أن هذه الشروط كلها إنما هي شروط لمعاقبة السارق بالقطع، وليست شروطاً لأصل العقوبة، فإذا فقد شرط منها سقط القطع، لكن تخير الحاكم من العقوبات التعزيرية إلى جانب الغرامة ما يراه زاجراً للسارق. ثبوت السرقة: تثبت السرقة بواحد من الأمور التالية:

стр. 1496

الأول: الإقرار فإذا أقر ثبت في حقه السرقة وما يستحق عليها من عقوبة، لكن إذا رجع بعد الإقرار قبل رجوعه، وللقاضي أن يعرض له بالرجوع كما في الإقرار بالزنى، لكن هنا لا يقبل إقراره إلا بعد حضور المالك وطلبه. الثاني: البينة وتكون بشهادة رجلين عدلين قد استوفيا شروط الشهادة، فإن شهد رجل وامرأتان ثبت المال، ولا يثبت بهذه الشهادة القطع. الثالث: حلف المدعي اليمين، بعد نكول المدعى عليه عن حلف اليمين. ضمان السارق المال المسروق: إذا ثبتت السرقة وقطعت يد السارق، وجب عليه أيضاً أن يرد ما سرق إن كان المسروق لا يزال موجوداً، فإن كان قد تلف ضمنه. ودليل ذلك قوله ﵊: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه". (أخرجه أبو داود [٣٥٦١] في البيوع، باب: في تضمين العارية، والترمذي [١٢٦٦] في البيوع، باب: ما جاء في أن العارية مؤداة، عن سمرة بن جندب ﵁. القطع حق الله تعالى: إذا ثبتت السرقة ورفع الأمر إلى القاضي وجب تنفيذ العقوبة ولا يجوز التوسط في إسقاط الحد، ودليه ما سبق من حديث المخزومية التي سرقت، أما إذا لم يصل الأمر إلى القاضي فيجوز إسقاطه والتوسط في إسقاطه ففي الحديث: بينما صفوان بن أمية مضطجع بالبطحاء إذ جاء إنسان فأخذ بردة من تحت رأسه، فأتي به النبي ﷺ فأمر بقطعه فقال: إني أعفو وأتجاوز، فقال: هلا قبل أن تأتيني به؟. (سنن النسائي [٨/ ٦٨] كتاب قطع السارق، باب: الرجل يتجاوز للسارق؛ مسند أحمد [٣/ ٤٠١]، عن صفوان بن أمية ﵁. الرد على خصوم الإسلام في تقولهم عن مشروعية الحدود: لا شك أنك تسمع من خصوم الإسلام وأعداء تشريعه، عبارات تنبىء عن الاشمئزاز من أن تكون عقوبة السارق قطعاً لليد، وعقوبة الزاني المحصن الرجم. وإن لنا كلمة ينبغي أن تستوعبها في الرد على هؤلاء في ذلك. أولاً: إن سبب اشمئزاز خصوم الإسلام وأعدائه من عقوبة القطع والرجم؛

стр. 1497

هو كونهم خصوماً للإسلام قبل كل شيء، فلا يريدون أن يحكموا عقولهم في حقيقة هذه الحدود، وأسبابها وأهدافها ونتائجها، ودوافعها وشروطها، إذ إن من المعلوم بداهة أن الخصم حينما يمارس خصومته؛ إنما ينطلق من دافع أنه خصم، قبل أن ينظر فيما يقتضيه المنطق والحق والتفكير السليم، وإلا لم يكن اسمه خصماً. وهذه الحقيقة تجعل النقاش مع أمثال هؤلاء الناس في جزئية من جزئيات الإسلام الذي هم خصومه ـ كجزئية الحدود مثلاً ـ سعياً عابثاً لا طائل من ورائه، ولا يؤدي إلى النتيجة المطلوبة. ولكننا إذا ناقشنا وبحثنا في أمثال ذلك، فلكي لا يعلق شيء من انتقاداتهم الفكرية المصطنعة في عقول وأذهان المسلمين الصادقين في إسلامهم، ممن يعوزهم التعمق في فهم الإسلام وسبر حكمه وأهدافه. ثانيا: إن المنهج المنطقي الذي نسير على أساسه في تقبل هذه الأحكام والإيمان بها، والتعيين بأنها الدواء الذي لا بديل له للمجتمع؛ هو إيماننا بأن القرآن الكريم الذي تضمن هذه الأحكام وغيرها؛ إنما هو كلام الله المنزل على نبيه محمد ﷺ وحياً، وإذا كان إيماننا بالله وكتابه حقيقة مفروغاً منها؛ فلا سبيل إلى تسرب أي شك أو وسواس في روعة هذه الأحكام ودقة فائدتها وضرورة التشبث بها. ومحال أن يتشكك في شيء من هذه الأحكام إلا من تشكك قبل ذلك بالله ، وبأ، هذا القرآن كلامه، وبأن محمداً ﷺ نبيه، وإنما يناقش هذا الإنسان في الأصل الذي تفرع عنه هذا الشك، لا في الفرع الصغير الذي هو ثمرة الكفر الكبير. ثالثاً: نتجاوز ما يقوله علماء النفس عن خطورة السرقة واليد التي تعتاد عليها، ومن أن مثل هذه الجرائم تنقلب في كيان أصحابها إلى أمراض متأصلة، لا يجدي في علاجها شيء من العقوبات التقليدية المألوفة، ونتجاوز الحديث عن خطورة الزنى وسوء عاقبته في المجتمع من كل الجوانب، ولا سيما إصابته بمرض

стр. 1498

الإيدز الذي أخذ ينتشر في المجتمع الذي يبيح الزنى، والذي أصبح يهدده بالخراب والدمار. إذا أعرضنا عن ذلك كله ولفتنا النظر إلى ما هو واقع مشاهد في المجتمعات التي أعرضت عن شرع الله ، وقارنا بينها وبين الأوساط التي تقييم حدود الله، وجدنا الفرق واضحاً جلياً. إن اللصوص في هذه المجتمعات المعرضة عن أحكام الله، يتمتعون بكيانات لا يتمتع بها كثير من أرباب الشركات وأعضاء النقابات، وعصاباتهم تستعصي على كل إرهاب أو عقاب، وإن الأمراض التناسلية فيها تفتك بشيبها وشبابها وصغارها وكبارها، وتفعل بهم أضعاف بهم أضعاف أضعاف ما يفعله عقاب جلد أو رجم. بينما ننظر إلى الأمة التي تقيم فيما بينها حدود الله تعالى وأحكامه، فنجدها أمة تنعم بالأمن والرفاهية والخلو من هذه الأمراض التي تعصف بحياة البشر، وتؤدي إلى دمارهم وهلاكهم. إن في هذا لبلاغاً وذكرى لكل عاقل منصف، آمن بالله وبرسوله أولاً، ثم تمتع بحرية الفكر والبحث ثانياً، والله الهادي إلى طريق الرشاد. هذا ولا بد هنا ـ ونحن بصدد الحديث عن الحدود ـ لا بد من الإشارة إلى أمرين هامين في هذا الموضوع: أحدهما: أن الإسلام حينما شرع هذه الحدود الزاجرة، شرع إلى جانبها تشريعات تقي من الوقوع في أعمال تؤدي إلى إقامة الحد. ففي موضوع حد السرقة شرع تأمين حاجيات الفرد، فإن كان الفرد عاملاً فرض له من بيت مال المسلمين ما يهمىء له فرص العمل من رأس مال وأدوات، وما يتصل بذلك، فيصبح الفرد بعد زمن قليل منتجاً مستغنياً عن مساعدة غيره، بل يصبح مساعداً غيره في تهيئة فرص العمل، فيكون المجتمع كله مساعداً متضامناً متكافلاً. وفي موضوع حد الزنى أمر الإسلام بالستر والحجاب وعدم اختلاط الرجال

стр. 1499

بالنساء، وعدم خلوة الرجل بالمرأة، وحث على ترخيص المهور، وعلى تزويج من يرضى خلقه ودينه، من غير تفتيش معه على المال والثروة، "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد" (أخرجه الترمذي [١٠٨٥] في النكاح، باب: إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه، عن أبي هريرة ﵁. هذا إلى كثير من الأحكام التي يجدها الباحث مبثوثة في كتب الفقه. الأمر الثاني: هو أن الهدف من العقوبة في الإسلام، ليس هو تعذيب الجاني، بل الهدف سلامة المجتمع، فيجب أن تكون العقوبة مؤدية إلى الهدف المنشود، وأما كيفية العقوبة فهي وسيلة لا غاية، فما كان من الوسائل مؤدياً إلى الهدف فهذا هو المطلوب. ولقد ثبت أن هذه العقوبات التي شرعها الإسلام قد أدت إلى الغاية المنشودة، وسجل التاريخ يتحدث عن ذلك عبر العصور الماضية والحاضرة، فهي إذا الدواء الناجح الناجع. بينما نري القوانين الوضعية في أرقى الدول لم تؤد إلى هذه الغاية، وهي سلامة المجتمع وأمنه واستقراره والأحداث التي تنشرها الصحف اليومية والنشرات والإحصاءات التي تنشر بين حين وآخر تتحدث عن ذلك بما لا يقبل الشك.

стр. 1500

الحرابة وحدها معنى الحرابة: الحرابة في اصطلاح الشريعة: هي البروز لأخذ مال أو لقتل أو لإرعاب مكابرة، اعتماداً على الشوكة، مع البعد عن مسافة الغوث، من كل مكلف ملتزم للأحكام، ولو كان ذمياً أو مرتداً. فخرج بقيد " اعتماداً على الشوكة" ما لو كان الاعتماد على المغافلة والهرب، أو على ضعف المجني عليه، فلا يسمي ذلك في الاصطلاح الشرعي حرابة، وإنما هو من قبيل النهبة ونحوها، وله حكمه الخاص به. خرج بقيد "البعد عن مسافة الغوث" ـ وهي المسافة القريبة من المدينة أو القرية، بحيث لو استغاث الإنسان منها لبلغ صوته أهلها ـ ما لو كانت المسافة داخلة في حدود الغوث، فلا يسمي العدوان حينئذ حرابة. وخرج بقيد " ملتزم للأحكام " الكافر الحربي، فهو وإن قتل وأخذ المال، لا يدخل في هذا الباب، وإنما هو كافر حربي مهدر الدم على كل حال، فإن دخل في الإسلام لم يؤاخذ بجناية جناها من قبل، لأن الإسلام يجب ما قبله. ويدخل في التعريف العبد والمرأة والسكران المتعدي بسكره، لأنهم جميعاً مكلفون. ويدخل في ذلك أيضاً الواحد والجماعة، إذا تحققت بهم بقية الصفات. ويطلق على أرباب هذا الشأن: قطاع الطريق، وسموا بذلك لأن الناس

стр. 1501

يمتنعون من سلوك الطريق التي يكون بها هؤلاء، فكأنهم قد قطعوها حقيقة. أقسام أهل الحرابة "قطاع الطريق". ينقسم أهل الحرابة "قطاع الطريق" إلى أربعة أقسام: القسم الأول: من يقتلون من يمر بهم، ويستلبون أموالهم. القسم الثاني: من يقتلون من يمر بهم ولا يأخذون أموالهم أو شيئاً منها. القسم الثالث: من يأخذون الأموال، ولا يعتدون على الحياة. القسم الرابع: من يخيفون المارين بهم، من دون أن يعتدوا على حياتهم، أو أن يسلبوهم شيئاً من أموالهم. فهؤلاء أربعة أقسام، أشدهم خطراً من يقتل النفس ويسلب المال، وأخفهم شأناً من يخيف، ولا يعتدي على حياة ولا مال، ولهذا تنوعت عقوبتهم على حسب ما يقومون به من أعمال، وبيان ذلك فيما يلي: حكم كل قسم من هذه الأقسام: أما القسم الأول ـ وهم من يمارسون القتل ويستلبون المال ـ فيجب قتلهم ثم صلبهم ثلاثاً على مرتفع كخشبة ونحوها، زيادة في التنكيل بهم، وليشتهر حالهم، وإنما يصلبون بعد الغسل والتكفين والصلاة عليهم، لأنهم لم يخرجوا بعملهم هذا عن كونهم مسلمين، والمسلم واجب غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه. وأما القسم الثاني ـ وهم الذين يقتلون فقط ـ فجزاؤهم القتل دون صلب، ولا أثر هنا لعفو أولياء الدم في إسقاط القصاص لأنه أصبح من حقوق الله. والفرق بين هذا الباب وباب القصاص أن القاتل هنا يضيف إلى القتل الإخافة وقطع الطريق على السابلة، والاعتماد على القوة والشوكة، وعدم الترصد لشخص واحد بذاته، بل يفتك بكل من مر به، فقد أصبح حده من حقوق الله تعالى، ولذلك لم يكن لعفو الولي عن القصاص أثر. وأما القسم الثالث ـ وهم من يأخذون المال فقط ـ فجزاؤهم قطع يدهم ورجلهم من خلاف، أي قطع اليد اليمنى من مفصل الكف، وقطع الرجل اليسرى من مفصل القدم، فإن عاد قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى الباقيتان.

стр. 1502

ولا بد من اشتراط كون المأخوذ من المال بالغاً نصاب السرقة، وهو ربع دينار فصاعداً، أو ما يساوي ذلك ذلك، فإن لم يبلغ هذا المقدار عزره القاضي بما يراه مناسباً من عقوبات التعزير. والفرق بين المحارب والسارق أن السارق يأخذ المال خفية، أما هذا فيضيف إلى ذلك قطع الطريق والتخويف، معتمداً على القوة والشوكة، وعلى بعد الضحية عن المدينة والناس. وأما القسم الرابع ـ وهم الذين يخيفون المارة، دون أن يأخذوا منهم مالاً أو أن يعتدوا منهم على حياة ـ فجزاؤهم عقوبة من عقوبات التعزير من نفي أو حبس أو غير ذلك، والأمر في ذلك راجع إلى الإمام، ولا يقدر الحبس بمدة، وللإمام أ، يعفو عن هؤلاء إن رأي مصلحة في العفو عنهم. الدليل على حكم هذه الأقسام: الأصل في أحكام باب الحرابة، والدليل على ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٣). فالقتل وحده منصرف إلى الحالة الثانية، وهي ما إذا كان هناك قتل ولم يكن استلاب للمال، والقتل مع الصلب منصرف إلى الحالة الأولى، وهي ما إذا كان قتل واستلاب مال، وقطع اليد والرجل منصرف إلى الحالة الثالثة، وهي ما إذا كان هناك أخذ مال ولم يكن اعتداء على حياة، والنفي من الأرض منصرف إلى الحالة الرابعة، وهي ما أذا كان هناك إخافة دون قتل واستلاب مال. متى يسقط حد الحرابة ؟ هذه العقوبات التي ذكرناها تسقط في حالة واحد، وهي أن يتوب الجاني المحارب قبل أن تمتد إليه يد الحاكم، لهرب أو اختفاء أو لعدم شعور الحاكم به، فإذا تاب هذا الجاني قبل أن يقع في قبضة القضاء، سقطت عنه العقوبات المختصة بقطاع الطريق "أي الحرابة" وهي تحتم القتل والصلب وقطع اليد والرجل

стр. 1503

معاً، ودليل قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٤). ويؤول أمره عندئذ إلى كونه مجرد قاتل أو غاصب، فيؤخذ بما قد ترتب عليه من حقوق القتل والغصب والنهب، كل على حسب قواعده وأحكامه المعروفة، ولا تسقط التوبة شيئاً مما جناه قبل الحرابة. فالقتل التائب قبل أن يقبض عليه الحاكم يؤخذ بعقوبة القصاص، إلا إذا عفا عنه ولي المقتول إلى الدية أو إلى غير شيء، والغاصب يؤخذ بضمان المال الذي أخذ مع التعزيرات التي قد يراها الحاكم. وبهذا نعلم أن قاطع الطريق إذا كان قد سرق مثلاً أو شرب خمراً أثناء ممارسته للحرابة وقطع الطريق، أو قبل ذلك؛ فإن توبته لا تسقط عنه حد السرقة والشرب، لأن مثل هذه الحدود لا تسقطها التوبة.

стр. 1504

بيان موجز للحدود التي تسقط بالتوبة، والتي لا تسقط بها وأثر الفرق بين كونها حقاً لله أو حقاً للإنسان في ذلك الحقوق المتعلقة بالإنسان أنواع، منها ما هو خالص حق الله تعالى، ومنها ما هو خالص حق الإنسان، فما كان خالص حق الله قد يسقط بالتوبة، وما كان خالص حق الإنسان فإنه لا يسقط بالتوبة أو العفو عن الجاني، وإليك بيان ما يسقط منها بالتوبة وما لا يسقط. ما يسقط من الحدود بالتوبة أو العفو: ١ - حد تارك الصلاة: فإنه إذا تاب توبة صادقة نصوحاً، سقط عنه الحد ولو بعد رفعه إلى الحاكم؛ لأن موجبه الإصرار على الترك، لا الترك الماضي. ٢ - حد القذف: إذا عفا المقذوف عن القاذف أمام الحاكم، ذلك لأن حد القذف حق شرعه الله للإنسان، فإذا أسقط صاحب الحق حقه؛ سقط الحد المترتب عليه. ٣ - حد الحرابة: إذا تاب صاحبها قبل وقوعه في قبضة القضاء، ولكنه يلاحق بما عدا ذلك من حقوق الأشخاص وحقوق الله تعالى، من قتل وسرقة وشرب وغصب ونحو ذلك، كما مر آنفاً. ما لا يسقط من الحدود بالتوبة: ما عدا هذه الحدود الثلاثة الآنفة الذكر، من سائر الحدود الأخرى، لا تسقك بعد الثبوت بالتوبة، كحد السرقة والشرب والزنى. ففي البخاري [٦٤٠٦] في الحدود، باب: كراهية الشفاعة في الحدود. .، عن عائشة ﵂: أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت.

стр. 1505

قالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ قالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله ﷺ ؟ فكلم رسول الله ﷺ فقال: أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم قام فاختطب فقال: يا أيها الناس إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، ثم أمر بها فقطعت يدها". (ورواه مسلم أيضاً [١٦٨٨] في الحدود، باب: قطع السارق الشريف). وروى أصحاب السنن الأربعة عن صفوان بن أمية ﵁، أن النبي ﷺ قال لما أمر بقطع الذي سرق رداءه فشفع فيه: "هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به؟ ". [مر تخريجه في الصفحة ٧٨]. وذلك لعموم أدلة هذه الحدود من غير تفصيل ولا استثناء، ولأن حق الله فيها هو المتغلب. ومعنى أن التوبة لا تسقطها، أي لا تسقط وجوب تنفيذ هذه الحدود في دار الدنيا أمام القضاء، أما ما بين مستحق الحد وربه، فان التوبة الصادقة تسقط جميع تبعات ذلك الجرم، وآثار تلك المعصية يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدي﴾ (سورة طه: ٨٢)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ (سورة الزمر: ٥٣). وفي الصحيح عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك". (رواه البخاري [١٨] في الإيمان، باب: علامة الإيمان حب الأنصار؛ ومسلم [١٧٠٩] في الحدود، باب: الحدود كفارة لأهلها). هذا والفرق بين هذا وذاك أن الحدود القضائية في الدنيا تقام من أجل

стр. 1506

التسويات الحقوقية، وحراسة النظام والوضع الاجتماعي، ولا شأن للتوبة في ذلك. أما التبعات والآثام الأخروية المترتبة على المعاصي أيا كان نوعها، فهي بسبب تفريطه في جنب الله ، إذ لم يلتزم أوامره ونواهيه، والتوبة الصادقة تمحو كل ذلك كما أسلفنا.

стр. 1507

الصيال تعريفه: الصيال لغة: مصدر من صال يصول صولاً وصيالاً، وهي الاستطالة والمواثبة. والصائل شرعاً: كل من قصد مسلماً بأذى في جسمه أو عرضه أو ماله. دليل الصيال: والأصل في حكم الصيال قوله تعالي: ﴿فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين﴾ (سورة البقرة: ١٩٤)، وقوله ﵊: " من قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد". (رواه أبو داود [٤٧٧١] في السنة، باب: قتال اللصوص؛ والترمذي [١٤٢١] في الديات، باب: ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد). أنواع الصائل: يتنوع الصائل حسب تنوع ما يهدف إليه في عدوانه، فهو ينقسم بناء على ذلك إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الصائل على النفس، وهو الذي يستطيل بالظلم على غيره بقصد القتل أو الإضرار بالجسم بجرح ونحوه. القسم الثاني: الصائل على العرض، وهو الذي يتجه بالعدوان إلى امرأة ليست زوجته، قريبة كانت له أو أجنبية عنه، بقصد ارتكاب الزنى أو ارتكاب ما

стр. 1508

يتيسر له من مقدماته، وكالمرأة في ذلك الذكر. القسم الثالث: الصائل على مال الغير، والمال كل ما يتمول ويتقوم شرعاً، سواء في ذلك ما يمتلك بوجه من وجوه التملك الشرعي، أو بوضع اليد عليه مثل كلب الصيد والحراسة والأسمدة النجسة ونحوها. فيدخل في المال النقد والمتقومات المختلفة من أرض ودور ومنتفعات سواء أكانت طاهرة أم نجسة. حكم الصائل: مر بنا آنفاً أن الأصل في باب الصيال قوله تعالى: ﴿فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم﴾ (سورة البقرة: ١٩٤). فهذه الآية توضح لنا حكم الصائل، وهو جواز مقابلة اعتدائه بالمثل، أي بالرد والصد، وإن استلزم ذلك قتله. ويدخل في معنى الاعتداء الاستطالة بالأذى على كل من النفس والمال والعرض. فإذا قصد إنسان إلى أذى المسلم في نفسه أو عرضه أو ماله؛ فهو صائل، ويشرع للمسلم المصول عليه رده، وإن كان الصائل مساماً أو قريباً، إلا أن يكون والداً يصول على ابنه من أجل المال فلا يجوز رده بالمقاومة والعنف. متى يجب رد الصائل ومتى يجوز ذلك ؟ قلنا إن رد الصائل مشروع، وقد عرفت دليل ذلك من القرآن الكريم والسنة النبوية، ولكن هل يجب على المصول عليه أن يقاوم ويرد عنه صائله في كل الأحوال أو يجب عليه في بعض الأحوال ويجوز له في بعض الآخر؟ الواقع أنه يجب عليه الدفع في بعض الأحوال ويجوز له في البعض الآخر، وإليك بيان ذلك. الصيال على المال: إن الصيال إن كان على المال وكان المصول عليه هو المالك له فالمقاومة

стр. 1509

في مثل هذه الحال لا تعدو أن تكون جائزة، فإن شاء أن يستسلم ويترك للصائل المال، فله ذلك، وإن شاء أن يدفع الصائل فله ذلك أيضاً. هذا إذا كان المصول عليه مالكاً لهذا المال، وأما إذا لم يكن مالكاً له، بل كان أميناً عليه لأصحابه، كرئيس الدولة ونوابه والقائمين على حراسة أراضي المسلمين وممتلكاتهم، كالجيش والجند، فيجب عليهم مقاومة الصائل ورده، لأن الأمين على مال غيره ملزم بالمحافظة عليه، ولا يملك التبرع به. الصيال على البضع: وإن كان الصيال على بضع، فإن الرد والمقاومة ودفع الصائل تجب عندئذ أيا كان الصائل، مسلماً أو كافراً، قريباً أو غريباً، لأنه لا سبيل إلى إباحته، ومثل البضع مقدماته. الصيال على النفس: وإن كان الصيال على النفس نظر، فإن كان الصائل كافراً وجب رده، فإن تراخى عن ذلك باء بالإثم والعصيان، لأن الاستسلام للكافر ذل في الدين. وكذلك يجب الدفع إذا كان الصائل بهيمة، لأنها تذبح لاستبقاء الآدمي، فلا وجه للاستسلام لها. وكذلك يجب الدفع إن كان الصيال على عضو أو على منفعة عضو. وأما إن كان الصائل مسلماً وكان المصول عليه هو المقصود بالإيذاء والقتل، فإن الرد والمقاومة تكون عند ذاك جائزة ليست بواجبة، إذ له أن يضحي بحياته في سبيل أن يحقن دم أخيه المسلم ولو كان معتدياً عليه، بل استحب بعض الفقهاء ذلك لما رواه أبو داود عن النبي ﷺ قال: "فليكن كخير ابني آدم". (سنن أبي داود [٤٢٥٩] في الفتن والملاحم، باب: في النهي عن السعي في الفتنة؛ كما أخرجه الترمذي وابن ماجه في الفتن أيضاً). يعني قابيل وهابيل، أي كن كالذي لم يبسط يده إلى أخيه بالقتل وهو هابيل، ولا تكن كالمعتدي القاتل وهو قابيل، ولقد قص الله علينا قصتهما في القرآن الكريم إذ قال: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ

стр. 1510

الْمُتَّقِينَ. لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سورة المائة: ٢٧ - ٣٠). ولأن عثمان ﵁ يوم الدار منع عبيده من الدفاع عنه، وكانوا أربعمائة، وقال لهم: من ألقى سلاحه فهو حر، واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكره أحد منهم. وأما إن كان المصول عليه غير مقصود بالإيذاء أو القتل، بل كان المعتدي يهدف إلى أسرته وأولاده، أو يهدف إلى رعيته وشعبه، فإن المقاومة حينذاك واجبة، لأن المعتدي عليه أمين على أرواح الآخرين، لكونه رب أسرة، أو حاكم أمة. كيف يدفع الصائل ومتى يذهب دمه هدراً ؟ الصائل إما أن يكون معصوم الدم كالمسلم، أو غير معصوم الدم كالمرتد والزاني المحصن، فإن كان غير معصوم الدم، فللطرف المعتدى عليه أن يبدأ مباشرة بقتله، وليس عليه أن ينذر أو يبدأ بالأخف ثم الأشد. وأما إن كان معصوم الدم كمسلم وذمي ومعاهد، فإن تنبه المعتدى عليه إليه وهو يباشر الجريمة، كتلبسه بالفاحشة، أو قتل بريء فله أن يباشر القتل دون أية مقدمات، وإذا قتل الصائل في هذه الحالة فدمه هدر، لا قصاص فيه ولا دية. وأما إن تنبه إليه المعتدى عليه وهو يحاول الوصول إلى غايته العدوانية، من قتل أو سرقة أو فاحشة أو نحو ذلك؛ وجب عليه أن يدفع الصائل بالأخف فالأخف، على حسب غلبة الظن، فان أمكن دفعه بكلام واستغاثة حرم الضرب، وإن أمكن بضرب بيد حرم الضرب بسوط، وإن أمكن بالضرب بسوط حرم الضرب بعصا، وإن أمكن بقطع عضو حرم القتل، لأن ذلك جوز للضرورة، ولا ضرورة للأثقل متى ما أمكن بالأخف. فإن لم يندفع إلا بالقتل فقتله كان دمه هدراً لا قصاص فيه ولا دية، أما إذا
следующие страницы →