← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6369

الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 678 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

الدّعَاوى والبَيِّنات تعريف الدعاوى: الدعاوَي بفتح الواو، والدعاوي بكسر الواو، جمع دعوى. والدعوى لغة: الطلب. قال الله تعالى: ﴿ولم ما يدعون﴾ (سورة يس: ٥٧) أي: لهم ما يطلبون. والدعوى شرعاً: إخبار عن وجوب حق على الغير عند الحاكم تعريف البيِّنات: البيِّنات: جمع بينة، وهي: الحجة الواضحة، من البيان، وهو الإيضاح والكشف. والبيئة شرعاً: هم الشهود سُمُّوا بذلك لأن بهم يظهر الحق ويتضح. دليل مشروعية الدعاوي والبيِّنات: يستدل على تشريع الدعوى والبينات بالقرآن والسنة. أما القرآن فقول الله : ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (سورة النور: ٤٨). وقوله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (سورة آل عمران: ٢٣). وأما الحديث، فقول النبي ﷺ : " لو يعطي الناس بدعواهم لادعى ناس دماء

стр. 1612

رجالٍ وأموالهم، ولكن اليمين على المدعي عليه " (رواه البخاري [٤٢٧٧] في التفسير، باب: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ومسلم [١٧١١] في الأقضية، باب: اليمين على المدى عليه، عن عبدالله ن عباس ﵄. وروي مسلم [١٣٨] في الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، عن الأشعث بن قيس ﵁، قال: كان بيني وبين رجل أرض باليمن، فخاصمته إلي النبي ﷺ ، فقال: " هل لك بينة؟ " فقلت لا. قال " فيمينه ". وفي رواية " شاهداك أو يمينه " وروي الترمذي [١٣٤١] في الأحكام، باب: ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رسول الله ﷺ قال في خطبته: " البينة على المدعى، واليمين على المدعي عليه ". تعريف المدعي والمدعي عليه والفرق بينهما: المدعى: هو من خالف فوله الظاهر. والمدعى عليه: هو من وافق قوله الظاهر. والفرق بينهما أن المدعي يدعى حقاً على المدعى عليه، وقوله هذا مخالف للظاهر، وهو البراءة، والمدعى عيه ينكر ذلك الحق، والأصل ـ وهو البراءة ـ معه. حكمه كون البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه: الحكمة في ذلك: هي أن جانب المدعى ضعيف، لكون دعواه خلاف الأصل، فكلف الحجة القوية، وهي البينة، وأن جانب المدعى عليه قوي، لأنه متمسك بالأصل، وهو البراءة، فاكتفي منه بالحجة الضعيفة، وهي اليمين. وإنما كانت البينة قوية، واليمين ضعيفة، لأن الحالف متهم في يمينه بالكذب، لأنه يدفع عن نفسه، بخلاف الشاهد، فإنه غير متهم، لأنه يشهد لغيره كما جاء في الحديث الذي تقدم ذكره: " فأقضي له على نحو ما أسمع ".

стр. 1613

شروط صحة الدعوى: يشترط لصحة كل دعوى أمام القاضي، سواء كانت دعوي دم، أو غيره: كغصب وسرقة وإتلاف ستة شروط: الشرط الأول: أن تكون الدعوى معلومة، وذلك بأن يفصل المدعى ما يدعيه، كأن يقول المدعى: إن فلاناً قتل قريبي عمداً، أو يقول: قتله خطأ وحده أو اشترك مع فلان، فلو أطلق، وقال: هذا قتل قريبي لا تقبل دعواه، لكن يسن للقاضي أن يطلب منه أن يفصل دعواه. وإنما وجب عليه أن يفصل دعواه، لأن الأحكام تختلف باختلاف الحالات، فحكم العمد غير حكم الخطأ مثلاً. الشرط الثاني: أن تكون الدعوى ملزمة، فلا تسمع دعوى هبة مطلقة من غير دعوى الإقباض، كأن يقول المدعى: وهبني فلان مالاً، لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض فلو قال المدعي: وهبني وقبضته بإذن الواهب ـ والهبة تلزم بالقبض ـ فإن الدعوى تسمع عندئذ، ويقبلها القاضي. الشرط الثالث: أن يعين المدعى في دعواه المدعي عليه، واحداً كان أو جمعاً فلو قال عند القاضي: قتل قريبي أحد هؤلاء الثلاثة، لا يقبل القاضي دعواه حتى يعين المدعى عليه، لوجود الإبهام في دعواه من غير تعيين. فلو طلب المدعي من القاضي أن يحلفهم لا يحلفهم القاضي لعدم صحة الدعوي. الشرط الرابع: أن يكون المدعى مكلفاً: أي بالغاً عاقلاً، فلا تسمع دعوى صبي ولا مجنون. الشرط الخامس: أن لا يكون المدعي أو المدعى عليه حربياً، لا أمان له، فإن الحربي لا يستحق قصاصاً ولا غيره، لأن حقوقه مهدورة. الشرط السادس: أن لا تناقض الدعوى دعوى أخري، فلو ادعى على شخص أنه انفرد وحده بالقتل، ثم ادعى على آخر انه شريكه، أو انفرد وحده أيضاً بالقتل، لم تسمع الدعوى الثانية، لما فيها من تكذيب الدعوى الأولي ومناقضتها، إلا إذا صدقه المدعى عليه الثاني، فإنه يؤخذ بإقراره، وتسمع الدعوى عليه، فإذا

стр. 1614

استوفت الدعوى هذه الشروط كلها صحت وسمعها القاضي، ثم سأل المدى البينة بعد ذلك على صحة دعواه، فإن أثبتها حكم له بمدعاه. ما يتوقف فيه الحكم على الدعوى وما لا يتوقف: أفعال المكلفين من حيث تعلق الأحكام الشرعية بها أربعة أقسام: القسم الأول: أحكام شرعت والمقصود بها مصلحة المجتمع، فحكمها أنها حق خالص لله تعالى، وليس للمكلف فيها خيار، وتنفيذ هذه الأحكام عائد إلي ولي الأمر، ولا يتوقف الحكم فيها على دعوى عند القاضي. ومثالها: ١ - العبادات المحضة كالصلاة والصيام والحج وما تستند إليه هذه العبادات، من الإيمان والإسلام، فإن هذه العبادات إنما قصد بتشريعها إقامة الدين، وإقامته ضروري لنظام المجتمع. ٢ - العبادات التي فيها معنى المؤونة، كالزكاة وصدقة الفطر، فإنها عبادة من جهة أن المكلف يتقرب بها إلي الله تعالى، وفيها معنى الضريبة على المال أو النفس من جهة أخري. ٣ - الضرائب التي فرضت على الأرض الزراعية، سواء كانت عشرية أو خراجية، فإن المقصود من هذه الضرائب صرفها في مصالح المجتمع. ٤ - الضرائب التي فرضت فيما يغنم بالجهاد، أو فيما يوجد في باطن الأرض من الكنوز والمعادن. ٥ - أنواع من العقوبات الكاملة، وهو حد الزنى، وحد السرقة، وحد البغاة الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فساداً. ٦ - نوع من العقوبات القاصرة، وهي حرمان القاتل من الميراث، وسميت قاصرة، لأنها ليست بعقوبات جسدية، ولا مالية، وإنما هي منع له من حق كان يستحقه لو لم يقتل. ٧ - عقوبات فيها معنى العبادة: ككفارة اليمين والظهار والقتل الخطأ، فإن فيها معنى العبادة، لأنها تؤدي بما هو عبادة من صوم وصدقة وتحرير رقبة.

стр. 1615

فهذه الأنواع حق خالص لله تعالى، وإنما كان تشريعها لتحقيق مصالح الناس العامة، فلا يملك المكلف أن يسقط منها شيئاً، لان المكلف لا يملك أن يسقط إلا حق نفسه، وهذه ليست له، وإنما هي من حقوق الله تعالى، ولا يتوقف الحكم فيها على دعوى من المكلف أمام القضاء، كما أسلفنا. القسم الثاني: أحكام شرعت وكان المقصود بها مصلحة المجتمع والمكلف معاً، غير أن مصلحة المجتمع فيها أظهر، فحق الله فيها غالب. وحكم هذا القسم، كحكم ما هو حق خالص لله تعالى، لا يملك المكلف إسقاطه، ولا يتوقف الحكم فيه على دعوي أمام القضاء. القسم الثالث: أحكام شرعت، وكان المقصود بها مصلحة المكلف خاصة، فحكمها حق خالص لمكلف، مثال ذلك تضمين من أتلف مالاً بمثله أو قيمته، وهذا حق خالص لصاحب المال. وحبس العين المرهونة حق خالص للمرتهن. واقتضاء الدين حق خالص للدائن. فالشارع الحكيم أثبت هذه الحقوق لأصحابها، وجعل لهم الخيرة في أمرها، فإن شاؤوا استوفوها، وإن شاؤوا أسقطوها ويتوقف الحكم فيها على دعوى عند القاضي، وليس للقاضي أن يتبرع بإقامة الدعوى نيابة عنهم بغير دعواهم. القسم الرابع: أحكام شرعت وكان المقصود بها مصلحة المكلف والمجتمع غير أن مصلحة المكلف فيها أظهر وأغلب. وحكم هذا القسم كحكم القسم الثالث، وهو ما كان حقاً خالصاً للمكلف، ومثاله القصاص من القاتل عمداً، وحدٌ القذف من القاذف، فلا بد لاستيفائها والحكم بهما من إقامة دعوى عند القاضي. يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى، في متن المنهاج: (تشترط الدعوى عند قاض في عقوبة كقصاص وقذف، فلولي الدم أن يعفو عن القصاص، وله أن يسامح بالدية. وكذلك للمقذوف أو المقذوفة أن يسقط حقه في الحد ويسامح به). وبعض العلماء يجعل حد القذف مما غلب فيه حق الله تعالى، فلا يتوقف

стр. 1616

فيه الحكم على دعوى، ولا يملك المقذوف أو المقذوفة حق إسقاطه والعفو عن القاذف إذا ثبت القذف عند القاضي لا يشترط لإقامة حده دعوى عنده. بيان أن البينة علي المدعى واليمين على من أنكر: قلنا: إن البينة إنما هي الشهود وسموا بذلك لأن الحق يستبين بشهادتهم ويظهر، وإنما يكلف بإقامة البينة المدعى، الذي يدعي حقاً على غيره ليثبت دعواه، وإنما جعلت البينة عليه لأن جانبه ضعيف، إذ إنه يدعى خلاف الأصل، إذ الأصل في الناس براءة ذممهم حتى تثبت إدانتهم. لذلك كلف المدعى بالبينة، وهي حجته في ثبوت حقه. واليمين وهو الحلف بالله تعالى، أو بصفة من صفاته، وقد جعله الدين على المدعى عليه، ينفي به الدعوى عن نفسه، وإنما كلف المدعى عله باليمين، لأن جانبه قوي، إذ هو مؤيد بالبراءة الأصلية: كما قلنا، فاكتفي منه باليمين، وهو حجة ضعيفة. ودليل هذا التوزيع بين المدعى والمدعى عليه، قول النبي ﷺ : " البينة على المدعى واليمين علي من أنكر ". (رواه البيهقي) [٨/ ١٢٣] في القسامة. وقد سبق حديث البخاري [٤٢٧٧] ومسلم [١٧١١] عن ابن عباس ﵄: " ... ولكن اليمين على المدعى عليه ". وحديث مسلم [١٣٨] عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄: " البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه ". وقد مر تخريج هذه الأحاديث. فإذا أقام المدعى البينة على دعواه، حكم له القاضي، وليس له أن يطلب من المدعى عليه أن يحلف على نفي الدعوى، وليس للمدعي عليه أن يطلب من القاضي أن يحلف المدعى بعد إقامة البينة، لأن في ذلك تكليف المدعى أن يقيم حجة بعد حجة.

стр. 1617

عجز المدعي عن إقامة البينة: إذا عجز المدعى أن يقيم البينة على ما يدعيه، بأن لم يكن له بينة، أو أن الشهود ماتوا مثلاً، فإن القاضي يطلب من المدعى عليه أن يحلف على نفي ما يدعيه المدعى، فإن حلف حكم القاضي ببراءته. امتناع المدعى عليه من حلف اليمين: إذا لم يكن للمدعى بينة، وامتنع المدعى عليه من اليمين، ردت اليمين على المدعى، فيطلب منه القاضي، أن يحلف على مدعاه، فإذا حلف استوجب ما يدعيه وحكم له به القاضي عملاً بفعل النبي ﷺ ، فقد رد اليمين إلي المدعى. روي الحاكم [٤/ ١٠٠] عن ابن عمر ﵄ قال: إن النبي ﷺ رد اليمين على طالب الحق. حكم يمين الرد كالإقرار: ويمين الرد، وهي ـ كما قلنا ـ يمين المدعي بعد نكول خصمه، كإقرار الخصم، لا كالبينة، لأنه قد توصل باليمين بعد نكول المدعى عليه إلي الحق، فأشبه إقراره به، فيجب الحق للمدعى بعد فراغه من اليمين من غير افتقار إلي حكم كالإقرار، ولا تسمع بعدها حجة بمسقط، أو إبراء، لتكذيبه لها بنكوله عن اليمين، لأن نكوله كالإقرار، كما مر. امتناع المدعي عن اليمين: إذا امتنع المدعى عن اليمين بعد إذ ردها إليه القاضي ولا عذر له سقط حقه، لإعراضه عن اليمين. ويسن للقاضي أن يبين حكم النكول للجاهل له، فيقول له: إن نكلت عن اليمين حلف المدعى وأخذ منك الحق، أو يقول للمدعى إن امتنعت عن يمين الرد سقط حقك، فإن لم يبين لهما وحكم لمجرد النكول نفذ حكمه، وكان المدعى أو المدعى عليه مقصراً بترك البحث عن حكم النكول. سكوت المدعى عليه: إذا أصر المدعي عليه على السكوت عن جواب الدعوى لغير عذر، جعل كمنكر للمدعى به، وجعل أيضاً ناكلاً عن اليمين، وترد اليمين على المدعى.

стр. 1618

بيان النكول: النكول لغة: مأخوذ من نكل عن العدو، وعن اليمين إذا جبن. والنكول شرعاً: أن يقول المدعى عليه: أنا ناكل، أو يقول له القاضي: احلف فيقول: لا أحلف، أو يصر على السكوت، كما مر. إذا ادعى اثنان شيئاً: إذا ادعى شخصان شيئاً، كأرض مثلاً، فادعى كل واحد منهما أنها له، ولا بينة لأحدهما، فإن كانت الأرض في يد أحدهما، فالقول قول صاحب اليد بيمينه، فيحلف على أنها له، ويستحقها، عملاً بالأصل، واستصحاب الحال، فإن وجودها بيده يرجح أنها ملكه، حيث لا بينة تخالفه، لأن الأصل أن لا تدخل في يديه إلا بسبب مشروع، وإن كانت في أيديهما، ولا بينة كما قلنا لأحدهما، تحالفا، وجعلت الأرض بينهما. ومعنى تحالفا: أي حلف كل منهما على نفي أن تكون الأرض ملكاً للآخر، ودليل ذلك ما رواه أبو داود [٣٦١٣] عن أبي موسى الأشعري ﵄: أن رجلين ادعيا بعيراً أو دابة إلي النبي ﷺ ، ليست لواحد منهما بينة، فجعله النبي ﷺ بينهما، ورواه الحاكم أيضاً [٤/ ٩٥] وقال: هذا حديث صحيح. البينات وأنواعها: لقد سبق تعريف البينات، ودليل مشروعيتها، في أول بحث الدعاوي والبينات. والبينات أنواع: فقد تكون البينة شاهدين ذكرين، وقد تكون رجلاً وامرأتين، وقد تكون شاهداً ويميناً، وقد تكون أربع نسوة، وقد تكون أربعة جال، وسنفصل هذا في بحث الشهادات.

стр. 1619

الشهادات تعريف الشهادات: الشهادات جمع شهادة، من الشهود بمعني الحضور. والشهادة لغة: الخبر القاطع. والشهادة شرعاً: إخبار عن شيء بلفظ خاص. دليل مشروعية الشهادة: الشهادة مشروعة بنص القرآن والسنة، وإجماع الأمة. أما القرآن فقول الله : ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (سورة البقرة: ٢٨٢) وقوله ﵎: ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ (سورة البقرة: ٢٨٣). وأما السنة، فما رواه مسلم [١٣٨] في الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، عن الأشعث بن قيس ﵁ قال: كان بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلي رسول الله ﷺ فقال: " شاهداك أو يمينه ". وأما الإجماع، فهو منعقد علي مشروعية الشهادة، واستحبابها، ولم يخالف بذلك أحد من العلماء. حكمة تشريع الشهادة: والحكمة من تشريع الشهادة صيانة الحقوق، وإثباتها، فلو لم تشرع الشهادة لأمكن أن يضيع كثير من الحقوق، ويتعذر إثباتها لأصحابها، وهذا

стр. 1620

ينافي غرض الإسلام وحرصه على أن يصل كل إنسان إلي حقه، من غير نزاع ولا صراع، فكان تشريع الشهادة تلبية إذاً لحاجة مقصودة، ومصلحة أكيدة. اختلاف الشهادات من حيث عدد الشهود: الحقوق المشهود بها نوعان: حق الله، وحق العباد. النوع الأول: حق الله تعالي: وهذا النوع من الحقوق لا يقبل فيه شهادة النساء، بل لا بد فيه من شهادة الرجال، لأن شهادة النساء لا تخلو من شبهة النسيان والخطأ، وهذه حقوق يؤخذ فيها بالاحتياط. وحقوق الله هذه ثلاثة أضرب: الضرب الأول: لا يقبل فيه أقل من أربعة شهود، وهو الزنى. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (سورة النور: ٤) فقد رتب الجلد على عدم الإتيان بأربعة شهداء، فدل بذلك على أن الزني لا يثبت بأقل منهم. وقال تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ﴾ (سورة النساء: ١٥). وقال عز من قائل، في حادثة الإفك: ﴿َوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (سورة النور: ١٣). دل ذلك على أن نصاب الشهادة في الزني أربعة من الذكور. وبيّن هذا حديث مسلم [١٤٩٨] في كتاب اللعان، أن سعد بن عبادة ﵁، قال: يا رسول الله ﷺ : " نعم "، قال: كلا والذي بعثك بالحق، إن كنت لأعاجلنه بالسيف قبل ذلك، قال رسول الله ﷺ " اسمعوا إلي ما يقول سيدكم، إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني ". وقال ذلك عندما نزل: ﴿والذين يرمون المحصنات .... ﴾ ثم نزلت آيات اللعان فسحة للأزواج.

стр. 1621

الحكمة من وجود أربعة شهداء في الزنى: الحكمة من طلب أربعة شهداء على ثبوت حد الزني، أن الزني لما كان يقوم بين اثنين: الرجل والمرأة، صار كالشهادة على فعلين، فاحتاج إلي أربعة من الشهود. وكذلك فإن الزني من أغلظ الفواحش، فغلظت الشهادة فيه ليكون أستر على الناس. وإنما تقبل شهادة الشهود في الزني، إذا قالوا: حانت منا التفاته فرأينا ذلك كاملاً، أو قالوا: إنا تعمدنا النظر لأداء الشهادة. الضرب الثاني: وهذا يقبل فيه رجلان اثنان، وهو ما سوى الزني من حقوق الله ، مثل الردة، وقطع الطريق، وقتل النفس، والسرقة، وشرب الخمر. ودليل ذلك عموم قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (سورة البقرة: ٢٨٢). وقوله : ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (سورة الطلاق: ٢). وقوله ﷺ : " شاهداك أو يمينه ". (رواه مسلم: [١٣٨]). وقول الزهري: (مضت السنة بأنه لا يجوز شهادة النساء في الحدود). الضرب الثالث: وهذا يقبل فيه شهادة رجل واحد، وهو هلال رمضان بالنسبة للصوم، وذلك احتياطاً له. إذ الخطأ في فعل العبادة أقل مفسدة من الخطأ في تركها، ولذلك لا يقبل في هلال شوال أقل من شاهدين رجلين. روي أبو داود [٢٣٤٢] في الصوم، باب: شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان، عن أبي عمر ﵄، قال: تراءي الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رايته فصامه وأمر الناس بصيامه. النوع الثاني: حق العباد: وهذا النوع أيضاً على ثلاثة أضرب: الضرب الأول: لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين، وهو مالا يقصد منه المال، ويكون مما يطلع عليه الرجال: كالطلاق، والرجعة، والإسلام والردة، والجرح، والتعديل، والوقف والوصية، ونحو ذلك.

стр. 1622

ودليل ذلك أن الشريعة نصت علي شهادة الرجلين في النكاح والطلاق والوصية، وقيس عليها ما لم يذكر فيها نص، مما هو مثلها من كل حق لآدمي لا يقصد به المال. قال تعالى، في الطلاق: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (سورة الطلاق: ٢) وقال في الوصية: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (سورة المائدة: ١٠٦). وقال رسول الله ﷺ في الزواج: " لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل ". (رواه الشافعي في مسنده، وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: إنه اصح شيء في الباب ـ انظر: مغني المحتاج ٣/ ١٥٥ ـ ورواه ابن حبان [١٢٤٧] وقال: لا يصح في ذكر الشاهدين غيره). وقال الزهري ﵀: مضت السنّة بأن لا يجوز شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح والطلاق. الضرب الثاني: يقبل فيه شاهدان رجلان، أو رجل وامرأتان، أو شاهد ويمين المدعى، وهو كل حق كان القصد منه المال، من عين أو دين أو منفعة، كالبيع، والإقالة، والحوالة، والضمان، والإجارة، والرهن، والشفعة، ونحوهما. ودليل ذلك قول الله : ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ (سورة البقرة: ٢٨٢). وروي مسلم [١٧١٢] في الأقضية، باب: القضاء باليمين والشاهد، عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد. وفي مسند الشافعي: قال عمرو ـ أي ابن دينار راويه عن ابن عباس ـ: في الأموال. [الأم: ٦/ ١٥٦ هامش]. وقيس ما ذكر غيرها من كل حق فيه مال. الضرب الثالث: يقبل فيه شهادة رجلين، أو شهادة رجل وامرأتين، أو أربع نسوة، وذلك في كل حق للآدمي لا يطلع عليه الرجال غالباً، وذلك مثل الولادة، والرضاعة، والبكارة، وعيوب النساء.

стр. 1623

ودليل ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن الزهري رحمه الله تعالى، قال: مضت السنة بأنه يجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن، من ولادة النساء وعيوبهن. [الإقناع: ٢/ ٢٩٧]. ومثل هذا القول من التابعي حجة، لأنه في حكم الحديث المرفوع، إذ لا يقال مثله من قبيل الرأي والاجتهاد. وقيس بما ذكر غيره مما يشاركه في معناه وضابطه، واشترط العدد لأن الشارع جعل شهادة المرأتين بشهادة رجل واحد، وإذا قبلت شهادة النساء منفردات في شؤونهن، فقبولها مع اشتراك رجل، وامرأتين أولي، لأن الأصل في الشهادة الرجال، وكذلك إذا انفرد الرجال بالشهادة. تنبيه: قال العلماء: لا تقبل شهادة على فعل من الأفعال، كالزنى وشرب الخمر ونحوهما، إلا بالإبصار والمعاينة لذلك الفعل مع فاعله، لأنه بذلك يصل به إلي العلم اليقين، فلا يكفي فيه السماع من الغير، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (سورة الإسراء: ٣٦). إلا أنه في الحقوق اكتفي فيها بالنظر المؤكد، لتعذر اليقين فيها، والحاجة تدعو إلي إثباتها، كالعدالة والإعسار، فلا سبيل لمعرفة ذلك يقيناً، فاكتفي فيه بغلبة الظن. شروط الشهادة: الشهادة قسمان: شهادة تحمل، وشهادة أداء. أولاً: شروط تحمل الشهادة: لا يشترط عند تحمل الشهادة إلا شرط واحد، ألا وهو التمييز، لأنه به يعي الإنسان ما شاهده، ويحفظ ما يراه. ثانياً: شروط أداء الشهادة: يشترط في الشاهد عند أداء الشهادة الشروط التالية: ١ - الإسلام، فلا تقبل شهادة كافر على مسلم، ولا على كافر. ودليل ذلك قول الله

стр. 1624

تعالي: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ (سورة البقرة: ٢٨٢) والكافر ليس من رجالنا. وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (سورة الطلاق: ٢) والكافر ليس بعدل، كما أنه ليس منا أيضاً، لأنه لا يؤمن كذبه، وأيضا فالشهادة ولاية، ولا ولاية للكافر. ٢ - البلوغ، فلا تقبل شهادة الصبي، ولو مميزاً، لأن الله قال: ﴿من رجالكم﴾ والصبي لم يبلغ مبلغ الرجال، ولأنه لا يؤمن كذبه، لأنه غير مكلف. ٣ - العقل، فلا تقبل الشهادة من مجنون، لعدم معرفته بما يقول، وللإجماع أيضاً على عدم جواز شهادته. ٤ - الحرية، فلا تقبل شهادة العبد، لأن الشهادة فيها معنى الولاية، والعبد مسلوب الولاية. ٥ - العدالة، فلا تقبل شهادة الفاسق، لقوله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (سورة الحجرات: ٦)، ولقوله : ﴿واستشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (سورة الطلاق: ٢)، وقوله ﵎: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ (سورة البقرة: ٢٨٢) وغير العدل ممن لا يرضي ولا يؤمن كذبه. ٦ - أن يكون غير متهم في شهادته، لقول الله : ﴿ذلكم اقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدني أن لا ترتابوا﴾ (سورة البقرة: ٢٨٢) والريبة حاصلة بالمتهم. وبناء على ذلك لا تقبل شهادة عدو على عدوه، ولا شهادة والد لولده، ولا والد لوالده، لتهمة التحامل على العدو، والمحاباة للوالد، أو الولد. روي أبو داود [٣٦٠٠] في الأقضية، باب: من ترد شهادته، عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا زان ولا زانية، ولا ذي غمر على أخيه ". وفي رواية عند الترمذي [٢٢٩٩] في الشهادات، باب: ما جاء فيمن لا تجوز عن عائشة ﵂: " ولا

стр. 1625

ظنين في ولاء ولا قرابة". وعند مالك [٢/ ٧٢٠] في الأقضية، باب: ما جاء في الشهادات، عن أنس ﵁ بلاغاً: " لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ". [الغمر: الحقد والغل والشحناء. الظنين: المتهم] ٧ - أن يكون ناطقاً، فلا تقبل شهادة الأخرس، وإن كانت إشارته مفهمة، احتياطياً في إثبات الحقوق. ٨ - أن يكون الشاهد يقظاً، فلا تقبل شهادة المغفل لاحتمال الخطأ والغلط في شهادته شروط العدالة في الشهادة: للعدالة في الشاهد خمسة شروط: ١ - أن يكون مجتنباً للكبائر. ٢ - غير مصر على القليل من الصغائر. ٣ - سليم السريرة. ٤ - مأموناً عند الغضب. ٥ - محافظاً على مروءة مثله. فالكبائر من الذنوب: هي كل ما ورد فيه وعيد شديد في كتاب أو سنة، ودل ارتكابه على تهاون في الدين: كشرب الخمر، والتعامل بالربا، وقذف المؤمنات بالزنى: قال الله تعالي: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (سورة النور: ٤). والصغائر: هي ما لم ينطبق عليه تعريف الكبيرة، كالنظر المحرم، وهجر المسلم فوق ثلاثة أيام، ونحو ذلك. ومعني سليم السريرة: أي سليم العقيدة، فلا تقبل شهادة من يعتقد جواز سب الصحابة ﵃. ومعنى مأموناً عند الغضب، أي لا يتجاوز الحد في تصرفه إذا غضب، ولا

стр. 1626

يقع في الباطل والزور، إذا ما استثير. ومعني مروءة مثله: أي متخلقاً بأخلاق أمثاله من أبناء عصره، ممن يراعون آداب الشرع ومناهجه في الزمان والمكان، ويرجع في هذا غالباً إلي العرف. فإذا قلت مروءة الشخص، قل حياؤه، ومن قل حياؤه قال ما شاء. قال رسول الله ﷺ " إذا لم تستح فاصنع ما شئت " (أخرجه البخاري). [٣٢٩٦] في الأنبياء. وكذلك لا تقبل شهادة من يجر لنفسه نفعاً بشهادته، أو يدفع عنها ضرراً: مثال الأول: أن يشهد الوارث أن مورثه مثلاً قد مات قبل أن يندمل جرحه، وغرضه من هذه الشهادة أخذ الدية، فلا تقبل. ومثال الثاني: أن تشهد العاقلة مثلاً في قتل الخطأ أن الشهود الذين شهدوا على القتل كانوا فسقة، حتى لا يتحملوا الدية. والأصل في رد هذه الشهادات وجود التهمة. شهادة الأعمى: الأصل في شهادة الأعمى أنها لا تجوز، لأنه لا يستطيع أن يميز بين الخصوم، ولكن العلماء جوزوا شهادته في خمسة مواضع: ١ - الموت. ٢ - النسب. ٣ - الملك المطلق: وذلك كأن يدعي شخص ملك شيء، ولا منازع له فيه، فيشهد الأعمى،: أن هذا الشيء مملوك، دون أن ينسبه لمالك معين. وإنما قبلت شهادة الأعمى في هذه الأمور، لأنها مما يثبت بتسامع الناس لها وتناقلها بينهم، واستفاضتها فيهم، ولا تفتقر إلي مشاهدة وسماع خاص، لأنها تدوم مدة طويلة، يعسر فيها إقامة البينة على ابتدائها لذهاب من حضرها في غالب الأحيان. ٤ - الترجمة: أي بيان كلام الخصوم والشهود وتوضيحها، لأن ذلك يعتمد على

стр. 1627

اللفظ لا على الرؤية. ٥ - على المضبوط: أي على الممسوك، وذلك: كأن يقول أحد في أذن الأعمى قولاً من إقرار، أو طلاق، ونحوه، فيمسكه ويذهب به إلي القاضي ويشهد عليه بما قاله في أذنه. حكم الرجوع عن الشهادة وما يترتب على ذلك: أولاً: حكم الرجوع عن الشهادة: الرجوع عن الشهادة حرام، إن كان الشهود صادقين في شهادتهم، لأن في رجوعهم تضييعاً للحقوق، ويعتبر رجوعهم كتماناً للشهادة. والله يقول: ﴿َلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (سورة البقرة: ٢٨٣) أما إذا كان الشهود كاذبين فرجوعهم عن الشهادة واجب، لأنها شهادة زور، وهي كبيرة من الكبائر. ثانياً: ما يترتب على رجوعهم عن الشهادة: وإذا رجع الشهود عن الشهادة التي كانوا قد شهدوا بها، فإما أن يكون رجوعهم عنها قبل الحكم، أو بعده. وإذا كان رجوعهم عنها بعد الحكم، فإما أن يكون ذلك الرجوع قبل استيفاء الحقوق من مال أو عقوبة، أو بعد استيفائها، فهذه حالات ثلاث نذكرها فيما يلي: أ) رجوعهم عن الشهادة قبل الحكم: فإن كان رجوعهم عن الشهادة قبل حكم الحاكم به امتنع الحكم بشهادتهم، سواء شهدوا شهادة غيرها، أم لم يشهدوا، وسواء كانت شهادتهم مال، أو بعقوبة، لأن الحاكم لا يدري: اصدقوا في الأولي، أو في الثانية، أم صدقوا في الشهادة أو في الرجوع، فينتفي ظن الصدق بشهادتهم، وأيضاً فإن كذبهم ثابت لا محالة، إما في الشهادة الأولي، أو في الشهادة الثانية، وفي الشهادة أو في الرجوع عنها ولا يجوز الحكم بشهادة الكاذب. وإن رجعوا عن شهادة في زني حدوا حد القذف، لأن شهادتهم قذف للمقذوف.

стр. 1628

ب) رجوعهم عن الشهادة بعد الحكم وقبل استيفاء الحق: وإن كان رجوع الشهود عن الشهادة بعد حكم القاضي بها، ولكن ذلك الرجوع كان قبل استيفاء الحق ممن هو عليه: ـ فإن كان المشهود به مالاً نفذ الحكم به، واستوفي المال ممن هو عليه، لأن القضاء قد تم، وليس الحكم بالمال مما يسقط بالشبهة، حتى يتأثر بالرجوع، فينفذ الحكم، ويستوفي المال، مادام الحكم قد صدر قبل رجوعهم. ـ وإن كان الحق المشهود به عقوبة، سواء كانت لله تعالي: كالزني، أم كانت لآدمي: كالقذف، فلا تستوفي العقوبة، مادام الشهود قد رجعوا عن شهادتهم قبل استيفائها، لأنها تسقط بالشبهة، والرجوع عن الشهادة شبهة. روي الترمذي [١٤٢٤] في الحدود، باب: ما جاء في درء الحدود، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : " ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الأمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ". ج) رجوعهم عن الشهادة بعد الحكم وبعد استيفاء الحق: وإن كان رجوع الشهود عن الشهادة بعد الحكم بها، وبعد الاستيفاء للمحكوم به، لم ينقض الحكم، لتأكد الأمر، ولجواز صدقهم في الشهادة، وكذبهم في الرجوع، أو العكس ذلك. وليس أحدهما بأولي من الآخر، فلا ينقض الحكم بأمر مختلف ومشكوك فيه يترتب على رجوعهم هذا: ـ أنه إن كان الحق المستوفي من المشهود عليه عقوبة: كأن كان قصاصاً في نفس أو طرف، أو قتلاً في ردة أو رجماً في زني، ومات المشهود عليه، ثم رجعوا عن الشهادة، وقالوا: تعمدنا الشهادة، ولا نعلم حال المشهود عليه، أو قالوا: تعمدنا الكذب في الشهادة، فعليهم القصاص، أو دية مغلظة في مالهم موزعة على عدد رؤوسهم، لتسببهم إلي إهلاك المشهود عليه. ـ ولو شهدوا بطلاق بائن، أو لعان، وفرق القاضي بين الزوجين، فرجعا عن

стр. 1629

الشهادة دام الفراق، لأن قولهما في الرجوع محتمل الكذب والصدق، فلا يرد الحكم بقول محتمل، وعلي هؤلاء الشهود الراجعين عن الشهادة مهر مثل للزوج، لأنه بدل ما فوتوه عليه. ـ ولو رجع شهود شهدوا على مال بعد الحكم واستيفاء المال غرموا المال الذي استوفي من المحكوم عليه، لأنه بدل ما فوتوه عليه.

стр. 1630

اليمين ، وآدابه، وكيفيته، وحكم النكول تعريف اليمين: اليمين في اللغة، تطلق على اليد اليمنى، وإنما أطلقت اليمين على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالوا، يأخذ كل واحد منهم بيمين صاحبه. وسميت اليد اليمنى بهذا الاسم لوفور قوتها. قال الله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ (سورة الحاقة: ٤٥) أي بالقوة. واليمين شرعاً: توثيق أمر غير ثابت المضمون ـ ماضياً أو مستقبلاً، نفياً أو إثباتاً ـ بذكر اسم من أسماء الله ، أو صفة من صفاته. ما يصح به اليمين: واليمين لا تصح ولا تنعقد إلا بذات الله ، أو صفة من صفاته. روي البخاري [٦٢٧٠] في الإيمان والنذور، باب: النهى عن الحلف بغير الله تعالى عن عبدالله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب، وهو يسير في ركب، يحلف بأبيه: فقال: " ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت. فاليمين إذاً لا يصح ولا ينعقد إلا بما ذكر، وهو بغير ذلك معصية يأثم الحالف بها. روي الترمذي [١٥٣٥] في الأيمان والنذور، باب: ما جاء في كراهية

стр. 1631

الحلف بغير الله، عن سعد بن عبيدة، أن ابن عمر ﵄ سمع رجلاً يقول: لا والكعبة، فقال له: لا تحلف بغير الله، فإن سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك " قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال: هذا على التغليظ. آداب اليمين: لليمين آداب ينبغي مراعاتها، منها ما هو واجب، ومنها ما هو دون ذلك، ومن هذه الآداب: ١ - تعظيم القاضي لأمر اليمين، حيث يستحب له أن يعظ الحالف قبل الحلف، ويعظم له حرمة اليمين، ويخوفه من اليمين الفاجرة، أي الكاذبة، ويقرأ عليه من الآيات والأخبار ما فيه عظة ومزدجر. ٢ - الحلف حال الصدق، فإذا توجهت اليمين إلي المدعى عليه، وهو يعلم من نفسه، أنه لو حلف كان صادقاً، فإنه يباح له أن يحلف، ولا شيء عليه من إثم ولا غيره، لأن الله شرع اليمين، ولا يشرع ما فيه إثم، بل إن حلفه ربما كأن أولي من تركه، وذلك لأمرين: الأمر الأول: حفظ حقه من الضياع، وقد نهى الشرع عن إضاعته. الأمر الثاني: تخليص أخيه الظالم من ظلمه، وأكله مال غيره بغير حق، وهذا من باب النصح النصر له، وذلك بكفه عن ظلمه. وهذا من باب النصح والنصر له، وذلك بكفه عن ظلمه. ويؤيد هذا ما روي عن النبي ﷺ أنه أشار على رجل أن يحلف، ويأخذ حقه، وقد حلف عمر بن الخطاب ﵁ لأبي ﵁ على نخل، ثم وهبه له. ٣ - التورع عن الحلف حال الكذب، إذ الحلف الكاذب الذي يقتطع به حق الغير، ويؤكل به مال الناس بالباطل جريمة نكراء، وإثم كبير، فإذا كان المدعي عليه يعلم من نفسه الكذب، فينبغي له ن ويجب عليه أن يترك اليمين، ويتورع عنه، ويعترف بالحق على نفسه، ويرده إلي صاحبه، ولا يوقع نفسه في الإثم، ومعصية الله تعالي، والحرمان من رحمته.

стр. 1632

قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (سورة آل عمران: ٧٧). [لا خلاق لهم: لا نصيب لهم من الثوب في الآخرة، ولا يزكيهم: ولا يطهرهم من رجس الذنوب]. وقال رسول الله ﷺ : " من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان ". (رواه البخاري [٦٢٩٩] في الإيمان، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ومسلم [١٣٨] في الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة، عن عبدالله بن مسعود ﵁ [يمين صبر: أصل الصبر: الحبس، وقتل فلان صبراً: أي حبساً على القتل، ويمين الصبر: أن يلزم الحاكم الخصم اليمين حتى يحلف. يقتطع: يأخذ بغير حق]. وروي البخاري [٦٢٩٨] في الأيمان والنذور: باب: اليمين الغموس، عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ قال: " الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس". [اليمين الغموس: اليمين التي يتعمد صاحبها فيها الكذب، سميت غموساً، لأن صاحبها يستحق أن يغمس في النار]. كيفية اليمين: وكيفية الحلف، أن الحالف إما أن يحلف على فعل نفسه، أو على فعل غيره: - فإن أراد أن يحلف على فعل نفسه، فليحلف على البت والقطع، إثباتاً كان أو نفياً، لأنه يعلم حال نفسه، ويطلع عليها، فيقول في البيع والشراء مثلاً: ولله لقعد بعت بكذا، أو يقول في النفي: والله ما بعت بكذا. - وإن أراد أن يحلف على فعل غيره: فإن كان في الإثبات: كالبيع والشراء

стр. 1633

والغصب ونحوها، فليحلف أيضاً على البت والقطع، لأنه يسهل معرفة ذلك والوقوف عليه فيقول: والله لقد باع بكذا، أو اشتري بكذا، أو والله لقد اغتصب كذا. وإن كان يحلف على النفي، فليحلف على نفي العلم، لأن النفي المطلق يعسر الوقوف عليه، فيقول مثلاً: والله ما علمت أن فلاناً سدد ما عليه. حكم النكول عن اليمين: مر معنا بيان النكول، وقلنا: هو أن يمتنع المدعى عليه من الحلف بعد أن يعرضها عليه القاضي، وهنا نبين حكم النكول في اليمين. قال الشيخ عز الدين رحمه الله تعالى: إذا كان المدعى كاذباً في دعواه، وكان المدعى به ـ أي الذي يدعيه المدعى ـ مما لا يباح بالإباحة: كالدماء والأبضاع: فإن علم المدعى عليه أن خصمه لا يحلف على ما يدعيه، إن هو نكل عن اليمين، فإنه يتخير إن شاء حلف، وإن شاء نكل. وإن علم أو غلب على ظنه أنه يحلف، وجب عليه أن يحلف حتى لا تستحل الدماء والأبضاع باليمين الكاذبة. فإن كان المدعى به مما يباح بالإباحة كالأموال، وعلم المدعى عليه أو ظن أن المدعي لا يحلف إذا نكل فيتخير أيضاً، وإن علم أو غلب على ظنه أنه يحلف فالذي أراه وجوب الحلف دفعاً لمفسدة كذب الخصم. أما ما يترتب علي امتناع المدعى عليه عن الحلف وحلف المدعى فقد مر في بحث البينة: البينة على المدعى واليمين على من أنكر، وهو أنه يرد اليمين على المدعى، فإن أبي سقطت الدعوى. والله أعلم.

стр. 1634

الباب السابع القسمة

стр. 1635

القسمة تعريف القسمة: القسمة: لغة مأخوذة، من قسم الشيء يقسمه، إذا فصله إلي أجزاء. والقسمة شرعاً: تمييز بعض الأنصباء عن بعض تبعاً لمصلحة الشركاء، وطبقاً لشروط مخصوصة، وكيفيات معينة. مشروعية القسمة: القسمة مشروعة نص الكتاب والسنة، ودليل الاجتهاد والنظر. أما الكتاب، فقول الله : ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ (سورة النساء: ٨). فقد علق الأمر بإكرام اليتيم وأولي القربى على حضورهم قسمة المال، فدل ذلك على مشروعيتها، وعدم وجود ما يمنع منها، إذا جرت على أصولها المشروعة. وأما السنة، فقد روي البخاري [٢١٣٨] في الشفعة: باب: الشفعة فيما لم يقسم، ومسلم [١٦٠٨] في المساقاة، باب: الشفعة، عن جابر ﵁ قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. فتعليق حق الشفعة على عدم القسمة فرع عن مشروعيتها، ودليل على جوازها، كما دلت الآية المذكورة سابقاً.

стр. 1636

وأما دليل النظر والاجتهاد، فهو أن الشركة لما كانت عقداً جائزاً من الشريكين، أي لكل منهما فسخها متى شاء كان لابد للقسمة أن تكون مشروعة استجابة لرغبة كل منهما، إذ لا معنى لانفساخ الشركة، إذا لم يكن سبيل إلي القسمة، ولأن في القسمة مصلحة صاحب الحق عندما يرى مصلحته في ذلك. أنواع القسمة: تنحصر القسمة المشروعة في ثلاثة أنواع، وذلك بالنظر إلي طبيعة المال الذي تعلقت به القسمة. النوع الأول: القسمة بالأجزاء ـ وتسمى أيضاً: قسمة المتشابهات ـ: وهي التي تتعلق بمال لا تحتاج قسمته إلي رد، ولا إلي تقويم، ولا إلي التجاء لسبيل من سبل التسوية بين الأقسام: كالمثليات من حبوب، ورداهم، وأقمشة، ونحوها، وكأرض مستوية القيمة والأجزاء. ويمتاز هذا النوع من القسمة بسهولة تقسيمه، وإن تفاوتت الحصص. النوع الثاني: قسمة التعديل: وهي تطلق على تقسيم كل متمول تختلف قيمة أجزائه: كأرض تختلف قيمة أجزائها بسبب اختلافها في قوة الإنبات، وخصوبة التربة، أو القرب من الماء، أو نحو ذلك، بحيث تكون قيمة ثلثها كقيمة ثلثيها مثلاً. ويمتاز هذا النوع من القسمة بضرورة ملاحظة القيمة دون الاقتصار على المساحة أو الشكل أو الكيل وحده. النوع الثالث: القسمة بالرد: وهي أن تتعلق بمتمول يمتاز ببعض أجزائه بشيء غير قابل للقسمة، ولا يوجد نظيره في الطرف الآخر، أو الأجزاء الأخرى، كأن يكون في أحد جانبي الأرض بئر أو شجر، وليس في الجان الآخر ما يعادله، إلا بواسطة ضميمة خارجية إليه.

стр. 1637

ويمتاز هذا النوع بضرورة إدخال الجبر على التقسيم فيه ن كي تتحقق العدالة في القسمة. فإذا تأملت في هذه الأنواع الثلاثة للقسمة أدركت أن بينها قدراً مشتركاً من الشبه، وهو أنها جميعاً تتعلق بأموال قابلة للقسمة من حيث المبدأ، أي لا ضرر في قسمتها، وإن اختلفت هذه الأنواع عن بعضها في طريق القسمة: أي يقع ضرر بالمالك بسبب قسمته: كالجوهرة، والثوب، والرحى، والبئر، والسيارة، ونحو ذلك. فلا يدخل في القسمة المشروعة، ولا يجبر الطرف الممتنع عن القسمة على القسمة، لأن فيه إضاعة للمال، وإضراراً بالمالك، بل يحرم التقسيم وإن رضي الطرفان، إذا كان فيه نقص بين للمنفعة، أو إهدار لها، لأنه من التبذير الذي نص الله على وجوب اجتنابه. أحكام القسمة: للقسمة أحكام نذكرها فيما يلي: أولاً: شأن القسمة أن يتولاها الشركاء، أو من يرتضونه، أو من يحكمونه عند الاختلاف، أو من ينصبه الحاكم. فأما في الحالتين الأوليين، فلا يشترط أكثر من التراضي وموافقة الأطراف،. وأما في الحالتين الأخيرتين، فيشترط في القاسم أن يكون: ذكراً، مسلماً، بالغاً، عاقلاً، حراً، عدلاً، عالماً، بالحساب والمساحة، وذلك لأن القاسم له ولاية على من يقسم لهم، لأن قسمته ملزمة، ومن لم تتوفر فيه هذه الشروط، فليس من أهل الولاية. وأما معرفة الحساب والمساحة، وما يحتاج إليه القاسم حسب نوع المقسوم، فلأن ذلك آلة القسمة، كما أن معرفة أحكام الشرع آلة القضاء، فالقاسم في الحالتين الأخيرتين، يتولى إذا منصباً سواء جاء عن طريق الحاكم، أو عن طريق الشركاء، ولا بد لتوليه هذا المنصب من توفر شروط الكفاءة فيه، وهي ما ذكرنا.

стр. 1638

أما في حالة ارتضاء الشركاء بمن يقسم بينهم، فإنه ليس أكثر من وكيل عنهم، ولهم أن يوكلوا عنهم في ذلك من يشاؤون، إذا كانت شروط الوكالة كالعقل والبلوغ ونحوها متوفرة في القاسم. ثانياً: كل ما عظم الضرر في قسمته، لا يجبر الطرف الممتنع على قبول قسمته، ولا يجب الحاكم الأطراف، وإن اتفقوا ـ في تعيين خبير يتولى القسمة بينهم. فإن تولوا هم بأنفسهم التقسيم بناء على رضي الجميع، جاز لهم ذلك إن لم تبطل منفعة المقسوم بالكلية، وليس للحاكم أن يمنعهم من القسمة، ولم يجز لهم ذلك إن بطلت بسبب تلك القسمة منفعة المقسوم بطلاناً تاماً، وللحاكم أن يمنعهم من المضي في تلك القسمة: ككسر سيف، وتجزيء سيارة، ونحو ذلك. ثالثاً: كلا ما لا ضرر في قسمته من الأنواع الثلاثة التي ذكرناها يستجاب فيها لرأي طالب القسمة، فيجبر الممتنع من الشركاء عليها، إذ لا ضرر عليه فيها، وفي الاستجابة لتعنته إضرار بشركائه الآخرين، والنبي ﷺ يقول: " لا ضرر ولا ضرار ". (رواه مالك مرسلاً [٢/ ٧٤٥] في الاقضية، باب: القضاء في المرفق، وغيره، بأسانيد يقوي بعضها بعضاً). فإن كان المال من النوع الأول (وهو قسمة الأجزاء) عدلت السهام حسب نصيب كل من الشركاء، كيلا في المكيل، ووزناً في الموزون، وذرعاً في المذروع كالأرض، فإن استوت الحصص: كأرباع، مثلاً، أو نصفين، وجب اعتماد القرعة في توزيع هذه الحصص على أصحابها. وإن كانت القسمة من النوع الثاني (وهو قسمة التعديل) كأرض تختلف قيمة أجزائها حسب تفاوت منافعها، أو اختلاف خصائصها: كبستان بعضه نخل، وبعضه عنب، أو بعضه أقوي في الإثبات والخصوبة من بعض وجب التعديل في أجزائها، بحيث تتساوي قيمة الأقسام إذا كانت متساوية: كأرباع وأثلاث، أو بحيث يكون لكل جزء من القيمة ما يتفق مع نسبته إلي الكل. فالذي يملك السدس يجتزأ له من الأرض ما يساوي سدس مجموع القيمة،

стр. 1639

والذي يملك الربع يجتزأ منها ما يساوي ربع مجموع القيمة، بقطع النظر عن مساحة أجزاء الأرض، ثم تعين الحصص لأربابها، إذا كانت متساوية عن طريق الاقتراع. وإن كانت القسمة من النوع الثالث (وهو قسمة الرد) وهو ما كان في أحد أجزائه شيء له قيمة ماليه خاصة به ولا يمكن قسمته: كأرض في بعض جوانبها بئر أو دار وجب جعل البئر، أو الدار ضمن أحد الأنصبة، ورد نسبة حصص الآخرين من قيمتها عليهم، فإن كانت الأرض بين اثنين مثلاً أخذ البئر أحدهما وأعاد نصف قيمتها إلي شريكه، وإنما يأخذ البئر، أو نحوها من خرجت له القرعة. رابعاً: لا بد من التراضي بعد تحقيق ما سلف ذكره من الأسباب، وبعد الاعتماد على وسيلة الاقتراع فإن لم يقع التراضي لم تصح القسمة. خامساً: قسمة الأجزاء (وهو النوع الأول) من قبيل الإفراز، أما النوعان الآخران (وهما قسمة التعديل، وقسمة الرد) فبيع على الصحيح، لنقابل المال بالمال فيه وقيل: هو بيع في القدر الذي يتم فيه التعديل والرد. وعلى كل فهو بيع ضمني وليس بيعاً صريحاً، فهو لا يتوقف في صحته على إيجاب وقبول نحوهما. سادساً: كل قسمة تتضمن تقويماً ـ كقسمة الرد ـ لابد لصحتها من الاعتماد على قاسمين اثنين. إذ هي تتضمن شهادة تعيين قيمة لشيء متمول ومثل هذه الشهادة لا بد فيها من شاهدين اثنين. أما ما لا يعتمد منها على تقوم، فيكتفي فيه بقاسم واحد، سواء كان من قبل الحاكم أو من قبل الشريكين.

стр. 1640

الباب الثامن الإقرار

стр. 1641

الإقرار تعريف الإقرار: الإقرار لغة: الإثبات، مأخوذ من: قر الشيء، إذا ثبت. والإقرار شرعاً: إخبار عن حق ثابت على المخبر. ويسمى الإقرار اعترافاً. دليل مشروعية الإقرار: الإقرار مشروع، وقد ثبتت مشروعيته، بنص الكتاب، والسنة وإجماع الأُمة أما الكتاب فقول الله : ﴿َأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (سورة آل عمران: ٨١). [إصري: عهدي] وقوله تبارك وتعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ (سورة النساء: ١٣٥) [قوامين بالقسط: دائمي القيام بالعدل]. قال العلماء: شهادة الإنسان على نفسه، معناها الإقرار. وأما في السنة فما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: " اغد يا أنيس إلي امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها " فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول اله ﷺ فرُجمت (رواه البخاري [٢٥٧٥] في الشروط، باب: الشروط التي لا تحل في

стр. 1642

الحدود، ومسلم [١٦٩٧] في الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنى، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄. أما الإجماع، فقد نقل عن العلماء أنه منعقد على مشروعيته، وأن المقر مؤاخذ بإقراره. حكمة تشريع الإقرار: والحكمة من تشريع الإقرار، وجود الحاجة إليه، وما أكثر ما تشرع الأحكام تلبية لمقتضي حاجة الناس إليها. فقد يكون على المرء حق لا بينه لصاحبه عليه، فلو لم يكن الإقرار مشروعاً، ولا حجة على المقر لضاع كثير من هذه الحقوق، والإسلام ـ كما هو معلوم ـ حريص على إثبات الحقوق إلي أصحابها، وإيصالها إليهم ـ كما هو معلوم ـ حريص على إثبات الحقوق إلي أصحابها، وإيصالها إليهم. وهو دائماً يسعى إلي حفظ الأموال وصيانتها من الضياع، فكان طبيعياً إذا أن يشرع الإقرار ويعتد به. وكذلك إن كانت الحقوق غير أموال، سواء كانت الله، أو لآدمي، فإنها تظهر بالإقرار، وتتضح، فيؤخذ حق الآدمي، وتؤدى حقوق الله . فقد اعترف ماعز بن مالك ﵁ أمام النبي ﷺ بالزنى، واقر به وطلب من الرسول أن يطهره منه ويقيم الحد عليه أداء الحق الله تعالى، فأمر ﷺ برجمه حتى مات. وكذلك أقرت امرأة من غامد بالزني، فأمر رسول الله ﷺ فرجمت. جاء هذا في البخاري [٢٥٧٥] ومسلم [١٦٩٥]. وهذا يدل على مشروعية الإقرار، وبيان الحكمة من تشريع وانه حجة يؤخذ به المقر ولو كان الحق لله تعالى. المقر به من الحقوق وحكم الرجوع فيه: المقر به من الحقوق نوعان: حق الله ، وحق العباد. النوع الأول: حق الله تعالى: حق الله تعالى، مثل حد الزني، وحد السرقة، وحد الردة، وشرب الخمر،

стр. 1643

والزكاة والكفارة ونحوها، فهذه الحقوق إنما شرعت إقامة للدين، وتحقيق مصالح المجتمع. وحكم حق الله أنه تنفع فيه التوبة فيما بين العبد وربه، ويصح الرجوع عنه بعد الإقرار فيه، لأن مبنى حق الله على الدرء والستر. ودليل ذلك أن النبي ﷺ عرض لماعز بن مالك بالرجوع عندما أقر على نفسه بالزني فقال له " لعلك قبلت، أو غمزت ". ومعنى هذا الكلام الإشارة على تلقينه الرجوع عن الإقرار بالزني، واعتذاره بشبهة يتعلق بها. وقد قال رسول الله ﷺ : " ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ". (أخرجه الترمذي [١٤٢٤] في الحدود، باب: ما جاء في درء الحدود). ولا شك أن الرجوع عن الإقرار شبهة تسقط الحدود. ويندب للقاضي أن يعرض للمقر بالرجوع، ولا يقول له: ارجع، فيكون أمراً له بالكذب. فلو رجع المقر بعد إقراره بحقوق بالله وجل، صح رجوعه، وزال عنه حكم ما كان أقر به. يدل على ذلك، ما جاء في قصة رجم ماعز بن مالك ﵁، أنه لما وجد مس الحجارة فر، فأدركوه ورجموه، وأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: " هلا تركتموه ". (رواه البخاري [٤٦٧٠]، ومسلم [١٦٩١] في نفس الأبواب السابقة، كما رواه الترمذي [١٤٢٨] في الحدود، باب: ما جاء في درء الحد عن المعترف إذا رجع) النوع الثاني: حق العباد: وهذا الحق لا يصح الرجوع فيه عن الإقرار، لتعلق حق المقر له بالحق المقر به إلا إذا كذبه المقر له به، فحينئذ يصح له الرجوع به. فلو أنه بدين لزيد، أو إتلاف، أو قذف، فإنه لا يصح الرجوع عنه، ويلزمه ما أقر به، إلا كذبه المقر له، كما قلنا.

стр. 1644

شروط المقر: للمقر شروط حتى يصح إقراره أمام القضاء، ويعتد به. وهذه الشروط هي: ١ - البلوغ، فلا يصح إقرار صبي دون البلوغ، ولو كان مميزاً، لامتناع تصرفه، ولرفع القلم عنه. ٢ - العقل، فلا يحص إقرار مجنون أو مغمي عليه، أو من زال عقله بعذر، لامتناع تصرفهم، وعدم تمييزهم، ولرفع القلم عنهم. قال رسول الله ﷺ : " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل ". (رواه أبو داود [٤٤٠٣]، وغيره، عن على ﵁. ٣ - الاختيار، فلا يعتد بإقرار المكره بما أكره عليه. روي ابن ماجه [٢٠٤٤] عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " " إن الله تجاوز لأمتي عما توسوس به صدورها، ما لم تعمل به أو تتكلم به، وما استكرهوا عليه " أي أنه أسقط التكليف عن المكره فيما استكره عليه، فلا يصح إقراره فيما أكره على الإقرار به، بل إن الله تعالى الغي اعتبار الإقرار بالكفر حال الإكراه مع طمأنينة القلب، فقال تعالى: ﴿إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ (سورة النحل: ١٠٦) فلا اعتبار للإقرار بغيره من باب أولي. ٤ - أن لا يكون محجوراً عليه، فإن كان محجوراً عليه فإنه لا يصح إقراره بدين في معاملة أسند وجوب الدين إليها قبل الحجر أو بعده، وكذلك لا يصح إقراره بإتلاف مال قبل الحجر، أو بعده، لأن المحجور عليه ممنوع من التصرف بماله. ويصح إقرار المحجور عليه بالحد والقصاص، لعدم تعلقها بالمال، ولبعد التهمة، فإذا كان الحد قطع سرقة قطع، ولا يلزمه المال المسروق الذي اقر به. شروط المقر له: يشترط في المقر له الشروط التالية: ١ - أن يكون المقر له معيناً نوع تعيين بحيث يتوقع منه الدعوى والطلب. فلو قال: لإنسان أو لواحد من بني آدم على ألف، لم يصح إقراره لأنه

стр. 1645

إقرار لمبهم، والإبهام مبطل للإقرار. ولو قال: لأحد هؤلاء الثلاثة على ألف صح إقراره لوجود التعيين ولو بالجملة، فإذا قل واحد منهم أنا المراد بالإقرار صدق بيمينه إن لم يكذبه المقر، لاحتمال أن يكون هو المراد، ويمينه يؤكد ذلك، أضف إلي ذلك عدم تكذيب المقر له. ٢ - أن يكون المقر له فيه أهلية استحقاق المقر به، لأن الإقرار حينئذ يصادف محله، وصدقه محتمل. فلو قال: لهذه الدابة على ألف لم يصح إقراره، لأن الدابة ليست أهلاً للاستحقاق، فإنها غير قابلة للملك في الحال ولا في المآل. ٣ - الا يكذب المقر له المقر، فلو كذبه في إقراره بطل إقراراه، وبقي المال المقر به في يده، أن يده تشعر بأنه مالك للمال ولو ظاهراً، والإقرار الطارئ عارضه التكذيب فسقط. شروط الصيغة: يشترط في صيغة الإقرار لفظ صريح أو كناية تشعر بالتزام، وتدل عليه، وفي معنى اللفظ الصريح الكتابة مع النية، وإشارة الأخرس المفهمة. ـ فلو قال: لزيد على ألف، أو له في ذمتي ألف، كان ذلك إقراراً، وحمل على الدين الملتزم بالذمة، لأنه المتبادر من الصيغة عرفاً. ـ ولو قال: لزيد معي أو عندي ألف كان ذلك أيضاً إقراراً، وحمل على العين، لأنهما ظرفان، فيحمل كل منهما عند الإطلاق على عين له بيده. ـ ولو قال له إنسان: لي عليك ألف ليرة فقال: بلى، أو نعم، أو صدقت، فإقرار لأن هذه الألفاظ موضوعة للتصديق. ـ ولو قال له: أبرأتني منه أو قضيته له، فهو إقرار أيضاً، لأنه قد اعترف بشغل ذمته بالحق، ثم ادعى الإسقاط والأصل عدمه. شروط المقر به: ١ - يشترط في الحق المقر به أن لا يكون ملكاً للمقر حين يقر به، لأن الإقرار ليس إزالة عن الملك، وإنما هو إخبار عن كونه مملوكاً للمقر له.

стр. 1646

فلو قال: ثوبي لزيد، أو ديني الذي لي على زيد لعمر لم يصح هذا الإقرار، لأن إضافة هذه الحقوق لنفسه تقتضي أنه مالكها، فينا في ذلك إقراره بها لغيره. ٢ - أن يكون الحق المقر به في يد المقر، ليسلمه بالإقرار إلي المقر له، لأنه إذا لم يكن في يده كان إقراره إما دعوى عن الغير بغير إذنه، أو شهادة بغير لفظها فلا تقبل. فلو أقر بحق ولم يكن في يده، ثم صار في يده عمل بمقتضي الإقرار لوجود شرط العمل فيسلم للمقر له. الإقرار بمجهول: يصح الإقرار بالمجهول، لأن الإقرار إخبار عن حق سابق، والشيء يخبر عنه مفصلاً تارة، ومجملاً تارة أخري. - فإذا قال: لزيد على مال صح إقراره، ورجع إليه في تفسيره، ويقبل تفسيره بكل ما يتمول وإن قل كدرهم مثلاً، لأن اسم المال صادق عليه. - وإذا أقر بمجهول وامتنع من تفسيره حبس حتى يبين قدر الحق الذي أقر به ن لأن البيان واجب عليه، فإذا امتنع منه حبس كالممتنع من أداء الدين. الاستثناء في الإقرار وحكمه: يصح الاستثناء في الإقرار، لكثرة وروده في القرآن الكريم وغيره من السنة النبوية، وكلام العرب في نثرهم وأشعارهم. فلو قال: على ألف إلا مائة صح إقراراه ولزمه تسعمائة. شروط صحة الاستثناء في الإقرار: ويشترط في الاستثناء شروط حتى يكون صحيحاً منها: أ- أن يتصل المستثني المستثنى منه في الكلام، بحيث يعد معه كلاماً واحداً عرفاً، فلا يضر الفصل اليسير بسكتة تنفس أو تذكر. أما لو طال الفصل ن وانقطع الكلام الأول عن الثاني، بحيث لم يعد

стр. 1647

عرفا متصلاً به فإن الاستثناء لا يصح، ويثبت كامل الحق المقر به قبل الاستثناء. ب ـ أن لا يستغرق المستثني منه، كأن يقول: له على خمسة إلا أربعة فإن الاستثناء يصح ويلزمه واحد فقط. أما إذا قال: له على خمسة إلا خمسة، فاستثناؤه باطل، وتلزمه الخمسة كاملة، لأنه قد أقر بها. الاستثناء المنقطع: ويصح الاستثناء من غير جنس المستثني منه، ويسمى استثناءً منقطعاً، لوروده في القرآن الكريم وغيره، ومنه قوله تعالي: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ. أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ. فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الشعراء: ٧٥ - ٧٧). فلو قال: له على ألف ليرة إلا ثوباًَ صح إقراره، ويجب أن يبين بثوب قيمته أقل من ألف ليرة، حتى لا يستغرق المستثني المستثنى منه، فإن فسره بثوب قيمته ألف بطل تفسيره والاستثناء، ولزمه ألف ليرة. الاستثناء من معين: يصح أيضاً الاستثناء من معين، كأن يقول: لزيد هذه الدار إلا هذا البيت، لأنه إقرار وإخراج بلفظ متصل، فهو كالتخصيص. الإقرار في حال المرض: يصح الإقرار في حال المرض، ولو مرض موت، ويكون حكمه حكم الإقرار في حالة الصحة، فلو اقر في صحته بدين لإنسان، وفي مرضه بدين لآخر صح إقراره بدين المرض، ولم يقدم عليه دين الصحة. وكذلك يقبل إقراره في مرض موته لوارثه كالأجنبي، لأن الظاهر أنه محق، لأنه انتهي إلي حالة يصدق فيها الكاذب ويتوب فيها الفاجر.

стр. 1648

الباب التاسع الحجر

стр. 1649

الحجر تعريف الحجر: الحجر في اللغة: المنع. والحجر في اصطلاح الشريعة الإسلامية: هو المنع من التصرفات المالية لسبب يخل بها شرعاً. والأسباب التي تخل بالتصرفات فتستوجب الحجر كثيرة ومتنوعة، ويتنوع الحجر تبعاً لها. فمن أنواعه الحجر على المفلس لحق الغرماء، والحجر على المريض مرض الموت لحق الورثة، والحجر على الصغير والمجنون محافظة على مالهما، والحجر على الراهن في التصرف في المرهون لحق المرتهن. وأكثر هذه الأنواع موزعة في أبواب فقهية مختلفة، كباب الرهن، والوصية، والردة، وسنتحدث في هذا الباب عن أهم هذه الأنواع، ونحيل علم الأنواع الأخرى إلي الأبواب التي تذكر فيها، وسوف تجد أحكامها في هذه السلسلة الفقهية. دليل مشروع الحجر: الحجر بالمعني الذي ذكرناه مشروع، ومقرر في الفقه، ودليل تشريعه القرآن والسنة والإجماع. أما القرآن فقول الله : ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ (سورة النساء: ٥). [السفهاء: جمع سفيه، وهو الذي لا يحسن التصرف بالمال ن ويضعه في غير مواضعه، أموالكم: نسب المال إلي الجميع، لأنه مال الله تعالى، وللأمة حق

стр. 1650

فيه وإن كان ملكاً خالصاً للفرد. قياماً: فيه قيام معايشكم وقضاء مصالحكم]. ووجه الاستدلال بالآية أن الله نهى الأولياء أن يضعوا الأموال بين أيدي السفهاء، وهذا هو الحجر عليهم. وقال ﵎: ﴿فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (سورة البقرة: ٢٨١). [الذي عليه الحق: المستدين. ضعيفاً: لصغر، أو اختلال عقل. لا يستطيع أن يمل: لا يحسن الإملاء لعقدة في لسانه ونحوه، والإملاء هنا: أن يقرأ على الكاتب عقد الدين ليكتبه] ووجه الاستدلال بالآية: أن الله تعالى أخبر أن هؤلاء ينوب عنهم أولياؤهم في التصرف وهو معنى الحجر عليهم. وقال أيضاً: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (سورة النساء: ٦). [ابتلوا: اختبروا. اليتامى: جمع يتيم، وهو الصغير الذي مات والده. بلغوا النكاح: أصبحوا أهلاً للزواج، والمراد به البلوغ. آنستم: لمستم وعرفتم. رشداً: سلامة عقل وحسن تصرف وصلاح دين] دلت الآية على أن الذي لم يلمس منه الرشد، لا يجوز أن يدفع له ماله، بل يحجر عليه حتى يرشد. وأما دليل السنة، فما رواه عبدالرحمن بن كعب عن أبيه، أن النبي ﷺ حجر على معاذ ماله، وباعه على دين كان عليه. رواه البيهقي [٦/ ٤٨] والحاكم [٤/ ١٠١] في الأحكام وصححه. وروي ابن عمر ﵁، قال: عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. (أخرجه البخاري [٣٨٧١] في المغازي، باب: غزوة الخندق، ومسلم [١٨٦٨] في الإمارة، باب: بيان سن البلوغ). وروي مالك [١٤٥٦] في الوصية عن عمر ﵁ قال: ألا إن
следующие страницы →