Полный текст (1 678 стр.). Показаны 1646–1678 · переход к 1651.
стр. 1646
فلو قال: ثوبي لزيد، أو ديني الذي لي على زيد لعمر لم يصح هذا الإقرار، لأن إضافة هذه الحقوق لنفسه تقتضي أنه مالكها، فينا في ذلك إقراره بها لغيره.
٢ - أن يكون الحق المقر به في يد المقر، ليسلمه بالإقرار إلي المقر له، لأنه إذا لم يكن في يده كان إقراره إما دعوى عن الغير بغير إذنه، أو شهادة بغير لفظها فلا تقبل.
فلو أقر بحق ولم يكن في يده، ثم صار في يده عمل بمقتضي الإقرار لوجود شرط العمل فيسلم للمقر له.
الإقرار بمجهول:
يصح الإقرار بالمجهول، لأن الإقرار إخبار عن حق سابق، والشيء يخبر عنه مفصلاً تارة، ومجملاً تارة أخري.
- فإذا قال: لزيد على مال صح إقراره، ورجع إليه في تفسيره، ويقبل تفسيره بكل ما يتمول وإن قل كدرهم مثلاً، لأن اسم المال صادق عليه.
- وإذا أقر بمجهول وامتنع من تفسيره حبس حتى يبين قدر الحق الذي أقر به ن لأن البيان واجب عليه، فإذا امتنع منه حبس كالممتنع من أداء الدين.
الاستثناء في الإقرار وحكمه:
يصح الاستثناء في الإقرار، لكثرة وروده في القرآن الكريم وغيره من السنة النبوية، وكلام العرب في نثرهم وأشعارهم.
فلو قال: على ألف إلا مائة صح إقراراه ولزمه تسعمائة.
شروط صحة الاستثناء في الإقرار:
ويشترط في الاستثناء شروط حتى يكون صحيحاً منها:
أ- أن يتصل المستثني المستثنى منه في الكلام، بحيث يعد معه كلاماً واحداً عرفاً، فلا يضر الفصل اليسير بسكتة تنفس أو تذكر.
أما لو طال الفصل ن وانقطع الكلام الأول عن الثاني، بحيث لم يعد
стр. 1647
عرفا متصلاً به فإن الاستثناء لا يصح، ويثبت كامل الحق المقر به قبل الاستثناء.
ب ـ أن لا يستغرق المستثني منه، كأن يقول: له على خمسة إلا أربعة فإن الاستثناء يصح ويلزمه واحد فقط.
أما إذا قال: له على خمسة إلا خمسة، فاستثناؤه باطل، وتلزمه الخمسة كاملة، لأنه قد أقر بها.
الاستثناء المنقطع:
ويصح الاستثناء من غير جنس المستثني منه، ويسمى استثناءً منقطعاً، لوروده في القرآن الكريم وغيره، ومنه قوله تعالي: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ. أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ. فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الشعراء: ٧٥ - ٧٧).
فلو قال: له على ألف ليرة إلا ثوباًَ صح إقراره، ويجب أن يبين بثوب قيمته أقل من ألف ليرة، حتى لا يستغرق المستثني المستثنى منه، فإن فسره بثوب قيمته ألف بطل تفسيره والاستثناء، ولزمه ألف ليرة.
الاستثناء من معين:
يصح أيضاً الاستثناء من معين، كأن يقول: لزيد هذه الدار إلا هذا البيت، لأنه إقرار وإخراج بلفظ متصل، فهو كالتخصيص.
الإقرار في حال المرض:
يصح الإقرار في حال المرض، ولو مرض موت، ويكون حكمه حكم الإقرار في حالة الصحة، فلو اقر في صحته بدين لإنسان، وفي مرضه بدين لآخر صح إقراره بدين المرض، ولم يقدم عليه دين الصحة. وكذلك يقبل إقراره في مرض موته لوارثه كالأجنبي، لأن الظاهر أنه محق، لأنه انتهي إلي حالة يصدق فيها الكاذب ويتوب فيها الفاجر.
стр. 1648
الباب التاسع
الحجر
стр. 1649
الحجر
تعريف الحجر:
الحجر في اللغة: المنع. والحجر في اصطلاح الشريعة الإسلامية: هو المنع من التصرفات المالية لسبب يخل بها شرعاً.
والأسباب التي تخل بالتصرفات فتستوجب الحجر كثيرة ومتنوعة، ويتنوع الحجر تبعاً لها. فمن أنواعه الحجر على المفلس لحق الغرماء، والحجر على المريض مرض الموت لحق الورثة، والحجر على الصغير والمجنون محافظة على مالهما، والحجر على الراهن في التصرف في المرهون لحق المرتهن. وأكثر هذه الأنواع موزعة في أبواب فقهية مختلفة، كباب الرهن، والوصية، والردة، وسنتحدث في هذا الباب عن أهم هذه الأنواع، ونحيل علم الأنواع الأخرى إلي الأبواب التي تذكر فيها، وسوف تجد أحكامها في هذه السلسلة الفقهية.
دليل مشروع الحجر:
الحجر بالمعني الذي ذكرناه مشروع، ومقرر في الفقه، ودليل تشريعه القرآن والسنة والإجماع.
أما القرآن فقول الله : ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ (سورة النساء: ٥).
[السفهاء: جمع سفيه، وهو الذي لا يحسن التصرف بالمال ن ويضعه في غير مواضعه، أموالكم: نسب المال إلي الجميع، لأنه مال الله تعالى، وللأمة حق
стр. 1650
فيه وإن كان ملكاً خالصاً للفرد. قياماً: فيه قيام معايشكم وقضاء مصالحكم].
ووجه الاستدلال بالآية أن الله نهى الأولياء أن يضعوا الأموال بين أيدي السفهاء، وهذا هو الحجر عليهم.
وقال ﵎: ﴿فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (سورة البقرة: ٢٨١).
[الذي عليه الحق: المستدين. ضعيفاً: لصغر، أو اختلال عقل. لا يستطيع أن يمل: لا يحسن الإملاء لعقدة في لسانه ونحوه، والإملاء هنا: أن يقرأ على الكاتب عقد الدين ليكتبه]
ووجه الاستدلال بالآية: أن الله تعالى أخبر أن هؤلاء ينوب عنهم أولياؤهم في التصرف وهو معنى الحجر عليهم.
وقال أيضاً: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (سورة النساء: ٦).
[ابتلوا: اختبروا. اليتامى: جمع يتيم، وهو الصغير الذي مات والده. بلغوا النكاح: أصبحوا أهلاً للزواج، والمراد به البلوغ. آنستم: لمستم وعرفتم. رشداً: سلامة عقل وحسن تصرف وصلاح دين]
دلت الآية على أن الذي لم يلمس منه الرشد، لا يجوز أن يدفع له ماله، بل يحجر عليه حتى يرشد.
وأما دليل السنة، فما رواه عبدالرحمن بن كعب عن أبيه، أن النبي ﷺ حجر على معاذ ماله، وباعه على دين كان عليه. رواه البيهقي [٦/ ٤٨] والحاكم [٤/ ١٠١] في الأحكام وصححه.
وروي ابن عمر ﵁، قال: عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. (أخرجه البخاري [٣٨٧١] في المغازي، باب: غزوة الخندق، ومسلم [١٨٦٨] في الإمارة، باب: بيان سن البلوغ).
وروي مالك [١٤٥٦] في الوصية عن عمر ﵁ قال: ألا إن
стр. 1651
الأسيفع ـ أسيفع جُهينة ـ رضي من دينه وأمانته: أن يقال: سبق الحاج، فأدان معرضاً عن الوفاء، فأصبح وقد رين به ن فمن كان له عنده شيء فليحضر غداً، فإنا: بائعوا ماله وقاسموه بين غرمائه، ثم إياكم والدين، فإن أوله هم، وآخره حزن.
[فادان: استدان. رين به: تراكمت عليه الديون. غرماؤه: جمع غريم وهو صاحب الدين].
وأما الإجماع فمنعقد على مشروعية الحجر وجوازه، من غير نكير من أحد من العلماء، وكيف ينكره أحد، وقد دلت عليه النصوص الثابتة في القرآن والسنة.
الحكمة من تشريع الحجر:
الحجر عمل سلبي احتياطي، يستهدف تحقيق مصلحة المحجور عليه إن كان طفلاً أو سفيهاً أو نحوهما، ويستهدف مصلحة غيره من ذوي الحقوق إذا كان مفلساً، ذلك لأن الطفل والسفيه ومن في حكمهما كالمجنون، لا تسقط أهلية التملك والاحتياز في حقهم، وإنما ثمرة الملكة ما يتبعها من سياسة التصرف كالبيع والشراء والإيجار، ونحو ذلك، وهي لا تستقيم إلا على رشد كامل ونباهه تامة في شؤون المال والدنيا، فكان لا بد من كف يد هؤلاء الذين لم يتكامل فيهم الرشد والوعي الدنيوي عن التصرف بأموالهم، على أن ينوب عنهم في ذلك من توفرت لديهم هذه البصيرة الدنيوية ريثما يبلغون أشدهم، ويصبحون قادرين على إصلاح أمرهم.
أما المفلس الذي تراكمت عليه الديون، فيغلب عليه أن يتناسى ـ في غمرة الضيق الذي ينتابه ـ حقوق الآخرين، فيتصرف بماله الباقي عنده على نحو يضر أصحاب الحقوق ويفوت عليهم حقوقهم، أو ما يمكن أن يحصلوا منها، فكان في الحجر عليه عن طريق الرقابة العادلة ما يضمن توفير حق الغرماء مع عدم الإضرار به، مهما أمكن ذلك.
أنواع الحجر:
قلنا: إن الحجر أنواع مختلفة، ولكن الكثير من هذه الأنواع منتثر في أماكنه من أبواب متفرقة في الفقه، ولذا فلن نتعرض لها ههنا.
стр. 1652
أما الأنواع الرئيسية التي سوف نتناولها في هذا الباب، فهي الأنواع التالية:
١ - الحجر على الصبي ومن في حكمه، كالسفيه والمجنون.
٢ - الحجر على المفلس.
٣ - الحجر على المريض المخوف عليه الموت.
وسندرس فيما يلي كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة على حدة مع إيضاح الأحكام المتعلقة به.
أحكام الحجر على الصبي ومن هو في حكمه:
ونقصد بمن كان في حكم الصبي كلاً من السفيه والمجنون.
فأما الصبي:
فهو من لم يحتلم، أو يبلغ سن الحلم، وهو خمس عشرة سنة.
وأما السفيه:
فهو من لم يكن رشيداً، بحيث لا يقيم مصالح دينه ودنياه: بأن يكون مبذراً لا يبالي أن يغبن غبناً فاحشاً في معاملاته، أو أن يرمي ماله في غير طائل، أو أن ينفقه في المحرمات التي لا وجه لها.
وأما المجنون:
فهو فاقد التمييز سواء كان بشكل جزئي أو كلي، إذا كان ذلك يسرى بالاضطراب إلي تصرفاته المالية.
أهم الأحكام المتعلقة بالحجر على هؤلاء:
هناك أحكام تعلق بالحجر على هؤلاء الأصناف الثلاثة من الناس نجملها فيما يلي:
أولاً: لا يصح تصرف الصبي ولا السفيه ولا المجنون في بيع أو شراء أو رهن، أو هبه أو نكاح ونحوها، أي لا يصح أن يكون أحدهم طرفاً مستقلاً في أي عقد من العقود، إذ هو ثمرة الحجر الذي دل عليه نص الكتاب الكريم والسنة المشرفة. وترتب علي هذا الحكم:
стр. 1653
أأنه لو اشتري أو اقترض مثلاً، وقبض المال، ثم تلف تحت يديه بآفة، أو أتلفه بتقصير منه، لم يضمنه المحجور عليه، ولم يكن للبائع، او لمقرض حق في تضمينه ومطالبته، سواء علم حاله أم لم يعلم، لأن عليه ان يتحرى لمصلحته، ولأنه هو المفرط في حق نفسه، إذ هو الذي سلط المحجور عليه على إتلافه بإقباضه إياه.
نعم يضمن المحجور عليه في ثلاث حالات:
الحالة الأولي: أن يقبضه ممن هو مثله في عدم الرشد.
الحالة الثانية: أن يقبضه من رشيد، ولكن بدون إذنه.
الحالة الثالثة: أن يطالبه البائع، أو المقرض بالتسليم، فلا يستجيب المحجور عليه ثم يتلف المال المقبوض بعد ذلك.
ففي هذه الحالات الثلاث يضمن المحجور عليه، أي يثبت في ذمته قيمة المتلف، لعدم وقوع أي تقصير من جانب المقبض.
ب ـ وترتب على ذلك أيضاً أنه لا يعتد بشيء من إقراراته المتعلقة بالمال، سواء كانت عائدة إلي ما قبل الحجر، أو بعده، كإقراره بدين، أو إتلاف مال، إذ إن المحجور عليه بما ذكرنا لا يتمتع بأهلية تمكنه من أن يتعلق به أي التزامات ماليه، بخلاف ما إذا اقر بموجب حد أو قصاص، فهو إقرار صحيح تترتب عليه أحكامه، لأنه غير مستوجب لأي التزام مالي من حيث الأصل.
نعم إذا أقر بعد رشده بأي التزام مالي كان قد لزمه أثناء الحجر صح إقراره قطعاً، وكلف بدفعه.
ثانياً: يعتد بجميع التصرفات التي لا تتعلق بالمال، ولا تترتب عليها ذمم مالية، من الصبي ومن في حكمه، وهو السفيه والمجنون. فتصح عباداتهم على اختلافها، إلا المجنون المطبق فيما يشترط فيه التمييز. ولكن ليس لهؤلاء أن يتولوا
стр. 1654
تفريق زكاة أموالهم بأنفسهم، إذ هو تصرف مالي لا ينفذ إلا ممن كان ذا أهلية ورشد، وإنما يتولي ذلك عنه وليه، أو يأذن له وليه، ويعين له الأشخاص الذين ينبغي أن يدفع زكاته إليهم، على أن يدفع المحجور عليه إليهم بحضرة الولي وإشرافه، خشية أن يتلف المال إذا خلا به.
ثالثاً: إذا كان مصدر السفه هو الصغر، أي بحيث لم يكن مسبوقاً برشد، ترتبت الأحكام المذكورة عليه بدون الحاجة إلي أدعاء، ولا إلي حكم قاض بذلك، فإذا ارتفع السفه، وتحقق الرشد، وانتهي الحجر بموجب ذلك، ثم عاد السفه لسبب عارض، لم تعد هذه الأحكام المذكورة إلا بموجب حكم يصدره القاضي، ومثل السفه في ذلك الجنون.
رابعاً: ولي الصبي ومن في حكمه، ممن لم يطرأ موجب الحجر عليه عرضاً، بل نشأ معه منذ صغره، وهو الأب، ثم الجد للأب وإن علا، ثم وصيهما، بشرط العدالة في كل منهما، فإن فسق الولي بعد أن كان عدلاً نزع القاضي الولاية منه، واختار لها من يراه، أو باشرها بذاته، وذلك لما رواه الترمذي [١١٠٢] في النكاح، باب: ما جاء لا نكاح إلا بولي، بسند حسن، أن النبي ﷺ قال: " السلطان ولي من لا ولي له ".
أما من طرأ عليه السفه أو الجنون بعد رشد، فإن وليه القاضي، أو من ينيبه عنه، إذ هو الذي يملك ضرب الحجر عليه، فكان حق الولاية له.
خامساً: يجب على الولي أيا كان أن يتصرف بمال المحجور عليه حسب ما تقتضيه المصلحة، بأن يحفظه عن التلف، وينميه بالوسائل الممكنة، التي لا مقامرة فيها، فيتاجر به، أو يبتاع به عقاراً، أو يسخره في غير ذلك من وجوه التنمية التي يغلب فيها احتمال الغبطة والربح، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ (سورة النساء: ٥).
ومكان الاستدلال في الآية: قوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ فقد عدى الفعل (بفي) ولم يعده (بمن) تنبيهاً إلي أن على الولي أن ينفق على موليه من ريع
стр. 1655
ماله، لا من عينه بحيث يبقي ماله بذلك أشبه ببيت يستقر فيه، لا يأتي عليه نقصان ولا تلف.
فإن راعي الولي وجه الغبطة والحيطة في تنمية مال موليه، فخسر المال لسبب لا بد له فيه، لم يضمن، ويصدق الولي بيمينه، إن وقع خلاف بينه وبين المحجور عليه بعد الرشد.
وهل يجوز للولي أن يأخذ أجراً على رعايته لمال المحجور؟ الصحيح أنه إن كان غنياً لم يجز له ذلك، ,إن كان فقيراً، وشغلته هذه الرعاية عن كسبه والتفرغ لشأن نفسه، جاز له أن يأخذ أجراً على ذلك بالمعروف. وإنما يعين القدر الذي يقضي به العرف الحاكم أو من يقوم مقامه. ودليل هذا الحكم قول الله : ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً﴾ (سورة النساء: ٦).
أحكام الحجر على المفلس:
المفلس في اللغة، مأخوذ من الفلس، وهو أقل النقود قيمة، ويقصد به من تحولت أمواله إلي فلوس، كناية عن افتقاره.
أما المفلس في اصطلاح الشريعة الإسلامية، فهو من تراكمت عليه ديون حالة زائدة على ماله.
وللحجر على المفلس أحكام مختلفة نجمل أهمها فيما يلي:
أولاً: لا يجوز الحجر علي المفلس إلا إذا زادت الديون التي عليه عن الأموال التي يملكها، فإذا تساويا، أو زادت ممتلكاته عليها لم يجز الحجر عليه، سواء كانت نفقاته من هذه الأموال ذاتها، أم من كسب يومي يكتسبه، لأن الأدلة التي دلت على مشروعية الحجر على المفلس خاصة بما إذا زادت الديون التي عليه على ممتلكاته، ومنها حديث حجره ﵊ على معاذ بن جبل السابق ذكره، عند عرض الأدلة.
ثانياً: لا يحجر على المفلس إلا بسؤال الغرماء ذلك، فإن اختلفوا فيما بينهم استجيب لرغبة طالبي الحجر يشرط أن تزيد ديونهم بمفردها على مجموع ماله.
стр. 1656
ذلك لأن النبي ﷺ لما حجر على معاذ طلب غرماؤه ذلك، ولأن الحجر إنما هو لمصلحة الغرماء، فإذا لم يصرحوا بطلب الحجر، فإن ذلك يعني أنه لم يتبين لهم مصلحة في الحجر، فلا يضار المفلس بذلك.
ثالثاً: إذا أوقع الحاكم الحجر على المفلس، تحولت حقوق الغرماء من التعلق بذمته إلي التعلق بأمواله: أي إن شأنها يصبح كشأن العين المرهونة التي يتعلق بها حق المرتهن.
ولذلك يعطيهم الشارع حق التسلط على هذه الأموال، باستيفاء حقوقهم وديونهم منها.
رابعاً: يسن للحاكم أن يشهر قرار الحجر على المفلس حتى يتقلي الناس من التعامل المطلق معه.
خامساً: يجيب على الحاكم أو من ينيبه عنه أن يبيع ماله، ثم يقسم القيمة بين الغرماء حسب دين كل منهم، ويسن أن يبادر بذلك قدر الإمكان، وعليه أن يتبع مصلحة المحجور عليه في طريقة البيع وكيفيته، كأن يقدم أولاً بيع ما يسرع فساده، كالطعام ونحوه، ثم المنقول، ثم العقار، وكأن يبيع كل شيء في سوقه وثمنه الذي يستحقه ويسن أن يكون ذلك بمشهد من المحجور عليه، وأصحاب الحقوق.
ويجب أن يبقي له الحاكم حاجاته، وحاجات أهله الضرورية بالمستوي اللائق به، من ثياب وقوت ومسكن، فإن كان يمتع نفسه من ذلك ما يزيد على اللائق به نزل به إلي الحد الذي يرى أنه اللائق به
سادساً: إذا قسم المال أو ثمنه على الغارمين، كل منهم بنسبة وجب عليهم أن يمهلوه فيما بقي لهم عليه، إلي أن تحل عقدة عسرته، وذلك عملاً بقول الله : ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: ٢٨٠)، ولما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثرت ديونه، فقال رسول الله ﷺ : " تصدقوا عليه "، فتصدق الناس عليه، ولم يبلغ ذلك وفاء دينه،
стр. 1657
فقال رسول الله ﷺ (خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك ".
ويترتب على ذلك أن المحجور عليه لا يطالب بعد تقسيم ماله بين الغرماء، أن يكتسب لحسابهم، أو أن يؤجر نفسه لهم، كي يوفي بقية حقوقهم عليه.
تصرف المفلس بعد الحجر عليه:
يترتب على الحجر على المفلس، وما يتعلق به من الأحكام التي ذكرناها، كف يد المحجور عليه عن التصرفات المالية المختلفة، إذ تنحسر علاقته عن أمواله عد الحجر، لتحل محلها حقوق الغارمين، وإن كانت ملكيته باقية.
ويمكن أن نجمل لك خلاصة الأحكام المتعلقة بتصرفات المفلس بعد الحجر عليه فيما يلي:
ألا يصح من المفلس المحجور عليه أن تصرف مالي: كالبيع والرهن والهبة والإيجار، أذا كان متعلقاً بعين ماله وهو القول الصحيح في مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، والرأي المقابل له ـ وهو ضعيف ـ يرى أنه تصرف موقوف، فإن تبين أنه قد زاد عن ديون الغارمين نفذ، وإلا فلا.
ب ـ يصح من المفلس المحجور عليه جميع التصرفات المالية إذا كانت متعلقة بذمته، كما لو باع على وجه السلم، أو باع موصوفاً بالذمة، إذ لا ضرر على الغرماء في ذلك.
ج ـ يصح منه جميع التصرفات التي لا تتعلق بشيء من أمواله العينية ن سواء تعلق بالذمة، كما ذكرنا في الفقرة (ب) السابقة، أو لم يتعلق بمال قط، فيصح نكاحه وطلاقه، وخلعه، واقتصاصه ممن ثبت له عليه حق القصاص، أو إسقاطه ذلك، سواء تحول عنه إلى الدية، أو عفا عن الدية أيضاً.
نعم إذا كانت الزوجة هي المحجور عليها، لم يصح لها أن تخالع نفسها، لأنه تصرف يتعلق ببعض مالها الذي تعلقه به حق الغرماء.
د- يصح منه كل إقرار بحق أو مال، يعود وجوبه إلى ما قبل الحجر عليه، ويترتب عليه خضوع أمواله العينية التي وقع الحجر عليها لما يقتضيه ذلك الإقرار من تعلق حقوق أخري بها، واشتراك آخرين مع الغرماء في قسمتها بينهم.
стр. 1658
أما إن أقر بحقوق ترتبت على ماله بعد الحجر، فهو إقرار مرفوض ليس على الغرماء أن يخضعوا له. ومن ثم فليس للأشخاص الذين اقر المفلس لمصلحتهم أن يشركوهم في تقاسم أمواله، بل ينتظرون فك الحجر عنه.
أحكام تصرف المريض المخوف عليه من الموت:
تعريفه:
المريض المخوف عليه من الموت: هو من أصيب بمرض من شأنه أن ينتهي بالموت إذا اشتد، ثم برح به هذا المرض إلى درجة جعلت الطبيب وأصحاب الخبرة يحذرون عليه من الموت.
ويقاس على هذا المريض من هم في حكمه، مثل حالة التحام القتال، أو تموج البحر واشتداد العاصفة به، أو اشتداد طلق الولادة.
وخرج بما ذكرنا وجع الضرس مثلاً، فإنه لا يدخل في حكم المرض المخوف منهما كان شديداً، إذ ليس من شأنه عادة أن ينتهي بالموت.
الأحكام المتعلقة به:
وإليك أهم الأحكام المتعلقة بهذا المريض:
أولاً: إذا لم يكن له وارث خاص، أو كان له وارث غير جائز التصرف كطفل صغير مثلاً، لم يجز له أن يتصرف فيما يزيد على ثلث ماله، سواء كان تصرفاً ناجزاً، أو تصرفاً معلقاً على الموت، كالوصية، فإن تصرف غير ملتزم بهذا الحد نفذ منها ما كان داخلاً في الثلث وطل الزائد.
هذا إذا جاءت تصرفاته متتابعة، فإن وقعت دفعة واحدة، قسم الثلث عليها حسب نسبة كل منها إن أمكن، وإلا بطل جميعها.
ثانياً: إذا كان له وارث خاص، وكان جائز التصرف توقفت تصرفاته فيما زاد على ثلث ماله على إجازة وارثه، فإن أجازها صحت، وإلا آلت إلى البطلان.
والعبرة بإجازته لها أو عدم أجازته بعد الموت.
ودليل ما سبق ما رواه البخاري [١٢٣٣] في الجنائز، باب: رثاء النبي ﷺ -
стр. 1659
سعد بن خولة؛ ومسلم [١٦٢٨] في الوصية، باب: الوصية بالثلث، عن سعد بن أبي وقاص ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله إني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال " لا " فقلت: بالشطر؟ فقال: " لا " ثم قال " الثلث، والثلث كبير، أو كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ".
ثالثاً: محل هذا الحكم السابق الذي ذكرناه إذا لم يكن على المريض دين يستغرق جميع تركته، فإن كان عليه ذلك حجر عليه في الجميع دون نظر إلي الثلث وغيره.
رابعاً: ينبغي أن نفرق فيما ذكرناه بين التبرعات والتصرفات، أو النفقات الواجبة.
فأما التبرعات فينطبق عليه ما ذكرناه في البنود الثلاثة الماضية.
وأما التصرفات، أو النفقات الواجبة، فإن أنجزها في حياته، فهي من رأس المال كله، وإن أوصي بها إلي ما بعد موته، كما لو أوصي بأداء دين، أو حج واجب عليه، أو زكاة، فإن أطلق الوصية بها فهي من رأس ماله، وإن قيدها بالثلث اعتبرت منه، ولكن يجب أن تتمم ما زاد عليه إن لم يف بها الثلث.
وما الفائدة إذاَ من التقيد بالثلث؟
الفائدة تظهر فيما لو كان قد أوصى بتبرعات غيرها، فإن هذه الواجبات تزاحمها عندئذ، حتى إذا لم يتسع الثلث للجميع أُلغيت التبرعات، أو أُلغي منها بالقدر الذي يكفي لتنفيذ الواجبات، وهكذا فإن فائدة التقيد بالثلث تؤول إلى النظر في مصلحة الورثة كي لا تستهلك الوصايا قدراً كبيراً من التركة.
البلوغ والرشد وطريقة معرفة كل منهما:
علق الله تعالى انتهاء الحجر على الصغار، بظهور صفتين فيهم، وهما البلوغ والرشد.
قال ﵎: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ
стр. 1660
رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (سورة النساء: ٦).
فما معنى كل منهما، وكيف السبيل إلى التحقق منهما؟
أما البلوغ: فالمقصود به بلوغ السن التي يتأهل فيها الإنسان للتكليفات الإلهية، إذ كان سوياً في نشأته الإنسانية العامة. وسن البلوغ يعرف بواحد من هذه الأشياء:
١ - استكمال الخامسة عشرة من العمر، سواء كان ذكراً أم أنثي.
٢ - الاحتلام، بخروج المنى من الذكر أو الأنثى.
٣ - رؤية دم الحيض بالنسبة للأنثى.
والوقت الذي يمكن أن يحصل فيه الاحتلام، أو الحيض يبدأ من استكمال تسع سنين من العمر.
ثم إن التأخر وعدمه عن سن الإمكان هذه يتبع طبيعة الأقاليم، وظروف الحياة.
وأما الرشد: فالمقصود به الاهتداء إلي سبيل حفظ الأموال ورعايتها، ويتضح ذلك بالاختبار والتجربة، وهل يشترط أن يضم ذلك إلى صلاح في الدين أيضاً؟
مذهب جمهور من أصحاب الشافعي رحمهم الله تعالى أنه يشترط ذلك، فلا يسمى رشيداً إلا من اهتدي إلى سبيل الخير في دينه ودنياه، وذهب فريق من علماء المذهب إلي أن المطلوب هنا الرشد في شؤون المال والدنيا ن إ ذ هو محل البحث في هذا المقام.
إذا علمت هذا، فلتعلم أنه لا بد لرفع الحجر عن الصغير من تحقق كل من وصفي: البلوغ والرشد.
فلو لوحظ في تصرفاته الرشد، وهو دون البلوغ، لم يكن له أي أثر، ولو بلغ الحلم ولم يلاحظ فيه الرشد لم يكن لبلوغه أيضاً أي أثر مهما تطاول به العمر. نلاحظ هذا في قول الله : ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (سورة النساء: ٦).
стр. 1661
فقد جعل الرشد شرطاً للبلوغ المستلزم رفع الحجر.
الفسق بعد البلوغ وما يترتب عليه:
والفسق: أن يتجاوز الرجل حدود أوامر الله تعالى: بأن يرتكب كبيرة من الكبائر، ولا يتوب عنها، أو أن يثابر على ارتكاب بعض الصغائر من المحرمات. وقد عرفت فيما سبق ضابط كل من الكبائر، والصغائر من المعاصي.
فإذا رفع الحجر عن البالغ الراشد، ثم فسق في سلوكه مع صلاح تصرفاته الدنيوية، فهل يعود الحجر عليه؟
الصحيح في المذهب، أنه لا يُعاد الحجر عليه بسبب ذلك، إذا لم يؤثر في عهد الصحابة، ولا في عهد التابعين أنهم كانوا يعيدون الحجر على من انحرف إلي الفسوق بعد الاستقامة.
والفرق بين هذه الصورة، وصورة بلوغه فاسقاً عند الجمهور القائلين بأن الرشد هو الهداية إلي صلاح الدين والدنيا معاً، أن الحجر هناك مستمر ن فلا يرتفع إلا بزوال مجموع أسبابه، إذ الأصل بقاء ما كان على حاله، فإذا ارتفع بعد ذلك لم يجز أن يعود ثانية إلا بوجود مجموع أسبابه أيضاً، وإنما الفسق سبب واحد فقط.
أما إذا صاحبه سفه جديد، أي سوء تصرف في شؤونه المالية، فإن ذلك يستوجب عود الحجر عليه، ولكن بشرط أن يقضي بذلك الحاكم أو نائبه. ولا عبرة بولاية أقاربه حينئذ على الصحيح.
стр. 1662
الباب العاشر
الإمَامَة العظمَي
стр. 1663
الإمامة العظمي
مقدمة في بيان أهمية الإمامة، وقيام الحكم والمجتمع الإسلامي على سلامتها
الإمامة العظمي منصب ديني يخلف النبوة، بحيث يكون الإمام خليفة عن النبي ﷺ في إدارة شؤون المسلمين، مع ملاحظة فارق واحد، هو أن النبي ﷺ يتلقي الأحكام التي يلزم بها أمته وحياً من عند الله ، أما الإمام فهو يتلقاها نصوصاً ثابتة من الكتاب والسنة، أو إجماعاً التقى عليه المسلمون، أو يجتهد في شأنها طبق الأدلة العامة، والقواعد الثابتة، إن لم يجد فيها نصاً ولم يتعلق بها إجماع.
ومنصب الإمامة، ذو أهمية قصوى في تحقيق الوجود المعنوي للمسلمين، فكان لا بد من إيجاد إمام لهم، وتنصيبه عليهم، للأسباب التالية:
أمن أعظم الواجبات التي أمر الله بها عباده المسلمين أن يجتمعوا على حبل الله ، ولا يتفرقوا أو يتنازعوا فيما بينهم، ولا يمكن لأي أمة أن تنجوا من بلاء التفرق والتنازع إلا إذا أسلمت مقادتها لكبير فيها، تجتمع الكلمة على رأيه، وتخضع الآراء لحكمه، ويكون من سائر أفراد الأمة كالقطب من الدائرة، يجسد وحدتهم، ويرعى بقيادته قوتهم، وهى حاجة ماسة في استقامة النظام، واتساق الأوضاع، يشعر بها حتى عالم الحيوانات والبهائم.
ب ـ إن شطراً كبيراً من أحكام الشريعة الإسلامية منوطة ـ من الناحية التنفيذية ـ بسلطة الإمام، بحيث لا عبرة في تنفيذها والقيام بشأنها إلا بواسطته وإشرافه:
стр. 1664
كالفصل في الخصومات، وتعيين الأولياء، وإعلان الحجر، والحرب وإقرار الصلح ... إلخ، فكان لا بد، لكي تنزل الأحكام الشرعية منزلتها الصحيحة المقبولة عند الله من وجود إمام يقوم بشأنها، ويرعى تنفيذها.
جـ- في الشريعة الإسلامية طائفة كبيرة من الأحكام المعلقة التي لم يجزم الشارع بوجه معين ثابت فيها، بل وكل أمر البت فيها إلى بصيرة الإمام أو اجتهاده طبقاً لما تقتضيه مصالح المسلمين وظروفهم التي يمرون فيها، مثل كثير من التنظيمات المالية، وكتسيير الجيوش، وسياسة الأسرى، فإذا لم يكن ثمة إمام يتبوأ منصبة الإمامة عن كفاءة وجدارة، بقيت هذه الأمور معلقة لا مجال للبت فيها بحكم.
د- الأمة الإسلامية معرضة في كل وقت لظهور طائفة فيها تبغي وتشق عصا المسلمين بسائق من الأهواء أو الأفكار الجانحة باسم الدين والإصلاح.
ولا سبيل إلى إطفاء نار مثل هذه الفتنة إلا بواسطة إمام مسلم عادل، يوضح للأمة المنهج السليم، ويحذرها من الانصياع للسبل الأخرى، فإن الأمة عندئذ لا يمكن أن تقع ـ بسبب الجهالة ـ في الحيرة أو اللبس، لأن ما يأمر به الإمام هو الذي يجب العمل به في حكم الله .
أما عند غياب هذا الإمام، فإن أصحاب الدعوات المختلفة من شأنهم أن يوقعوا أشتات المسلمين في حيرة مهلكة، لا مناص منها، إذ سرعان ما ينقسم المسلمون شيعاً وأحزاباً متطاحنة، وما هو إلا أن يفنيها الشقاق، ويهلكها الخلاف.
شروط الإمامة:
يشترط لمن يتبوأ منصب الإمامة أن تتوفر فيه الصفات التالية:
أولاً: الإسلام، فلا تصح إمامة غير المسلم، لأنها من الأحكام الشرعية المتعلقة بتنظيم شؤون المسلمين، فلا يمكن أن تسند إلى من لا يؤمن بهذه الأحكام.
ثانياً: الذكورة، فلا تصح إمامة الأنثى، لما ثبت في الحديث الصحيح أن
стр. 1665
النبي ﷺ قال: " لن يفلح قوم ولوا أمورهم امرأة ". (أخرجه البخاري [٤١٦٣] في المغازي، باب: كتاب النبي ﷺ إلى كسري وقيصر، عن أبي بكرة ﵁، ولأن الإمامة العظمي من شأنها أن تستوعب حل المشكلات المختلفة التي قد يتعرض لها المسلمون، وفي هذا المشكلات ما لا تقوي المرأة على مجابهتها وحلها.
ثالثاً: الرشد، فلا تصح إمامة الصبي والسفيه ونحوهما، وإن توفر مستشارون من حولهما، وقد روي الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن النبي ﷺ أنه قال: تعوذوا بالله من إمارة الصبيان ". [٢/ ٣٢٦].
رابعاً: العدالة، والعدل: هو من لم يرتكب كبيرة، كالقتل والزنى وأكل الربا، ولم يلازم ارتكاب صغيرة من الصغائر، فلا يصح تنصيب الفاسق، وهو من لم تتوفر فيه شروط العدالة.
خامساً: أن يكون لديه من العلم بأحكام الدين وأدلتها ما يجعله ذا بصيرة نافذة تمكنه من الاجتهاد فيها عندما تقتضي الحاجة. إذ إن في الشريعة الإسلامية مسائل كثيرة، لا يجوز أن يبت في أحكامها ـ بعد رسول الله ﷺ ـ إلا إمام المسلمين، وإنما يبت فيها اجتهاداً ونظراً إلى ما تقتضيه مصالح المسلمين.
سادساً: سلامة كلٍّ من حاسة السمع والبصر واللسان، بحيث لا يكون مصاباً بعاهة في واحدة منها، إذ من شأن ذلك أن يعيقه عن فصل الأمور، والنظر فيها على وجه الدقة المطلوبة.
سابعاً: النباهة والوعي العام، بحيث يتوفر له من ذلك ما يجعله كفؤاً لإدارة الحكم وحراسة البلاد والأمة من أي شر قد يتهددها. وإنما يدرك هذه النباهة ويقدرها أصحاب النظر وأهل الشورى، ومن كان له سبق معاناة لهذا الأمور.
ثامناً: أن يكون قرشي النسب، وذلك لما رواه أحمد في مسنده [٣/ ١٢٩] عن انس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " الأئمة من قريش ".
وقد روي البخاري [٣٣٠٩] في الأنبياء: مناقب قريش، أن النبي ﷺ قال " إن هذا الأمر في قريش ".
стр. 1666
وروي مسلم [١٨١٨] في الإمارة، باب: الناس تبع لقريش، أن النبي ﷺ قال: " الناس تبع لقريش في هذا الشأن ".
وليس مع هذه النصوص كما يقال الماوردي ـ المسلم بها ـ شبهة لمنازع فيه، ولا قول لمخالف له.
هذا إذا توفر القرشي الجامع لهذه الصفات السابقة، فإن لم يتوفر فليكن عربياً في النسب، أي من أصل عربي قديم، فإن لم يوجد عربي أيضاً له ما ذكرنا من الصفات، اقتصر على اشتراط الصفات السبع السابقة، أيا كان نسبة.
أما إذا فقد بعض تلك الشرائط أيضاً، فيجب عندئذ تقديم صفات الكفاءة على صفات الصلاح الشخصي، فيقدم مثلاً البصير بشؤون الحكم البارع في إدارة الأمور، وإن كان مجروح العدالة بسبب سلوك شخصي فيه، علي الذي لم تتوفر فيه تلك الكفاءة وإن كان صالحاً مستقيماً في شخصه، إلا أن شرط الإسلام لابد أن يكون متحققاً فيه.
كيفية انعقاد الإمامة:
تنعقد الإمام بواحدة من الطرق التالية:
الطريقة الأولي:
البيعة ، وسنتكلم بعد قليل عن كيفيتها وشروطها.
الطريقة الثانية:
الاستخلاف ، يعنى استخلاف الإمام لشخص يخلفه من بعده، وتُعتبر هذه الطريقة شرعية صحيحة، إذا توفر فيها الشرطان التاليان:
الشرط الأول: أن يكون المستخلفُ جامعاً لشروط الإمامة التي سبق ذكرها، بحيث لا يوجد من يفوقه في التمتع بها فإن كانت تلك الشروط غير متوفرة لديه، أو كان غيره أغني بها منه لم تنعقد إمامته.
الشرط الثاني: أن يصرح المستخلف بقبول الإمامة وأن يكون هذا التصريح ـ على أصح الأقوال ـ في حياة الإمام الذي استخلفه، ولا مانع في أن
стр. 1667
يتراخي ويتمهل في إبداء رأيه، ولا حدود مشروطة في تمهله، إلا أن يقع القبول في حياة الإمام، وقبل وفاته.
فإذا توفر هذان الشرطان انعقدت إمامه المستخلف بموت الإمام الذي قبله، ولا يُشترط لذلك رضي أهل الحل والعقد، لا في حياة الإمام السابق، ولا بعد موته.
ودليل ذلك إجماع المسلمين على صحة عهد أبي بكر ﵁ إلي عمر بن الخطاب ﵁، بقوله المشهور: (هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ عند آخر عهده من الدنيا وأول عهده بالآخرة، في الحالة التي يؤمن فيها الكافر، ويتقي فيها الفاجر: أني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن بر وعدل فذالك علمي به، وإن جار وبدل فلا علم بالغيب والخير أردت).
هذا إذا استخلف الإمام واحداً بعينه، فأما إذا جعل الأمر شورى بين جمع من الناس، وجب عليهم أن يختاروا فيما بينهم واحداً منهم بعد موت الإمام بشرط أن تتوفر فيه الشروط التي سبق ذكرها. ودليل ذلك ما أجمع عليه المسلمون من صحة العهد الذي عهده عمر ﵁ إلى واحد من ستة، فقال " هذا الأمر إلى على وبإزائه الزبير، وإلى عثمان وبإزائه عبدالرحمن بن عوف، وإلى طلحة وبإزائه سعد بن أبي وقاص).
الطريقة الثالثة:
الاستيلاء بالقوة والغلبة ، ولانعقاد الإمامة بذلك شرطان اثنان:
الشرط الأول: أن يكون المستولي جامعاً لشروط الإمامة التي سبق ذكرها، أو أن يكون أغني بهذه الشروط أو بعضها من الآخرين.
وفي عدم توفر العدالة في المستولي خلاف، والصحيح أن إمامته تنعقد بالتغلب، ولكنه يكون عاصياً بما فعل.
الشرط الثاني: أن يكون الاستيلاء بعد موت الإمام الذي قبله، أو بعد عزله، بموجب شرعي صحيح، أما إذا استولي على الأمر في حال حياته، فإن كانت إمامة من قبله منعقدة هي الأخرى بالاستيلاء والغلبة انعقدت للغالب منهما، وإن كانت
стр. 1668
منعقدة بالبيعة أو العهد، لم تنعقد إمامة هذا الثاني عندئذ بالاستيلاء والغلبة، مهما تغلب على خصمه، أو استتب له الأمر، وعليه يحمل قول النبي ﷺ : " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ". (رواه مسلم [١٨٥٣] في الإمارة، باب: إذا بويع لخليفتين، عن أبي سعيد الخدري ﵁.
وروي عرفجة بن شريح ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه ". (أخرجه مسلم [١٨٥٣] في الإمارة، باب: حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع).
البيعة: شروطها وكيفيتها:
قلنا فيما سبق: إن البيعة هي الطريقة الأولي لانعقاد الإمامة، والبيعة: هي العقد الذي يكون بين الخليفة وعامة الناس، ولا يكون هذا إلا بعد شوري أهل الحل والعقد، وأن يقع الاختيار على من استكمل صفات الإمامة تحقيقاً، وذلك لقوله : ﴿وأمرهم شوري بينهم﴾ (سورة الشورى: ٣٨).
وقد كان الناس في عهد النبي ﷺ إذا دخل أحدهم في الإسلام، مد يده إلى النبي ﷺ وبايعه على السمع والطاعة بوصفة نبياً، وبوصفه حاكماً، ولعلك تذكر من ذلك بيعة العقبة الأولي والثانية في مكة، وبيعة آحاد الصحابة ﵃ للنبي ﷺ عند دخولهم في الإسلام. ومن هذا قول عبادة بن الصامت ﵁، قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثره علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم). (رواه البخاري [٦٧٧٤] في الأحكام، باب: كيف يبايع الإمام الناس، ومسلم [١٧٠٩] في الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، ومالك في الموطأ [٢/ ٤٤٥، ٤٤٦] في الجهاد، باب: الترغيب في الجهاد، والنسائي [٧/ ١٣٨، ١٣٧] في البيعة باب: البيعة على السمع والطاعة، وابن ماجه [٢٨٦٦] في الجهاد، باب: البيعة).
[المنشط: الأمر الذي ننشط له، ونخف إليه، ونؤثر فعله. المكره: الأمر الذي نكرهه، ونتثاقل عنه. أثره علينا: الأثرة: الاستئثار بالشيء، والانفراد به،
стр. 1669
والمراد بالحديث: أنا نؤثر غيرنا على أنفسنا، ونفضلهم عليها].
فلما توفي النبي ﷺ كان لابد أن يبايع الناس من ينوب منابه، ﷺ في إدارة أمور المسلمين، ورعاية شؤونهم، وتصريف أمور الدولة الإسلامية، تعبيراً بذلك عن استمرار بيعتهم للنبي ﷺ واستمرار طاعتهم له، بطاعة خلفائه من بعده.
شروط البيعة:
وشروط البيعة لتنعقد بها الخلافة والإمامة ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن تصدر من أهل الحل والعقد، من شتي الأقطار والبلاد.
وأهل الحل والعقد هم: العلماء، والزعماء، ووجوه الناس الذين يهرع إليهم عادة في حل المشكلات، وتدبير الأمور، ولا يشترط أن يجتمع على البيعة جميع أهل الحل والعقد من سائر البلدان، كما لا يُشترط لذلك عدد معين، بل يُكتفي بمبايعة جماهيرهم من كل بلدة، سيان في ذلك الرجال والنساء، سوى أن بيعة النساء تختلف عن بيعة الرجال، بأن الأولي لا مصافحة فيها، بل يقتصر فيها على المعاهدة باللسان، دليل ذلك: مبايعة أهل مكة للنبي ﷺ يوم فتح مكة، فقد بايعه الرجال والنساء، لكنه أحجم عن مصافحة النساء.
فإذا بايع أهل الحل والعقد، أو جماهيرهم، رجلاً ممن توفرت لديه شروط الإمامة، انعقدت له الإمامة بذلك، وكان على سائر المسلمين أن يدخلوا في بيعته حقيقة أو حكماً، بأن يبايعه مباشرة، أو يعقد العزم على السمع والطاعة له ضمن الحدود المشروعة التي سوف نتحدث عنها. وإنما لم يشترط مبايعة جميع الناس له، واكتفي بأهل الحل والعقد منهم، لأن أهل الحل والعقد هم الذين ينعقد بهم الإجماع الذي هو مصدر من مصادر الشريعة وإذا قام الإجماع بهم، لم يسع بقية الناس إلا الدخول فيما اتفقوا وأجمعوا عليه، إذ الإجماع دليل قطعي لا تجوز مخالفته.
الأمر الثاني: أن يتوفر في المبايعين من أهل الحل والعقد كل من:
أدرجة الاجتهاد في موضوع الإمامة وأحكامها.
ب - وصفة الشهود من العدالة وتوابعها.
стр. 1670
فإن لم يكونوا كذلك لم تكن بيعتهم نافذة، ولم تنعقد الإمامة بموجبها.
الأمر الثالث: أن يجيبهم إليها من وقع الاختيار على مبايعته، بأن يظهر الموافقة بصريح العبارة أو كنايتها، فإن امتنع عنها، فليس لهم أن يُكرهوه عليها، ذلك لأنها عقد مراضاة واختيار، لا يصلح أن يدخله إجبار ولا إكراه.
آثار البيعة:
فإن استقرت الإمامة لمن تقلدها، إما ببيعة، أو عهد، أو استيلاء مع توفر الشروط التي ذكرناها، فقد أصبح ولياً لأمور المسلمين، وترتبت على ذلك الواجبات التالية:
أولاً: أن يُشاع بين الناس والأمة كافة أن الإمامة قد أفضت إليه، وأن يعرف لهم بصفاته ومزاياه، ,إن لم يعرفوه بعينه واسمه.
ثانياً: أن ينهض الإمام بالأمور التالية:
١ - حفظ الدين على أصوله التي جاء بها الكتاب والسنة، وأجمع عليها سلف هذه الأمة، بحيث إذا زاغ ذو شبهة، أو نجم مبتدع أوضح له الحجة، وبين له الصواب، وأخذه بما يراه من الحقوق والحدود.
٢ - تنفيذ أحكام الله تعالى المتعلقة بالمعاملات المالية والمدنية والأحوال الشخصية والجنايات وغيرها.
٣ - العمل على نشر الطمأنينة والأمن في البلدان والأقطار الإسلامية، والطرق الموصلة بعضها ببعض، وتحقيق المصالح الإنسانية المختلفة وحمايتها، من اقتصادية واجتماعية وثقافية.
٤ - تحصين الحدود والثغور بالعدة الكافية، والقوة المانعة، وتحقيق كل ما يلزم لذلك.
٥ - النهوض بأمر الدعوة الإسلامية في شتى أقطار العالم، وجهاد من عاند سبيل الدعوة الإسلامية، ووقف عقبة في وجهها.
وله في سبيل تحقيق هذه الواجبات أن يستعين بما يراه من أشكال التنظيم
стр. 1671
للجهاز التنفيذي الذي يستعين به، وبما يراه من تنصيب الولاة والقضاة والوزراء وعزلهم، وتكون أحكامه في ذلك كله نافذة.
ثالثاً: أن تدخل ألأُمة كافة في طاعته، والانصياع لأوامره، فيما لا معصية فيه، لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (سورة النساء: ٥٩) ولقول الرسول ﷺ : " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " (رواه البخاري [٦٧٢٥] في الأحكام، باب: السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، ومسلم [١٨٣٩] في الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وغيرهما عن عبدالله بن عمر ﵄.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (أجمع العلماء على وجوبا ـ أي الطاعة ـ في غير معصية، وعلى تحريمها في المعصية).
ولا فرق في وجوب الطاعة له بين أن يكون عادلاً أو جائراً، ما دامت الطاعة بذاتها ليست في معصية.
فإذا أمر بمعصية حرمت طاعته فيها، ووجب الجهر بالحق حيثما كان، أما الخروج عليه بمحاولة خلعه أو قتاله، فلا يجوز بإجماع المسلمين، لما فيه من تعريض وحدة المسلمين للتصدع والفتنة. وكالأمر بالمعصية تلبسه بها، يجب على المسلمين ـ إذا كان مجاهراً بها ـ بيان الحق والجهر بالإنكار عليه، دون قتاله والخروج عليه.
هذا إذا لم يتلبس بكفر أو يأمر به، فأما إذا فعل ذلك فإن إمامته تُلغي، ويصبح المسلمون في حل من بيعتهم له.
وسنذكر تفصيل ذلك عند البحث في عزل الإمام.
حكم الشورى، والأحكام التي تشرع فيها الشورى:
الشورى، والمشورة: هي الاستعانة بآراء الآخرين للوصول إلى الحقيقة، وحل المشكلات على أساسها.
وتنقسم أحكام الشورى الإسلامية إلي طائفتين:
стр. 1672
الطائفة الأولي:
أحكام ترتبط بنصوص بينة واضحة من الكتاب أو السنة، أو تعتمد على دليل الإجماع.
فهذه الأحكام لا شأن لها بالشورى، ولا يستطيع أحد من الناس أيا كان في مستواه أو علمه أن يغير منها، أو يطور فيها، وإنما وظيفة الحاكم أن يسهر على تنفيذها، كما جاءت بها النصوص، أو كما استقر عليه الإجماع.
الطائفة الثانية:
أحكام اجتهادية، وهي تنقسم إلي قسمين:
القسم الأول: أحكام مقررة في علم الله تعالى، تستوعبها أدلة التشريع من القرآن، أو السنة، أو الإجماع، أو القياس، ولكنها خفية تحتاج في استنباطها من أدلتها إلى بحث وجهد، فهذه أحكام تبليغية من الله في جملتها وتفصيلها، يبرم في أمرها المجتهدون من علماء المسلمين، سواء كانوا حكاماً أو رعايا.
القسم الثاني: أحكام أنزل الله تعالى كلياتها، ووكل أمر تفاصيلها، وكيفية تطبيقاتها إلي مصلحة المسلمين، وما تقتضيه ظروفهم وأوضاعهم المتطورة، عن طريق ما يراه الحاكم المسلم ببصيرته الواعية، وإخلاصه في خدمة المسلمين.
فهذه الأحكام تسمي أحكام الإمامة، أو أحكام السياسة الشرعية، لا يبرم في شأنها إلا الحاكم المجتهد، وقد مر بك في أول هذا الباب أمثلة لهذه الأحكام.
فالطائفة الثانية بقسميها خاضعة للشورى، بحيث لا يجوز أن يبرم الإمام الحكم في شيء منها إلا بعد الرجوع إلي مشورة نخبة صالحة من علماء المسلمين ومجتهد يهم.
ودليل هذا من القرآن الكريم، قول الله لرسوله ﵊: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ (سورة آل عمران: ١٥٩)، وقوله ﵎ في معرض مدح الجماعة المسلمة ـ: ﴿وأمرهم شوري بينهم﴾ (سورة الشورى: ٣٨).
стр. 1673
ومن السنة النبوية ما ثبت من استشارته ﷺ لأصحابه في مختلف شؤون المسلمين، مما ليس فيه وحي جازم، كاستشارته إياهم في غزوة بدر، وغزوة أُحد، والخندق، واستشارته لهم في أساري بدر، وفي صلح الحديبية، والأمثلة كثيرة كثيرة.
والدليل على أن الطائفة الأولي من الأحكام لا مجال للشورى فيها، قول الله : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً﴾ (سورة الأحزاب: ٣٦) وأنه ﷺ لم يكن يستشير في شيء من هذه الأحكام أصحابه، بل كان يلزم نفسه وإياهم بها كما وردت.
ولكن ينبغي أن تعلم أنه لا يوجد للشورى أي أثر ملزم للإمام الذي يستشير: أي أن الإمام ليس ملزماً أن يأخذ رأي الأكثرية مثلاً من مجلس شوراه، كما هو الشأن بالنسبة لكثير من النظم الديموقراطية. بل إن واجب الإمام أن يستعين بما عند أهل العلم والبصيرة من وجوه الرأي، وأن يتبصر بما عندهم من العلم والنظر، لعل لديهم من ذلك ما لم يتنبه هو إليه، فإذا استعرض وجوه النظر والاجتهادات كلها، كان عليه بعد ذلك أن يتخير أقربها إلي الصحة، وأشبهها بالحكم الإلهي الثابت في علم الله ، وقد علمت أن الحديث إنما هو عن الإمام الذي توفرت فيه شروط الإمامة من علم وصل إلي درجة الاجتهاد، وإخلاص في الدين، وأمانة في الخلق.
وخلاصة الفرق أن مجلس الشورى في النظم الوضعية مشرع، ومن ثم فإن رأي الأكثرية ملزم، ومجلس الشورى في الشريعة الإسلامية ناقب وباحث عن حكم الله ، فهو ليس مشرع، ولذلك يستوي فيه القلة والكثرة الغالبة، إذ قد يهتدي إلى حكم الله واحد منهم، أو كثرة ساحقة فيهم. فأيهم ظهر الحق على لسانه وجب إتباعه، وإنما يفوقهم الإمام بمزيد من البصيرة الدالة على حكم الله ، بدليل ما وقع عليه إجماعهم من مبايعته وارتضائه حاكماً فيهم مقدماً بينهم، فكان في اختياره لواحد من الآراء ما يدل على رجحانه على غيره، ومن ثم فإنه يجب على كافة المسلمين إتباعه، والاجتماع عليه.
стр. 1674
الأُسس التي ينبغي أن تنهض عليها علاقة الإمام بالأُمة:
ليس الإمام ـ بعد أن علمت أهم أحكام الإمامة وشروطها ـ أكثر من خليفة عن رسول الله ﷺ في حراسة أحكام الله تعالى عن أن تضيع أو تبدل، وفي الإشراف على سلامة تنفيذها، ولا ريب أن سلامة تنفيذ هذه الأحكام هي الضمانة لانتشار الأمن والطمأنينة، وأسباب الخير والسعادة في أفراد الأمة. ولذلك:
١ - فالإمام إذاً، لا يتمتع بأي سلطة تشريعية، إذ إن سلطة التشريع خصيصة محصورة في ذات الله ، وحتى رسول الله ﷺ ليس إلا مبلغاً عن حكم الله تعالى، فإذا اجتهد في حكم وقضي به فإن المعول في نفاذه ومشروعيته على إقرار الله له عن طريق الوحي.
٢ - ومن ثم فإن الإمام لا يتمتع ـ بسبب كونه إماماً ـ بأي امتيازات يعلو بها على بقية الناس في نطاق الأحكام الشرعية المختلفة، من قضاء وعقود وعقوبات وغيرها.
فشهادته مثلاً، لا تعلو في قيمتها القضائية عن شهادة غيره، لا في العدد ولا في الأهمية المعنوية. بل ليس له ـ وهو حاكم ـ أن يحكم بين أحد من الناس بموجب علمه فيه، أي لا يجوز أن يكون حاكماً وشاهداً بآنٍ واحد. بل هو إما حاكم، فلا قيمة لشهادته، وإنما يستند في حكمه إلي شهادة الشهود الصالحين، وإما شاهد، فينبغي عندئذ أن يتخلي عن حاكميته، ويقف شاهداً في الموضوع أمام حاكم آخر يُنيبه عنه.
وقد ترافع اثنان إلي عمر بن الخطاب ﵁ أثناء خلافته، فقال له المدعى: إن هذا ظلمني (وذكر له ظلامته) ثم قال: وأنت يا أمير المؤمنين أعرف الناس بذلك. فقال له عمر ﵁: إن شئت قضيت بينكما ولا اشهد، وإن شئت شهدت لك، ولا أقضي.
وليس له من منصبه الذي يتمتع به ما ينجيه من أي حد، أو قصاص، أو عقوبة يستوجبها بفعل صدر منه، أو ما يخفف عنه من العقوبة التي استحقها كغيره، لأمر ما صدر عنه.
ويقدر له من الأجر على قيامه بالمهام التي وكلت إليه، ما يقرره مجلس الشورى بالعرف، وحسب ما تقتضيه متطلبات الحياة الكريمة المشروعة.
стр. 1675
وإذاً فإن علاقة الإمام بالناس قائمة على الأُسس التالية:
١ - الإمام مستخلف فيهم عن رسول الله ﷺ وعن خلفائه من بعده، مع ملاحظة أن الرسول ﷺ كان يُوحي إليه، وكانت آراؤه الاجتهادية أحكاماً شرعية إذا أقرها الوحي ولم يردها أما خلفاؤه من بعده فليس أمامهم إلا كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وما أجمع عليه المسلمون، وما أمره الله بأن يجتهد فيه، وهو داخل في عموم دلالة السنة.
٢ - الإمام ولىّ لأمور المسلمين العامة، وهو التي لا تغني فيها ولاية الأفراد بعضهم على بعض. ومن ثمّ فتصرفاته في أمورهم منوطة بالمصلحة، أي لا تعتبر عنها أحكام الله ، لا لسيادة يتمتع بها عليهم، بل ليمكنوه من العمل على تحقيق مصالحهم العامة، والتنسيق بينهما وبين مصالح الأفراد.
٣ - الإمام هو الذي يباشر الإشراف على عمل من دونه من الولاة والوزراء والقضاة، فيما وكّل إليهم من الخدمات المختلفة للأُمة، فهو مرجعها فيما قد يكون لها من شكوى أو ظلامة عند أحد من ولاته أو موظفيه، وليس له أن يفوّض الأمور إلى من دونه، ثم ينصرف إلى شؤونه وملاذه، أو مصالحه الخاصة.
يقول الإمام الماوردي في الأحكام السلطانية: (عليه أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفّح الأحوال، لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملّة، ولا يعّول على التفويض تشاغلاً بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين، ويغش الناصح).
٤ - وعلاقة الإمام بالأمة بناءً على ذلك كله، هي علاقة خادم أمين بمخدومه، ورب الأسرة الرحيم بأفراد أسرته، ويبذل جهده لإسعادها، ولا يدّخر وسعاً لنشر الأمن والرخاء في ربوعها، ينساق لتحقيق ذلك كله بروح من الرحمة والإخلاص، لا بدافع من الوظيفة أو الإكراه.
ما ينعزل به الإمام:
ينعزل الإمام عن الإمامة بواحد من الأسباب التالية:
стр. 1676
السبب الأول: الكفر، سواء كان صريح القول، أو بأي فعل أو قول يستلزم الكفر، فإذا صدر من الإمام ذلك بطلت إمامته، وخرجت الأُمة عن بيعته، ووجب عليهم الخروج عليه وخلعه.
أما موجبات الفسق، سواء بارتكاب المحظورات، أو باعتناق بعض البدع غير المكفرة، فلا يستوجب العزل.
قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم: (أجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق)، ذلك لأن ضرر الفتنة التي قد تنشأ عن عزله يفوق في الغالب ضرر بقائه متلبساً بالفسق.
فقد علمت سابقاً أن الإمامة لا تنعقد لفاسق ابتداءً، فأما الفسق الطارئ بعد انعقاد الإمامة، فلا نعزل به الإمام لما قد علمت. وإن كان الفسق منه معصية وحراماً.
السبب الثاني: طروء نقص جسمي في شيء من أعضائه أو حواسه، بحيث يقعده عن القيام بواجبات الإمامة، كزوال البصر، أو السمع، أو كانقطاع يده أو رجله أو نحو ذلك. والعبرة ليست بشكل النقص، بل بما يترتب عليه من تعذر القيام بمهام الإمامة والحكم، فإن كان بحيث لا يضير في شيء من ذلك فلا يستوجب العزل، ولا يعتبر مجرد الشين في الجسم موجباً للعزل.
ومثل نقص شيء من الحواس والأعضاء فيما ذكرنا طروء خبل أو جنون ولو كان متقطعاً، فإذا كان من الشدة والكثرة بحيث يؤثر على نهوضه بواجبات الحكم عُزل وإلا فلا.
السبب الثالث: طروء نقص في إمكان التصرف، وهو يكون لأحد سببين:
أحدهما: الحجر: كأن يستولي عليه من أعوانه من يستبد بتنفيذ الأمور، فهذا الحجر لا يكون سبباً لانعزاله، ولا يقدح في استمرار إمامته، ولكن يُنظر في حكم المستولي وسياسته، فإن كان جاريين وفقاً لأحكام الدين ومقتضي العدل، وجب إقراره عليها، مع استمرار حكم الإمامة للإمام الأصلي، أما إن كانت أحكام المستولي خارجة عن حكم الدين ومقتضي العدالة، فلا يجوز إقراره عليها، بل يجب على المسلمين كف يده، وبذل كل ما في الوسع لإزالة تغلبه.
стр. 1677
ثانيهما: القهر: ويقصد به أن يقع الإمام في قبضة عدوٌّ قاهر لا سبيل للخلاص منه، ففي هذه الحالة يجب على الأمة كافة العمل بكل الوسائل على استنفاذه، وهو مستمر حكماً في إمامته، ما كان مرجو الخلاص، مأمول الفكاك، فإذا وقع اليأس من إمكان استنقاذه، فإن إمامته تُلغي عن الاعتبار، وعلى أهل الحل والعقد المبادرة باختيار غيره، فإن كُتب للأول الخلاص بعد مبايعة الثاني لم يعد إلى الإمامة، أو قبل مبايعته عاد إلى الإمامة دون الحاجة إلى عقد أو بيعة جديدة له.
السبب الرابع: أن ينعزل الإمام نفسه: بأن يستقيل عن الحكم لأمر ما، فإن كان في المسلمين من يمكن أن يقوم مقامه، ممن تتوفر فيه شروط الإمامة، وإن كان دونه في الكفاءة والمقدرة، صحت استقالته، وعُزل بذلك عن الحكم، وإن لم يكن في المسلمين من يقوم مقامه، أو يسد مسده لم تقبل استقالته، ولم يكن لعزله نفسه أي أثر شرعي صحيح، إذ إن للمسلمين حينئذ أن يحملوه حملاً على الإمامة، وعليه أن يقبلها راضياً أو كارهاً.
والإمامة وإن كانت ـ كما قلنا فيما مضى ـ عقد تراض بين طرفين، إلا أنها في مثل هذه الحالة تصبح عقد إجبار، شأنها كشأن كثير من العقود الرضائية التي تصبح عقوداً جبرية لأسباب استثنائية طارئة ـ وشأنها في ذلك شأن فروض الكفاية عند تعين من يقوم بها، فإنها تصبح فرض عين بالنسبة إليه.
فإذا عزل الإمام لسبب من هذه الأسباب الأربعة، أصبح المسلمون كافة في حل من طاعته وبيعته، وعاد في أهليته ووضعه المدني كشأن أي فرد عادي من المسلمين.
فإن ذهب السبب الموجب للعزل قبل أن ينصب غيره لم يكن ذلك موجباً لأن يعود إلي الإمامة بشكل آلي، بل لا بد من بيعة جديدة له من أهل الحل والعقد.
خاتمة:
تنصيب الإمام بهذا الشكل الذي رأيت، ولتحقيق المهام التي تحدثنا عنها واجب متعلق بأعناق المسلمين حيثما كانوا، فإن لم ينهضوا به تحقيقاً لأمر الله عز
стр. 1678
وجل باؤوا جميعاً بإثم كبير، إذ هو ـ بالإضافة إلي الضرورات الدينية والاجتماعية والسياسية المختلفة ـ شعيرة كبري من شعائر الإسلام التي يجب أن تكون بارزة حية في بلاد المسلمين.
ولا يجوز تعدد الإمام في وقت واحد، إذ إن من مهام الإمامة تجميع شمل المسلمين كافة في كافة أقطارهم وبلدانهم، وتعدد الأئمة ينافي ذلك منافاة واضحة.
والله أعلم وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين.